رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اشتعلت الجبهة الجنوبية للبنان منذ عملية طوفان الأقصى المجيدة بين إسرائيل وحزب الله، لكن المواجهات بين الطرفين كانت تدار بإحكام وحذر بفضل الضغط المستمر لكل من إيران والولايات المتحدة على حليف كل منهما. لكن رغم ذلك، كانت تشير تلك المعارك إلى احتمال حرب شاملة مفتوحة ربما أفدح من حرب 2006. ومنذ مطلع يونيو الماضي، ارتفعت حدة المواجهات المسلحة بين الطرفين-بدون مقدمات وأسباب واضحة أو معلنة- حيث شنت إسرائيل هجمات صاروخية موسعة متتالية أدت إلى تدمير العشرات من البنى التحتية في الجنوب وبعض قواعد حزب الله ومقتل بعض قادة الحزب الكبار. ورد حزب الله بهجمات صاروخية الأكبر من نوعها منذ السابع من أكتوبر. وقد أسفر كل ذلك إلى نزوح ما يربو من 100 ألف مستوطن يهودي من شمال إسرائيل، وتعزيز حزب الله لتمركزه في جنوب نهر الليطاني. ومع تطور حدة المواجهات العسكرية، تصاعدت خلال الأيام القليلة الماضية تصريحات بعض من قادة الحكومة الإسرائيلية التي تؤكد على ضرورة الحرب مع حزب الله واستعداد إسرائيل التام لها، وكان أبرز تلك التصريحات تصريح رئيس الأركان الإسرائيلي الذى أكد على ضرورة هذه الحرب لتقويض حزب الله والقضاء على قدراته العسكرية المتطورة. ويتبدى من تدابير الدول المتخذة في هذه الأيام والتي من أهمها منع رحلات الطيران إلى لبنان، وتحذير بعض السفارات مواطنيها من السفر إلى لبنان أو مغادرة لبنان. وتصريحات أمريكية غير مباشرة بالاستعداد لمساندة إسرائيل في الحرب. يتبدى أن استخبارات الدول قد أهدت إلى تقارير تفيد بالاقتراب الوشيك لهذه الحرب. لماذا تصر إسرائيل على الحرب، على الرغم من صعوبتها وكارثيتها الشديدة، وتعثرها المخيب في غزة، والإنهاك الشامل لها جراء حرب غزة؟ هناك بالطبع العديد من الاعتبارات الدافعة لإسرائيل لخوض هذه الحرب، والتي قد تكون غير منطقية أو مبرره. يمكن القول إن الاعتبار الأول والرئيسي ليس بمعزل عن طوفان الأقصى. إذ يجب الوضع في الاعتبار أن الجرح العميق الذى أحدثه طوفان الأقصى لكرامة إسرائيل، وتنامي إحساس التهديد الوجودي؛ يمثل دافعا رئيسيا لإسرائيل لخوض حروب استباقية غير نهائية ضد جميع الخصوم، لاسترجاع زعم الكرامة المفقودة، والإحساس بالتفوق الوجودي. وحزب الله وفقا لجميع الاعتبارات يشكل التهديد الأقوى والأخطر لإسرائيل، حيث إن قوته التسليحية التي تطورت بصورة كبيرة وفقا لتصريحات حسن نصرالله، وخبرته القتالية، وعدد قواته لا يقارن بأي جماعة مقاومة أخرى. ومن ثم، فالقضاء على حزب الله قد اصبح مطلبا استراتيجيا لإسرائيل لا تنازل عنه. وقد يدعم هذا التوجه حكومة نتنياهو التي تعانى من فشل في غزة باعتراف عدد من العسكريين والسياسيين الإسرائيليين الكبار، كما تعانى من هاجس المحاكمة جراء هزيمة طوفان الأقصى. وبالتالي، تبحث حكومة نتنياهو عن ذرائع لبقائها في السلطة وتحقيق أي انتصار، وليس أفضل من حرب طويلة مع حزب الله التي من المرجح بشدة أن تتورط فيها الولايات المتحدة. ومن الاعتبارات الأخرى التي تدور في ذهن إسرائيل، هي استخدام الحرب مع الحزب كذريعة لشن حرب شاملة مع إيران. في حسبان إسرائيل أن حربا شاملة مفتوحة مع حزب الله ستؤدى إلى توريط الولايات المتحدة وإيران في هذه الحرب. ومن ثم، قد يؤدى ذلك إلى تحقيق حلم إسرائيل الذى تتمناه من عقود وتتفادها واشنطن بكافة السبل وهو حرب كاسحة أمريكية على إيران، لإسقاط النظام القائم، وتدمير القدرات النووية لإيران. وثمة بعض الاعتبارات الأخرى في الحسبان، ومن أهمها الإحراج الشديد الذى تواجهه الحكومة الإسرائيلية نتيجة لنزوح الكثير من مستوطني الشمال بسبب المعارك في الجنوب. ولا يمكن عودة هؤلاء المستوطنين أو إقناعهم بالعودة إلا إذا تم تقويض قدرات حزب الله تماما. ومن ضمن الاعتبارات أيضا، مخاوف إسرائيل من ترامب الذى أصبح على مقربة شديدة من البيت الأبيض لاسيما بعد المناظرة الأخيرة مع بايدن التي أضعف موقفه بصورة كبيرة. ومشكلة ترامب بالنسبة لإسرائيل هو عدم الوثوق الكامل في دعم جنوحها في المنطقة. أو بعبارة أخرى، صعوبة السيطرة عليه حتى من قبل الدوائر الصهيونية النافذة في الولايات المتحدة. خلاصة القول، ثمة العديد والعديد من الحسابات والدوافع لحرب شاملة بين حزب الله وإسرائيل. ففي المجمل، أصبح حزب الله بفضل التطور المطرد لقدراته العسكرية خاصة الصاروخية تهديد وجود خطير لإسرائيل. وهذا في حد ذاته كفيل بحتمية اندلاع المواجهة عاجلا أم أجلاً.
906
| 09 يوليو 2024
في 18 يونيو الماضي قام الرئيس بوتين بزيارة رسمية إلى كوريا الشمالية بعد غياب دام 24 عاما منذ زيارته الأولى في عام 2000، مما أثار حيرة المراقبين عن مغزى الزيارة التي تعد مفاجئة أو غير متوقعة أيضا. وأهم ما تمخض عن الزيارة هو توقيع البلدين على اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة. ورغم كونها شراكة وليس معاهدة تحالف أمنى. إلا أن اتفاق الشراكة قد نص في أحد بنوده على المساعدة المتبادلة في حالة العدوان على أحد اطراف الشراكة، وهو بمثابة «شبه» التزام بالدفاع المشترك أسوة بالتحالفات الأمنية الرسمية. والتقارب الروسي الكوري الذى يمهد لتحالف أمنى موسع يعد من الأحداث الفارقة التي يجب التوقف عندها كثيراً وفحصها عن كثب، بسبب ما يحمله من كم هائل من التداعيات والتساؤلات. ويبدو من الوهلة الأولى أن الدلالة الرئيسية والخطيرة لهذا التقارب تتعلق مباشرة بالحرب الأوكرانية. قد يكون غير معلوم لدى الكثيرين أن أكثر من قدم مساعدات ودعما لروسيا في حربها في أوكرانيا هو كوريا الشمالية وليس الصين- الحليف الرئيسي لموسكو- كما يتصور الكثيرون. فالصين بحكم سياستها المتوازنة والحذرة لم تعلن موقفا داعما مباشرا للحرب أو لروسيا، بعكس كوريا التي أيدت روسيا بصورة علانية مباشرة كما أعلنت عن استعدادها للتدخل لمساندة روسيا. وبالنسبة لروسيا وهو الأهم أن الصين لم تدعمها عسكريا بالقدر الكافي حيث لم تزودها بالصواريخ والذخائر المطلوبة، بعكس كوريا التي زودتها بكميات كبيرة من الأسلحة ويليها إيران. وعلى هذا الأساس، يتبدى من التقارب الروسي الكوري، الاحتياج الروسي الشديد لحليف قوى مناصر له، في ضوء التطورات الخطيرة المتوقعة لمسار الحرب الأوكرانية. حيث يتبدى من الحراك الغربي وتصريحات بعض القادة الكبار، أن القوى الغربية وحلف الناتو في إطار الاستعداد لتدخل مباشر في الحرب، أو على أقل تقدير تزويد أوكرانيا بأسلحة مكثفة فائقة التطور والسماح لها بضرب أعماق روسيا. ففي الشهر السابق، زودت الولايات المتحدة وإنجلترا أوكرانيا بصواريخ متطورة وأعلنتا السماح لأوكرانيا باستخدامها ضد أهداف حيوية داخل روسيا. في مقابل ذلك، كررت روسيا التلويح باستخدام السلاح النووي، كما رفضت روسيا مقررات مؤتمر سويسرا للسلام حول أوكرانيا وأعلنت عن شروط تعجيزية للتفاوض حول إنهاء الحرب. وعلى هدى ذلك، ترى روسيا أن التحالف مع كوريا النووية رادع رئيسي لتدخل غربي أمريكي في أوكرانيا، وورقة ضغط حاسمة ضد الغرب للاستلام للشروط الروسية، حيث من الوارد أن تثير كوريا توترات في شبه الجزيرة الكورية كما هو معتاد، مما يضطر الغرب للرضوخ. والتقارب الروسي الكوري ليس بمعزل عن الصين بطبيعة الحال حليف الطرفين. وعليه، يثير العديد من التساؤلات. وذلك من قبيل، هل تم بمباركة الصين؟ وهل لدى الصين مصلحة أساسية منه؟ وهل يمثل بداية لتحالف ثلاثي أمنى؟. أم الأمور عكس ذلك تماما؟. وقد تكون المفاجأة المدهشة، أن هذا التقارب قد يكون أكثر ما سوف يقلق الصين، ويربك خططها الاستراتيجية. ونقطة الانطلاق تبدأ من التفهم الصحيح للتحالف الروسي الصيني. في واقع العلاقات الدولية عموما، وواقع العلاقات بين القوى الكبرى خصوصاً؛ التنافس والخوف من الآخر وأولوية المصالح الذاتية هو السمة الغالبة، مهما اتسمت العلاقات من عمق في التعاون. ومقاومة التهديد الأمريكي وتأسيس نظام دولي تعددي يعد الأساس للتحالف الروسي والصيني. لكن هذا لا يمنع من وجود تناقض في المصالح ومنافسة غير معلنة أو مؤجلة لأجل غير مسمى. والحرب الأوكرانية ورفض الصين تزويد روسيا بأسلحة متطورة يبرهن على ذلك. وعلى أساس ذلك، فالتقارب الروسي مع كوريا الشمالية من ضمن أهدافه بعيدة المدى للطرفين هو موازنة القوى الصينية والضغط عليها في بعض الملفات. وهذا قد يكون مستغربا بحسبان أن الصين الحليف الرئيسي والوحيد لكوريا الشمالية، بل تعد كوريا بحسابات التاريخ والإيديولوجية احتكارا صينيا صرفا. ومع ذلك، فالمتتبع جيداً لسياسة كوريا منذ تولى «كيم جونج اون» هو محاولة جنوح خفيفة للخروج من بيت الطاعة الصيني. فكوريا الشمالية لا تثق في الصين بصورة تامة، وغير راضية عن الكثير من سياسات الصين لا سيما محاولات التقارب مع اليابان وكوريا الجنوبية، التي ستؤدى إلى مزيد من الضغوط الصينية على كوريا الشمالية للخفيف من تطوير السلاح النووي والصواريخ بعيدة المدى. نافلة القول، خلق التقارب الروسي الكوري واقعا جديدا صعبا، من شأنه التأثير بصورة خطيرة على الحرب الأوكرانية، وشبه الجزيرة الكورية، والصين، والقوى الغربية.
1086
| 01 يوليو 2024
كان انهيار الاتحاد السوفيتي السابق بشكل مفاجئ وبصورة غير متوقعة، أي دون مواجهة عسكرية، ذات تأثير غير عادى على السياسة الخارجية الأمريكية من حينها. حيث فطنت الولايات المتحدة إلى القوة الإعجازية لسلاح «القوة الناعمة» الذي أسهم بالنصيب الأكبر في انهيار هذا القطب العملاق. ومن حينها، أصبحت القوة الناعمة أحد المرتكزات الرئيسية في السياسة الخارجية الأمريكية، وسلاح يتم تطويره بصفة دائمة لترسيخ القطبية الأمريكية وفي مواجهة الدول العصية. والحقيقة أن القوة الناعمة الأمريكية قوة ذات جاذبية مدوية، سواء تجسدت في النظام التعليمي الأمريكي، أو الثقافة الفنية والغنائية، أو الابتكارات التكنولوجية العالمية.. وغيرها. والحقيقة أيضا التي لا شك فيها أن القوة الناعمة الأمريكية أصبحت تمثل الآن المرتكز الرئيسي لاستمرار القوة الأمريكية في العالم، أو لنقُل الميزة التنافسية المتبقية لها بعدما ضعف توازن القوى العسكري والاقتصادي والجيوسياسية لصالح القوة الصاعدة. خلصت المعادلة الأمريكية-التي يشوبها قدر من الغرور- أن لا دولة مستعصية على القوة الناعمة الأمريكية التي فككت إمبراطورية مترامية الأطراف، وقضت على أخطر وأهم إيديولوجية معادية للرأسمالية في القرن العشرين. إلا أن هذه المعادلة قد جابهت استعصاء مستحكما في وجهتين الأولى العالم الإسلامي والثاني الصين. وربما قد تفهمت الولايات المتحدة كوامن الاستعصاء في العالم الإسلامي والتي منها الانحياز المطلق لإسرائيل، ومنظومة القيم الخاصة للمسلمين التي تتعارض تماماً مع القيم الأمريكية خاصة في مسألة حقوق الإنسان. لكن الأخطر والمحير للولايات المتحدة كان الصين. وتفاقمت الحيرة مع صعود الصين كأكبر تهديد للأحادية الأمريكية على الإطلاق بعد الإجهاز على التحدي السوفيتي. تبنت الصين مع سياسة الانفتاح التي اتبعها الزعيم «دينج شياو بينج» الرأسمالية الاقتصادية، وانفتحت سياسيا على العالم، وانخرطت الصين والولايات المتحدة في علاقات دافئة في إطار سياسة الانفراج. كل ذلك كان مدعاة-رغم تحذير خبراء واشنطن المخضرمين- لاعتقاد واشنطن الجازم أن تحويل الصين كحليف أمريكي تام في آسيا أسوة باليابان وكوريا الجنوبية أمر ممكن وسهل للغاية. تبنت الصين الرأسمالية الاقتصادية بصورة ليست كاملة تماما أسوة بالولايات المتحدة والجماعة الأوروبية لكنها تبنتها في النهاية. لكن على الصعيد السياسي والثقافي؛ جابهت الليبرالية السياسية، ومنظومة القيم الناعمة الأمريكية عامة التي تشكل المبادئ الليبرالية والقواعد الديمقراطية وحقوق الإنسان النصيب الأكبر منها، جابهت استعصاء رسميا ونخبويا وشعبيا منيعا. وعلى غرار التجربة السوفيتية، وغيرها الكثير من تجارب الدول الاشتراكية السابقة في أوروبا الشرقية، وأمريكا اللاتينية. يكون للقوة الناعمة فعل السحر إما على النخب الحاكمة أو الشعوب، أو الاثنين معا مثل الاتحاد السوفيتي بسبب الانبهار الشديد بالنموذج أو ما يدعى «الحلم الأمريكي». فتنقلب هذه الشعوب على النظم والأيديولوجيات الحاكمة، وتطالب بنظام ديمقراطي أملاً في استنساخ الحلم الأمريكي. وبالتبعية، تتحول النظم الجديدة إلى تابعين أو حلفاء مقربين للولايات المتحدة. والمعضلة العويصة التي واجهت الولايات المتحدة أنه على الرغم من استمرار النظام الصيني كنظام حزب واحد متمسك بثقافته وهويته الخاصة. إلا أن شعبية هذا النظام في تزايد مطرد، والرهان على انقلاب نخبوي أو شعبي عليه أضحت ضئيلة للغاية. مكمن السر الصيني مكمن السر الصيني يتلخص في أمرين: نجاح اقتصادي باهر، وتنوع وغنى الثقافة الصينية. نجح الحزب الشيوعي الصيني في غضون 3 عقود فقط من تحويل الصين من دولة فقيرة إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وهذا في ظل التمسك بالقيم والمبادئ والثقافة الصينية المتنوعة الغنية. الصين -وهذا ربما لا يعلمه الكثيرون- تمتلك قوة ناعمة قوية جدا مستمدة من تاريخها وثقافتها وتراثها الإيديولوجي. وهذا في حد ذاته يجعل تأثير القوة الناعمة الأمريكية عليها ضعيفا للغاية. إذ عكس ما يعتقد الكثيرون، تمتلك القوة الناعمة الصينية الكثير من خصائص القوة الناعمة الأمريكية، حتى في مسألة الديمقراطية، حيث يتاح في المجال العام التعبير عن جميع الآراء والاتجاهات بحرية بما في ذلك الاتجاهات المناهضة للشيوعية والحزب الواحد. حتى داخل الحزب الواحد هناك مناخ ديمقراطي واسع ومعارضة ضد بعض السياسات. ولعل الأهم من ذلك أن الشعب الصيني لديه اعتزاز قوى بثقافته وهويته ومن الصعب ذوبانه في الثقافة الغربية. وتلك ثمة رئيسية للثقافة الآسيوية عموماً. الخلاصة في الأمر أن النجاح الاقتصادي الباهر للحزب الشيوعي الصيني جنبا إلى جنب مع أصالة وتنوع الثقافة الصينية، لم يسقط غرور القوة الناعمة الأمريكية فحسب، بل حولت الصين إلى قوة ناعمة عالمية موازية. فنموذج التنمية الصيني أصبح منافس شرس للنموذج الليبرالي الغربي، خاصة ان الأول يجسد قوة ناعمة حقيقية تنجذب لها الدول طواعية ولا يتم فرضها بالترغيب أو الترهيب.
1731
| 17 يونيو 2024
جميع ما أقدمت عليه إسرائيل في قطاع غزة، منذ عملية طوفان الأقصى المجيدة، من ارتكاب مجازر وحشية غير مسبوقة، وتدمير أكثر من 70% من بنية قطاع غزة، والتسبب في ترحيلات قصرية لملايين الغزاويين، ومجاعة، وأوضاع إنسانية لم ترتكبها حتى النازية. كل ذلك، يصبو إلى هدف واحد فقط-معلن أكثر من مرة بالمناسبة- وهو القضاء على حركة حماس تماما. بل حتى موافقة إسرائيل المبدئية على صفقات تبادل الأسرى ووقف العنف، وكان آخر ذلك الموافقة على مقترح الرئيس بايدن الثلاثي، هو مناورة تكتيكية لم تثن إسرائيل عن الهدف الرئيسي. وسبق وأن أشرنا مراراً في مقالات سابقة عن دوافع إصرار إسرائيل على القضاء على حماس. لكن في هذا المقال سنعمل على تأكيد أن هذا الهدف هو بمثابة مهمة مستحيلة لإسرائيل عبر زوايا نقاش مختلفة. حماس ليست حركة إرهابية كما تسعى إسرائيل والقوى الداعمة لها تصنيفها هكذا منذ سنين، حماس حركة مقاومة مسلحة شرعية ضد احتلال غير مشروع بموجب القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. وهذا الجانب الذي يمكن نعته بالمعنوي أو الرمزي؛ هو المنطلق الأساسي لاستحالة القضاء على حماس من قبل إسرائيل أو غيره. حماس ليست مجموعة أفراد وقادة، بل هي بنيان فكرى أو إيديولوجي بالأساس «لمقاومة احتلال». ومن ثم، فالتصور بأن القضاء على حماس يكمن في القضاء على أفرادها وقادتها الرئيسيين، تصور ينطوي على مغالطة ساذجة للغاية. فالأفراد والقادة سيرحلون عموما يوما ما بأي وسيلة أو لأية سبب ما، لكن الأيديولوجية لن تموت. وبالتالي، فحماس كأيديولوجية لن تموت، بل ستظل باقية وتعيد تجديد نفسها عبر دماء جديدة. لا سيما وأن أيديولوجية حماس الرئيسية هي «المقاومة» واسترجاع حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية في ظل انسداد أية أفق سياسية. وعليه أيضا، فتلك الأيديولوجية المشروعة فكرياً وقانونياً، إذ أن مقاومة الاحتلال حق راسخ وفقا لميثاق الأمم المتحدة. ستؤدى بدورها إلى نشوء المئات من حركات المقاومة، أو ألف حماس أخرى لكن بأسماء مختلفة. وهذا على النقيض تماما من الجماعات الإرهابية والمتطرفة، كداعش مثلا، التي تعتنق أيديولوجية متطرفة للغاية بلا شك لكنها مرفوضة تماما فكريا وشرعيا وقانونيا. ولعل هذا يفسر سبب تراجع قوة داعش منذ إعلان التحالف الدولي ضدها في 2015 بمشاركة دول عربية وإسلامية. علاوة على ذلك، لا تمتلك الأيديولوجية المتطرفة لداعش وغيرها من الجماعات الإرهابية، المسوغات القوية للاستمرار وتجديد دمائها. القضاء على حماس تماماً في قطاع غزة أو طردها من القطاع-عمليا وليس معنويا- يتطلب السيطرة الإسرائيلية التامة على القطاع وإخلاء سكانها بالكامل البالغ عددهم نحو 2 مليون. فمادام هناك غزاويون، ستتجدد حماس أو غيرها من حركات المقاومة. قد كتب وقيل الكثير جدا عن صفقات لتصفية القضية الفلسطينية تماما، تستند على إخلاء فلسطين التاريخية تماما من الفلسطينيين والعرب. الشاهد في الأمر، أن عملية طوفان الأقصى، قد قطعت الشك باليقين أن تلك الصفقات مجرد تكهنات فارغة أو سيناريوهات خيالية حتى للمؤمنين بها. إذ من ضمن ما كتب مؤخراً في هذا الصدد-وهو محض هراء بالطبع- أن الممر الإنساني البحري الأمريكي في غزة المزمع إنشاؤه، هو في حقيقته خطة متفق عليها لترحيل سكان غزة أو توزيعهم في أوروبا وكندا وأستراليا. والحقيقة التي لا شك فيها، أن فكرة إخلاء القطاع تماما من سكانه، فكرة مستحيلة. فضلا عن ذلك، ما هي الدولة التي لديها الاستعداد وتحمل المسؤولية التاريخية لاستقبال أكثر من مليون ونصف مليون لاجئ. فمصر التي ترمي أغلب السيناريوهات عليها، أعلنت اكثر من مرة، وعبر الرئيس السيسي رفضها التام لذلك لأنه يعني تصفية القضية الفلسطينية. فضلا عن ذلك، هل سيكون هذا الترجيل نهائيا، أي عدم إمكانية للعودة ونسيان فلسطين تماما، نعتقد أن الغالبية العظمى من الفلسطينيين، بما في ذلك سكان غزة الذين يعانون معاناة رهيبة، لن يقبلوا بذلك تماما. من ضمن الأسباب العملية لاستحالة القضاء على حماس، والتي برهنت عليها السوابق المختلفة، هي الصعوبة البالغة في أن يحقق جيش نظامي انتصارا ساحقا أو كاملا مع حركات أو منظمات مسلحة شبه نظامية. والشاهد على ذلك، خسائر قوات الاحتلال المتوالية منذ اقتحامه معبر رفح. وفى البيان الأخير، ثمة العديد من الأسباب الأخرى المعنوية والعملية-لن يتسع المقال لسردها- التي تجعل مهمة إسرائيل للقضاء على حماس مهمة مستحيلة. لكن أهم ما يمكن الخلوص إليه في هذا الصدد أن ظهور واستمرار حركة مقاومة مقترن بوجود واستمرار احتلال غير مشروع.
1596
| 10 يونيو 2024
في مطلع شهر مايو قام الرئيس الصيني «شى جين بينج» بجولة إلى أوروبا قد شملت ثلاث دول: فرنسا والمجر وصربيا، نالت اهتماما عالميا واسعا بسبب ما ستسفر عنه من انعكاسات قوية مرتقبة على صعيد قضايا وتحديات كثيرة من أبرزها الحرب الأوكرانية، ومستقبل العلاقات الأوروبية -الصينية، والصراع بين الصين والولايات المتحدة. جولة الرئيس بينج الأوروبية تعد من الأحداث التاريخية الفارقة، أي ليست جولة عادية. ومن ثم، فهي تحمل أهدافا استراتيجية للصين على أصعدة عدة وفى توقيت غاية في الحساسية أيضا. ويتبدى ذلك، من المحطات الأوروبية الثلاث التي شملتها جولة بينج. المحطة الأولى والأهم فرنسا، استهل بينج زيارته لأوروبا بزيارة فرنسا التي استقبلته بترحيب كبير، وعقد محادثات مطولة مع الرئيس ماكرون. وتعكس زيارة فرنسا تحديداً وجعله مستهل الجولة الأوروبية، دلالة قوية للغاية لأهم أهداف بينج الأوروبية، والتي تكمن في ضرب الجهود الأمريكية الرامية لاستقطاب أوروبا خاصة الغربية في صراعها مع الصين. أو تعميق الانقسام بين أوروبا والصين. ففرنسا على وجه التحديد، تتبنى نهجا استقلاليا نسبيا عن الولايات المتحدة منذ 2016، وتضخم بصورة لافتة في ظل رئاسة ماكرون. إذ تعد فرنسا أكثر الدول الأوروبية وضوحاً بشأن رفض الانجرار في حرب باردة غربية مع الصين، وترى أن الصين مجرد منافس اقتصادي لأوروبا، وثمة إمكانية كبيرة لاحتواء هذه المنافسة عبر الحوار والتعاون. فضلا عن ذلك، تتبنى فرنسا موقفا اكثر استقلالية بشأن تشكيل قوة دفاعية أوروبية خاصة بعيداً عن الحماية الدفاعية التقليدية للناتو والولايات المتحدة. يضاف إلى ذلك، ترى فرنسا أن إنهاء الحرب الأوكرانية مرتهن بدرجة كبيرة بالإرادة الصينية. وهذا ما عبرت عنه صراحة رئيسية المفوضية الأوروبية «أورسولا فون دير لاين» خلال اجتماعها مع بينج وماكرون خلال الزيارة في فرنسا، بقولها «نأمل أن تستخدم الصين نفوذها على روسيا لإنهاء الحرب الأوكرانية». وفى مقابل ذلك، ترى بكين فرنسا قائد أوروبا الرئيسي القادر خاصة في ظل الاستقلالية التي تتطلع لها بعض الدول الأوروبية كألمانيا وإسبانيا، على ترميم العلاقات الاقتصادية بين أوروبا والصين التي قد شهدت توترات خلال العامين الماضين، وأيضا على إقناع أوروبا على قبول نظام دولي متعدد الأقطاب. وكانت صريبا المحطة الثانية في الجولة، وتم استقبال بينج بحفاوة بالغة. وتتمتع الصين بعلاقات قوية مع دول البلقان وشرق أوروبا خاصة على الصعيد الاقتصادي. وتتمتع العلاقات بين الصين وصربيا بعمق وخصوصية كبيرة، قد تعززت على خلفية مساندة الصين القوية لصربيا في أزمة كورونا. لذا، فزيارة بينج لصربيا تحمل دلالة رمزية قوية على أهمية وخصوصية تلك العلاقة التي تفوق في قوتها علاقة صربيا بأوروبا. فضلا عن ذلك، عززت الزيارة من أفق الشراكة الاقتصادية القوية بين البلدين، حيث تم الاتفاق على إعفاء بعض صادرات صربيا إلى الصين من الرسوم الجمركية لمدة 15 عاماً. المجر المحطة الثالثة في الجولة، فهي تتمتع بعلاقات راسخة صلبة مع بكين، وتغرد كثيرا خارج السرب الأوروبي. إذ على سبيل المثال، كانت من أكثر المعارضين لفرض العقوبات الغربية على روسيا. ومن ثم، فزيارة بينج لها تحمل دلالات سياسية قوية، من أهمها تعزيز جبهة المعارضة الغربية للصراع مع الصين، وتعزيز نفوذ الصين في شرق أوروبا عموما. علاوة على ذلك، تعد المجر شريكا اقتصاديا مهما للصين وتتطلع لاستقبال المزيد من الاستثمارات الصينية، وهو ما عكسته الزيارة من رفع العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. ومما تقدم، يمكن تسليط الضوء على أبرز الانعكاسات الاستراتيجية للجولة: -تدعيم الانقسام الأوروبي-الأمريكي بشأن الصراع مع الصين. -دعم الصين لنفوذها السياسي والاقتصادي في أوروبا خاصة في شرق أوروبا. -دعم التوجه الأوروبي الداعي لنظام دولي متعدد الأقطاب والإقرار بانتهاء القطبية الأمريكية بصورة نهائية. -صعوبة الرهان الكامل على واشنطن في إنهاء الحرب الأوكرانية ورجحان كفة الرهان للصين. -حلحلة نسبية للحرب الأوكرانية، أو على أقل تقدير إنهاء اللغط المتعلق بالمشاركة الأوروبية في الحرب، والرد الروسي عبر السلاح النووي التكتيكي.
876
| 27 مايو 2024
في تقديري، أن قيام إسرائيل باقتحام رفح جزئيا عبر السيطرة على معبر رفح الفلسطيني، بل وتحويل هذا الاحتياج الجزئي إلى شامل خلال أيام قليلة خاصة مع الحشد الهائل في القوات على حدود المدينة؛ لا يحمل أية مفاجأة. هل كل ما قامت به إسرائيل في القطاع من تدمير شامل، وقتل أكثر من 40 ألف مدني، فضلا عن مئات الآلاف من المصابين، والتسبب في كوارث إنسانية طبية وغذائية. ناهيك عن تدهور علاقاتها مع الجميع خاصة راعيها التاريخي الولايات المتحدة. هل كل ذلك فقط من أجل تحرير العشرات من الرهائن لدى حماس؟!. والإجابة المنطقية بالقطع «لا»، حيث هناك أبعاد استراتيجية أخرى من ذلك-لم تخفها إسرائيل- وعلى رأسها إنهاء أو طرد حماس بصورة مطلقة من القطاع. ومن هذا المنطلق، يمكن القول، على الرغم من الجهود الواسعة التي يبذلها الوسطاء خاصة مصر وقطر والولايات المتحدة، لإبرام هدنة بين حماس وإسرائيل، لإثناء إسرائيل عن اقتحام رفح بشكل شامل. إلا أن جهود التوصل للهدنة قد أمست ضئيلة للغاية، ونظن أن إسرائيل قد توافق في حالة واحدة وعلى مضض أيضا على هدنة إذا وافقت حماس على تسليم جميع الرهائن. لكنها ستكون مؤقتة ولن تقطع عزم الحكومة اليمينية المتطرفة عن المضي قدما في الاجتياح الشامل للقضاء على حماس. إذن، في ضوء إصرار تل أبيب التام على اجتياح رفح، ومع الأسف، ففرص منعها باتت ضئيلة للغاية. لابد من إثارة سؤال رئيسي: ماذا بعد رفح؟. والحقيقة أن استشراف ما بعد الاجتياح الشامل، معقد وشائك للغاية، نظراً للتداعيات الخطيرة له، بما في ذلك، تضرر أطراف كثيرة من هذه التداعيات وعلى رأسها واشنطن ومصر. في البداية يجب الإشارة إلى أن اجتياح تل أبيب لرفح بصورة شاملة أو كاملة، لن يؤدي إلى انتصار تل أبيب أو نتنياهو بصورة نهائية كما يعلن مراراً. ونظن أن حكومة تل أبيب على دراية بذلك، كما ينصحها حلفاؤها بذلك خاصة واشنطن ذات الخبرة الواسعة في الحروب. حتى هذه اللحظة، لم تستطع تل أبيب إجراء عملية ترحيل شامل لسكان رفح المقدر عددهم بنحو المليون ونصف نحو الشمال، ونعتقد أنها لن تقدر أيضا، حيث تشير التقديرات إلى أن أقصى ما يمكن ترحليه هو نصف مليون فقط. وبالتالي، فلن تواجه إسرائيل معركة سهلة مع حماس في رفح، حيث كتلة بشرية ضخمة تعيق هذه المعركة. فضلا عن استعداد مقاتلي حماس بالقطع لهذه المعركة عبر خطط الكمائن والفدائيين، خاصة أن حماس لديها معرفة تامة برفح وثغرات القتال فيها. وما هو متوقع أيضا، بل مؤكد بصورة كبيرة، أن اجتياح تل أبيب لرفح، سيقابل بتكثيف عال للمقاومة على جبهات أخرى خاصة في جبهة الجنوب مع حزب الله، وربما في الضفة الغربية. خاصة مع الخسائر المدنية الفادحة المتوقعة نتيجة للاجتياح. ونعتقد أن ذلك سيؤدي إلى استنزاف إسرائيل، بل وربما تطور الوضع إلى حرب إقليمية واسعة. اجتياح رفح بالقطع سيؤدي إلى الإضرار بصورة بالغة بالعلاقات المصرية الإسرائيلية التي تسير على خط سلام بارد منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد. والواقع أن مظاهر هذا التدهور قد وضحت الآن، حيث تحشد القاهرة قوات إضافية على الحدود مع رفح، استعداداً لأية تطورات مؤسفة. والحقيقة أن تدهور العلاقات لنقطة حرب بين الطرفين، مستبعدة على نحو كبير، لكن ذلك لا يمنع من إمكانية تدهور كبير في العلاقات ليس في مصلحة إسرائيل صراحة. فتصرفات إسرائيل المتهورة قد تدفع مصر إلى خيارات صعبة للغاية خاصة إذا أفضى الاجتياح إلى نزوح سكان رفح إلى المعابر المصرية. على الرغم من الحماية والانحياز الأبدي لواشنطن لإسرائيل. ومع ذلك، فاجتياح رفح على وجه الخصوص سيعصف بالعلاقات بين الحلفين إلى مفترق طرق تاريخي. إذ أصبح هذا الاجتياح كابوسا مرعبا لواشنطن أو إدارة بايدن تحديدا العاجزة تماما عن إلجام إسرائيل.
1035
| 21 مايو 2024
الذكاء الاصطناعي هو الطفرة التكنولوجية الراديكالية التي ستغير وجه العالم تماماً هذا أصبح أمرا لا شك فيه، والتغيير سينعكس بالإيجاب من حيث تطوير كل المجالات والأنشطة المختلفة التي ستفيد البشر، لكن ثمة جانبا سلبيا بل وخطيرا ومرعبا له، من حيث على سبيل المثال لا الحصر، الإجهاز تماماً على ما يقرب من 50 % من الوظائف الحالية، والانتهاك السهل للخصوصية الإنسانية. والسياسة الدولية من النطاقات التي سيخيم عليها الذكاء الاصطناعي بظلاله الإيجابية والسلبية بصورة كبيرة للغاية. والحقيقة أن تلك الانعكاسات الإيجابية والسلبية له على السياسة الدولية لا تحصى وتحتاج لمئات المقالات لإبرازها، لكن نسعى إلى إبراز أهمها في المقال. عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي المختلفة التي تتطور بشكل مطرد للغاية، بات من السهولة الشديدة بمكان، اختراق البنى التحتية الرقمية الحساسة، وسرقة البيانات السرية الشخصية والعامة، والتجسس، وانتهاك سيادة الدول. وهذا بدوره سيساهم في تعزيز الفوضى والإرباك في السياسة الدولية، وتقوية النظم المارقة، والجماعات الإجرامية والإرهابية. وعلى نحو آخر، سيساهم في تذكيه الصراعات بين القوى الكبرى التي تسعى للتفوق في هذا المجال الخطير للغاية. إذ يرى المتخصصون أن من سيهيمن على الذكاء الاصطناعي سيهيمن على العالم. حيث ستتيح تقنيات هذا المجال المتطورة، تطوير أسلحة فائقة الذكاء والسرعة والدقة يتضاءل فيها العامل البشرى، وأنظمة دفاعية وجوية وأنظمة مراقبة وتجسس فائقة التطور، تمكن من يستحوذ عليها من قلب توازن القوى العسكري رأسا على عقب، وحسم أي معركة عسكرية في غضون أسابيع. وعلى نحو مماثل، ستدفع هذه التقنيات النشاط الاقتصادي للدول إلى طفرة عالية، مما يزيد من قوتها الشاملة في سياق معادلة توازن القوى الحاكم للسياسة الدولية. لكن على الرغم من ذلك، فتلك الطفرة الاقتصادية الكبيرة التي ستكون على حساب استبدال العامل البشرى والوظائف التقليدية الرئيسية، ستكون في ذات الوقت ذات مردود خطير على الاستقرار الاجتماعي للدول، وتمتد تبعات عدم الاستقرار هذا بصورة خطيرة على السياسة الدولية. فعندما يقبع نصف المجتمع في بطالة في ظل هيمنة الرأسمالية على دول العالم حيث الدولة حارسة لرؤوس الأموال وليس متحكمة فيه. فالنتيجة الحتمية المؤكدة، هو اضطرابات وتظاهرات مزمنة، وتفش للفقر والبطالة بصورة مرعبة، وقتل للروح المعنوية للشباب تحديدا المكتسبة بصورة رئيسية من العمل المنتظم. والتداعيات إذن على السياسة الدولية لا تحصى مظاهرها، حيث تفش لمعدلات الهجرة، وتراجع حاد في الديمقراطية، وتنشيط للإرهاب الدولي. وعلى جانب آخر، تزايد حدة الصراعات بين الدول للاستحواذ على أكبر قدر من المزايا الاقتصادية والموارد الطبيعية لتلبية الاحتياجات الاجتماعية المزمنة من إعانات البطالة وغيرها للحفاظ على استقرار الدولة. ومن المظاهر المخيفة التي ينبه لها المتخصصون هي عودة ظاهرة الاستعمار الاقتصادي القديم، عندما كانت الدول المستعمرة تصدر أزمة فائض إنتاجها أو فائض بطالتها للخارج. والاستعمار البريطاني للهند كان انعكاساً للاثنين. المظاهر الإيجابية للذكاء الاصطناعي على السياسة الدولية صورها متعددة. ومن أهمها، تحقيق قدر من التوازن في علاقات القوة في النظام الدولي. فالذكاء الاصطناعي الذي تملكه أو تطوره بقوة بعض الشركات الكبرى مثل «تسلا»، سيصقل من وزنها النسبي في العالم، مما يجعل الدول الكبرى في حالة اعتمادية عليها، أو يحرمها من احتكار القوة المدمر للعالم. على نحو آخر، سيساهم في تعزيز قوة الدول الصغيرة خاصة العسكرية، مما يجعلها في توازن نسبى مع الدول الكبرى المهددة. فالدول الصغيرة الغنية مثل دول الخليج، أصبح بمقدورها امتلاك وتطوير أسلحة ذكاء صناعي فائقة التطور، قادرة على ردع خطط الدول المهددة على التهديد والتوسع والاحتلال. فالطائرات دون طيار التي ستشهد طفرة رهيبة عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، ستهيمن على المجال الجوي العسكري سواء كان دفاعيا أو هجوميا أو لوجستيا أو في مجال التجسس. وأسوة بذلك أيضا أنظمة الدفاع المعتمدة على الذكاء الاصطناعي التي ستكون قادرة على صد وإسقاط كمي ونوعى مذهل للصواريخ، بغض النظر عن حجم الدول وموقعها الجغرافي. ويرى المتفائلون أيضا أن الذكاء الاصطناعي المتطور بمقدوره المساهمة بصورة كبيرة في حل الأزمات الدولية الخطيرة التي تهدد الاستقرار الدولي بصورة خطيرة، وعلى قائمة هذه الأزمات، التغير المناخي، وأزمة الغذاء والطاقة. ملخص الأمر، سيغير الذكاء الاصطناعي السياسة الدولية رأسا على عقب، بما في ذلك شكل وأنماط القواعد البروتوكولية، وقواعد عمل المنظمات الدولية والأعراف الدبلوماسية وغيره. كما ستنعكس تداعياته الإيجابية والسلبية بقوة على المنطلقات والمفاهيم الحاكمة للسياسية الدولية وخاصة «القوة». وفى خضم كل ذلك، فمن الصعب التنبؤ بغلبة انعكاس على الآخر، فبقدر ما يساهم بصورة كبيرة في استقرار السياسة الدولية، بقدر ما يساهم أيضا في زعزعة هذا الاستقرار بصورة خطيرة. وإن كنا نرجح عدم الاستقرار وتنامى الصراعات.
1077
| 13 مايو 2024
ترجع قضية حظر تطبيق «التيك توك» إلى نهاية ولاية ترامب، الذى أصدر قراراً تنفيذياً بحظره لكنه تم إبطاله من جانب المحكمة الفيدرالية. ورغم اختلاف التوجهات بين ترامب وبايدن بصورة شاسعة خاصة على صعيد السياسة الخارجية؛ إلا أن الأخير قد حذا حذو ترامب تماماً بشأن الصين بل وبصورة أعنف بما في ذلك ما أمسى يسمى «الحرب التكنولوجية» التي ابتدعها ترامب. وقد تمخض عن ذلك، ضمن ما تمخض، توقيع الرئيس بايدن في نهاية إبريل على قانون لحظر تيك توك في الولايات المتحدة، بعد موافقة مجلس النواب عليه بأغلبية ساحقة، بصورة تعكس إجماعا حزبيا قلما يحدث. لماذا يثير تيك توك كل هذا الذعر الأمريكي، رغم كونه مجرد تطبيق تواصل اجتماعي لعرض مقاطع الفيديوهات القصيرة؟!!. والذعر الأمريكي من تيك توك ينطلق من مجموعة حقائق واستنتاجات شديدة الخطورة على كافة الأصعدة فيما يتعلق بالعلاقات أو الصراع مع الصين، بما في ذلك الصراع على الهيمنة الدولية. والبداية فيما أعلنته صراحة الإدارة الأمريكية ومفاده الخطورة الشديدة على الأمن القومي الأمريكي بسبب استحواذ الصين-التي تعد مقرا للشركة- على بيانات مستخدمي التيك توك في الولايات المتحدة التي يتجاوز أعدادهم 160 مليون مستخدم. وترى الولايات المتحدة أن الصين بإمكانها استخدام هذه البيانات السرية الشخصية بصورة مختلفة كالتجسس، أو التلاعب بالرأي العام، أو التأثير على الانتخابات، أو معالجتها بطريقة معينة لاختراق مؤسسات أمنية حساسة... إلى آخره. فضلا عن ذلك، ثمة حقائق عدة غير معلنة لا تقل أهمية عن حساسية الأمن القومي الأمريكي. ينبغي النظر إلى إصرار واشنطن على حظر التيك توك من منظور الحرب التكنولوجية المستعرة بين الدولتين، والتي بدورها لها عدة أبعاد وجوانب ذات أهمية استراتيجية. أصبحت التكنولوجيا أحد الأسلحة القوية للتفوق والنفوذ في النظام الدولي، وفى إطار الشعبية العالمية الجارفة التي بات يحظى بها التيك توك. فحظره إذن في الولايات المتحدة، ثم في دول حلفاء واشنطن بعد ذلك، سيساهم في عرقلة التفوق التكنولوجي للصين بصورة كبيرة، بما في ذلك التفوق في مجال الفضاء السيبرانى، ومجال التواصل الاجتماعي. حيث تسعى واشنطن جاهدة الحفاظ على ريادتها في كل تلك المجالات عبر شركاتها مثل فيسبوك وتويتر وآبل. وعرقلة التفوق التكنولوجي للصين بكافة أبعاده، سيحرم الصين من المزايا الاقتصادية المأهولة التي تجنيها من التكنولوجيا، ويضعف قوتها الناعمة التي تنشرها عالميا بقوة بالتعويل على الوسائل التكنولوجية ووسائل التواصل الاجتماعي. كما سيضعف موقف الصين أيضا في إطار حرب التفوق في مجال «الذكاء الاصطناعي» التي تتنافس به بشدة مع القوى الغربية. وتتسابق الدول الكبرى على التفوق في الذكاء الاصطناعي بصورة محتدمة، لما له من تأثيرات رهيبة على مقومات القوة خاصة العسكرية. ولعل من الاستنتاجات الجديدة لخطورة التيك توك التي اهتدت إليها واشنطن مؤخراً وتحديدا مع بداية حرب الإبادة الصهيونية على قطاع غزة، هو دوره الخطير في عرض الحقائق كاملة خاصة للرأي العام الأمريكي. في حين يتم حجب هذه الحقائق في التطبيقات الأمريكية المنافسة مثل يوتيوب وفيسبوك على خلفية أسباب مختلفة. فالتضامن العالمي غير المسبوق مع غزة- بما في ذلك أمريكا- ضد مجازر إسرائيل في القطاع، قد ساهم تيك توك بصورة كبيرة في إذكائه بسبب عرضه لحقيقة المجازر والوضع المأساوي عموما في غزة كاملة شفافة. ومن شأن ذلك، التسبب في أضرار بالغة للسياسة الخارجية الأمريكية المنحازة لإسرائيل. فضلا عن تشويه صورة الولايات المتحدة وقوتها الناعمة عالميا. ومما لا شك فيه، أن الحراك الطلابي الأمريكي غير المسبوق في الجامعات الأمريكية المتضامن مع غزة، والمندد بالمجازر الصهيونية في القطاع. سيزيد من عزم بايدن على حظر التطبيق وغيره من التطبيقات الصينية بصورة لا رجعة فيها. لما سببه هذا الحراك الطلابي من إحراج وإرباك شديد لسياسة الولايات المتحدة التقليدية لإسرائيل، بما في ذلك قوانين «معاداة السامية».
1047
| 06 مايو 2024
على إثر تصاعد الاحتجاجات الطلابية في الجامعات الأمريكية المطالبة بوقف الحرب في غزة، ووقف الدعم الأمريكي لإسرائيل، ومقاطعة الشركات الداعمة لإسرائيل. والتي بدأت في جامعة كولومبيا وامتدت حتى وقته إلى 30 جامعة أمريكية، وبعض الجامعات الكبرى في العالم. علق أحد الكتاب الأمريكيين الكبار بالقول إن أمريكا تتمزق، وعلق آخر أن أمريكا تتغير، وآخر كتب أن إسرائيل أمست عبئا شديدا على أمريكا. الحركات الاحتجاجية الطلابية في أمريكا، تُعد من الأحداث الفارقة جدا ذات الانعكاسات القوية على السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية. فتلك الاحتجاجات كانت أحد العوامل الرئيسية المساهمة لإنهاء الحرب الأمريكية في فيتنام عام 1960، وأيضا عاملا رئيسيا للدفع بقوانين منع التمييز ضد السود، وإعطاء زخم عام للحريات المدنية في الولايات المتحدة منذ السبعينيات، ومن المفارقات أن انطلاق شرارة هذه الاحتجاجات كان دائما من جامعة كولومبيا. وجهات نظر الكتاب الأمريكيين الكبار وغيرهم حول العالم التي ترى بتداعيات جذرية لتلك الاحتجاجات الأخيرة - على وجه الخصوص- على السياسات الأمريكية وخاصة السياسة الخارجية؛ لم تتأت من فراغ. بل من الأمور الحساسة الكثيرة الكاشفة لتلك الاحتجاجات، والتي بدورها ستهز بصورة مرجحة ثوابت وأركان راسخة في السياسة الخارجية الأمريكية، لعل من أهمها الدعم المطلق لإسرائيل. كشفت تلك الاحتجاجات عدة أمور مفصلية، لكن يمكن اعتبار أهمها هو التغير الواسع في التركيبة الاجتماعية الداخلية في أمريكا، والتغير الواسع أيضا في المزاج الاجتماعي والسياسي العام. الاحتجاجات الطلابية تعد انعكاسا أو مؤشرا قويا لقياس الرأي العام الأمريكي. وبالتالي، عندما تتوسع رقعة الاحتجاجات الطلابية بهذه الوتيرة الواسعة في غضون أيام قليلة، وتلقى هذا التضامن الواسع من قبل أساتذة أمريكيين كبار، وطلاب في العالم، وحتى زعماء مهمين حول العالم. فنحن، إذن، نشهد تحولا شعبيا واسعا من الدعم المطلق لإسرائيل إلى كراهية هذا الكيان الذي فضحته مجازره الوحشية المرتكبة في غزة. وهنا يجب الوضع في الاعتبار عدة أمور ومنها، أنها المرة الأولى في تاريخ أمريكا تنتفض الجامعات الأمريكية بهذه القوة الشديدة ضد إسرائيل. وأيضا، أن الأغلبية العظمى من الطلاب المشاركين في الحراك أمريكيو الأصل «من الجنس الأبيض»، وكثير منهم يهود أمريكيون أيضا. ومن ثم، فالدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل المدعوم بترسانة مسلحة من السياسيين واللوبيات ووسائل الإعلام ومراكز الفكر، والقادرة على توجيه وتشكيل الرأي العام الأمريكي لصالح إسرائيل. بدأت بالفعل تتداعى، كما سيتداعى معها صنم «معاداة السامية» المرعب. إذ منذ بدء مجازر إسرائيل على غزة في الثامن من أكتوبر، والإدارة الأمريكية في وضع حرج للغاية، حيث شهدت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بعضاً من التوتر، كما تعالت أصوات أمريكية ربما للمرة الأولى في تاريخ العلاقات منددة ومستهجنة للسياسات الإسرائيلية. كان آخرها الأسبوع الماضي من جانب «نانسى بيلوسى» رئيسة مجلس النواب واصفة نتنياهو بالمعرقل للسلام في المنطقة. ويمكن القول إن تصاعد الاحتجاجات الطلابية آخر يومين قد رفع من درجات الإحراج للإدارة الأمريكية، خاصة بعد تعامل الشرطة الأمريكية العنيف مع المحتجين، وانتهاكها للحرم الجامعي الأمريكي، والقبض على المئات. في حين أن احتجاجات الطلاب سلمية مطالبة فقط بوقف الدعم عن إسرائيل وحلفائها. وكان أول رد فعل من قبل إدارة بايدن هو وصف تلك الاحتجاجات بالفوضوية المعادية للسامية، وهو ما زاد من غضب المحتجين وأنصارهم. وفي الواقع يعكس رد الفعل هذا عجزا شديدا من جانب إدارة بايدن إزاء التعاطي مع الموقف. فهو من جهة غير قادر على إغضاب إسرائيل، ومن جهة أخرى قد تذرع بأنها «ضد السامية» لتبرير القبض التعسفي وإنهاء هذه الاحتجاجات، والمحافظة على صورة الولايات المتحدة في العالم وخاصة قوتها الناعمة. لكن نظن أن هذا الموقف لن يدوم طويلا، خاصة مع إدراكه لتأثير هذه الاحتجاجات على استحقاقه الانتخابي أواخر هذا العام. لكن ما هو أهم، أن تلك الاحتجاجات ستجبر أمريكا بلا أدنى شك على إجراء مراجعة شاملة إزاء دعمها المطلق لإسرائيل. ملخص البيان، الاحتجاجات الطلابية الأمريكية تمثل علامة فارقة بشأن الأحداث الكبرى للولايات المتحدة خاصة على الصعيد الخارجي. كشفت الاحتجاجات الطلابية الأخيرة عن تغير كبير في المزاج العام الأمريكي بشان إسرائيل، حيث تتصاعد بقوة كتلة معارضة لسياسات هذا الكيان الإجرامية. وما هو أهم أن هذا التغير سيكون له مردود واسع على السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل التي أصبحت عبئاً شديداً، إذ على الأرجح سيخف الدعم المطلق بدرجة ما، كما ستعيد أمريكا مراجعة القوانين المعادية السامية الرامية بصورة أساسية لحماية إسرائيل وتبرير سياساتها الوحشية التوسعية، وابتزاز دول العالم.
1380
| 30 أبريل 2024
رد إيران على إسرائيل محدود بالفعل، لكن دلالاته وتداعياته أوسع وأخطر. هكذا هي القراءة الصحيحة للرد الإيراني، إذا تجاوزنا مسألة "الرد المحدود" في حد ذاته، والتي تجعل مسار التحليل يذهب في اتجاهات غير موضوعية. ركزت أقلام كثيرة على أسباب الرد الإيراني المحدود، وعكس كثير من هذه الأقلام خلاصات غير موضوعية وغير متزنة تماما، وذلك من قبيل: انكشاف هشاشة القوة الإيرانية، فشل قوتها الهجومية، خوف إيران من المواجهة.. إلى آخره. وإلى جانب عدم موضوعية هذه الخلاصات؛ فإن صب زاوية التركيز فقط على أسباب الرد المحدود يجعلنا نتغافل عن الدلالات الأوسع والخطر لهذا الرد في حد ذاته. رغم كونه ردا محدودا، لكنه مباشر. إذ للمرة الأولى منذ اشتداد الصراع القائم بين إسرائيل وإيران منذ أربعة عقود، تنخرط إيران في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. ودلالات ذلك كبيرة وخطيرة، ومنها، انتقال الصراع فعلياً من مربع الصراع غير المباشر عبر الوكلاء والاغتيالات والحرب السيبرانية إلى مربع المواجهة المباشرة. يعرف المتخصصون وصناع القرار وحتى الإسرائيليون وحلفاؤهم، أن إيران لا تخشى المواجهة أو الحرب الشاملة مع إسرائيل على الإطلاق، لكنها لا تحبذها بالقطع نظراً لتداعياتها المدمرة، أو على أقل تقدير لا تريدها في الوقت الراهن. لأسباب كثيرة ترتبط معظمها بخطط واستراتيجيات إيران التي تتسم بالصبر والذكاء إلى حد بعيد. فضلا عن أنماط تنفيذ هذه الخطط المعتمدة على المناورة بأوراق كثيرة، ومنها الوكلاء. والحقيقة أن تلك الخطط تحقق نجاحات كبيرة، وتقرب إيران من أهدافها الاستراتيجية ومن أبرزها امتلاك سلاح نووي ردعي. وعلى إثر ذلك، يتكشف لنا بصورة ما لماذا كان رد إيران محدودا. فمن ناحية هو تجنب لمواجهة شاملة مع إسرائيل وبالطبع الولايات المتحدة في غير أوانها. ومن ناحية أخرى، رسالة مباشرة واضحة لإسرائيل بعدم التمادي في الاعتداء على إيران ومصالحها، وقدرة واستعداد إيران بالتبعية لخوض حرب مباشرة أكثر شراسة. وهذا ما أكدته التصريحات الإيرانية الرسمية بعد الرد، بالقول إن هدف الرد الأساسي كان مجرد تحذير لإسرائيل. وستواجه إسرائيل ردا أعنف في المرة القادمة إذا استمرت في نهجها المعادي لمصالح إيران وسيادتها. ومن الدلالات والتداعيات الخطيرة للرد الإيراني، والمهمل أو المتغافل الإشارة إليها. هو تداعيات الرد على الداخل الإسرائيلي. إذ ضاعف الرد الإيراني من الشكوك المتعلقة بنظرية أمن إسرائيل الحصين، وكذلك قد ضاعف من مخاوف وشكوك يهود الداخل حول مستقبل العيش في إسرائيل. والتي قد تنامت بصورة كبيرة بعد طوفان الأقصى، حيث اضطر آلاف اليهود من مزدوجي الجنسية إلى الفرار من إسرائيل. فالرد الإيراني حتى ولو كان محدودا، وتصدت الدفاعات الإسرائيلية له بكفاءة-كما تزعم إسرائيل- لكنه ينذر يهود الداخل بمزيد من جولات المواجهة الشرسة بين إسرائيل وإيران في المستقبل القريب. لا سيما بعد انتقال الصراع من المربع غير المباشر إلى المباشر كما ذكرنا. وعليه أيضا، فتشدق قادة إسرائيل بتحقيق انتصار في هذه المعركة ينطوي على سوء تقدير وقصر نظر ضحل للغاية. وعلى مستوى آخر بالغ الأهمية، أعطى الرد المباشر لإيران قوة دفع كبيرة لحركات المقاومة المسلحة ضد إسرائيل. وذلك بحسبان أن إيران تقود المقاومة ضد الكيان الصهيوني المغتصب أراضي عربية بصورة غير مشروعة عملا بقواعد القانون الدولي. خلاصة الأمر، الرد الإيراني المحدود على إسرائيل لا يعكس خوفا أو ضعفا إيرانيا. بل يعكس في حقيقة الأمر رسالة تحذيرية عقلانية لإسرائيل من مغبة التمادي في استفزاز إيران. إذ كيف توصم إيران بالخوف أو الضعف من إسرائيل، أو ضعف قدراتها. في حين أن واحدا فقط من وكلائها حزب الله قادر على ردع إسرائيل بأسلحة إيرانية، ومسبب لها تهديدا أمنيا مزمنا. وعلى كل الأحوال، رغم أنه محدود، إلا أنه قد نقل الصراع إلى المربع المباشر، وضاعف من مخاوف يهود الداخل بشأن وجود ومستقبل إسرائيل. وربما الأهم أنه سيعيد الحسابات الإقليمية والدولية لتفادي استفزاز إسرائيل ومنع حرب إقليمية واسعة. لا سيما وأن إسرائيل تسعى بشتى الطرق لتوريط واشنطن في حرب مع إيران للإجهاز تماما على كابوس القنبلة النووية.
1665
| 18 أبريل 2024
بنسبة تتخطى الـ 95 % حسم السباق الرئاسي الأمريكي في أواخر هذا العام بين ترامب مرشح الحزب الجمهوري، والرئيس بايدن مرشح الحزب الديمقراطي. بيد أن ثمة عوامل كثيرة قد أصبحت دافعة بقوة لعودة ترامب مرة أخرى للبيت الأبيض، رغم الجدل الشديد المثار حول أهليته القانونية للترشح بالأساس مرة أخرى. والحقيقة التي لا يمكن إنكارها، أن جانب الحظ يخدم بصورة كبيرة ترامب. فإلى جانب فرق السن مع بايدن، وعدم وجود مرشح شاب- إحدى المفارقات العجيبة للانتخابات الأمريكية- ينافس كليهما، فإن كثيرا من العوامل الدافعة لفوز ترامب قد جاءت له على طبق من ذهب. يمثل الوضع الاقتصادي العام العامل الأكثر حسماً في ترجيح كافة الرئيس الأمريكي في الفوز. ولعل من حسن حظ ترامب، وسوء حظ بايدن بالمقابل، أن الوضع الاقتصادي العام في أمريكا شديد السوء والتدهور منذ الحرب الروسية الأوكرانية. فمنذ اندلاعها، لم يستطع المركزي الأمريكي السيطرة تماما على معدلات التضخم الكبيرة، ويتصدى لها عبر رفع معدلات الفائدة بصورة دورية. ويتضاعف سوء حظ بايدن في صدد ذلك أنه أمام منافس له سجل قوي في تحسين معدلات الاقتصاد الأمريكي بصورة كبيرة. إذ تعد فترة ترامب من أكبر الفترات في تاريخ أمريكا التي شهدت معدلات نمو كبيرة، وتراجعا حادا في البطالة. وربما يتساءل البعض عن سبب الارتفاع الكبير لشعبية ترامب شعبيا وحزبياً بمعدلات أكبر مما كانت عليه أثناء ترشحه وفترة ولايته. والجواب يكمن في التغير الكبير في المزاج العام الأمريكي خلال الأعوام الخمسة الماضية. فبحسب أحدث استطلاعات مراكز الأبحاث الأمريكية كمركز «بيو»، تتوسع بصورة مطردة كتلة- أغلبها من البيض - تميل إلى سياسات الانعزال، والعنصرية، وكراهية الليبرالية الاقتصادية، ورفض التوسع في استقبال المهاجرين ونيل المزيد من حقوقهم الأساسية. ومن ثم، فترامب هو أفضل من يعكس مزاجهم الحالي. والمشكلة الكبرى التي يعاني منها الحزب الديمقراطي حاليا وفقا لتلك الاستطلاعات، أن تلك الكتلة تتزايد بصورة كبيرة في الولايات التقليدية للديمقراطيين، خاصة وأن إخفاقات بايدن الاقتصادية قد فاقمت من تنافر تلك الكتلة من الحزب الديمقراطي. وعلى الرغم من أن السياسة الخارجية لا تلعب دوراً كبيراً في مسألة الوصول إلى البيت الأبيض. بيد أنها في ذلك السباق قد غدت من الأمور الحاسمة لصالح ترامب بالطبع. فعلى الأرجح، أن الأمريكيين قد تيقنوا أن إستراتيجية ترامب (الانعزالية- الانتقائية) في سياق شعاره الرئيسي «أمريكا أولاً»، أنها كانت صائبة بدرجة كبيرة جداً. إذ فبحسب كثير من استطلاعات الرأي الأمريكية، ثمة عدم رضا أمريكي واسع عن سياسة بايدن الخارجية. إذ يرى معظم من شملتهم الاستطلاعات، أن اهتمام بايدن الواسع بدعم أوكرانيا في حربها على روسيا، ودعم إسرائيل في حربها على غزة، ودعم التحالفات الأمنية الواسعة في الباسيفيك لمواجهة الصين، يعد خطأ كبيرا يأتي على حساب الاقتصاد الأمريكي المنهك. ناهيك عن تعجب المستطلع آراؤهم عن جدوى الاهتمام الأمريكي بتلك الحروب والمناطق البعيدة عن الولايات المتحدة بالألف الكيلو مترات. ومن الواضح جداً، التأثر الشديد بهؤلاء المستطلع آراؤهم بمنطق ترامب في السياسة الخارجية والمتحور بصورة أساسية حول عدم إيلاء أي اهتمام بقضية خارجية ليس للولايات المتحدة أي مصلحة حيوية فيها. ويذكى ترامب هذا التأثير من خلال تصريحاته ووعوده بشأن هذه القضايا. إذ على سبيل المثال، صرح بوضوح بضرورة وقف الحرب في أوكرانيا، وإيقاف نزيف إنفاق الخزينة الأمريكية المستدام عليها، كما تعهد إذا فاز، بمقابلة بوتين شخصياً، والاعتراف بضم روسيا لجزيرة القرم، وأجزاء من شرق أوكرانيا. والحقيقة أن تقليص دعم الكونجرس الأخير للمساعدات المالية والعسكرية لأوكرانيا، يدعم بشدة منطق ترامب، ويدعم شعبيته في المقابل. ومن المفارقات العجيبة هي تصريحات ترامب بشأن الحرب في غزة- رغم دعمه المطلق لإسرائيل - إذ صرح بضرورة وقف هذه الحرب بسرعة، كما يرى أن استمرار هذه الحرب سيفقد إسرائيل جزءا كبيرا من دعمها وشرعيتها الدولية. وفي التقدير الأخير، يمكن القول إن كافة الظروف والمعطيات الحالية تصب في بند حظ ترامب، من عامل فارق السن، إلى عامل تغير المزاج العام، مروراً بفشل بايدن داخليا وخارجياً، وصولاً إلى التصويت العقابي المرجح من جانب الأقليات والمهاجرين ضد بايدن على خلفية دعمه المطلق لمجازرإسرائيلفيغزة.
1347
| 09 أبريل 2024
في يوم 22 مارس 2024، تعرضت روسيا لأعنف عملية إرهابية منذ تولي بوتين السلطة عام 2000، والتي نفذها إرهابيون على قاعة «كروكوس سيتي» الموسيقية التي لا تبعد كثيرا عن موسكو. وراح ضحيتها أكثر من 150 قتيلا وعشرات الجرحى. وأثارت العملية جدلا وتساؤلات لا حصر لها بشأن منفذها وأهدافها وتوقيتها، وكذلك تداعيتها على مستويات عدة. فالعملية قد نفذت بعد يومين فقط من إعادة انتخاب بوتين كرئيس للمرة الخامسة. كما نفذت أيضا في ضوء تصعيد بين حلف الناتو وروسيا، وخلافات من ناحية أخرى بين المجموعة الغربية حول الدعم العسكري لأوكرانيا.. وغيرها من المعطيات المرتبطة بالعملية التي فاقمت الجدل حولها. لم تمض ساعات قليلة على وقع العملية حتى أعلن الفرع الأفغاني التابع لتنظيم داعش المسمى «داعش خراسان» مسؤوليته الكاملة عن العملية الإرهابية. ورغم ذلك، تضاربت الأقوال الرسمية والتحليلات حول هوية المنفذ، ففي حين أكدت واشنطن مسؤولية التنظيم عن الحادثة وقالت أيضا إنها حذرت موسكو من عمليات إرهابية من قبل التنظيم قبل وقوع العملية بفترة قصيرة. نفت موسكو في البداية أي صلة بالتنظيم عن العملية، متهمة أوكرانيا بصورة مباشرة. لكن لم يمضِ يومان حتى أعلنت موسكو عن تورط التنظيم في العملية لكن بدعم وتواطؤ أوكراني، وهو ما أكده الرئيس بوتين علانية في لقاء متلفز. ومن الملفت أن كثيرا من التحليلات الصحفية يكتبها صحفيون ومحللون مرموقون؛ قد كذبت تلك الروايات الرسمية. يمكن القول، إن للعملية الإرهابية على موسكو عدة تداعيات مؤكدة على ملفات محددة. لكن المشكلة تكمن في صعوبة الجزم أي من تلك التداعيات سيتم ترجيحه على الآخر في سياق ذات الملف في المستقبل القريب. إذ تحمل تداعيات كل ملف سيناريوهين أو أكثر يسيران بصورة متناقضة. وبطبيعة الحال تعد الحرب الأوكرانية من الملفات الأولى التي ستطالها تلك التداعيات. يتبين من إصرار موسكو على إقحام أوكرانيا بصورة أو بأخرى في العملية الأوكرانية، على أن الحرب الأوكرانية قد تشهد في الشهور القادمة مزيدا من العنف والحسم من جانب موسكو. لكن على الجانب الآخر من الزاوية، نجد أن روسيا قد انخرطت فعليا في جبهة قتال شرسة أخرى مع الإرهاب وافد من حدود ملتهبة خاصة أفغانستان، تستلزم حشد المزيد من التركيز والموارد، والأصعب على موسكو حتمية التعاون الاستخباراتي مع الأعداء الغربيين وخاصة واشنطن. ويجب الوضع في الاعتبار أن المعارضة الروسية وجانبا كبيرا من الصحف العالمية، تحمّل القيادة الروسية المسؤولية الكاملة عن العملية الإرهابية بسبب الإفراط في التركيز على أوكرانيا على حساب المواجهة الحاسمة للإرهاب الذي يهدد روسيا على جميع حدودها بحسبان ذلك الأولوية وليس أوكرانيا. وبالقطع من العسير جدا ترجيح أي من السيناريوهين، لكن نظن أن العملية الإرهابية قد يكون لها مردود إيجابي على الحرب الأوكرانية وذلك من حيث تخفيف حدة العنف، وبدء عملية تسوية للحرب بدعم غربي - صيني. أحد التداعيات الأخرى ذات الأهمية الكبيرة وذات صلة أيضا بالحرب الأوكرانية، يتمثل في تداعيات العملية على شعبية الرئيس بوتين. بنى بوتين منذ توليه الرئاسة عام 2000 جزءا كبيرا من شعبيته باعتباره حامي روسيا من خطر الإرهاب، حيث بدأ ولايته الأولى بحرب عنيفة ضد المتمردين في الشيشان. ورغم من يرى أن العملية بغض النظر عن تواطؤ موسكو فيها، ستصب في صالح زيادة شعبية بوتين. يرى آخرون، أن مردود العملية شديد السلبية على شعبية بوتين حيث أفقدته جزءا كبيرا من شرعيته، حيث أصحبت تتهم الأجهزة الأمنية بالضعف والإهمال والعمل لحماية النظام وليس الشعب.
1671
| 01 أبريل 2024
مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...
1260
| 23 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...
1026
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...
885
| 18 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...
834
| 16 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...
657
| 20 فبراير 2026
أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...
630
| 16 فبراير 2026
كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...
516
| 22 فبراير 2026
انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...
498
| 19 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تحولاً رقمياً متسارعاً يهدف إلى...
483
| 16 فبراير 2026
شهر رمضان ليس مجرد موعدٍ يتكرر في التقويم،...
477
| 17 فبراير 2026
تُعد دولة قطر شريكاً محورياً في الجهود الدولية...
456
| 20 فبراير 2026
تمثل القيم الثقافية منظومة من المعتقدات والأعراف والممارسات...
435
| 16 فبراير 2026
مساحة إعلانية