رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"نحن حسن بن فلاح عميد قضاة التحقيق بالمكتب الأول بمحكمة تونس بعد الاطلاع على الفصلين 104/107 من مجلة الإجراءات الجزائية وعلى البحث الجاري ضد أحمد بن الصادق بن الطيب القديدي المولود في... بالقيروان وابن السيدة الحداد وضد أبوبكر بن محمد بن المختار العمامي ابن عيشة بنت التليلي العمامي المولود في... بسيدي بوزيد وليس لهما سوابق عدلية الأول بحالة فرار والثاني بحالة سراح. نصرح بكل ما تقدم وبقيام الحجج الكافيةعلى إدانة المتهمين حسب أحكام الفصل 297 من ق ج وإحالتهما على الحالة التي هما عليها صحبة ملف القضية والوثائق من أجل ذلك على دائرة الاتهام لتقرر في شأنهما ما تراه....." أردت أن يقرأ جيل شباب تونس والعالم العربي كيف كان الطاغوت العربي يستعمل القضاء ويوظفه لسحق الخصوم السياسيين في هذه الأيام التي كثر فيها الجدل حول تطهير القضاء في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. والنص الذي بدأت به مقالي نقل حرفي لوثيقة إدانتي من قبل الحكم الاستبدادي وهي صفحات مطولة تعتبر بدعة من بدع تحويل سلوك عادي إلى جرائم وابتكار جنايات انطلاقا من تفاسير عجيبة لفصول القانون ولي عنق الحق لإلباسه الباطل. وكنا في زمن الجمر تلك نسلم هذه الوثائق للأستاذ رجل القانون الفرنسي (فرنسيس سبينار) ليقوم بتدريسها لطلابه في كلية الحقوق والمدرسة العليا للمحاماة بباريس كوثائق حية عن المحاكمات الكيدية وكيف يصنع بعض رجال القضاء للأبرياء تهما ملفقة ويحكمون عليهم بالسجون والمنافي وأحيانا بالموت. وأقول بعض رجال القضاء لأن هذا السلك والحمد لله أغلبه من الشرفاء وأصحاب الضمائر الحية. وقد رجعت لهذه الوثائق التي يعود تاريخها إلى عقدين ونصف وذكرت عميد قضاة التحقيق بالاسم لأننا في منفانا الطويل ومقاومتنا العسيرة لأنظمة الظلم طالما تذكرنا هذا القاضي حسن بن فلاح وقد كان هو الذي كلفه النظام أيضا "بالتحقيق" في قضية رفيق الكفاح والصبر الأستاذ محمد مزالي رئيس حكومة تونس الأسبق رحمه الله وطيب ثراه وكذلك قضية نجله المختار مزالي الذي حوله هذا العميد من موظف بسيط بشركة الحليب إلى مجرم فاسد متلاعب بالأموال العامة ومختار مزالي لا يملك حتى شقة تؤويه. وكذلك كان عميد قضاة التحقيق ذاته هو الذي فبرك تهمة أولى لصهر رئيس الحكومة مزالي الدكتور الطبيب رفعت الدالي تتعلق بتدبير مؤامرة لعزل الزعيم بورقيبة بواسطة شهادة طبية تثبت عجزه عن الاضطلاع بمهام رئيس الجمهورية تمهيدا لإعدام الرجل وإعدام محمد مزالي لكن هذا القاضي حسب ما أورده الأستاذ الصديق المحامي الطاهر بوسمة في شهادته على منبر مؤسسة التميمي الجامعية لم ينجح في إثبات هذه الجناية ضد الدكتور الدالي فغيرها إلى تهمة أخرى! وظل الدالي في السجن عاما ونيف ثم أطلق سراحه ليلتحق بنا في المنفى ويحدثنا عن التعذيب الرهيب الذي لحق هذا الطبيب دون أن يتحرك الدكتور سعدون الزمرلي رئيس نقابة الأطباء ورئيس رابطة حقوق الإنسان التونسية آنذاك ليدافع عن زميل مضطهد ومصعوق بالكهرباء في الأقبية التي راحت بلا رجعة إن شاء الله. كما أن بن فلاح هو الذي حقق في قضية الدكتور المحامي عبد المجيد بودن رئيس البنك التونسي الفرنسي الذي رفض تقديم رشاوى لعائلة الطرابلسي فنال 18 سنة سجنا أنجاه الله منها بالفرار. و حدثني سكرتير الزعيم بورقيبة صديقي محمود بن حسين الذي رماه زين العابدين بن علي حال استيلائه على السلطة يوم 7 نوفمبر 1987 في السجن بسبب أغراض قديمة وهو الذي ظل سجينا عامين كاملين رغم كبر سنه فقال لي : كان أول عهدي بغيابات السجن مثولي أمام حسن بن فلاح الذي سجل أقوالي على صفحات ولما انتهى "التحقيق" ووقع عميد قضاة التحقيق هذه الإحالة الجنائية هممت بالتوقيع بدوري فاختصر بن فلاح أتعابي وضياع وقته ووقتي قائلا لي: "هل ترى جدوى من قراءة كل هذه الأوراق ؟ إن التعليمات من فوق وصلت ولا فائدة". و هنا لا بد أن أذكر قرائي الأفاضل وربما أذكر الرأي العام التونسي والعربي والمهتمين بتطهير القضاء بما يجهله السيد بن فلاح من عواقب أعماله أولها أن الرجل البرئ الذي حشروه معي في القضية الكيدية الحاج أبو بكر العمامي هو مقاوم للاستعمار أيام الكفاح التحريري وأنه أمام مكتب عميد قضاة التحقيق وأمام هول المظلمة التي أصابته سقط على إثر نوبة قلبية وتوفاه الله وبالطبع فإن بن فلاح لم يسمع عن ذلك شيئا أو هو سمع ولم يحرك ساكنا. أما القاضي الذي أصدر علي وعلي أبي بكر العمامي وعلى أغلب السياسيين الأحكام الجائرة واسمه الطيب بن عبيد فقد توفاه الله فجأة ولا يعلم أحد لماذا وكيف. وإني أترحم عليه من باب أذكروا موتاكم بخير ونحن لا نحمل غلا أو حقدا ضد من ظلمونا. كما أنني ومحمد مزالي ورفعت الدالي ومختار مزالي وآلاف غيرنا من المضطهدين تشتت عائلاتنا وضاعت أعمارنا وتفرق عيالنا وبيعت منازلنا وأنا شخصيا حرمت من رؤية بناتي ووالدتي تسعة أعوام كاملة ! والسيد عميد قضاة التحقيق مطمئن بل بلغني أنه صرح أخيرا أن ضميره راض عن أحكامه! والله أحكم الحاكمين هو الذي يعلم ونحن لا نعلم وهو الغفور لنا ولهم والرحيم بنا وبهم. لكن تطهير القضاء أولوية مطلقة إذا أردنا طي صفحة الفساد والاستبداد.
1514
| 19 يونيو 2012
بعث لي بعض الأصدقاء مشكورين هذا المقال الذي كتبه أو أملاه كبير المناضلين نيلسن مانديلا ينصح فيه الماسكين بدفة الحكم في تونس ومصر قبل أن تلتحق ليبيا واليمن وقريبا سوريا بموكب الربيع. وصادف أني كنت هذه الأيام أطالع بالفرنسية كتاب مذكرات مانديلا الذي صبر وصابر في السجون 27 عاما ثم حقق أعظم ثورة سلمية في العالم من أجل القضاء على عار التميز العنصري وإقامة دولة ديمقراطية عادلة جمعت بين البيض سادة الأمس وبين السود أصحاب الحق دون السقوط في حروب الردة والنكوص ودون فتح أبواب الفتنة والتصفيات والانتقام والتشفي. فإذا لم نسمع نصيحة هذا البطل الحكيم فمن نسمع؟ إننا في تونس ومصر نجد أنفسنا في نفس حالة إفريقيا الجنوبية عند انتصار مانديلا لكن دون الوسيط الحكيم ديسموند توتو الذي ترأس هيئة الحقيقة والمصالحة وعبر بالشعب جسر الانتقال من الثورة إلى الدولة ومن الاستبداد إلى الحرية ومن الحرب إلى السلام. يقول مانديلا للتونسيين والمصريين ولسائر العرب: "أعتذر أولا عن الخوض في شؤونكم الخاصة، وسامحوني إن كنت دسست أنفي فيما لا يعنيني. لكني أحسست أن واجب النصح أولا، والوفاء ثانيا لما أوليتمونا إياه من مساندة أيام قراع التميز العنصري يحتمان علي رد الجميل وإن كان بإبداء رأي محّصته التجارب وعجنتْه الأيامُ وأنضجته السجون". أحبتي ثوار العرب، مازلت أذكر ذلك اليوم بوضوح. كان يوما مشمسا من أيام كيب تاون. خرجت من السجن بعد أن سلخت بين جدرانه. خرجت إلى الدنيا بعد أن وُورِيتُ عنها سبعا وعشرين سنة لأني حلمت أن أرى بلادي خالية من الظلم والقهر والاستبداد. ورغم أن اللحظة أمام سجن (فكتور فستر) كانت كثيفة على المستوى الشخصي إذ سأرى وجوه أطفالي وأمهم بعد كل هذا الغياب، إلا أن السؤال الذي ملأ جوانحي حينها هو: كيف سنتعامل مع إرث الظلم لنقيم مكانه عدلا؟ أكاد أحس أن هذا السؤال هو ما يقلقكم اليوم. لقد خرجتم لتوكم من سجنكم الكبير. وهو سؤال قد تُحدّد الإجابة عليه طبيعة الاتجاه الذي ستنتهي إليه ثوراتكم. إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم. فالهدم فعل سلبي والبناء فعل إيجابي. أو على رأي أحد مفكريكم فإن إحقاق الحق أصعب بكثير من إبطال الباطل. أنا لا أتحدث العربية للأسف، لكن ما أفهمه من الترجمات التي تصلني عن تفاصيل الجدل السياسي اليومي في مصر وتونس تؤكد بأن معظم الوقت هناك مهدور في سب وشتم كل من كانت له صلة تعاون مع النظامين البائدين وكأن الثورة لا يمكن أن تكتمل إلا بالتشفي والإقصاء. كما يبدو لي أن الاتجاه العام عندكم يميل إلى استثناء وعزل كل من كانت له صلة قريبة أو بعيدة بالأنظمة السابقة وهو رد فعل خاطئ في تقديري أنا أتفهم الأسى الذي يعتصر قلوبكم وأعرف أن مرارات الظلم لا تمحى، إلا أنني أرى أن استهداف هذا القطاع الواسع من مجتمعكم قد يسبب للثورة متاعب خطيرة. فمؤيدو النظام السابق كانوا يسيطرون على المال العام وعلى مفاصل الأمن والدولة وعلاقات البلد مع الخارج. فاستهدافهم قد يدفعهم إلى أن يكون إجهاض الثورة أهم هدف لهم في هذه المرحلة التي تتميز عادة بالهشاشة الأمنية وغياب التوازن". ويواصل مانديلا تحليله الواعي للوضع الثوري في تونس ومصر فيقول: "أنتم في غنى عن ذلك، أحبتي. إن أنصار النظام السابق ممسكون بمعظم المؤسسات الاقتصادية التي قد يشكل استهدافها أو غيابها أو تحييدها كارثة اقتصادية أو عدم توازن أنتم في غنى عنه الآن. عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق في النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم هي أكبر هدية للبلاد في هذه المرحلة، ثم إنه لا يمكن جمعهم ورميهم في البحر أو تحييدهم نهائيا ثم إن لهم الحق في التعبير عن أنفسهم وهو حق ينبغي أن يكون احترامه من أبجديات ما بعد الثورة". أذكر جيدا أني عندما خرجت من السجن كان أكبر تحد واجهني هو أن قطاعا واسعا من السود كانوا يريدون أن يحاكموا كل من كانت له صلة بالنظام السابق، لكنني وقفت دون ذلك وبرهنت الأيام أن هذا كان الخيار الأمثل ولولاه لانجرفت جنوب إفريقيا إما إلى الحرب الأهلية أو إلى الديكتاتورية من جديد. لذلك شكلت "لجنة الحقيقة والمصالحة" التي جلس فيها المعتدي والمعتدى عليه وتصارحا وسامح كل منهما الآخر. إنها سياسة مرة لكنها ناجعة. أرى أنكم بهذه الطريقة – وأنتم أدرى في النهاية - سترسلون رسائل اطمئنان إلى المجتمع الملتف حول الديكتاتوريات الأخرى أن لا خوف على مستقبلهم في ظل الديمقراطية والثورة، مما قد يجعل الكثير من المنتفعين يميلون إلى التغيير، كما قد تخففون من خوف وهلع الديكتاتوريات من طبيعة وحجم ما ينتظرها. تخيلوا أننا في جنوب إفريقيا ركزنا – كما تمنى الكثيرون- على السخرية من البيض وتبكيتهم واستثنائهم وتقليم أظافرهم؟ لو حصل ذلك لما كانت قصة جنوب إفريقيا واحدة من أروع القصص النجاح الإنساني اليوم وأتمنى أخيرا أن تستحضروا قولة نبيكم: اذهبوا فأنتم الطلقاء". هذه فقرات من نصائح زعيم قاد ثورة حضارية أدهشت العالم والغريب أنه يذكرنا نحن المسلمين بترفع نبينا المصطفى حين كان قادرا على الثأر فاختار العفو عند المقدرة وكان مثالا للمسلمين. عسى أن يقرأ التوانسة والمصريون والليبيون واليمنيون والسوريون هذا الأدب السياسي الراقي ويعتبروا اعتبار المؤمنين الصادقين.
715
| 12 يونيو 2012
سمعت ورأيت السيد رئيس حكومة تونس على قناة حنبعل الفضائية يتحدث عن "النمط المجتمعي التونسي" وقال إننا (أي الحكومة) لن نفرط في هذا النمط وسندافع عنه بل وإنه خط أحمر! (على فكرة ما أكثر الخطوط الحمر هذه الأيام في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا! حتى لم يبق حيز صغير للخطوط الخضراء!) وكذلك تكلم بعض السادة الوزراء عن "النمط المجتمعي التونسي" ولكن خصوم الحكومة من مختلف الأطياف أيضا استعملوا نفس المصطلح وقال كل ناطق منهم إن حزبه سيدافع عن "النمط المجتمعي التونسي"! وحاولت انطلاقا من تصريحاتهم وأيديولوجياتهم أن أرسم بقلمي وعقلي صورة لما سموه جميعا بالنمط المجتمعي التونسي فاكتشفت أن النمط أنماط لا تحصى وأن لكل حزب تونسي نمطا مجتمعيا مختلفا أو أحيانا مناقضا تماما لنمط الحزب الآخر. فلحزب النهضة ومعها حلفاؤها (قبل بعض الاستقالات) نمط هو حسب اجتهادي نمط الوسطية والاعتدال ولحزب العمال الشيوعي نمط دكتاتورية الطبقة الكادحة وهذا حقه ولحزب السلفيين نمط الدولة الإسلامية المطبقة لشريعة الله ورسوله وهو حقهم، ولحزب الليبرالية المنفتحة وهو حزب تشكله جمعيات نسوية نمط الانفتاح الكامل أي الاعتراف بحقوق المثليين الشواذ ومواصلة ممارسة الإجهاض وحماية الأمهات العازبات وهو نمط مستورد من بعض مجتمعات الغرب دون البعض الآخر لأن فرنسا ذاتها (وهي مثلهم الأعلى) مترددة ولم تحسم كثيرا من شؤون الأسرة لديها لدرجة أن رئيس الجمهورية الحالي السيد فرنسوا هولند كان متزوجا من السيدة سيغولان روايال زواجا عرفيا وأنجبت له أربعة عيال ثم انفصلا على طريقة إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان دون أي وثيقة زواج مدني وأعاد الرئيس الفرنسي الكرة مع السيدة فاليري تريويلار عام 2006 ربما في زواج مسيار أو نفس الزواج العرفي دون أن نسمع تنديد جمعياتنا النسوية واحتجاجها باسم النمط المجتمعي الحداثي! وكذلك فعل سلفه الرئيس الفرنسي الراحل ميتران الذي عاش طول عمره مع زوجتين في ثبات ونبات وأنجبتا له صبيانا وبناتا دون أن يضطر لطلاق إحداهما! وحين أقرأ تاريخ بلادي بموضوعية وأمانة المؤرخ لا أعثر على نمط جاهز واحد يحظى بتوافق الجميع فقد عاشت بلادي تونس منذ ثلاثة آلاف عام غرائب التاريخ المتقلب وصهرت كل من دخلها إما محتلا أو ضيفا في بوتقة شخصيتها المتميزة العجيبة. فأقرأ أحداث ماضيها الفينيقي حين زعمت الأسطورة أن أميرة فينيقية (عليسة) هربت من قصر أبيها ملك صور فيما يسمى لبنان اليوم منذ 25 قرنا وشقت عباب الموج على كامل عرض البحر الأبيض المتوسط في خط مستقيم لا عوج فيه حتى بلغت شواطئ قرطاج وأسستها على نفس معمار صور (تأملوا الشبه الغريب بين أطلال قرطاج وأطلال صور) ومن أغرب المتشابهات في التاريخ أن قرطاج غزت الأندلس واحتلتها سنة 226 قبل المسيح كما فعل أحفاد التوانسة العرب الفاتحون بعدهم بتسعة قرون.ثم اندثرت مملكة الفينيقيين على أيدي الرومان سادة ذلك العصر ودعا كاتون أحد أعيان روما إلى إحراق وتدمير مدينة قرطاج ومعالم حضارة الفينيق سنة 155 قبل المسيح حتى لا تتقاسم قرطاج مع روما الهيمنة على البحر المتوسط. ثم تحولت تونس إلى رومانية وإلى مطمور روما كما يقول المؤرخون لوفرة قمحها وزيتونها وظلت حوالي سبعة قرون امتدادا لروما بل إن ابنها القديس أغسطين هو الذي جدد الدين المسيحي وأشاعه حتى في روما نفسها في القرن الرابع بعد المسيح. وحين جاء فتح الله الإسلامي سنة 50 هجري على أيدي عقبة بن نافع الذي أسس أول قلعة للإسلام في إفريقية وهي القيروان التي دفن فيها بعض الصحابة الأبرار أصبحت القيروان عاصمة لإفريقية أي الشمال الإفريقي المسلم وأعطت تونس لكامل القارة الإفريقية اسمها الراهن وأشعت على أجزاء واسعة من أوروبا ونقلت الرسالة الإسلامية إلى جنوب الصحراء لدى قبائل إفريقيا السوداء ثم ورثت مدينة تونس بعد مدينة المهدية أمجاد القيروان وتواصل عطاء بلادنا في مختلف شعب الفقه والشريعة واللغة والقانون والتربية والطب والفلك وسائر العلوم والآداب والفنون بل إن مؤسس علم الاجتماع ومبتكر فلسفة التاريخ هو العلامة عبد الرحمن بن خلدون المولود في تونس. وابتليت بلادنا بهجمات الصليبيين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر ثم بالغزو الإسباني ثم بالاستخراب الفرنسي المسمى خطأ بالاستعمار إلى أن ثار الشعب التونسي وقاوم واستعاد مقومات هويته وحريته وسيادته في بداية النصف الثاني من القرن العشرين واستعصت تونس على محاولات الإدماج والتذويب في الكيان الاستخرابي الفرنسي والغربي المسيحي عموما وأنقذت إسلامها وعروبتها من الاستلاب والتدمير. فأي نمط تونسي يمكن استخلاصه من هذا التاريخ المتقلب الثري العجيب؟ أنا شخصيا لا أقترح نمطا معينا وأترك البحث عن نمط لشبابنا التونسي المتميز وهو صاحب الحق لأنه هو الذي صنع الثورة وفرض إرادة الحياة وهو المؤتمن على مصير تونس. وهو الذي سيحدد نمط المجتمع التونسي عبر صناديق الاقتراع يوم 20 مارس القادم.
646
| 05 يونيو 2012
أملي العميق في أن تنصف حكومات الربيع العربي الثقافة العربية عن طريق حفظ لغتها وتأمين مبدعيها وعلى الأقل نعود إلى تقاليد الخلفاء المسلمين الذين كانوا يقربون العلماء والأدباء (لا المنافقين والمطبلين) في بلاطهم ويعفونهم من طلب الرزق بعمل مرهق فكانت للفكر العربي صولات وجولات وانتقل إلى العالمية وأشعة شمس العرب والإسلام على الغرب. دعيت منذ أيام قلائل إلى قصر القبة (غير قصر القبة المصري) الواقع على ضفاف نهر السين بشارع كي كونتي بباريس، وهو مقر الأكاديمية الفرنسية للغة والآداب والعلوم، المسماة بمجمع الخالدين، أي أن الأدباء والعلماء وكبار السياسيين الذين ينتخبون لعضويتها يظلون هناك مدى الحياة وتفرغهم الدولة الفرنسية لخدمة الثقافة الفرنسية ولغتها وحضارتها وضمان إشعاعها في الخارج ودوام تأصيلها في الداخل. وهذه الأكاديمية العريقة موجودة بباريس منذ أسسها الوزير الكاردينال ريشوليو عام 1635 في عهد الملك لويس الثالث عشر، وتداول عليها منذ ذلك التاريخ مئات العظماء الذين أدوا للثقافة الفرنسية أجل الخدمات وقدموا أفضل الأعمال. والدولة الفرنسية الممثلة لإرادة الشعب الفرنسي تصرف لهم رواتب توازي رواتب الوزراء إلى أن يتوفاهم الله وتكرمهم في حياتهم بالتبجيل والتقدير وتكرم ذكراهم إذا رحلوا عن هذه الدنيا بالدرس وإحياء المناسبات والتمجيد. ثم إن عضوية الأكاديمية تحظى بالتشريف الذي تستحقه هذه المؤسسة الكبرى، فينتخب العضو الجديد في كرسي العضو الذي مات، ويلقي خطاب الدخول للأكاديمية ليستعرض مآثر ومناقب الذي سبقه ويشيد بجهوده ومساهماته في الأدب والعلم، ثم إن القادم يرتدي ما يسمى هنا بالكسوة الخضراء وهي الزي الرسمي للشخصيات التي تحتل مقاعد المؤسسة تحت القبة المذهبة، ويمتشق كل منهم السيف التقليدي المرصع بالحجر الكريم، ثم ينطلق في خدمة وطنه بما يراه من جليل الأعمال وطيب الأفكار وسديد النصح لأهل السياسة وأصحاب الأمر في أعلى مناصب الدولة. وكانت الدعوة لحضور مراسم قبول الرئيس الأسبق للجمهورية الفرنسية فاليري جيسكار دستان الذي انتخب آخر عضو في مجمع الخالدين لما أسداه من دفع للغة والثقافة الفرنسيتين حين كان يرأس الجمهورية فأنشأ وزارة الفرنكوفونية التي تقدمت للبرلمان بقانون معاقبة مستعملي العبارات الأجنبية (والمقصود كان الإنجليزية) في الإعلانات واليافطات في صورة توفر المصطلح الفرنسي! وتصل العقوبات حتى إلى السجن مع الغرامة في قانون كاترين تاسكا وزيرة الفرنكوفونية آنذاك وذلك لصيانة لغتهم والحفاظ على هويتهم، هذا إلى جانب قيام الرئيس جيسكار برئاسة اللجنة الأوروبية لتحرير الدستور الأوروبي وتوليه إصدار مذكراته بعد انتهاء ولايته الرئاسية عام 1981 في لغة راقية بعنوان (النفوذ والحياة)، وهذه المؤسسة العلمية لا تقتصر على الفرنسيين بل تكرم بعضويتها الكاملة غير الفرنسيين ومن بين أعضائها الشاعر السينغالي الراحل ليوبولد سيدار سنغور رئيس أول جمهورية سينغالية والكاتب البريطاني جراهام غرين والكاتب اللبناني العربي أمين معلوف والكاتبة الجزائرية أسية جبار لا فرق لديهم بين فرنسي وأعجمي إلا بخدمة الثقافة الفرنسية وإشعاعها. والحقيقة لم أذكر هذا المثال الراقي والحضاري من تكريم الأمم الحرة لمفكريها إلا حين عادت بي الذكرى إلى شهر مارس من عام 1973، حينها كنت عضوا بالهيئة المديرة لاتحاد الكتاب التونسيين وعقدنا المؤتمر الثامن للأدباء العرب في تونس، وحل بيننا ضيوف من أشهر أقطاب الفكر والأدب العربيين منهم عمالقة مصر من أمثال الشاعر صالح جودت والشاعر أحمد رامي والكاتب عزيز أباظة رحمهم الله وغيرهم. وأذكر أحاديث شيقة متعني الله بها مع هذه النخبة حول منزلة الأدب في العالم العربي، حين قال لي طيب الذكر أحمد رامي صاحب الروائع التي أنشدتها أم كلثوم: "دا أنا يا ابني لم ترحمني الإدارة إلى يوم حصولي على المعاش، حيث واصلت القيام بوظيفتي إلى بلوغ سن التقاعد". وأردت التخفيف على الشاعر العبقري فقلت له: "حتى الروائع التي كتبها قلمك الفذ وغنتها أم كلثوم لم تشفع لك". وأضاف عزيز أباظة: "ونجيب محفوظ الشيء نفسه وهو أكبر روائي عربي" (ولم يكن في ذلك العهد حصل بعد على جائزة نوبل) عاش موظفا بإحدى الوزارات ولم تعتق رقبته إلا عند التقاعد.. ولا فائدة من ذكر الأمثلة العربية لأن كلا من القراء الأفاضل لديه مثال في نكران العرب وبعض حكوماتنا للنخبة التي تصون اللغة وتحمي ثغور الحضارة وتوجه العقول وتنير الطريق هذا إذا نجا المثقفون من السجون والمنافي! ومن اللحظات المأساوية التي لن تمحى من ذاكرتي لحظة تفاجأت في سوق (ماركس دورموا) بباريس في شتاء عام 1978 بأحد أفضل كتاب ومثقفي المغرب العربي المنفيين ماسكا بمعطفه يعرضه للبيع على المارة، وقد اضطرته الحياة القاسية لإحدى المصيبتين: الصقيع أو الجوع، ولم يكن يتقن لعبة النفاق ليكتب بالمقابل ولم يكن تاجر مخدرات ليتمعش. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
563
| 31 مايو 2012
تقول نكتة مصرية ظهرت مع الثورة الشعبية بأن الرئيس عبد الناصر توفي ربما بقهوة مسمومة وأن الرئيس السادات توفي برصاص قاتليه وهو على المنصة أما محمد حسني مبارك فراح ضحية الفيسبوك! وهذه النكتة تؤشر على استفحال ظاهرة الإعلام الإلكتروني ومواقع الاتصال الاجتماعي لا في نقل الأحداث فحسب بل في صناعتها وتوجيه الرأي العام وبالتالي في التأسيس لمجتمعات مدنية جديدة مختلفة تماما عما عرفناه عبر التاريخ. فقد ظهرت على سطح الأحداث الوطنية والعالمية حقيقة جديدة وهي العلاقة الجدلية بين المعلومة والحرية أي في الواقع بين الإعلام والسياسة وبين الأداة والهدف وبين السلطة والمجتمع المدني. كما توضحت معالم الفرق بين الشعوب المتقدمة الغنية والشعوب المتخلفة الفقيرة فيما أصبح يسمى بالفجوة الرقمية التي هي في الحقيقة فجوة حضارية. وقد قيل الكثير على أعمدة الصحف وفي القنوات الفضائية حول هذا الموضوع وملابساته وخلفياته بما لا يدع للمحلل والمفكر أمرا جديدا يستحق التقييم والتعليق، إلا أن ارتباط المعلومة بالحرية ظل ملتبسا لدى بعض النخب العربية التي لم تفهم إلى اليوم عمق التحولات الكبرى التي غيرت خارطة العالم وألغت المسافات ولقحت الأفكار ونقلت الثقافات وربطت بين الناس من أقاصي الأرض إلى أدانيها ووضعت أيدي البشر على الحقائق بواسطة سرعة سفر المعلومة والخبر والصورة والإنتاج العلمي. عندما صدر تقرير التنمية البشرية المستديمة في العالم العربي عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية وكشف عن أزمة العرب وبؤسهم في مجال تخزين وتناقل وتوظيف المعلومة، أصبح من البديهي الحديث عن تخلف عربي تكنولوجي وإلكتروني ليس لدى البلدان العربية الأقل نموا والأكثر فقرا فحسب بل وأيضا لدى البلدان العربية النفطية، مما يشير إلى أن الأزمة الرقمية أزمة ذات أبعاد سياسية وثقافية لا شك فيها وأن الأمر يتعلق بتعطل الانخراط في منظومة العولمة لا بنقص الإمكانات ولا بشح التمويل ولا بندرة الكفاءات، فالسبب الأهم هو ضمور وضعف الإرادة السياسية في تغيير ما بالنفس حتى يغير الله ما بنا. فالمدرسة العربية بقيت عموما خارج ثورة التربية والتعليم التي تجتاح أوروبا والولايات المتحدة والصين والهند واليابان والبرازيل وماليزيا وكوريا، ولو استثنينا محاولات محدودة لتطوير قطاع المؤسسة التربوية لوجدنا أن مصنع الأجيال العربية لا يزال يعاني من التلقين ونقل التراث غثه أكثر من سمينه واستمرار تخريج الموظفين والرعايا أكثر من إعداد المبادرين والمواطنين، وتحولت المدرسة إلى تكديس العاطلين لأنها أصيبت بنفس عقم المجتمع العربي التقليدي المتخبط في تراكمات الماضي والخائف من رياح العصر ولقاح المستقبل والمنطوي على الذات يجتر المجد الغابر. فهل ينفع اليوم أن يكتفي العرب وهم في ذيل قائمة الثورة المعلوماتية بتمثيل دور المتباكين على الفجوة الرقمية والحال أن قضية العرب ليست في الفجوة الرقمية بل في الفجوة الديمقراطية. صحيح أن من حق الاتحاد الأوروبي أن يدعو لتخلي الولايات المتحدة عن احتكار مايكروسوفت لأنه على حق، أما العالم العربي فما دخله في معركة داخلية بين غرب وغرب؟ ولا ناقة له ولا جمل في الفجوة الرقمية ما عدا توظيف هذه العبارة للاستهلاك الداخلي واستمرار الغش في التعامل مع حرية المواطن وحقه في الإعلام من خلال الوسائط الجديدة للاتصال التي هي وسائط جديدة لممارسة الحريات والحقوق ضمن ما يحدده قانون عادل. لا شك في أن بعض الدول العربية حققت تقدما نوعيا في التأسيس لمجتمع المعرفة حسب تقرير المنظمة الأممية الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهي الأردن ومصر وقطر وسلطنة عمان ودولة الإمارات، ولكن هذه الجهود المشكورة يجب أن تسعى لتشكيل شبكة رقمية تؤثر تأثيرا فاعلا في تطوير مناهج الحكم الصالح بفضل تحاور الأفكار وتلاقح البرامج وضمان المشاركة الشعبية في سن الخيارات وتنفيذ السياسات، لأن النهضة الرقمية ليست غاية في حد ذاتها بل هي وسيلة لتحقيق المجتمع الحر والمتمتع بكرامة بني آدم والمساهم في بناء الحضارة العالمية بقسطه وتراثه وإبداعه. ولذلك رأينا في ندوات دولية مختصة مؤشرات سوء تفاهم ساطع بين بعض الأطراف العربية وبين أطراف أوروبية من حكومات ومنظمات غير حكومية في شأن مفاهيم التنمية الرقمية وحرية تبادل المعلومات واستعمال أدوات الاتصال الإلكتروني والدخول إلى عصر العولمة الحقيقية التي لا تعترف بالحدود الضيقة ولا بهيمنة الفكر الواحد ولا بقمع الفكر الحر. إن الثورة الرقمية المرجوة من الدول العربية ونحن نتوغل في القرن الحادي والعشرين هي بالضبط عكس الثورات المزيفة التي أنجزها العرب في القرن العشرين باسم شعارات براقة ومخادعة كالقوميات والماركسيات والهويات والبعثيات والجمهوريات والجماهيريات والتي انهارت على رؤوسنا جميعا مع ميلاد الوعي العربي بالعقل وما أدراك ما العقل ووعيه بكرامة بني آدم وما أدراك ما الكرامة التي أكدها الله سبحانه في محكم تنزيله، فرأينا تلك الثورات تهوى كأوراق الخريف أمام واقع دولي متغير طرأ علينا ونحن غافلون!
516
| 15 مايو 2012
الذي يحدث في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا يؤكد لنا بأن أعسر مرحلة مخاض لهذه الشعوب هي مرحلة ميلاد الحريات من رحم الأنظمة القديمة التي رحلت ومرحلة سيادة القانون بعد فوضى الفساد وشر القمع ومرحلة احترام حقوق الإنسان بعد عقود من إذلاله. والمرحلة الراهنة عسيرة لأنها تشكل تحولا كاملا وشاملا من ثقافة إلى ثقافة ومن عصر إلى عصر ومن هنا جاءت المخاطر المحدقة بكل عملية جذرية من هذا القبيل لأن طبيعة المجتمعات هي من طبيعة البشر أي أنها لا تتقبل انقلاب الموازين بسهولة وبالتالي وجب على النخب العربية حاكمة كانت أو معارضة أن تتحلى بالحكمة في إدارة هذه الأزمات والتعامل مع الشأن العام بعقلية جديدة بعيدة عن غريزة الانتقام وعقدة التشفي وإرادة فرض التغيير بالقوة أو بالمناورة والخديعة. وسجلنا حين تأملنا في سلوكيات وسياسات بعض النخب المزهوة بنصرها أن الحكم فتنة حقيقية كما كان دائما قد تصيب بعض الناس بدوار التغيير المفاجئ فيتحولون من حقوقيين إلى قامعي حقوق دون أن يشعروا بأنهم وهم في مواقع السلطة اضطروا إلى استعارة العصا من النظام الذي سبقهم ليضربوا بها رءوس جيل جديد من الحقوقيين وتأكدوا تدريجيا بأن السلطة "تقتضي" أن يتذكروا عبارة الخليفة عثمان بن عفان بأن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن وأن الهراوة القديمة التي طالما أصابتهم في العهد البائد لها فضائل أخرى لم يعرفوها حين كانوا معارضين واكتشفوها حين تصدروا مواقع في الدولة الناشئة. وفي هذا المجال تتشابه أوضاع مصر وتونس واليمن وليبيا إلى حد بعيد مع بعض الفوارق التي تفرضها اختلافات هذه الشعوب ومدى قوة الانتماءات القبلية فيها وتعداد سكانها وقربها أو بعدها عن مصادر الغرب السياسية والفكرية ومساراتها الخصوصية نحو الديمقراطية. وبدأ الرأي العام هنا وهناك يعيد إنتاج نفس المصطلحات والسلوكيات التي أنضجت ثورات اليوم والتي هزت عروش من سبقوا فأصبحنا نقرأ في مواقع الاتصال الاجتماعي عبارات مثل "الثورة على الثورة" أو "دار لقمان على حالها" أو " موسى الحاج عوض الحاج موسى" أو "إنه الخريف لا الربيع" ونطالع بيانات جديدة للاعتصامات المبتكرة تندد بالمس من حرية التعبير وبتدجين الإعلام. وفي ليبيا تمددت أشباح القطيعة القبلية إلى ما يوحي بانقسام الدولة إلى دويلات بل وقع انشقاق بين حكومة ثورية يرأسها عبدالرحيم الكيب ومجلس انتقالي ثوري هو الآخر يرأسه المستشار مصطفى عبدالجليل وثوار الزنتان الذين لديهم سجن يقبع فيه سيف الإسلام ونلاحظ أن مشروع الأحزاب الذي يمنع تأسيس حزب ديني وقع التراجع والاعتذار عنه في ظرف سويعات. وفي مصر كاد مركب الثورة أن يتوه في بحر الظلمات بين مجلس عسكري أعلى يترأسه وزير الدفاع السابق في نظام محمد حسني مبارك لمدة عقدين المشير طنطاوي وبين حركات إسلامية منقسمة إلى "براغماتيين" و "راديكاليين" وكل حزب بما لديهم فرحون وبين شخصيات بأحزاب ومن دون أحزاب جاءت من عهد يسميه شباب مصر بائدا وملأت صور وجوهها المبتسمة معلقات على جدران المحروسة أمثال الفريق أحمد شفيق والأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى وهما من صناع القرار في عهد مبارك. وفي تونس رغم أن هذه المرحلة الانتقالية أقل مشاكل فإن بعض الأحزاب تشهد انقسامات وانشقاقات وطرحت على الرأي العام والنخب ملفات تتعلق بمدى حرية الإعلام والحدود التي يجب أن تقف عندها حرية الفنون ومنها ملف قناة نسمة ما بين القضاء والتقييم الفني والأخلاقي والخطوط الحمراء بين التعبير والمقدس. كما أن الجدل قائم حول صلاحيات المجلس التأسيسي بين مصدر الشرعية الشعبية ووظيفته كواضع للدستور الجديد والمدة التي تتطلبها مرحلة التأسيس للجمهورية الثانية. وفي زخم هذه المشاكل تبقى معضلة قلة الموارد المالية في الاستثمار الداخلي والخارجي ومشكلة انخفاض عدد السياح وغلق بعض المصانع هي مؤشرات الأزمة الأكثر تأثيرا على حياة الناس. وأنا أشاطر رأي من يقول إن محاذير الديمقراطية أرفق بنا وأرحم من مخاطر الاستبداد ولعلها مرحلة مخاض عسير لكنه مخاض واعد ليس في تونس فحسب بل في كل بلدان الربيع العربي مهما كانت الهزات الأرضية السياسية والحضارية عنيفة وقاسية. هو مخاض الانتقال من الاستبداد إلى الحرية ومن الثورة إلى الدولة.
590
| 09 مايو 2012
ماذا سيقول مؤرخ عربي بعد عقود وهو يقرأ أحداث سنة 2012؟ ويريد أن يستخلص بعض الحقائق من خلال هذا الضجيج المحيط بالربيع العربي! أتوقع أنه سيصاب على الأقل بصداع الحيرة والضياع وسط غوغاء المصطلحات أو في أسوأ الأحوال يصاب بانهيار عصبي. والأسباب كثيرة لكن أبرزها هو أنه سيكتشف أن 350 مليون مواطن عربي هم من الفلول أو الأزلام! نعم من الفلول في نظر وتقييم خصومهم. وإليكم بعض الكشوف التي لا تحتاج إلى دليل لأنها أصبحت البضاعة السياسية الرائجة هذه الأيام في سوق التجاذبات والمناورات في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا وسائر بلاد العرب. الذين تحملوا بعض المسؤوليات حتى الإدارية البسيطة في الدولة ما قبل الثورات لمجرد كسب العيش وأداء دور عادي لا صلة له بالسياسة أصبحوا مصنفين من قبل ثوار اليوم بكونهم من الفلول ولا فرق لدى ثوار اليوم بين من خدم منظومة الفساد ومن خدم الدولة أي جهاز الإدارة اليومية للمواطنين. وسقطت حتى النخبة ذاتها أحيانا في هذا التصنيف الجائر لا تفرق بين الدولة والنظام لأن الدولة قطاع عام وخادم لمصالح الشعب أما النظام فهو شبكة المستفيدين والمضاربين والسماسرة المتاجرين بقوت الناس وشتان بين مواطن كان يملأ مكانه في إحدى وزارات أو إدارات أو دواوين الدولة وبين لص استغل علاقاته بعصابات الفساد ولم يرع حرمة ولم يقرأ حسابا ليوم حساب. اليوم نجد الجميع في كيس واحد كتب عليه (فلول النظام البائد). وقس على ذلك أيضا آلافا من رجال الأعمال الذين دخلوا عالم الاستثمار فأقاموا المصانع والشركات وشغلوا عشرات الآلاف من شباب بلادهم بل توسعت نشاطاتهم لتمتد لبلدان عربية أخرى وسمعت كثيرا من سادة اليوم يلقبونهم بفلول النظام المخلوع بل ويعاقبونهم على نجاحاتهم كأنما كان المطلوب منهم أن يتركوا أعمالهم وصفقاتهم ليتحولوا إلى سياسيين راجمين بالغيب يتكهنون بانقلاب الأمور رأسا على عقب فيساندون حزبا دون حزب ويضخون أرصدتهم في موازين السياسة. وفي الضفة الأخرى نجد أن بعض الإسلاميين والسلفيين يصنفهم العلمانيون والليبراليون بكونهم فلولا لأفغانستان وباكستان والسعودية وقطر وأن إسلام تونس تونسي وإسلام مصر مصري وإسلام اليمن يمني وإسلام ليبيا ليبي وبالطبع كرد فعل عادي ومتوقع فإن العلمانيين يتحولون إلى فلول الغرب وأحزاب فرنسا وبريطانيا والمخابرات الأمريكية. إنها بالفعل حرب كلمات ولكنها تصبح أحيانا حرب لكمات في الشوارع والساحات بين فلول وفلول مضادة. وتأمل معي يا قارئي العزيز حوارات الفضائيات لتجد أن عبارة (فلول) هي الأكثر استعمالا وقد ضرب برنامج صديقنا الفاضل المتميز د. فيصل القاسم الرقم القياسي في تكرار هذه العبارة السحرية بتلويناتها المختلفة والمتضاربة حتى أني اقترحت على الزميل فيصل تغيير عنوان برنامجه الشهير من (الاتجاه المعاكس) إلى (لقاء الفلول) أو (ساحة وغى الفلول) لأن أول ما يبدأ (الهواش) يتم تصنيف المتقابلين إلى فلول لجهة حكومية أو إيديولوجية أو أطراف مجهولة وينطلق سيل التهم من هنا وهناك بالتوازي والعدل وتصوروا فإن فيصل القاسم نفسه لم يسلم في عديد برامجه من نعته بكونه من الفلول إما للنظام السوري أو لدولة قطر ومجلس التعاون أو لأحد مجالس الثورة السورية وهي اليوم عديدة ومتضاربة وتتهم بعضها البعض هي الأخرى بالانتماء للفلول. ولا تظن نفسك ناجيا من وصمة الفلول يا أخي القارئ إذا ما ابتعدت عن الأحزاب وآثرت السلامة فإنك سوف تصنف ضمن فلول المهمشين والقاعدين والمتفرجين وهي فلول خطيرة على الناشطين الذين حملوا أنفسهم أمانة صنع التاريخ. أما إذا حلت عليك لعنة السياسة فاشتركت في حزب تقليدي فأنت من فلول العهد البائد وأذيال أعداء الثورة أو من حزب الثورة المضادة وإذا اشتركت في حزب يساري فأنت من فلول ستالين ولينين وإذا انخرطت في حزب إسلامي فأنت من فلول الرجعية وأعداء الحداثة والدولة المدنية. اللهم سترك يا رب لكي لا يتحول 350 مليون عربي إلى جيوش من الفلول وجماهير من الأزلام!
758
| 02 مايو 2012
سوف يتحدد مصير السياسات الفرنسية وربما الأوروبية يوم السادس من مايو القادم موعد الحسم في انتخاب رئيس الجمهورية ومستأجر قصر الإيليزيه لمدة خمس سنوات. فأهمية باريس ضمن الاتحاد الأوروبي بالغة وحاسمة بفضل الدور التاريخي والإستراتيجي والاقتصادي لفرنسا صلب هذا الاتحاد. ففرنسا مع ألمانيا تعتبران القاطرتين القائدتين للقارة العجوز في تكتلات العالم. إلا أن انتخابات 2012 سجلت عناصر جديدة في السباق من أجل الرئاسة تمثلت في توظيف قضايا العرب والمسلمين في المباراة الرئاسية وذلك من زوايا عديدة أبرزها التلويح بملف الهجرة المغاربية إلى فرنسا شرعية كانت أو سرية وبملف الإرهاب المتوقع من الحركات المتطرفة المرتدية زي الدين وبملف قضية فلسطين وبملف الحضور العسكري الفرنسي في أفغانستان وملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وأخيرا بملف الدور الفرنسي العسكري والدبلوماسي في أزمة ليبيا وأزمة سوريا. ويقول قائل إن كل الصراعات الانتخابية الفرنسية منذ عقود استعملت هذه القضايا وهو صحيح لكن هذه السنة تميزت بنوعية جديدة وغير مسبوقة من إثارة النعرة العنصرية ضد العرب والمسلمين دون أي رد فعل من سلطات الدول العربية والمسلمة ودون تعبئة حقيقية للرأي العام العربي والمسلم في فرنسا والغرب عموما ضد هذه الأكاذيب التي يروج لها بعض المرشحين لخدمة أغراضهم السياسية والانتخابية ويكون العرب بجالياتهم المتواجدة في فرنسا والغرب أول ضحاياها في المستقبل مع ما سينجر على أبنائهم من الجيل الثالث من تداعيات الميز العنصري وربما الظلم المؤسسي بإلغاء فعلي لحق الشغل والسكن والترقي الاجتماعي وحق المواطنة في مجتمعات عادت بالغريزة إلى سلوك عدواني واستعماري متجدد لا يليق بدولة الحق والقانون وسيادة العدالة والمساواة. وحين أقول إن هذه النعرة غير مسبوقة فلأسباب موضوعية أهمها حلول الربيع العربي في الساحل الجنوبي من البحر الأبيض المتوسط وحلول الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة في الساحل الشمالي لهذا البحر. فتميزت أواخر العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين بمواجهة جديدة ذات طابع سياسي وحضاري طريف بين دول عربية مسلمة بدأت تراجع مصادرها الثقافية وترفض منزلة التبعية والإذلال التي ارتضاها لها حكامها السابقون ثم تجرأت على التخطيط لعلاقات دولية أعدل وأنصف بينها وبين الدول المستكبرة التي استعبدتها عقودا طويلة من التاريخ وبين دول أوروبية استيقظت عام 2008 على واقع صعب ومرير من التذيل للنظام النقدي العالمي (بريتن وودس) الذي تشكل منظومة (وول ستريت) قلبه النابض الغاشم. فأعلنت دول أوروبية عديدة عن إفلاسها ورغم تضامنها فبعضها يرفض تحمل أخطاء البعض الآخر. وأصبح الطامحون إلى الحكم فيها يعلقون مشاكلهم المزمنة على شماعات الهجرة ومخاطر الإسلام السياسي وحتى أشباح الخلافة! ففي فرنسا ذاتها تزامن تفاقم العنصرية الشعبوية اليومية مع تفاقم البطالة وانحسار القدرة الشرائية لدى الأسر الفرنسية كما تزامن كل هذا مع عمليات إرهابية غريبة من شاب فرنسي ذي أصول مغاربية (محمد مراح) عائد من أفغانستان يشاع أنه كان عميلا للمخابرات الفرنسية على خلفية تصريح لمدير سابق لهذه المخابرات! وقد شرع الرئيس الراهن ساركوزي في عملية انتزاع أصوات اليمين المتطرف لفائدته حتى يناطح المرشح الاشتراكي الذي تؤهله معطيات عديدة للفوز (فرنسوا هولند) وتبقى رئيسة الحزب اليميني العنصري (مارين لوبان) محافظة على النسبة التقليدية الدائمة لناخبيها وهي حوالي 15%. أما الغريب في هذه الانتخابات فهو تجاهل العرب لأحد المرشحين وهو الأستاذ جاك شوميناد (الديغولي اليساري) وهو سياسي فرنسي من أخلص أصدقائي وأصدقاء القضية الفلسطينية والعربية منذ ثلث قرن اشترك معي في السابق في عضوية اللجنة العالمية للدفاع عن مروان البرغوثي (2004) وبعدها كان عضوا معي ومع الدكتور منصف المرزوقي في اللجنة العالمية للدفاع عن البروفسور منصف بن سالم (2005) وسبق أن تحمل معي الأمانة العامة للأكاديمية الأوروبية للعلاقات الدولية بباريس وكافح وما يزال بصدق وجرأة ضد المظالم الصهيونية على مدى أربعين عاما وقد توصل ليكون ضمن المرشحين العشرة الكبار الذين حصلوا على الـ500 توقيع تؤهله للترشح للرئاسة الفرنسية وهو يكرر طروحاته ضد العنصرية من أجل أخلاق سياسية ونظام نقدي عالمي أعدل وأنصف. وهو ككل من يساند العرب والمسلمين من زعماء الغرب يصرخ في واد غير ذي زرع دون أن يسمعه أولائك الذين يدافع عنهم أي العرب سامحنا الله وغفر لنا غفلتنا الحضارية الوراثية.
438
| 25 أبريل 2012
إن الحوار الساخن الذي يجري في تونس و مصر و ليبيا و اليمن حول توجهات الدساتير الجديدة المنبثقة من الثورات الشعبية هو حوار مفصلي و أساسي و مؤسس لأنظمة الحكم القادمة و المنشودة. و لا يخفى بالطبع ما يميز هذه الدول بعضها عن بعض من حيث مسارها التاريخي و مكانتها الجغرافية و قربها أو بعدها عن حضارة الغرب لكنها تتشابه جميعا في عروبتها و إسلامها و في حاجتها للديمقراطية و العدالة و التنمية المتوازنة الحقيقية و احترام حقوق الإنسان و الطموح المشروع للعودة لحركة التاريخ المعاصر بعد أن بقينا خمسين عاما على هامشه بلا تقدم و بلا إرادة و بلا هوية. الفصل الأول من الدساتير العربية الجديدة د.أحمد القديدي إن الحوار الساخن الذي يجري في تونس ومصر وليبيا واليمن حول توجهات الدساتير الجديدة المنبثقة من الثورات الشعبية هو حوار مفصلي وأساس ومؤسس لأنظمة الحكم القادمة والمنشودة. ولا يخفى بالطبع ما يميز هذه الدول بعضها عن بعض من حيث مسارها التاريخي ومكانتها الجغرافية وقربها أو بعدها عن حضارة الغرب لكنها تتشابه جميعا في عروبتها وإسلامها وفي حاجتها للديمقراطية والعدالة والتنمية المتوازنة الحقيقية واحترام حقوق الإنسان والطموح المشروع للعودة لحركة التاريخ المعاصر بعد أن بقينا خمسين عاما على هامشه بلا تقدم وبلا إرادة وبلا هوية. لعل معرفتي بالدستور التونسي وما حام حوله منذ نصف قرن من تجاذبات وخيبات تؤهلني للحديث عنه كأنموذج للدساتير العربية خاصة أن النقاش الراهن الدائر بين العائلات السياسية والفكرية التونسية حول فصله الأول يكاد يتحول إلى انشطار عنيف بين أبناء الوطن الواحد. ولا يمكن أن نتحدث عن الدستور التونسي دون الإشارة إلى أن تونس كانت الدولة العربية الأولى التي سنت دستورا حين أصدر ملكها محمد باشا باي دستورا سماه عهد الأمان في 10 سبتمبر 1857 تحت ضغط قناصل الدول الأوروبية التي خشيت على أمن أقلياتها المتواجدة بتونس ثم نقح هذا النص على أيدي خلفه الملك محمد الصادق باشا باي وصدر عام 1961 بشكل ومضمون استلهما من الدساتير الأوروبية ومن التنظيمات التركية. والعبرة التي يمكن استخلاصها من أول دستور عربي هي أنه لم يحم تونس من الاحتلال الفرنسي الغاشم (الذي تم سنة 1881) ولم يحم شعب تونس من استبداد الملوك بل إن ثورة شعبية قامت سنة 1864 تم قمعها بشراسة ووحشية ومات بطلها علي بن غذاهم في سجنه الرهيب بحلق الوادي. وأنا حين أعيد التذكير بعجز دستور عهد الأمان عن توفير الأمان للشعب والاستقلال للدولة فإنما لأضرب مثال دستور الجمهورية التونسية الذي سنه الزعيم بورقيبة يوم غرة يونيو – جوان 1959 والذي هو اليوم في بلادنا محل جدل ساخن يكاد يقسم الشعب التونسي إلى ثلاثة فرقاء: فريق إسلامي (من دون حركة النهضة) يساند التنصيص على الشريعة الإسلامية كمصدر أساس من مصادر الدستور والقوانين وفريق سلفي ينادي بأن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد وفريق علماني أو ليبرالي ذو توجهات غربية يدعو إلى استبعاد الإسلام تماما وعدم التنصيص على الشريعة. وإذا سلطنا العقل واعتمدنا الاعتبار فنحن مضطرون للإقرار بأن الفصل الأول من دستور 1959 الذي يقول: تونس دولة، حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربيّة لغتها، والجمهوريّة نظامها لم يضمن لبلادنا الحرية ولا صان فيها تعاليم الإسلام ولا حمى لغتها العربية بجد حيث ينطق أغلب أبناء تونس (و المغرب الإسلامي عموما) بلغة هجينة هي الفرنكو- عربية لأن برامج التربية حادت عن خيارات الدستور التي تؤكد أن "العربية لغتها". والأخطر أن عبارة "الجمهورية نظامها" لم تسعف الشعب من انحراف الجمهورية إلى ملكية مؤبدة لدى الزعيم بورقيبة في خرفه الطويل وكادت أن تتحول مع التحول إلى توريث غبي جهول لولا رحمة ربك وثورة شعب. فهل ينكر وطني عاقل أننا بعد نصف قرن من دستور 1959 وفصله الأول لم نحقق قيمة واحدة من القيم المنصوص عليها في فصله الأول وظلت بنوده في مهب الأهواء والنزوات. ولكن أساتذة القانون لدينا ينسون أن المشرع في المجلس التأسيسي لدستور 1959 قدم للدستور بديباجة (سموها توطئة) تقول: (نحن ممثّلو الشعب التونسي المجتمعون في مجلس قومي تأسيسي، نعلن أنّ هذا الشعب الذي تخلّص من السيطرة الأجنبيّة بفضل تكتّله العتيد وكفاحه ضدّ الطغيان والاستعمار والتخلّف، مصمّم على تعلّقه بتعاليم الإسلام وبوحدة المغرب الكبير وبانتمائه للأسرة العربية والتعاون مع الشعوب الإفريقية في بناء مصير أفضل وبالتضامن مع جميع الشعوب المناضلة من أجل الحرية والعدالة، وعلى إقامة ديمقراطية أساسها سيادة الشعب وقوامها نظام سياسي مستقر يرتكز على قاعدة تفريق السلطة). هذه توطئة الدستور القديم وهي تؤكد أن الشعب التونسي متعلق بتعاليم الإسلام إبان استقلاله فهل من الحكمة أن نتراجع عن هذا التعلق بعد نصف قرن؟ الجواب يكمن في الاعتبار بفشل الدستور القديم وضرورة تحصين الهوية في الدستور الجديد.
422
| 18 أبريل 2012
كان مشهدا يشرف تونس الجديدة حين وقف رئيس الجمهورية د. منصف المرزوقي يعتذر لأسرة الزعيم صالح بن يوسف طيب الله ثراه باسم الدولة التونسية والزعيم الشهيد اغتيل في صيف سنة 1961 في أحد فنادق مدينة فرنكفورت بألمانيا كما اعتذر لأسرة الزعيم الحبيب بورقيبة عما ناله من ظلم بعد الانقلاب عليه سنة 1987 فتم وضعه في إقامة جبرية قسرية أنهت حياته بشكل اضطهاد مجاني لا يليق بزعيم. إلا أنني أتمنى أيضا ألا تتردد الدولة باسم رئيسها الحالي في الاعتذار لكل المضطهدين والمقموعين والمطاردين على مدى العقود الخمسة الماضية أي في عهدي بورقيبة وبن علي. فالوفاء الذي يعبر عنه التونسيون هذه الأيام لبورقيبة بمناسبة ذكرى وفاته هووفاء صادق لزعيم كبير لكن أخطاء بورقيبة كانت أيضا كبيرة ولا يخلومنها عهد من عهود الدول في العالم. والتاريخ نقرأه بعيون الوفاء ولكن كذلك بعيون الحقيقة ورد الاعتبار لكل من ناله عسف أوراح ضحية انتقام. هنا يكمن شرف الدولة العادلة المنصفة الأمينة ولا أحسب الدولة التونسية المنبثقة من شرعية الثورة إلا مؤسسة على العدل والإنصاف والأمانة. إن أول الأسر التونسية التي علينا تقديم الاعتذار لها هي من بقي حيا من أسرة ملوك تونس الحسينيين لأن هذه الأسرة التي عزلها بورقيبة عن العرش وأسس الجمهورية في 25 يوليو1957 تعرضت للإهانة والسلب والنهب دون أي اعتبار لما كان لها من دور وطني مع الملك الصالح محمد المنصف باشا باي الذي اختار أن ينحاز لشعبه ويواجه الاستعمار إلى أن اغتيل مسموما في منفاه بمدينة (بو) الفرنسية وكذلك الملك الصالح محمد الأمين باي الذي اختار لرئاسة حكومته الزعيم بورقيبة وحكومة من الحزب الدستوري وتعرض بعد خلعه لسوء المعاملة والإهانة وزج بأولاده وصهره الوزير محمد بن سالم وبوزيره محمد سعد الله في السجون بتهم كيدية وتوفي الوزير محمد سعد الله في السجن وهوأحد مؤسسي الإدارة التونسية المستقلة كما توفي الملك محمد الأمين في شقة صغيرة بحي تونسي متواضع. ثم إن رئيس الحكومة الأسبق في وزارة الاستقلال طيب الذكر الطاهر بن عمار الذي وقع بيده وثيقة الاستقلال يستحق أهله وأولاده اعتذار الدولة بعد أن انتقم منه بورقيبة بلا سبب وجيه وأودعه السجن حين كان مفتاح السجن بيد بورقيبة وليس بيد القضاء. وبعد ذلك تأتي مأساة اليوسفيين من أنصار الزعيم المرحوم صالح بن يوسف وما أصابهم في أرواحهم وأملاكهم وذريتهم من مظالم ومحومن التاريخ أعقبتها مباشرة ملاحقات اليساريين الشبان من مجموعة (آفاق) وهم من نخبة شباب تونس في أواخر الستينات ومعهم القوميون والبعثيون الذين أحبوا وطنهم لكن بطريقتهم وحسب مبادئهم فطوردوا وسجنوا وتحملوا عقودا من الملاحقات والتهميش والضيم. وحلت منذ سنة 1969 محنة أحمد بن صالح الوزير القوي الأسبق للاقتصاد الذي مسح فيه بورقيبة سكين تورطه الشخصي وتورط حكومته في مغامرة (التعاضد) فحوكم الرجل ظلما ثم نجا بجلده للمنفى ولم يناصره أحد ممن كان في بطانة بورقيبة وحلت لعنة الزعيم بورقيبة على كل من وقف مع هذا الرجل المضطهد وقال كلمة حق في حضرة السلطان الجائر. وأحمد الله أنني كنت من هؤلاء وأنا شاب في العشرين مع رفيقين من نفس السن هما المربي الفاضل عامر سحنون والموظف بعد ذلك في جامعة الدول العربية أحمد الهرقام وهما حيان يرزقان اليوم حين كان محافظ الشرطة حسونة العوادي يستجوبنا يوم 4 سبتمبر 1969 بتهمة الدفاع عن بن صالح وبث البلبلة عفا الله عنه وعنا جميعا. ثم انتهى عهد بورقيبة بمحنة محمد مزالي رئيس الحكومة الأسبق رحمه الله الذي تشرفت بمرافقته في منفاه وتحمل تكالب النظام البائد علينا وعلى أهلنا وعلى أعراضنا لمدة عقدين فصودرت بيوتنا وشتت أولادنا ولوحقنا أنا وهو من منظمة إنتربول سنوات طويلة ورئيس الجمهورية الحالي د. منصف المرزوقي كان أول من شد أزرنا وراسلنا وكتب في الصحف التونسية مقاله الجريء (راكب الأسد) وهو اليوم أجدر من ينصفنا أمام التاريخ وأمام الشباب التونسي الذي لم يعش مأساتنا. إن اعتذار الدولة موقف معنوي وسياسي وقيمي لعله يساهم في كتابة التاريخ الوطني بأكثر أمانة وعدلا وإنصافا.
713
| 11 أبريل 2012
عندما كانت جماهير الناس تهتف للحريات و الكرامة في شوارع تونس و مصر و اليمن وليبيا كان لديها أيضا حلم عربي من ذلك الصنف الذي غنى له المطربون العرب فأبكوا العرب من المحيط للخليج حين قالوا : كان حلمنا طول عمرنا حضن يضمنا كلنا كلنا. جايز ظلام الليل يبعدنا يوم إنما يقدر شعاع النور يوصل لأبعد سما.... و كذلك أوبريت الضمير العربي الذي يقول إننا يمكن نسينا في يوم إن العرب إخوان و الشعب العربي يريد سلام موش استسلام.... و كان لدى هذا الشباب الثائر على الظلم سنة 2011 كذلك أمل في أن تهب دول عربية لزرع الرجاء بمجرد تفعيل الاستثمارات لمشاريع هذه البلدان محدودة الموارد وهشة البنية التحتية وتعويض السياحة الأوروبية بالسياحة العربية و تحمل قسط في جلب الكفاءات من شبابها المعطل للعمل في هذه المجتمعات على الأقل في مرحلة عسيرة جاءت مباشرة بعد انهيار أنظمة الاستبداد. أين ذهب العرب و أين أيديهم الكريمة السخية التي يتطلع لها إخوة لهم دفعوا بشهداء الحرية من أجل إنتمائهم للعروبة و الإسلام و فتح طريق جديدة نحو استقلال القرار العربي و البداية في تحرير من بقي من شعب فلسطين من أفظع مأساة احتلال و إبادة في القرن الماضي. كان الأمل العميق معلقا على قلوب الأشقاء العرب و ضمائرهم لأن إجهاض هذا الربيع وارد و المناورات عديدة تحاك هنا و هناك من أجل إفشال نموذج تونس مثلا لأنه نموذج فريد و غير مسبوق حقق تحولا حضاريا و سلميا أبهر العالم و بنجاحه سوف تنجح الحالات العربية الأخرى و بفشله لا قدر الله ستسقط كل محاولات بناء الذات التي تبعته و تلته في هاوية الردة و النكوص. إن تونس الخضراء اليوم تقف على أبواب نصر الحرية على الاستبداد و نصر الحق على الباطل و نصر المظلومين على الظالمين و نصر الحلم العربي على المؤامرات الاستعمارية الجديدة و نصر اللغة العربية على اللهجات الهجينة اللقيطة و نصر التضامن العربي على مغامرات التقسيم و التجزئة و نصر الوحدة العربية على أشلاء سايكس بيكو. إن تونس التي دشنت صراط الانعتاق و أوصدت طريق الإلحاق مهددة بمعضلات هيكلية موضوعية لا دخل لنخب اليوم في وجودها. فكل حالة تغيير جذري في أية دولة تطرح قضايا انخرام التوازن الاقتصادي و استفحال المطالبات الاجتماعية و تضاعف أعداد الشباب العاطلين عن العمل إلى جانب بعض الانفلات الأمني و انحباس الاستثمار الداخلي و الخارجي وإغلاق الفنادق و المرافق السياحية وهي ملفات طبيعية فتحت في زمن قصير و في الوقت نفسه لتهدد مكاسب الشعب بالتراجع. و نحن نثق في أشقائنا قبل أن نثق في المؤسسات الأمريكية و الأوروبية لكي يتدارس إخواننا في الله و العروبة إمكانية التوافق حول مخطط مارشال عربي لإنقاذ لا وطني فحسب بل و معها كل مكاسب الربيع العربي الذي يبشر بعصر عربي أروع و أقوى و أبقى. إن الولايات المتحدة شعرت مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بأن مصيرها مرتبط جدليا و سياسيا و اقتصاديا و استراتيجيا بمصير القارة الأوروبية بعد أن خرجت فرنسا و بريطانيا منتصرتين على النازية فهبت واشنطن لتنفذ مخطط مارشال الذي ضخ في الاقتصاد الأوروبي مئات المليارات من الدولارات دون من و دون شروط حتى نهضت القارة الأوروبية العجوز من كبوتها و ارتبطت بمحيطها الأطلسي و دافعت عن الولايات المتحدة بآليات حلف الناتو إلى يوم الناس هذا. ثم إن ما يشبه مخطط مارشال وقع تطبيقه منذ سنة 2008 على الدول الأوروبية المهددة بالإفلاس مثل اليونان فضخ فيها البنك المركزي الأوروبي بإعانة أمريكا مئات المليارات من اليوروات حتى لا يغرق المركب الأوروبي بمن فيه. إن مركبنا العربي اليوم مركب واحد و إذا نجحت تونس في تجاوز عراقيلها فهو نجاح للعرب جميعا و من أؤكد واجبات إخوتنا و أبناء عمومتنا أن يمدوا يد العون و السند لشعب عقبة بن نافع و طارق بن زياد و ابن خلدون و أبي القاسم الشابي لأن التاريخ العربي الإسلامي علمنا أن بطولات تونس منذ الفتح الإسلامي هي نفس بطولات الجزيرة العربية الشماء التي منها إنطلق الفاتحون فواصل أبناء المغرب الإسلامي طريقهم نحو الأندلس ثم نزلوا إلى إفريقيا مبشرين براية الرسول الأعظم و الكتاب الذي أنزل إليه. إن ماضينا واحد و لا يكون مستقبلنا إلا واحدا.
520
| 04 أبريل 2012
نظم حزب الاتحاد الوطني الحر التونسي هذا الأسبوع ندوة دولية تحت عنوان: الإسلام والتنمية والديمقراطية بمشاركة عدد من المفكرين من بينهم البروفسور أحمد أقندوز من تركيا حول التجربة التركية الحديثة والأستاذ جورج إسحاق أحد مؤسسي حركة كفاية المصرية حول المجتمعات التعددية العربية ما بعد الربيع العربي والأستاذ محمد أوجار وزير حقوق الإنسان في الحكومة المغربية السابقة حول شروط نجاح منظومة حقوق الإنسان بين الدين والسياسة ود. محمد بن بريكة الجزائري مؤرخ الحركات الصوفية في العالم الإسلامي حول جوهر الفكر التصوفي ورسالته في المجتمعات المسلمة وفضيلة الأستاذ عبد الفتاح مورو أحد أبرز مؤسسي الحركة الإسلامية التونسية حول التوفيق بين القيم الأصيلة والحداثة. وحظيت هذه الندوة العلمية باهتمام عدد غفير من أساتذة الجامعات ورجال الإعلام والأدب والفكر والسياسيين لأنها طرحت محاور أساسية اختارها رئيس الحزب الأستاذ سليم الرياحي وأمينه العام الدكتور خالد شوكات لكونها تحاول تبيان عدم تضارب هذه المنظومات القيمية الأساسية وهي دين الأمة وطموحها المشروع للتنمية وتطلعاتها القوية للديمقراطية وصون الحريات. واتفق جميع المتدخلين على ألا تضاد بين الإسلام كعقيدة وكشريعة مع التنمية المستديمة والديمقراطية الأصيلة. واخترت أنا في مداخلاتي أن أشرح للشباب من منظوري المتواضع معنى ما أسميته الحداثة التأصيلية مقابل بضاعة مغشوشة هي الحداثة المستعارة. وقدمت للحاضرين مثل اليابان والعالم العربي حين بدأت النهضتان اليابانية والعربية تقريبا في نفس العشرية أواسط القرن التاسع عشر وقد كان اليابان يدشن نهضته على أيدي أسرة المايجي وكان العالم العربي يدشن نهضته على أيدي الحركة الإصلاحية لمحمد علي في مصر. وأشرت إلى أننا بعد قرن ونصف نتساءل اليوم: أين وصل اليابان وأين وصل العرب؟ والسر الأول في توفيق اليابان وفشل العرب هو أن اليابانيين غرفوا حداثتهم من معينهم الأصيل وأحسنوا توظيف تراثهم وأحيوا تقاليدهم وأثروا دينهم مع فتح أبوابهم في وجه الغرب المتطور دون التنازل عن ثوابتهم بينما نحن العرب اخترنا استعارة حداثتنا من الغرب ومن تقاليده ولغاته وأحيانا من أديانه معتقدين كما كان يقول الزعيم بورقيبة عن حسن نية بأننا سوف نلتحق بركب الحضارة...(الغربية) كأنما الحضارة الغربية سوف تنتظرنا جامدة تراوح مكانها حتى نلتحق (بسلامتنا) بها وهذا هو الخطأ الجوهري الذي جعل أغلب بلادنا مذيلة للغرب مستلبة الإرادة مستعيرة سلوكياتها وثقافاتها ولغتها وردود أفعالها من الغرب وبالطبع فهي عاجزة عن الإبداع بل وعاجزة عن تحقيق استقلالها الكامل حتى لو نالت استقلالها الإداري والعسكري. فتعطلت التنمية الحقيقية الخلاقة لتعوضها استكانة لراحة الاستهلاك وضاعت التربية المبدعة التواقة لتحل محلها نواميس التقليد واستنساخ تجارب الأمم الأخرى فأنتجت المجتمعات العربية أصنافا مشوهة من الأجيال العاجزة المندمجة في الغير من دون إرادة. ونسيت نخب العرب ما لدى العرب من مخزون حضاري غني ومتميز مثل مدرسة الطب الإسلامي التي شهدت عبقريات ابن سينا وابن الجزار وابن النفيس والرازي حين كان الطب الإسلامي هو الذي يجمع بين علاج الجسد والنفس ومثل مدرسة التربية الإسلامية لدى محمد بن الجزار القيرواني صاحب كتاب (سياسة الصبيان وتدبيرهم) ومثل مدرسة العلوم لدى الخوارزمي الذي حرف الغرب اسمه إلى (لوغاريتم) الذي أسس لتكنولوجيا الحواسيب بفضل علم الكسور ومثل مدارس المعمار العربي...إلى آخر قائمة الحضارة الإسلامية التي نقلت للغرب أصول علوم اليونان وفلسفاته وآدابه. وألححت في مداخلاتي على أن تكون تحولات الربيع العربي تحولات حضارية لا مجرد مطالبات سياسية أو اجتماعية حتى نعود كأمة رائدة إلى حركة التاريخ نصنعه ولا نتحمل دوراته العجيبة ونحن على هامشه نتفرج على إنجازات الأمم الأخرى مبهورين مندحرين مقموعين لا حول لنا ولا قوة. ذلك هو الفرق الشاسع بين حداثة تأصيلية وحداثة مستعارة.
822
| 28 مارس 2012
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي،...
10722
| 27 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد،...
1782
| 29 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى...
1668
| 26 يوليو 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا...
1413
| 30 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا...
1401
| 30 يوليو 2026
في كثير من المؤسسات تبدو الأمور واضحة على...
1326
| 29 يوليو 2026
تعمدت في المقال السابق ألا أجيب مباشرة عن...
987
| 28 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن...
942
| 01 أغسطس 2026
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى اتفاقيات جديدة بل...
771
| 26 يوليو 2026
في كثير من المؤسسات، يُحال الموظف أو المسؤول...
717
| 27 يوليو 2026
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل...
717
| 31 يوليو 2026
بعض الكتب تبقى على قيد الحياة طويلا لا...
612
| 28 يوليو 2026
مساحة إعلانية