رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يتردد الساسة والإعلاميون الإيرانيون أبداً في شيطنة حزب البعث العربي الاشتراكي منذ وصول الخميني إلى السلطة عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين، وقلما يظهر مسؤول إيراني على شاشات التلفزيون إلا ويشن هجمات ساحقة ماحقة ضد حزب البعث وشعاراته، لا بل يعتبره الإيرانيون حزباً فاشياً قومجياً عنصرياً لا بد من اجتثاثه من على وجه الأرض البارحة قبل اليوم. باختصار شديد، فإن الأفكار البعثية العروبية القومية بالنسبة للإيرانيين رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه واجتثوه حيثما شئتم. لهذا السبب وضع الخميني نصب عينيه منذ عودته من فرنسا إلى إيران القضاء على حزب البعث الحاكم في العراق بقيادة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، لأن الإيرانيين يعتبرون الفكر القومي العربي خطيراً جداً على إيران ومشاريعها وعقائدها السياسية والقومية والفكرية. لا بل إن إيران كانت وما زالت ترى في القومية العربية عدواً طبيعياً للقومية الفارسية، فالقوميون العرب طرحوا شعار توحيد العرب من المحيط إلى الخليج، مما يشكل هذا الشعار خطراً وجودياً على إيران ومخططاتها في المنطقة لو تحقق. ولا ننسى أيضاً أن أي مشروعين قوميين في المنطقة سيصطدمان طال الزمن أو قصر، فمن عادة العصبيات القومية تاريخياً أن تعادي وتكيد لبعضها البعض.لا أدري كيف يمكن أن يشرح لنا المسؤولون الإيرانيون الذين لا يملون من الهجوم على حزب البعث العراقي ووصمه بأقذع الأوصاف، لا أدري كيف يمكن أن يبرروا لنا تحالف إيران الاستراتيجي مع حزب البعث العربي الاشتراكي بفرعه السوري، مع العلم أن الأب الروحي للبعث السوري والعراقي هو ميشيل عفلق. وإذا كان هناك خلاف ذات يوم بين النظامين العراقي السابق والسوري الحالي، فلم يكن خلافاً عقائدياً، بل كان خلافاً سياسياً. بعبارة أخرى، فإن البعث بعث، أكان في العراق أو في سوريا أو أي مكان آخر من العالم العربي اعتنق الأفكار البعثية وآمن بها.ألا يفضح التحالف الإيراني مع النظام السوري حزب البعث السوري؟ فلو كان البعث السوري فعلاً بعثياً كما كان البعث العراقي، لما فكرت إيران أبداً في التحالف مع النظام السوري وعقد شراكة استراتيجية قوية تمتد منذ عقود وعقود، ولما استمر ذلك التحالف، وترسخ في منطقة تعوم على بؤر من الصراعات. وللعلم فإن أقوى حلف صمد في المنطقة هو الحلف الإيراني والسوري البعثي، بدليل أن إيران تدخلت بكل ما تملك من قوة لإنقاذ نظام الأسد عندما أوشك على السقوط بسبب الثورة الشعبية عليه منذ عام ألفين وأحد عشر. ولا يخفي الإيرانيون دورهم الكبير في حماية النظام السوري. وقد سمعنا مسؤولين إيرانيين يؤكدون على أنه لولا إيران لسقط الأسد منذ الشهور الأولى للثورة. وقد اعتبر أحد المسؤولين الإيرانيين سوريا ولاية إيرانية، لا بل إن الإعلام الإيراني كشف مؤخراً بأن الرئيس السوري جندي في خدمة المرشد الأعلى الإيراني خامنئي. فما سر هذا العشق والغرام بين البعث السوري والفكر الشيعي، وما سر ذلك العداء المستحكم بين إيران والبعث العراقي؟كما أسلفنا، فإن اختلاف الموقف الإيراني من البعثين السوري والعراقي يكشف أن إيران لم تخش يوماً من البعث السوري، لأنه ربما كان بعثاً زائفاً لا يشكل عليها وعلى مشاريعها في المنطقة أي خطر، أما البعث العراقي، حسب مؤيديه، فمن الواضح أنه كان يؤمن فعلاً بمنطلقات البعث الحقيقية التي تطمح فعلياً إلى توحيد العرب وبناء قوة عربية متحدة ووازنة تتصدى للقوى الطامعة بالمنطقة العربية وعلى رأسها إيران، لهذا عمل الخميني منذ مجيئه إلى السلطة على القضاء على البعث العراقي، وخاض من أجل ذلك حرباً ضروساً مع صدام حسين اضطر بعد ثماني سنوات إلى تجرع السم والقبول بوقف الحرب بعد أن تكبد خسائر فادحة على أيدي البعث العراقي. ومن اللافت على مدى الحرب الإيرانية العراقية أن البعث السوري المفترض أنه شقيق البعث العراقي وقف مع إيران ضد العراق البعثي، مما يؤكد أنه، كما يرى منتقدوه، لم يحمل من المنطلقات الحزبية البعثية إلا قشورها، بدليل أنه تحالف مع إيران، ناهيك عن أن إيران عاملته بطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة التي تعاملت بها مع البعث العراقي، فالأول حليف والثاني عدو مبين.البعض يرى أن السبب الرئيسي في تحالف إيران مع البعث السوري ومعاداة البعث العراقي أن الرئيس العراقي كان بعثياً سنياً يمثل السواد الأعظم من العرب السنة، بينما البعث السوري بقيادة آل الأسد كان بعثاً طائفياً رغم تشدقه بالقومية العربية، بدليل أنه كان دائماً يرفع شعارات وحدوية قومية، بينما يحكم سوريا ذاتها على أساس طائفي. ولعل أحد أهم أسباب الثورة السورية التخلص من الحكم الطائفي الذي اضطهد الأكثرية السنية لعقود وعقود، لهذا وجدت فيه إيران حليفاً طبيعياً ضد العرب والسنة. بعبارة أخرى، فإن التحالف الإيراني السوري قام أصلاً على عقيدة مشتركة وهي معاداة العرب والمسلمين السنة. صحيح أن المذهب العلوي لا يتطابق تماماً مع المذهب الاثني عشري الشيعي الإيراني، إلا أن هناك قواسم عقدية مشتركة بين النظامين السوري والإيراني، خاصة وأنهم يسمون العلويين بالعلويين نسبة للإمام على كرم الله وجهه، الذي يذكره الشيعة في صلاتهم كوّلي الله بدل محمد رسول الله.وإذا كان الإيرانيون ينكرون التحالف مع حزب البعث السوري على أساس طائفي أو مذهبي، فليقولوا لنا لماذا يعتبرون البعث العراقي حراماً، والبعث السوري حلالاً مع أن الحزبين ينهلان من منبع فكري وحزبي وعقائدي واحد.
5454
| 27 نوفمبر 2016
أصبح الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترمب منذ فوزه في الانتخابات الأمريكية قبل أيام، أصبح الشغل الشاغل للعرب إعلاميًا وسياسيًا وشعبيًا، ومن الواضح أن هناك ميلًا في الصحافة والشارع العربي للسخرية من الرئيس الجديد ووصفه بالمهرج والسخيف أحيانًا، وبالأهوج والأرعن والبلطجي والنسوانجي والساذج سياسيًا في أحيان أخرى. العرب في تعليقاتهم واستهزائهم من دونالد ترمب يذكروننا بلا شك بالمثل العربي الشعبي: "أقرف وبيتمقرف"، أي أنهم غارقون في القرف حتى آذانهم، مع ذلك يشمئزون من الروائح الكريهة. وهم يذكروننا أيضًا بالمتسكع الذي يمضي حياته يعتاش على المزابل، ثم يشتكي فجأة من رائحة الهواء. أليس حريًا بالعرب قبل أن يتهكموا على الرئيس الأمريكي ويصفوه بأقذع الأوصاف، أن ينظروا حولهم أولًا كي يروا بشاعة حكامهم على كل الأصعدة. إن العرب في هجائهم لترمب أشبه بالذي يرى القشة في عيون الآخرين، لكنه لا يرى الخشبة في عينه. إنهم بعبارة أخرى، كما يقول المثل الشعبي، كالجمل الذي "لو شاف حردبتو لوقع وانفكت رقبتو". هل يحق لكم أيها العرب فعلًا أن تقيّموا رؤساء الدول الأخرى وأنتم مبتلون بأسوأ أنواع الحكام عبر التاريخ؟هل حكامكم قمة في السياسة والفكر والثقافة والدماثة كي تتهكموا على رئيس الأمريكيين؟ وقبل أن نقارن ترمب بالحكام العرب، على الأقل فهو رئيس انتخبه الشعب الأمريكي بحماس لم يسبق له مثيل، ولم يأت على ظهر دبابة أو بانتخابات مفبركة نتائجها في أقبية المخابرات قبل إجرائها بشهور. يعني أن الأمريكيين أحرار فيمن يختارون. ولو سلمنا جدلًا أن الأمريكيين أساءوا لاختيار، كما يرى الكثير من العرب، فهل يحق لكم أيها العرب أن تنتقدوا الاختيار الأمريكي أو غيره بينما أنتم لم تستطيعوا اختيار رئيس بلدية منذ عشرات السنين، فما بالكم أن تختاروا حكامكم المفروضين عليكم بقوة الحديد والنار والاستفتاءات المخابراتية السخيفة.ما الذي لا يعجبكم في دونالد ترمب أيها العرب؟ ربما تقولون عنه إنه مهرج وبهلوان ومجنون. يا للهول. ألا ترون حكامكم المهرجين وكيف يتندر ملايين البشر بعباراتهم وتصريحاتهم الفوق كوميدية وهزلية في مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل يمر يوم إلا ويخرج أحد الحكام العرب على الإعلام بتصريح يجعلك تفضل مشاهدته على مشاهدة مسرحيات عادل إمام ومسلسل توم أند جيري؟ لم أر حتى الآن تصريحًا تهريجيًا كوميديًا هزليًا سخيفًا للرئيس الأمريكي الجديد كتصريحات بعض الرؤساء العرب الذين جعلونا نترحم على القذافي، فالمهرجون الجدد لا يصلون حتى إلى مرتبة القذافي الذي أثبتت الأيام أنه، رغم شطحاته تنبأ بالكثير من الأحداث المهولة التي نراها أمام أعيننا هذه الأيام. إن المهرجين من حكامنا يفوقون ترامب بسنوات ضوئية في التهريج والإسفاف، لا بل إن ترمب يحتاج إلى دورات تدريبية كثيرة كي يرتقي إلى مستواهم الهزلي السحيق.نرجو أيضًا من العرب الذين يهاجمون ترمب أن يعلموا أن الرجل صنع ثروته المهولة بعرق جبينه، ولم يسرقها من خزينة الدولة، كما يفعل الكثير من الحكام العرب. صحيح أن الرئيس الأمريكي الجديد ليس شابًا، إلا أنه يُعتبر في عمر السبعين "زغنطوط أوي" مقارنة ببعض الرؤساء العرب الخارجين من القبر بكفالة، أو الهاربين من ثلاجات الموتي، أو الذين لا يستطيع بعضهم أن يتحكم بوظائفه الفيزيولوجية، أو يتجول في كرسي متحرك، أو الذين يكبرون الفنانة صباح رحمة الله عليها بعشر سنوات. هل تذكرون ذلك الرئيس العربي المرحوم الذي كان الوزراء يدخلون إلى مكتبه في آخر أيامه وهم يضعون أيديهم على أنوفهم بسبب الرائحة الكريهة التي كانت تنبعث من مكتب سيادة الرئيس الذي لم يعد يسيطر على وظائفه الجسدية؟ بعض العرب يسخر من طريقة دونالد ترمب في الحديث والكلام. وااااااااااااو. ألم تشاهدوا يا رعاكم الله بعض زعمائكم وهم يخطبون على شاشات التلفزيون في القمم العربية وغيرها وهم يقترفون أبشع الجرائم التاريخية بحق اللغة العربية، حيث يجرون الفاعل، وينصبون المجرور، ويرفعون المنصوب بأريحية لم يشهد لها التاريخ مثيلًا؟ على الأقل فإن الرئيس الأمريكي الجديد لا يلحن في اللغة الإنجليزية التي يتقنها اتقانًا رائعًا، ويستطيع من خلالها أن يجتذب ملايين الأمريكيين للتصويت له في انتخابات حرة من رأسها حتى أخمص قدميها. هل سمعتم ترمب خلال حملته الانتخابية يقول: آي إز غو تو سكول"؟ بالطبع لا، بينما تجدون بعض الحكام العرب يتفنن في إيذاء اللغة العربية على شاشات التلفزيون، وليس لديه أي مانع أن يطيح بكل قواعد سيبويه، ويمسح بها الأرض دون أن يرمش له جفن خجلًا أو وجلًا.بعضكم يتهم الرئيس الأمريكي الجديد بأنه بلا خبرة سياسية. وهذا صحيح. لكن الرئيس في أمريكا ليس حاكمًا بأمره كي يدمر البلد بقرارات سياسية هوجاء إذا كان مبتدئاً في السياسة، بل هو لديه مراكز بحوث وكونجرس ومجتمع مدني وصحافة حرة لا تسمح له بالتهور واتخاذا القرارات الكبرى بنفسه، بينما الرئيس العربي يختصر الدولة كلها في شخصه، ويمكن أن يدمر البلاد، ويشرد العباد بقرار شخصي دون أن يعود إلى أحد.باختصار أيها العرب الذين تسخرون من دونالد ترمب: لا تكونوا كالطبيب الذي يداوي الناس وهو عليل.
1995
| 20 نوفمبر 2016
لا أحد يستطيع أبداً أن ينكر بأن الأنظمة العلمانية الحقيقية ما زالت حتى الآن أفضل نموذج للحكم في العالم رغم ما يأخذه عليها خصومها من مآخذ. وكما نعلم، ليس هناك نظام حكم عبر التاريخ كامل الأوصاف. حتى الديمقراطية نفسها وصفها الزعيم البريطاني الشهير وينستون تشيرتشل ذات يوم بأنها "أفضل الأسوأ". وكذلك الأنظمة العلمانية، لها ما عليها، لكنها تبقى الأفضل حتى الآن في إدارة الدول ذات العرقيات والطوائف والأديان والقوميات المختلفة، ولولاها لتحول بلد متعدد الأعراق والثقافات واللغات مثل الهند إلى محرقة عالمية، لكن النظام العلماني الذي حفظ حق كل مكونات المجتمع الهندي المختلفة نجح في الوصول بالهند إلى بر الأمان. ولو حكم الهندوس في الهند ربما لما بقي هناك مسلم واحد في الهند، ولربما حصل الشيء نفسه للهندوس لو حكم المسلمون أو السيخ أو أي طائفة أو عرقية أخرى. لنكن واقعيين، مهما امتلك العقل الديني من انفتاح وتحرر، يبقى منغلقاً ومتعصباً لأفكاره وتوجهاته وأدبياته وتعاليمه، وهذا من شأنه أن يؤثر على سياساته تجاه الطوائف والأقوام التي لا تتبع ملته. وبالتالي، لا بد من وجود نظام متحرر تماماً من كل العقد الدينية، ويفصل تماماً بين الدين والدولة لتحقيق المساواة والعدالة بين أطياف المجتمعات المتنوعة والمتصارعة. وكما يقول الإسلاميون إن الإسلام دين ودولة، يقول إسلاميون آخرون إن التاريخ الإسلامي لم يشهد وجود الدولة الإسلامية، لا بل يعتبرون أن الإسلام نفسه أكد على فصل الدين عن الدولة من خلال الحديث الشريف الشهير: "أنتم أعلم بشؤون دنياكم". ويستخدم البعض في العالم الإسلامي هذا الحديث للتأكيد على أن الفكر الإسلامي كان أول من دعا إلى تطبيق النظام العلماني. ورغم أن الإسلاميين لا يعتقدون أن هذا الحديث إثبات كاف ودليل دامغ على ضرورة الفصل بين الدين والدولة، إلا أن المجتمعات الحديثة أثبتت أن ذلك الحديث يجب أن يكون عماد الحكم. لكن أين العلمانيون العرب المزعومون من العلمانية الحقيقية؟ هل العلمانيون العرب علمانيون فعلاً بالمعنى الغربي للكلمة؟ أم إنهم بعيدون عن العلمانية الحقيقية بعد الشمس عن الأرض؟ لو نظرنا إلى تصرفات وأفكار من يسمون أنفسهم علمانيين، لوجدنا أنهم أسوأ من الدواعش، فالعلمانية الحقيقية لا تعادي الأديان مطلقاً، بل تسمح لكل أتباع الديانات السماوية وغير السماوية بأن يمارسوا طقوسهم وعباداتهم وثقافاتهم بكل حرية دون أدنى تدخل من الدولة العلمانية. ونحن نرى كيف يمارس المسلمون دينهم على أكمل وجه في البلدان الغربية تحت حماية النظام العلماني. لم نر فرنسا أو بريطانيا يوماً تدعو إلى حرمان المسلمين من حقوقهم الدينية. أما الحديث عن تضييق الخناق على بعض الأزياء الإسلامية في الغرب، فلم تكن لأسباب عقدية أبداً، بل لأسباب أمنية، فبعض المخربين كان يرتدي النقاب مثلاً كي يقوم بعمليات إرهابية. وهنا من حق الدولة أن تتدخل لحماية المجتمع من الذين يستغلون الأزياء الإسلامية لأغراض إرهابية. وحتى مسألة منع البوركيني في فرنسا لم تمر، فقد حكمت المحكمة العليا لصالح السيدة التي منعوها من السباحة بالزي الإسلامي. وهذا يؤكد على عظمة النظام العلماني وعدالته. هل كان لنظام ديني أياً كان نوعه أن يحكم بمثل هذه العدالة العلمانية؟ لا أعتقد. أين العلمانيون العرب من التسامح العلماني الغربي الحقيقي مع أتباع الديانات السماوية وغير السماوية؟ إن غالبية العلمانيين أو بالأحرى العلمانجيين العرب هم أقرب إلى الفاشية منهم إلى العلمانية. هم ألد أعداء المسلمين، فبينما تعمل العلمانية الحقيقية على احتواء كل الطوائف تحت منظومة الدولة، نجد العلمانجيين العرب لا هم لهم أبداً سوى التحريض على الإسلاميين، لا بل لو استطاعوا لاستأصلوا واجتثوا الإسلاميين بالقوة الوحشية عن بكرة أبيهم. وقد شاهدنا ماذا فعل الاستئصاليون العلمانجيون في الجزائر في تسعينات القرن الماضي ضد الإسلاميين، فهم لم يكتفوا بالانقلاب عليهم عسكرياً، بل راحوا يقتلونهم حيث ثقفوهم بطرق وحشية.أتساءل أحياناً وأنا أقرأ لبعض العرب الذين يسمون أنفسهم علمانيين: كيف تختلفون عن الدواعش وأنتم على طريقتكم التكفيرية تكفرّون الإسلاميين، وتعتبرونهم مارقين وشاذين، وتريدون أن تجتثوهم من على وجه الأرض؟ ألا ترون كيف تتصرف الأنظمة العلمانية الحقيقية مع الإسلاميين في الغرب؟ هل سمعتم يوماً دولة غربية تريد أن تمنع المسلمين من دخول المساجد، فما بالك أن تدعو إلى تغيير دينهم وإقصائهم من الوجود، كما تفعلون أنتم أيها الكلاب المسعورة يا من تسمون أنفسكم علمانيين؟ أين أنتم من المثل العلماني الغربي الرائع: "عش ودع الآخرين يعيشون"؟ لماذا تريدون أن تفرضوا أفكاركم "العلمانية" على الإسلاميين وغيرهم؟ كيف تختلفون عن الدواعش الذين يريدون أن يفرضوا أفكارهم على كل من لا يواليهم. بالأمس دخل داعش إلى مدينة منبج السورية، فراح يأمر كل رجالها بتربية اللحى، وما أن دخلت قوات سوريا الكردية التي تسمي نفسها ديمقراطية زوراً وبهتاناً إلى منبج وطردت داعش حتى راحت تطلب من كل الرجال أن يحلقوا لحاهم. ومن قال لكم إن كل من يربي لحية متدين أو داعشي. ألم يكن حبيبكم كارل ماركس صاحب لحية أكبر من لحية الدواعش، ولم يكن داعشياً؟ ما الفرق بين من يفرض عليك أن تربي اللحية، ومن يفرض عليك أن تحلقها؟ لا فرق أبداً. لماذا لا تتركون الحرية للناس على الطريقة العلمانية الحقيقية بدل تنصيب أنفسكم أيها العلمانيون قضاة على أفكار الناس ومأكلهم ومشربهم وملبسهم كالدواعش تماماً؟ العلمانيون العرب يقدسون الحريات الشخصية، ويزعمون أن من حق الناس أن يلبسوا أي شيء باستثناء اللباس الإسلامي المحتشم. ممنوع . العلمانيون العرب يسمحون لك بأن تمشي عارياً في الشوارع، لكنهم يعتبرونك شاذاَ إذا ارتديت لباساً إسلامياً محتشماً، فهذا بالنسبة لهم من الكبائر. العلماني العربي يريدك أن تلبس على هواه، وتأكل وتشرب على هواه، وتتصرف في كل شيء على هواه، ثم يحدثك عن الحرية والديمقراطية.والله أنكم دواعش بلا ذقون بربطة عنق.
1475
| 13 نوفمبر 2016
هل كانت الثورات شعبية فعلًا، أم أن ضباع العالم استغلوا مظالم الشعوب ودفعوها للثورة، لكن ليس لإسقاط الطغاة وتحقيق أحلام الشعوب في الحرية والكرامة، بل لتحقيق مشاريع القوى الكبرى في بلادنا من تدمير وتخريب وتهجير وإعادة رسم الخرائط، كما فعل المستعمر الغربي بنا قبل حوالي مائة عام، عندما حرضنا على ما يسمى بالثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين، ووعدنا بالحرية والاستقلال، ثم تبين لنا لاحقًا أنه استخدم العرب كأدوات للتخلص من العثمانيين كي يحل محلهم في استعمار المنطقة وإعادة تقسيمها واستغلالها؟ ليس هناك شك بأن معظم بلادنا العربية تحتاج إلى ألف ثورة وثورة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، ولا شك أن من حق الشعوب أن تطالب بحقوقها وبتحسين أوضاعها والتخلص من طغاتها. هذه بديهيات لا نجادل فيها أبدًا، لكن السؤال الذي يجب أن نسأله الآن بعد أن بدأت تتضح نتائج ما أسماه الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالربيع العربي: هل كان هذا الربيع يهدف فعلًا إلى مساعدة الشعوب للتخلص من الظلم والطغيان وبناء دولة الحداثة والديمقراطية والمدنية التي ضحكوا علينا، وأغروا الشعوب بها؟ الأمور دائمًا بخواتيمها. والخواتيم أمامنا صادمة جدًا، لا بل تفضح مخططات ومشاريع كل الجهات التي حرضت الشعوب على الثورات.شتان بين أجندات الشعوب وقياداتها وطلائعها الثورية، وبين القوى الخارجية التي دخلت على خط الثورات، أو حرضت على اندلاعها. لا شك أن الذين ثاروا في سوريا ومصر وتونس وليبيا واليمن والعراق كانوا فعلًا يريدون أن يطالبوا بأبسط حقوقهم الإنسانية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم يكونوا يطمحون إلى أكثر من قليل من أوكسجين الحرية ولقمة عيش نظيفة غير مغمسة بالذل والخنوع. لكن حتى هذه المطالب البسيطة والصغيرة التي شجعها ضباع العالم كانت لو تحققت يمكن أن تقض مضاجع هؤلاء الضباع الذين تخيفهم أي صرخة ألم تطلقها الشعوب المقهورة، فهم يعرفون تمام المعرفة أنه ما إن تبدأ الشعوب تتحرر شيئًا فشيئًا، فلا شك أنها ستبدأ بمراقبة ثرواتها الوطنية، وستبدأ بالمطالبة بتوزيع الثروة ومساءلة كل من يتلاعب بمصائر الأوطان لإرضاء أسياده ومشغليه في الخارج. لهذا، لم تكن القوى الخارجية التي بدت وكأنها مناصرة للثورات في البداية تريد بأي حال من الأحوال نجاح أي ثورة، بل كانت تدفع الشعوب إلى المحارق لأغراضها الخاصة، وليس أبدًا من أجل انتشال الشعوب من براثن الاستبداد والطغيان.. إن التشجيع الدولي للثورات في بداية الأمر كان الهدف منه ضبط حركة الثورات بما يتناسب مع مصالح وحوش العالم بالدرجة الأولى.. وهل هناك طريقة لإعادة الشعوب إلى زريبة الطاعة أفضل من الظهور بمظهر الصديق لثورات الشعوب؟ بالطبع لا. هنا بدأ يظهر من سموا أنفسهم بأصدقاء الشعب السوري مثلًا. وعندما تسمع مثل هذا الاسم، لا شك أنك تستبشر خيرًا، وتأخذ الانطباع أن هناك قوى حية في العالم تقف إلى جانب القضايا العادلة، وتناصر مطالب الشعوب المسحوقة. لكن هيهات، فالوحوش لا يمكن أبدًا أن تكون رحيمة، بل عاشت وما زالت تعيش على اللحوم والدماء، وبالتالي لا يمكن أن يأتي منها سوى البلاء والخراب.انظروا الآن إلى تلك القوى الشريرة التي ظهرت بمظهر المناصر للربيع العربي. ماذا قدمت للشعوب الثائرة؟ هل فعلًا ساندتها للتخلص من الطغاة والظالمين فعلًا، أم أنها كانت إما تريد أن تقضي على بعض الحكام كي تستولي على ثروات بلادهم كما هو الحال في ليبيا، أو أنها تريد أن تقضي على بعض البلدان والأوطان، وتترك الأنظمة التي ثارت عليها الشعوب كمغناطيس لجذب كل الجماعات التي يمكن أن تساهم في تخريب البلدان وتدميرها، كما هو الحال في سوريا. بعبارة أخرى، لم يكن الهدف أبدًا مساعدة الشعوب وتخليصها من الطواغيت أبدًا، بل لا نبالغ إذا قلنا إن ما يسمى بالربيع العربي الذي ضحك به علينا الرئيس الأمريكي المنصرف أوباما لم يكن سوى محاولة لإسقاط الأوطان لا الأنظمة، بدليل أن الذي سقط في سوريا فعلًا هو سوريا الوطن، والذي تشرد هو سوريا الشعب، بينما ما زال النظام جاثمًا على صدور السوريين، ليس لأن ضباع العالم يحبونه، بل لأنهم يستخدمونه كأداة تدمير وتخريب.ويجب ألا ننسى مشروع الفوضى الخلاقة أو بالأحرى الهلاكة الأمريكية الذي بشرتنا به وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة غوندوليزا رايس، والذي كانت تهدف أمريكا من خلاله إلى نشر الفوضى بهدف إعادة رسم الخرائط وإعادة توزيع المصالح وتدويرها.. وقد وجدت أمريكا في بعض الطواغيت الطريقة الأمثل لتنفيذ الفوضى. باختصار، لقد أرادتها الشعوب ثورات لإسقاط الطغاة والطغيان، بينما أرادتها القوى الخارجية معولًا لإسقاط الأوطان. شتان بين الثوار والداعمين، فبينما يسعى الثوار للتغيير والإصلاح فعلًا، فإن الداعمين للثورات ليسوا دائمًا فاعلي خير، بل ربما في كثير من الأحيان يستخدمون مظالم الشعوب لتحقيق غاياتهم قبل غايات الشعوب الثائرة. وهذا ما حصل على ما يبدو حتى الآن للأسف.
859
| 06 نوفمبر 2016
هل تدخلت القوى الكبرى في بلد إلا وتفتت أو بقي في حالة صراع داخلي مرير لسنوات وربما عقود؟ لا شك أن الصراعات والحروب الأهلية تترك البلدان التي تحدث فيها في حالة خراب ودمار وفوضى لردح طويل من الزمن. لكن تلك الصراعات تصبح أسوأ بكثير عندما تتدخل فيها قوى خارجية لمصلحة هذا الطرف أو ذاك. وعلى ضوء تجارب العراق وأفغانستان والصومال واليمن ويوغسلافيا نستطيع أن نؤكد أن التدخل الأجنبي لا يهدف بأي حال من الأحوال لحل كوارث تلك البلاد بقدر ما يكون عاملًا مساعدًا على تفاقم الأزمات وإطالة أمدها أو تقسيم البلاد كما حدث في يوغسلافيا، وكلما أرى دولة عظمى تتدخل هنا وهناك بحجة إحلال السلام أو وقف القتال أضع يدي على قلبي، لأن النتيجة تكون في غالب الأحيان ليست في صالح تلك البلاد ولا شعوبها، بل تزيد الطين بلة، وتصب الزيت على نار الحروب الأهلية.ماذا فعل التدخل الخارجي في أفغانستان؟ لقد تدخل السوفيات في بادئ الأمر لصالح الرئيس الشيوعي نجيب الله لتثبيت حكمه دون أن يدروا أنهم بذلك سيستثيرون قسمًا كبيرًا من الشعب على بعضه البعض وعلى الغازي الخارجي طبعًا. وكانت نتيجة الغزو السوفيتي لأفغانستان قيام ثورة داخلية على النظام الذي جاء السوفيات لدعمه. وبسبب التنافس بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وقتها على مراكز النفوذ في العالم، راحت أمريكا تدعم المجاهدين الأفغان بالمال والسلاح لطرد السوفيات وتثبيت جماعتها هناك. وقد نجح المجاهدون في طرد الغازي السوفيتي. لكن ماذا كانت النتيجة؟ لقد حدث صراع مرير بين المجاهدين أنفسهم أدى إلى تدمير البلاد حتى تمكنت حركة طالبان من القضاء على كل منافسيها من الفصائل الأخرى، واستفردت بحكم أفغانستان. لكن الأمور لم تستتب لطالبان لفترة طويلة، فقد تعرضت أفغانستان لغزو جديد هذه المرة من القوة التي ساعدت الأفغان في طرد السوفيات. لقد تحججت أمريكا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وغزت أفغانستان، وقضت مبدئيًا على حكم حركة طالبان، ونصبت محلها نظامًا عميلًا لها لا يختلف عن نظام نجيب الله الشيوعي الذي كان عميلًا للسوفيات. وماذا كانت النتيجة؟ لقد تحولت طالبان إلى حركة مقاومة ضد عملاء أمريكا وتوابعها في أفغانستان، مما أدخل البلاد في حال انقسام وحرب أهلية جديدة لم تنته حتى الآن. وسيظل الصراع قائمًا بين طالبان والحكومة المدعومة أمريكيًا حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. طبعًا لم يتعلم الأمريكيون من التدخل في أفغانستان، فعادوا الكرة في العراق لاحقًا وبنفس اللعبة والطريقة، فأسقطوا نظام الرئيس صدام حسين، وعينوا محله عملاءهم من شراذم المعارضة العراقية. وماذا كانت النتيجة؟ لقد تحول أنصار صدام وكل المتضررين من الغزو الأمريكي للعراق إلى حركات مقاومة لم تطرد الأمريكيين من العراق فحسب، بل جعلت من العراق ساحة حرب أهلية ممتدة منذ دخول الأمريكيين إلى العراق عام 2003. ولو نظرنا إلى العراق الآن لوجدنا أنه أصبح مضربًا للمثل في الخراب والدمار والفوضى والفشل.وكما أن الأمريكيين لم يتعلموا من خطيئة السوفيات في أفغانستان، فإن الروس لم يتعلموا بدورهم من خطيئة أمريكا في العراق. ها هي روسيا الآن تتدخل في سوريا لصالح طرف ضد الأكثرية في سوريا، فبدل أن تساعد الأكثرية التي ثارت على نظام طائفي أقلوي حقير، راحت تدعم النظام الفاشي ضد إرادة غالبية الشعب السوري الذي عاني الويلات منذ خمس سنوات. وكما تحججت أمريكا بإزالة النظام الديكتاتوري في العراق، تحاول روسيا تغطية غزوها السافر لسوريا بحجة محاربة الإرهاب المتمثل بتنظيم الدولة الإسلامية وغيره من الفصائل. ولتجميل تدخلها الفاشي في سوريا، تزعم روسيا أنها تبحث عن حل يجمع السوريين، مع العلم أنها تأخذ موقفًا صارخًا لصالح طرف ضد بقية الأطراف السورية كما فعلت من قبل في أفغانستان، وكما فعلت أمريكا في العراق. صحيح أن الوضع في سوريا مختلف عن الوضع في أفغانستان أيام الغزو السوفيتي. وصحيح أيضًا أن أمريكا وروسيا حليفتان في سوريا ضد الجماعات الجهادية. لكن ذلك لن ينجح أبداً في إيجاد حل للسوريين، لا بل سيعمق الأزمة، وسيزيد من التخندق الطائفي والمناطقي.لا نعتقد أبداً أن القوى الكبرى تتدخل في البلدان المضطربة من أجل الحل، بل بالتأكيد من أجل مصالحها الحقيرة أولًا وأخيرًا. وقد شاهدنا كيف أدى التدخل الروسي الأخير في أوكرانيا إلى تقسيمها وقبلها جورجيا. ولو صدقنا جدلًا أن روسيا تريد فعلًا أن تجد حلًا للكارثة السورية، فعليها أن تنسى الأمر، وأن تخرج من سوريا تاركة السوريين يتوافقون على حل فيما بينهم بأنفسهم دون وساطة أو تدخل خارجي مسموم كالتدخل الروسي الآن. إن التغيير الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه، ويمكن أن يحقق نتائج إيجابية مستدامة في أي مكان هو التغيير من الداخل. أما التغيير المفروض من الخارج فسيفشل، وسيؤدي إلى خراب البلدان حتى لو دعمته كل قوى الأرض. هل نجح التدخل الأمريكي في العراق في تشكيل نظام أفضل يقبله كل العراقيين؟ بالطبع لا. لقد أدى إلى تفتيت العراق والعراقيين على أسس طائفية ومذهبية وعرقية مقيتة. لماذا؟ لأنه لم يأت بمباركة كل العراقيين، بل حاول أن يفرض الشيعة على السنة. لهذا كانت نتائجه كارثية. وإذا فشلت أمريكا سيدة العالم في فرض نظام على العراقيين بكل جبروتها العسكري والاقتصادي والسياسي، فإن روسيا الضعيفة لن تستطيع أن تفرض على السوريين نظامًا لا يقبل به كل السوريين.
768
| 30 أكتوبر 2016
ألا نستطيع أن نسأل الآن بعد أن ذاب الثلج وبان المرج: هل كان الربيع العربي الذي صفقنا له كثيراً، رغم مشروعيته وضرورته وعدالة قضاياه ومطالبه وتأخره في الانفجار، هل كان صناعة شعبية محلية، أم إنه كان صناعة شيطانية لأغراض خارجية مصلحية استعمارية لا علاقة لها أبداً بأحلام الناس وتطلعاتها، وبأن الشعوب التي تغنينا بقوتها وجبروتها أثبتت أنها أوهن من بيت العنكبوت في مواجهة شياطين العالم؟ كم كنا مخطئين عندما رددنا العبارة الشهيرة: " قوتان لا تـُقهران، قوة الله وقوة الشعب". لا شك في أن قوة الله لا تـُقهر أبداً، لكن الخطأ الفادح يتمثل في تشبيه قوة الشعب بقوة الله. شتان بين الثريا والثرى. كم أشعر الآن بالشفقة على شعوبنا التي أعطيناها قوة خارقة، فتبين أننا حالمون ورومانسيون ومخدوعون بالنظرة الماركسية السخيفة لدور الشعب في حركة التاريخ. ولو كان كارل ماركس حياً الآن لربما أعاد النظر في كل نظرياته الطوباوية حول قوة الشعب ودوره في صنع التاريخ، ولربما اعترف بأنه كان رومانسياً أكثر من اللازم، خاصة على ضوء الاختراعات الاقتصادية والتكنولوجية والتواصلية الرهيبة التي باتت تتحكم بقطعان الشعوب، والتي تقف وراءها عقول أفراد استطاعوا أن يسيّروا مليارات الشعوب كما يسيّر الراعي قطيعه. لا ننسى أن شاباً صغيراً يحمل جينات العبقرية استطاع أن يضع مليارات البشر على فلاشة يضعها في جيبه، أو في أصعب الأحوال على موبايل. ونقصد هنا مخترعي مواقع التواصل التي استطاع منتجوها أن يجمعوا العالم كله تحت خيمتها، ويتحكموا به بكبسة زر صغير. تعال يا ماركس وشاهد أين وصل العالم، وكيف بات يستطيع الفرد البطل الذي سخرت من إنجازاته في الماضي أن يفعل الأفاعيل بما كنت تسميه أنت بالجماهير “The Masses”. تعال وشاهد كيف يستطيع بضعة أفراد من خلال شركاتهم العابرة للقارات أن يتحكموا بمصير مليارات الشعوب والحكومات. تعال وشاهد كيف تستطيع بضعة وسائل إعلام تمتلكها بضعة عائلات أن تدير وتتحكم بمليارات البشر من الأمريكيين والأوربيين المتحضرين، فما بالك بمليارات البشر المتخلفين الذين لا يستطيعون بعد أن يفكوا الحرف في العالم الثالث. لقد قال ماركس يوماً مقللاً من قوة نابليون في صناعة التاريخ: "لو لم يكن نابليون موجوداً وقتها، لصنع الشعب الفرنسي نابليوناً آخر ليقود تلك المرحلة التاريخية من تاريخ فرنسا." بعبارة أخرى، فقد كان ماركس يعزو دائماً حركة التاريخ لا لقوة الأفراد والقادة، بل لقوة الشعب، فالشعوب، حسب ماركس، هي من تحدد مسار التاريخ وليس القادة، مهما بلغوا من قوة وعبقرية. لكنني الآن أجد نفسي متفقاً أكثر مع المفكر والفيلسوف الاسكتلندي توماس كارلايل الذي كان يسخر دائماً من قوة الشعوب، ويعزو حركة التاريخ وإنجازاته إلى عبقرية البطل الفرد.لا أريد أن أذهب بعيداً إلى الغرب المتقدم الذي تديره جماعات وأفراد يعدون على أصابع اليد الواحدة، بل دعونا نتحدث قليلاً عن عالمنا التعيس الذي ظن أنه يستطيع التمرد على واقعه البائس وأنظمته الشيطانية، فاصطدم رأسه بحائط فولاذي هشم رأسه وأضلاعه. انظروا كيف تبخرت أحلام الشعوب بالتغيير في بلاد الربيع العربي، وباتت القطعان تحن إلى أيام الطغيان الخوالي، لأنها دفعت ثمناً لم تكن تتخيله أبداً، ولأنها حاولت أن تشق عصا الطاعة، وتثور على الرعاة المتحكمين بهذا العالم.لقد أظهرت الأيام أن الشعوب بلا حول ولا قوة في مواجهة سادة العالم وأدواتهم الصغيرة التي تتحكم بالشعوب في بلادنا وغيرها. ماذا بقي من الثورة المصرية التي بحت حناجرنا ونحن نصفق لملايينها في ميدان التحرير؟ لقد استطاع المتحكمون بالعالم أن يستبدلوا لها حاكماً بآخر جعل المصريين الآن يتشوقون إلى الماضي الأليم. ما أضعف الشعوب في مواجهة الآلة الإعلامية الرهيبة التي استطاعت أن تلعب بالشعوب كرة قدم. بالأمس خرج الشعب كالسيل الجارف ليطرد طاغية من الحكم، وفي اليوم التالي خرج الشعب نفسه ليهلل ويطبل ويزمر لطاغية أفظع بنفس الحماسة. لماذا؟ لأن الشعوب أضعف بكثير من عبقرية الأفراد المتحكمين بهذا العالم إعلامياً واقتصادياً وثقافياً وسيكولوجياً والقادرين أن يلعبوا بالجماهير كما يلعب الأطفال بالدمى. انظروا كيف استطاع المتحكمون بالعالم وأدواتهم المحلية أن يحولوا الثورة الليبية المزعومة إلى صراع قبلي وعقائدي كي يتفرغ المخططون لنهب الثروات الليبية. انظروا كيف عاد الشعب التونسي إلى عصر بات يحلم فيها بالرجوع إلى أحضان النظام الذي ثار عليه. انظروا كيف عاد الأفراد أنفسهم إلى اللعب بالشعب بدعم من أسيادهم الكبار الذين يتحكمون بالعالم. انظروا إلى الوضع السوري الذي صار عبرة لمن يعتبر. هل كان الشعب السوري يتوقع من المتحكمين بالعالم أن يسمحوا لأدواتهم الأسدية في سوريا أن تفعل بالسوريين ما فعلت؟ بالطبع لا. لكنهم سمحوا، وهاكم النتيجة. هل ما زال الرومانسيون الماركسيون يستطيعون الحديث عن قوة الشعب في سوريا وغيرها، أم أن حسبهم أن يشفقوا على وضع الشعب اللاجئ والنازح والمشرد والجائع والمعتقل والنازف والمتوسل؟ أيهما أقوى، الشعب السوري، أم الضباع المتصارعة على أرضه التي تريد أن تتقاسم أشلاءه وثرواته وأرضه كالروس والأمريكيين وغيرهم؟ لقد وصل الأمر بالسوريين أن يقبلوا بأي حل يحمي جلودهم حتى لو قسّم أرضهم، ونهب خيراتهم، ولعب بهم الشطرنج. إنه الضعف الشعبي في أدنى درجاته أمام جبروت العمالقة الذين يتحكمون بالعالم. سامحونا إن قلنا إن الشعوب مجرد فرائس مغلوبة على أمرها في غابات يسمونها مجازاً دولاً، وإن الوحوش آكلة اللحوم أقوى بعشرات المرات من الحيوانات آكلة العشب، وأن وحشاً واحداً لاحماً يستطيع أن يقضي أو يسيطر على ملايين الحيوانات العاشبة. دعونا نعترف أن الراعي والكلب أقوى بمئات المرات من القطعان. دعونا نعترف أن الدولة العميقة في بلادنا استطاعت أن تعيد الشعوب إلى زريبة الطاعة راضية مرضية. دعونا نعترف أن راعياً ذكياً وكلباً شرساً يستطيعان أن يضبطا قطيعاً من ألوف الأغنام والماعز والأبقار والجواميس والدجاج.
1541
| 23 أكتوبر 2016
إذا أردت أن تتعرف على أعداء أمريكا الحقيقيين فيجب أن تنظر إلى صورتهم في أفلام السينما الأمريكية، فمن عادة السينما الأمريكية أن تشيطن الأعداء وتحتفل بالحلفاء في أفلامها الهوليوودية. ومن المعلوم أن "هوليوود" هي أقوى سلاح إعلامي في أيدي المؤسسة الحاكمة في أمريكا منذ عقود وعقود، فهي ليست أبدًا شركة ترفيهية تجارية ربحية كما تروج لنفسها، بل هي الذراع الإعلامية الفنية الأخطر للولايات المتحدة. وقد لعبت الشركة على مدى تاريخها أدورًا رهيبة في شيطنة أعداء أمريكا خاصة أيام الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي. وقد نجحت هوليوود في إقناع الغالبية العظمى من الأمريكيين والغربيين عمومًا بأن روسيا الشيوعية شيطان رجيم يجب على الغرب أن يفعل كل ما بوسعه لإسقاطها بكل السبل والوسائل. وقد كانت هوليوود تصور الشيوعيين في أفلامها على أنهم أسوأ رموز الشر في العالم. ولا ننسى كيف عمل السيناتور الأمريكي الشهير جوزيف مكارثي على ملاحقة أي مشتبه يتعاطف مع الشيوعيين في أمريكا، ولم يسلم من المكارثية حتى الممثل البريطاني الشهير تشارلي تشابلن وقتها. وقد سخر بعض الأدباء الأمريكيين كالمسرحي الراحل آرثر ميلر من ذلك الهوس الأمريكي بملاحقة المتعاطفين مع الشيوعيين من خلال مسرحيته الشهيرة "البوتقة" التي تناولت ما أسماه "صيد الساحرات" كناية عن الشيوعيين وأتباعهم. باختصار شديد، فقد كانت شركة هوليوود الأمريكية رأس الحربة في الحرب الإعلامية الأمريكية ضد الاتحاد السوفيتي.كيف نصدق الآن إذًا أن أمريكا دخلت في صراع جديد مع روسيا إذا ما علمنا أن هوليوود بدأت تعد العدة الآن لإنتاج فيلم كبير عن حياة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربما يكون من بطولة الممثل الهوليوودي الشهير ليوناردو كابريو بطل الفيلم العالمي "تايتانك". إن الحديث عن وجود صراع روسي أمريكي ينذر بحرب عالمية ثالثة انطلاقًا من الساحة السورية لا يستقيم أبدًا مع التوجه الهوليوودي الجديد للاحتفال بالرئيس الروسي سينمائيًا، ولا يستقيم أبدًا مع لغة الغزل التي يستخدمها مرشح الرئاسة الأمريكية دونالد ترمب مع بوتين، فقد صرح المرشح أكثر من مرة بأنه معجب بشخصية الرئيس الروسي ويتطلع إلى التعامل معه فيما لو فاز في انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة.لو كانت أمريكا قد دخلت فعلًا في حرب باردة جديدة مع روسيا كما يشيع بعض أبواق المماتعة والمقاولة، لكانت هوليوود أول من بدأ بشيطنة روسيا ورموزها الجدد، ولما كان قد التقى الممثل الأمريكي الشهير دي كابريو الرئيس الروسي ليعبر عن رغبته في تجسيد شخصيته في الفيلم الهوليوودي الجديد. وفي تعليق لصحيفة Welt am Sonntag الألمانية قال دي كابريو، "إني مستعد وبكل ترحيب للعب دور الرئيس بوتين في أي عمل فني، فذلك سيكون ممتعًا جدًا بالنسبة لي!". وأعاد دي كابريو إلى الأذهان أنه كان قد حظي بشرف لقاء بوتين شخصيًا في مدينة سانت بطرسبورغ خلال فعاليات منتدى إنقاذ نمور سيبيريا قبل بضع سنوات. وبحسب وكالة الأنباء "نوفوستي"، وفي معرض التعليق على روسيا وانطباعاته عنها، جدد دي كابريو التأكيد على إعجابه الشديد بها. وختم بالقول، إن "لعب دور الزعماء الروس مثل لينين وراسبوتين، من شأنه أن يكون ممتعًا للغاية، وأرى أنه ينبغي تصوير كم أكبر من الأفلام التي تحكي تاريخ روسيا". هذا وقد أعلنت إحدى شركات صناعة السينما العالمية لتصوير فيلم "بوتين" ومن المنتظر أن تبدأ شركة "كنايتس بريدج إنترتيمنت" للصناعة السينمائية قريبًا، بتصوير فيلم روائي بطله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ولم تعلن الشركة التي يقع مقرها في الولايات المتحدة الأمريكية، اسم الممثل الذي سيقوم بدور البطولة في هذا الفيلم، مشيرة إلى أن هنالك 4 مرشحين كل منهم يتمتع بنجومية من الدرجة الأولى في العالم للعب دور بوتين في فيلم ينتجه مخرج يحوز على جائزتي "أوسكار". ولا ننسى أيضًا أن المخرج الأمريكي ذائع الصيت أوليفر ستون قد أخرج فيلمًا وثائقيًا عن فلاديمير بوتين. وصرح المخرج الروسي إيغور لوباتيونوك الذي ساعد أوليفر ستون على إنتاج وإخراج فيلم "سنودن"، لـ"سبوتنيك"، أنه لا بد أن يستأثر الفيلم الذي أخرجه أوليفر ستون باهتمام الجمهور خاصة الجمهور الأمريكي. وكان أوليفر ستون أعلن منذ عامين نيته لتصوير فيلم وثائقي عن الرئيس الروسي، لكي يعرض للأمريكيين وجهة نظر مغايرة حيال أهم أحداث العالم. عندما توافق هوليوود ومثيلاتها الأمريكية على الاحتفال بالرئيس الروسي سينمائيًا، يجب أن نفهم أن الروس والأمريكيين باتوا حلفاء يتقاسمون منطقتنا خاصة سوريا بمحبة ووئام. لا عجب إذًا أن بوتين كان أيضًا شخصية العام 2015 في إسرئيل.كيف نصدق إذًا أن أمريكا وروسيا أعداء في سوريا ويمكن أن تدخلا في حرب عالمية ثالثة إذا كان ممثلو هوليوود يتسابقون على تجسيد شخصية بوتين، وإذا كانت إسرائيل تعتبر الرئيس الروسي أفضل حليف لها في تاريخ روسيا؟
3145
| 16 أكتوبر 2016
بما أن النظام في سوريا اعتاد على فرض كل شيء في البلاد بالقوة والبلطجة الأمنية، فقد ظهرت لنا أجيال وأجيال من السوريين تقول عكس ما تضمر توخياً للسلامة. لهذا أصبح النفاق ديدن الكثير من السوريين، فغابت الوطنية الحقيقية، وأصبح الكذب واللف والدوران والتظاهر بالوطنية شعار المرحلة. وقد ظل الكثير من السوريين، وخاصة لاعقي أحذية النظام، ظلوا ملتزمين بممارسة النفاق رغم أن غالبية السوريين حطموا جدار الصمت ودفعوا ثمناً غالياً. وإذا أردت أن تتعرف على الوطنجية السورية على أصولها ادخل إلى صفحات الشبيحة ومؤيدي النظام اللاوطني، حيث ستشعر حتماً برغبة عارمة للتقيؤ، فهم صورة طبق الأصل عن نظامهم، يتشدقون ليل نهار بالوطنية وحب الوطن، بينما هم أكبر أعداء الوطن بدليل أن النظام الذي صدع رؤوسنا على مدى عقود بالوطنية دمر سوريا فوق رؤوس شعبها لمجرد أن الشعب طالب بأبسط حقوقه الإنسانية. لاحظوا التشابه العجيب بين النظام ومؤيديه الوطنجيين، فالطرفان يرفعان الوطنية شعاراً زائفاً ويفعلان عكسها تماماً. أعرف شخصاً وطنجياً مغترباً من منطقتنا وقف بقوة ضد الثورة وراح يؤيد النظام بجنون ضد المتظاهرين السلميين، لكنه بدل أن يعود إلى سوريا للوقوف مع النظام و"الوطن" طلب اللجوء إلى دولة أوربية، ومن هناك راح يملأ صفحته على فيسبوك بالأناشيد الوطنية وصور بشار الأسد والأعلام الوطنية. ولا يمر يوم إلا وتجد صفحته تعج بالمنشورات الوطنجية ومهاجمة "الخونة والعملاء والفورجيين" حسب وصفه. لو افترضنا أن ذلك الشخص وطني فعلاً وصادق في حبه للوطن، ويقف مع النظام عن قناعة، فلماذا يتعامل مع أهله وعائلته في سوريا بطريقة لا تمت للوطنية بصلة؟ كيف يكون المرء وطنياً ويموت في حب الوطن، وهو يتصرف مع عائلته بطريقة قذرة حقيرة لا علاقة لها بالوطنية لا من بعيد ولا من قريب؟ هذا الوطنجي الذي يعيش في أوروبا لم يتصل بأهله في سوريا منذ سنوات، رغم أن أمه مريضة، وأهله في حالة عوز مادي. حتى أنه لا يطمئن على أهله في مناسبات الأعياد. لم يحدث منذ سنوات أنه اتصل بأهله في سوريا أو في المهجر، فما بالك أن يرسل لهم بعض المساعدات المادية، خاصة وأن الأسعار ارتفعت بشكل رهيب في سوريا وأصبح الحصول على لقمة الخبز أمراً عسيراً. كيف نصدق أنك وطني أيها الوطنجي إذا كنت لا تهتم بأهلك القريبين، فما بالك أن تهتم بالوطن الأكبر. ألم تسمع بالقول الجميل: "الأقربون أولى بالمعروف"؟ لو كنت وطنياً حقاً لتواصلت مع أهلك في سوريا وبلاد الاغتراب على أقل تقدير، فكيف تدافع عن الوطن الأكبر وأنت تهمل الوطن الأصغر؟ الوطنية الحقيقية تبدأ من البيت، فمن كان طيباً مع أهله وذويه، سيكون طيباً مع الوطن، لكن لا يمكن لمن يدوس الوطن الصغير أن يحب الوطن الكبير أيها المنافق الوطنجي السفيه.كما أعرف أيضاً فتاة سورية من منطقتنا تتصدى يومياً على صفحتها في فيسبوك لكل من يقول كلمة يتيمة ضد النظام، وتتهمه بالخيانة والعمالة، لا بل تنظم قصائد في حب سوريا الأسد، لكن هذه الوطنجية تآمرت مع والدتها قبل فترة ضد والدها الذي أتى بها إلى الحياة، فقد أصيب الوالد بمرض عضال، وبدل أن تهتم تلك الوطنجية بوالدها وترعاه في مرضه، قامت هي وأمها بوضع الوالد في غرفة مظلمة وأقفلتا الباب عليه، وتركتاه يموت وحيداً بلا أدنى شفقة أو رحمة، لا بل إن والدة تلك الفتاة الوطنجية تزوجت من شخص آخر وزوجها على قيد الحياة بمباركة من ابنتها الوطنجية. أليست الوطنية الحقيقية أن نهتم بأهلنا إذا مرضوا، ونرعاهم؟ كيف نصدق أنك وطنية عندما تتعاملين مع والدك بهذه الطريقة الوحشية أيتها المنافقة اللقيطة؟أما المثال الثالث فهو شخص نعرفه في فنزويلا. هذا الوطنجي بدوره ينشد قصائد غرام بحب قائد الوطن ليل نهار على صفحته، ويملأ منشوراته بالأعلام السورية وصور جيش الوطن. ومن يتابع صفحته يأخذ الانطباع أنه مستعد لأن يموت من أجل وطنه، بينما هو في الواقع لم يتصل بأهله في سوريا منذ سنوات. يبدو أن حب الوطن أنساه أمه وأباه اللذين يكادان يموتان من الجوع بسبب الفقر وغلاء الأسعار في سوريا. لم نسمع أبداً أنه أرسل قرشاً لوالديه. فكيف نصدق أنك وطني إذا كنت تهمل أقرب الناس إليك أيها الأفاق الأسدي القذر؟ ألا تعلم أن الوطنية من أعلى درجات الإنسانية، فكيف تكون وطنياً، وأنت تفتقر إلى أبسط الأساسيات الإنسانية؟شتان بين الوطني و"الواطي".
2493
| 09 أكتوبر 2016
بما أن النظام في سوريا كان لعقود مجرد ذيل من ذيول الاتحاد السوفيتي سابقًا، فقد كانت تركيبة سوريا الاجتماعية شبيهة بتركيبة الدول الشيوعية التي عاشت على القهر والإخضاع لعشرات السنين. ورغم أن سوريا وشبيهاتها الشيوعية كانت تتغنى دائمًا بالوحدة الوطنية والتعايش الاجتماعي والشعبي ليل نهار، إلا أن تكرار شعارات الوحدة الوطنية التي كانت تملأ وسائل الإعلام السورية وجدران الأبنية في طول سوريا وعرضها لم يكن أبدًا دليلًا على وجود الوحدة الوطنية، بل كانت محاولة مفضوحة لفرض الوحدة الوطنية الكاذبة على السوريين بالحديد والنار والإرهاب الإعلامي اليومي. وفي أحس الأحول كانت محاولة للتغطية على عدم وجود الوحدة على أرض الواقع، لأن "بتوع" الوحدة الوطنية يرفعونها شعارًا، ويدمرونها على الأرض. فكما هو معروف في الديكتاتوريات، كلما زاد عدد صور الديكتاتور في الشوارع، فاعلم أن الديكتاتور مكروه وليس محبوبًا من الشعب، فالحاكم المحبوب ليس بحاجة لأن يفرض صوره على الناس ليل نهار حتى في دورات المياه والمراحيض العامة كما كان الوضع وما زال في سوريا.وبما أن الوحدة الوطنية لا تُفرض بالحديد والنار، بل بالعدالة والمواطنة والشراكة الحقيقية في الوطن، فقد انهارت كل الدول التي رفعت شعارات الوحدة الوطنية الكاذبة، والتي اكتفت بممارستها في وسائل الإعلام وأهملتها على أرض الواقع. لاحظوا كيف انهار الاتحاد السوفيتي نفسه الذي كان الأب الروحي لكل الديكتاتوريات في أوروبا الشرقية والعالم. لم يستطع السوفيات أن يوحدوا الشعوب التي حكموها رغم جبروتهم وامتلاكهم لواحدة من أكبر الترسانات النووية في التاريخ، لأن نظامهم كان نظامًا ديكتاتوريًا لا يؤمن بخيارات الشعوب ولا بحريتها ولا كرامتها، بل كان يعاملها كقطعان تسوقها أجهزة الأمن بالسياط. ولاحظوا أيضًا كيف انهارت يوغسلافيا السابقة بعد موت طاغيتها السابق جوزيف بروس تيتو، وتفتتت إلى دويلات بعد أن تقاتلت شعوبها لسنوات، وذبحت من بعضها البعض مئات الآلاف من البشر. لقد عاشت شعوب يوغسلافيا موحدة تحت القبضة الحديدية في العهد الشيوعي بقيادة تيتو، لكن التعايش الزائف كان مفروضًا بقوة الحديد والنار، وعندما ارتخت القبضة الأمنية انهارت الوحدة المفروضة زورًا وبهتانًا. وقد اكتشفنا كيف كان اليوغسلافيون يعادون بعضهم البعض إلى حد أنهم مارسوا بحق بعضهم البعض مجازر يشيب لها الولدان. كلنا يتذكر مجازر البوسنة والهرسك وكرواتيا وصربيا والجبل الأسود وغيره فيما كان يسمى بيوغسلافيا.واليوم نجد الأمر ذاته يتكرر في سوريا الأسد، حيث حاول النظام أن يفرض وحدة وطنية زائفة بقوة الكلاب الأمنية، مع أنه كان في الوقت نفسه يحاول تفخيخ المجتمع السوري طائفيًا ومذهبيًا واجتماعيًا بسياساته الظالمة والخبيثة كي يعيش على تشرذمه. ولعل أكبر دليل على أن الوحدة الوطنية كانت كذبة كبيرة في سوريا أن السوريين يذبحون بعضهم البعض الآن على الهوية الطائفية، لا بل إنهم يتلذذون بدعس بعضهم البعض، فعندما يقضي جيش النظام على بعض قوات المعارضة ترقص صفحات الشبيحة طربًا وتهلل للعملية بعبارتها الشهيرة: "تم الدعس"، والعكس صحيح بالنسبة لقوات المعارضة، مع العلم أن المتحاربين ليسوا أعداء، بل من المفترض أنهم أشقاء سوريون. لكنهم أشقاء مزيفون، فالأنظمة الديكتاتورية لا تصنع مواطنين أشقاء، بل تصنع إخوة أعداء مستعدين أن يبيدوا بعضهم البعض عند أول صراع، كما نرى الآن في سوريا.كم نشعر بالقرف ونحن نرى تاجرًا دمشقيًا وهو يفتتح أكبر مطعم أو أكبر محل لبيع البوظة، بينما يعاني مئات الألوف من الجوع، ويلجؤون إلى أكل أوراق الأشجار في الغوطتين الشرقية والغربية على بعد بضعة كيلومترات فقط من محله في العاصمة دمشق. الدمشقيون يدخنون الشيشة ويرقصون في مراقص دمشق القديمة، بينما يموت الآلاف من "إخوانهم" تحت القصف والجوع على مرمى حجر في داريا وعربين. كما يرقص بعض الحلبيين في الملاهي في الوقت الذي تقصف فيه الطائرات الروسية الأحياء الشرقية من حلب بالنابالم.ما أحقر الذين يرقصون ويهللون ويطلقون الرصاص في شوارع الساحل السوري ومناطق الأقليات الأخرى احتفالًا بالقصف الروسي بالنابالم والأسلحة المحرمة دوليًا لسكان حلب وإدلب وحمص ودير الزور وغيرها. كيف سيتعايش هؤلاء الأوغاد مع السوريين الآخرين الذين تشردوا بالملايين، وفقدوا فلذات أكبادهم وأرزاقهم بالملايين أيضًا لاحقًا؟ أهذه هي اللُحمة الوطنية التي كان يضحك بها علينا إعلام الأسد، أم هي اللحمة الوطنية المشوية التي يرقص حولها السوريون طربًا كلما ذبحوا بعضهم بعضًا؟ من أكبر الأكاذيب التي انطلت على السوريين أن "الشعب السوري واحد". لقد أراده النظام الفاسد أن يكون طوائف وقبائل ومللًا ونحلًا متناحرة كي يعيش على تناقضاته، وكي يضربه ببعضه البعض عندما يثور عليه، فيلتهى بصراعاته وينساه. ويبدو أنه نجح.
2226
| 02 أكتوبر 2016
ما نراه الآن في سوريا من إعادة توزيع وتطهير ديمغرافي لم يعد بحاجة إلى أي براهين بعد أن راح الجميع، وعلى رأسهم النظام وحلفاؤه يقطّعون سوريا ويعيدون تركيب خارطتها البشرية بسكين حاد جدًا، وعلى مرأى ومسمع الجميع، لا بل إن الأمم المتحدة تبصم بحافرها على الخرائط الجديدة كما شاهدنا في داريا، حيث أشرفت شخصيًا بباصاتها الخضراء على تهجير سكان داريا الأصليين إلى شمال سوريا رغم أنهم عاشوا في داريا لمئات السنين.هل كانت الثورة السورية ثورة شعب فعلًا، أم "ثورة" كانت تقف وراءها جهات خارجية عدة، وكانت تريد من خلالها إعادة تشكيل سوريا بشريًا. وربما لم ينتبه النظام السوري للأمر في البداية، لكنه عندما أدرك الملعوب الخارجي، قال لنفسه: بما أن الجميع يريد العبث بالتركيبة السورية، فلماذا لا أدخل أنا اللعبة وآخذ حصتي من الكعكة. وقد لاحظنا أنه ما إن أدرك النظام وحلفاؤه الإيرانيون أن اللعبة انطلقت حتى راحوا يمارسون لعبة الهندسة البشرية في سوريا على أكمل وجه. لاحظوا كيف تم حرق السجلات المدنية وتهجير سكان حمص من المسلمين السنة وعددهم أكثر من مليون، ولم يُسمح لهم بالعودة إليها. لاحظوا كيف اندفع حزب الله وداعموه الإيرانيون إلى السيطرة على مدينة القصير بمحافظة حمص، وطردوا أهلها قبل سنوات كي يؤمنوا مناطق حزب الله في لبنان ويدمجوها بالمناطق السورية. لقد ظن البعض قبل ثلاث سنوات أو أكثر أنها مجرد خطوة لاستعادة بعض المناطق من المعارضة في معارك الكر والفر، لكن الأيام أثبتت أنها خطة محكمة تقع ضمن مخطط إعادة تشكيل الخارطة السورية ديمغرافيًا. وحينما نرى حزب الله الآن يطهّر منطقة الزبداني ومضايا الحدودية من سكانها، ويدمر عشرات الألوف من الأشجار ليحفر الأنفاق، ويحول المنطقة إلى منطقة عسكرية نتذكر كيف قام بتطهير القصير قبل سنوات. الرابط واضح بين ما فعله بالقصير وما يفعله الآن بالزبداني. ولا ننسى منطقة تدمر المهمة التي لم تأخذ نصيبها من الدعاية الإعلامية المطلوبة، فقد تم تهجير سكانها لأنها تقع على الطريق الذي يصل إيران عبر العراق إلى حمص إلى لبنان حيث معاقل حزب الله. لكن لعبة التغيير الديمغرافي في سوريا لا تقتصر فقط على النظام وحلفائه، بل إن أطرافًا كثيرة دخلت عليها منذ زمن، وكانت تخطط لها منذ بداية الثورة، فالأكراد بدعم أمريكي وغربي بدؤوا يطهّرون المناطق العربية التي يريدون السيطرة عليها في الشمال منذ سنوات، وربما بتنسيق مع النظام. وعندما نرى القواعد الجوية الأمريكية الجديدة في منطقة رميلان تصبح لعبة التمزيق الديمغرافي أكثر وضوحًا. هل يا ترى ستكون عملية "درع الفرات" التركية مجرد عملية عسكرية خاطفة لتطهير الحدود التركية السورية من خطر داعش والأكراد، أم أن لها ما بعدها؟ ألم يتعهد نائب رئيس الوزراء التركي بإعادة إعمار المناطق السورية المحررة في الشمال؟ ماذا يعني ذلك؟ولا ننسى الدور الإسرائيلي في الجنوب، حيث لن تسمح تل أبيب لإيران بالاقتراب من جنوب سوريا، ولهذا فمن المتوقع أن تقتطع حصتها من الجغرافيا السورية. ما نراه الآن من مخططات بدأت تتضح. ألا يجعلنا ذلك نعيد التفكير بكل شيء؟ عمليات التهجير القسري والتغيير الديمغرافي والاجتياح الإيراني لسوريا وتقاسم مناطق النفوذ بين الأمريكيين والروس، ودخول قوى كثيرة إلى الأرض السورية بالتنسيق مع النظام وغيره ألا تدفعنا إلى التفكير بأنها كانت حركة ملعوبة منذ بدايات الثورة لعبتها قوى خارجية ثم لحق بها النظام وحلفاؤه، فراح ينفذ ما هو مطلوب منه دوليًا في سوريا على صعيد التدمير والتهجير وإعادة رسم الخرائط؟ هل كان تدمير حمص وتهجير شعبها المرحلة الثانية من مشروع "حلم حمص" الذي كان قد بدأه المحافظ السابق إياد غزال؟ اليوم يتحدث النظام عن بناء مجمعات كبرى في حي الوعر الذي يعمل الآن على تهجير سكانه الباقين. هل وضع النظام وشركات دولية مخططات تنظيمية للكثير من المناطق التي دمروها وشردوا سكانها، حتى قبل أن تنتهي عملية التهجير القسري. بعبارة أخرى، هل كانوا يخططون لهذه المشاريع منذ زمن طويل، وربما قبل الثورة؟ لاحظوا أن الطيران السوري مثلًا كان يقصف مناطق معينة في مدينة قدسيا بدمشق، ويدمرها تمامًا، ويتجنب مناطق أخرى، وكأنه يقول لنا: إن المناطق التي ندمرها مطلوب إعادة بنائها بشكل مختلف حسب المخطط التنظيمي الجديد لسوريا الذي وضعناه ربما قبل الثورة. لاحظوا كيف بدأت إيران تعيد إعمار داريا بعد تهجير سكانها. ولا ننسى مشاريعها في منطقة المزة بدمشق.إن تعقيدات الوضع السوري وتشابكه تدعونا أن نخرج من قوالب التفكير التقليدية، ولا مانع إن بدأنا نفكر بأن ما يحصل في سوريا الآن أشبه بمخطط تنظيمي جديد للبلاد وقوده تهجير ملايين البشر وتدمير ملايين البيوت وإزالة مدن عن الخارطة بمباركة كل الأطراف باستثناء الشعب السوري.
10899
| 25 سبتمبر 2016
عندما تتحالف إسرائيل وروسيا في سوريا، وعندما يؤكد الوزير الإسرائيلي الشهير ليبرمان على أن التنسيق بين الإسرائيليين والروس في سوريا على مدار الساعة، سبعة أيام في الأسبوع، وعندما يزور نتنياهو روسيا مرات ومرات خلال أشهر لتنسيق الجهود الإسرائيلية الروسية في سوريا، فلا أحد يحدثنا عن صراع أمريكي روسي على سوريا. بعبارة أخرى، عندما يتفق الإسرائيليون والروس على الأرض السورية، فإن الموافقة الأمريكية على الدور الروسي في سوريا تصبح تحصيل حاصل. لا عجب إذًا أن قال أحد المعلقين ساخرًا: إن وزير الخارجية الأمريكي فيما يخص الشأن السوري ليس جون كيري، بل سيرجي لافروف. لهذا لا بد أن لنا أن نضحك على أتباع ما يسمى بحلف الممانعة والمقاومة عندما يصورون الصراع في سوريا على أنه معركة كسر عظم بين روسيا وأمريكا، وذلك كي يبرروا تبعيتهم لروسيا والنوم معها في فراش واحد، مع العلم أن اللعبة باتت مفضوحة إلى أبعد الحدود. وبما أن الروس والأمريكيين والإسرائيليين على قلب رجل واحد في سوريا، فإن الممانعين المزعومين صاروا في الخندق الإسرائيلي بشكل مفضوح. لقد بات الروس والإسرائيليون ينسقون عملياتهم في سوريا من غرفة عمليات واحدة، حتى بالتعاون مع النظام وحلفائه "الممانعين".لا أدري لماذا يصر القومجيون والناصرجيون والمقاومجيون العرب وبقايا اليسار الهزيل على تصوير الصراع في سوريا على أنه صراع بين الشرق والغرب، كما لو أننا في ستينيات القرن الماضي حيث كانت الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا في أوجها. صحيح أن الرئيس الروسي يحاول استعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي البائدة بعقلية وأيديولوجية ومعطيات جديدة، لكنه ليس أبدًا في وارد التصادم مع أمريكا في الشرق الأوسط. ولا نصدق أيضًا أن الروس يملؤون الفراغ الذي بدأت تتركه أمريكا في المنطقة، كما لو أن الأمريكيين انهزموا أمام الزحف الروسي.لا علاقة للتدخل الروسي السافر في سوريا أبدًا بضعف الجبروت الأمريكي، ولا بصعود الجبروت الروسي، بل الأمر برمته مرتبط بمصالح إسرائيل في سوريا خصوصًا والمنطقة عمومًا، وطبعًا بمصالح أمريكا وروسيا المشتركة. خــــــبر يهمك: بيان من وزارة الصحة في قطر حول "الفراولة المصرية" ولو عدنا إلى الساحة السورية، لرأينا التدخل الروسي قد حدث بعد مداولات إسرائيلية روسية على أعلى المستويات السياسية والعسكرية والاستخباراتية. لقد التقى بوتين ونتنياهو مرتين خلال أسبوعين قبل التدخل الروسي. ثم قام بزيارات مكوكية عديدة لموسكو للقاء صديقه بوتين. وقد اعترف سامي كليب أحد أبرز كتاب ما يسمى بمحور الممانعة أن الرئيس الروسي بوتين هو أفضل حليف لإسرائيل في تاريخ روسيا. وقد اعترف وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق جوزيف ليبرمان بأن التنسيق الروسي الإسرائيلي في سوريا يجري على مدار الساعة سبعة أيام في الأسبوع. حتى الأطفال الصغار يعلمون أن من يحدد السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط عمومًا هي إسرائيل وليس وزارة الخارجية الأمريكية. وإذا كانت تل أبيب هي من ترسم السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة، فمن الطبيعي أن تكون أمريكا راضية تمامًا عن التدخل الروسي في سوريا عندما يكون بمباركة وبضوء أخضر إسرائيلي.إذًا من العيب أن نسمع بعض السوريين واللبنانيين والإيرانيين المؤيدين للنظام السوري وهم يتفاخرون بالدور الروسي في سوريا كما لو كان في مواجهة الدور الإسرائيلي أو الأمريكي. ما أسخفهم عندما يقولون إن روسيا جاءت لتطهير سوريا من الإرهابيين المدعومين أمريكيًا وإعادة الاستقرار إليها، كما لو كانت روسيا جمعية خيرية لمساعدة المحتاجين. ليس هناك ما يثبت أن روسيا تصارع الأمريكيين في سوريا. وفي أحسن الأحوال ربما تكون عملية تقاسم مصالح بين الروس والأمريكيين، إن لم نقل إن الروس يسمسرون للأمريكان في سوريا، كما فعلوا من قبل عندما ضغطوا على القيادة السورية لتسليم سلاحها الكيماوي الإستراتيجي نزولًا عند رغبة إسرائيل وأمريكا. من يجرد سوريا من سلاحها الإستراتيجي لصالح إسرائيل لا شك أنه أقرب لإسرائيل منه إلى النظام السوري. وعلى المطبلين والمزمرين للتدخل الروسي في سوريا أن يتذكروا "اتفاق كيري - لافروف" الذي وصفه البعض وقتها بأنه بمثابة "سايكس - بيكو" جديد وربما أخطر، على صعيد تقاسم النفوذ والثروات وتمزيق المنطقة بين الأمريكيين والروس. وقد اعترف السيناتور الأمريكي الشهير ليندسي جرايام في استجوابه الشهير لوزير الدفاع الأمريكي قبل فترة بأن أمريكا باعت سوريا برضاها لروسيا وإيران ضمن لعبة تبادل المصالح.إذًا: مهما تبجحت جماعة الممانعة والمقاومة بعلاقتهم وتحالفهم الإستراتيجي مع روسيا، فمن المعروف أن التحالف الروسي الإسرائيلي يبقى أقوى بعشرات المرات لأسباب كثيرة. فلا ننسى أن اليهود الروس الذين يزيد عددهم على المليون في إسرائيل هم من يحرك السياسة الإسرائيلية، وهم على ارتباط وثيق بروسيا. وكلنا يتذكر صورة الرئيس الروسي بوتين وهو يرتدي القلنسوة اليهودية وهو يزور موقع حفريات "الهيكل" تحت المسجد الأقصى، ويبارك الحفريات التي ستهدم ثالث الحرمين الشريفين في يوم من الأيام. ولو لم تكن أفعال روسيا في سوريا تروق للكبير الأمريكي وتابعه الإسرائيلي، لما تجرأت روسيا أصلًا أن ترسل طائرة ورق إلى سوريا. ولو أرادت أمريكا أن تعرقل التدخل الروسي في سوريا لأعطت المعارضين السوريين عشرة صواريخ مضادة للطائرات فقط لإسقاط الطائرات الروسية في الأجواء السورية، فذهبت هيبة روسيا أدراج الرياح، وتحولت بين عشية وضحاها إلى مهزلة دولية.ولمن لا يعرف معنى كلمة "ماناجاتوا" Ménage à trois الفرنسية التي وردت في عنوان المقال، فهي تعني علاقة جنسية بين ثلاثة أشخاص، وهذا النوع من العلاقات ينطبق حرفيًا على التحالف الروسي الإسرائيلي الأمريكي في سوريا. ثلاثة في فراش واحد.
783
| 18 سبتمبر 2016
دعونا نعترف أولًا أن أحد مرادفات كلمة "مؤامرة" في قاموس روجيه الشهير هي كلمة "سياسة". بعبارة أخرى، فإن المؤامرات هي في نهاية المطاف نوع من أنواع السياسة. والسياسة الحقيقية كما يصورها ماكيافيلي في كتابه الشهير "الأمير" كلها مؤامرات ومكائد وحيّل وخدع لتحقيق أهداف قذرة. لهذا سنتفق جدلًا مع أبواق النظام السوري، خاصة ما يسمى بإعلام الممانعة والمقاومة في سوريا ولبنان والعراق وإيران، بأن الثورة السورية منذ يومها الأول ليست انتفاضة ضد الظلم والطغيان، بل مجرد مؤامرة خارجية تقف وراءها إسرائيل وأمريكا وخصوم النظام في العالم، وأن الشعب السوري لم يثر مطلقًا، وليس عنده أي سبب يدعوه للثورة. وسنتفق أيضًا جدلًا مع بعض المهرجين في وسائل إعلام الممانعة الذين وصل بهم الأمر إلى اتهام المفكر الفرنسي بيرنار هنري ليفي بأنه هو من رتب الثورة في سوريا وغيرها. هل تصدقون أنفسكم بربكم؟ أليست قمة السخافة والضحالة أن تتهموا شخصًا واحدًا مهما علا شأنه بالوقوف وراء ثورات بأكملها. كما أنه احتقار صارخ للشعوب أيضًا من خلال تصويرها على أنها مجرد قطيع يمكن لكاتب أجنبي أن يوجهها كما يريد، ويحرضها على حكامها. ولو سلمنا معكم أن النظام السوري تعرض لمؤامرة، نريد أن نسألكم أيها الممانعون: لماذا لا تنجح المؤامرات الصهيونية إلا في سوريا الأسد؟ لقد تآمرت أمريكا قبل أسابيع فقط على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورتبت ضده انقلابًا عسكريًا قذرًا، لكن المؤامرة الأمريكية فشلت فشلًا ذريعًا في تركيا، رغم أنها كانت تريد أن تفعل بتركيا أكثر مما فعلت المؤامرة بسوريا. لقد حاول ضباع العالم تحريض الشعب التركي على الرئيس أردوغان بهدف تخريب تركيا، لكن الشعب التركي لا يمكن أن ينساق وراء مؤامرات تستهدف الرئيس الذي رفع من شأن شعبه ووطنه ووضعه في المراتب الأولى عالميًا، فتصدى الشعب للانقلابيين والمتآمرين على تركيا وأهلها، وأفشل المؤامرة خلال ساعات.أما في سوريا فما أسهل أن تحرض السوريين على رئيسهم وحكومتهم، فلدى كل سوري ألف ثأر وثأر مع النظام الذي سامهم سوء العذاب والظلم، ولم ينجز لهم سوى الفقر والقهر، لهذا كان بإمكان أي "مفعوص" من الداخل والخارج أن يحرض الشعب على نظامه بهدف تخريب البلد ونشر الفوضى وعدم الاستقرار. لماذا يا ترى نجحت المؤامرة في سوريا ودمرت البلاد وشردت العباد، ولماذا فشلت في تركيا وجعلتها أقوى؟ السبب بسيط: إن الذي يمكن له أن يساعد المتآمرين أو يفشلهم في أي بلد هو رأس النظام، فإذا كان محبوبًا من شعبه بسبب حكمه الرشيد وإنجازاته العظيمة لوطنه وشعبه كأردوغان، فإن المؤامرة ستفشل حتمًا، فالشعب هنا لا يدافع فقط عن رئيسه، بل يدافع عن مصلحة وطنية عامة كبرى استطاع أردوغان أن يجمع الأتراك جميعًا حولها، فمن غير المعقول أن ينقلب الشعب على من أحسن إليه ورفع من شأنه. أما إذا كان النظام لم يحقق للشعب سوى البؤس والعذاب المخابراتي الحقير، فسيكون بمقدور أي كلب من الخارج أن يحرض الشعب للانتقام من النظام. قالها لي مسؤول سوري كبير قبل سنوات قبل الثورة: قال: "ادع لنا ألا تحدث ثورة في سوريا، لأن غالبية الشعب السوري لها ثارات وثارات مع النظام، فلم يبق سوري إلا وأكل منا "كف".وإذا لم تريدوا المقارنة بـتركيا، فسأحيلكم إلى مثال بسيط يحدث للكثير منا في حياته العملية. فلو كان مديرك في العمل لطيفًا وعادلًا معك، وجاءك شخص مُغرض ومتآمر وحرضك عليه، لا شك أنك ستبصق في وجهه، وستدافع عن مديرك. أما لو كان مديرك فظًا وظالمًا معك، فلا شك أنك ستشتمه فورًا أمام المحرض، وربما تسأل المحرض عن أفضل طريقة للانتقام من المدير الظالم. كذلك الشعوب، فلو كان حكامها وحكوماتها عادلة وطيبة معها، لدافعت عنها وعن أوطانها بأسنانها. أما إذا كان الحكام والأنظمة ظالمة، فلا شك أن أي تحريض بسيط من الخارج سيدفع الشعوب للانتقام من حكوماتها وحكامها، وسيكون شعارها: عليّ وعلى أعدائي، كما يحدث في سوريا.لهذا لا تلوموا المتآمرين الذين تتهمونهم بتحريض الشعوب على الثورات لأهدافهم الخاصة، بل لوموا أنفسكم لأنكم بسياساتكم الحقيرة والظالمة جعلتم القاصي والداني ينجح في تحريض شعوبكم عليكم.
980
| 11 سبتمبر 2016
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين...
9399
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت...
2181
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً...
1125
| 06 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره...
1032
| 11 أكتوبر 2026
نحن نعيش في وسط يتغير بسرعة، وتتسع فيه...
528
| 07 أكتوبر 2026
-الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق...
471
| 11 أكتوبر 2026
الراتب الأول لحظة مهمة، وأتذكر كثيرًا من الفتيات...
459
| 07 أكتوبر 2026
في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، دشّنت الولايات...
447
| 05 أكتوبر 2026
ثمة مرتبة من مراتب النبل الروحي تتجاوز حدود...
420
| 06 أكتوبر 2026
توشك المنطقة على دخول منعطف حاسم وعاصف في...
408
| 06 أكتوبر 2026
لم يعد التهديد الأكبر الناشئ عن طفرة الذكاء...
393
| 05 أكتوبر 2026
يُفترض أن تكون الحصة الدراسية المكان الأول الذي...
393
| 11 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية