رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أول مشهد بدأ يختفي من العالم العربي بسبب التحولات العميقة التي هزته هو مشهد السياف مسرور الذي كان رمزا أدبيا للحكم المطلق وعنوانا تاريخيا لجمع كل السلطات في يد الخليفة العربي ولم يكن السياف مسرور سوى الجلاد الجاهز لتنفيذ أي حكم فردي وفي الحال بدون تردد أو نقاش. وبالطبع فإن غياب السياف مسرور إلى الأبد سوف يفتح عهدا حضاريا للأمة يعود فيه للإنسان المواطن حقه في الحياة بدون رعب وفي منأى عن الأمزجة والطاغوت. صورة السياف مسرور الواقف بين أيدي أمير المؤمنين هارون الرشيد ظلت تداعب خيالنا منذ الطفولة، كأنها ملحمة عربية صميمة، حين بدأنا نقرأ أمهات كتب الأدب العربي مثل كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وكتاب العمدة لابن رشيق القيرواني وكذلك أدب الخيال مثل ألف ليلة وليلة، وتواصلت صورة السياف مسرور ترافقنا مع قدوم الأفلام المصرية الأولى أبيض وأسود والمستوحاة من قصص ألف ليلة وليلة، والتي نرى فيها من خلال شاشاتنا القديمة ذلك الرجل الأسود البدين القوي مفتول العضلات والممتشق سيفا ضخما وهو يأتمر بأوامر الخليفة العباسي الذي كان يجسده عادة الممثل المصري عباس فارس بصوته الجهوري كلما ناداه: يا مسرور اقطع رأسه! وكان يقوم بدور مسرور نفس الممثل المصري على مدى ربع قرن ونظل نحن الأطفال المساكين نرتعد في قاعة السينما مع الضحية الذي لا يملك استئنافا ولا نقضا للحكم البات والفردي، ويغمض الحساسون منا وذوو القلوب الرقيقة عيونهم إلى أن يمر مشهد قطع الرأس. وما كان أكثر الرؤوس المتدحرجة في بلاطات بعض الخلفاء والأمراء والملوك عبر التاريخ العربي ظلما وعدوانا وما أكثر السيافين في كل العصور العربية المظلمة ! ومع مرحلة الاستعمار في بلاد المغرب العربي عشنا بالفعل مأساة السياف مسرور لكنه هذه المرة يخدم ركاب المحتل الفرنسي ويلاحق المجاهدين ويغتال المقاومين ورأينا مسرور يرفع سيفه البتار لينال من حقوقنا في الاستقلال والحرية وهو موظف في إدارة المستعمر. وحين حصلت بلداننا على استقلالها، تذبذبت حكوماتنا الوطنية بين انتهاج نهج الوفاق والمصالحة وبين اتباع طريق تصفية الحسابات بين الفرقاء والخصوم والمتنافسين على السلطة، فعاد شبح السياف مسرور يرتاد بلاطات الحكم في مرحلة ما بعد الاستقلال وشهدت تونس فتنة الانقسام الخطير والدموي بين بورقيبة وغريمه ورفيق كفاحه المرحوم صالح بن يوسف، واستعمل بورقيبة نفس السياف ضد الملك طيب الذكر الأمين باشا باي وأسرته وضد المناضل الكبير الطاهر بن عمار ثم ضد أقرب أبنائه أحمد بن صالح وأخيرا ضد أوفى الأوفياء له محمد مزالي وكذلك فعل بعده وريثه زين العابدين بن علي. وشهدت المملكة المغربية صراعا بين الملك محمد الخامس والسلطان بن عرفة وعاشت الجزائر فواجع التصفيات بين فصائل الدولة بعد التحالفات في مرحلة الثورة وكان آخر ضحاياها المرحوم الرئيس محمد بو ضياف عام 1992 وعشرات الآلاف من المواطنين. وأنا أكتفي بذكر السياف المغاربي مسرور لأني لو فتحت معاجم تاريخ السياف المشرقي مسرور لاحتجنا إلى مكتبات كاملة. ولكل مثقف ومواطن مصري وشامي وعراقي وسوداني أن يستعيد التاريخ القريب لبلاده ليدرك أن السياف مسرور هو أيضا مصري وشامي وعراقي وسوداني، وبأن ضحاياه بالآلاف منذ أكثر من نصف قرن. وظلت نداءات الحكام للسياف مسرور هي ذاتها مع بعض التغيير في التفاصيل. ومع انتقال السلطة بين يوم وليلة من حاكم إلى حاكم بالانقلابات وبيانات الساعة الأولى تغيرت ملامح الديكور وتبدلت الشعارات البراقة وتحولت الأساليب، لكن الذي لم يتغير هو السياف مسرور. بقي كما هو بسيفه المهند يقف وراء العرش ويأتمر بأوامر صاحب العرش وينفذ ويطيع مع تغيير في الرؤوس المقطوعة، بل إنك تحسبه لا ينظر من هو الجلاد ومن هو الضحية. ولا يهمه من الذي يعطي الأمر ومن الذي يروح في داهية. المهم بالنسبة إليه هو رفع البتار ليهوي به على رقبة بائس مغلول في القيود دون أن ترف لمسرور عين ولا أن تصيب يده رعشة، وبلا أي حزن ولا تردد ولا سؤال ولا ندم يواصل أداء وظيفته كالآلة الخرساء العمياء. إنه مسرور العربي الأبدي الأزلي. ماكينة القتل والرحم الذي يولد منه جنين النظام الجديد. مسرور الدائم منذ خمسة عشر قرنا من التاريخ العربي! هو ذاته الذي رأيناه ليلة من ليالي يوليو 1958في بغداد يقتل الملك الشاب فيصل ورئيس حكومته نوري السعيد، ثم رأيناه هو ذاته يقتل قاتلهما عبد الكريم قاسم مؤسس الجمهورية العراقية والذي كان على سدة الحكم ذات يوم من أيام يوليو1961. ثم جاء صدام حسين فقتل من قتل إلى أن قتلوه رحم الله الجميع وغفر لهم. ومنطق الرأس المقطوع كان هو مبدأ الحكم في دولة المماليك، حيث لا يبايع حاكم على العرش إلا بعد أن يقدم للجمهور رأس سلفه مقطوعا فتحل البيعة ويستوي القاتل الجديد على العرش منتظرا تنفيذ نفس المنطق يوما من الأيام على يد شقيق أو صديق أو عدو متربص، لأن مسرور يلازم مكانه بطلعته العملاقة وبسيفه المتعطش للدم، لا يتحرك إلا بأمر.
5262
| 03 أغسطس 2011
قرية جوار تقع في شمال شرقي باريس على بعد 55 كيلومترا من العاصمة الفرنسية وهي أول محطة من محطات منفاي بعد أن غادرت تونس في 24 أغسطس 1986 مع رفيق المنفى رئيس حكومة تونس الأستاذ محمد مزالي وقد سكنت بهذه القرية بمحض الصدفة لأن زوجتي الدكتورة حبيبة الشوباني خريجة كلية الصيدلة الفرنسية وجدت عملا بصيدلية القرية الوحيدة. فاستأجرنا بيتا ريفيا صغيرا يقع في ضيعة تفاح وسط حقول شاسعة معرضا للرياح الأربعة ويستحيل تدفئته في شتاء 1986 الذي كان من سوء حظي العاثر أبرد شتاء فرنسيا منذ نصف قرن! وحين كان راتب زوجتي لا يتجاوز الأربعة آلاف فرنك شهريا (ما يعادل 600 دولار) ندفع نصفه لإيجار البيت فإن ابني الوحيد آنذاك كان ينام على فراش دون سرير نحاول أنا وأمه تعزيزه بالحشايا والبطاطين التي تجود بها علينا أسرة برتغالية جارة جزاها الله عنا كل خير، والغريب أن أخي كان يبعث لي بالبريد صفحات الصحف الصفراء التي تنشر بعناوين كبيرة ومثيرة "أنباء" ثرائنا الفاحش أنا ورئيس الحكومة والإسلاميين المنفيين! وإني أردت أن أنقل للشباب بعض نوادر هذه المحطة بسبب صدور كتاب مذكرات رفيقنا في المنفى الضابط السامي الأسبق في سلاح الطيران المهندس الصديق رشيد عزوز في طبعة ثانية منقحة استعرض فيها بعض عذاباتنا وحماساتنا المشتركة في مقاومة الطاغوت ولا تخلو مذكرات رشيد عزوز من الإشارة الضاحكة والمعبرة والمؤثرة عن بعض ما عانيناه عندما كنا حول محمد مزالي في منفاه لسنوات عديدة. وإني في ذكر بعض معاناتنا أريد أيضا أن يقرأها أولئك الذين ظلمونا واضطهدونا ولاحقونا ولفقوا لنا التهم المهزلة وهم اليوم سنة 2011 مقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم منهم في السجن الذي هيأوه لنا باطلا وبهتانا فدخلوه بوجه حق بفضل قضاء مستقل وشريف، وقسم لا يزال خارج السجن لم يكتشف الناس بعد مدى إساءتهم للوطن ومناصرتهم للباطل، وقسم ثالث لا يزال يمارس هواية التدليس على الرأي العام وتمثيل مسرحية الأبرياء وضحايا ابن علي بل وحتى أبطال الثورة! والجميع رأوهم لمدة عشرين عاما يلتحفون خرقة القماش الأحمر حول أعناقهم ويملأون القاعة البيضاء في قصر قرطاج ويصفقون لابن علي ويبررون الاستبداد. وحسبنا الله ونعم الوكيل. ونعود لكتاب الصديق رشيد عزوز الذي قرأت في صفحته 85 وما بعدها ذكريات تتعلق بي شخصيا وعاشها معي هو نفسه يقول الكاتب: " أما أحمد القديدي أقرب مساعدي رئيس الحكومة محمد مزالي الذي سبق أن تحمل مسؤولية إدارة صحيفة الحزب الحاكم وكان عضوا في البرلمان وعضوا في اللجنة المركزية للحزب الدستوري في تونس فقد كان يتقاضى من زوجته الصيدلانية مبلغ 20 فرنكا يوميا (5 دولارات) ليذهب إلى باريس ويشارك في كفاحنا المشترك، ثم احتاج إلى عمل يسد به الرمق فاتجه إلى رئيس بلدية (جوار) التي يقيم فيها وقدم له شهاداته ومنها الدكتوراه فاعتذر رئيس البلدية رغم تعاطفه معه وعرض عليه أن يشتغل زبالا أو كناسا ينظف شوارع القرية وأعطاه عربة (برويطة) ومكنسة وآلة لجمع ما يتكدس على الرصيف وتوكل القديدي على الله لممارسة هذه المهنة الشريفة لأنها كسب حلال يساعد بأجرها الزهيد عائلته الصغيرة. ولا أخفي على قرائي الكرام بأن هذه المعلومات صحيحة وأن صديقي العقيد رشيد عزوز أوردها كمؤشر على أننا مع كل أطياف المعارضة التونسية عانينا ما كتبه الله لنا بصبر بل وبابتسامة الرضا والقناعة واثقين من عدالته سبحانه. أما الذي لم يذكره الصديق العزيز هو أنني عملت أيضا بعد ذلك عامل بناء بسيط في بلدية (سواسون) وهو عمل لا يقل شرفا عن مهنة الزبال وقد جاد علي بهذا الفضل أحد الإخوة الإسلاميين التوانسة الحاج الطيب عياد فحملت نصيبي من قردل الأسمنت ومن اليأجور (حجر البناء) ولكن بلطف ولين لأن الحاج الطيب كان صديقا حميما لمراقب البناء الفرنسي. وأذكر اليوم مبتسما شابا فرنسيا اسمه (شارل أندري) يعمل معي في نفس بناء العمارة وهو كثير الشكوى من ضنك الأجر ومشقة العمل فكان يقول لي بمرارة بأنه حاصل على شهادة "البكالوريا" (نهاية الثانوية) والبناء ليس عمله ويشتكي لي من سوء الحظ وعبث الأقدار وكنت أضحك في داخلي لأنه لو عرف حقيقة أمري لهان عليه أمره لأني كنت عام 1982 رئيسا منتخبا للمؤتمر الدولي لاتحاد البرلمانات في مقر البندستاغ الألماني بعاصمة ألمانيا (بون) وكان رؤساء البرلمانات يطلبون مني الكلمة بعبارة (سيدي الرئيس مستر تشيرمان) ومنهم حتى رئيس الكونغرس الأمريكي ورؤساء البرلمانات الأوروبية وغيرها! وتصوروا لو كشفت له هذا السر لاعتبرني مجنونا أو كذابا. وآخر قولي هو جزا الله الشدائد كل خير، فهي زائلة زوال الباطل ولله الأمر من قبل ومن بعد.
813
| 30 يوليو 2011
تم يوم السبت 16 يوليو الجاري توقيع اتفاقية السلام في دارفور بمدينة الدوحة بين الحكومة السودانية وحركة التحرير والعدالة بحضور صاحب السمو أمير قطر والرئيس السوداني عمر البشير وقادة دول إرتريا وتشاد وإفريقيا الوسطى وممثلين عن المنظمات الدولية والإقليمية التي تبارك هذا السلام وتعززه وتتعهد بالحفاظ عليه وهي منظمة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة الإتحاد الإفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي وبعد مفاوضات عسيرة دامت شهورا في الدوحة بإشراف وإدارة دولة قطر التي قدمت كل ظروف التوفيق للأطراف المتحاورة بحرص وتوجيه من صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حفظه الله ومتابعة يومية من معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وبإدارة ذكية باشرها سعادة وزير الدولة للشؤون الخارجية أحمد بن عبدالله آل محمود الذي طالما رأينا وجهه المتفائل بملامحه الهادئة في أدغال إفريقيا ومناطق الصراعات الأهلية وفي معابر وقاعات فندق شيراتون الدوحة وهو يحمل بنفس العزيمة تلك الأمانة الثقيلة التي كلفته بها دولته وأصر على إنجاحها بالكلمة الطيبة والضمير الصادق والصبر الجميل. وقد سجلنا بفخر ما قاله خادم الحرمين وكذلك بان كي مون من عبارات التقدير للمساعي القطرية الخيرة. والتوقيع على وثيقة السلام في دارفور تعزز اعتقادنا الذي عبرنا عنه في مختلف المنابر بأن الأزمات العربية مهما كانت درجة تعقيدها ومخاطرها مرشحة للحل العادل الدائم إذا ما وقعت أقلمتها أي معالجتها في نطاق إقليمها الحضاري والجغرافي العربي الإسلامي دون الإلقاء بها بعيدا في أيدي منظمات دولية أو في أيدي قوى عالمية لها مصالحها الضيقة ولديها أجنداتها الشخصية وليس من أولوياتها إحلال سلام بين أطراف عربية متصارعة ربما يتوقعون في اتحادها استعادة العافية والقوة. وأمامنا ملف عربي آخر تم تداوله ولم يعالجه الفرقاء الإقليميون فيما بينهم فتعطل حله وتعقد أمره وتفاقم خطره ألا وهو ملف الصحراء الغربية (البوليزاريو) الذي اندلعت شرارته الأولى عام 1974 حين انسحب الاستعمار الإسباني من شمال إفريقيا تاركا قنبلة موقوتة تسمى الشعب الصحراوي وتواجهت المملكة المغربية وجمهورية الجزائر في حرب الرمال القصيرة ثم في حروب دبلوماسية وسياسية طويلة جمدت كل مجالات التعاون المغاربي وعطلت مسيرة الاتحاد المغاربي الذي ولد محتضرا عام 1989 ولا يزال فاقد الوعي في حالة موت سريري في غرفة إنعاش مستمرة. إن وثيقة الدوحة لسلام دارفور تضع حدا لحرب أهلية دامية أنهكت لا السودان وحده بل كل شعوب إفريقيا الوسطى وهددت بإحداث شرخ عميق في قلب الأمة العربية الإفريقية قد يقضي على أمل القارة السمراء في الأمن والتعاون والنمو، وهي القارة المحرومة رغم مواردها الطبيعية وطاقاتها البشرية من نعمة التنمية والسلام منذ نيلها استقلالها في الستينات فظلت أغلب شعوبها وقبائلها تراوح مكانها في مربعات القهر والفقر والأوبئة تقودها أنظمة حكم فاسدة وتنخر إقتصاداتها الرشاوى والعمولات. ولم يكن السودان في مأمن أمين من هذه الآفات حين تعاقبت عليه حكومات منذ أربعين عاما فصلته عن محيطه وقطعته عن مصر وتكالبت أيدي تجار السياسات والأسلحة لتحريك غول الانقسامات ومنها إقليم دارفور. وتقبل السودانيون واقع استقلال جنوبه حقنا للدماء واعترافا بمستحقات جديدة يفرضها المجتمع الدولي، وهنا تبرز أهمية اتفاق الدوحة لسلام دارفور حتى يتكاتف الشعب السوداني لمواجهة تحديات المستقبل الصعبة مجتنبا الهزات والمطبات وقاطعا لطريق الدسائس والمؤامرات. ولا يخفى أن دولة قطر بهذا العمل الصالح إنما تواصل مسيرة دبلوماسية موفقة وجريئة بدأتها بمعاهدة الدوحة للسلام في لبنان حين تقابل الفرقاء الأشقاء اللبنانيون في الدوحة للاتفاق على انتخاب رئيسهم وطي صفحات اختلافهم بوساطة قطرية أخوية موفقة. كما لا يخفى سعي دولة قطر لرأب الصدع بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس وكانت اللقاءات العديدة بين أبو مازن وخالد مشعل في الدوحة خطوات مباركة على طريق الوحدة ترافقها على الدوام مواقف قطرية مشرفة لإدانة التنطع الإسرائيلي وربح المعارك الدبلوماسية في معابر الأمم المتحدة لصالح قضيتنا العربية والإسلامية الأولى. وأنا أدعو من هذا المنبر دولة قطر أن توجه عنايتها لملف الصحراء المغاربية حتى يقف نزيف جهود وخيرات وحقوق مابين أطراف عربية جميعها في الشمال الإفريقي المناضل وهو جزء من هذه الأمة ينتظر من الشقيقة قطر عملا توفيقيا ضروريا واستعجاليا والله الموفق إلى سبيل الرشاد.
450
| 23 يوليو 2011
حققنا في السنوات الأولى للسبعينات إنجازين في هذا الاتجاه الوطني هما: أولا تأسيس اتحاد للكتاب التونسيين وإقناع بورقيبة بقيام تونس باحتضان المؤتمر العام لاتحاد الكتاب العرب وتم ذلك في مارس 1973 وأشرف بورقيبة على افتتاحه بالمسرح البلدي واشترك في كتابة خطاب الرئيس كل من محمد مزالي والشاذلي القليبي اللذين شحنا الخطاب بمعاني الانتماء للعروبة والاعتزاز بتاريخ تونس المسلمة واعتبر غلاة العلمانية عملنا هذا من قبيل التنكر لفرنسا ولعليسة وحنبعل !!!! وجاء لتونس لحضور المؤتمر أكبر الكتاب من كل أنحاء العالم العربي منهم أحمد رامي وصالح جودت وحسام الخطيب وطالبت أنا في جلسة المؤتمر بأن يطلق الرئيس محمد أنور السادات سراح الكاتب اليساري المعروف لطفي الخولي رئيس تحرير مجلة الطليعة وقد كان يقبع في السجن المصري، واستاء مني الوفد المصري واحتج رسميا على تطاولي ولامني بلطف محمد مزالي لأني عضو في الهيئة الإدارية للاتحاد التونسي الذي يحتضن المؤتمر. ولم ينس لي لطفي الخولي هذا العمل إلى نهاية حياته فساندني في منفاي رحمة الله عليه. أما الإنجاز الثاني والأهم فهو الشروع في تعريب التعليم التونسي بكل مراحله وتوليت أنا في بعض مراحل هذا العمل التأصيلي الصالح مهمة مقرر اللجنة الوطنية للتعريب حيث كان عملنا مع ثلة من المربين التونسيين يهدف إلى الأسلمة إلى جانب التعريب بفضل شحن برامج القراءة والفلسفة والتاريخ بالعبقريات المسلمة التي تجعل الجيل التونسي يعرفها ويعتز بها ولا يقتصر أفقه العلمي على فولتير وروسو ومنتسكيو وفكتور هيجو رغم ما أفسحناه من مجال لعبقريات الغرب وهو خيار حضاري وعالمي لم نحد عنه. و" تطاولنا " حتى على بعض دروس كلية الطب فاغتنمنا حماس الأستاذ الدكتور سليم عمار رحمه الله وكان أستاذا محاضرا في مادة الطب النفسي والأمراض العقلية وشجعناه على إلقاء أول محاضرة في مدرج الكلية باللغة العربية وحضر محمد مزالي المحاضرة كما حضرناها جميعا لمساندة الأستاذ سليم عمار وشد أزره في وسط طبي جامعي لم يكن في أغلبه متفهما لقضية التعريب بل كان التعريب محل استهجان وهزأ من أقلية متغربة. وكانت فكرة سليم عمار هي أن مسار العلاج في الطب عموما والطب النفسي خاصة يرتكز على اللغة والتخاطب وأن المريض يحتاج إلى الإفصاح والطبيب يحتاج إلى الخطاب ولا يمكن أن تنجح عملية العلاج إلا باللغة التي تنبع من أعماق المريض أي بالعربية. وهنا اقتنعت عمادة الكلية ووزارة الصحة بأن التعريب في مجال الطب هو مطلب صحة عمومية وليس خيارا سياسيا. و في مجال آخر وفي صلب اللجنة المركزية للحزب وكانت منتخبة في عهد الزعيم بورقيبة إلى مؤتمر 1986 الذي ألغي فيه آنذاك مبدأ الانتخاب تحرك أحد أعضاء اللجنة الأستاذ الجامعي المنجي الكعبي سنة 1979 في أحد اجتماعات اللجنة المركزية ليطالب بتغيير كامل لسياسة تونس الخارجية تجاه الثورة الإسلامية في إيران التي ما تزال طرية العود وفي عامها الأول وساندت أنا الزميل الفاضل د. المنجي الكعبي بسلسلة مقالات بالفرنسية بالصفحة الأولى لصحيفة لابراس بعنوان: (البزوغ السياسي للإسلام) كما كتب الأستاذ محمد مزالي افتتاحية الفكر في نفس الاتجاه. وكنا بصراحة مجموعة " مشاكسين " في حزب ينظر أغلب قادته للثورة الإسلامية الإيرانية بعين الريبة في أفضل الحالات وبعين العداء غير المدعوم بحجة في جل الحالات. ولكن الحرب العراقية على إيران سريعا ما فاجأتنا مغيرة قواعد سياستنا الخارجية لأنها أجبرت بلادنا على الاصطفاف الجائر إلى جانب العراق ولو بحذر والتحاقا بإجماع جامعة الدول العربية. كل هذه المواقف التي عددت بعضها هي التي أقالت مزالي من رئاسة الحكومة وألبت علينا غلاة التغريب ودبرت ضدنا المحاكمات الكيدية المهزلة ونفتنا خارج بلادنا وشتتت عائلاتنا وضيعت من أعمارنا أجمل سنواتها ولم يكذب بورقيبة حين قال لمزالي بعد إقالته " لقد عربت كثيرا يا سي محمد " ولم تكذب سعيدة ساسي حين جلبتني من يدي في قصر المرمر بسقانص يوم 3 أغسطس 1986 قائلة لي بلهجة " تحت الحزام العادية لديها " يا سي أحمد أنت وصاحبك تحبوا تنصبوا الخوانجية في الحكم وخالي عمره ما يقبل هو طول عمره يقاوم فيهم... " وهنا عرفت أن ساعتنا آتية لا ريب فيها وأن المؤامرة أخطر مما توقعنا ففررنا بجلودنا متيقنين أن ساعة الحقيقة لا بد أن تأتي يوما. وفي المنافي جمعنا بإخوتنا الإسلاميين كفاح مشترك خالص لله تعالى في مقاومة الطاغوت.
651
| 20 يوليو 2011
أواصل مع القراء الأفاضل سرد بعض معالم الطريق الصعبة التي سلكتها ثلة من المثقفين من أجل استعادة قيم الإسلام والعروبة إلى الحزب الدستوري منذ الستينيات بعد أن أوضحت بعض مراجعنا الفكرية في ذلك الزمن. وقد شرعت تلك الثلة في تحرير المقالات والسعي لتأسيس اتحاد الكتاب التونسيين وكانت مجلة "الفكر" منذ تأسيسها سنة 1955 إلى غاية اغتيالها مع وصول بن علي للسلطة في نوفمبر 1987 رائدة في ترسيخ الهوية العربية الإسلامية لتونس مغتنمة مناخ الجدل الثري الدائر حول الثقافة حيث كان الحوار حول المواضيع الفكرية يحظى بقسط نسبي من الحرية مقارنة بالعمل السياسي المباشر. كما كان الملحق الثقافي لصحيفة الحزب "العمل" الذي يصدر يوم الجمعة منبرا يفتح صفحاته للأقلام الشابة والتجارب الأدبية الجريئة. ولاحظت لدى جيل الشباب الصاعد الدارس لتاريخ الأدب الحديث في تونس عناية أكاديمية بمحتوى وتوجهات مجلة الفكر والملحق الثقافي للعمل حيث أكرمنا الشباب الجامعي برسائل ماجستير ودكتوراه أكدت محاولات جيلنا لتأصيل الثقافة التونسية. وجاءت سنة 1970 حافلة بمفاجآت لم نتوقعها حيث نشرت صحيفة (لوموند) الباريسية الأوسع توزيعا والأكثر تأثيرا على الرأي العام مقالا بتوقيع القس "الأب" جون فونتين وهو رجل كنيسة وأدب مستعرب كان مديرا لمؤسسة (إيبلا) الأدبية وتحدث هذا القس عن الثقافة التونسية كأنها ذيل للثقافة الفرنسية وعن تاريخ بلادنا كأنه امتداد طبيعي للحضارة الرومانية والغربية. واعتبرنا نحن هذا المقال كأنه مظهر صارخ للاستكبار العنصري المتنكر لأصول بلادنا العربية الإسلامية وتكريسا لتوجهات النخبة المتغربة التي استغلت العداء القديم ما بين بورقيبة وصالح بن يوسف ثم ما بين بورقيبة وجمال عبد الناصر لإذكاء عقيدة عزل تونس عن محيطها الحضاري الطبيعي وإلحاقها بالغرب. وقد كتب أحد هؤلاء المتغربين مقالا عنوانه: (اليوم أغلق باب الشرق رحم الله من أغلقه)!. وكان الأستاذ محمد مزالي في ذلك الزمن مبعدا (أو مقالا) من وزارة التربية القومية من أجل مساعيه الصامدة لتعريب برامج التعليم فاتفقنا معه على تحرير رد على مقال القس نوقعه ونرسله لصحيفة (لوموند) نوضح فيه المغالطات التي تمس من حرمة تونس وتشرعن مبدأ إلحاقنا بالإمبراطورية الاستعمارية كأننا لم نستقل ولم نتحرر ! وكأن شهداء تونس لم يضحوا بحياتهم من أجل استقلالها الذي كان يعني لديهم عروبتها وإسلامها ورفع رؤوس التوانسة عاليا. وبالفعل حررنا العريضة وتطوعت أنا للطواف بها على أبرز الجامعيين والمثقفين التونسيين ففوجئت بأن أول الموقعين كان فضيلة الشيخ محمد الحبيب بلخوجة عميد كلية الشريعة وأصول الدين ولم يتردد لحظة فوقع العريضة بل وشكرني على هذا العمل الصالح وتبتعه تواقيع عديدة لمثقفين متميزين لكن عدد الذين اعتذروا أو تهربوا كان أكبر لأسباب شرحوها لي ولم تقنع أحدا. المهم أرسلنا العريضة إلى صحيفة (لوموند) وانتظرنا أن تنشرها تلك الصحيفة المعروفة بالحياد ! ولكن لم تنشر أبداً فالمنظومة الاستخرابية الجديدة كانت ملتفة حول بعضها ولا أمل لنا سوى الكتابة والاحتجاج على صفحات (الفكر) حيث كتب الأستاذ محمد مزالي افتتاحيتها بعنوان (ما أبعد الكأس عن الشفاه) واصطدمنا بغضب عدد من وزراء بورقيبة حتى أن أحدهم لام مزالي في مكتب مجلس النواب فأجابه مزالي قائلا: "عجيب كنت أحسب أنكم لا تقرأون اللغة العربية". أما أنا فمورست علي ملاحقات بصفتي الطواف بالعريضة بدأت باستجواب بوليسي ووصلت إلى حد منعي من السفر إلى باريس لمواصلة الدراسة وحجز جواز سفري الذي ظللت محروما منه إلى غاية عودة مزالي إلى الحكومة وزيرا للتربية من جديد فتسلم جوازي من وزير الداخلية مباشرة في اجتماع مجلس الوزراء وقد كنت دستوريا أعمل في الصحافة الحزبية الدستورية وتصوروا إذن حال المعارضين إذا كان هذا ما ينال الدستوري من اضطهاد في ذلك العهد. ولنا مواصلة أخيرة لإنارة زوايا مجهولة من هذه المغامرة.
558
| 14 يوليو 2011
نسجل هذه الأيام مؤشرات خطيرة تهدد بمصادرة ثورة الشعب لتحقيق أهداف مجموعات التطرف اللائكي والإقصائي غلاة العلمانية أعداء هوية الأمة وليس لتحقيق أهداف الثورة! ومن هذه المؤشرات عنونة شريط سينمائي تونسي بعنوان يلغي الله – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- (لا الله ولا السيد) وهو شعار رفعه غلاة الفوضوية والعدمية في أوروبا خلال القرن التاسع عشر. وتغيير اسم الرب في الشعار الأوروبي الأصلي باسم الله عز وعلا هو اعتداء لا على قداسة إسلامية فقط بل على ضمير الأمة وحتى على الذوق السليم ولا دخل لحرية التعبير وحرية الإبداع في هذا الاستفزاز المتعمد لأتباع أي دين من الأديان أو معتقد من المعتقدات. والمؤشر الثاني هو ظهور السيدة درة بو زيد على إحدى الشاشات تجيب عن سؤال حول الدستور فكان ردها الغريب: "يعيشكم بعدوا علينا الإسلام من الدستور" كأنما الأمر يتعلق بجزئية بسيطة مختلف عليها وليس بمقوم أساسي من مقومات أمة من الأمم ليس لها من مرجعية أخرى غير الإسلام دينا والعربية لغة! ولعل هذه المؤشرات هي التي حدت بي لكتابة بعض المذكرات التي لم يعشها شبابنا حول اجتهادات الجيل الذي سبقهم لإعادة الحزب الدستوري لمنابعه العربية الإسلامية في ظل الانحرافات المتعاقبة التي شوهته وحاولت إخراج نهره عن مجراه العربي الإسلامي والتي عوضت الأصيل باللقيط من الأفكار والسياسات على مدى نصف قرن. في كتابي (ذكريات من السلطة إلى المنفى) الذي صدر سنة 2005 في حضرة السلطان الجائر لا بعد رحيله ذكرت بعض الفصول الموجزة عن كفاح ثلة من الدستوريين أواخر الستينيات وما بعدها من أجل العودة بالحزب الدستوري إلى منابعه الأصيلة. ولم يكن متاحا لأي كان في ذلك الزمن أن يلتحق بحزب آخر لعدم وجود أي حزب أو أن ينشئ حزبا جديدا بل إن الخيارين الوحيدين المطروحين أمامنا في ذلك الزمن هما: إما محاولة العمل من داخل الحزب الدستوري من أجل ما كنا نسميه تأصيل الحركة الوطنية أو اختيار معارضة المقاهي أو معارضة الصدام وقد تأكد لنا أنهما بلا جدوى فالعصر لم يكن عصر ثورة المعلومات الذي نعيشه اليوم. وبالطبع في ذلك العهد لم تكن هناك لا رابطة لحقوق الإنسان ولا جمعيات للدفاع عنك إذا ما التف حول عنقك تنين الحاكم وأراد أن ينتقم منك. فآثرنا الخيار الأول رغم صعوبة التعامل مع بورقيبة نفسه والذي لم يكن من اليسير الوقوف في وجهه أو معارضته. وكان مع الرئيس السينغالي مناديا بالرابطة الفرنسية أو الرابطة الفرنكوفونية على شاكلة الكمنولث البريطاني بينما كان أغلب وزرائه من أشد المدافعين عن وهم " اللحاق بركب الحضارة " أي أن أدبيات الحزب الدستوري كانت في ذلك الوقت تنصب جميعا في خانة الفرنسة لغويا وثقافيا وبالتالي اقتصاديا وسياسيا. وكانت مداولات مجلس الوزراء تجري باللغة الفرنسية. وكانت فلول المتعاونين الفرنسيين تتقاطر على بلادنا لتحتل مواقع متقدمة في التربية والتعليم والإنتاج الثقافي وكان أغلب هؤلاء المتعاونين مسيسين شيوعيين أو يقضون فترة خدمتهم العسكرية في مجال التعاون الفرنسي الخارجي. وهذه الثلة من المثقفين التونسيين هي التي اجتمعت حول الأستاذ محمد مزالي رحمة الله عليه منذ أواسط الستينيات وجمع بين أفرادها إيمان عميق بأن الحزب الحاكم الذي ننتمي إليه في ذلك الظرف بدأ ينحرف عن المبادئ التي أسسه عليها المرحوم الزعيم عبد العزيز الثعالبي في العشرينيات والتي عززها واعتنقها من بعده زعماء العهدين الدستوريين أي المؤسسون الرواد من جماعة نهج غرنوطة وزعماء الحزب الحر الجديد من جماعة مؤتمر قصر هلال. والتحق بهؤلاء في الأربعينيات ملك تونس المرحوم الشهيد محمد المنصف باي الذي لقب بالباي الدستوري ولبس الشاشية التي كانت تسمى بالدستورية علامة على تشبثه بمقومات الهوية ورفض في وصيته أن يدفن في تربة الباي مقبرة آبائه وأجداده راجيا أن يوارى التراب في الجلاز بين أفراد شعبه. وكانت المنارات الفكرية التي نهتدي بها حين نجتمع في مقر نادي قدماء الصادقية ومقر مجلة الفكر 13 نهج دار الجلد في ذلك الزمن هي أن الثعالبي هو نفسه الذي أسس في مطلع القرن العشرين الحزب الوطني الإسلامي وأصدر جريدتي (الحاضرة) و(سبيل الرشاد) وجاهد من أجل تونس المسلمة العربية ضد ممارسات الفرنسة الكاملة والممنهجة التي يقودها الاستخراب الفرنسي بواسطة تحريف التعليم والقضاء على الزيتونة وتهميش التونسيين وغسيل الأدمغة تحت دعاوى " الحداثة" و "العالمية" والادعاء الباطل بعجز الإسلام عن اقتحام ما يسمى " المدنية " أي حرمانهم العنصري من التمتع بالحريات ونيل الاستقلال والتفوق في العلوم. وكان رحمه الله أحد مؤسسي المؤتمر الإسلامي في القدس الشريف عام 1931. وكان مؤسس الحزب الدستوري الشيخ عبد العزيز الثعالبي هو الرمز الذي نقتدي به في إطار تصورنا للمشروع الحضاري لتونس عربية مسلمة منفتحة على عصرها ولا تستعير حداثتها من الخارج. وللمقال بقية....
747
| 06 يوليو 2011
تحيي قناة الجزيرة هذه الأيام ذكرى تأسيسها السادسة عشرة وقد تحولت مع الأحداث إلى ظاهرة حضارية أكثر من كونها ظاهرة إعلامية أو سياسية فتغير بفضل نقلها الذكي والموضوعي للحقائق ذلك المشهد العربي البائس لتتفجر عبقرية الأمة وتشارك الشعوب في حركة التاريخ. وأذكر عندما بدأ البث التجريبي لقناة الجزيرة في قطر عام 1996 كنت أستاذا مشاركا للإعلام في جامعة قطر، وبالطبع مثل غيري من أصحاب الهم الإعلامي اهتممت عن كثب بهذه القناة الوليدة، خاصة وقد أعادت لي شخصيا بعض الزملاء والأصدقاء الذين فرق الدهر بيني وبينهم مثل الأخ الفاضل محمد كريشان والزميلة القديرة ليلى الشايب، حين عادوا من مغامرة البي بي سي العربية برصيد مهني احترافي ثري جمع في سنوات لندن بين الاستقلالية عن الإملاء والخبرة العالمية العالية. وجاء معهم فريق إعلامي رفيع المستوى يضم مؤسسي البي بي سي العربية أمثال سامي حداد وجميل عازر وفيصل القاسم وأحمد الشيخ وحسن إبراهيم وجمال ريان وأحمد الشولي رحمه الله (الذي لا أفشي سرا إذا قلت إنه صاحب أضخم مذكرة أرقام هاتفية للمسؤولين وأصحاب القرار والمحللين السياسيين في العالم) وصلاح نجم وغيرهم، لم يلبث أن انضم إليهم جمع طيب من الشباب الإعلاميين ذوي الإسهامات الطويلة في المجال الاتصالي أمثال مديرها العام الحالي وضاح خنفر وأحمد منصور وغسان بن جدو وماهر عبد الله وهويدا طه وتيسير علوني وكثيرين قد أكون ظلمتهم عندما لم أذكر أسماءهم. وإلى هذه النخبة انضم شباب قطري مؤهل مثل مديرها الأول محمد جاسم العلي والمخرج جاسم المطوع، وتشرفت شخصيا ومعي كل الزملاء بقسم الإعلام بالجامعة بأن زودنا القناة بخيرة خريجينا من الطلبة والطالبات القطريين والعرب الذين دربناهم في مختلف أقسامها ثم عملوا في القناة، وللعلم فالشيخ حمد بن ثامر رئيس مجلس الإدارة والدينامو الحقيقي لقناة الجزيرة هو أيضا من أفضل من تخرج من الدراسات الإعلامية بكلية الإنسانيات بقطر. ولكن لم تكن الجزيرة لتؤسس لولا الإرادة السياسية الذكية والجريئة لأمير البلاد الذي تحمل برحابة صدر بعض الانتقادات من قبل بعض المدعوين للحديث في برامج الجزيرة الحوارية. وقد تشرفت عام 2000 بتعييني عضوا ضمن لجنة خبراء عرب لتقييم أداء القناة إلى جانب زملاء محترمين مثل الكاتب والمفكر السعودي / تركي الحمد، وأذكر أننا اتفقنا بعد أربع سنوات من بث الجزيرة حينذاك بأن رفع سقف الحرية الإعلامية أحدث نقلة نوعية في الإعلام العربي، بالرغم من بعض صعوباته العادية. وقد عايشت الكثير من تعاطي فريق الجزيرة مع أخطر الأحداث العالمية التي قلبت موازين الدنيا رأسا على عقب ورأيت كيف تتحول " علبة الكبريت الصغيرة " في لحظات إلى مختبر حساس لمعالجة قضايا ساخنة وملفات متفجرة مثل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 حين كنت أنا المعلق الرئيسي في الأستوديو الوحيد المباشر آنذاك وعلى مدى ثلاث ساعات كاملة كان وجه العالم بأسره يتغير فيها وتتبدل ملامح الخرائط وتتسارع الأنباء التي فجرت استقرار الدنيا مع تفجير برجي التجارة العالميين.. وأذكر أن قنوات العالم وبخاصة السي إن إن نقلت أجزاء من هذه المداخلة العفوية ورأيت وجهي على شاشة السي إن إن لأول ولآخر مرة. كما أذكر أنني كنت على الهواء يوم التاسع من أبريل 2003 يوم إسقاط تمثال المرحوم صدام حسين أعلق على هذا الحدث العربي، حين بادرتني الزميلة ليلى الشايب بقولها: ها...دكتور..انتهت الحرب اليوم؟ فأجبتها بسرعة: " لا، فالحرب بدأت اليوم، الذي انتهى هو القصف ونظام البعث ". ومهما كانت الانتقادات الموجهة إلى القناة فهي فتحت طريق المزاحمة والندية مع القنوات التي درجنا على تسميتها بالعالمية وهي في الواقع غربية تخدم مصالح الدول التي نشأت فيها، واكتسبت أشواطا بعيدة في الحضور الدولي والمبادرة والسبق في عالم أصبح يعتمد على السرعة الضوئية في اقتناص الأخبار وعلى التألق في تغطيتها والتفرد في الوصول إلى قلب الحدث وصانعيه. ولا غرو أن نرى اليوم أغلب القنوات الفضائية العربية تتنافس في تقديم الأفضل والأهم والأنجع في مجالات نقل الخبر وعلى صعيد البرامج الحوارية، وقد تطورت عديد القنوات بصورة لافتة منها على سبيل المثال العربية وأبو ظبي ودبي وقناة سلطنة عمان والمصرية والقائمة ستطول على ضوء التحولات الحضارية الكبرى التي صنعتها الثورات وشيوع مستحقات العولمة وارتفاع مستوى الرأي العام العربي الذي أصبح أدق وعيا بما يحدث حوله في وطنه وفي العالم وأشد اطلاعا بفضل وسائل الاتصال الآنية على كل ما يجري في الدنيا الواسعة فهنيئا للعرب جميعا بعيد الجزيرة والشكر الصادق من القلب لكل من وضع فيها لبنة.
701
| 29 يونيو 2011
نشرت صحيفة (لاتريبون) الفرنسية في عددها ليوم 8 يونية نص استجواب لأحد الخبراء الاستراتيجيين الفرنسيين المعروفين وهو السيد (إيريك دينيسيه) مدير المركز الفرنسي لبحوث الاستعلامات جاء فيه بالخصوص تقييم لما اصطلح على تسميته بالثورات العربية أو الربيع العربي و لهذا الخبير رأي مثير للجدل فهو يعتقد بأن ما تم و يتم في تونس و مصر و ليبيا واليمن و سوريا ليس ثورات بالمعنى المتعارف للعبارة بل لخصها في كونها أنواعا جديدة مبتكرة من انقلابات عسكرية (مقنعة) هندستها و قادتها الولايات المتحدة الأمريكية بغرض رسم خارطة شرق أوسطية مختلفة تتلاءم أكثر مع مصالح الدولة الأقوى و تؤدي لا إلى ثورات جذرية بل إلى تعديل في مناهج الحكم يضرب عصفورين بحجر واحد أي يصب في خانة الطموحات الأمريكية من جهة و يستجيب لطموحات الشعوب العربية التائقة للحريات و لاحترام حقوق الإنسان من جهة ثانية. و يقر الخبير الفرنسي بأن كثيرا من الأنظمة العربية انتهت صلاحيتها و استهلكت وسائلها و على الغرب أن يساعد على رحيلها لما لا يتناقض مع مصالحه قبل مبادئه. و يستشهد السيد إيريك دينيسيه بتقارير ذات توزيع محدود صدرت خلال السنوات الأخيرة الماضية عن مؤسسات تفكير و تحليل أمريكية (ثنك تانك) أمثال (فريدوم هاوس) و(إنترناشونال ريببليكن أنستيتيوت) و (كنفاس) و (بروكنغس) و غيرها و التي توقعت حدوث حركات تمردية واسعة في عديد من بلدان الشرق الأوسط. و يقول الخبير إن واشنطن من خلال هذه المؤسسات كانت في الحقيقة تصنع الحدث و لا تتوقعه أو تحلله فحسب. و يقدم هذا الرجل ما يعتقد أنها براهين لنفي صفة الثورة عن تونس و مصر فيقول إن الحكومة التونسية المؤقتة الراهنة تتشكل من وجوه منتسبة بطريقة أو بأخرى للرئيس المخلوع و نظامه و إن المجلس العسكري في مصر لم يلغ اتفاقيات السلام مع إسرائيل ولم يوقف ضخ الغاز المصري للدولة العبرية. نحن نستعرض تحليل هذا الخبير من وجهة نظر عربية أي إننا نلفت أنظار النخبة والشعوب لما يتهدد هذه التحولات الإصلاحية العارمة من مخاطر انفلاتها من أيدي أصحابها لتخدم مصالح أجنبية أو تصب في أجندات معادية لنا متربصة بنا مهما كانت نوايا الجماهير العربية حسنة و مهما كانت مطالبها مشروعة. فالذي حدث منذ أسبوع في قرية (المتلوي) جنوب غربي الجمهورية التونسية ينذر بانعراج الثورة إلى طريق الانحراف حيث استيقظ تنين القبلية من نومه العميق و استفاق من رقدته شبح القبلية بعد أن ظننا أنه ووري التراب منذ استقلال تونس سنة 1956 حين كسر شعبنا قيود الاستخراب الفرنسي و تحرر من الجهل و دفن الخلافات الجاهلية القبلية لتصبح بلادنا عائلة تونسية واحدة متماسكة متضامنة. و لم يأت ذلك التحرر إلا بعد تضحيات شهدائنا البررة و بناء الدولة الحديثة التي خصصت للتربية و التعليم و بناء المواطن ثلث ميزانية الدولة بدون انقطاع. ومن هنا فنحن لم نفهم كيف انحدرت بعض شرائح من شعبنا الطيب الوديع إلى درك التناحر القاتل بين عائلات جمعتها على مدى أكثر من نصف قرن أواصر المواطنة والأخوة والتعاون على البر و التقوى و بالله لا تكرروا على أسماعنا المتعبة وعقولنا الحائرة أسطوانة الأيدي الخفية و المندسين من حزب التجمع و الطابور الخامس ! فحتى في حالة لو صدقنا هذه التبريرات ألم يكن بإمكان الوطنيين الشرفاء إحباط مؤامرات متوقعة من أي جهة حبكت ؟ ألم يكن في مقدور النخبة التي صنعت ثورتها أن تحمي الثورة من أعدائها بإقرار الوفاق و رفع راية الوحدة و اللحمة و التآزر؟ إن الأمن و الأمان يقعان في قلب الأولويات لكل شعب يريد أن يمسك بمصيره وإلا فإننا سوف نصدق الخبير الفرنسي الذي أنكر على أمتنا حقها في إرادة الحياة بدعوى أن الشعوب تتحرك كالدمى بريموت قوى أجنبية تتلاعب بعقول بنيها. وهو حر في استنتاجات توصل إليها لكننا نحن أحرار في رسم معالم طريقنا و تحقيق أهداف ثورتنا و صيانة حقوق شعبنا مهما كانت تحليلات المحبطين و توقعات المتربصين.
576
| 23 يونيو 2011
"المأزق" هو النعت الذي يسديه هذه الأيام أنزه مفكري اليهود وأبعدهم عن غوغاء التطرف الصهيوني لحالة الدولة العبرية وأبرز هؤلاء هم ناحوم شومسكي وشلومو صاند وإيريك رولو. وقف هؤلاء الثلاثة موقف الغاضبين من تهور اليمين الإسرائيلي العنصري وكذلك تكلموا من باب تقديم النصيحة لناتنياهو وإئتلاف حكومته حتى يعي زعماء الظرف الإسرائيلي الراهن وعيا صحيحا بالذي يتغير بسرعة وبعمق في الخارطة الاستراتيجية للشرق الأوسط ولا يغامرون من منطلق إرضاء اليمين الصهيوني بالزج بدولة اليهود في نفق مظلم قد لا تكون نهايته سوى نهاية إسرائيل ذاتها. ويعتقد هؤلاء المعتدلون بأن انخراطا جديدا متنطعا في مستنقع المواجهة مع الفلسطينيين والعرب عموما والمسلمين بشكل أعم سوف يعود بالوبال على إسرائيل ولن تنفع حركات الرئيس الأمريكي المتذبذب البركة بن الحسين أوباما في ترجيح كفة الإيديولوجية الصهيونية على كفة التوازنات الإقليمية والدولية الطارئة منذ الثورات العربية إلى اليوم. فالرئيس الأمريكي ألقى أربع خطب في ظرف أيام متتابعة وحبلى بالمفاجآت بدأها بلقاء مع الكونغرس حول التحولات العربية فباركها وأراد استثمارها ونصح بتوجيهها نحو جنة الحريات الأمريكية وخص الخطاب الأخير أمام لجنة العلاقات الإسرائيلية الأمريكية (أيباك) قاطرة اللوبي اليهودي المتعصب في الولايات المتحدة لإعلان تراجعات عجيبة عن موقفه الداعي لتأسيس الدولة الفلسطينية على حدود 1967 فتلعثم وتأتأ واحتار ثم اكتشف مخرجا دبلوماسيا غبيا لا هو يقر بحدود 1967 ولا هو يتنكر لها ولا هو يدعو لها ولا هو يعترف بها (مع العلم أن هذه الحدود ليست فلسطينية بل أممية أقرتها منظمة الأمم المتحدة وبصمت عليها كل دول الأرض بالعشرة). ويؤشر التخبط الرئاسي الأمريكي على ضبابية السياسة الخارجية الأمريكية تجاه أخطر ملف مطروح على الساحة الدولية والذي يبقى هو قلب الرحى ومركز الزلازل القادمة في الشرق الأوسط والعالم على مدى العشرية القادمة. (راجع نتائج استطلاع الرأي لمعهد إيبسوس في مايو 2010). جرت مياه جديدة ونقية تحت جسور العالم منذ تاريخ 17 يناير- جانفي يوم أضرم الشاب التونسي الشهيد محمد بوعزيزي النار في جسده الغض رفضا مأساويا للقهر والبطالة والتهميش فاندلعت شرارة صغيرة في مدينة سيدي بوزيد التونسية لتطيح بواحد من الأنظمة العربية المندرجة في مسيرة ما يسمى السلام والمفاوضات. وعقب ذلك السقوط دوي ثان في مصر هذه المرة أي في قلب العروبة النابض الحي وعلى حدود إسرائيل. ثم اشتعلت حرائق أخرى في ليبيا واليمن وسوريا موحية بأوضاع داخلية عربية جديدة ولكن أيضا بسياسات خارجية عربية جريئة وغير مسبوقة. فالدول التي ستنشأ من رحم هذه الثورات ستكون مرجعيتها إرادة الشعوب لا الإملاءات الغربية والأمريكية تحديدا وهي التي ورطت العالم العربي في سوق مزايدات تفاوضية مستمرة منذ يوم 13 سبتمبر 1993 يوم توقيع أول معاهدة سلام توجتها مصافحة تاريخية ومصطنعة بين أبوعمار رحمه الله وإسحاق رابين بمباركة " انتخابية " من الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتن. عشرون عاما تنقص قليلا تفصلنا عن التحول الدولي في قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي قادتنا إلى مأزق عربي راهن لعله يتحول إلى مأزق إسرائيلي خطير وتوسطت العقدين عملية نسف البرجين بمدينة نيويورك في ظروف غريبة ومجهولة إلى اليوم أعقبتها هجمة مرتبة مسبقا على أفغانستان ثم على العراق في انتظار إيران وسوريا (راجع رسالة زعماء المحافظين الجدد لبوش الأب سنة 1997 بتوقيع رامسفيلد وبرامز إليوت وريتشارد بيرل وفولفوفيتز وديك تشيني الذين تحملوا بعدئذ مناصب رفيعة وحساسة في إدارة بوش الابن) وبالفعل شنت الحرب على كل من أفغانستان والعراق كما طالب الموقعون على الرسالة التي تحمل عنوان: من أجل قرن أمريكي جديد ونتج عن الحربين انفراد الولايات المتحدة أولا بالقوة العسكرية الأكبر والأعتى وثانيا بالقدرة الحصرية على اتخاذ القرارات الدولية النافذة في المجالات الدبلوماسية والنقدية والاقتصادية والاستراتيجية. شاشة العالم غائمة والصور ضباب والصوت غير مسموع والإرسال شبه مقطوع. هكذا توحي الغطرسة الإسرائيلية في نوع من أنواع مسرح العبث السياسي بأن الأيام القليلة القادمة قد تخبئ لنا أمرا ما....
623
| 15 يونيو 2011
الذي حدث في مدينة سليانة وفي قرية الروحية بالبلاد التونسية يوم الأربعاء الماضي يعتبر سابقة خطيرة و مؤشر تحول نوعي لمسلسل نرجو ألا يستمر من العنف و علامة من علامات فوضى لا نراها خلاقة و لا حبلى بالفجر الموعود. فالشهيد المقدم الطاهر العياري الذي قتله رصاص عصابات مسلحة مجهولة أو معلومة لم يكن يعلم قطعا بأن بلاده الوديعة مستهدفة و بأن مواطنيه مقبلون على مرحلة حرجة غامضة من الاندساس الإرهابي الوارد علينا من حدودنا و لم يدر بخلده رحمه الله بأنه ضمن كتيبته من الجيش التونسي سيواجه شبابا مسلحين لا يعلم أحد من أين جاؤوا و لا بمن سلحهم و لا لأية غاية. على مسافة أربعة شهور صعبة و مليئة بالأمل منذ منتصف يناير إلى منتصف مايو تغير المشهد السياسي و الاجتماعي التونسي بشكل جذري و توارى الصمت ليفسح المجال أمام انفجار التعبير و الطاقات و الانتظارت و المطالبات و البرامج و الحوارات، و اندلعت الحريات بشتى أصنافها لتأخذ حظوظها المغتصبة منها و فوجئ التونسيون بظاهرة جديدة لم يألفوها منذ نصف قرن وهي تقلص الأمن بمعناه المدني أي المنظم لحياة الناس و الضامن لبقائهم و أرزاقهم و أطفالهم. ولعل هذا التقلص أو أحيانا الغياب جاء نتيجة لمناخ انعدام الثقة المؤقت بين المواطن المدني و المواطن لابس الزي فحل سوء التفاهم محل الحوار واكتشف الناس بأن الشرطة و الحرس الوطني جهازان أساسيان لحماية المواطن و حقوقه و ممتلكاته و دلت عمليات سبر الآراء على أن الهاجس الأول لدى أغلب المواطنين هو هاجس الأمن لأن الأمن بمفهومه الحداثي الديمقراطي يعني بكل بساطة توفير اللبن للرضيع و الدواء للمريض و الراتب للموظف و المتقاعد نهاية الشهر و فتح المدارس و الجامعات في وجوه مليون من بنات و أبناء تونس و رفع النفايات من الشوارع و تزويد العائلات بالخبز و الخضار و الكهرباء و الغاز و بتوصيلة الإنترنت لجزء كبير من الشعب. تمر بعض المجتمعات العربية هذه الأيام بمرحلة مخاض عسير لمولد دولة الحق و القانون و العدل وهي مرحلة ليس من اليسير توقع نتائجها أو ضمان عواقبها بسبب ما يترصد مسار التحولات الكبرى من مخاطر التفاف قوى الردة عليها بشتى الأساليب و مختلف الألاعيب. و لعل أخطر ما يجهض هذه الحركات الإصلاحية هو انتشار الفوضى و ضياع البوصلة و انقلاب قوى الخير ضد بعضها البعض و التخلي عن احترام الاختلاف ليحل محله منطق إقصاء الآخر بدعاوى إيديولوجية أو طائفية أو حزبية أو جهوية أو قبلية. هل يمكن أن نعتبر أي تغيير ناجحا و أن نعتبر أي تحول مباركا إذا ما أفقنا ذات صباح على صراخ رضيع فقد الحليب و على أنين مريض فقد الدواء و على حسرة رب أسرة لم يستطع صرف راتبه لأن البنك موصد و على مأساة والد احتفظ بابنته في البيت عوض الذهاب إلى مدرستها بل إن هذه المعضلات تبدو أرفق و ألطف أمام أم ثكلت ابنها الشاب الذي خرج و لم يعد و أمام فتى في مقتبل العمر أصبح معاقا و أمام صاحب مصنع وقف عاجزا أمام حريق حول ثمرة كفاح عمره إلى كومة رماد. كل هذه التوابع المتوقعة أو الطارئة عشناها و عرفناها في تونس و دقت اليوم ساعة الجد حتى تفيق النخبة مهما كانت مواقعها الفكرية أو مصالحها الانتخابية على حقائق جديدة من مغبة وأد أحلام الشباب و تحويل نهر الحريات عن مساره التاريخي ليتمخض عن تسونامي هادر لا يبقي و لا يذر. إن عديد الحركات عبر التاريخ المعاصر و القديم جاءت بثمراتها المرة عوض إهداء الحريات للأمم و حل دكتاتور أحمر عوض الدكتاتور الأخضر و تغيرت الشعارات لكن الحقوق صودرت و الأفواه كممت و الأحلام أجهضت. و أنا الذي عشت في طفولتي عهد الاستعمار الفرنسي و صفقت للاستقلال على أيدي بورقيبة ثم بعد ثلاثين عاما من البورقيبية علقت الآمال على من أزاح بورقيبة رغم معاناتي للمنفى و المظالم و الكيد ثم سريعا ما خاب الظن و انطفأ الأمل و بعد 23 سنة من الاستبداد فرحت ككل التونسيين بحركة التغيير يوم 14 يناير 2011 و علقنا الرجاء على نضج الشعب و وعي النخبة. فارحموا هذا الوطن يرحمكم الله و لا تقلبوا الأولويات فالتاريخ له نواميس و سنن لا تتغير و لا تتحول.
617
| 25 مايو 2011
تألمت جدا هذا الأسبوع لرحيل صديق شخصي عزيز هو الوزير الفرنسي الأسبق (برنار ستازي) عن سن الثمانين وهو رجل المبادئ الأخلاقية في سياسة فرنسا والاتحاد الأوروبي والذي غادر الحكومة في عهد الرئيس جورج بومبيدو عندما صدع سنة 1973 بموقف صارم وغاضب ضد الجنرال الانقلابي أوغستو بينوشيه الذي اغتال ولي نعمته الرئيس المنتخب سالفدور ألندي في جمهورية التشيلي. وتصرف رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك من منطق ضرورة الانضباط الحكومي وعزل برنار ستازي الذي تسلح دائما بمنطق القيم السياسية. وعاود الكرة في ديسمبر 1975 حين نشر مقاله في صحيفة لوموند منددا بما سماه "انحراف الرئيس جيسكار نحو الاستبداد" ثم تميز منذ أواسط السبعينيات بموقفه ضد عقوبة الإعدام قبل أن يلغيها الرئيس فرنسوا ميتران في الثمانينيات. وتألق برنار ستازي في أكتوبر 1986 حين وقف وقفة مناضل حقوقي باسل ضد اليمين الفرنسي والأوروبي المتطرف في مواجهة تلفزيونية مع زعيم العنصرية المناهضة للمهاجرين العرب رئيس حزب الجبهة الوطنية جون ماري لوبان ودفع ستازي ثمن شجاعته غاليا حيث فقد رئاسة لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الفرنسي بسبب تكالب أصوات النواب اليمينيين ضده. أما جهاده المناصر للعرب فقد توج بنشر كتابه الجريء الشهير في مؤسسة لافون للنشر بعنوان: "الهجرة فرصة تاريخية لفرنسا". وهنا بدأت بيني وبينه علاقة صداقة متواصلة لم تنقطع حيث كنت أنا عضوا في البرلمان التونسي ومقررا للجنة السياسية فيه وراسلته شاكرا له ومقدرا هذه الجرأة النادرة في نصرة المهاجر العربي وهذا الوقوف المشرف إلى جانب حقوق أبنائنا المهاجرين في مجتمع فرنسي وأوروبي شرع ينجرف وراء بهتان العنصريين والاستعماريين من اليمين المخادع فنسي المجتمع الغربي أن هؤلاء المهاجرين هم من أسسوا أغلب البنية التحتية الأوروبية من طرقات سريعة وجسور وسدود منذ الخمسينيات في ظروف يعلمها الله من البرد والعراء والفاقة والسكنى في أكواخ القصدير المحيطة بمدن الثلوج، ثم إن هؤلاء المهاجرين هم أبناء أولائك الجنود التوانسة والجزائريين والمغاربة الذين هبوا لتحرير فرنسا من الاستعمار النازي الهتلري في أغسطس 1944 حين جمع الجنرال الفرنسي (لوكلارك) صفوفهم فيما سمي بكتائب لوكلارك التي أبحرت من شواطئ المغرب العربي لتقاتل الجيش النازي وتنقذ فرنسا وهو ما غاب تماما عن ذاكرة الأجيال الفرنسية المتعاقبة في نوع من الجحود المخزي الذي لا يليق بالأمم الكبيرة الأصيلة. وبدأت بيني وبين هذا المناضل مراسلات ولقاءات عديدة توجناها معا سنة 1985 بتأسيس جمعية الصداقة البرلمانية التونسية الفرنسية ثم أصابتنا أنا وصديقي محمد مزالي رئيس حكومة تونس آنذاك محنة المنفى إلى باريس في صيف 1986 تلاحقنا فلول أذيال الاستعمار وأعداء الهوية من بطانة الزعيم الحبيب بورقيبة بسبب ما أحدثناه من ثورة صامتة في برامج التربية التونسية حيث رفعنا لواء التعريب لأغلب المواد المدروسة في مؤسساتنا التربوية وانحزنا إلى العبقريات المسلمة لنشحن بها فلسفة التعليم ورحنا ضحية مؤامرات الصراع من أجل وراثة الزعيم بورقيبة. وفي المنفى العسير كان برنار ستازي هو الملجأ الأمين والصديق الصدوق دافع عني وعن الأخ محمد مزالي بنوع نادر من الوفاء للمبادئ لم ألمسه في كثير من الغربيين وكان لي ولمحمد مزالي نعم السند في الملمات حين جاء زين العابدين للحكم وأمعن في الانتقام الرخيص مني ومن صديقي مزالي ومن كل من لم يرق له ولوزيره الأول آنذاك وهو ما ذكرته في كتابي المتواضع الصادر سنة 2005 في حضرة السلطان الجائر لا بعد رحيله بعنوان (ذكريات من السلطة إلى المنفى). وقف برنار ستازي معي ومع حرية بلادي وضد القمع وساعدني خاصة يوم إيقافي من قبل النائب العام بمدينة فرساي الفرنسية بطلب كيدي لجلبي إلى تونس مكلبشا يوم 25 أغسطس 1992 بتهم غريبة وعجيبة ضدي وضد مزالي فعلم بالأمر برنار ستازي واتصل بوزير العدل الفرنسي آنذاك (ميشال فوزال) الذي أسرع بإطلاق سراحي ونال نظام الطاغوت صفعة مدوية وللتاريخ والعبرة أقول اليوم بأن الظلم لا يبز الحق وأن الله لا يحب الظالمين وأن العاقبة للمتقين. ولكني رغم مرور الأيام لن أنسى للوزير برنار ستازي نبله وسمو أخلاقه نحوي ونحو وطني وأبناء وطني ونحو القضايا العادلة.
1241
| 18 مايو 2011
تشابهت الحركات الإصلاحية التي تعاقبت على العالم العربي منذ شهور فكان طابعها الثوري السريع هو الرابط بينها ولكنها ستمكث في عمقها التاريخي وفي بعدها الحضاري وفي غاياتها النبيلة حركات تأصيلية للأمة تستعيد لها مقومات كبريائها الضائعة وتسترجع لها أمجادها المقموعة وتعيد تأسيس الجسور المهدمة بين واقع الأمة ومنطلقات تراثها الغني والزاخر من دين قويم وانتماء عروبي ولغة عريقة وقيم أخلاقية وتسامح وسطي واعتدال ناجع. ويخطأ من يعتقد بأن الحداثة هي بضاعة عالمية بلا جنسية نوردها ونصدرها كما نشاء ونستعيرها كما يستعار الرداء لأن الأمم التي نهضت وسبقتنا آلاف الأميال هي التي صنعت حداثتها من معدن تراثها الأصيل مثل اليابان وماليزيا وتركيا وكل الشعوب الأوروبية وبلدان أمريكا اللاتينية ولأن الأمم التي اعتقدت حتى عن حسن نية بأن الحداثة الوحيدة المتاحة لها هي حداثة أمريكا وأوروبا فاستنسخت نهضتها من النماذج الغربية المسيحية وترون نتيجة هذا الضلال الحضاري في الدرك الأسفل من التخلف والاستبداد والتبعية والاستكانة والمذلة التي دمغتنا في المجتمعات المتذيلة للغرب وبالتالي لإسرائيل فلم تحصل لا على النهضة ولا على الحداثة وكادت تخرج من التاريخ الحديث مطرودة مدحورة بل إن بعضها مثل العراق عاد إليه الاستخراب الملقب بالاستعمار. إن تحصين الأمم المستضعفة من مخاطر الانصهار في أمم مستكبرة أقوى منها لا يمر إلا عن طريق التأصيل أي ابتكار أدوات الحضارة من أصولها الفكرية دون انطواء أو انزواء. وقد وفق الله فريقا من أهل الرأي في تونس في الستينيات إلى انتهاج تعريب برامج التربية والتعليم وأسلمة الثقافة الوطنية في عهد الزعيم بورقيبة الذي عرف عنه عداؤه للهوية حين ناصر التمدد الفرنكوفوني اللغوي والحضاري وتقدم بمعية الرئيس السينغالي الراحل سيدار سنغور بمشروع الرابطة الفرنكوفونية على غرار منظمة الكومنولث البريطانية. وكان بورقيبة متأثرا بمغامرة مصطفى كمال أتاتورك ويريد عن حسن نية تحقيق ما كان يسميه (اللحاق بركب الحضارة) وهو يقصد ركب الحضارة الفرنسية والغربية عموما بتسريع الخطى التونسية نحو هذا "المثل الأعلى". ولا يمكن أن نبلغ "المثل الأعلى" حسب تقدير الزعيم الراحل إلا بالتخلي عن مقومات الهوية ولو رمزيا مثل نبذ الحجاب وسن قوانين الأحوال الشخصية حسب القالب الأوروبي وتصفية منظومة الأوقاف وقد كانت تشكل العمل الخيري والمجتمع المدني ثم تقليص منزلة اللغة العربية وتقزيم جامعة الزيتونة واعتبار صيام رمضان عائقا نحو التقدم.. إلى آخر تلك الخيارات التي اعتمدت عليها الدكتاتورية النوفمبرية بعد وفاة بورقيبة لتمعن في نفس النهج بدهاء إستراتيجي للبروباجندا السياسية افتقد خلاله نظام بن علي ذكاء بورقيبة ونواياه الطيبة وغيرته الوطنية فجاء الانسلاخ عن الهوية هذه المرة وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما مصحوبا بالجهل الفادح والفساد المستشري ورفع فيه اليسار المتطرف والمتحالف مع بن علي شعار تجفيف المنابع واستئصال شأفة الهوية العربية الإسلامية مؤيدا بتصفيق اليمين المتعصب في الغرب ومعززا بإعانة الصهيونية المتجذرة. وهذا الخطأ في تقدير فرنسا والغرب ندمت عليه الدبلوماسية الفرنسية على لسان وزير خارجيتها (ألن جوبيه) منذ أيام قليلة في تونس ما بعد الثورة حين قال علنا بأن باريس أساءت تقييم المشهد السياسي التونسي والعربي عموما حين أيدت الدكتاتوريات العاتية خوفا من الإسلام والإسلاميين. وجاء هذا الندم المتأخر من الحكومة الفرنسية إيمانا منها بأن الحركات الإسلامية ليست إرهابا بل اجتهادات ديمقراطية مدنية يمكن أن تتعايش مع كل الأطياف الفكرية وتحترم كل الحريات الأساسية وتقدر الغرب حق قدره وتتعاون معه في مناخ من السلام والأمن بل وتأخذ من الغرب أفضل إنجازاته الديمقراطية وترعى الحداثة الحقيقية لا الحداثة اللقيطة. هذا ما نراه اليوم ونحن نقرأ اختلاف نوايا المنادين بعقد جمهوري تونسي، فالمبدأ في حد ذاته نبيل لكن بعض المنظرين لعداء الهوية لا يخفون مقاصدهم الرامية إلى إقصاء بعض منافسيهم عبر آلية هذا العقد معولين على قطع طريق صناديق الانتخاب ليكونوا في مأمن من حكم الجماهير غدا. ولتلك الأسباب ندرك بأن محرك هؤلاء المتغربين ليس الخوف من هوية الشعب بعروبته وإسلامه فحسب بل الخوف من الشعب نفسه، وهنا مكمن الخطر.
790
| 05 مايو 2011
مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها...
5046
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية...
2712
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير...
2331
| 02 يونيو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة...
1653
| 29 مايو 2026
دخلنا عصراً جديداً توجهنا معه وخاصة مع جائحة...
1479
| 01 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر...
1158
| 02 يونيو 2026
في كل دعوة أو مناسبة يحضر فيها زملاؤك...
867
| 29 مايو 2026
مع ولادة الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت...
864
| 31 مايو 2026
الموظف الحكومي من أكثر الأشخاص الذي مهما فعل...
798
| 31 مايو 2026
ودعت قطر أمس ببالغ الحزن والأسى والرضا بقضاء...
738
| 30 مايو 2026
السؤال المهم في الدوائر السياسية الأمريكية منذ نجاح...
738
| 31 مايو 2026
أنواع النخب الاجتماعية عديدةٌ، وذلك بحسب المجال الذي...
693
| 01 يونيو 2026
مساحة إعلانية