رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سوريا: عاشت الأقلية.. تسقط الأكثرية

لم يعد خافيًا على أحد أن أكبر المتضررين من الأحداث التي ألمت بسوريا منذ خمس سنوات هي الأكثرية السنية المسلمة التي تعاني من ظلم النظام منذ عقود لأساب طائفية ومذهبية لا ينكرها سوى مكابر. وعندما اندلعت الثورة السورية، فقد كان أبناء الأكثرية المسلمة هم قادتها على اعتبار أنهم أكبر المتضررين من النظام. بعبارة أخرى، فإن الثورة كانت انتفاضة ضد الأقلية المتحكمة بالسلطة منذ عقود لتصحيح وضع الأكثرية، كما يجادل قادة الثورة المحسوبون على الأكثرية السنية المسلمة. إذًا، فإن الثورة -أو سمها ما شئت- كانت ثورة الأكثرية ضد الأقلية. ومن ينكر هذا الكلام أو يتهمنا بأننا نمارس التحريض، عليه فقط أن يقرأ أدبيات وخطاب الثوار السنة الذين يعتبرون من يسمونه بالنصيرية عدوهم الأول في سوريا، ولا بد من تحجيمهم أو القصاص منهم. هذا هو الخطاب الذي نسمعه ونقرأه في وسائل الإعلام الناطقة باسم الثورة والكثير من الفصائل الإسلامية التي تواجه النظام. وبدورها فإن وسائل الإعلام الناطقة باسم النظام ومؤيديه، فهي تعتبر المعارضين لها ثلة من التكفيريين والإرهابيين، أي أنها تمارس نفس الخطاب الطائفي ضد المعارضين. الأول يصف النظام بالنصيري، والنظام يصف المعارضين بالتكفيريين كناية عن كونهم إسلاميين متطرفين. بعبارة أخرى، فإن النفس الطائفي الصادر من الطرفين واضح للعيان، وليس من اكتشافنا أو محاولة من طرفنا لصب الزيت على النار أو إيقاظ الفتنة النائمة كما قد يتهمنا البعض. تعالوا الآن ننظر إلى نتيجة الصراع بين الأكثرية المظلومة، والأقلية الحاكمة كما تصفها الأكثرية. فلو نظرنا إلى حجم الدمار العمراني الذي نتج عن الصراع نجد أنه في معظمه وقع في مناطق الأكثرية الثائرة، فكل المدن والمناطق التي ثارت على النظام، تحولت إلى ركام، وتشرد أهلها بالملايين داخليًا كنازحين، وخارجيًا كلاجئين. ويكفي أن نشير هنا إلى أن أكثر من مليون مسلم سني تشرد من مدينة حمص فقط، بينما ظلت أحياء الأقليات عامرة. انظروا إلى محافظة حلب وما حل بها، وإلى ريف دمشق، ودرعا، ودير الزور، وريف حماة، كل تلك المناطق لم يبق فيها حجر على حجر إلا ما ندر، بينما تحول سكانها إلى ضحايا في الداخل والخارج.يجادل المدافعون عن النظام بأن المناطق التي تعرضت للدمار والتهجير هي فقط المناطق التي دخلها الإرهابيون، بينما المناطق التي لم يدخلها المسلحون ظلت عامرة بأهلها. لا بأس، فلو قبلنا بهذا الرأي على علاته، فهذا لا ينفي أن الدمار حصل، وأن الأكثرية السنية المسلمة هي أكبر ضحايا الثورة. صحيح أن طائفة النظام فقدت عشرات الألوف من شبابها بسبب الحرب، بحيث وصفتها الصحف الغربية بطائفة بلا رجال، لكن الساحل السوري، لم يتضرر فيه بيت واحد من الدمار، وليس هناك نازح أو لاجئ واحد علوي لا في الداخل ولا في الخارج، بينما وصل عدد النازحين واللاجئين من الأكثرية السنية إلى أكثر من اثني عشر مليونًا.واللافت في الأمر أن القوى الدولية والإقليمية لا يهمها هذا الأمر كثيرًا، حتى لو تدمرت كل مدن الأكثرية، وتشرد أهلها جميعًا، ولم يبق في سوريا إلا أبناء الأقليات، بدليل أن القوى التي تدعم الفصائل التي تقاتل ضد النظام ممنوع عليها منعًا باتًا مهاجمة منطقة الساحل -معقل النظام- أو تهديد أهلها، وكلما وصل الثوار إلى تخوم الساحل، وقع حادث كبير لحماية مناطق الأقليات ومنع الثوار من الاقتراب منها، إن كان في الساحل أو في الجنوب. لقد منعت القوى الدولية أي اعتداء أو هجوم على مناطق الأقليات في الساحل والجنوب. ولا بأس أبدًا، لكن السؤال: لماذا سمحت بتدمير مناطق الأكثرية فقط؟ لماذا انحصرت المعارك هناك، بينما منع العالم أي معارك في مناطق الأقليات؟ وهذا طبعًا ليس تحريضًا، لكنه سؤال بحاجة لإجابة، خاصة أن كل الدم السوري واحد، وليس من المعقول قتل سوري وحماية آخر على أساس طائفي.والسؤال الأهم الذي يجب أن يوجه للفصائل التي تدعي أنها تمثل الأكثرية السنية المظلومة: لماذا تقبلون بالقتال على أرض أهلكم ومدنكم، فتدمرونها وتشردون أهلها من خلال معارككم مع النظام، بينما تقبلون بالأوامر التي تأتيكم من الخارج وتمنعكم من الهجوم على الساحل وغيره من مناطق الأقليات؟ ما شاء على هذا الدعم الخارجي الفظيع للثورة السورية، وكأن الداعمين يقولون للثوار: سندعمكم حتى تدمروا كل مناطقكم بشرط ألا تقتربوا من مناطق النظام. لعبة مفضوحة، لكن المحزن أن ممثلي الأكثرية من الثوار لا يزالون يلعبونها رغم ما جلبت لأهلهم ومناطقهم من دمار وخراب وتهجير. من المعلوم أن النظام يقاتل خارج أرضه، ولا يخسر إلا مقاتلين في أسوأ الأحوال، بينما الثوار يواجهون النظام في مناطقهم حصرًا، مما يؤدي ليس فقط إلى استنزافهم بشريًا وعسكريًا، بل يؤدي أيضًا إلى حرق مناطقهم وتحويل الملايين من أهلهم إلى مشردين داخل البلاد وخارجها. لكن لماذا تستمرون في هذه اللعبة الخطيرة إذا كان ممنوعًا عليكم اللعب في ملعب الخصم، أو مجرد الاقتراب منه؟

944

| 04 سبتمبر 2016

الثورات تُعيد المستعمرين إلى بلادنا لحماية أدواتهم

عندما نراجع شريط ذكريات الثورة السورية على مدى أكثر من خمس سنوات، تصبح الصورة أكثر وضوحًا. ويصبح المشهد عاريًا بلا رتوش. لقد سمعنا كثيرًا في الماضي أن الاستعمار خرج من الباب، لكنه عاد من النافذة. ومازلنا نسمع أن الكثير من الأنظمة العربية الحاكمة ليست سوى واجهات إما للمستعمر القديم، أو للقوى الكبرى. وقد كان المفكر التونسي هشام جعيط قد وصف الكثير من الحكومات العربية بأنها ليست حكومات وطنية تمثل شعوبها أو تعمل من أجل بلادها، بل هي مجرد وكلاء لقوى خارجية في بلادها، فكما أن الشركات لها مندوبون ووكلاء عامون في كل بلدان العالم كشركات السيارات والساعات والكحول والألبسة، فإن القوى الكبرى لها وكلاء في بلادنا يسمونهم حكامًا. لقد ظللنا نسمع عن هذه الأمور، وكنا نعتقد أنها مجرد فذلكات مثقفين ويساريين، لكن الثورة السورية أثبتت ذلك بشكل صارخ. لقد كان النظام السوري تحديدًا ينعت كل الدول العربية التي تعارضه بأنها مجرد توابع لأمريكا وأنها لا تمتلك قرارها، بل هي مجرد وكالات غربية. وقد ظننا لكثرة ما سمعنا الإعلام السوري وهو يقوم بتخوين العرب الآخرين واعتبارهم مجرد عملاء للغرب، ظننا أن النظام صاحب قراره، وأن القرار الوطني المستقل الوحيد الموجود في العالم العربي هو في سوريا فقط. لكن كما هو معروف فإن حبل الكذب قصير جدًا مهما طال. لقد جاءت الثورة السورية لتكشف بما لا يدع مجالًا للشك أن النظام السوري مثله مثل بقية الأنظمة مجرد وكيل، وهو لا يختلف أبدًا عن الوكلاء التجاريين الذين ذكرهم هشام جعيط. بدأت تبعية النظام لروسيا تظهر في السنوات الأولى من الثورة عبر الموقف الروسي في مجلس الأمن، فكلما كان هناك محاولة لإدانة النظام أو اتخاذ إجراءات معينة ضده عقابًا له على ما يفعله بسوريا والسوريين، كانت روسيا ومعها الصين تلجأ فورًا إلى استخدام حق النقض الفيتو ضد أي قرار دولي يستهدف النظام. طبعًا كانت روسيا دائمًا تبرر استخدامها للفيتو لحماية النظام بأنها ضد التدخل الدولي في شؤون الدول، وأنها بذلك تحمي القانون الدولي بالدرجة الأولى، لكن مع مرور الأيام بدأنا نكتشف أن روسيا تحترم القانون الدولي كما تحترمه أمريكا تمامًا، فعندما يكون في مصلحتها ترفع من شأنه، وتعتمده وثيقة قانونية، وعندما يقف عائقًا في طريق تحقيق مشاريعها تدوسه بأرجلها غير مأسوف عليه كما فعلت عندما غزت سوريا عسكريًا. ما الفرق بين الغزو الأمريكي للعراق والغزو الروسي لسوريا؟ لم يكن استخدام الفيتو الروسي في مجلس الأمن الدولي حماية للقانون الدولي أبدًا، بل كان دفاعًا مفضوحًا عن محميتها السورية وعميلها في دمشق. كما تحمي أمريكا توابعها، فإن روسيا تحمي تابعها. لقد كان الفيتو الروسي المرحلة الأولى لحماية النظام، لكن عندما بدأت الأمور تفلت من يديها، وبدأ النظام يفقد قدرته على مواجهة الثوار، لم تعد تكتفي روسيا بالفيتو، بل كان لا بد من التدخل المباشر. وقد بدأت تباشير التدخل المباشر عندما لعبت روسيا دور الوسيط بين النظام وأمريكا لتجريد سوريا من سلاحها الكيماوي الإستراتيجي. لقد كانت روسيا تعلم أنه لو بدأ الناتو بقصف النظام لربما خسرت روسيا مستعمرتها السورية إلى الأبد، فكان إذًا لا بد من التوسط للحيلولة دون انهيار تابعها في دمشق. وبعد ذلك حاولت روسيا تزويد النظام بكل أنواع السلاح والخبراء، لا بل إنها دعمت كل حلفائه كالإيرانيين وغيرهم عسكريًا وسياسيًا لحماية النظام، لكن ذلك لم يحم النظام، وعندما أصبح الثوار على تخوم الساحل السوري معقل النظام، سمعنا فجأة عن زيارة مفاجئة للرئيس السوري إلى موسكو. وقد بدأت مفاعيل تلك الزيارة تظهر بعد أسابيع عندما بدأت روسيا تغزو سوريا غزوًا عسكريًا حقيقيًا، من خلال إقامة القواعد العسكرية المفضوحة في حميميم واستباحة كل الأجواء والأراضي السورية من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها. إن ما يحصل في سوريا يذكرنا بفرق المصارعة تمامًا، فعندما ينهار مصارع يخرج من الحلبة، ويصعد محله مصارع جديد لمواجهة الخصم. لقد خرج النظام من الحلبة منذ زمن، وتحول جيشه إلى مجرد ميليشيا تقاتل إلى جانب الميليشيات الأجنبية التي استجلبها لحمايته، وعندما انهارت الميليشيات الإيرانية وتوابعها، جاء دور روسيا المدير الحقيقي للعبة السورية لعلها تفوز بالجولة الأخيرة وتحسم الأمر لصالحها، فتدخلت، في الحلبة كما يتدخل المصارع عندما يجد أن شريكه قد انهزم. وقد صدق المعارض السوري المحسوب على النظام لؤي حسين عندما قال لجمهور النظام: إياكم أن تظنوا أنكم انتصرتم، فأنتم مجرد توابع. وأضاف حسين حرفيًا: "من دون أدنى شك لم ينتصر النظام إطلاقا إلا ببقاء قياداته على كراسيهم. وهذا الأمر لا يحتاج لكبير جهد للتأكد منه. فالقوات العسكرية الضاربة في أغلب المناطق هي قوات غير سورية، هي "حلفاء الجيش السوري" كما يسميهم الإعلام الموالي. النظام باع نفسه وقراره وأرضه وسماءه لأي غريب مستعد أن يحفظ لقياداته كراسيهم حتى لو تحولت هذه الكراسي إلى كراسي كرتونية لا يحق لها إصدار أي قرار عسكري أو سيادي، ويبقى لها قرارات أسعار البندورة والفجل".

2481

| 28 أغسطس 2016

المؤيدون والمعارضون في سوريا مجرد أدوات

من الواضح أن السوريين، مؤيدين ومعارضين، جن جنونهم، ولم يعودوا يلتزمون حتى بأبسط البديهيات الإنسانية والاجتماعية والثقافية. أين هم من المثل الشعبي الشهير الذي لطالما رددوه على مدى قرون: "أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب". لماذا يتحالفون الآن، مؤيدين ومعارضين، مع الغريب على القريب؟ هل نحن السوريين فعلًا شركاء في الوطن؟ هل نحن إخوة حقاً؟ أين ذهبت دروس الوطنية والقومية والاشتراكية التي حقننا بها الإعلام السوري على مدى نصف قرن تقريبًا؟ لماذا لم تنجح الدعاية البعثية في رأب الصدع بين السوريين وجعلهم جسدًا واحدًا، أو بنيانًا مرصوصًا؟ لماذا ظل السوريون قبائل ومللًا ونحلًا وطوائف متناحرة منذ وصول النظام إلى السلطة قبل أكثر من أربعة عقود؟ باختصار، لماذا انقضوا على بعضهم البعض كالوحوش الضارية عندما ارتخت القبضة الأمنية قليلًا؟ لماذا راحوا بعد اندلاع الثورة يستعينون على بعضهم البعض بكل حثالات الأرض؟ لماذا آثر النظام التحالف مع الروسي والإيراني والأفغاني والباكستاني والكوري على التحالف مع ابن جلدته السوري؟ ولماذا آثر الكثير من السوريين المعارضين التحالف مع الأجنبي ضد النظام وحلفه؟ لماذا اتخذ الصراع السوري - السوري طابعًا طائفيًا ومذهبيًا ودينيًا فاقعًا؟ يقول المثل الشعبي: "الثلم الأعوج من الثور الكبير". ويقول الشاعر: "إذا كان رب البيت للدف ضاربًا، فشيمة أهل البيت كلهم الرقص". بعبارة أخرى، قبل أن نلوم السوريين العاديين، مؤيدين كانوا أو معارضين على الانقضاض على بعضهم البعض واستعانة السوري على شقيقه السوري بهذه البساطة، لا بد أن نتساءل: هل كان النظام السوري على مدى نصف قرن تقريبًا نظامًا وطنيًا حقًا؟ لماذا فشل في بناء مواطن سوري حقيقي يؤمن بسوريا كوطن، بدل أن يؤمن فقط بعشيرته وقبيلته وطائفته ومذهبه ومكونات ما قبل الدولة؟ هل سعى النظام يومًا بشكل صادق وحقيقي لبناء دولة لكل مواطنيها؟ هل كان ينوي فعلًا بناء مواطن حقيقي؟ الجواب بكل بساطة: لا أبدًا، لأنه لو فعل ذلك فعلًا، لما استطاع أن يجثم فوق صدور الشعب السوري لعقود. لو كان السوريون فعلًا كالجسد الواحد إذا شكى فيه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، لما تمكن النظام من رقاب السوريين والتحكم بهم. إن أول من زرع بذور الشقاق والفرقة بين السوريين هو النظام نفسه مستخدمًا المبدأ الاستعماري الحقير "فرّق تسد". لقد عمل على تعميق الشروخ الطائفية والمذهبية والاجتماعية بين السوريين عمدًا كي يعيش على تناقضاتهم، وكي يستخدم السوريين ضد بعضهم البعض عندما يثور الشعب عليه. وقد نجح في ذلك نجاحًا باهرًا بعد اندلاع الثورة، فبدل أن يقف السوريون جميعًا في وجه النظام الذي سامهم سوء العذاب على مدى عقود، وحرمهم من أبسط حقوقهم، راح بعض السوريين، خاصة الأقليات تقف مع النظام ضد بقية السوريين؟ لماذا؟ لأن النظام نجح على مدى عشرات السنين في تحريض السوريين وتخويفهم من بعضهم البعض كي يستخدمهم ضد بعضهم البعض عندما يتعرض النظام للخطر. باختصار شديد فإن تفتيت السوريين ودق الأسافين فيما بينهم على أسس طائفية ومذهبية واجتماعية ومناطقية كان سياسة بعثية مدروسة وممنهجة. لاحظوا كيف كان النظام البعثي يرفع شعارات قومية وحدوية لتوحيد العرب أجمعين، بينما كان على أرض الواقع يدق الأسافين بين أبناء الطائفة الواحدة في سوريا. من المسؤول عما آلت إليه الأوضاع بين السوريين الآن إذًا؟ لا شك أنه الثور الكبير. لاحظوا كيف يتعامل السوريون مع بعضهم البعض الآن، وكأنهم لا يعرفون بعضهم بعضًا، ولم يعيشوا ذات يوم في بلد كان اسمه سوريا. لاحظوا كيف يستقوون على بعضهم البعض بكل شذاذ الآفاق من مشارق الأرض ومغاربها. لاحظوا كيف يتحالف النظام وجماعته مع الروسي والإيراني والأفغاني ضد السوري الآخر؟ لاحظوا كيف يتحالف السني السوري أيضًا مع الأجنبي ضد النظام وجماعته بعد أن استهدفه النظام كعدو وليس كشريك في الوطن. كتبت قبل أيام منشورًا بعنوان: "اضحك مع السوريين" يسخر من التناحر الفاضح بين السوريين، فعندما تخسر قوات النظام في معركة يقول المؤيدون: "لا تقلقوا: روسيا وإيران لن تسمحا بهزيمتنا". وعندما تخسر قوات المعارضة، يقول المعارضون: "لا تقلقوا، أمريكا وحلفاؤها لن يسمحوا بهزيمة قوات المعارضة. يا حيف: صار السوريون يستقوون بالآخرين على بعضهم البعض دون أن يعلموا أن الآخرين يستخدمون السوريين جميعًا وقودًا لمشاريعهم الخاصة التي لا ناقة للسوريين فيها ولا جمل.

708

| 21 أغسطس 2016

هل يتعامل النظام السوري مع قتلاه كشهداء أم كفطائس؟

لم يمر على سوريا رئيس يحتقر أتباعه والذين يضحون بدمائهم من أجل نظامه، كما يحتقر بشار الأسد من يسميهم إعلامه بالشهداء. حتى أبوه حافظ الأسد عامل الشهداء في سوريا معاملة جيدة، فأمن لذويهم المسكن المحترم، وأعطاهم رواتب، حتى أنه خصص لأولادهم منحاً جامعية، خاصة إذا كانوا من الساحل السوري. وقد أطلق حافظ الأسد ذات يوم عبارة يذكرها كل السوريين لوصف الشهداء. قال: "الشهداء أكرم من في الدنيا وأنبل بني البشر". أما ابنه بشار فراح يتفنن في احتقار شهدائه. ولو نظرنا إلى اللغة التمجيدية التي يستخدمها الإعلام الأسدي للضحك على ذقون أتباعه والطريقة التي يعامل فيها ذوي شهدائه على أرض الواقع لوجدنا الفرق شاسعاً جداً. طبعاً لا بأس أن يلعب الإعلام السوري بعواطف المغفلين الذين فقدوا فلذات أكبادهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، طالما هم لا يمانعون في تقديم أولادهم أضاحي في حرب الأسد اللعينة. لكن هل يسمح لنا أهالي “الشهداء” أن نسألهم السؤال التالي: ألا ترون تناقضاً كبيراً بين اللغة التي يستخدمها إعلام الأسد وهو يزف أولادكم القتلى عرساناً وأبطالاً ميامين، وبين الطريقة التي يعوضكم فيها النظام عن قتلاكم؟ إذا كنتم لا ترون التناقض مصيبة، وإذا كنتم تقبلون بالطريقة التي يعوضكم فيها الأسد عن “شهدائكم” فالمصيبة أكبر. هل تتذكرون يا أهالي “الشهداء” كيف بدأ النظام مسلسل التعويضات لذوي القتلى؟ قبل سنتين تقريباً شد وزير الزراعة الرحال إلى مدينة السويداء بناء على أوامر بشار، والتقى بأهالي القتلى. وظن الأهالي وقتها، وكل الظن إثم في هذه الحالة، أن سعادة الوزير قادم إليهم بتعويضات معتبرة عن فلذات أكبادهم الذين قضوا من أجل بشار وهم في ريعان الصبا.. كيف لا وأن إعلام النظام يبث أخبار الشهداء بطريقة درامية تخليدية مهيبة، فهو يغدق على القتلى أوصافاً عظيمة للغاية، فهذا عريس وذاك بطل الأبطال وذاك مغوار. وبالتالي لابد أن يتناسب وصف الشهيد مع قيمة التعويض. لكن هيهات، فالكلام بالنسبة لإعلام النظام ببلاش. أما التعويض المادي فهو يعكس بشكل دقيق نظرة النظام إلى الذين يقاتلون من أجله. وإلا كيف يقدم وزير الزراعة السوري نيابة عن بشار الأسد عنزة لعائلة كل “شهيد” كما فعل في السويداء؟ هل يعقل أن الشاب الوسيم “الشهيد” الذي لم يبلغ من العمر عشرين عاماً بعد يساوي رأس معزى في أقانيم الأسد؟ كيف تقبل العائلة التي فقدت أعز أحبائها بعنزة تعويضاً عن شهيدها؟ ألا يعتبر ذلك احتقاراً لذوي الشهداء، خاصة وأن العنزة لا تحظى بسمعة عطرة في الثقافة الشعبية السورية؟ ألا نشبّه الأشياء القبيحة عادة بالعنزة في سوريا؟ فلماذا يقدمها بشار الأسد إذاً تعويضاً عن أرواح “شهدائه الأبرار؟” ولو وظل النظام يقدم رأس معزى على علاته تعويضاً عن كل قتيل لربما قبل به أهالي الضحايا على مضض، فبالرغم من أن فيه الكثير من الاحتقار لهم، إلا أن العنزة يمكن أن تنتج الحليب للعائلة التي فقدت معيلها، ولا تملك من بعده ثمن ربطة خبز، لكن النظام راح يمعن في احتقاره لأهالي قتلاه، فقد لاحظنا في الآونة الأخيرة أنه بدأ يستكثر عليهم حتى العنزة. وقد شاهدنا كبار الضباط والمسؤولين السوريين قبل أشهر وهم يزورون ذوي القتلى في الساحل السوري، ويقدمون لهم ساعات حائط من النوع الرديء لا يزيد ثمنها عن دولار أمريكي واحد. يا بلاش. هل يعقل أن يقبل أهالي الشهداء بهذا التعويض الحقير عن أرواح شبابهم التي قدموها رخيصاً لبشار الأسد وعصابته؟ ألم يكن حرياً بهم أن يطردوا الضباط من بيوتهم، بدل قبول تعويضاتهم وهداياهم الرخيصة التي تعبر عن استرخاص النظام لفلذات أكبادهم؟ لم يبق سوري قرأ عن تعويضات النظام لشهدائه إلا وبصق على النظام وعلى الذين قبلوا هداياه. لا بل إن صفحات التواصل الاجتماعي امتلأت بالتعليقات الساخرة. فقد كتب أحدهم قائلاً إن بشار الأسد قرر أن يزيد قيمة التعويضات المقدمة لأهالي القتلى، فبالإضافة إلى ساعة الحائط أصدر مرسوماً جمهورياً لتزويد كل عائلة بساعة ومسمار صغير كي تعلق الساعة عليه. لا شك أن أبواق النظام ستقول لك إن البلاد تعيش أزمة اقتصادية كبيرة، وأن قيمة الشهداء لدى السيد الرئيس أكبر بكثير من رأس معزى وساعة حائط لو كان الوضع الاقتصادي أفضل. يا سلام. طيب لماذا لم يسحب السيد الرئيس فقط مليون دولار من حسابه في بنوك بنما ليصرفها على أهالي “الشهداء الأبرار”، خاصة وأن الوثائق الدولية الأخيرة أظهرت أن بشار لديه حسابات بمئات المليارات من الدولارات؟ ولو سحب مليوناً فقط فهذا لن يؤثر على رصيده الملياري. لكنه لا يعير شهداءه المزعومين أي قيمة. وبالتالي، فهو يعتبر أن العنزة التي قدمها في السويداء والساعة التي قدمها في الساحل لأهالي القتلى تعبر تعبيراً صادقاً عن تقديره الحقيقي للقتلى وذويهم؟ من دمر وطناً وشرد شعباً لن يأبه بمشاعر أهالي قتلاه بالتأكيد. ولو عرفتم معاناة الجرحى والمعوقين الذين سقطوا في حرب الأسد ولا يجدون ليرة سورية واحدة أو حبة أسبرين لمداوة جراحهم لترحمتم ربما على وضع أهالي القتلى في السويداء الذين حصلوا على عنزة. عشرات الألوف من الجنود الذين فقدوا بعض أعضائهم في حرب الأسد تحولوا إلى شحاذين حتى في اللاذقية وطرطوس، وقد شاهد الأهالي والد هذا الشهيد أو ذاك وهو يبحث عن شيء يسد رمقه في حاويات الزبالة. إياكم أن تظنوا أن أهالي الساحل ينعمون بالخيرات. لا أبداً، فهم يبكون ضحاياهم ليل نهار بصمت دون أن يجدوا حتى لقمة الخبز أو حبة الدواء، بينما بشار الأسد ورامي مخلوف وشاليش يكنزون المليارات في بنما وأوروبا. أيها السوريون الذين يحتقر بشار الأسد شهداءكم وتضحياتكم لاحظوا الفرق بين رئيسكم وبين الرئيس التركي أردوغان، فبينما أمر أردوغان بتعويض ثمانين آلاف دولار لكل شهيد سقط في محاولة الانقلاب الفاشلة مع راتب شهري قدره خمسة آلاف دولار، تمادى بشار الأسد في احتقاره لشهدائه مؤخراً، فبعد أن كان يعوضهم بساعة حائط، بدأ الآن يعوضهم بعلبة بسكويت. هل هو فعلاً شهيد في عُرف الأسد، أم فطيس رخيص؟

7667

| 14 أغسطس 2016

الروس والإيرانيون في سوريا: للإعمار أم للاستعمار؟

ليس هناك شك بأن السوريين، مؤيدين ومعارضين، باتوا مجرد توابع لمشاريع خارجية ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل. والمضحك في الأمر أن الطرفين يعتقدان أن من يدعمهما من الخارج سيحقق لهما الانتصار على الطرف الآخر، وسيسلمهما مقاليد الحكم في البلاد كي يستخدماها ضد شركائهما في الوطن سحقًا وقتلًا وتهميشًا وإقصاءً وتهجيرًا وحتى اجتثاثًا. وينطبق الكلام نفسه على بعض قوى المعارضة المغفلة التي تعتقد أن الذين يساعدونها من الخارج يريدون أن يبنوا لها نظام العدل والرخاء في سوريا. ومن يستمع إلى مؤيدي النظام السوري وهم يستقوون بذراع بوتين وحسن نصر الله وخامنئي ضد بقية السوريين يلاحظ ذلك بجلاء لا تخطئه عين. ويقول الكاتب السوري صلاح قيرطة ساخرًا من السوريين الذين يستقوون بروسيا وإيران: "في أحد أفلام (إسماعيل ياسين) وفي فحص المقابلة، سأله الضابط هل تتحدث لغات غير العربية، فأجابه بخفة دم، "إن ابن خالتي يتحدث الفرنسية". يذكرني هذا بالسوريين وهم يتحدثون عن بطولات الروسي وما يفعله بالسوري، لا بل هم يتمنون ضربا أعنف من المقاتلات الروسية لكل من حلب وإدلب...ويبقى سؤالي هل هم مقتنعون أن الروسي يقاتل من أجلهم كسوريين، أم أن مصلحته هي من يحركه ولو اقتضى الأمر ضربهم هم في لحظة من لحظات المعارك التي تحتاج إلى تسويات في وقت من الأوقات؟. ليعلم الجميع أن "الحرب لا دين لها ولا أخلاق كما السياسة". بعبارة أخرى، ما أسخف أولئك الذين يعتقدون أن الإيرانيين والروس قادمون لنجدة النظام السوري ومؤيديه وتمكينهم من رقبة سوريا والسوريين. لا يمكن طبعًا أن نلوم جمهور المؤيدين المغفلين الذين يصفقون لخامنئي ونصر الله، لأن النظام نفسه وأبواقه الإعلامية الرخيصة تقوم بتصوير الغزاة من روس وإيرانيين على أنهم سيخلصون سوريا من كارثتها وسيعيدون أمجادها القديمة. ما أحقر هذه النوع من الأنظمة التافهة التي تذكرنا بحكومة فيشي في فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية، فمن المعروف أن الغزاة الألمان بقيادة هتلر وقتها استطاعوا أن يستميلوا عددًا من العملاء الصغار، وقاموا بتعيينهم على رأس حكومة فرنسية تابعة من رأسها حتى أخمص قدميها للغزاة الألمان الذين اجتاحوا فرنسا واستباحوها. وموقف حكومة فيشي في فرنسا يذكرنا بموقف النظام السوري الآن بطريقة ملفتة، فكما أن رئيس حكومة فيشي العميلة للألمان برر التحالف مع الغزاة الألمان وإلحاق فرنسا بالرايخ الألماني بحجة حماية المصالح الوطنية الفرنسية، نرى النظام السوري الآن يكرر مواقف حكومة فيشي وتصريحاتها بنفس الطريقة وأسوأ، فكما أن حكومة فيشي كانت تعلم علم اليقين أن هتلر لم يغز فرنسا من أجل مصلحة الفرنسيين، بل من أجل توسيع رقعة الاحتلال الألماني لأوروبا، فإن نظام الأسد يعلم جيدًا أن الإيرانيين والروس الذين يجتاحون سوريا لم يأتوا من أجل إنقاذ رقبته ولا رقبة نظامه، بل من أجل الاستيلاء على سوريا وثرواتها. وأبسط أبجديات السياسة التي يعرفها النظام قبل غيره أن الدول ليست جمعيات خيرية، ومن يساعدك باليسار يأخذ منك أضعافًا مضاعفة باليمين. فلا يمكن لمغفل أن يصدق أن الإيرانيين ينفقون المليارات، ويضحون بحياة المئات من ضباطهم وجنرالاتهم من أجل إنقاذ رقبة بشار الأسد. ولا يمكن لأحد أن يصدق أن بوتين يضحي بأرواح الجنود الروس، ويستخدم ترسانته العسكرية الحديثة من أجل عيون آل الأسد وشركائهم. هناك أربعة أسباب تجعل لعاب روسيا يسيل من أجل الاستيلاء على سوريا، أولها الإطلالة العظيمة على المياه الدافئة في العالم التي لطالما حلم بها القياصرة الروس منذ مئات السنين. وحدث ولا حرج عن موقع سوريا الإستراتيجي الرهيب الذي يعتبر نقطة ارتكاز دولية. والأهم من ذلك المخزون الهائل من النفط والغاز في الأراضي والمياه السورية. ولا ننسى أن النظام السوري رهن ثروات سوريا الغازية والبترولية للروس لربع قرن من الزمان مقابل توفير الحماية الروسية لنظامه. لقد كانت الثورة السورية فرصة عظيمة لروسيا كي تنقض على سوريا بحجة محاربة الإرهاب، بينما الهدف الأساسي هدف استعماري استغلالي مفضوح. وقد نزلت ورطة النظام على روسيا بردًا وسلامًا، فهو مستعد أن يبيع سوريا وثرواتها كي يبقى في السلطة، وروسيا مستعدة أن تحميه لتحقيق أحلامها التاريخية في المنطقة ونهب ثرواتها حتى ولو على حطام سوريا وأشلاء شعبها. لهذا أيها السوريون المراهنون على الروس والإيرانيين للنهوض بسوريا وإعادة إعمارها، فإنكم تراهنون على الروس وهم. الإيرانيون ليسوا قادمين لنجدتكم ولا لإعادة إعمار بلدكم، بل فقط لنهب سوريا مقابل حماية نظام لا يهمه أصلًا من سوريا سوى كرسي الحكم، ولتذهب سوريا وشعبها في ستين ألف داهية. انظروا ماذا فعل على مدى خمس سنوات بسوريا والسوريين كي يحافظ على نظامه. ولا تنسوا أيها السوريون أن روسيا معروفة تاريخيًا أنها تقبض ولا تدفع. وكذلك إيران. وإذا أردتم التأكد مما نقول فقط انظروا إلى وضع العراق الذي تسيطر عليه إيران. هل أعادت إعماره بعد ثلاثة عشر عامًا من السيطرة عليه؟ بالعكس، فالعراق من سيئ إلى أسوأ رغم أن ميزانيته أكثر من 135 مليار دولار سنويًا. إيران نهبت العراق وثرواته. وستفعل الشيء نفسه في سوريا، ولا يمكن أن تلومها، فهي تعمل لمصالحها. والأهم من كل ذلك، أن العالم لا يستثمر في روسيا وإيران نفسيهما، فما بالك أن يستثمر لإعادة إعمار سوريا وهي تحت الاحتلال الروسي الإيراني. أخيرًا نقول للمراهنين على الدعم الروسي والإيراني لإعادة إعمار سوريا: يا طالب الدبس من ذنب النمس. falkasim@gmail.com

2010

| 07 أغسطس 2016

الانقلاب التركي الفاشل يدق المسمار الأخير في نعش العولمة

نخطئ كثيرًا أحيانًا عندما نحلل العلاقات الاجتماعية والدولية من منظور ماركسي مادي فقط، فقد درج الكثير منا على النظر إلى العلاقات بين الدول على أساس اقتصادي بحت، فأصبحنا لا نرى في العالم سوى المصالح الاقتصادية، وبتنا نعتبر أن العلاقات بين القوى الدولية تقوم بالدرجة الأولى على منافع مادية متناسين أن هناك عوامل أخرى في غاية الأهمية تحكم العلاقات الدولية وطبيعة التحالفات بين بلدان العالم. صحيح أن الغرب يبدو وكأنه لا يفهم إلا لغة المصالح المادية بحكم تبنيه واعتماده الكامل على المفهوم الرأسمالي المادي. وصحيح أيضًا أنه غالبًا ما يعمل على تغليب المصلحة المادية على المصالح الأخرى في تعاملاته مع بقية الدول والقوى، ويضرب عرض الحائط بالجوانب الأخلاقية والإنسانية، لكن هذا لا يعني أبدًا أن الغرب فقد، أو نسي، هويته الثقافية والعقائدية تمامًا. لا أبدًا، بل عندما يجد الجد نرى أن الغرب يتعصب فجأة لهويته الثقافية والدينية، حتى لو كان غالبية الغربيين أصبحوا ملحدين، ولا يؤم الكنائس في بلد مثل بريطانيا سوى ثلاثة بالمائة أو أقل من السكان.إن الاستفتاء البريطاني الأخير على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي أظهر بشكل واضح أن البريطانيين مثلًا باتوا يضيقون ذرعًا بالمهاجرين الأجانب، حتى لو كانوا من الأوروبيين المسيحيين، فما بالك لو كانوا من الديانات الأخرى. لقد بات البريطاني العادي يشعر بأن الأوروبي الشرقي القادم من بولندا ورومانيا وبلغاريا يهدد هويته الوطنية والثقافية، ولا بد من أن يتوقف تدفق المهاجرين الأوروبيين الشرقيين. صحيح أن هناك جانبًا اقتصاديًا للخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، على اعتبار أن الأوروبيين الشرقيين باتوا ينتزعون الوظائف من أيدي البريطانيين، وينافسونهم على الخدمات التربوية والصحية والاجتماعية، لكن هناك أيضًا جانبًا ثقافيًا فاقعًا يقف وراء الانسحاب البريطاني من المجموعة الأوروبية.وإذا كان الأوروبيون المسيحيون يميزون بعضهم على أساس عرقي، فلا بد من أن يكون لهم موقف من أصحاب الديانات والحضارات الأخرى. صحيح أن نظرية صراع الحضارات التي أطلقها المفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون قد اختفت من التداول الإعلامي في السنوات الماضية بعد وفاته، لكنها حية ترزق على أرض الواقع. وكان هنتنغتون قد تنبأ بحدوث صراعات دينية بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي وحتى الكونفوشي الصيني. صحيح أن الغرب احتضن ملايين المسلمين، وأن الإسلام أصبح الدين الثاني في بلد مثل فرنسا، بحيث يزيد عدد المسلمين الآن على ستة ملايين، إلا أن الفرنسيين باتوا يعبرون عن امتعاضهم من الوجود الإسلامي بشكل صارخ. ويرى البعض أن الأعمال الإرهابية في فرنسا أعمال مدبرة لتشويه سمعة المسلمين والتحريض ضدهم لمغادرة فرنسا. ولعل صراع الحضارات بين الغرب والإسلام يظهر بأنصع أشكاله في المثال التركي الأوروبي. ويرى كثير من الباحثين أن العداء الغربي المتصاعد لتركيا منذ سنوات هو شكل من أشكال الصراع الحضاري الذي بشر به هنتنغتون. ويعود ذلك إلى القفزات الحضارية الكبيرة التي أنجزتها تركيا منذ وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى السلطة. واضح أن الغربيين ليسوا سعداء بظهور نموذج إسلامي حضاري ينافسهم في تركيا، لهذا راحوا يشيطنون الرئيس التركي أردوغان، لا بل وصل بهم الأمر إلى دعم انقلاب عسكري ضد نظامه. وكان الأوروبيون من قبل قد رفضوا رفضًا قاطعًا انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي رغم إنجازاتها الاقتصادية العملاقة. لاحظوا أن الأوروبيين قبلوا بانضمام دولة أوروبية منهارة اقتصاديًا كاليونان إلى الاتحاد، بينما رفضوا انضمام تركيا الصاعدة اقتصاديًا بسرعة الصاروخ. والسبب كما واضح ثقافي وديني. ليس هناك مانع لدى الاتحاد الأوروبي من أن ينفق المليارات على اقتصاد اليونان المتداعي كي تبقى اليونان عضوًا في الاتحاد، بينما يرفضون انضمام بلد مسلم مثل تركيا يمكن أن يكون رافدًا عظيمًا للاقتصاد الأوروبي، خاصة أن تركيا في عهد أردوغان انتقلت من المرتبة 111 إلى المرتبة 16 في الاقتصاد العالمي، بحيث أصبحت من العشرين الأوائل، ومع ذلك لم تحظ بشرف القبول في الاتحاد الأوروبي، لأنها ليست مسيحية. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه في بداية المقال من أن التحالفات الدولية هي تحالفات عقائدية حتى لو كان الجانب الاقتصادي يحظى بأهمية كبرى في العلاقات الدولية. لقد كانت العولمة مجرد كذبة غربية كبرى للهيمنة على الدول الأخرى ونهب ثرواتها وتمييع هوياتها الثقافية، فالغرب يريد أن يغزو العالم أجمع بحجة العولمة، لكنه لا يسمح لأي ثقافة أخرى أن تخترق مجتمعاته، أو حتى أن تبرز على الساحة الدولية. ولنا في المثال التركي عبرة لمن يعتبر.

10783

| 31 يوليو 2016

كن كبشار تحمك أمريكا.. كن كأردوغان تنقلب عليك

هذا المقال كتبته قبل أسابيع فقط من الانقلاب الأمريكي على الرئيس التركي أردوغان، ولن أضيف عليه سوى أن كل الكلام الذي كنا نسمعه عن أن الغرب لن يسمح لقوة إسلامية بالظهور على الساحة حتى لو طبقت الديمقراطية الغربية بكل حذافيرها، تبين أنه ليس ضربًا من نظرية المؤامرة، بل هو الصواب بعينه، فكل من يراهن على العدالة والديمقراطية الأمريكية المزعومة إما مغفل أو ابن ستين ألف مغفل. لقد قالها الكثير من الإستراتيجيين الأمريكيين، وعلى رأسهم، جورج كنان في الخمسينيات عندما سخر من كل الذين يؤمنون بالعدالة الأمريكية، قال ما معناه إن كل من يعتقد أننا نحترم حقوق الإنسان، أو نشجع على العدالة والديمقراطية يجب أن يزور أقرب طبيب نفسي. هذا هو النهج الأمريكي منذ أن ظهرت أمريكا كقوة عظمى على المسرح العالمي. وبالتالي، لا تتفاجأوا أبدًا إذا كانت أمريكا تتحالف مع الشياطين من أجل مصالحها القذرة، وتدوس كل القيم والأخلاق والديمقراطيات عندما تتعارض مع مصالحها. لا تتفاجأوا أبدًا إذا رأيتم أمريكا تدعم أحقر وأقذر الطواغيت على وجه الأرض، بينما تعادي كل من يحاول أن ينهض بوطنه وشعبه. بعبارة أخرى، فإن الأمريكيين لا يتحالفون مع الأخيار، بل مع الأشرار، لأنهم يحققون المصالح الأمريكية أكثر بكثير من الأخيار الذين غالبًا ما يحققون مصالح شعوبهم وبلادهم، وكل من يحاول أن يحقق مصالح شعبه، فسيكون بالنتيجة عرضة للاستهداف الأمريكي.لقد درج الأمريكيون تاريخيًا على احتضان أبشع الطواغيت والجنرالات، خاصة في أمريكا اللاتينية حديقتهم الخلفية. وذات يوم سأل صحفي أمريكي الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون: «يا سيادة الرئيس أنتم ترفعون شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنكم في الوقت نفسه تدعمون ذاك الطاغية الحقير الذي يحكم شعبه بالحديد والنار، هل يعقل أنكم يا سيادة الرئيس تدعمون حاكمًا ابن زنا»، فرد نيكسون ببرود شديد قائلًا: "صحيح أننا ندعم هذا الطاغية النغل (ابن الزنا)، لكنه ابن الزنا بتاعنا»، لقد لخص نيكسون السياسة الخارجية الأمريكية ببلاغة عز نظيرها.ولو أردنا أن نحلل السياسة الأمريكية الآن تجاه بشار الأسد وأردوغان مثلًا، فما علينا إلا أن نسترجع كلمات نيكسون، فالأمريكيون يحتضنون، ويدعمون فقط من يحقق مصالحهم، وليس من يحقق مصالح بلاده، لاحظوا بربكم كيف أن أمريكا تركت طاغية كبشار الأسد يقتل أكثر من مليون من شعبه، ويشرد حوالي خمسة عشر مليونًا، ويحول بلدًا عظيمًا إلى ركام على مدى خمس سنوات، دون أن يرمش لها جفن، وكل ما فعلته على مدى الأعوام الماضية إطلاق تصريحات سخيفة لم تعد تقنع أطفال المدارس مثل تصريح أن بشار الأسد فقد شرعيته، ليس لدى أمريكا للضحك على ذقون السوريين والعرب سوى ذلك التصريح البائس، وقد أعلن ضابط كبير من وكالة الاستخبارات الأمريكية قبل فترة أن الوكالة قدمت للرئيس باراك أوباما أكثر من خمسين خطة للإطاحة بالنظام السوري، لكن الرئيس أوباما رفضها جميعها. ويقول أحد الساخرين إن الرئيس الروسي بوتين المفترض أنه حليف بشار الأسد الأقوى استخدم حق النقض الفيتو مرتين فقط في مجلس الأمن لحماية بشار الأسد من السقوط، بينما الرئيس الأمريكي المفترض أنه ليس حليفًا لبشار الأسد رفض أكثر من خمسين خطة لإسقاط بشار. وبالتالي، يمكن القول ببساطة إن الصمت الأمريكي على ما يفعله الرئيس السوري في سوريا والمنطقة منذ خمس سنوات هو بمثابة شهادة حسن سلوك أمريكية لبشار الأسد، على اعتبار أن الصمت علامة الرضا، فلو لم تكن أمريكا سعيدة بما يفعله الأسد، ولو لم يحقق لها ما تريد، لما تركته يعيث خرابًا ودمارًا وتشريدًا منذ خمس سنوات. وبينما نرى أمريكا ترفض المساس بأبشع طاغية في العصر الحديث، سمعنا كبار المسؤولين الأمريكيين وهم يؤيدون علنًا أي انقلاب يطيح بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي حقق لبلاده المعجزات على الصعيد الاقتصادي والديمقراطي والنهضوي. وقد قال السيناتور الأمريكي ميشيل روبين قبل أسابيع فقط إن جهات سياسية أمريكية مستعدة بالاعتراف بأي انقلاب يستطيع الإطاحة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رغم أن أردوغان وصل إلى السلطة بانتخابات شعبية ديمقراطية مائة بالمائة، بينما بشار الأسد وصل إلى السلطة زورًا وبهتانًا، وغيروا له الدستور بدقائق كي يناسب عمره الصبياني آنذاك، واستمر في السلطة عبر استفتاءات مفبركة النتائج في أقبية المخابرات. لم أر منافقين أكثر من الأمريكان أبدًا، فعندما زار الرئيس التركي أمريكا قبل أسابيع، راحوا يهاجمونه هناك بشدة بحجة اعتقال صحفي تركي، بالنسبة للإدارة الأمريكية: أردوغان ديكتاتور، لأن حكومته حققت مع صحفي، أما بشار الأسد الذي قتل أكثر من مليون سوري، واعتقل أكثر من نصف مليون، ودمر ثلاثة أرباع سوريا، وقام بتشريد نصف السوريين، فأمره، بالنسبة لجوقة الكذب والنفاق في واشنطن، متروك للشعب السوري كي يقرره ديمقراطيًا. يا للهول! يعني أردوغان الذي انتقل بتركيا إلى العالم المتقدم ديمقراطيًا واقتصاديًا ديكتاتور صغير كما وصفه أوباما، ويجب تقليم أظافره. أما بشار الأسد الذي انتقل بسوريا إلى العصر الحجري فأمره متروك للسوريين حسب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية.لقد اتضح جليًا أن محاولات الإعلام الغربي شيطنة أردوغان كانت قصفًا تمهيديًا إعلاميًا للانقلاب عليه عسكريًا، وهذا ما حدث بالفعل قبل أيام.كن وطنيًا ينقلب عليك الأمريكان، وكن عميلًا مخربًا يرضى عنك الأمريكان.

9189

| 24 يوليو 2016

العرب بين الدعشنة والفحشنة

لا أدري لماذا يحاول الإعلام الغربي دائماً تصوير العرب على أنهم نسخة طبق الأصل عن أعضاء تنظيم القاعدة سابقاً وتنظيم داعش حالياً، مع العلم أن السواد الأعظم من العرب لا يتدعش، بل "يتفحشن"، بدليل أن العرب ينفقون مليارات الدولارات منذ سنوات وسنوات لتحويل الشباب العربي كله إلى راقصين وراقصات وماجنين وماجنات. لاحظوا أن العرب يقومون بمهمة التغريب نيابة عن الغرب وبفلوسهم الخاصة. ولو كنت مكان الغربيين لما أنفقت دولاراً واحداً على وسائل إعلام موجهة للعالم العربي للترويج للثقافة والأفكار والسياسات الغربية وتوجيه العرب بالاتجاه المطلوب غربياً. لماذا؟ لأن الكثير من وسائل الإعلام العربية تقوم بذلك نيابة عن الخارج، وبنجاح كبير، هذا فيما فشلت الوسائل الغربية في اختراق الشارع العربي. لقد بات العديد من وسائل إعلامنا الفنية والسياسية والثقافية تتهافت على إطلاق القنوات الفضائية وإنفاق الملايين عليها لنشر القيم والنماذج الأجنبية بلسان عربي، ووجوه وأقلام عربية "بالأرطال" على حد وصف نزار قباني. وأصبحت السماوات العربية تعج بالقنوات المخصصة للأفلام والبرامج الغربية تحديداً. ولا داعي للحديث عن القنوات العربية الفنية التي تقدم الفن العربي بروح وإيقاعات الغريبة لا تخطئها أذن ولا عين. إنه الجزء الثقافي المطلوب الآن لإعادة تشكيل المجتمعات العربية على الطريقة الغربية، خاصة أن المجتمعات هي في النهاية نتاج سياسات إعلامية وثقافية واجتماعية مدروسة بدقة، فنحن في آخر النهار، على ما يبدو، لسنا أكثر من فئران تجارب، مطلوب منا أن نغير نمط حياتنا وثقافتنا وحتى معتقداتنا بين عقد وآخر كي تتماشى مع المتحكمين بنا خارجياً.قبل أقل من نصف قرن من الزمان، وهي فترة قصيرة جداً في عمر الشعوب، سنـّت أمريكا ومعها بعض القوى الغربية المتحكمة بمنطقتنا جغرافياً وديمغرافيا وثقافياً وإعلامياً ما يشبه الفرمانات والمراسيم الملزمة غير المعلنة لبعض دولنا كي تتبع نظاماً إسلامياً متزمتاً ومناهج تعليمية متحجرة، لأنها وجدت في مثل هذا النظام الوسيلة الأنجع للوقوف في وجه الخطر السوفييتي. بعبارة أخرى فإن المجتمعات العربية ذات التوجه الإسلامي كانت بمجملها ضرورات أملتها العوامل الخارجية أكثر منها المتطلبات الداخلية. وسيكشف لنا التاريخ أنه حتى بعض أنظمتنا الإسلامية كانت من صنع وتوجيه غربي. لقد دأبت بعض الأنظمة العربية منذ أكثر من خمسين عاماً مثلاً على بناء ما تزعم أنه مجتمعات إسلامية الطابع وجندت لها ميزانيات هائلة كي تكرسها وتقويها وتثبت أسسها من خلال وسائل إعلام ونظم تعليمية "متأسلمة". وقد كان الهدف من كل ذلك في واقع الأمر ليس إقامة مجتمعات إسلامية، بل من أجل صد التغول الشيوعي في المنطقة العربية الذي كان ينافس الهيمنة الأمريكية. وقد تطور هذا المجتمع الإسلامي المزعوم في ذروة الصراع السوفييتي الأمريكي في أفغانستان كي يزود من يسمون بالمجاهدين الأفغان بمزيد من المقاتلين العرب العقائديين من أجل طرد "الغازي السوفييتي". وقد تبين فيما بعد أن الاستخبارات الأمريكية ومعها بعض الأجهزة العربية كانت وراء هذه اللعبة القذرة التي راح ضحيتها الآلاف من المضحوك عليهم من السذج العرب. وقد كان الهدف الأول والرئيسي من تلك الحملة "الإيمانية" الملعوبة جيداً طرد المحتل السوفييتي من أفغانستان كي يحل محله الأمريكيون فيما بعد بطريقة منظمة وملعوبة كالشطرنج في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لم يعد الإسلام القديم مطلوباً بعد أن تخلصت أمريكا من عدوها التقليدي، الشيوعية، وبالتالي لابد من تفكيك المجتمعات التي عاشت على الأصولية لعقود كي تتغير مائة وثمانين درجة لمواكبة السياسة الأمريكية التي لم تعد تناسبها النظم الاجتماعية التي أمرت بقيامها ودعمتها في النصف الثاني من القرن العشرين. من هو المخول والقادر إذن على القيام بهذه المهمة التفكيكية للمجتمعات العربية المطلوب إعادة تركيبها؟ إنه الإعلام، وليس أي إعلام، بل الإعلام الترفيهي المعتمد على إثارة الغرائز، خاصة أن المهمة أمامه شاقة للغاية. فليس من السهل تحويل اتجاه المتزمتين دينياً باتجاه العولمة الأمريكية إلا بفضائيات مغرية ذات طابع ومحتوى غربيين مليئة بـالأفلام الفاقعة بعنفها وإبهارها لتميعه فنياً وغنائياً وتغريبه، إن لم نقل أمركته.ارحمنا إذاً أيها الإعلام العالمي المتحامل، وتوقف عن وصمنا بالدعشنة! صدقني أننا نكرس قسماً هائلاً من ميزانياتنا لتمييع شبابنا وشاباتنا ودفعهم باتجاه الفواحش .. وليس الدواعش.

1392

| 17 يوليو 2016

كيف سقط صدام في المصيدة الأمريكية ونجا أردوغان

لا أدري لماذا لا يزال البعض يسقط بمحض إرادته في الأفخاخ والأشراك الأمريكية، مع العلم أن التاريخ القديم والحديث يقدم لنا الكثير من الأمثلة التي يمكن أن تفيدنا في تجنب الحبائل الأمريكية المفضوحة للإيقاع بالدول ودفعها إلى الهاوية. ومع أن الماضي القريب حافل بالمؤامرات الأمريكية، إلا أن الأمريكيين لا يزالون يكررون مكائدهم على الملأ، والبعض يسقط فيها بسهولة. من منا لا يتذكر المصيدة الكبرى التي نصبها العم سام للنظام العراقي السابق بقيادة الرئيس الراحل صدام حسين؟ لقد كان الأمريكيون يعرفون ويخططون منذ عشرات السنين أنهم لا يستطيعون التحكم بمنطقة الخليج العربي والسيطرة عليها تمامًا من دون لعبة كبرى. صحيح أنهم كانوا موجودين في المنطقة بقوة منذ زمن طويل، لكنهم كانوا يطمحون إلى ما يشبه السيطرة التامة وإخضاع المنطقة بأكملها، ليس بتكريس وجودهم فيها فقط، بل ليستخدموها أيضًا كمركز دولي للتصدي لكل خصومهم في العالم، وخاصة الصينيين والروس، وكل من يطمع بالوصول إلى أهم منطقة إستراتيجية في العالم. كيف يمكن أن يحقق الأمريكيون ذلك؟ كان لا بد من مؤامرة كبرى في المنطقة، فوجدوا أن أفضل من يحقق لهم أهدافهم هو النظام العراقي، وكلنا يتذكر كيف اجتمعت السفيرة الأمريكية الشهيرة أبريل جلاسبي في بغداد مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وكيف قالت له: "إن أمريكا لا تمانع أبدًا في أن تقوم القوات العراقية بغزو الكويت، لأن الأمر لا يعنيها". ومن سذاجة القيادة العراقية وقتها أنها صدقت الكلام الأمريكي، وقررت غزو الكويت لتكتشف لاحقًا أنه فخ إستراتيجي تاريخي بامتياز، فما أن دخلت القوات العراقية إلى الكويت حتى راحت أمريكا تستجمع القوى الدولية والعربية والإقليمية لإخراج القوات العراقية من الكويت. وقد حشدت وقتها أكثر من ثلاثين دولة لتحرير الكويت. وهذا ما حصل فعلًا، لأن النظام العراقي وقتها سقط في الفخ الأمريكي مرتين، الأولى عندما صدق كلام السفيرة، والثانية عندما ركب رأسه ورفض الخروج من الكويت، وبذلك أعطى الأمريكيين المبررات لكي يسحقوه، ويدمروا جيشه، ومن ثم يحاصروه لثلاثة عشر عامًا، وبعدها قرروا غزو العراق والإطاحة بالنظام، ووضع المنطقة كلها تحت تصرفهم.ولا ننسى أن أمريكا من قبل ورطت العراق وإيران في حرب دامية دامت لثماني سنوات، كانت تدعم فيها الطرفين بالسلاح والمعلومات الاستخباراتية كي تستنزف الجهتين. وبالأمس القريب، لعبت أمريكا اللعبة نفسها مع حليف آخر في المنطقة، ألا وهي تركيا، فأعطت الضوء الأخضر للأتراك كي يقوموا بإسقاط طائرة روسية على الحدود مع سوريا. وقد ظن الأتراك أن حلف الناتو وأمريكا سيهبان لنجدة تركيا فيما لو تعرضت لهجوم روسي، أو دخلت في صراع سياسي مع الروس. وعندما بدأت روسيا تضيّق الخناق على تركيا عسكريًا وسياسيًا، طلب الرئيس التركي بتفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو والتي تنص على أن يقف الحلف صفًا واحدًا للدفاع عن أي عضو من أعضائه عندما يتعرض لخطر خارجي. لكن الرئيس الأمريكي رفض تفعيل المادة، لا بل قام بسحب بطاريات صواريخ باتريوت من على الحدود التركية عندما تدخلت روسيا في سوريا، وبدأت تواجه الأتراك. عندئذ شعرت القيادة التركية بأنها تعرضت لخديعة كارثية، فمن الواضح أن الأمريكيين كانوا يخططون لتوريط تركيا في صراع مع الروس لاستنزاف الطرفين، كما فعلوا من قبل مع العراق وإيران. لكن الفرق بين القيادتين العراقية بقيادة صدام حسين والتركية بقيادة أردوغان أن الأخير فهم اللعبة مبكرًا، وبدل أن يركب رأسه ويتصرف بعقلية البغال العنيدة الطائشة، التفّ على اللعبة الأمريكية مبكرًا، وأفشلها في مرحلتها الأولى، فقام الرئيس التركي بإعادة العلاقات مع القيادة الروسية دون علم الأمريكيين. وهذا ما كشفته المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية التي أكدت بعد الاتصال بين أردوغان وبوتين أن أمريكا لم تكن على علم مسبق أبدًا بهذا الاتصال، وأنها أصيبت بالذهول من هذا التقارب المفاجئ بين الأتراك والروس، وكأنها تريد أن تقول إنها مصدومة من أن لعبتها لم تنجح.لقد لعب الأمريكيون لعبة الإيقاع بالدول وتوريطها في صراعات قاتلة منذ الحرب العالمية الثانية، حتى إن الأمريكيين تآمروا على حليفهم السوفييتي ستالين ضد النازية، وتركوه يستنزف قواته مع هتلر عدو الأمريكيين والروس في لحظة من اللحظات. والغريب أن الأمريكيين لا يخبؤون ألاعيبهم، فقد صرح المفكر الأمريكي الشهير دانيال بايبس أحد أهم العاملين في مراكز التفكير الأمريكية الشهيرة، بأنه يوصي الحكومات الغربية بأن تدعم نظام الأسد رغم أنه من المفترض خصمها اللدود. وسبب هذا الاقتراح، حسب بايبس، أن "القوى الشريرة لا تشكل خطرًا كبيرًا علينا عندما تتقاتل فيما بينها. وثانيًا: فإن الاقتتال بين الأسد والجماعات الأخرى سيمنع الحسم العسكري وانتصار فريق على آخر. ولو انتصر أحد الفريقين، فإنه سيشكل خطرًا أكبر علينا. لهذا على القوى الغربية أن تقود الأطراف المتقاتلة في سوريا إلى حالة من الجمود، بحيث تقوم بدعم الطرف الخاسر كي يستمر في القتال، وذلك من أجل إطالة أمد الصراع واستنزاف كل الأطراف لصالح لأمريكا والغرب".وشهد شاهد من أهله

35056

| 10 يوليو 2016

لماذا أمريكا مذهولة من عودة العلاقات بين تركيا وروسيا؟

ما إن سمعت الإدارة الأمريكية خبر الرسالة التي أرسلها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، حتى خرجت علينا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية لتقول إن أمريكا مذهولة من هذا التقارب التركي الروسي المفاجئ. ولا شك أن هذا التصريح تغلب عليه الصبغة الإعلامية والدبلوماسية الكاذبة، فالأصح أن تقول المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية إن أمريكا منزعجة جدًا من عودة العلاقات بين موسكو وأنقرة. إن التصريح الأمريكي المندهش ربما يعكس خيبة أمل أمريكا لأنها ربما كانت تراهن على صراع مرير بين الروس والأتراك لاستنزاف الطرفين. لكن إنهاء القطيعة بهذه السرعة وبهذه الطريقة قد أفشل اللعبة الأمريكية. هل كانت أمريكا تريد توريط تركيا عندما أعطتها الضوء الأخضر لإسقاط الطائرة الروسية؟ لا يمكن لتركيا بأي حال من الأحوال أن تـُقدم على إسقاط طائرة روسية على الحدود مع سوريا لو لم تحصل على مباركة من أمريكا أولًا، ومن حلف الناتو الذي هي عضو فيه ثانيًا. ولا شك أن تركيا كانت تعتقد بصفتها محمية من الحلف أنها قادرة على مواجهة روسيا جويًا، لأنها تتمتع في نهاية النهار بحماية أطلسية. لكن الأيام أثبتت أن تركيا ربما تعرضت لخديعة أمريكية مفضوحة، فحصلت على موافقة أمريكية لمواجهة الروس فوق الأجواء السورية التركية، لكن الأمريكيين على ما يبدو كانوا يريدون الإيقاع بتركيا وتوريطها في صراع خطير مع روسيا، ثم يتركونها وشأنها. ولو نظرنا إلى ردود فعل أمريكا ومعها حلف الناتو في أعقاب إسقاط الطائرة والحملة الروسية اللاحقة على تركيا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، لوجدنا أن الأمريكيين وبقية أعضاء حلف الناتو كانوا يلعبون لعبة قذرة مع الأتراك، وإلا لما تجرأت روسيا على تركيا بهذه القوة والفظاظة. ولعل أكبر دليل على أن الأمريكيين كانوا يضمرون الشر لتركيا عندما ورطوها مع روسيا في حادثة الطائرة، أن أمريكا، كما أسلفنا، فوجئت، لا بل ذهلت من التقارب الروسي التركي. وقد أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أنها ليست على أدنى علم باعتذار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لنظيره الروسي فلاديمير بوتين على حادث إسقاط أنقرة الطائرة الحربية الروسية قبل سبعة أشهر.وقالت إليزابيث تيرودو الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الأمريكية: "لم نر سوى بيان المتحدث الرسمي باسم الكرملين". وقالت المتحدثة للصحفيين: "إذا ما تبيّن لدينا أي مستجدات بهذا الشأن سوف أطلعكم عليها"، مشيرة إلى أنها ليست على أدنى علم بما إذا كانت أنقرة قد شاورت الحكومة الأمريكية قبل قيامها بهذه الخطوة، أي الاعتذار لروسيا. ولو كانت واشنطن منخرطة بشكل أو بآخر بخطوة تركيا الودية تجاه روسيا، كما يقول موقع روسيا اليوم، لأظهرت اعتذار أردوغان لروسيا، على أنه "نصر إضافي تحرزه الدبلوماسية الأمريكية".واضح تمامًا من التصريحات الأمريكية المتفاجئة والمذهولة من التقارب الروسي التركي أن الأتراك تصرفوا هذه المرة بعيدًا عن أي مشاورات مع حليفتهم المزعومة أمريكا. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأتراك ربما باتوا لا يثقون أبدًا في المواقف والوعود الأمريكية، فلم تكتف واشنطن بالمماطلة في طلبات تركيا لإقامة منطقة آمنة على حدودها مع سوريا، بل وصل الأمر بالأمريكيين إلى توريط تركيا مع الروس ومن ثم تركتها تواجه الجبروت الروسي وحدها. ولا ننسى كيف أن أمريكا وأعضاء آخرين من حلف الناتو كانوا قد سحبوا بطاريات صواريخ باتريوت من الحدود التركية بعد التدخل الروسي في سوريا، وكأنهم يعطون روسيا الضوء الأخضر لتفعل ما تشاء على حدود تركيا. لو وقف حلف الناتو وقفة صارمة إلى جانب تركيا بعد صراعها مع روسيا، لما كان الروس قد تجرأوا على تركيا بهذه الغطرسة، ولما استهدف الطيران الروسي جبل التركمان ومدينة حلب تحديدًا بوصفها مجالًا حيويًا تركيًا. لاحظوا أن الحملة الروسية على حلب تأجلت بعد الاتصال بين أردوغان وبوتين. ولا ندري إذا سيكون رد الفعل التركي على الموقف الأمريكي المخزي مزيدًا من التقارب مع الروس نكاية بمن خذلوها. وكأن تركيا تقول للأمريكيين والأوربيين: فهمنا لعبتكم جيدًا.واضح تمامًا أن الأتراك تعلموا درسًا قاسيًا من الخذلان الأمريكي والناتوي الأخير. لهذا جاء الاتصال بين الأتراك والروس بعيدًا عن أي علم أمريكي، وربما وجدت القيادة التركية أن الاعتذار لروسيا حفاظًا على المصالح التركية أفضل وأقل ضررًا من المراهنة على حليف غدار.

11303

| 03 يوليو 2016

هل نحن مقبلون على حرب الثلاثين عامًا الإسلامية؟

"التاريخ يعيد نفسه، في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة". مقولة شهيرة لكارل ماركس. ولو كان ماركس يعيش بيننا الآن لقال إن مقولته تلك تنطبق حرفيًا على الصراعات التي يشهدها العالم العربي خصوصًا والإسلامي عمومًا بين طوائفه ومذاهبه المتناحرة، خاصة بين الشيعة والسنة. من المحزن أن المتصارعين مذهبيًا وطائفيًا في عالمنا التعيس لم يستفيدوا قيد أنملة من تجارب التاريخ وصراعاته المشابهة. وإلا لما دخلوا أصلًا في صراعاتهم الحالية التي تعتبر نسخة هزلية عن حرب الثلاثين عامًا في أوروبا بين البروتستانت والكاثوليك. صحيح أن المسلمين سبقوا البروتستانت والكاثوليك بقرون في صراعاتهم السياسية المتدثرة بثوب ديني ومذهبي منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن المسيحيين عادوا بدورهم وطبقوا مقولة كارل ماركس أعلاه دون أن يستفيدوا بدورهم من تجارب المسلمين المريرة. وها هم المسلمون يكررون كوارثهم التاريخية الآن دون أن يستفيدوا بدورهم من صراعات المسيحيين في القرن السابع عشر التي اندلعت عام 1618 ودامت حتى 1648.بعض الجاهلين بحقائق التاريخ، كما يجادل الباحث والكاتب سعد محيو، يعتقدون أن ما تمر به منطقتنا من صراعات وحروب مذهبية وطائفية فريدة من نوعها، بينما هي في الواقع مجرد نسخة كربونية عما فعله الأوروبيون ببعضهم البعض قبل أكثر من أربعة قرون. قد تظنون أن التوصيف التالي هو وصف لحالة العالم العربي الآن. لا أبدًا. إن ما ستقرأونه في السطور التالية هو وصف لما حدث لأوروبا في القرن السابع عشر إبان حرب الثلاثين عامًا. لنقرأ أولًا: "إنها منطقة يُمزِّقها الصراع المذهبي بين تقاليد واجتهادات متنافسة في الدين نفسه. لكن الصراع يجري أيضًا بين المعتدلين والمتطرفين، وتُغذيه القوى الإقليمية المجاورة (والقوى الدولية) التي تسعى إلى تعزيز مصالحها الخاصة وزيادة نفوذها. النزاعات تحدث بين دول المنطقة وفي كل دولة، بحيث أصبح من الصعب التمييز بين الحروب الأهلية وبين الحروب بالواسطة، وبين الصراعات الدولية والإقليمية. ولذا فهو أيضًا صراع ديني يختلط بشدة بالتنافسات الجيو - سياسية التي تُفقد الحكومات السيطرة على المجموعات الصغيرة - الميليشيات ومثيلاتها - العاملة داخل الدولة وعبر الحدود، وتغيّر كل الخرائط السياسية. إن الخسائر في الأرواح هائلة وتكاد تبيد نصف سكان المنطقة، وكذلك الأضرار مخيفة على الصعد البيئية والاقتصادية والاجتماعية. الفظائع الإنسانية مروّعة، والملايين باتوا بلا مأوى".هذا كان وصفًا ليس لمنطقتنا في القرن الحادي والعشرين، كما يقول محيو، بل لأوروبا في القرن السابع عشر، كما لو أن ماضي أوروبا بات حاضرنا الذي قد يعاني الآن من أعراض ثلاثين سنة مدمرة مماثلة قادمة. الحرب الأوروبية بدأت العام 1618 حين حاول فيرديناند الثاني ملك بوهيميا، الذي أَصبح لاحقًا إمبراطور الإمبرطورية الرومانية المقدسة اللاحق، فرض العقيدة الكاثوليكية المُطلقة على مناطق حكمه، فتمرد عليه النبلاء البروتستانت في كل من بوهيميا والنمسا. ويعتبر المؤرخون أن هذه الحرب كانت الأكثر دمارًا في التاريخ الأوروبي، حيث تم تدمير ونهب وإحراق مدن وقرى وبلدات بأسرها على يد المرتزقة الذين قاتلوا خدمة لقوى مختلفة، ودمروا عمليًا كل القارة الأوروبية. ما بين 30 إلى 40 بالمائة من سكان ألمانيا أُبيدوا، والتهجير والتنظيف الطائفي والعرقي طال ملايين البشر، والنسيج الاجتماعي تمزّق بعنف ووحشية، ومعظم البنى الاقتصادية والتحتية دُمِّرت.حرب الثلاثين عامًا انتهت بسلسلة من المعاهدات التي وقعت في عام 1648 وعرفت بسلام وستفاليا، الذي أقام نظامًا سياسيًا جديدًا في أوروبا في شكل دول ذات سيادة متعايشة مع بعضها البعض على أساس: السيادة، واحترام وحدة الأراضي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. هذا السلام لم يكرّس حرية الانتماء الديني ولا حرية المعتقد، بل منع كل دولة أو فئة من فرض دينها على الآخرين، وأسس لبروز سيادة الدولة - الأمة.لماذا لا يتعلم المسلمون المتناحرون الآن على أسس مذهبية من محنة الثلاثين عامًا في أوروبا القرن السابع، خاصة أنهم اطلعوا على نتائجها الكارثية؟ ألا يعلمون أن مشاريع الدويلات المذهبية والطائفية التي بدأت تشق طريقها رويدًا رويدا نحو التنفيذ ستكون كارثة على أصحابها وشعوبها؟ لن تكون تلك الدويلات قادرة، مهما فعلت، على تجنُّب الحروب الدائمة بين بعضها البعض، ولا على إقامة طبعتها الخاصة من الدولة - الأمة، ولا على توفير مقومات البقاء الاقتصادي والأمني والاستراتيجي، كما يجادل محيو في تحليله الدقيق. وحتى لو نجحت هذه الدويلات في البقاء، في ظل إعادة إنتاج صيغ الحماية الدولية على الأرجح، ستكون مضطرة في مرحلة ما إلى البحث عن صيغ اتحادية في المنطقة لتوفير ظروف الحياة لها، سواء في شكل نظام إقليمي مشرقي جديد، أو حتى في شكل تكتلات إقليمية.في مرحلة ما أيضًا، حين ستوغل الهويات ما قبل الوطنية في المشرق في تغوّلها وتوحشها وحروبها، وفي إسقاطها لكل مقومات السيادة والكرامة بفعل استتباعها لإرادة وأوامر السيِّد الدولي الجديد، ستبرز مرة أخرى، وبقوة، الحاجة الماسة إلى أنموذج فكري – استراتيجي جديد، يستند إلى التعاون والتضامن الإقليمي المشرقي، بوصفه المنقذ الوحيد من جهنم حروب الدمار الشامل، وبكونه الجامع المشترك الأول بين مكونات مجتمعات المشرق.ويضيف الكاتب، حين تتكشف أمام أفراد "الهويات القاتلة" ما قبل الوطنية والقومية أي أتون جهنمي دخلوا فيه، وحين يشعرون بالتعب من الحروب العبثية والقتل والدمار الشامل، وحين يبدأون بتلمّس الأثمان الباهظة للغاية للصفقة الفاوستية مع القوى الخارجية، وحين تتقطع بهم سبل الأمن والعيش، سيجدون أن المنقذ الوحيد من الضلال هو هذا الأنموذج الفكري - الاستراتيجي الجديد في المشرق، التعاوني والروحاني (في مقابل التكلّس الديني العصبوي) والمسالم.هذه اللحظة ستأتي أيضًا حين تصل السعودية وإيران وتركيا والأكراد إلى حالة الإنهاك، أو حين تصل ألسنة اللهب التقسيمية الطائفية والإثنية إلى عقر دارها (وهي ستصل حتما)، فتتوقف عن استخدام وإشعال الورقة المذهبية في المنطقة كعنصر أساسي في سياستها الخارجية، سواء الثورية أو المحافظة، وتبدأ البحث عن القواسم المشتركة لأمن مشترك، واقتصاد مشترك، ونظام إقليمي مشترك في الإقليم، ونزعة روحانية - ثقافية مشتركة.الفاهمون للتاريخ يدقون ناقوس الخطر لكل المتورطين بالصراع المذهبي والديني والطائفي والعرقي في المنطقة بأعلى أصواتهم؟ الحوار أو الانتحار. فهل يصغي المتناحرون ويتداركون ورطتهم التاريخية قبل فوات الأوان؟

16120

| 26 يونيو 2016

هل داعش نقمة أم نعمة على الطواغيت وكفيلهم الأمريكي؟

لو كنت مكان حكام دمشق وبغداد وراعيهم الإيراني وكل القوى الدولية والإقليمية والعربية المعادية لتطلعات وأحلام الشعوب الثائرة، لبنيت تماثيل من ذهب لداعش على أبواب المدن السورية والعراقية، ففي سوريا نسي العالم كل تضحيات الشعب السوري وثورته المجيدة، ولم يبق له هم إلا أخبار داعش في سوريا. ليس مهماً تشريد نصف الشعب السوري وتدمير ثلاثة أرباع بلده وقتل وجرح الملايين. المهم الآن أخبار داعش. لم يعد أحد يسأل عما فعله النظام الفاشي بسوريا. لقد أصبح بشار الأسد بعد كل ما فعل فاعل خير يكافح الإرهاب والإرهابيين المتمثلين بداعش وأخواتها بتواطؤ مفضوح مع أمريكا وروسيا وأوروبا. لم يعد يرى ى السوريون الذين حلموا في بداية الثورة بقليل من الحرية والكرامة، لم يعودوا يريدون لا حرية ولا كرامة ولا حتى خبزاً. كل ما يريدونه أن يعودوا إلى حظيرة الطاعة الأسدية التي تحميهم من داعش. لقد انطلت لعبة داعش على الكثيرين. وقد نجح المتلاعبون بهذا البعبع الاصطناعي في الداخل والخارج، نجحوا في حرف الثورات عن مسارها، لا بل أقنعوا الثوار الحقيقيين في سوريا وغيرها أن ينسوا أهداف الثورة الأصلية، وينخرطوا في معركة القضاء على داعش وشقيقاتها. وقد قال مسؤول أمريكي كبير قبل أيام فقط: "من الأفضل أن تكون مدينة الرقة السورية تحت سلطة النظام السوري على أن تكون في قبضة الدواعش". ولا شك أنكم ترون هذه الأيام كيف تتحالف روسيا وأمريكا وأوروبا وإسرائيل مع نظام الأسد وقوى "المماتعة والمقاولة" الأخرى لطرد داعش من منبج والرقة وريف حلب والموصل والفلوجة وبقية مناطق العراق. وكما في سوريا، استطاعت إيران وذيولها الطائفية الحاكمة في بغداد بالتواطؤ مع أمريكا أن تحشد بعض الشعب العراقي في معارك وهمية كي ينسى مطالبه الأساسية من عيش كريم وقليل من الحرية وسياسة وطنية، وينخرط في الحرب الكبرى على داعش. ولا ننسى ماذا قالت إيران لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي عندما شاهدت المسلمين السنة في العراق ينتفضون ضد الظلم والطغيان والتهميش والإقصاء. "وجدتها، وجدتها"، صاحت إيران وفوراً قالت للمالكي: " أطلق على المنتفضين كلابهم" والمقصود بكلاب المسلمين السنة في العراق طبعاً الدواعش. واستجاب المالكي للطلب الإيراني فوراً، فراح يقوم بتسليم المناطق السنية لداعش، أولاً كي يقضي على الانتفاضة السنية، وثانياً كي ينتقم من المدن السنية ويشرد أهلها لاحقاً بحجة تحريريها من داعش، كما يفعلون الآن في الفلوجة، وكما فعلوا من قبل في تكريت ومناطق أخرى. ولم تتوقف اللعبة الإيرانية والدولية عند حدود المناطق السنية في العراق، بل طالت شيعة العراق، وخاصة العرب الوطنيين منهم. فعندما بدأت مطالب الشيعة، وخاصة أتباع مقتدى الصدر تتصاعد ضد الظلم والفساد والتدخل الخارجي، وجدت إيران وذيولها في بغداد أن أفضل طريقة لإخماد الانتفاضة الشيعية أيضاً تتمثل بتوجيه الأنظار إلى المعركة المزعومة ضد داعش، كما لو أن داعش هي سبب أزمة العراق وليس الفساد والاحتلال الإيراني والحكم الطائفي الحقير والغزو الأمريكي .لاحظوا كيف صنعوا جيش الحشد الشعبي (ج ح ش) لتجييش الشارع الشيعي واللعب بعواطفه. ولاحظوا كيف جندوا حوالي أربعين ألف شيعي لمواجهة 500 داعشي في الفلوجة بغطاء جوي أمريكي. عندما تقارن عدد الجيش الذي حشدته إيران في الفلوجة والطيران الأمريكي مع عدد الدواعش داخل المدينة، لفهمت على الفور بأن الهدف ليس داعش، بل الانتقام من المناطق السنية وضرب الشيعة بالسنة وإلهائهم بصراعاتهم الطائفية بدل أن يتوحدوا في مواجهة الاحتلال الإيراني والأمريكي والحكم الطائفي في العراق، لا سيما وأن الشيعة والسنة في العراق يعانون نفس الأزمات التي يتسبب بها الغزو الأمريكي والحكم الطائفي والاحتلال الإيراني من فساد وفقر وفوضى وبلطجة ونهب وسلب.قد لا يكون تنظيم داعش صنيعة إيرانية أو عراقية أو سورية ولا أمريكية، لكنه بالتأكيد كان نعمة على حكام دمشق وبغداد وأمريكا وكل أعداء الثورات ومطالب الشعوب، فأحسنوا استغلاله واستخدامه أفضل استخدام لحرف الثورتين السورية والعراقية عن مسارهما وتخويف الداخل والخارج وإلهاء الشعبين بحروب وهمية كي يستمر لصوص بغداد ودمشق وكفيلهم الإيراني والأمريكي بنهب البلاد والعبث بالعباد، وكي يستمر أذيال أمريكا في عموم المنطقة جاثمين على صدور شعوبهم. وكلنا يذكر كيف خرج مئات الدواعش من سجن أبو غريب العراقي بلمح البصر، مع العلم أن الهواء لا يستطيع الخروج من السجن الرهيب. وقد اعترف وزير العدل العراقي السابق الشمري وقتها بأن خروج المتطرفين من السجن جاء بأوامر عليا. وحتى معركة الموصل التي ظننا أن الجيش العراقي خسرها أمام الدواعش كانت عبارة عن لعبة كبيرة تم بموجبها تسليم الموصل للدواعش. وهناك مئات الوثائق التي تثبت ذلك. وعندما حاول البعض محاكمة المالكي بسبب معركة الموصل تدخلت إيران ومنعت المحاكمة، لأن تسليم الموصل للدواعش كان بطلب إيراني أصلاً، وقد قام المالكي بتنفيذ الأمر فقط. ولا ننسى كيف عبرت قوافل داعش الصحراء على الملأ أمام أعين الطيران الأمريكي واحتلت مدينة تدمر السورية بكل أريحية لتخرج منها لاحقاً في عملية مسرحية مضحكة.طبعاً من حق النظام الطائفي وكفلائه الإيرانيين والغرب أن يلجؤوا إلى كل الحيل والخدع لإلهاء العراقيين والسوريين عن مطالبهم الحقيقية بالبعبع الداعشي. لكن صدقوني أن القضاء على داعش في سوريا والعراق لن يحل مشاكل البلدين ولن يريح أمريكا في المنطقة. إن دحر 500 داعشي في الفلوجة لن ينهي محنة العراق، بل يخدر فقط بعض الطائفيين والمغفلين لفترة. مشكلة العراق وسوريا ليس في داعش ولا الإرهاب، بل في النظام الطائفي القذر الذي ثار عليه الشعبان في المقام الأول. وليتذكر العراقيون والسوريون أنهم عندما ثاروا في البداية لم يثوروا ضد داعش، بل ثاروا ضد الظلم والطغيان اللذين يمارسهما النظامان الطائفيان المدعومان إيرانياً ودولياً. بعبارة أخرى، فإن داعش طارئة على المشهد. ولو اختفت داعش، لخلقوا بعابع جديدة لإلهاء الشعوب الباحثة عن قليل من الكرامة وأوكسجين الحرية.

1218

| 19 يونيو 2016

الخطاب الأميري... مسؤوليتنا جميعًا
الخطاب الأميري... مسؤوليتنا جميعًا

حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده...

2541

| 16 أكتوبر 2026

محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟
محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟

في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...

2325

| 15 أكتوبر 2026

خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة
خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة

قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...

1095

| 14 أكتوبر 2026

كبار القدر بين التكريم والتصنيف
كبار القدر بين التكريم والتصنيف

شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...

1047

| 15 أكتوبر 2026

جريمة على مطار الرياض
جريمة على مطار الرياض

كيف يتحمل القلب مشهد صالة المسافرين رقم (٤)...

858

| 18 أكتوبر 2026

كانو وستة أجيال: قواعد بقاء الشركة العائلية
كانو وستة أجيال: قواعد بقاء الشركة العائلية

حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في...

807

| 18 أكتوبر 2026

عتابٌ من الجهة الأخرى!
عتابٌ من الجهة الأخرى!

أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين...

681

| 12 أكتوبر 2026

قبل أن يولد الطفل الثالث
قبل أن يولد الطفل الثالث

■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...

600

| 13 أكتوبر 2026

الناس أمام الابتلاءات
الناس أمام الابتلاءات

لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد...

483

| 15 أكتوبر 2026

أعيدوا لنا طلاق أول
أعيدوا لنا طلاق أول

الموضوع باختصار إن لي صديقة كانت قد انفصلت...

468

| 15 أكتوبر 2026

أخرجوا سايكس بيكو من النفوس أولًا
أخرجوا سايكس بيكو من النفوس أولًا

هناك في متحف الإنسان بالعاصمة الفرنسية باريس، تقبع...

432

| 18 أكتوبر 2026

رياضة ضرب الوجه!!
رياضة ضرب الوجه!!

قبل أيام تم الإعلان من قبل « visit...

420

| 12 أكتوبر 2026

أخبار محلية