رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خلال عملي في مجال التدريب الإداري والتنظيمي لسنوات لعديد من المؤسسات الحكومية والمنظمات العامة لاحظت أن هناك خللا في ثقافة التدريب والدورات التدريبية التي تقدم كوسيلة لتطوير موظفي القطاعات الحكومية، فالتدريب يقدم للموظفين لغرض أسمى وهو تطوير المهارات الوظيفية والمعارف العلمية وغربلة القناعات السلبية التي لا تخدم الموظف في تطوير ذاته. وأورد هنا شيئاً وجيزاً من تلك الملاحظات لعلٌها تساهم في علاج القصور في مؤسساتنا وعقلية أفرادنا وموظفينا في المؤسسات العامة الخليجية تجاه مفهوم التدريب والدورات التدريبية. فمنها ما يتعلق بعدم وجود علاقة وثيقة بين الدّورة التّدريبية المقدمة للموظفين وبين العمل الذي يقوم به الموظف وذلك نتيجة للقصور في دراسات الاحتياجات التدريبية، إذ تتوجّه بعض من المؤسسات الحكومية إلى عقد دورات تدريبية للأفراد الموظفين فقط لمجرّد استهلاك وصرف الميزانيّة الخاصّة بالتدريب، بغضّ النظر عن أهمية تلك الدورات ومدى فائدتها ومدى موافقتها لسد الفجوة التدريبية. ومن هذه الملاحظات إهمال الجانب العملي لدى بعض المدربين والمحاضرين، فأحيانا يتم اختيار المدربين أو المحاضرين دون النظر إلى البعد المعرفي أو البعد الخبراتي المنطلق من المعرفة حول موضوع الدورة التدريبية، وما ذاك إلا للمحسوبيّة في اختيار المدربين أو لخلل داخل المؤسسات العامة في منهجية اختيار المدربين والمحاضرين. ومن الملاحظات أيضاً ما يتعلق بالمتدربين، فمنهم من يعاني من عدم وجود الرّغبة في التعلم والتطور، وذلك يعالج بربط العمل والاستمرار بالوظيفة بشرط التطوير المعرفي والمهاراتي المستمر للموظف مما يخلق لديه نوعا من الالتزام نحو التدريب، وتكون الجدية هي سمة المتدرب، وممكن أن يكون هنا دور للمدرب في خلق روح الإيجابية والانتعاش المعرفي في نفوس المتدربين عن طريق تطوير مهاراته الخاصة في صناعة «التدريب المشوق». فمن المدربين من يعجز عن إيصال المعلومات أو تنمية المهارات لدى الموظفين بطريقة مشوقة ومعمقة بنفس الوقت ويثري النقاش مع المتدربين ولذلك قد تحدث فجوةٌ كبيرة بين المُدرّب والمتدرّب ويهدم ما تهدف إليه الدّورة التّدريبية. وهناك من الأسباب ما يتعلق بقصور العملية التدريبية وبسوء المادة التدريبية وإعدادها وتصميمها وتركيزها على الحشو غير المفيد، حيث تفتقر بعض الدورات التدريبية إلى منهجية التطوير للمعلومات المقدمة فيها والمهارات التي يتم تعليمها وإكسابها للمتدربين. ومن ذلك أيضاً ضعف العملية الرقابية للتدريب ككل، ابتداءً من تحديد الاحتياجات التدريبية وانتهاء بعقد الدورة التدريبية، ونلاحظ أحيانا عدم اهتمام المشرفين والقائمين على التّدريب من قبل بعض المؤسسات الحكومية بالتدريب والمتدرّبين. وهنا لا أريد أن أقسو كثيراً على المدرب والمتدرب وأنسى أن للأجهزة الحكومية دوراً في بناء أو هدم منظومة التدريب، فعندما ينعدم الشعور بالأمن الوظيفي وأعني به شعور الانتماء للمؤسسة وعندما يضعف هذا الشعور ويزيد الإحساس بعدم العدالة التنظيمية وعدم إيصال الكفاءات للمناصب العليا وسوء بيئة العمل وتصميمها وضعف التحفيز المعنوي والمادي، يكون هنا العتب على تلك الأجهزة وعليها مراجعة أدائها مما يجعل منظومة تدريب موظفيها تكون على أحسن ما يرام.
978
| 27 ديسمبر 2023
أطلق الكويتيون على الأمير الراحل الشيخ نواف الأحمد الصباح – طيب الله ثراه – لقب أمير العفو وذلك لما تم في عهده من عفو كريم عن كافة أبنائه وعياله الذي تعرضوا لملاحقات سياسية بسبب آرائهم الإصلاحية التي لا ترنو إلا الصالح العام وقام بفتح صفحة جديدة بالتعاون بين الحكومة والمجلس في عهده وظهر ذلك الانسجام واضحاً في ترسيخ مبادئ العفو والتسامح، وما حزن الكويتيين على فراقه – رحمه الله – إلاّ دلالة على ذلك الحب وتلك المودة التي يحفظها شعب الكويت لأميرهم الزاهد العابد. فمن الأخلاق العظيمة والسمات النبيلة والخصال الحميدة التي تُكبِر صاحبها وتجعل له قدرا في نفوس الخلائق هو خلق العفو عند المقدرة، أي العفو عن المسيء أو المخطئ عند القدرة على معاقبته على إساءته وإنزال العقوبة عليه، وإن كانت المعاقبة جوهر العدل وفيما يقتضي القانون ومواده، فإن العفو قمة الفضل وذروة الأخلاق وسمو الروح، وهذا الخلق الكريم هو خلق الإسلام الذي ندب ودعا وحرص القرآن الكريم كقوله سبحانه: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} وقوله سبحانه: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ}. والصفح الجميل كما جاء في تعريفاته: هو العفو والإعراض والتجاوز الذي لا عتاب معه، ومازال القرآن الكريم يحث على الإعراض عن المخطئين وأهل الزلل، والعفو عن المسيئين، حتى في الأمور التي يكون فيها القصاص عدلا منشوداً فإنه مع تشريعه القصاص، إلا أنه حبَّذ العفو عند المقدرة ودعا إلى ذلك، كما قال سبحانه: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ). وقد بيّن النبي، عليه الصلاة والسلام، فضل العفو عند المقدرة والتجاوز عن المسيء فيما يروى عنه: «وما زاد الله عبداً بعفو، إلا عزاً». ولنا في حكاية «اذهبوا فأنتم الطلقاء» الكثير من المعاني والعبر، فليست حياة الأنبياء إلا منهجا يجب أن يسير عليه الساسة والقادة في تعاملهم مع أفراد شعبهم. فأميرنا الراحل ضرب أروع الأمثال المعاصرة في كيفية تعامل السلطة الرشيدة مع أبنائها المخطئين، فالتسامح والعفو يخلق في نفوس من يقع عليهم ذلك مودة وولاء للسلطة، ويذيب كل أسباب الخلاف، ويجعل من العدو نصيراَ وصديقاً، ويجمع الجهود ولا يشتتها وتكون ثمرة الأعمال في مصب الصالح العام ويستفاد من كل الكفاءات والجدارات في بناء الوطن في قابل الأيام. رحم الله أميرنا أمير العفو وأسكنه فسيح جناته، وجعل الخير في المسيرة القادمة تحت قيادة سمو الشيخ مشعل الأحمد الصباح ورزقه البطانة الصالحة التي تعينه على الاستمرار على نهج الإصلاح وسد كل سبل الخلاف.
1212
| 20 ديسمبر 2023
كما تعجبنا من وجود صهاينة بيننا نحن العرب، يدينون كل مقاوم عربي شريف ونجدهم يصدحون بالباطل نصرة للمحتل الصهيوني، فإننا نتعجب أيضاً من مواقف كثيرة اتخذها أناس غربيون ليسوا من جنسنا ولا يلبسون ثيابنا ولا يتحدثون بلغتنا ولا يدينون بديننا، وجدناهم مدافعين عن الحقوق العربية الإسلامية ويدينون كل بطش يقوم به الكيان الصهيوني المدعوم علنا من أنظمة غربية قد سقطت أقنعتها التي كانت تخفي وحشيتها، في حين أن من شعوبهم نخباً سياسية وعلمية وفنية ورياضية وغيرها قد وقفوا مع الضمير العربي والحق العربي. فقد ذكر السيناتور الأمريكي ساندرز أن الوضع في غزة «كارثة إنسانية»، وقال أيضاً: «يجب على الولايات المتحدة ممارسة كل الضغوط على نتنياهو لدفعه إلى وقف النهج العسكري». ونشرت شبكة «سي إن إن» برقية موقعة من دبلوماسيين أمريكيين منتشرين في العالم العربي حذروا فيها من «خسارة الرأي العام العربي لعقود قادمة» في أعقاب دعم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي لا هوادة فيه لإسرائيل. وقالت باربرا ليف، مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، إن «هذا الصراع أثار قدرا هائلا من الغضب الشعبي تجاه إسرائيل وتجاهنا». وقالت الباحثة الهولندية رينا نيتجيس: إن حول غزة وشمال سوريا كثيرا من المعلومات الخاطئة في وسائل الإعلام الغربية، مؤكدة أن الغرب فقد قدرته على إعطاء دروس للآخرين في حقوق الإنسان. وذكرت الباحثة أيضاً أن الدول الغربية فقدت قدرتها على إعطاء دروس للعالم في حقوق الإنسان بعد موقفها الداعم لإسرائيل في قتل الأطفال والنساء والأبرياء في قطاع غزة. وأيضاً كتب النجم السابق لمنتخب فرنسا ونادي بايرن ميونخ، فرانك ريبيري، صاحب الكرة البرونزية عام 2013، على منصة إنستغرام: «الحرية لفلسطين» مرفقًا إياها بعلم فلسطيني وإشارات النصر. وقالت ماريا غوارديولا: «إننا نشاهد شعبًا محتلًا ومضطهدًا يواجه الإبادة على يد دولة نووية بدعم كامل من العالم الغربي. هذه ليست - ولم تكن أبدًا - «معركة متكافئة». إنها الآن مذبحة على نطاق لا أعتقد أنني رأيته في حياتي». وبعد أن شنت بطلة مسلسل «صراع العروش» لينا هايدي هجومًا على المقاومة في انطلاقتها لعملية «طوفان الأقصى»، عادت «الملكة سيرسي» لتعلن على حسابها في إنستغرام وقوفها بمواجهة «الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون»، مضيفة: «كل فرد يستحق الاحترام، والكرامة، والحرية». وخلال مقابلة متلفزة، لم يتمالك الـ»يوتيوبر» الأمريكي الإسرائيلي إيتهان كلين دموعه، فبكى متأثرًا حين تحدث عن رجل فلسطيني يحمل جثة ابنته، وقال إن على الإسرائيليين والحكومة في تل أبيب أن يشاهدوا ما يحدث، وأضاف: «أنا أب، ولا أستطيع أن أرى ذلك». ولا يعني هذا النقل أنه يمثل بالضرورة رأي الشعوب الغربية كلها، بل نقول إن الشعور الإنساني في خطر إذا تسلط أولئك العنصريون على الرأي العام ومنابره وغاب عنها العاقلون المؤمنون بحقوق كل إنسان في هذا الوجود، ونستذكر هنا موقف النجاشي في أثيوبيا عندما دافع بشراسة عن الصحابة اللاجئين من قهر السلطة المكية لأتباع الدعوة المحمدية، فلم يكن عامة موظفي الحكومة والشعب الحبشي يؤمن بتلك النظرية النجاشية الحامية للحريات ولكنه حمى الفكرة ودافع عنها، ففي كل زمان نجاشي يدافع عن حقوق المستضعفين وله علينا حق الإنصاف ورد الجميل.
1611
| 13 ديسمبر 2023
ما إن رأيت النقد الجارح والهجمة غير الأخلاقية التي يقودها «صهاينة العرب» ضد السيدة لولوة الخاطر - وزيرة الدولة للتعاون الدولي بوزارة الخارجية القطرية، التي دخلت إلى ميدان الحرب في غزة من أجل إيصال المساعدات إلى ذلك القطاع المنكوب وقامت بعدة جولات إغاثية للمنكوبين من أهلنا هناك حتى تذكرت بيتاً من الشعر يقول: أقِلّوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللومِ أو سُـــــــدُّوا المكان الذي سَـــــــدُّوا لا أحد منّا يحب الحروب، ولا أحد منا إلا ويعشق السلام والحياة ولكن شاءت الأقدار بوجود الأشرار في دنيانا، ودائما ما يكون هؤلاء الأشرار مفاتيح للحروب والكوارث التي تنزل على الأبرياء قتلاً وسفكاً لدمائهم وهدماً لمنازلهم وديارهم فتكون الميادين في المدن كَرُكام تسوده الأشباح، وطرقات مرعبة وجثث مترامية تجعل القلب يتفطر ألماً لما تشاهده العيون ولا تجد النفوس بعد تلك المناظر شعلة لفعل أي شيء. وفي زماننا، لا تكون تلك الكوارث الغاشمة مسموحة إلا على العرب ورقعتهم، وتفسير الأمر أن الأمم كانت وما زالت تنظر إلى العرب نظرة ازدراء الأسياد لعبيدهم فلا تكون فرصة للعرب للمسير نحو السؤدد إلا وانهالوا عليهم بالقمع والإرهاب الدولي. فلا يخفف وطأة هذا المشهد الحزين إلا دخول أرواح لتلك الطرقات ووسط الركام فتمد أيديها للمظلومين والمنكوبين وتقدم لهم العون ولو قلّ والمدد وإن لم يكن يبلغ حد البلغة ولكنه بلا شك يخلق في نفوس المنكوبين الشيء الكثير، ومن يقرأ تاريخ النكبات العربية والإسلامية يجد أن الشعوب العربية والشعوب الإسلامية وبعض «أنظمتها ولو قصرت» فإنها لا تخلو من همم تسمو لتمد يد العون ونفوس لا ترتضي العيش وفي جوارها مظلوم يتعرض لهجمات العدو آناء الليل وأطراف النهار. والأعجب في هذا الأمر همم النساء، ففي تاريخنا العربي نماذج مشرفة كانت لها يد العون للمنكوبين في الحروب والكوارث والأزمات، فنستذكر هنا السيدة رفيدة بنت سعد التي قدمت نموذجا لنساء الأمة وكونها المرأة العاملة المجتهدة، فقد كانت تخرج في غزوات النبي فتشرف ميدانيا على الجرحى والمصابين ابتداء من عمليات التطبيب للجروح وصولاً إلى شد العزائم النفسية وغرس الثبات في نفوس المناضلين في بداية عهد الدولة العربية الإسلامية بقيادة المعلم الأول، فما كانت، أعني السيدة رفيدة بنت سعد، إلا منارة تقتدي بها نساء العرب جيلا بعد جيل. ونستذكر في التاريخ أيضا السلطانة (راضية) التي كانت تصرح أمام الملأ بلا خوف ولا تردد فتكافح معاني العنصرية والتهديد العرقي ومعاداة الإنسانية ومواجهة التوحش الطبقي والمجتمعي في الهند، فكانت امرأة سياسية من الطراز الفريد، والذي أدى تميزها إلى غيرة النبلاء والأشراف من سياستها وحسن تصرفها في الملفات السياسية وإدارة الشؤون الداخلية والخارجية في الإمبراطورية الدلهوية. فما زالت الأقلام المأجورة والألسن منذ القدم تقتات على نجاحات الآخرين وتسعى إلى إفشال كل خير يقوم به المصلحون ولو كان جهد المقل، ولكن هيهات هيهات أن يتخاذل أهل النصرة والخير.
819
| 05 ديسمبر 2023
في العام السادس للهجرة قامت قريش بتوقيع هدنة لإيقاف القتال المسلح بين الجيش القرشي والقوات الإسلامية بقيادة النبي الأكرم، وكانت بنود هذه الهدنة تنص على إيقاف مؤقت للقتال بين الطرفين، وسميت تاريخياً بصلح الحديبية، وقد شملت عدة بنود واشتراطات بين الطرفين، ولكن الذي نريد أن نسلط الضوء عليه هو كيف تعامل النبي الأكرم ﷺ مع الهدنة في ضوء المعطيات السياسية والقائمة على المصلحة والمنفعة المباشرة والآنية ودفع المفسدة والمضرة عن الشعب والملة. يعلّمنا المعلم الأول ﷺ أن هناك فرقاً بين التفاوض على المبادئ، وهي منطلقات الإنسان وقيمه العليا ومناراته المثلى وموروثاته المقدسة، وبين الأدوات والوسائل التي تحكمها المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتتأثرها وتؤثر فيها، وهي عوامل تغير وتحول عناصر القوى الفاعلة والمؤثرة في تحقيق المصلحة العامة. فقبل ذلك بعدة سنوات عديدة، حاولت قريش مفاوضة النبي الأكرم ﷺ على الوصول إلى اتفاقية صلح بينهم في العهد المكي، تكمن بنودها واشتراطاتها في إسقاط للقيم المقدسة والمبادئ والمنطلقات التي نادى بها النبي وهي (أصل الدعوة وتوحيد الرب وحاكمية السماء في التشريع والحكم )، فقام النبي الأكرم ﷺ بالاعتراض عليها ورفضها رفضاً قاطعاً وقال حينها: «واللهِ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يُظهره الله أو أهلك دونه». فكانت هذه الإجابة النبوية دلالة على رفض السمو النبوي على أي هدنة أو تفاوض يمس المعتقدات والمبادئ المقدسة التي بسقوطها تسقط دعوى الحاكمية للرب الأجل. ولكن نجد بعد سنوات، وحينما حصل التفاوض في هدنة الحديبية وجدنا أن النبي ﷺ قبل منهم ما أرادوا وتمت الموافقة من قبله وكان ظاهر شروطهم فيه إجحاف للجانب المدني الإسلامي مما أدى إلى غضب الصحابة من ذلك ومحاولتهم الحثيثة لإقناع النبي ﷺ بعدم قبول شروط الهدنة التي تحوي (حسب فهمهم) تنازلات عن القيم التي ينتهجونها والمبادئ التي كان يدعو إليها النبي ﷺ، ولكن الغريب أن النبي الأكرم وافق على شروطهم، وبعد ذلك رجع القرشيين إلى مكة وهم يرفعون راية النصر بتوقيع اتفاقية هدنة إيقاف الحرب المؤقت بين الفريقين، وما زال الصحابة يجدون في أنفسهم من هذه الاتفاقية التي عقدها النبي ﷺ. وعند ذلك أخبر النبي صحابته بألا يستعجلوا النتيجة وأن البنود التي تم التوقيع عليها لم يتم المساس بمبدأ (الدعوة والعقيدة والمسار العام الإسلامي)، وإنما كانت البنود تحوم وتدور حول (أدوات وعناصر) يمكن التفاوض عليها ولا يؤدي ذلك لانهيار منظومة الدعوة إنما الأمر له علاقة بتسليم الأسرى والتسميات وغيرها. فكأن النبي (والله أعلم بمراد نبيه) يُعلّم الصحابة والأمة من بعدهم أن هناك فرقاً بين المبادئ والقيم المثلى التي لا يجب أن تشوبها شائبة وألا تكون رهن الأعداء في الاتفاقيات، وبين الأدوات والأساليب التي يمكن أن تعاد إدارتها واستثمارها بما يتوافق مع المصلحة الآنية للدولة والدعوة والشعب. فلم يمر عام بعد تلك الهدنة حتى فتحت مكة على أيدي المسلمين وكانت في باطنها فتحا وانتصارا.
2289
| 29 نوفمبر 2023
يروى في التاريخ أن أبا جهل «عمرو ابن هشام» الذي كان رئيسا للفرقة الإجرامية المكلفة باغتيال النبي الكريم في بداية الهجرة قد قام بمحاصرة بيت النبي مع مجموعة من المشركين ومن كل قبيلة وبطن فتى مدجج بالسلاح حتى يضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل فتكون تكلفة الأخذ بثأر محمد من العرب ثقيلة على آل عبدالمطلب! فيرضون بالدية، ولكن العجيب أن أبا جهل أمر أتباعه بانتظار النبي حتى خروجه ولم يقتحم البيت ليلاً فعوتب على ذلك فقال: «لا تتحدث العرب أن أبا الحكم روَّع بنات محمد»! تلك هي مروءة العرب التي جُبلوا عليها وهي من محاسن طبائعهم وأخلاقهم التي جعلت الرسالة الخالدة تنزل فيهم، والمروءة هي خلق جليل وأدب رفيع وخلَّةٌ كريمة وخصْلَةٌ شريفة تربى عليها العرب في جاهليتهم وكانت تُضرب بهم الأمثال ومنها حكاية أبي جهل وهو على كفره لم يتخل عن مروءته - وكنّا نتمنى أن يسلمه الأمر في النهاية إلى الإسلام ولكن قدّر الله شأناً آخر - التي جُبل عليها من أجل مصلحة الخصومة الدينية والسياسية مع النبي الأكرم، فذلك لعمري أدب إنساني رفيع تميز به أهل الجاهلية وجاء الإسلام ليتمم الأمر ويجعل مرادها الأجر الأخروي، ففيها كمال الرجولة، وصيانة النفس عن رذائل الخصومة. ولكن ما يحزنني أن بعض «العرب» والمسلمين تخلوا عن ذلك الخلق القويم والطبع السليم ونجدهم يكون عوناً للأعداء في الاعتداء على أبناء عروبتهم ودينهم وإنسانيتهم، ويقفون مع الطغاة ضد المجني عليهم، ويطالبون بمحاكمة المناضلين ويتركون من تسبب بظلمهم، وما ذلك إلا لانعدام مروءتهم ونقصان دينهم، فهل يكمل دين المرء إلا بالخلق؟ وهل يتم الخلق بلا مروءة تمنع الإنسان من الابتذال في الخصومة؟! فالأمر كما قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب التميمي: «لا خير في رجل، كُفّار قريش خير منه». فما بالنا نجد من قومنا من يبارك العمليات الصهيونية الغاشمة في إخوتنا الفلسطينيين، ويشمت بهم ويحملهم حملاً ثقيلاً بجعلهم المتسببين بالكوارث وكأن العدو كان غارقاً في غيبوبته فأيقظته شهامة وبطولة المناضلين هناك. ولكن ثقوا تماماً بأن العروبة والمسلمين وإن خالط بعضهم هذا الدنس فإنهم يبقون بياض الأمم ولا يحول بينهم وبين العلو في الدنيا والآخرة إلا بالرجوع إلى منظومة أخلاق العرب التي خلقها الرب في جاهليتهم ثم أتممها ببعثة نبيهم.
2283
| 22 نوفمبر 2023
لا يقتصر دور المثقف والمفكر والمصلح في المجتمعات على نشر المعرفة والأفكار، إنما يتعدى الأمر إلى السعي إلى إصلاح المجتمعات وتبيان الحقائق ومعالجة القصور ومكافحة الفساد والسعي إلى نصرة المظلومين والمقهورين ومواجهة الطغيان بأنواعه السياسي منها والاجتماعي والاقتصادي والدفاع عن المبادئ المثلى. لكن ما يلفت النظر ويثير الإعجاب بل الاشمئزاز أن هناك من يدعون الثقافة العليا وارتقاء المناصب الاستشارية يميلون كل الميل مع رأي سلطة ما أو توجه ما دون تفكير منهم حول جدوى تلك الأفكار والآراء، فهم لا يقيمون وزناً إلا للمال والجاه والسلطة والحظوة لدى السلطان، ضاربين بكل المبادئ والقيم عرض الحائط، ويجعلون من الافتراءات منهجاً لهم ويجعلون من المنابر الإعلامية (التي أتيحت لهم من قبل بعض الإدارات للأسف) منبراً لهم في عرض طعوناتهم وأكاذيبهم على الشعوب العربية حماية لأمر ما. وعلى سبيل المثال فهذه الحرب الدائرة على أهلنا في غزة أخرجت لنا في الخليج رؤوساً تدعي الثقافة تنادي بعدم الوقوف مع الشعب الفلسطيني وأهل غزة بالتحديد وتستهزئ بالمقاومة المشروعة تجاه المحتل الصهيوني، وتطعن في مصير أطفال المسلمين - الذين تتفطر القلوب لرؤيتهم - وتستهزئ بتسمية (الشهيد) وإطلاقه - ظنا منا بكرم الله - على كل من يقتل بنيران العدو الصهيوني، فتجدهم يلوكون بألسنتهم الكذب والطعن بالمقاومة المشروعة. ومن هوانهم على الناس أنهم إذا سُئلوا عن مواقف متشابهة في ظروف مختلفة فإنهم يقعون في التناقض الشديد، فكأنهم يقولون أينما كانت دائرة الحظوة والمنفعة في مكان ما فنحن معها دون النظر إلى العواقب. فلا ينبغي لأهل الحق النظر إلى هؤلاء مدعيّ الثقافة الذين يبيعون ضمائرهم لمصالحهم الشخصية ومنافعهم وعلاقاتهم المشبوهة، فالحق لا يعرف بالرجال إنما يعرف الرجال بالحق. ويرجع الأمر أيضاً إلى ما يسمى بهشاشة المثقف الذي يبيع ضميره، ويعرضه لسلوك الخيانة العظمى في بعض الأحيان، فعندما يسيل لعابه لمغريات أصحاب النفوذ فيستخرج حينها ألف عذر لعمل ما يلزم من ترويج لأفكار سلبية أو أكاذيب باهتة من أجل منافعه الخاصة حتى لو عرضه ذلك لخيانة وطنه وشعبه وملته ومنطلقاته وميراثه.
1536
| 15 نوفمبر 2023
ما نراه الآن من بطولات وأمجاد يكتبها ويسطرها المناضلون في غزة المحاصرة تحت قذائف العدو الصهيوني، والتي وثقها جماعة المناضلين عبر مقاطع تبث في اليوتيوب تحكي لنا مصداقية ما يقوم به هؤلاء الأماجد من بطولات ليست كالتي تحكى في عالم الدراما الغربية المزيفة، يجعلنا ننظر في تاريخنا ونتساءل عن حكاية رجل كانت له من الصولات والجولات في استرداد الأراضي المقدسة من سطوة الاحتلال الصليبي للقدس. ذاك هو الأمير شرف الدَّولة «موْدُود بن التونتكِين أمير المُوصل، والذي قال عنه ابن الأثير: « وكان خيِّرًا، عادلاً، كثيرَ الخير، أميراً نبيلاً ومجاهداً عظيماً، ساسَ رعيّتهُ بالعدلِ والإنصافِ، والتزمَ بتعاليم الدّين الإسلامي، مع أمر بالمعروفِ ونهيٍ عن المنكر، حتى شاع الخيرُ في كل مكان من أرجاء المُوصل، فأحبّته الرّعية، وامتلك بعدله القلوبَ والعُقول، ثم رسّخ في قلوب رعيتهِ حبّ الجهاد». فعندما جاء الصليبيون في القرن 5 هـ لم يجدوا أحداً يجابههم ويحاربهم، وهكذا بعد تأسيس الصليبيين 4 ممالك في المشرق الإسلامي بعدة سنوات ومنها مملكة القدس في فلسطين.، وجدنا أن بعض الأخبار تروي أن بعض رؤساء وأمراء الممالك الإسلامية في الشام قد قدموا تسهيلات للصليبيين مما سهل عليهم احتلال الشريط الساحلي الشامي دون أن يتحرك لهم جفن من الحياء أمام الأمة والتاريخ. فكان لابد من وجود رقم صعب يجعل التاريخ حائرا في فهم آلية وجوده على مسرح الأحداث، فكان صاحبنا: هو مودود بن التونتكين الذي تكمن بطولته الاستثنائية في أنّه الأمير الوحيد ضمن هذا الجمع من أمراء الشام والعراق وخليفة مصر، الذي قرّر رفع راية الجهاد ضد الصليبيين، ووقف لهم بالمرصاد، وكانت نهايته كذلك مثيرة للغاية. خاض الأمير مودود عدة معارك عسكرية في مواجهة الصليبيين إلا أنه لم يظفر بنصر مؤزر لقلة المعين، فقد تواصل مع أمراء الشام ولكنه لم يلق أكثر من ترحيب وجاهزية للمقاومة العسكرية وهذا لا ينسينا أنهم متهمون أصلا بدعم قوات العدو إلا أن الأمير مودود كان يظن أنهم فعلوه في زمن سابق وأنهم شعروا بالندم لخيانة الأمة ولكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك. ففي عام 1113 التقى جيش مودود بجيش الصليبيين في شمال فلسطين، ووقعت معركة كبيرة قرب بحيرة طبرية، وانتصر المسلمون بقيادة الأمير مودود انتصاراً كبيراً، وأسروا الكثير من قوات الاحتلال الصليبي، وغنموا غنائم كثيرة، وطارت أخبار النصر في أراضي العرب والمسلمين وتنفسوا الصعداء بهذا النصر. عاد مودود بعد موافقة أمير دمشق ( بعد مشاركة خجولة منه حفظا لماء وجهه ) إلى دمشق محمّلين بزهو الانتصار، وأمل جديد فتحوه للمسلمين بانتصارهم، فلم يكن في ذهن الشعوب العربية والإسلامية أن يحققوا ولو نصرا مؤقتا على تلك القوات الصليبية التي شهد لها الكثير في ذلك الزمان على شراستهم في القتال، فأقيمت الأفراح في دمشق بهذا النصر الذي حققه الأمير مودود، ولكنّ يبدو أن النهاية لم تكن متوقعة، فقد تم اغتياله جرما في صلاة الجمعة، وتم باغتياله اغتيال أول أمل عربي وإسلامي بعودة الأراضي المقدسة الى العرب، وتقول الروايات إن قتله كان مخططا من مخططات طائفة الحشاشين، ولكن تشير تحليلات أخرى إلى أن أمير دمشق طغتكين كان متورطاً في مقتله، لأنه خاف أن يسيطر على دمشق بسبب شعبيته المتزايدة بين العرب والمسلمين لما فعله من بطولات.
1719
| 08 نوفمبر 2023
«كفى.. لا يجوز منح إسرائيل ضوءاً أخضر غير مشروط للقتل»، بهذه الكلمات صرح سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر، خلال اجتماع سابق لمجلس الشورى في بلاده، وننظر إلى تلك الكلمات في هذا الزمن المتعب المرهق، ونحن في ظل ترقب يجمع بين طياته الأمل والفأل والألم والخذلان، لما سوف تفعله الإدارات العربية تجاه قضيتها العروبية والإسلامية، فمنهم بكل صراحة وشفافية: ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات في مواجهة العربدة العالمية التي نراها تعيث فساداً وإجراماً غير مسبوق في فلسطين، والفيصل في الأمر أن لكل إدارة عربية ما تملكه من أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي والنظر والمعيار في الحكم سيكون إلى ما ستفعله كل إدارة حسب المستطاع من المتاح من أدوات التأثير والتغيير في الساحة السياسية الملتهبة. ومن نظر إلى تلك الكلمات التي قالها سمو الشيخ تميم بن حمد، يجد فيها ما نأمله في كل قياديي المنظومات الحكيمة العربية وهي «الشجاعة في زمن التردد»، نعم.. نعلم جيدا أن الملفات شائكة والظروف متداخلة ونطاق التحركات محدود والأدوات محكومة في أدائها وتأثيرها، وقوى الشر أصبحت ذات احترافية عالية في رسم السيناريو العالمي في مجريات الأحداث السياسية والقرارات المصيرية وأن الحلقة الأضعف أصبحت من نصيب الشعوب العربية المقهورة. ولكن لن نعدم الفأل ونعدم الوسيلة والطريقة، ويبقى الأمل والترقب دافعا للقيادات العربية أن تتشجع وتتصالح مع أنفسها وذواتها الشعبوية لخلق منظومة عاجلة دفاعية أمام الهجمات التي تمس المقدسات والأرواح البريئة. فالشجاعة خلق فريد لابد أن يتوافر في عظماء الرجال وسادة الأقوام ومن تصدر المنابر القيادية والسياسية، ويذكر ابن منظور في لسان العرب في مادة (شَجُعَ) ما نصه: (شَجعَ) بالضم شجاعةً اشتدَّ عند البأس والشجاعة شدة القلب في البأس. فالشجاعة في عالم السياسة قوة القلب عند نزول المصائب السياسية، وتوالي الخطوب العالمية، وعند مواجهة ذوي النفوذ العالمي وقوى الشر، وعند وجوب حماية الحق وتبيينه للناس والعالم، والشجاعة ليست مرادفةً للقوة، فالقوة أمر ينصرف في عالم السياسة إلى الجسد التنظيمي والعسكري والمالي، أمَّا الشجاعة فمناطها العقيدة السياسية، لذلك قد يكون النظام السياسي ضعيف البنى التأثيرية في الصراعات الكبرى العالمية، ولكنه أكثر الأنظمة شجاعةً في تبيان عقيدتها السياسية تجاه القضايا التي تمس موروثها العقدي والسياسي والقومي. والإسلام حريص على وجود هذا الخلق في قلوب الساسة والقياديين، وترسيخه في وجدانهم السياسي والقيادي. فمن أهم ميادين الشجاعة السياسية قيام الحاكم وتنفيذه للسياسات العادلة لبلده ورعيته ومواجهة القضايا الكبرى التي يهتم بها شعبه مراعاة لمنطلقاته الفكرية وموروثه القومي بما يرضي الله، ويحقق النفع والفائدة لشعبه ومجتمعه. فلا ينبغي أن يكون بوقاً لقوى الشر وأن يسمح لها بفرض سياستها الظالمة على شعبه وتسويق أفكار الأعداء والخضوع للانهزامية. فيروى عن قائدنا الأعظم ﷺ أنه قال: «أيما وال (حاكم) ولي شيئا من أمر المسلمين فلم ينصح لهم ولم يجهد لهم كنصحه وجهده لنفسه كبه الله على وجهه يوم القيامة في النار». فكم هو حريّ بالإدارات العربية أن تبادر وتتشجع في مواجهة أصحاب النفوذ العالمي ورؤوس الطغيان من أهل الباطل البيّن وأن تقول لهم: «كفى».
1407
| 01 نوفمبر 2023
ما من مولود يولد في الحياة إلا ويحمل في طيات أيامه مشروعا، ولا يتم أي مشروع في الوجود إلاّ بشيء من النضال، يولَدُ الانسانُ فيبدأ نضالَه ومسيرةَ حياتِه فتجده يُكافِح، ويتعبُ وينهَك ولكنّه لا يستَسْلم. يُكافِحُ ليَغلبَ ذاتَه ويتفوَّقَ على ذاتِه وينتصر على أعدائه ويحمي رسالته ووطنه وهويته ومن يعول. ويأتي هذه المقال وما زالت آثار عملية طوفان الأقصى تترجم لنا معاني النضال التي قام بها أبطالها وهم يرون النضال فلسفة مُرتَبِطة بِفَلسَفَة الوجود. ولكل نضال حكاية لأصحابه وحكايتنا هنا حكاية ذلك الرجل السوري الذي جعل للنضال كينونة ترى. محمد عز الدين بن عبد القادر القسام، وُلد في بلدة جَبَلة السورية عام 1883م، وفي مدينة جَبَلة تعلم القراءة والكتابة والحساب وحفظ القرآن الكريم، وتلقى تعليمه الديني على يد والده. وقد سافر القسام وهو في سن الرابعة عشرة من عمره إلى مدينة القاهرة، وتلقى تعليمه الأزهري ودَرَس العلوم الشرعية، ثم عَاد إلى بلدته جَبَلة. وفي عام 1912م أسس القسام في جَبَلة مدرسة لتعليم الأطفال والكبار، وقد عُين مُوظفًا في شُعبة التجنيد، وبعد انتهاء عمله كان يَعقد حلقات تعليمية في المساجد، ثم عُين بعد ذلك خَطيبًا في جامع المنصوري. وفي خُطبه كان يشجع الناس على ضرورة التغيير، وعدم الخنوع والذل، وضرورة محاربة الفقر والضعف، وضرورة العمل، والتعاون بين الناس. وعندما وقعت ليبيا تحت الاحتلال الإيطالي عام 1911م قاد التظاهرات الشعبية الداعمة لليبيا، وعندما وقعت سوريا تحت قبضة الاحتلال الفرنسي عام 1918م دعا الناس إلى النضال ضد الاستعمار الفرنسي، وقام بنشر الوعي بين صفوف الناس عن طريق خُطبه ودروسه. وفي عام 1921م فر عز الدين القسام إلى فلسطين بعد أن أصدرت سلطات الاحتلال الفرنسي بحقهِ حكم الإعدام غيابيًا. وقد استقر عز الدين القسام في حيفا، وقام بتعليم فقراء الفلاحين ليلًا، وحارب الأمية، وحظي بتقدير الناس. بعد ذلك انضم عز الدين القسام إلى المدرسة الإسلامية في حيفا، ثم جمعية الشُّبان المسلمين، وقد أصبح رئيسًا للجمعية عام 1926م. وفي فلسطين دَعَا عز الدين القسام إلى النضال ضد الاستعمار البريطاني، ودَعَا أيضًا إلى ضرورة مواجهة المستوطنين اليهود، ووقف ضد نقل الأراضي إلى اليهود، وقد حذر من هجرة اليهود إلى أرض فلسطين، وأدرك خطورة التهديد الصهيوني. وفي عام 1931م بدأت العُصبة القسامية التي أسسها القسام في تنفيذ بعض العمليات النضالية ضد المستوطنات الصهيونية بشكل غير معلن، وفي نوفمبر 1935م أعلن القسام النضال العَلني ضد العصابات اليهودية، والسلطات البريطانية، ونتيجة تشديد السلطات البريطانية على تحركاته قرر القسام الهروب إلى المناطق الريفية. وبعد سلسلة نضالية من الكر والفر والهجمات المضادة، استشهد الشيخ عز الدين القسام وبعض رفاقه وجُرح البعض الآخر. وقد كان استشهاد عز الدين القسام سببًا في اندلاع ثورة فلسطين الكبرى في 1936 وقد أصبح رمزًا للفداء والحرية. فالنّضالُ يا أحبة ليسَ شِعارا يحكى، وأيضا ليست كلمات تقال، وأيضا ليْسَ بالضرورةِ حرباً. إنما جوهر النّضالُ هو التمسُّكٌ بما هُوَ جَوْهَريّ في حياتنا، والتضحيةُ من أجله والكفاحُ دفاعاً عنه بما نستطيع، فلا أجمل من حياة يعيشها المرء وهو يدافع عن ما يعتقده أسمى ما يراه في الوجود.
1347
| 25 أكتوبر 2023
يحصل الآن في غزة من حصار دولي وعدوان عالمي بقيادة صهيونية غاشمة يجعل من اللازم إنباء جيلنا الحالي بأبعاد تلك المدينة الأبية تاريخيا، فيكون الانتصار لها مبنيا على البصيرة والعلم، فالحكم على الشيء فرع من تصوره، وما زلنا نعاني من انفصال الجيل الحالي العربي عن تاريخه، فهذه السطور لعلها تقرب للشباب العربي والإسلامي الجذور التاريخية لتلك المدينة المناضلة. تُعتبر غزة مِنْ أقدم المُدن التي عَرفها التاريخ، وقد ارتبط العرب ارتباطًا وثيقًا بمدينة غزة وذلك عن طريق تجارتهم، فقد كانت إحدى الرحلات التجارية التي كان يقوم بها العرب كانت موجهة إلى غزة في فصل الصيف. وتُعرف المدينة أيضًا بغزة هاشم، لوجود قبر هاشم بن عبد المطلب الجد الثاني للنبي محمد ﷺ. أما عن تأسيس المدينة فيحكي البعض أن من أسسها هم الكنعانيون في القرن 15 ق.م وخلال تاريخها الطويل لم يكن لغزة حكم مستقل. وقد بعدها احتلها الفراعنة، وفي طريقه إلى مصر حاصر الإسكندر الأكبر مدينة غزة لمدة خمسة أشهر وقد سقطت في يده عام 332ق.م. وتُعتبر مدينة غزة آخر المُدن التي قاومت الإسكندر الأكبر في غزواته. وفي ظل حكم الإغريق اكتسبت مدينة غزة مركزًا مُتميزًا لتعلم اليونانية والفلسفة.وقد سيطر الرومان بعد ذلك على بلاد الشام وتم دمج المدينة في الإمبراطورية الرومانية عام 63ق.م، وأصبحت جزءا من مُقاطعات الدولة الرومانية في بلاد الشام. وأثناء تَمرد اليهود ضد الرومان عام 66م دُمرت المدينة جُزئيًا من قِبل اليهود، وخلال الحكم الروماني كانت مدينة غزة مدينة مُزدهرة. أما عن العرب المسلمين فقد دخلوا مدينة غزة عام 635م، بعد انتصار عمرو بن العاص على البيزنطيين في معركة أجنادين عام 13هـ، وقد أثمر دخول العرب لقطاع غزة عن اعتناق معظم سكان مدينة غزة للدين الإسلامي، وتعلم أهلها اللغة العربية التي أصبحت اللغة الرسمية لغزة، وتحول الكثير من الكنائس الغزاوية إلى مساجد. واستمرت تحت ظل الخلافة الراشدة ثم الاموية ثم العباسية تحت إدارة واحدة تتبع ظل الخلافة المركزية حتى قد وقعت غزة تحت حكم الفاطميين وأصبحت مستقلة عن الحكومة العباسية.وأثناء الاحتلال الصليبي لبلاد الشام وقعت مدينة غزة في أيدي الصليبيين عام 1100م، وتم تحويل الجامع الكبير في غزة إلى كاتدرائية. ولكن في عام 1187م استطاعت قوات صلاح الدين الأيوبي الانتصار على الصليبيين في معركة حطين، وقام صلاح الدين بالسيطرة على قطاع غزة، وقد استمرت الفترة الأيوبية حاكمة على مدينة غزة تحت ظل الحكومة العباسية البغدادية حتى عام 1260م و سقوط بغداد تحت يد المغول وبعدها تعرضت غزة للاجتياح المغولي المدمر، ولكن عادت المدينة المنكوبة الى ظل الحكم الإسلامي المملوكي في عام 1277م. بعد الصراع العثماني المملوكي دخلت المدينة تحت حكم الخلافة العثمانية في القرن 16م وبقيت تحت حكم العثمانيين حتى عام 1917م من القرن الماضي، وهو العام الذي سقطت فيه غزة في يد الجيش الإنجليزي إبان الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1920م وقعت غزة تحت الانتداب البريطاني مع باقي مدن فلسطين. وتم في عام 1947م تقسيم فلسطين إلى دولتين: يهودية، وعربية وتم إضافة قطاع غزة إلى الدولة الفلسطينية المقترحة. وبعد حرب فلسطين عام 1948م تم وضع غزة تحت الإدارة المصرية، وبقيت مدينة غزة تحت الحكم المصري حتى عام 1967م.حصل بعد ذلك العدوان الثلاثي على مصر 1956م والذي قامت إسرائيل فيه باحتلال مدينة غزة والسيطرة على شبه جزيرة سيناء، ولكن نتيجة الضغوطات العالمية اضطرت إسرائيل إلى الانسحاب من قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء. إلا أنه في عام 1967م أُعيد احتلال مدينة غزة، وقد انسحبت القوات الإسرائيلية من قطاع غزة في 1994 م.وفي عام 2007م وبعد فوز حركة حماس بعدد من المقاعد البرلمانية، سيطرت حماس على قطاع غزة بالكامل وعلى جميع المؤسسات الأمنية والحكومية.وفي 2008 م قامت إسرائيل بقصف قطاع غزة جويًا واستخدمت إسرائيل أسلحة وقذائف مُحرمة دوليًا، مثل القنابل الفسفورية المُسرطنة وغيرها. وفي أعوام 2012 و 2014 و 2021 و 2022 م قامت إسرائيل بشن هجمات على غزة وقد ردت المقاومة الفلسطينية على هذا الهجوم. وحاليًا في 2023م، قامت حماس بشن هجومها على أهداف إسرائيلية خارج قطاع غزة، فقامت إسرائيل بفرض حِصار شامل على قطاعِ غزة، وتم منع دخول الغذاء والماء، والدواء، والوقود إلى القطاع، وأعلنت إسرائيل أنها لن ترفع الحصار عن غزة إلا بعد عودة الرهائن الذين اختطفتهم حماس. وما زالت الحرب مستعرة أثناء كتابة هذه السطور. لعل ما ذكرناه من سيرة موجزة لهذة المدينة المناضلة مدخلا للشباب العربي لمعرفة أبعاد هذه القضية الأخرى ودراسة مدى ارتباط غزة وصراعها مع المحتل المعاصر مع وجدان الأمة العربية الذي كان ولا زال نابضا بترويج معنى الحياة بكرامة دون خضوع لإملاءات القوى الاستبدادية.
2301
| 18 أكتوبر 2023
تلعب الهوية دوراً مهماً في بناء صورة المجتمعات وتميز بعضها عن بعض، فلها عدة خصائص ذات أبعاد فردية، واجتماعية، وإنسانية، كما أن المجتمعات تسعى دائماً لتأكيد ذاتها ومعرفة موقعها في التاريخ الإنساني عن طريق معرفة هويتها واستثمارها.. فهناك ارتباط وثيق بين رفعة الأمة وبين درجة تبيان وتبني هويتها، فالهوية يمكنها أن تقوم بإعادة ضبط الثقافة المجتمعية ومعالجتها. والهوية ترتبط بمجموعة أنماط كثيرة متعلقة بالفكر، والقيم، والمعتقدات، والعادات، والتقاليد، والفنون، واللغة، والأنظمة الحياتية، الملابس، والموسيقى، والمأكولات وغيرها من الأنماط التي تكون شائعة بين مجموعة معينة أو سائدة في المجتمع بأسره فهي جزء لا يتجزأ من حياة الأفراد داخل المجتمعات. ومن يرى الوضع الآن الذي يحدث في البلدان العربية المنكوبة، فلسطين وسوريا واليمن وغيرها، يعلم يقينا أننا أمام أزمة هوية مفقودة وثقافة شعبوية منهارة أمام أجندات الأعداء التي خلقت بيننا العداوة التي تورث من جيل لجيل تجاه بعضنا البعض، وما أدل على ذلك مثل أولئك الذين يسمون بصهاينة العرب، أناس من جنسنا ويتكلمون بألسنتنا لكن ينفثون سم الكراهية تجاه أو محاولة عربية للخروج من سطوة الأعداء ومواجهة عدوانهم. فالهوية العربية تتعرض في الوقت الراهن إلى بعض العواصف والهجمات والأجندات الأجنبية التي قد تضعفها ونخشى أن يقضى عليها تماما، لذلك يصبح من الضروري على كل العرب أن ينهضوا لصيانة هذه الهوية، والعمل المتواصل على بنائها وتماسكها بل وغرسها في نفوس الأجيال الجديدة. أما دور العبادة والمساجد فما زال بعض شيوخ الدين ممن طمست أعينهم عن الحق لا شأن لهم إلا تخذيل الأمة عن نصرة بعضها البعض بحجج واهية وتفسيرات لا يقبلها الضمير الحي والعقل الراشد، ونسوا أن الدين مراده الخير للناس كافة، فالواجب على الخيرين من العلماء والمشايخ دعم المسيرة التي تبني الهوية العربية والإسلامية التي تناصر المظلومين في كل بقاع الأرض. ويأتي الآن دور المثقفين، فالمثقف الحقيقي هو الذي يبادر، ويساهم في إيجاد الحلول التي تخدم هويته وقوميته ومنطلقاته الإنسانية ومبادئه المثلى، فقد ابتلينا في عالمنا العربي ببعض النخب الثقافية التي تخاذلت عن نصرة القضايا الإنسانية وأصبحت مرتعا لتنفيذ أجندات الأمة، فلا حل إلا في مواجهتهم عن طريق دعم وإبراز دور المثقفين الإيجابي في صناعة منظومة دفاعية ثقافية لحماية الأمة من غربلة سلبية لمعتقداتها وتاريخها وثقافتها واعتزازها بموروثها. ويأتي أخيرا دور الشباب العربي، فهم يملكون سلاحا في التغيير لم يكن موجودا في السابق، ألا وهو ( وسائل التواصل الاجتماعي )، فقد أصبح للشبكات الاجتماعية دور كبير في التعبير عن الاتجاهات والأفكار وبناء الهوية وصناعة الثقافة المجتمعية، ولم تعد النخبة ( وخصوصا المتخاذلة منها ) تمارس دورها المعتاد في صياغة الرأي العام وتشكيله وتعبئته بعد التطور في عملية تدفق المعلومات وإنتاجها. وأصبح الآن للشباب دور في إنتاج المعلومات وصياغة الرسالة الإعلامية وبناء الهوية والثقافة المنشودة، فلا تتقاعسوا في إبداء آرائكم ومناقشة أطروحاتكم ورد الحجج الواهية ومواجهة التطرف المقيت الذي يجعل من النضال إرهابا ومن مواجهة العدو جنونا.. فأنتم الأعلون.
918
| 10 أكتوبر 2023
مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...
1401
| 18 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...
1143
| 14 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...
1062
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية...
954
| 16 مايو 2026
إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...
789
| 14 مايو 2026
تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...
735
| 17 مايو 2026
الوعي هو حالة إدراك الإنسان لذاته ولمحيطه، وقدرته...
639
| 14 مايو 2026
في كل مرة تُطرح فيها قضايا الأسرة والتربية...
600
| 14 مايو 2026
أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...
594
| 20 مايو 2026
" لا شيء يقتل الكفاءة الإدارية مثل تحوّل...
582
| 14 مايو 2026
تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن...
561
| 17 مايو 2026
خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...
555
| 18 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com
عدد المقالات 133
عدد المشاهدات 124764
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل