رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

النجاشيون الجدد

كما تعجبنا من وجود صهاينة بيننا نحن العرب، يدينون كل مقاوم عربي شريف ونجدهم يصدحون بالباطل نصرة للمحتل الصهيوني، فإننا نتعجب أيضاً من مواقف كثيرة اتخذها أناس غربيون ليسوا من جنسنا ولا يلبسون ثيابنا ولا يتحدثون بلغتنا ولا يدينون بديننا، وجدناهم مدافعين عن الحقوق العربية الإسلامية ويدينون كل بطش يقوم به الكيان الصهيوني المدعوم علنا من أنظمة غربية قد سقطت أقنعتها التي كانت تخفي وحشيتها، في حين أن من شعوبهم نخباً سياسية وعلمية وفنية ورياضية وغيرها قد وقفوا مع الضمير العربي والحق العربي. فقد ذكر السيناتور الأمريكي ساندرز أن الوضع في غزة «كارثة إنسانية»، وقال أيضاً: «يجب على الولايات المتحدة ممارسة كل الضغوط على نتنياهو لدفعه إلى وقف النهج العسكري». ونشرت شبكة «سي إن إن» برقية موقعة من دبلوماسيين أمريكيين منتشرين في العالم العربي حذروا فيها من «خسارة الرأي العام العربي لعقود قادمة» في أعقاب دعم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي لا هوادة فيه لإسرائيل. وقالت باربرا ليف، مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، إن «هذا الصراع أثار قدرا هائلا من الغضب الشعبي تجاه إسرائيل وتجاهنا». وقالت الباحثة الهولندية رينا نيتجيس: إن حول غزة وشمال سوريا كثيرا من المعلومات الخاطئة في وسائل الإعلام الغربية، مؤكدة أن الغرب فقد قدرته على إعطاء دروس للآخرين في حقوق الإنسان. وذكرت الباحثة أيضاً أن الدول الغربية فقدت قدرتها على إعطاء دروس للعالم في حقوق الإنسان بعد موقفها الداعم لإسرائيل في قتل الأطفال والنساء والأبرياء في قطاع غزة. وأيضاً كتب النجم السابق لمنتخب فرنسا ونادي بايرن ميونخ، فرانك ريبيري، صاحب الكرة البرونزية عام 2013، على منصة إنستغرام: «الحرية لفلسطين» مرفقًا إياها بعلم فلسطيني وإشارات النصر. وقالت ماريا غوارديولا: «إننا نشاهد شعبًا محتلًا ومضطهدًا يواجه الإبادة على يد دولة نووية بدعم كامل من العالم الغربي. هذه ليست - ولم تكن أبدًا - «معركة متكافئة». إنها الآن مذبحة على نطاق لا أعتقد أنني رأيته في حياتي». وبعد أن شنت بطلة مسلسل «صراع العروش» لينا هايدي هجومًا على المقاومة في انطلاقتها لعملية «طوفان الأقصى»، عادت «الملكة سيرسي» لتعلن على حسابها في إنستغرام وقوفها بمواجهة «الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون»، مضيفة: «كل فرد يستحق الاحترام، والكرامة، والحرية». وخلال مقابلة متلفزة، لم يتمالك الـ»يوتيوبر» الأمريكي الإسرائيلي إيتهان كلين دموعه، فبكى متأثرًا حين تحدث عن رجل فلسطيني يحمل جثة ابنته، وقال إن على الإسرائيليين والحكومة في تل أبيب أن يشاهدوا ما يحدث، وأضاف: «أنا أب، ولا أستطيع أن أرى ذلك». ولا يعني هذا النقل أنه يمثل بالضرورة رأي الشعوب الغربية كلها، بل نقول إن الشعور الإنساني في خطر إذا تسلط أولئك العنصريون على الرأي العام ومنابره وغاب عنها العاقلون المؤمنون بحقوق كل إنسان في هذا الوجود، ونستذكر هنا موقف النجاشي في أثيوبيا عندما دافع بشراسة عن الصحابة اللاجئين من قهر السلطة المكية لأتباع الدعوة المحمدية، فلم يكن عامة موظفي الحكومة والشعب الحبشي يؤمن بتلك النظرية النجاشية الحامية للحريات ولكنه حمى الفكرة ودافع عنها، ففي كل زمان نجاشي يدافع عن حقوق المستضعفين وله علينا حق الإنصاف ورد الجميل.

1554

| 13 ديسمبر 2023

امرأة وسط الركام

ما إن رأيت النقد الجارح والهجمة غير الأخلاقية التي يقودها «صهاينة العرب» ضد السيدة لولوة الخاطر - وزيرة الدولة للتعاون الدولي بوزارة الخارجية القطرية، التي دخلت إلى ميدان الحرب في غزة من أجل إيصال المساعدات إلى ذلك القطاع المنكوب وقامت بعدة جولات إغاثية للمنكوبين من أهلنا هناك حتى تذكرت بيتاً من الشعر يقول: أقِلّوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللومِ أو سُـــــــدُّوا المكان الذي سَـــــــدُّوا لا أحد منّا يحب الحروب، ولا أحد منا إلا ويعشق السلام والحياة ولكن شاءت الأقدار بوجود الأشرار في دنيانا، ودائما ما يكون هؤلاء الأشرار مفاتيح للحروب والكوارث التي تنزل على الأبرياء قتلاً وسفكاً لدمائهم وهدماً لمنازلهم وديارهم فتكون الميادين في المدن كَرُكام تسوده الأشباح، وطرقات مرعبة وجثث مترامية تجعل القلب يتفطر ألماً لما تشاهده العيون ولا تجد النفوس بعد تلك المناظر شعلة لفعل أي شيء. وفي زماننا، لا تكون تلك الكوارث الغاشمة مسموحة إلا على العرب ورقعتهم، وتفسير الأمر أن الأمم كانت وما زالت تنظر إلى العرب نظرة ازدراء الأسياد لعبيدهم فلا تكون فرصة للعرب للمسير نحو السؤدد إلا وانهالوا عليهم بالقمع والإرهاب الدولي. فلا يخفف وطأة هذا المشهد الحزين إلا دخول أرواح لتلك الطرقات ووسط الركام فتمد أيديها للمظلومين والمنكوبين وتقدم لهم العون ولو قلّ والمدد وإن لم يكن يبلغ حد البلغة ولكنه بلا شك يخلق في نفوس المنكوبين الشيء الكثير، ومن يقرأ تاريخ النكبات العربية والإسلامية يجد أن الشعوب العربية والشعوب الإسلامية وبعض «أنظمتها ولو قصرت» فإنها لا تخلو من همم تسمو لتمد يد العون ونفوس لا ترتضي العيش وفي جوارها مظلوم يتعرض لهجمات العدو آناء الليل وأطراف النهار. والأعجب في هذا الأمر همم النساء، ففي تاريخنا العربي نماذج مشرفة كانت لها يد العون للمنكوبين في الحروب والكوارث والأزمات، فنستذكر هنا السيدة رفيدة بنت سعد التي قدمت نموذجا لنساء الأمة وكونها المرأة العاملة المجتهدة، فقد كانت تخرج في غزوات النبي فتشرف ميدانيا على الجرحى والمصابين ابتداء من عمليات التطبيب للجروح وصولاً إلى شد العزائم النفسية وغرس الثبات في نفوس المناضلين في بداية عهد الدولة العربية الإسلامية بقيادة المعلم الأول، فما كانت، أعني السيدة رفيدة بنت سعد، إلا منارة تقتدي بها نساء العرب جيلا بعد جيل. ونستذكر في التاريخ أيضا السلطانة (راضية) التي كانت تصرح أمام الملأ بلا خوف ولا تردد فتكافح معاني العنصرية والتهديد العرقي ومعاداة الإنسانية ومواجهة التوحش الطبقي والمجتمعي في الهند، فكانت امرأة سياسية من الطراز الفريد، والذي أدى تميزها إلى غيرة النبلاء والأشراف من سياستها وحسن تصرفها في الملفات السياسية وإدارة الشؤون الداخلية والخارجية في الإمبراطورية الدلهوية. فما زالت الأقلام المأجورة والألسن منذ القدم تقتات على نجاحات الآخرين وتسعى إلى إفشال كل خير يقوم به المصلحون ولو كان جهد المقل، ولكن هيهات هيهات أن يتخاذل أهل النصرة والخير.

753

| 05 ديسمبر 2023

النبي ﷺ وقبول شروط الهدنة

في العام السادس للهجرة قامت قريش بتوقيع هدنة لإيقاف القتال المسلح بين الجيش القرشي والقوات الإسلامية بقيادة النبي الأكرم، وكانت بنود هذه الهدنة تنص على إيقاف مؤقت للقتال بين الطرفين، وسميت تاريخياً بصلح الحديبية، وقد شملت عدة بنود واشتراطات بين الطرفين، ولكن الذي نريد أن نسلط الضوء عليه هو كيف تعامل النبي الأكرم ﷺ مع الهدنة في ضوء المعطيات السياسية والقائمة على المصلحة والمنفعة المباشرة والآنية ودفع المفسدة والمضرة عن الشعب والملة. يعلّمنا المعلم الأول ﷺ أن هناك فرقاً بين التفاوض على المبادئ، وهي منطلقات الإنسان وقيمه العليا ومناراته المثلى وموروثاته المقدسة، وبين الأدوات والوسائل التي تحكمها المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتتأثرها وتؤثر فيها، وهي عوامل تغير وتحول عناصر القوى الفاعلة والمؤثرة في تحقيق المصلحة العامة. فقبل ذلك بعدة سنوات عديدة، حاولت قريش مفاوضة النبي الأكرم ﷺ على الوصول إلى اتفاقية صلح بينهم في العهد المكي، تكمن بنودها واشتراطاتها في إسقاط للقيم المقدسة والمبادئ والمنطلقات التي نادى بها النبي وهي (أصل الدعوة وتوحيد الرب وحاكمية السماء في التشريع والحكم )، فقام النبي الأكرم ﷺ بالاعتراض عليها ورفضها رفضاً قاطعاً وقال حينها: «واللهِ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يُظهره الله أو أهلك دونه». فكانت هذه الإجابة النبوية دلالة على رفض السمو النبوي على أي هدنة أو تفاوض يمس المعتقدات والمبادئ المقدسة التي بسقوطها تسقط دعوى الحاكمية للرب الأجل. ولكن نجد بعد سنوات، وحينما حصل التفاوض في هدنة الحديبية وجدنا أن النبي ﷺ قبل منهم ما أرادوا وتمت الموافقة من قبله وكان ظاهر شروطهم فيه إجحاف للجانب المدني الإسلامي مما أدى إلى غضب الصحابة من ذلك ومحاولتهم الحثيثة لإقناع النبي ﷺ بعدم قبول شروط الهدنة التي تحوي (حسب فهمهم) تنازلات عن القيم التي ينتهجونها والمبادئ التي كان يدعو إليها النبي ﷺ، ولكن الغريب أن النبي الأكرم وافق على شروطهم، وبعد ذلك رجع القرشيين إلى مكة وهم يرفعون راية النصر بتوقيع اتفاقية هدنة إيقاف الحرب المؤقت بين الفريقين، وما زال الصحابة يجدون في أنفسهم من هذه الاتفاقية التي عقدها النبي ﷺ. وعند ذلك أخبر النبي صحابته بألا يستعجلوا النتيجة وأن البنود التي تم التوقيع عليها لم يتم المساس بمبدأ (الدعوة والعقيدة والمسار العام الإسلامي)، وإنما كانت البنود تحوم وتدور حول (أدوات وعناصر) يمكن التفاوض عليها ولا يؤدي ذلك لانهيار منظومة الدعوة إنما الأمر له علاقة بتسليم الأسرى والتسميات وغيرها. فكأن النبي (والله أعلم بمراد نبيه) يُعلّم الصحابة والأمة من بعدهم أن هناك فرقاً بين المبادئ والقيم المثلى التي لا يجب أن تشوبها شائبة وألا تكون رهن الأعداء في الاتفاقيات، وبين الأدوات والأساليب التي يمكن أن تعاد إدارتها واستثمارها بما يتوافق مع المصلحة الآنية للدولة والدعوة والشعب. فلم يمر عام بعد تلك الهدنة حتى فتحت مكة على أيدي المسلمين وكانت في باطنها فتحا وانتصارا.

2103

| 29 نوفمبر 2023

«لا خير في رجل، كُفّار قريش خيرٌ منه»

يروى في التاريخ أن أبا جهل «عمرو ابن هشام» الذي كان رئيسا للفرقة الإجرامية المكلفة باغتيال النبي الكريم في بداية الهجرة قد قام بمحاصرة بيت النبي مع مجموعة من المشركين ومن كل قبيلة وبطن فتى مدجج بالسلاح حتى يضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل فتكون تكلفة الأخذ بثأر محمد من العرب ثقيلة على آل عبدالمطلب! فيرضون بالدية، ولكن العجيب أن أبا جهل أمر أتباعه بانتظار النبي حتى خروجه ولم يقتحم البيت ليلاً فعوتب على ذلك فقال: «لا تتحدث العرب أن أبا الحكم روَّع بنات محمد»! تلك هي مروءة العرب التي جُبلوا عليها وهي من محاسن طبائعهم وأخلاقهم التي جعلت الرسالة الخالدة تنزل فيهم، والمروءة هي خلق جليل وأدب رفيع وخلَّةٌ كريمة وخصْلَةٌ شريفة تربى عليها العرب في جاهليتهم وكانت تُضرب بهم الأمثال ومنها حكاية أبي جهل وهو على كفره لم يتخل عن مروءته - وكنّا نتمنى أن يسلمه الأمر في النهاية إلى الإسلام ولكن قدّر الله شأناً آخر - التي جُبل عليها من أجل مصلحة الخصومة الدينية والسياسية مع النبي الأكرم، فذلك لعمري أدب إنساني رفيع تميز به أهل الجاهلية وجاء الإسلام ليتمم الأمر ويجعل مرادها الأجر الأخروي، ففيها كمال الرجولة، وصيانة النفس عن رذائل الخصومة. ولكن ما يحزنني أن بعض «العرب» والمسلمين تخلوا عن ذلك الخلق القويم والطبع السليم ونجدهم يكون عوناً للأعداء في الاعتداء على أبناء عروبتهم ودينهم وإنسانيتهم، ويقفون مع الطغاة ضد المجني عليهم، ويطالبون بمحاكمة المناضلين ويتركون من تسبب بظلمهم، وما ذلك إلا لانعدام مروءتهم ونقصان دينهم، فهل يكمل دين المرء إلا بالخلق؟ وهل يتم الخلق بلا مروءة تمنع الإنسان من الابتذال في الخصومة؟! فالأمر كما قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب التميمي: «لا خير في رجل، كُفّار قريش خير منه». فما بالنا نجد من قومنا من يبارك العمليات الصهيونية الغاشمة في إخوتنا الفلسطينيين، ويشمت بهم ويحملهم حملاً ثقيلاً بجعلهم المتسببين بالكوارث وكأن العدو كان غارقاً في غيبوبته فأيقظته شهامة وبطولة المناضلين هناك. ولكن ثقوا تماماً بأن العروبة والمسلمين وإن خالط بعضهم هذا الدنس فإنهم يبقون بياض الأمم ولا يحول بينهم وبين العلو في الدنيا والآخرة إلا بالرجوع إلى منظومة أخلاق العرب التي خلقها الرب في جاهليتهم ثم أتممها ببعثة نبيهم.

2148

| 22 نوفمبر 2023

عندما يبيع المثقف ضميره

لا يقتصر دور المثقف والمفكر والمصلح في المجتمعات على نشر المعرفة والأفكار، إنما يتعدى الأمر إلى السعي إلى إصلاح المجتمعات وتبيان الحقائق ومعالجة القصور ومكافحة الفساد والسعي إلى نصرة المظلومين والمقهورين ومواجهة الطغيان بأنواعه السياسي منها والاجتماعي والاقتصادي والدفاع عن المبادئ المثلى. لكن ما يلفت النظر ويثير الإعجاب بل الاشمئزاز أن هناك من يدعون الثقافة العليا وارتقاء المناصب الاستشارية يميلون كل الميل مع رأي سلطة ما أو توجه ما دون تفكير منهم حول جدوى تلك الأفكار والآراء، فهم لا يقيمون وزناً إلا للمال والجاه والسلطة والحظوة لدى السلطان، ضاربين بكل المبادئ والقيم عرض الحائط، ويجعلون من الافتراءات منهجاً لهم ويجعلون من المنابر الإعلامية (التي أتيحت لهم من قبل بعض الإدارات للأسف) منبراً لهم في عرض طعوناتهم وأكاذيبهم على الشعوب العربية حماية لأمر ما. وعلى سبيل المثال فهذه الحرب الدائرة على أهلنا في غزة أخرجت لنا في الخليج رؤوساً تدعي الثقافة تنادي بعدم الوقوف مع الشعب الفلسطيني وأهل غزة بالتحديد وتستهزئ بالمقاومة المشروعة تجاه المحتل الصهيوني، وتطعن في مصير أطفال المسلمين - الذين تتفطر القلوب لرؤيتهم - وتستهزئ بتسمية (الشهيد) وإطلاقه - ظنا منا بكرم الله - على كل من يقتل بنيران العدو الصهيوني، فتجدهم يلوكون بألسنتهم الكذب والطعن بالمقاومة المشروعة. ومن هوانهم على الناس أنهم إذا سُئلوا عن مواقف متشابهة في ظروف مختلفة فإنهم يقعون في التناقض الشديد، فكأنهم يقولون أينما كانت دائرة الحظوة والمنفعة في مكان ما فنحن معها دون النظر إلى العواقب. فلا ينبغي لأهل الحق النظر إلى هؤلاء مدعيّ الثقافة الذين يبيعون ضمائرهم لمصالحهم الشخصية ومنافعهم وعلاقاتهم المشبوهة، فالحق لا يعرف بالرجال إنما يعرف الرجال بالحق. ويرجع الأمر أيضاً إلى ما يسمى بهشاشة المثقف الذي يبيع ضميره، ويعرضه لسلوك الخيانة العظمى في بعض الأحيان، فعندما يسيل لعابه لمغريات أصحاب النفوذ فيستخرج حينها ألف عذر لعمل ما يلزم من ترويج لأفكار سلبية أو أكاذيب باهتة من أجل منافعه الخاصة حتى لو عرضه ذلك لخيانة وطنه وشعبه وملته ومنطلقاته وميراثه.

1434

| 15 نوفمبر 2023

عودة «مودود»

ما نراه الآن من بطولات وأمجاد يكتبها ويسطرها المناضلون في غزة المحاصرة تحت قذائف العدو الصهيوني، والتي وثقها جماعة المناضلين عبر مقاطع تبث في اليوتيوب تحكي لنا مصداقية ما يقوم به هؤلاء الأماجد من بطولات ليست كالتي تحكى في عالم الدراما الغربية المزيفة، يجعلنا ننظر في تاريخنا ونتساءل عن حكاية رجل كانت له من الصولات والجولات في استرداد الأراضي المقدسة من سطوة الاحتلال الصليبي للقدس. ذاك هو الأمير شرف الدَّولة «موْدُود بن التونتكِين أمير المُوصل، والذي قال عنه ابن الأثير: « وكان خيِّرًا، عادلاً، كثيرَ الخير، أميراً نبيلاً ومجاهداً عظيماً، ساسَ رعيّتهُ بالعدلِ والإنصافِ، والتزمَ بتعاليم الدّين الإسلامي، مع أمر بالمعروفِ ونهيٍ عن المنكر، حتى شاع الخيرُ في كل مكان من أرجاء المُوصل، فأحبّته الرّعية، وامتلك بعدله القلوبَ والعُقول، ثم رسّخ في قلوب رعيتهِ حبّ الجهاد». فعندما جاء الصليبيون في القرن 5 هـ لم يجدوا أحداً يجابههم ويحاربهم، وهكذا بعد تأسيس الصليبيين 4 ممالك في المشرق الإسلامي بعدة سنوات ومنها مملكة القدس في فلسطين.، وجدنا أن بعض الأخبار تروي أن بعض رؤساء وأمراء الممالك الإسلامية في الشام قد قدموا تسهيلات للصليبيين مما سهل عليهم احتلال الشريط الساحلي الشامي دون أن يتحرك لهم جفن من الحياء أمام الأمة والتاريخ. فكان لابد من وجود رقم صعب يجعل التاريخ حائرا في فهم آلية وجوده على مسرح الأحداث، فكان صاحبنا: هو مودود بن التونتكين الذي تكمن بطولته الاستثنائية في أنّه الأمير الوحيد ضمن هذا الجمع من أمراء الشام والعراق وخليفة مصر، الذي قرّر رفع راية الجهاد ضد الصليبيين، ووقف لهم بالمرصاد، وكانت نهايته كذلك مثيرة للغاية. خاض الأمير مودود عدة معارك عسكرية في مواجهة الصليبيين إلا أنه لم يظفر بنصر مؤزر لقلة المعين، فقد تواصل مع أمراء الشام ولكنه لم يلق أكثر من ترحيب وجاهزية للمقاومة العسكرية وهذا لا ينسينا أنهم متهمون أصلا بدعم قوات العدو إلا أن الأمير مودود كان يظن أنهم فعلوه في زمن سابق وأنهم شعروا بالندم لخيانة الأمة ولكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك. ففي عام 1113 التقى جيش مودود بجيش الصليبيين في شمال فلسطين، ووقعت معركة كبيرة قرب بحيرة طبرية، وانتصر المسلمون بقيادة الأمير مودود انتصاراً كبيراً، وأسروا الكثير من قوات الاحتلال الصليبي، وغنموا غنائم كثيرة، وطارت أخبار النصر في أراضي العرب والمسلمين وتنفسوا الصعداء بهذا النصر. عاد مودود بعد موافقة أمير دمشق ( بعد مشاركة خجولة منه حفظا لماء وجهه ) إلى دمشق محمّلين بزهو الانتصار، وأمل جديد فتحوه للمسلمين بانتصارهم، فلم يكن في ذهن الشعوب العربية والإسلامية أن يحققوا ولو نصرا مؤقتا على تلك القوات الصليبية التي شهد لها الكثير في ذلك الزمان على شراستهم في القتال، فأقيمت الأفراح في دمشق بهذا النصر الذي حققه الأمير مودود، ولكنّ يبدو أن النهاية لم تكن متوقعة، فقد تم اغتياله جرما في صلاة الجمعة، وتم باغتياله اغتيال أول أمل عربي وإسلامي بعودة الأراضي المقدسة الى العرب، وتقول الروايات إن قتله كان مخططا من مخططات طائفة الحشاشين، ولكن تشير تحليلات أخرى إلى أن أمير دمشق طغتكين كان متورطاً في مقتله، لأنه خاف أن يسيطر على دمشق بسبب شعبيته المتزايدة بين العرب والمسلمين لما فعله من بطولات.

1545

| 08 نوفمبر 2023

عندما قال لهم الأمير: «كفى»

«كفى.. لا يجوز منح إسرائيل ضوءاً أخضر غير مشروط للقتل»، بهذه الكلمات صرح سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر، خلال اجتماع سابق لمجلس الشورى في بلاده، وننظر إلى تلك الكلمات في هذا الزمن المتعب المرهق، ونحن في ظل ترقب يجمع بين طياته الأمل والفأل والألم والخذلان، لما سوف تفعله الإدارات العربية تجاه قضيتها العروبية والإسلامية، فمنهم بكل صراحة وشفافية: ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات في مواجهة العربدة العالمية التي نراها تعيث فساداً وإجراماً غير مسبوق في فلسطين، والفيصل في الأمر أن لكل إدارة عربية ما تملكه من أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي والنظر والمعيار في الحكم سيكون إلى ما ستفعله كل إدارة حسب المستطاع من المتاح من أدوات التأثير والتغيير في الساحة السياسية الملتهبة. ومن نظر إلى تلك الكلمات التي قالها سمو الشيخ تميم بن حمد، يجد فيها ما نأمله في كل قياديي المنظومات الحكيمة العربية وهي «الشجاعة في زمن التردد»، نعم.. نعلم جيدا أن الملفات شائكة والظروف متداخلة ونطاق التحركات محدود والأدوات محكومة في أدائها وتأثيرها، وقوى الشر أصبحت ذات احترافية عالية في رسم السيناريو العالمي في مجريات الأحداث السياسية والقرارات المصيرية وأن الحلقة الأضعف أصبحت من نصيب الشعوب العربية المقهورة. ولكن لن نعدم الفأل ونعدم الوسيلة والطريقة، ويبقى الأمل والترقب دافعا للقيادات العربية أن تتشجع وتتصالح مع أنفسها وذواتها الشعبوية لخلق منظومة عاجلة دفاعية أمام الهجمات التي تمس المقدسات والأرواح البريئة. فالشجاعة خلق فريد لابد أن يتوافر في عظماء الرجال وسادة الأقوام ومن تصدر المنابر القيادية والسياسية، ويذكر ابن منظور في لسان العرب في مادة (شَجُعَ) ما نصه: (شَجعَ) بالضم شجاعةً اشتدَّ عند البأس والشجاعة شدة القلب في البأس. فالشجاعة في عالم السياسة قوة القلب عند نزول المصائب السياسية، وتوالي الخطوب العالمية، وعند مواجهة ذوي النفوذ العالمي وقوى الشر، وعند وجوب حماية الحق وتبيينه للناس والعالم، والشجاعة ليست مرادفةً للقوة، فالقوة أمر ينصرف في عالم السياسة إلى الجسد التنظيمي والعسكري والمالي، أمَّا الشجاعة فمناطها العقيدة السياسية، لذلك قد يكون النظام السياسي ضعيف البنى التأثيرية في الصراعات الكبرى العالمية، ولكنه أكثر الأنظمة شجاعةً في تبيان عقيدتها السياسية تجاه القضايا التي تمس موروثها العقدي والسياسي والقومي. والإسلام حريص على وجود هذا الخلق في قلوب الساسة والقياديين، وترسيخه في وجدانهم السياسي والقيادي. فمن أهم ميادين الشجاعة السياسية قيام الحاكم وتنفيذه للسياسات العادلة لبلده ورعيته ومواجهة القضايا الكبرى التي يهتم بها شعبه مراعاة لمنطلقاته الفكرية وموروثه القومي بما يرضي الله، ويحقق النفع والفائدة لشعبه ومجتمعه. فلا ينبغي أن يكون بوقاً لقوى الشر وأن يسمح لها بفرض سياستها الظالمة على شعبه وتسويق أفكار الأعداء والخضوع للانهزامية. فيروى عن قائدنا الأعظم ﷺ أنه قال: «أيما وال (حاكم) ولي شيئا من أمر المسلمين فلم ينصح لهم ولم يجهد لهم كنصحه وجهده لنفسه كبه الله على وجهه يوم القيامة في النار». فكم هو حريّ بالإدارات العربية أن تبادر وتتشجع في مواجهة أصحاب النفوذ العالمي ورؤوس الطغيان من أهل الباطل البيّن وأن تقول لهم: «كفى».

1347

| 01 نوفمبر 2023

عندما يكون النضال قضية وجود

ما من مولود يولد في الحياة إلا ويحمل في طيات أيامه مشروعا، ولا يتم أي مشروع في الوجود إلاّ بشيء من النضال، يولَدُ الانسانُ فيبدأ نضالَه ومسيرةَ حياتِه فتجده يُكافِح، ويتعبُ وينهَك ولكنّه لا يستَسْلم. يُكافِحُ ليَغلبَ ذاتَه ويتفوَّقَ على ذاتِه وينتصر على أعدائه ويحمي رسالته ووطنه وهويته ومن يعول. ويأتي هذه المقال وما زالت آثار عملية طوفان الأقصى تترجم لنا معاني النضال التي قام بها أبطالها وهم يرون النضال فلسفة مُرتَبِطة بِفَلسَفَة الوجود. ولكل نضال حكاية لأصحابه وحكايتنا هنا حكاية ذلك الرجل السوري الذي جعل للنضال كينونة ترى. محمد عز الدين بن عبد القادر القسام، وُلد في بلدة جَبَلة السورية عام 1883م، وفي مدينة جَبَلة تعلم القراءة والكتابة والحساب وحفظ القرآن الكريم، وتلقى تعليمه الديني على يد والده. وقد سافر القسام وهو في سن الرابعة عشرة من عمره إلى مدينة القاهرة، وتلقى تعليمه الأزهري ودَرَس العلوم الشرعية، ثم عَاد إلى بلدته جَبَلة. وفي عام 1912م أسس القسام في جَبَلة مدرسة لتعليم الأطفال والكبار، وقد عُين مُوظفًا في شُعبة التجنيد، وبعد انتهاء عمله كان يَعقد حلقات تعليمية في المساجد، ثم عُين بعد ذلك خَطيبًا في جامع المنصوري. وفي خُطبه كان يشجع الناس على ضرورة التغيير، وعدم الخنوع والذل، وضرورة محاربة الفقر والضعف، وضرورة العمل، والتعاون بين الناس. وعندما وقعت ليبيا تحت الاحتلال الإيطالي عام 1911م قاد التظاهرات الشعبية الداعمة لليبيا، وعندما وقعت سوريا تحت قبضة الاحتلال الفرنسي عام 1918م دعا الناس إلى النضال ضد الاستعمار الفرنسي، وقام بنشر الوعي بين صفوف الناس عن طريق خُطبه ودروسه. وفي عام 1921م فر عز الدين القسام إلى فلسطين بعد أن أصدرت سلطات الاحتلال الفرنسي بحقهِ حكم الإعدام غيابيًا. وقد استقر عز الدين القسام في حيفا، وقام بتعليم فقراء الفلاحين ليلًا، وحارب الأمية، وحظي بتقدير الناس. بعد ذلك انضم عز الدين القسام إلى المدرسة الإسلامية في حيفا، ثم جمعية الشُّبان المسلمين، وقد أصبح رئيسًا للجمعية عام 1926م. وفي فلسطين دَعَا عز الدين القسام إلى النضال ضد الاستعمار البريطاني، ودَعَا أيضًا إلى ضرورة مواجهة المستوطنين اليهود، ووقف ضد نقل الأراضي إلى اليهود، وقد حذر من هجرة اليهود إلى أرض فلسطين، وأدرك خطورة التهديد الصهيوني. وفي عام 1931م بدأت العُصبة القسامية التي أسسها القسام في تنفيذ بعض العمليات النضالية ضد المستوطنات الصهيونية بشكل غير معلن، وفي نوفمبر 1935م أعلن القسام النضال العَلني ضد العصابات اليهودية، والسلطات البريطانية، ونتيجة تشديد السلطات البريطانية على تحركاته قرر القسام الهروب إلى المناطق الريفية. وبعد سلسلة نضالية من الكر والفر والهجمات المضادة، استشهد الشيخ عز الدين القسام وبعض رفاقه وجُرح البعض الآخر. وقد كان استشهاد عز الدين القسام سببًا في اندلاع ثورة فلسطين الكبرى في 1936 وقد أصبح رمزًا للفداء والحرية. فالنّضالُ يا أحبة ليسَ شِعارا يحكى، وأيضا ليست كلمات تقال، وأيضا ليْسَ بالضرورةِ حرباً. إنما جوهر النّضالُ هو التمسُّكٌ بما هُوَ جَوْهَريّ في حياتنا، والتضحيةُ من أجله والكفاحُ دفاعاً عنه بما نستطيع، فلا أجمل من حياة يعيشها المرء وهو يدافع عن ما يعتقده أسمى ما يراه في الوجود.

1245

| 25 أكتوبر 2023

غزة.. وخط الزمن الملتهب

يحصل الآن في غزة من حصار دولي وعدوان عالمي بقيادة صهيونية غاشمة يجعل من اللازم إنباء جيلنا الحالي بأبعاد تلك المدينة الأبية تاريخيا، فيكون الانتصار لها مبنيا على البصيرة والعلم، فالحكم على الشيء فرع من تصوره، وما زلنا نعاني من انفصال الجيل الحالي العربي عن تاريخه، فهذه السطور لعلها تقرب للشباب العربي والإسلامي الجذور التاريخية لتلك المدينة المناضلة. تُعتبر غزة مِنْ أقدم المُدن التي عَرفها التاريخ، وقد ارتبط العرب ارتباطًا وثيقًا بمدينة غزة وذلك عن طريق تجارتهم، فقد كانت إحدى الرحلات التجارية التي كان يقوم بها العرب كانت موجهة إلى غزة في فصل الصيف. وتُعرف المدينة أيضًا بغزة هاشم، لوجود قبر هاشم بن عبد المطلب الجد الثاني للنبي محمد ﷺ. أما عن تأسيس المدينة فيحكي البعض أن من أسسها هم الكنعانيون في القرن 15 ق.م وخلال تاريخها الطويل لم يكن لغزة حكم مستقل. وقد بعدها احتلها الفراعنة، وفي طريقه إلى مصر حاصر الإسكندر الأكبر مدينة غزة لمدة خمسة أشهر وقد سقطت في يده عام 332ق.م. وتُعتبر مدينة غزة آخر المُدن التي قاومت الإسكندر الأكبر في غزواته. وفي ظل حكم الإغريق اكتسبت مدينة غزة مركزًا مُتميزًا لتعلم اليونانية والفلسفة.وقد سيطر الرومان بعد ذلك على بلاد الشام وتم دمج المدينة في الإمبراطورية الرومانية عام 63ق.م، وأصبحت جزءا من مُقاطعات الدولة الرومانية في بلاد الشام. وأثناء تَمرد اليهود ضد الرومان عام 66م دُمرت المدينة جُزئيًا من قِبل اليهود، وخلال الحكم الروماني كانت مدينة غزة مدينة مُزدهرة. أما عن العرب المسلمين فقد دخلوا مدينة غزة عام 635م، بعد انتصار عمرو بن العاص على البيزنطيين في معركة أجنادين عام 13هـ، وقد أثمر دخول العرب لقطاع غزة عن اعتناق معظم سكان مدينة غزة للدين الإسلامي، وتعلم أهلها اللغة العربية التي أصبحت اللغة الرسمية لغزة، وتحول الكثير من الكنائس الغزاوية إلى مساجد. واستمرت تحت ظل الخلافة الراشدة ثم الاموية ثم العباسية تحت إدارة واحدة تتبع ظل الخلافة المركزية حتى قد وقعت غزة تحت حكم الفاطميين وأصبحت مستقلة عن الحكومة العباسية.وأثناء الاحتلال الصليبي لبلاد الشام وقعت مدينة غزة في أيدي الصليبيين عام 1100م، وتم تحويل الجامع الكبير في غزة إلى كاتدرائية. ولكن في عام 1187م استطاعت قوات صلاح الدين الأيوبي الانتصار على الصليبيين في معركة حطين، وقام صلاح الدين بالسيطرة على قطاع غزة، وقد استمرت الفترة الأيوبية حاكمة على مدينة غزة تحت ظل الحكومة العباسية البغدادية حتى عام 1260م و سقوط بغداد تحت يد المغول وبعدها تعرضت غزة للاجتياح المغولي المدمر، ولكن عادت المدينة المنكوبة الى ظل الحكم الإسلامي المملوكي في عام 1277م. بعد الصراع العثماني المملوكي دخلت المدينة تحت حكم الخلافة العثمانية في القرن 16م وبقيت تحت حكم العثمانيين حتى عام 1917م من القرن الماضي، وهو العام الذي سقطت فيه غزة في يد الجيش الإنجليزي إبان الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1920م وقعت غزة تحت الانتداب البريطاني مع باقي مدن فلسطين. وتم في عام 1947م تقسيم فلسطين إلى دولتين: يهودية، وعربية وتم إضافة قطاع غزة إلى الدولة الفلسطينية المقترحة. وبعد حرب فلسطين عام 1948م تم وضع غزة تحت الإدارة المصرية، وبقيت مدينة غزة تحت الحكم المصري حتى عام 1967م.حصل بعد ذلك العدوان الثلاثي على مصر 1956م والذي قامت إسرائيل فيه باحتلال مدينة غزة والسيطرة على شبه جزيرة سيناء، ولكن نتيجة الضغوطات العالمية اضطرت إسرائيل إلى الانسحاب من قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء. إلا أنه في عام 1967م أُعيد احتلال مدينة غزة، وقد انسحبت القوات الإسرائيلية من قطاع غزة في 1994 م.وفي عام 2007م وبعد فوز حركة حماس بعدد من المقاعد البرلمانية، سيطرت حماس على قطاع غزة بالكامل وعلى جميع المؤسسات الأمنية والحكومية.وفي 2008 م قامت إسرائيل بقصف قطاع غزة جويًا واستخدمت إسرائيل أسلحة وقذائف مُحرمة دوليًا، مثل القنابل الفسفورية المُسرطنة وغيرها. وفي أعوام 2012 و 2014 و 2021 و 2022 م قامت إسرائيل بشن هجمات على غزة وقد ردت المقاومة الفلسطينية على هذا الهجوم. وحاليًا في 2023م، قامت حماس بشن هجومها على أهداف إسرائيلية خارج قطاع غزة، فقامت إسرائيل بفرض حِصار شامل على قطاعِ غزة، وتم منع دخول الغذاء والماء، والدواء، والوقود إلى القطاع، وأعلنت إسرائيل أنها لن ترفع الحصار عن غزة إلا بعد عودة الرهائن الذين اختطفتهم حماس. وما زالت الحرب مستعرة أثناء كتابة هذه السطور. لعل ما ذكرناه من سيرة موجزة لهذة المدينة المناضلة مدخلا للشباب العربي لمعرفة أبعاد هذه القضية الأخرى ودراسة مدى ارتباط غزة وصراعها مع المحتل المعاصر مع وجدان الأمة العربية الذي كان ولا زال نابضا بترويج معنى الحياة بكرامة دون خضوع لإملاءات القوى الاستبدادية.

2184

| 18 أكتوبر 2023

غزة.. وكشف اختبار الهوية

تلعب الهوية دوراً مهماً في بناء صورة المجتمعات وتميز بعضها عن بعض، فلها عدة خصائص ذات أبعاد فردية، واجتماعية، وإنسانية، كما أن المجتمعات تسعى دائماً لتأكيد ذاتها ومعرفة موقعها في التاريخ الإنساني عن طريق معرفة هويتها واستثمارها.. فهناك ارتباط وثيق بين رفعة الأمة وبين درجة تبيان وتبني هويتها، فالهوية يمكنها أن تقوم بإعادة ضبط الثقافة المجتمعية ومعالجتها. والهوية ترتبط بمجموعة أنماط كثيرة متعلقة بالفكر، والقيم، والمعتقدات، والعادات، والتقاليد، والفنون، واللغة، والأنظمة الحياتية، الملابس، والموسيقى، والمأكولات وغيرها من الأنماط التي تكون شائعة بين مجموعة معينة أو سائدة في المجتمع بأسره فهي جزء لا يتجزأ من حياة الأفراد داخل المجتمعات. ومن يرى الوضع الآن الذي يحدث في البلدان العربية المنكوبة، فلسطين وسوريا واليمن وغيرها، يعلم يقينا أننا أمام أزمة هوية مفقودة وثقافة شعبوية منهارة أمام أجندات الأعداء التي خلقت بيننا العداوة التي تورث من جيل لجيل تجاه بعضنا البعض، وما أدل على ذلك مثل أولئك الذين يسمون بصهاينة العرب، أناس من جنسنا ويتكلمون بألسنتنا لكن ينفثون سم الكراهية تجاه أو محاولة عربية للخروج من سطوة الأعداء ومواجهة عدوانهم. فالهوية العربية تتعرض في الوقت الراهن إلى بعض العواصف والهجمات والأجندات الأجنبية التي قد تضعفها ونخشى أن يقضى عليها تماما، لذلك يصبح من الضروري على كل العرب أن ينهضوا لصيانة هذه الهوية، والعمل المتواصل على بنائها وتماسكها بل وغرسها في نفوس الأجيال الجديدة. أما دور العبادة والمساجد فما زال بعض شيوخ الدين ممن طمست أعينهم عن الحق لا شأن لهم إلا تخذيل الأمة عن نصرة بعضها البعض بحجج واهية وتفسيرات لا يقبلها الضمير الحي والعقل الراشد، ونسوا أن الدين مراده الخير للناس كافة، فالواجب على الخيرين من العلماء والمشايخ دعم المسيرة التي تبني الهوية العربية والإسلامية التي تناصر المظلومين في كل بقاع الأرض. ويأتي الآن دور المثقفين، فالمثقف الحقيقي هو الذي يبادر، ويساهم في إيجاد الحلول التي تخدم هويته وقوميته ومنطلقاته الإنسانية ومبادئه المثلى، فقد ابتلينا في عالمنا العربي ببعض النخب الثقافية التي تخاذلت عن نصرة القضايا الإنسانية وأصبحت مرتعا لتنفيذ أجندات الأمة، فلا حل إلا في مواجهتهم عن طريق دعم وإبراز دور المثقفين الإيجابي في صناعة منظومة دفاعية ثقافية لحماية الأمة من غربلة سلبية لمعتقداتها وتاريخها وثقافتها واعتزازها بموروثها. ويأتي أخيرا دور الشباب العربي، فهم يملكون سلاحا في التغيير لم يكن موجودا في السابق، ألا وهو ( وسائل التواصل الاجتماعي )، فقد أصبح للشبكات الاجتماعية دور كبير في التعبير عن الاتجاهات والأفكار وبناء الهوية وصناعة الثقافة المجتمعية، ‏ولم تعد النخبة ( وخصوصا المتخاذلة منها ) تمارس دورها المعتاد في صياغة الرأي العام وتشكيله وتعبئته بعد التطور في عملية تدفق المعلومات وإنتاجها. وأصبح الآن للشباب دور في إنتاج المعلومات وصياغة الرسالة الإعلامية وبناء الهوية والثقافة المنشودة، فلا تتقاعسوا في إبداء آرائكم ومناقشة أطروحاتكم ورد الحجج الواهية ومواجهة التطرف المقيت الذي يجعل من النضال إرهابا ومن مواجهة العدو جنونا.. فأنتم الأعلون.

870

| 10 أكتوبر 2023

مزمار الحي لا يُطرب

ما زال حلم الهجرة يراود عقول الكثير من الشباب العربي وخصوصاً أولئك الذين يشعرون بأنهم يمتلكون من المهارات والجدارات والقدرات ما يكفي لجعلهم في أعلى المراتب وأسمى الدرجات المجتمعية والوظيفية. كانت بداية هجرة العقول العربية والكفاءات المتخصصة إلى دول أمريكا، وكندا، وبعض الدول الأوربية ترجع إلى مرحلة مبكرة و بالتحديد في القرن التاسع عشر الميلادي وكانت سوريا، ولبنان، والجزائر أولى البلاد الطاردة لهذه الكفاءات العلمية والمهنية المتخصصة. وترجع أسباب هجرة العقول والكفاءات العربية العلمية إلى الخارج إلى عدة عوامل أولُها: العوامل السياسية وعلى رأسها الاستبداد في السلطة، وتسلطها وعدم وجود مناخ كافٍ للحريات، وتغول وتوحش الأجهزة الأمنية في قمع كل رأي مستنير، كل ذلك أدى إلى نفور العقليات العربية المتميزة وهجرتها إلى الخارج. فالقمع المتكرر والمبرمج التي تقوم به الأنظمة السياسية المستبدة قد يصل أحيانًا إلى التصفيات جسدية، والاختفاءات القسرية، والاعتقالات ناهيك عن تجاهلها لتلك العقول واستثمارها والسعي الى تهميشها. وقد أدى عدم الاستقرار السياسي في البلاد العربية، وحدوث الثورات، وانتشار النعرات الطائفية والمذهبية، والصراعات الداخلية إلى هجرة العقول العربية إلى الدول المتقدمة ( مع تحفظي على هذا الوصف ). و لعبت الحروب في الأقطار العربية دورًا في هجرة الكفاءات العربية، كما حدث في فلسطين نتيجة تعرضها لاحتلال الصهاينة الغاشم فقد هاجرت أعداد كبيرة منها إلى بلاد أوروبا وكندا، ودول الخليج واستقرت فيها وحصلت على العديد من الحقوق التي كانت محرومة منها في بلدها الأم. وفي العراق فقد حدثت عدة هجرات في الفترة من عام 1991م إلى عام 2000م، وذلك بسبب الحصار الذي فُرض على العراق مع، ومنذُ عام 2003م - وهو العام الذي غزت فيه القوات الأمريكية العراق- حتى الآن مازالت هجرة العراقيين إلى الخارج مستمرة، ففي هذا العام تعرضت حملة الشهادات العليا للاغتيالات، فقد تم قتل بعضهم وتهجير البقية واجبارهم على مغادرة البلاد. وما زالت الهجرة مستمرة من سوريا واليمن بعد الحروب الأخيرة بعد أحداث الربيع العربي وغيرها من البلاد العربية إلى الخارج. ويأتي بعد ذلك دور العوامل الاقتصادية وهي من العوامل التي لعبت دورًا في هجرة العقول العربية إلى أوروبا وأمريكا، ندرة فرص العمل المناسبة لأصحاب الكفاءات العلمية ذات الطموحات العالية والتي تتناسب مع تخصصاتهم العلمية من أول المحركات لتلك الهجرة، وكذلك ضعف الأجور والرواتب التي يتقاضونها من أعمالهم. وأيضاً تلعب البيروقراطية والروتين الإداري القاتل دورًا في هجرة العقول العربية المتميزة، فبسبب هذه البيروقراطية توقفت العديد من المشاريع والمبادرات والتي كان من الممكن أن تؤدي إلى نهضة البلاد العربية. كما أن النظام التعليمي السائد في البلاد العربية فيعتريه الكثير من المثالب، أدى إلى وجود وفرة في التخصصات ليس لها وظائف في سوق العمل، ووجود عجز في تخصصات أخرى يحتاجها سوق العمل، فالنظام التعليمي لا يرتبط فعلياً بخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية مما أدى إلى فتح باب الهجرة أمام تلك العقول العربية إلى البلاد التي استطاعت استيعاب هذه التخصصات، والتي عجزت البلاد الأم عن استيعابها. ومن المعضلات أيضاً عدم توافر الحرية الفكرية، وموقف المجتمع العربي الشعبوي والمؤسسي من العلم، وعدم أخذه بالنتائج التي يتوصل إليها العلماء، لذلك نجد العديد من البحوث مهملة وغير مُستفاد منها مما يؤثر على نفسية الباحث وشغفه العلمي ويدفعه للهجرة خارج البلاد. بالإضافة إلى عدم وجود حوافز مادية ومعنوية للعلماء والباحثين، وقلة الوسائل والأدوات المساعدة في إجراء البحوث العلمية. العوامل الجاذبة للعقول العربية والتي تملكها تلك الدول المتقدمة هي أيضاً من أسباب هجرة العقول اليها، وتتمثل في التقدم العلمي والتكنولوجي، ومناخ الاستقرار، والحريات، وتوافر الثروات، ووجود المناخ العلمي المناسب لأصحاب التخصصات العلمية والذي يساعدهم على ممارسة البحث العلمي السليم، وإجراء التجارب العلمية. كما أن هذه البلاد توفر لهم المكانة الاجتماعية، والاقتصادية اللائقة لهم والتي هم يفتقدونها في بلادهم العربية. وهجرة العقول العربية للبلاد الغربية تركت خلفهم العديد من الآثار السلبية، فقد أكدت التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة أن معدلات التنمية البشرية لكل من إنجلترا، وكندا، وأمريكا قد نمت ايجابياً نتيجة هجرة الكفاءات العلمية المتخصصة إليها. كما أن الدول الجاذبة للعقول تقوم باستكمال ما ينقُصها من تخصصات مختلفة دون أن تبذل الكثير من الجهد والمال والوقت، وذلك عن طريق انتقاء أفضل العناصر عن طريق منح التسهيلات لهم من أجل الإقامة، والعمل. ومن الآثار السلبية للهجرة على الدول الطاردة حدوث خسائر مادية واقتصادية شديدة تؤثر سلبًا على العملية الانتاجية، والاقتصاد القومي للبلاد العربية، كما أنها تؤدي إلى زيادة الهوة الحضارية بين البلاد العربية والبلاد الغربية. كما أن هجرة هذه الكفاءات تجعل الدول العربية تحت رحمة البلاد المتقدمة، فتضطر هذه الدول بعد ذلك إلى استيراد الخبرات الأجنبية لسد النقص الحاصل لديها. كما أن هجرة الكفاءات العربية جعل البلاد العربية سوقًا مفتوحًا أمام البلاد المتقدمة الصناعية فتقوم باستيراد الكفاءات، والمواد الخام من البلاد العربية وإعادة تصديرها إليهم مرة أخرى في صورة مصنوعات ومنتجات باهظة الثمن تحت إشراف العقول العربية المهاجرة هناك. كما أن هذه الهجرة للبلاد المتقدمة أدى إلى انخفاض مستوى التعليم الجامعي، نتيجة نقص التخصصات الأكاديمية والبحثية. ولحل هذه الظاهرة الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة لابد من وضع استراتيجية عربية متكاملة، وأن تشارك في هذه الاستراتيجية جامعة الدول العربية، ومنظمة اليونسكو، ومنظمة العمل الدولي. ويجب على الدول العربية أن تتكامل فيما بينها لسد العجز في التخصصات العلمية المختلفة، وعلى الدول العربية أن تقوم باستيعاب الكفاءات العلمية، وتقديم الحوافز المالية، والمعنوية للعلماء والباحثين، وتيسير إجراءات عودتهم إلى أوطانهم للمشاركة في العملية التنموية، مع ضرورة تحسين الأوضاع السياسية للبلاد. ولابد أيضًا من إصلاح النظام التعليمي في البلاد العربية. ورفع أجور أصحاب الشهادات والكفاءات العلمية، وتوفير الحرية الفكرية لهم. والتخلص من البيروقراطية والروتين الإداري وضرورة العمل على زيادة الوعي العربي بخصوص الحفاظ على الكفاءات العلمية، والحد من هجرتهم إلى الخارج.

1167

| 03 أكتوبر 2023

alsharq
وثائق إبستين ووهْم التفوق الأخلاقي

عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...

14373

| 08 فبراير 2026

alsharq
الرياضة نبض الوطن الحي

يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...

1443

| 10 فبراير 2026

alsharq
ماذا بعد انتهاء الطوفان؟

لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...

801

| 10 فبراير 2026

alsharq
قطر والسعودية ركيزة للاستقرار الإقليمي

تعكس الزيارات المتبادلة بين دولة قطر والمملكة العربية...

624

| 05 فبراير 2026

alsharq
التأمين الصحي 2026

لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...

585

| 11 فبراير 2026

alsharq
صعود تحالف الاستقرار في المنطقة ؟

يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...

546

| 09 فبراير 2026

alsharq
من 2012 إلى 2022

منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...

507

| 11 فبراير 2026

alsharq
الموبايل وإبستين.. الطفولة في خطر

لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...

495

| 09 فبراير 2026

alsharq
قوة الحضارة الإسلامية

لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...

483

| 08 فبراير 2026

alsharq
الجنة وطريقها..

«الآخرة التي يخشاها الجميع ستكون بين يديّ الله،...

447

| 05 فبراير 2026

alsharq
الصحة في قبضة الخوارزميات

يستيقظ الجسد في العصر الرقمي داخل شبكة دائمة...

435

| 10 فبراير 2026

alsharq
أنا وهم والجزيرة.. لحظة الترجل

الثاني من فبراير 2026م، ليلة النصف من شعبان...

414

| 09 فبراير 2026

أخبار محلية