رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

لا تتعصب لقومك فقد تكون من أقوام أخرى!

هناك مصطلح فرنسي شهير "Deja Vu"، ويعني بالضبط شعور الإنسان بأنه زار هذا المكان أو ذاك من قبل، رغم أنها في الواقع أول زيارة له لذلك المكان. ولا شك أن الكثير منا شعر مثل ذلك الشعور مرات ومرات. فلطالما زرنا منطقة معينة لأول مرة، فشعرنا أن المكان ليس غريبًا علينا، بل يكاد يكون مألوفًا، رغم أننا لم نره أبدًا في حياتنا. وبعضنا قد يستمتع بصور ومناظر تعود إلى قرون مضت، ويشعر أنه ينتمي إليها، مع العلم أن بينه وبينها قرونًا. ولا شك أنه شعور غريب جدًا أن تشعر بأنك تنتمي إلى زمان ليس زمانك، أو إلى بلد غير بلدك، أو أن تكره مكانًا أو شعبًا، رغم أنك لم تزره أو تحتك به. هل يا ترى ذلك مجرد تخيلات وتصورات غير حقيقية، أو مجرد أو أوهام، أم إن لذلك علاقة بالـ "DNA"المادة الوراثية الموجودة في دم الإنسان، والتي تحدد أصله وفصله وماضيه وأسلافه وتاريخه؟أحد البرامج التلفزيونية الغربية قام بتجربة مذهلة وفريدة من نوعها. استضاف مجموعة من الأشخاص، وسألهم عن مشاعرهم تجاه البلدان والشعوب الأخرى وعن نظرتهم إلى أنفسهم وإلى بلدانهم. والمدهش في الأمر أن بعضهم كان يعتز أيما اعتزاز بهويته أو جنسيته، بينما عبر آخرون عن كرههم أو حبهم لشعوب وبلدان وثقافات أخرى. وقد أظهر البرنامج التلفزيوني أن كل الذين استضافهم لإجراء تجربة الـ "DNA" عليهم كانوا متعصبين لآرائهم ووجهات نظرهم وجنسياتهم، ولم يتنازل أحدهم للحظة عن هويته، بل أصروا على أنهم لا يمكن أن يكونوا إلا ما هم عليه الآن في جنسياتهم الحالية. وقد شملت التجربة أشخاصًا من انجلترا وأيسلندا وبنجلادش والعراق وفرنسا وإفريقيا وأكرادًا وكوبيين لتحديد التاريخ الوراثي الذي لا يُظهر فقط من هم آباؤهم، بل أيضًا أجدادهم وجداتهم وأجداد أجدادهم وأسلافهم والمناطق التي عاشوا فيها قبل مئات السنين أو أكثر. وكانت التجربة بسيطة للغاية، فقد طلب البرنامج من الحاضرين أن يبصقوا فقط في أنبوب صغير. وقبل أن يفاجئوهم بالنتائج لاحقًا بعد أسبوعين، أخبروهم أن قصة حياتهم الحالية وتاريخهم الوراثي كله موجود داخل البصقة التي بصقوها في الأنبوب الصغير. وكانت المفاجأة كبيرة جدًا عندما بدأ البرنامج يكشف أصل وفصل الذين أجرى عليهم التجربة الوراثية. وقد شعر الضيوف بإحراج ودهشة كبيرة جدًا عندما سمعوا نتائج التحليل الوراثي. لقد اكتشفت الفتاة التي قالت قبل التجربة إنها كردية وتعتز بكرديتها، وإنها تكره الأتراك، اكتشفت أن أصولها ليست كردية، بل تركية قوقازية. أما الفرنسية التي قالت إنها لا تحب الانجليز، فتبين أن اثنين وثلاثين بالمائة من أصلها إنجليزي. أما الشاب الأيسلندي المعتد جدًا بأصله الأيسلندي الأصيل والذي يعتبر نفسه أهم من كل الأصول الأخرى، فقد اكتشف أن لا علاقة له بأيسلندا بلده الأصلي، بل هو مزيج من جنسيات أوروبا الشرقية وإسبانيا وإيطاليا واليونان والبرتغال. والإنجليزي الذي عبر عن كرهه للألمان وجد أن خمسة بالمائة من أصله ألماني، وأنه إنجليزي بنسبة ثلاثين بالمائة فقط. أما الشاب الكوبي فقد وجد أن أصله من أوروبا الشرقية ولا علاقة له بوطنه الحالي كوبا. وتفاجأ البنغالي الذي عبر عن كرهه للهنود والباكستانيين أن في جيناته عرقًا هنديًا وباكستانيًا. أما العراقي العربي فقد وجد أن في جيناته أصولًا يهودية. الهدف من البرنامج طبعًا نسف التعصب العنصري والعرقي وإظهار أننا لسنا أعراقًا خالصة، بل نحن مزيج من أعراق وأصول مختلفة، لا بل ننتمي إلى أوطان وبلاد غير بلادنا التي نعيش فيها الآن. لا عجب إذاَ أننا نشعر أحيانًا عندما نزور مكانًا للمرة الأولى بأننا زرناه مرات ومرات من قبل، رغم أننا في الواقع لم نزره أبدًا. ربما أن جيناتنا هي التي تشدنا إلى هذا المكان أو ذاك، أو تجعلنا نكره هذا المكان أو ذاك. لقد لخص الفرنسيون هذا الشعور بالمصطلح الذي ذكرناه أعلاه ""Deja Vu، أي "كنت هنا يومًا ما". أما في أقوالنا الشعبية، فأفضل قول يطابق المصطلح الفرنسي ولو بطريقة مختلفة، فهو: "مش معروف قرعة أبوه من وين". لهذا أيها المتعصبون لأعراقكم وأجناسكم وعقائدكم، تمهلوا قليلًا، فلا أحد يعرف قرعة أبوكم من وين!

3110

| 12 يونيو 2016

ندمر أوطاننا ثم نشتكي من المؤامرة الإسرائيلية!

ليس هناك أدنى شك بأن إسرائيل تتمنى ليل نهار، لا بل تعمل جديًا على تحويل كل أعدائها في المنطقة العربية إلى صحارى قاحلة وشعوب متخلفة فقيرة هائمة على وجوهها. ولو كنا بقوة إسرائيل ونخشى من جيراننا، لتمنينا لهم مصيرًا مشابهًا لحالنا الآن، فكل القوى عبر التاريخ حاولت أقصى جهدها كي تبقى في القمة على حساب تخلف الآخرين وخراب أوطانهم، فما بالك إذا كانوا يعادونها. حتى الأشقاء في البيت الواحد يغارون من بعضهم البعض أحيانًا، وبعضهم يريد أن يكون أفضل من بقية الأشقاء، فما بالك بالأعداء. وكذلك الدول، فهي تحاول أن تكون أفضل وأقوى من غيرها، حتى على حساب شقاء الآخرين وكوارثهم. لاحظوا أن أمريكا مستعدة أن تدوس العالم أجمع من أجل المصالح الأمريكية. باختصار، لا يمكن أن نبرئ إسرائيل من التآمر على سوريا. لكن تعالوا ننظر إلى ما آلت إليه الأوضاع في بلادنا. هل إسرائيل هي السبب؟ أم إننا استسهلنا أن ننسب كل مصائبنا وكوارثنا وفشلنا وأخطائنا القاتلة إلى إسرائيل؟ لا يمر يوم إلا وتسمع أبواق حلف الممانعة والمقاولة بزعامة النظام السوري وهي تتهم إسرائيل بالتآمر على سوريا. صحيح أن تدمير الجيش السوري يصب في مصلحة إسرائيل. لكن من دمره؟ هل فقد جيشكم "الباصل" ثلاثة أرباع جنوده ومعداته في حرب تحرير القدس من إسرائيل؟ هل واجه جيش إسرائيل منذ أربعين عامًا؟ هل خسر رصاصة واحدة باتجاه الحدود الإسرائيلية؟ هل سمح لجندي سوري بأن ينظر باتجاه حدود إسرائيل، فما بالك أن يعكر صفوها؟ هل استنزف احتياطي الوقود المخصص للجيش والقوات المسلحة في حربه مع إسرائيل؟ أم أنه دمر جيشه، وخسر مئات الألوف من جنوده، واستهلك ملايين اللترات من الوقود لتشغيل آلته العسكرية ضد الشعب السوري بالدرجة الأولى؟ ألا يخوض جيش الأسد مئات المعارك يوميًا، وكلها على الأرض السورية ضد السوريين؟ كم معركة خاض ضد العدو الصهيوني وكم معركة خاضها ضد الشعب؟ هل إسرائيل يا ترى من اتخذت قرار إنزال الجيش السوري إلى الشوارع وتوريطه في حرب مع الشعب بعد أربعة أسابيع فقط على انتفاضة الشعب السوري من أجل أبسط حقوقه الإنسانية؟ بالطبع لا. إن من اتخذ قرار توريط الجيش السوري وتدميره هو صاحب قرار إنزال الجيش إلى شوارع المدن والقرى السورية الثائرة. ولو افترضنا أن الذي دفع باتجاه هذا القرار هو الجناح الإسرائيلي داخل القيادة السورية، فهذه مشكلة النظام الذي سمح لإسرائيل باختراقه على أعلى المستويات العسكرية والأمنية، وليست مشكلة إسرائيل. لا بد أن نؤكد ثانية أن إسرائيل جارة عدوة، وتتربص بأعدائها ليل نهار. لكن لماذا يا بشار الأسد سمحت لبعض الضباط العسكريين والأمنيين الكبار أن ينفذوا المخطط الإسرائيلي في سوريا المتمثل بتوريط الجيش واستنزافه في حرب داخلية بدل محاربة إسرائيل؟من الذي دمر المدن السورية، وسوّاها بالأرض؟ الطيران الإسرائيلي، أم الطيران السوري؟ من الذي جعل مشاهد تدمير مدينة القنيطرة السورية وبيروت اللبنانية وغزة الفلسطينية على أيدي الصهاينة تبدو أقل بشاعة بكثير مقارنة بمناظر تدمير حلب وحمص وإدلب ودير الزور وداريا وريف دمشق ودرعا ومئات القرى والمدن الأخرى؟ أيهما أكثر بشاعة: منظر شوارع مدينة غزة التي قصفها الطيران الإسرائيلي، أم مخيم اليرموك الفلسطيني في دمشق الذي اضطر ساكنوه أن يأكلوا أوراق الشجر بسبب الحصار الفاشي الذي فرضه الجيش السوري وأجهزة المخابرات عليه؟ كم مدينة وقرية سورية دمر الطيران الإسرائيلي في كل حروبه مع سوريا، وكم دمر الطيران السوري؟ كم عدد الغارات التي شنها الطيران الإسرائيلي على السوريين، وكم شن طيران الأسد على المدنيين في سوريا؟ ألم يسمع بشار الأسد الشعب السوري وهو يطالبه بأن يعامله كما عاملت إسرائيل أعداءها؟ ألا يتمنى الكثير من السوريين أن يكونوا فلسطينيين بعدما وجدوا أن إسرائيل أرحم مع أعدائها من النظام السوري الفاشي مع شعبه؟ هل إسرائيل من دمر ألوف المدارس والمشافي والمخابز السورية على مدى الخمس سنوات الماضية؟ هل إسرائيل من عذب عشرات الألوف من المتظاهرين السوريين حتى الموت لمجرد أنهم طالبوا بقليل من أوكسجين الحرية؟ أم فروع الأسد الأمنية التي تفوقت على النازيين والفاشيين كما أظهرت ألوف الصور المسربة من السجون السورية؟ من الذي جعل السوريين طعامًا للأسماك والحيتان في عرض البحار؟ أليس الذي شردهم من ديارهم بوحشيته الهمجية؟ هل إسرائيل حرضت الطوائف السورية على بعضها البعض على مبدأ فرق تسُد، أم المخابرات السورية كي تعيش على تناقضات الشعب السوري وتناحره الطائفي؟ كم قتل جيشكم "الباصل" من الإسرائيليين في كل حروبه، وكم قتل من السوريين؟ كم قتل الجيش الإسرائيلي من السوريين على مدى عقود، وكم قتل الجيش الأسدي؟ من الذي شرد نصف الشعب السوري: الجيش الإسرائيلي أم الجيش الأسدي الفاشي؟ ستقولون إن الذي دمر سوريا وشرد شعبها الجماعات الإرهابية التي أرسلتها إسرائيل وأمريكا، لا بأس: يعني تعترفون بهزيمتكم أمام الجماعات العميلة لإسرائيل؟ طيب لماذا بقيتكم في السلطة إذا كانت هذه الجماعات العميلة لإسرائيل فعلت بكم وبسوريا الأفاعيل؟ وإذا كانت الجماعات المتطرفة عميلة لإسرائيل، فلماذا أخرجتم شقيقاتها من سجونكم وزودتموها بالسلاح كي تدخل في معارك استنزاف مع الجيش السوري لتخويف الداخل والخارج من الخطر الإسلامي المتطرف؟ هل من فعل ذلك التآمر الإسرائيلي، أم مخابرات الأسد؟ كيف تتهمون تلك الجماعات المتطرفة بأنها صنيعة إسرائيلية وفي الآن ذاته تخرجونها من سجونكم لتقاتلكم؟ من المتآمر إذًا؟صحيح أن إسرائيل سعيدة بدمار سوريا وتشريد شعبها وتآكل جيشها وبقاء إسرائيل الدولة الأقوى في المنطقة. لكن هل كانت إسرائيل ستكون سعيدة لو أن البغل الحاكم في دمشق تصرف بحكمة، ولم يدمر البلاد، ويشرد العباد؟ لقد كان بمقدور البغل أن يتصرف بطريقة أخرى، ويجعل إسرائيل العدو اللدود لسوريا حزينة، لكنه جعلها سعيدة جدًا دون أن يكلفها فلسًا واحدًا. لا شك بأن الدمار والخراب الذي حل بسوريا وأعادها نصف قرن إلى الوراء يصب في مصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى، لكن هل إسرائيل هي من ضغط عليكم لتدمير بلدكم رغمًا عنكم، أم أنكم دمرتم سوريا بأيديكم وبقراركم "الوطني المستقل" أيها الأوباش؟ثم هل نسيتم يا من تتهمون إسرائيل بالتآمر عليكم بأن أقوى حليف لروسيا التي تحمي النظام في سوريا هي إسرائيل؟ بعبارة أخرى إسرائيل حليفة النظام إذا ما عملنا بالمبدأ السياسي الشهير: حليف حليفي حليفي. وبالتالي من حق السوريين أن يتهموا نظامهم بأنه دمر سوريا بعد أن فشل في السيطرة عليها من أجل عيون إسرائيل.

846

| 05 يونيو 2016

من يحكم سوريا: محمد وعبد الله أم علي؟

ضربني وبكى وسبقني واشتكى. مثل ينطبق حرفيًا على النظام السوري، فقد شن اللواء الدكتور بهجت سليمان الرئيس السابق لواحد من أهم وأخطر فروع المخابرات في سوريا، وسفير سوريا السابق في الأردن، شن هجومًا لاذعًا على السيد محمد سعيد بخيتان الأمين القطري المساعد السابق وعلى عبدالله الدردري نائب رئيس الوزراء السابق للشؤون الاقتصادية في سوريا، وحمّلهما تبعات الكارثة السورية الحالية. وقد كتب اللواء سليمان منشورًا على صفحته في فيسبوك بعنوان: "بين بَخْتَنَة الحزب.. و "دَرْدَرَة الاقتصاد". ويقول في منشوره حرفيًا: "يخطئ من يظن أن التخلص من "دردرة" الاقتصاد، ومن "بختنة" الحزب، سينتهي بين عشية وضحاها..وهذان ليسا شخصين فقط، بل كانا رمزين لكل الاختراقات التي تسللت إلى الحزب والدولة..وستبقى آثار تلك الاختراقات طويلًا بين صفوفنا..ولا يقولَنَّ قائلٌ: لماذا سمحوا لهم بذلك؟! ..لأنّ تلك هي طبيعة الأمور في عالم السياسة.. ومن لا يدرك هذه البديهية، يحتاج لدروس كثيرة في دنيا السياسة..والاختراقات لا تستأذن القادةَ الشرفاء، ولا تنتظر موافقتهم، بل تتسلل من بين جنباتهم، وهي مرتدية ثوب العفة والطهارة والوطنية. وتبقى المعركةُ مستمرّةً، مع دواعش الخارج والداخل، إلى أن تعودَ سوريا الأسد إلى نقائها وصفائها وجوهرها الحقيقي، ويُزَالَ عنها ما عَلِقَ بها، عبر العقود الماضية..". انتهى كلام اللواء بهجت سليمان. أود وبكل موضوعية أن أوجه بعض الأسئلة للدكتور سليمان الذي يعتبر من عظام رقبة النظام، خاصة أنه لعب دورًا تاريخيًا في تربية بعض آل الأسد والإشراف على تحصيلهم السياسي. سيادة اللواء: أنت تعلم علم اليقين أن سوريا ليست دولة بأي حال من الأحوال، وليس فيها سلطات ثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. هذه السلطات كلها مختزلة في أجهزة الأمن الذراع الحقيقية للرئاسة السورية منذ وصول النظام إلى السلطة. أنت تعلم يا سيادة اللواء أنك أنت وأمثالك من كان يعيّن رؤساء الوزراء والوزراء والأمين القطري المساعد والأمين القومي وكل أعضاء القيادتين القطرية والقومية. وأنت تعلم علم اليقين أن أجهزة الأمن تشرف على تعيين الزبال في القيادة القطرية والفراش وصانع القهوة والشاي. ولا يمكن لأي سوري أن يحصل على أي وظيفة مهما تدنى شأنها إلا بموافقة أمنية دقيقة. وأنت تعلم قبل غيرك يا سيادة اللواء كيف تقوم أجهزة المخابرات كلها بالتدقيق في ماضي وحاضر أي مواطن سوري، وتقوم بعملية تقاطع معلومات دقيقة للغاية، وتسأل القاصي والداني عن تاريخ أبسط موظف قبل أن توظفه في دوائر الدولة، حتى لو كان سيعمل بوظيفة آذن مدرسة. وإذا كانت الدولة الأمنية الرهيبة في سوريا تعرف عن السوريين أكثر مما يعرفون عن أنفسهم، فكيف يمر عليها تعيين شخصيات مهمة كأمين قطري مساعد أو نائب لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية؟ باختصار شديد يا سيادة اللواء أنتم تعرفون البئر وغطاءها في كل شاردة وواردة في سوريا. والأهم من كل ذلك أن أي وظيفة في سوريا تكون مباشرة تحت مرأى ومسمع أجهزة الأمن ليل نهار، لأن المؤسسة الوحيدة التي تعمل في سوريا بدقة ساعة الروليكس هي المؤسسة الأمنية العتيدة.فإذا كنتم يا سيادة اللواء تتابعون بعيون زرقاء اليمامة تحركات أبسط موظف في سوريا، فكيف مرت عليكم ألاعيب بخيتان الحزبية ومؤامرات الدردري الاقتصادية؟ أنت تعلم يا سيادة اللواء أن بخيتان وكل القيادة القطرية هي عبارة عن موظفين بسيطين لا يمونون على شيء في سوريا، ولا يعرفون حتى عن أبسط تفاصيل السياسة السورية التي تحاك في الدوائر الضيقة جدًا. هل كان عبدالله الدردري يا سيادة اللواء هو من يدير الاقتصاد السوري فعلًا، أم رامي مخلوف وحيتان القصر؟ لا شك أن الدردري دمر اقتصاد سوريا، وأسهم في دفع السوريين إلى الثورة من خلال سياساته الاقتصادية الحقيرة. لكن هل كان يستطيع أن يمرر أيًا من سياساته من دون ضوء أخضر من آل مخلوف وآل الأسد المتحكمين بثروات سوريا واقتصادها؟ الدردري اقتصاديًا كبخيتان حزبيًا مجرد منفذ. وقد قال الدردري ذات يوم للقيادة: "أرجوكم لا تدفعوني لأكذب على الشعب أكثر مما كذبت فيما يخص الوضع الاقتصادي في سوريا. والله لم يعد لدى أكاذيب في جعبتي، فقد استنفدتها كلها، لأنني كذبت بما فيه الكفاية نيابة عنكم".هل بربك كان حزب البعث يحكم سوريا فعلًا في عهد بخيتان وقبل بخيتان؟ أم إنه كان وما زال مجرد واجهة مثل بقية مؤسسات الدولة الكرتونية كالحكومة ومجلس الشعب والقيادتين القطرية والقومية؟ ألا تتذكر يا سيادة اللواء عندما كنت ضابطًا قد الدنيا في المخابرات السورية؟ ألا تتذكر كيف كان كل كبار مسؤولي الدولة يحجون إلى مكتبك كتلاميذ المدارس لتقديم فروض الطاعة والحصول على رضاك؟ هل شاهدت حاكم سوريا المركزي وهو ينتظر بالدور عند سكرتير اللواء محمد ناصيف كي يحصل على الأوامر المالية والاقتصادية من إدارة أمن الدولة؟ أجهزة الأمن والقصر الجمهوري يا سيادة اللواء يدير كل شاردة وواردة في البلد عبر الهاتف. ثم عندما تنهار الأوضاع، وتفشل السياسات تبحثون عن كبش فداء مثل بخيتان والدردري.صدقني يا سيادة اللواء أن كل السوريين الآن يعرفون من المسؤول عن خراب البلد ومن أوصله إلى هنا. ولم تعد تمر عليهم نكتة أن الرئيس نظيف لكن الذين حوله عرصات. هذه النكتة السمجة انتهى زمانها. والسوريون جميعًا باتوا يعرفون أن الثلم الأعوج من الثور الكبير، أي أجهزة الأمن والقصر الجمهوري. إذا أردتم النهوض بسوريا من مأساتها التاريخية عليكم أن تسموا الأشياء بمسمياتها، وألا تحملوها للدردرة والبختنة المسكينتين. لماذا يا سيادة اللواء اخترت "عبدالله" و"محمد" وحملتهما كوارث سوريا، ولم تذكر "علي" الآمر الناهي في سوريا منذ حوالي نصف قرن من الزمان؟ لماذا بالمشرمحي تتهم المسلمين السنة بتخريب سوريا، علمًا أن المسؤولين السنة في البلاد مجرد طراطير لا يمونون على شيء؟لماذا يا سيادة اللواء تضرب البردعة وتترك الحمار؟

1531

| 29 مايو 2016

طالما العواصم بخير أبشروا بطول السلامة يا طواغيت!

يحق للطواغيت العرب أن يقلبوا مقولة الخليفة العباسي المستعصم رأسًا على عقب بكل أريحية. صحيح أن المستعصم قال عبارته الشهيرة "بغداد تكفيني" بعد أن أخبروه بأن معظم مدن وأقاليم العراق صارت في قبضة هولاكو. وصحيح أنه سرعان ما فقد بغداد التي ظن أنها ستحميه من المغول. لكن هذه الحادثة لا تنطبق بأي حال من الأحوال على أوضاع الطواغيت العرب الذين يحتمون بعواصمهم منذ سنوات وسنوات رغم أن بقية أنحاء البلاد إما أصبحت خارج السيطرة، أو أنها سقطت فعلًا في أيدي قوات المعارضة، أو أنها لا هنا ولا هناك. طالما أن العواصم محمية في حالة الحكام العرب، وهم مرتاحون داخلها، فلا بأس أن تحترق البلاد خارجها أو تسقط. لكن من الواضح أن المعارضين والثوار السوريين لم ينظروا إلى التجارب السابقة وهم يخوضون حربهم ضد نظام بشار الأسد، فظنوا أن الاستيلاء على حلب وإدلب في الشمال ودرعا في الجنوب والرقة في الشرق سيهز عرش النظام. لكن الواقع أن النظام لا يأبه حتى لو تشرد كل الشعب السوري، واحترقت حلب وبقية المدن، طالما أنه مرتاح في دمشق. ولا شك أن الأسد استفاد من تجارب زملائه في العراق والسودان عندما عمل المستحيل لحماية العاصمة، وترك بقية المناطق وحتى حدود سوريا تحت سيطرة معارضيه.طالما العواصم بخير لا خوف أبدًا على الحكام. وقد لاحظنا في الحالة السودانية أن النظام كان وما زال يخوض عشرات المعارك والحروب منذ عقود خارج الخرطوم في كردفان والنيل الأزرق ودارفور وقبل ذلك في جنوب السودان قبل أن ينفصل عن الشمال. لقد شهدت دارفور أكثر مما شهدته حلب السورية. وقد تحدث العالم عن تهجير مئات الألوف من السودانيين وقتل مئات ألوف آخرين في دارفور وحدها، ناهيك عما فعلته الحرب في الجنوب وبقية المناطق المشتعلة. وقد أدى الصراع في السودان إلى مقتل أكثر من مليون ونصف المليون شخص، بالإضافة إلى تدمير البلاد اقتصاديًا، بحيث وصل سعر العملة إلى الحضيض. هل حرك كل ذلك الخراب والدمار شعرة في رأس النظام الحاكم في الخرطوم؟ بالطبع لا بأس إن تشرد ملايين السودانيين، أو وصلت الأوضاع المعيشية في البلاد إلى حدود كارثية. ولا بأس أن تعيش بقية أصقاع البلاد حالة حروب مأساوية، طالما أن النظام سعيد في العاصمة. فالخرطوم تكفيه، وسيظل يقاتل خارجها حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.ومع أن الوضع العراقي مختلف عن الوضع السوداني، إلا أن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين صمد في العاصمة بغداد لأكثر من ثلاثة عشر عامًا، مع العلم أن بقية أنحاء العراق كانت بطريقة أو بأخرى إما تحت سيطرة جماعات المعارضة العراقية، أو أنها ممنوعة عليه بسبب خطوط الطول والعرض الأمريكية في الشمال والجنوب. وقد حرم حظر الطيران الذي فرضه الأمريكيون فوق بعض مناطق العراق، حرم النظام في بغداد من السيطرة على أماكن عدة داخل العراق. ولم يكن النظام يسيطر فعليًا إلا على العاصمة وبضع مناطق أخرى. لكن مع ذلك، لم يؤثر خروج بقية المناطق عن سيطرة العاصمة على النظام طالما أنه متحصن داخل العاصمة. ولا ننسى الوضع المأساوي أيضًا خارج بغداد بسبب الحصار الأمريكي والانهيار الاقتصادي. هل أثر ذلك على صمود النظام في العاصمة؟ بالطبع لا. فقد ظل النظام مرابطًا في بغداد حتى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. ولولا الغزو، لظل وضع النظام على حاله في بغداد لعقود وعقود. ولو جئنا الآن إلى سوريا لوجدنا أن النظام السوري سعيد جدًا بصموده في دمشق منذ خمس سنوات، لا بل مستعد أن يبقى على هذا الوضع لعقود وعقود. فحلب وإدلب والرقة ودير الزور ليست أغلى من البصرة في العراق ولا أغلى من كردفان ودارفور والنيل الأزرق في السودان، طالما أن الخرطوم وبغداد ودمشق بخير. هل تعلمون أنه تم قبل أسابيع افتتاح أكبر محل لبيع الآيس كريم في دمشق بينما كانت حلب في الشمال تحترق فعليًا؟ وطالما أن الناس في دمشق يعيشون بعيدًا عن الحرب والمآسي التي يتعرض لها بقية "أشقائهم" السوريين، فلا بأس أن يستمتعوا بحياتهم تحت رعاية بشار الأسد الذي بدوره لا تهتز له شعرة وهو يرى بقية المدن خارج السيطرة أو تحت النار، طالما هو سالم آمن في دمشق. ولتذهب الحدود السورية والسيادة في ستين ألف داهية طالما أن صواريخ المعارضة لا تستطيع أن تصل إلى قصره أو على الأقل إلى معاقله العسكرية والأمنية في العاصمة.لا شك أن القوى الدولية لها دور في إبعاد النار عن معاقل الأسد في دمشق. هل تعلمون مثلًا أن أمريكا سمحت للثوار باستخدام صواريخ "تو" المضادة للدبابات فقط في المناطق الشمالية ومناطق أخرى بعيدة عن دمشق؟ ممنوع على الثوار أن يستخدموا تلك الصواريخ ضد قوات النظام التي تحمي العاصمة. ولولا ذلك لاستطاعت تلك الصواريخ أن تدمر كل دفاعات النظام التي تحمي العاصمة كالدبابات والدروع والمدرعات. ولو لم تتوافر الحماية الأمريكية والروسية والإيرانية لدمشق، لكان النظام فعل المستحيل كي يتحصن داخل العاصمة، ويترك بقية المناطق تحترق وتنهار بشريًا واقتصاديًا. لا يهم النظام من سوريا إلا دمشق تمامًا كما اكتفى المستعصم ببغداد فقط مع فارق النتيجة طبعًا. ناهيك عن أن النظام يتفوق على غيره من الأنظمة المحاصرة بأن لها معاقل طائفية قوية أخرى في الساحل السوري.طالما عواصمكم بخير فأبشروا بطول السلامة أيها الطواغيت. وطالما أن معارضيكم مكتفون ببقية المناطق باستثناء العواصم، فهذا يعني أنهم ليسوا مهتمين بإسقاطكم، أو أنهم يتقاسمون معكم شرذمة البلاد وتشريد العباد.

864

| 22 مايو 2016

أحداث تاريخية تسبب بها "أحداث": بشار الأسد نموذجًا

هل تعلمون أن بعض الأحداث التاريخية الكبرى تعتمد فقط على تصرف فردي؟ بعبارة أخرى، يكفي أن يكون هناك قائد متسرع ليتسبب بكوارث كبرى لبلاده يدونها التاريخ. ويذكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر أنه حين التقى بوزير الخارجية العراقي الراحل طارق عزيز في جنيف بعد الغزو العراقي للكويت، كانت رجلا بيكر ترتجفان تحت الطاولة بشدة وهو يبحث مع عزير خروج القوات العراقية من الكويت. لقد كان الأمريكيون يدعون إلى الله ليل نهار أن يركب النظام العراقي رأسه، ويرفض الانسحاب من الكويت كي ينفذ الأمريكيون مؤامراتهم الرهيبة بحق العراق ونظامه. ويذكر بيكر أنه عاش أصعب لحظات القلق وهو يجلس مقابل طارق عزيز على الطرف الآخر من الطاولة خوفًا من أن يوافق عزيز على الانسحاب من الكويت، لكن، وبناء على تعليمات القيادة العراقية، أخبر عزيز جيمس بيكر بأن الجيش العراقي لن ينسحب من الكويت. وفي تلك اللحظات، يقول بيكر، إن الدم عاد إلى شرايينه من جديد، وتوقفت رجلاه عن الاهتزاز الشديد فور سماعه الرد العراقي. بعبارة أخرى، فإن المخطط الأمريكي المعد للعراق كان يتوقف على العناد العراقي، فلو قال طارق عزيز لبيكر مثلًا إن الجيش العراقي سينسحب من الكويت، لما جمعت أمريكا وقتها أكثر من ثلاثين دولة لطرد القوات العراقية من الكويت، ولتبدأ بعد ذلك بتنفيذ مخططها الشيطاني بضرب العراق لاحقًا وإعادته إلى العصر الحجري كما توعد وزير الدفاع الأمريكي وقتها دونالد رامسفيلد. ولم يكن بمقدورها أن تعيد ترتيب أوراق المنطقة بأكملها. وكذلك الأمر في الحالة السورية. فلو أن نظام الأسد تعامل مع المظاهرات الشعبية، أو ما يسميه بالمؤامرة الكونية بروية وحكمة بدل إنزال الجيش إلى الشوارع خلال أسابيع، لما وصلت أوضاع سوريا إلى هذا، ولكان قد خيّب آمال أعداء سوريا كإسرائيل وأمثالها وكل الذين كانوا يتآمرون على سوريا. فالقائد الحكيم هو الذي يستنفد كل الوسائل الذكية قبل أن يستخدم القوة الوحشية، فلطالما كانت الوسائل الدبلوماسية الحكيمة أفضل بمئات المرات تاريخيًا من الحديد والنار في معالجة الأزمات الكبرى. ولو كان حافظ الأسد مكان ابنه لربما تصرف بطريقة مغايرة تمامًا، فالرئيس الحكيم هو من يحني رأسه للرياح العاتية بدل مواجهتها. وكلنا يتذكر كيف تعامل حافظ الأسد مع التهديدات التركية عام 1999 عندما هدده رئيس الوزراء التركي مسعود يلمز وقتها بقلع عينيه وتكسير يديه واجتياح دمشق إذا لم يسلّم الزعيم الكردي عبد الله أوجلان خلال أربع وعشرين ساعة لتركيا. وبدل أن يورط حافظ الأسد سوريا في حرب خطيرة مع الأتراك وقتها، قام بتسفير أوجلان خارج سوريا، لتعتقله الاستخبارات التركية فورًا في عملية مخابراتية ناجحة. لقد جنب حافظ الأسد سوريا حربًا بغنى عنها.على العكس من ذلك، لعبت إيران وروسيا وبعض كبار ضباط الجيش والأمن في سوريا بعقل بشار الأسد في بداية الثورة، وبدل أن ينجح الفريق الوطني الحكيم في النظام بإقناع الرئيس بالتعامل بحكمة مع الثورة أو ما يسميه بالمؤامرة، نجح فريق الصقور العميل لجهات خارجية بدفعه إلى المحرقة. ويعتقد بعض العارفين ببواطن الأمور أن فريق الصقور الذي لعب بعقل بشار أراد أن يورطه، ويحقق في الآن ذاته أهداف بعض القوى الخارجية في سوريا. ويعتقد البعض أن الفريق الذي عمل على تأجيج الوضع في البلاد في بداية الثورة مرتبط بجهات خارجية، ويعمل بوظيفة عميل حقيقي ضد مصالح سوريا وشعبها. ويرى آخرون أن النظام السوري مُخترق حتى العظم، وأن الذين ورطوا الأسد من داخل النظام هم ألد أعدائه. ومن غير المستبعد أن يستلموا السلطة لاحقًا في سوريا فيما لو تمت إزاحة الأسد. بعبارة أخرى، فإن الشخصيات التي يمكن أن تحل محل الأسد وبطانته لاحقًا ستحصل على جائزتها من القوى التي تعمل لصالحها في الخارج. والجائزة طبعًا استلام السلطة في سوريا بدل الأسد. ولو كنت مكان بشار الأسد لشنقت أي مسؤول سوري يطرح الخارج اسمه بديلًا عن بشار، لأنه ما كان ليحلم بطرح اسمه بديلًا للأسد لولا أنه قدم خدمات جليلة لأسياده في الخارج على حساب النظام وسوريا معًا.لا شك أن بشار الأسد سليل حافظ الأسد في الوحشية والهمجية، لكن هل كان حافظ الأسد ليتصرف بالطريقة التي تصرف بها ابنه الطائش بشار في مواجهة الثورة السورية وتوريط سوريا في كارثة كبرى وجعلها مجرد ألعوبة في يد "اللي بيسوى وما يسواش"؟ هل كان ليسمح لنفسه ونظامه بأن يكون طرطورًا في أيدي الإيرانيين والروس؟ هل كان ليقبل أن يكون أداة في أيدي كبار جنرالات الأمن والجيش الذين لعبوا بعقل بشار وورطوه وورطوا وطنًا كان اسمه سوريا في لعبة أكبر منهم بكثير؟ بالطبع لا. حتى أقرب المقربين من الرئيس السوري يقولون بعيدًا عن الأضواء إن هذا الأحمق أدخلنا، وأدخل سوريا في الحيط. إن أفضل مثل شعبي ينطبق على ما فعله الأسد الصغير بسوريا هو المثل القائل: "مجنون رمى حجر في بئر، مائة ألف عاقل لا يستطيعون إخراجه". كم من الأحداث التاريخية الكبرى تسبب بها أحداث بتصرفاتهم الصبيانية الرعناء!

2071

| 15 مايو 2016

يا أصحاب الثورات المضادة: طابخ السم آكله

لنفترض جدلًا أن الذين أرادوا أن يعكسوا حركة الدومينو، ويقلبوا الثورات في الاتجاه المعاكس، كما توعد بشار الأسد في بداية الثورة، لنفترض أنهم نجحوا في إفشال الثورات وتحويلها وبالًا على الشعوب. لكن هل هؤلاء المتآمرون من الطواغيت والانقلابيين والعرب والغرب والدول الإقليمية: هل هم في وضع أفضل الآن بعد نجاحهم المزعوم في إحباط الثورات؟ بالطبع لا. إنهم في وضع أسوأ بكثير. ومن كان يعتقد أن العملية بسيطة وسهلة، وأن الشعوب ستعود إلى زريبة الطاعة كان مخطئًا من رأسه حتى أخمص قدميه. ومن كان يعتقد أنه يستطيع إعادة تأهيل الشعوب بالعصا الأمنية نسي شيئًا مهمًا جدًا، وهو أن الذي يريد أن يزرب الحيوانات في الحظيرة لا بد أن يكون قادرًا على توفير العلف والعليق لها على أقل تقدير. وإلا فإن حتى الكلاب الجائعة يمكن أن تأكل أصحابها. ليس صحيحًا أن تجويع الكلاب يمكن أن يحميك من شرها. لا أبدًا، فالمثل يمكن أن يكون معكوسًا. بدل أن تقول: "جوّع كلبك يتبعك"، يمكن أن تقول أيضًا: "جوّع كلبك يأكلك". لا يكفي أبدًا أن تكون قادرًا على استخدام العصا الأمنية والعسكرية في وجه الشعوب. هل لديك ما يُسكت جوع الشعوب؟ صحيح أنك تستطيع ترويض الوحوش بقطعة لحم. لكن هل لديك لحم؟ هل تستطيع أن تؤمن أبسط متطلبات الناس كي تجعلهم ينسون الثورات، ويطالبون بالاستقرار والسلام والانصياع للقيادة "الحكيمة"؟ بإمكانكم أن تعيدوا الشعوب إلى بيت الطاعة لفترة، لكنها ستطالب بقوتها لاحقًا، وستعود وتنفجر في وجوهكم ثانية، ليس فقط من أجل لقمة عيشها، بل أيضًا لأننا نعيش في زمن التواصل الاجتماعي الذي لم تعد تقبل فيه الشعوب فقط بالعلف، بل رأت كيف تعيش الشعوب الأخرى، ولا شك أنها ستطالب أيضًا بحريتها وإنسانيتها التي صادرتموها منذ عقود.يا أصحاب الثورات المضادة: لن تفلحوا في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء لا في مصر ولا في تونس ولا في ليبيا ولا في اليمن ولا في سوريا. الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة ستحرق الأخضر واليابس مهما توحش كلاب الأمن والجيوش اللاوطنية ضد شعوبها. ومن يراهن على الوصفة الجزائرية التي يقترحها الرئيس الجزائري الخارج من القبر بكفالة لسوريا وغيرها، فهو واهم. فالمشلول لا يمكن أن يساعد المنكوب.تستطيع روسيا أن تحمي النظام السوري من المعارضة لفترة عسكريًا. لكنها لا تستطيع أن تحميه من الشعب فيما بعد، لأن هناك استحقاقات كثيرة لا يستطيع النظام الوفاء بها. وروسيا تعلم جيدًا أن كل أسلحة الاتحاد السوفيتي لم تستطع حماية البلاد عندما جاع الشعب وانتفض. بعبارة أخرى القوة لا تحقق الاستقرار لا في روسيا ولا في سوريا. وحتى المساعدات الخارجية لا يمكن أن تحمي مصر أو غيرها. هل نجحت مليارات المساعدات أن تحمي مصر؟ أم أن الأوضاع في البلاد تغلي من جديد لأنه لم يتغير شيء على الأرض، لا بل زادت الأوضاع الحقوقية والاقتصادية سوءًا. وحتى تونس التي اجتازت الثورة بأقل الخسائر أصبحت على كف عفريت بسبب الثورة المضادة.أيها الطواغيت العرب يا من تحاولون إعادة الشعوب إلى تحت نعالكم الأمنية والعسكرية: حتى أسيادكم وحماتكم في الغرب باتوا يخشون من تبعات الثورات العربية وحركاتكم الانقلابية على أحلام الشعوب. هل سمعتم ما قاله وزير الخارجية البريطاني الأسبق وليام هيغ قبل أيام فقط؟ لقد قال حرفيًا إن الفوضى والاضطرابات الرهيبة في الشرق الأوسط ما زالت في بدايتها، وهي مرشحة لمزيد من التدهور. لماذا؟ لأن كل الظروف التي أدت إلى الثورات ما زالت موجودة. ويذكر الوزير في مقال له نشرته صحيفة "التليجراف" البريطانية، تحت عنوان "لا نستطيع تجاهل الفوضى بالشرق الأوسط"، أن عدة عوامل ستؤجج الفوضى مثل تزايد الكراهية الدينية والانهيار الاقتصادي وزيادة نسبة الشباب وصغار السن في هذه المجتمعات، علاوة على ضعف الحكومات وفسادها. ورأى هيغ أنه إذا أضفنا إلى ذلك عدم الاستقرار الموجود في أغلب بلدان القارة الإفريقية، فإن ذلك سيؤدي حتمًا إلى زيادة موجات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا. بعبارة أخرى، حتى الغرب بدأ يحصد ثمرة سياساته الكارثية ودعمه للديكتاتوريات في العالم الثالث. إنه مرعوب الآن من موجات الهجرة الرهيبة التي ترهب أوروبا. هل تعلمون أيضًا أن أزمة اللاجئين على وشك أن تفكك الاتحاد الأوروبي والقضاء على اتفاقية شينيغن؟أما العرب الذين تآمروا على الثورات فمخطئون إذا اعتقدوا أنهم نجحوا في تخريبها. ها هم الآن يحصدون نتيجة تآمرهم ضد الشعوب في مصر واليمن وسوريا وليبيا والعراق. إن إحباط ثورات الشعوب الأخرى لا يمكن أن يحميكم من شعوبكم. لن يبقى أحد بمنأى عن تداعيات الثورات العربية في البلدان الأخرى. ها أنتم أيها العرب الآخرون تتورطون في صراعات البلدان التي ثارت شئتم أم أبيتم. ها أنتم تستنزفون خزائنكم في شراء السلاح لحماية أنفسكم من تبعات التطورات في المحيط العربي. ومن كان بيته من زجاج فلا يرمِ بيوت الآخرين بالحجارة. كان من الأفضل لكم أن تقفوا مع أحلام الشعوب الأخرى، بدل الخوف من ثوراتها. إذا كان جارك بخير فأنت بخير. والمثل الشعبي يقول: إذا حلق جارك بل ذقنك.

952

| 08 مايو 2016

الشرق الأوسط منجم ذهب لشركات السلاح الأمريكية

هل تعلمون سبب الصمت الأمريكي عما يحدث في منطقتنا من حرائق وفوضى وخراب ودمار وصراعات؟ ليس صحيحًا أبدًا أن الرئيس أوباما رئيس عاجز وغير حازم كما يدعي بعض المغفلين، بل هو ينفذ سياسة القوى الحقيقية التي تهيمن على الساحة الأمريكية. فكما نعلم أن الذي يدير السياسة الأمريكية فعلًا ليس الرئيس ولا حتى الكونجرس، بل شركات السلاح والأدوية والكارتيلات العملاقة واللوبيات الكبرى، فهي صاحبة الكلمة الأخيرة في تحديد مسار السياسة الأمريكية. ومن المعروف أن حتى أعضاء الكونجرس المفترض أنهم أقوى من الرئيس لا يحلمون بالوصول إلى مجلس النواب من دون دعم الشركات والكارتيلات وجماعات الضغط. وبالتالي، فهم يمثلون مصالح تلك الشركات الهائلة قبل أن يمثلوا مصالح الشعب الأمريكي الذي انتخبهم. فالناخب المالي في أمريكا أهم وأقوى بكثير من الناخب الشعبي. وبما أن مصلحة شركات السلاح في أمريكا تكمن بالدرجة الأولى في بيع أكبر كم من الأسلحة وتحصيل مليارات الدولارات من الأرباح، فلا عجب أبدًا أن صمت الرئيس الأمريكي على ما يحدث في سوريا واليمن وليبيا والعراق وماطل في التخلص من داعش. ولو اندلعت نزاعات جديدة في الشرق الأوسط ستتعامل معها الإدارة الأمريكية بنفس اللامبالاة المدروسة. ليس صحيحًا أبدًا أن الشرق الأوسط لم يعد مهمًا بالنسبة للأمريكيين، وأنهم بدؤوا يتوجهون إلى آسيا. لماذا لا نقول إن أهمية الشرق الأوسط تكمن الآن في أنه مصدر دخل مالي عظيم لشركات السلاح الأمريكية؟ فما المانع أن يستنزفوا ثروات المنطقة ببيع الأسلحة ومن ثم يعودون ليستثمروا في إعادة إعمارها؟ وهم بذلك يضربون عصفورين بحجر واحد. هكذا يفكر الأمريكان دائمًا – بالمصالح المادية أولًا وأخيرًا. أضحك كثيرًا عندما أسمع البعض يتهم الإدارة الأمريكية بالعجز وقلة الحيلة فيما يخص قضايا الشرق الأوسط في سوريا والعراق واليمن وليبيا. عندما يعثر المرء على منجم ذهب ألا يستغله حتى النهاية؟ أليست منطقتنا منجم ذهب بالنسبة لشركات السلاح الأمريكية وحتى الروسية؟ ألم يعترف الرئيس الروسي نفسه بأنه يستخدم سوريا كحقل تجارب لأسلحته الجديدة، وأنه عقد صفقات بالمليارات بعد أن أثبتت الأسلحة الروسية فعاليتها في سوريا؟ فما بالك بأمريكا التي إن لم تجد حروبًا تقوم باختلاقها هنا وهناك لبيع السلاح. متى نعلم أن التراخي الأمريكي عن حل الأزمات في سوريا واليمن والعراق وليبيا ليس بسبب ضعف الرئيس الأمريكي ولا بسبب الابتعاد عن قضايا الشرق الأوسط؟ ألم يقل المستشار السابق للرئيس الأمريكي إنه سمع من أوباما حرفيًا أن الأخير يفضل استعار الحريق السوري لسنوات وسنوات؟ ولا شك أن الأمريكيين لا يمانعون في استمرار مسلسل القتل والدمار والصراع في العراق واليمن وليبيا لنفس الأسباب. هل تعلمون أن الرئيس الأمريكي أوباما الذي يعتبره البعض ضعيفًا ومترددًا باع أسلحة للشرق الأوسط أكثر من كل رؤساء أمريكا "الحازمين"؟ كيف للعرب‬ أن يطلبوا تحقيق الاستقرار في المنطقة من ‏أمريكا‬ وهي تستثمر مشاكلنا لمصالحها لتحقيق أهدافها القريبة والبعيدة، أقربها بيع ‏الأسلحة‬ بالمليارات، فقد حصدت أمريكا خلال فترة حكم ‏أوباما‬ فواتير قيمتها 48.7 مليار دولار للسعودية‬ فقط. هل تعلمون أن أمريكا باعت للسعودية أسلحة خلال فترة حكم أوباما أكثر من أي رئيس أمريكي سابق؟ هل تعلمون أن أمريكا باعت أسلحة للسعودية خلال فترة جورج بوش "الشرير" بمبلغ ستة عشر مليارًا فقط، بينما باعت في عهد أوباما "الطيب" بثلاثة أضعاف المبلغ؟ ولو قارنا فترة أوباما بفترات الرؤساء الذين سبقوه لوجدنا أنه تفوق عليهم جميعًا في بيع السلاح للمنطقة وتشجيع الصراعات. فحسب إحصائية صادرة عن وكالة التعاون العسكري والأمني الأمريكية فإن جورج بوش الأب والابن وكلينتون وريجان وكارتر وفورد ونيكسون لم يبيعوا كما باع أوباما من سلاح للعرب خلال فترة حكمه حسب إحصاءات الوكالة الأمريكية؟ ثم يأتي بعض المغفلين ليطالب أوباما بإقفال المنجم الذي ينتج له ذهبًا في سوريا والعراق وليبيا واليمن. ليس صحيحًا أبدًا أن أوباما يفضل بشار الأسد على المعارضة السورية. وليس صحيحًا أنه يريد بقاء النظام والأسد. لا أبدًا، بل هو يريد استمرار الصراع. لهذا رفض رفضًا قاطعًا تزويد المعارضة السورية بصواريخ مضادة للطائرات، ليس لأنه خائف على الطائرات الأمريكية والإسرائيلية والأوروبية في الأجواء السورية، بل لأنه يعرف أنه إذا أعطى تلك الصواريخ لقوات المعارضة السورية فإن ذلك سينهي الصراع في سوريا، وبالتالي سيتوقف شراء السلاح؟ لا ما نع لدى أمريكا أن يستمر الصراع في اليمن لعقود وعقود طالما أنه يدر المليارات على شركات السلاح الأمريكية. وليس هناك أدنى شك أن الإدارة الأمريكية على ضوء ذلك سعيدة جدًا بـ"فتوحات" داعش ومغامراتها في المنطقة لأنها تدفع الجميع إلى التسلح. هل تذكرون كلام وزير الدفاع الأمريكي الأسبق الذي قال إن القضاء على داعش يتطلب أكثر من ثلاثين عامًا؟ هل من عاقل لم يفهم إلى الآن لماذا تُرِكت إيران تُلهب دول المنطقة بميليشياتها العابرة للحدود؟ إن الأمريكان يعتاشون على الحروب، وهم المُغذي لها. غالبًا هُم لا يصنعون المشاكل ولكن إن حدثت، يُمسكون بأطرافها ويحلبونها حتى آخر قطرة.ولا ننسى الهدف الأمريكي والإسرائيلي الأسمى وهو ترك الدول ‏العربية‬ تمزق نفسها بنفسها لصالح بقاء ‏إسرائيل‬ وتفوقها على محيطها.إن طالب الاستقرار في الشرق الأوسط من أمريكا كطالب الدبس من ذنب النمس. ألا يقول المثل الإنجليزي: لا تقتل الأوزة التي تبيض ذهبًا؟

2707

| 01 مايو 2016

للقضاء على ثورة قل إنها إسلامية!

لا شك أنكم سمعتم أبواق النظام السوري في الأيام الأولى للثورة وهي تصور المتظاهرين وكل أنواع النشاطات الثورية السلمية على أنها أعمال إرهابية إسلامية. أول من وصم الثورة السورية بالإرهاب هو إعلام النظام. ولم يكن ذلك عبثًا، بل كان بداية لتنفيذ الخطة الموضوعة لشيطنة الثورة وإلباسها ثوبًا إسلاميًا منذ انطلاقتها لتأليب العالم عليها. لا بل إن أجهزة المخابرات السورية دفعت ببعض عملائها إلى ارتداء ثوب ديني في مناطق كثيرة ليخطبوا أمام المتظاهرين، ويدعوا إلى إقامة نظام إسلامي في سوريا. وقد شاهدت بأم عيني أحد رجال الدين وهو يقف على شرفة إحدى البلديات ويصرخ بأعلى صوته أمام المتظاهرين داعيًا إلى أسلمة البلاد. وقد تساءلت في تلك اللحظات قبل حوالي خمس سنوات: كيف تجرأ ذلك الشيخ على ذلك الفعل، دون أن أدري أنه لم يكن شيخًا بقدر ما كان عميلًا للمخابرات هدفه إلباس الثورة ثوبًا دينيًا يسهّل على النظام وصمه بالإرهاب والتطرف لاحقًا بسهولة فائقة ودفع الغرب إلى مواجهته بدل التعاطف مع الثورة.وبعد أسابيع فقط سارع النظام إلى إعلان عفو عام في سوريا. وقد ظن بعض المغفلين وقتها أنه يريد أن يرطب الأجواء مع الشعب الثائر، بينما كان الهدف من العفو ليس إطلاق المساجين والمتظاهرين السلميين، بل إطلاق الإسلاميين المتشددين، وعددهم بعشرات الألوف، بحيث يؤكد النظام لاحقًا نظريته التي أطلقها بأنه لا يواجه ثورة، بل إسلاميين إرهابيين.وحسب لبنانيين مقربين من نظام الأسد، فقد ترك النظام الورقة الإسلامية حتى المرحلة الأخيرة. كيف لا وهو ماهر جدًا في التلاعب بها، فقد اعترف اللواء علي مملوك رئيس مكتب الأمن القومي، حسب وثائق ويكيليكس، بأن المخابرات السورية كانت قد أخبرت الاستخبارات الأمريكية بأنها قادرة على اختراق كل الجماعات الإسلامية وتسييرها حسب المُراد. وبينما كانت الثورة السورية على وشك أن تضع النظام في الزاوية، راح يركز بشكل مكثف على تضخيم الجانب الإسلامي "الإرهابي" بين قوسين في الثورة، وهو بعبع لا يضاهيه أي بعبع آخر في تخويف الداخل والخارج على حد سواء. وبينما كان الجميع يتحدث عن ثورة شعب، كان النظام وحلفاؤه يتحدثون عن جماعات إسلامية إرهابية في سوريا.وعندما وافق النظام على التفاوض مع المعارضين في مؤتمر جنيف الأول، رفض مناقشة أي شيء باستثناء موضوع الإرهاب. وقد قال ممثله في الأمم المتحدة وقتها إن مشكلة سوريا تتمثل أولًا وأخيرًا في قضية الإرهاب. ولا يمكن حل أي مسألة دون مكافحة الإرهاب أولًا. ومن الواضح أن رسالته بدأت منذ مؤتمر جنيف الأول تصل إلى العالم، خاصة الغرب. وقد لاحظنا أن الإعلام الغربي بدأ شيئًا فشيئًا ينسى شيئًا اسمه ثورة شعب في سوريا، وراح يتحدث فقط عن جماعات إرهابية، خاصة بعد أن بدأ اسم داعش يلمع بقوة في سوريا والعراق. وقد استفاد النظام السوري كثيرًا من سيطرة داعش على مدينة الرقة في سوريا وعلى الموصل في العراق، بحيث أصبحت المهمة أسهل بالنسبة له عندما يريد إقناع العالم بإسلامية الثورة. واليوم بعد أن أنهت الثورة السورية عامها الخامس، نستطيع القول إن النظام نجح نجاحًا باهرًا في إقناع العالم بأنه يواجه إرهابًا إسلاميًا وليس ثورة شعبية. وقد لاحظنا منذ أشهر كيف بدأ الكبار يتحدثون سرًا وعلنًا عن ضرورة إشراك الجيش السوري في عملية مكافحة الإرهاب في المنطقة متناسينً كل ما فعله ذلك الجيش الفاشي بالسوريين. لقد أصبحت الجماعات الإسلامية ممثلة بداعش وغيرها الشغل الشاغل للعالم، بينما غدا النظام السوري شريكًا في مكافحة الإرهاب المزعوم. ولم يعد ينظر الإعلام الغربي إلى الرئيس السوري كمجرم تاريخي، بل كضحية للإرهاب الإسلامي، وراح يصوره شريكًا إستراتيجيًا في التصدي للإرهابيين الإسلاميين الذين أخذوا بدورهم يهاجمون العواصم الغربية كباريس وغيرها. لماذا بعد خمس سنوات توجهت أنظار العالم إلى داعش والجماعات الإسلامية الأخرى ونسيت أصل البلاء؟ لماذا يركزون على تنظيمات إسلامية لم تقتل من السوريين بضع مئات، بينما قتل النظام مئات الألوف وهجّر الملايين، ودمر ثلاثة أرباع البلاد؟ أيها العالم الأعور، فلتذهب داعش وأخواتها في ستين ألف داهية، لكنها ليست أساس المشكلة السورية، فلماذا أصبح بعبع الإسلاميين الشغل الشاغل في وسائل إعلامكم، بينما تتسابق التلفزيونات الغربية على إجراء مقابلات مع بشار الأسد بهدف التلميع والترويج، مع العلم أنه رأس الكارثة في سوريا؟لا نقول أبدًا إن الثورات يجب ألا ترفع شعارات إسلامية. لا أبدًا، فمعظم الثورات العربية ضد الاستعمار قادها إسلاميون، وقد كانوا على الدوام مقاتلين صناديد أشداء في ساحات الوغى. لكن بعد أن شيطن الإعلام الغربي وحتى العربي كل ما هو إسلامي، فقد أصبحت أسهل طريقة للقضاء على أي ثورة شعبية إلباسها ثوبًا إسلاميًا. ما على الطواغيت إلا أن يربطوا أي حركة شعبية بالإسلام والإسلاميين، فيهرع العالم الحقير أجمع لمساعدتهم في القضاء عليها، حتى لو كانت مشروعة مائة بالمائة.

1427

| 24 أبريل 2016

تعلموا من إيطاليا وإسرائيل!

نحن العرب ربما نكون أكثر الشعوب التي تكتب شعرًا ورومانسيات وقصائد غزل بالمبادئ الإنسانية كالأخوة والعدالة والمساواة وإغاثة الملهوف وحفظ الأرواح والأموال وحماية النفس البشرية، لكن كل عواطفنا ليست سوى مشاعر عابرة في الواقع العملي، إن لم نقل في محل مجرور في أحسن الأحوال، وربما لا محل لها من الإعراب أبدًا. نقول هذا الكلام ونحن نتابع الحملة الإيطالية الإعلامية والسياسية والإنسانية والمدنية والحقوقية العظيمة التي انطلقت في إيطاليا ومختلف أنحاء العالم تنديدًا بقتل الطالب الإيطالي لوجيو ريجيني الذي لقي مصرعه في مصر قبل فترة. لم تدع إيطاليا مقتل مواطنها يمر مرور الكرام للحفاظ على علاقاتها "التاريخية" مع مصر، ولم تتستر على القضية، بل عملت من الحبة قبة بحجم هرم خوفو المصري الشهير. لقد أصبحت قضية ريجيني قضية رأي عام أوروبي وربما عالمي، وأصبحت الحكومة المصرية في وضع مأساوي لا تحسد عليه بعد أن حوّلها الإعلام الإيطالي خصوصًا والغربي عمومًا إلى لحم مفروم. لا شك أن النظام المصري يعيش أزمة حقيقية الآن ليس بسبب الوضع المعيشي الرهيب الذي تعانيه غالبية الشعب المصري، ولا بسبب انخفاض سعر الجنيه إلى الحضيض، ولا بسبب الاضطرابات السياسية التي تحدق بمصر، بل لأنه أصبح في مرمى الإعلام الغربي بسبب مقتل الطالب الإيطالي في مصر على أيدي أجهزة الأمن المصري أو غيرها. لا يهم من قتل ريجيني بالنسبة للإيطاليين، بل المهم أنه مواطن إيطالي مات في مصر في ظروف غامضة، ولا بد من زلزلة الأرض تحت أقدام الذين قتلوه وتحميل المسؤولية للنظام المصري وأجهزته عمومًا. لا يمر يوم إلا ويطرح البرلمان الإيطالي قضية مقتل ريجيني. لا يمر يوم إلا وتمتلئ الصحف الإيطالية وشاشات التلفزيون الإيطالي بتطورات قضية الطالب. لا يمر يوم إلا وتتعرض مصر لكل أنواع الانتقادات والتشويه والهجمات الإعلامية القاسية. لا يمر يوم إلا وتنطلق التظاهرات والاعتصامات في شوارع إيطاليا ضد مصر تنديدًا بمقتل ريجيني. لا يمر يوم إلا وتجد الحكومة المصرية نفسها في مأزق لأنها حتى الآن لم تقدم شرحًا مقبولًا للإيطاليين حول موت الطالب لوجيو ريجيني. وكم شعرت بالحزن وأنا أرى المسؤولين المصريين على شاشات التلفزيون وكأنهم يتحدثون من داخل قفص الاتهام وهم يردون على المطالب والتساؤلات الإيطالية المحرجة. لقد استنفر الإعلام المصري والدولة المصرية عمومًا من أجل قضية الطالب ريجيني. لم يعد لدى الحكومة من هم سوى الخلاص من تلك القضية التي تؤرق النظام المصري منذ أسابيع بأي ثمن وبأي طريقة. لقد بات شبح الطالب الإيطالي البسيط يشكل كابوسًا مرعبًا للحكومة المصرية بعد التركيز الإعلامي الرهيب على مقتله إيطاليًا وأوروبيًا وعالميًا، وبعد أن وصل الأمر بالدولة الإيطالية إلى سحب سفيرها من القاهرة احتجاجًا على تقاعس السلطات المصرية في تقديم أجوبة وافية على الأسئلة الإيطالية.لاحظوا كيف تأهبت إيطاليا رسميًا وإعلاميًا وشعبيًا من أجل حياة طالب بسيط قُتل في مصر، وكيف يموت عشرات الألوف من العرب يوميًا كالذباب دون أن نسمع أحدًا يذكر حتى أسماءهم، فما بالك أن يترحم عليهم، أو يندد بقتلهم لا سمح الله. إن الشعوب والحكومات التي تقيم الدنيا من أجل حياة مواطن، لا شك أنها ستحمي حياة بقية الشعب، وستجعل كل من يحاول الاعتداء على مواطنيها يفكر مليون مرة، لأنه سيلاقي جزاء لم يتصوره في حياته. هكذا تحمي الحكومات التي تحترم شعوبها أوطانها وأهلها. أما الحكومات التي تتعامل مع مواطنيها كما لو كانوا مجرد أسراب من الذباب، فسيستخف الجميع بها، وسيقتلونها وسيدوسون عليها كما يدوس الناس على النمل. إن قضية الطالب الإيطالي تذكرنا بقضية الأسير الإسرائيلي الشهير شاليط الذي أسرته حركة حماس قبل سنوات. لم تهدأ إسرائيل بعدها يومًا واحدًا وهي تحاول بكل الطرق والأساليب استعادة مواطنها المخطوف. وقد جعلت منه قضية رأي عام إسرائيلي، لا بل عالمي، بحيث لم يبق إنسان في الشرق والغرب إلا وسمع باسم شاليط الإسرائيلي. وقد كتبت وقتها مقالًا بعنوان: "شاليط الإسرائيلي، وشلّووط العربي"، أوضحت فيه أن الفرق بين المواطن الإسرائيلي والغربي من جهة والمواطن العربي من جهة أخرى كالفرق بين الإنسان والشلووط، أي الشحاطة. وعندما نبادل نحن العرب أسيرًا إسرائيليًا بألف أسير عربي، فهذا اعتراف عربي صريح بأن كل إنسان إسرائيلي أو غربي يساوي ألوف العرب. هل شاهدتم يومًا بلدًا عربيًا يبادل عربيًا بإسرائيلي؟ معاذ الله، فكل مليون شلووط عربي بشاليط إسرائيلي أو أوروبي واحد. يا بلاش! لاحظوا الآن كيف تسعى إسرائيل بكل ما أوتيت من قوة لاسترجاع رُفات الجاسوس الإسرائيلي الشهير إيلي كوهين الذي اخترق النظام السوري لسنوات ثم أعدموه في دمشق قبل عقود. هل تعلمون أن أي اجتماع بين القيادة الإسرائيلية والروسية هذه الأيام يمضي الإسرائيليون نصفه في إقناع روسيا بالتوسط لدى النظام السوري كي يفرج عن رفات كوهين كي يعيدوا دفنه في إسرائيل؟ ولن نتفاجأ إذا قام بشار الأسد بتسليم رُفات الجاسوس الإسرائيلي لروسيا كي تسلمه بدورها لإسرائيل ليكسب مزيدًا من الرضا الإسرائيلي.لاحظوا الفرق بين إسرائيل والنظام السوري، فبينما تطلب إسرائيل من الرئيس الروسي بوتين ليل نهار المساعدة باسترداد رُفات مواطنها كوهين من سوريا، نرى أن بشار الأسد يطلب من بوتين المساعدة في ذبح السوريين واستخدام كل أنواع الأسلحة الروسية الحديثة الفتاكة لقتل الشعب السوري وتدمير سوريا. وقد اعترف بوتين نفسه بأن سوريا أصبحت أفضل مكان لتجريب الأسلحة الروسية.الزعيم الذي يستخف بشعبه، ويقيم وزنًا للشعوب الأخرى ليس محط احترام لدى الخارج، بل هو محط ازدراء واحتقار.احترموا شعوبكم كي يحترمكم الآخرون.تعلموا من إيطاليا وإسرائيل!

2963

| 17 أبريل 2016

كن كـ بشار الأسد ترضى عنك أمريكا... كن كـ أردوغان تتآمر عليك

كل من يراهن على العدالة الأمريكية إما مغفل أو ابن ستين ألف مغفل، فقد قالها الكثير من الإستراتيجيين الأمريكيين، وعلى رأسهم، جورج كنان في الخمسينيات عندما سخر من كل الذين يؤمنون بالعدالة الأمريكية. وقد قال ما معناه إن كل من يعتقد أننا نحترم حقوق الإنسان، أو نشجع على العدالة والديمقراطية يجب أن يزور أقرب طبيب نفسي. هذا هو النهج الأمريكي منذ أن ظهرت أمريكا كقوة عظمى على المسرح العالمي. وبالتالي، لا تتفاجؤوا أبدًا إذا كانت أمريكا تتحالف مع الشياطين من أجل مصالحها القذرة، وتدوس كل القيم والأخلاق والديمقراطيات عندما تتعارض مع مصالحها. لا تتفاجؤوا أبدًا إذا رأيتم أمريكا تدعم أحقر وأقذر الطواغيت على وجه الأرض، بينما تعادي كل من يحاول أن ينهض بوطنه وشعبه. بعبارة أخرى، فإن الأمريكيين لا يتحالفون مع الأخيار، بل مع الأشرار، لأنهم يحققون المصالح الأمريكية أكثر بكثير من الأخيار الذين غالبًا ما يحققون مصالح شعوبهم وبلادهم. وكل من يحاول أن يحقق مصالح شعبه، فسيكون بالنتيجة عرضة للاستهداف الأمريكي. لقد درج الأمريكيون تاريخيًا على احتضان أبشع الطواغيت والجنرالات، خاصة في أمريكا اللاتينية حديقتهم الخلفية. وذات يوم سأل صحفي أمريكي الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون: "يا سيادة الرئيس أنتم ترفعون شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنكم في الوقت نفسه تدعمون ذاك الطاغية الحقير الذي يحكم شعبه بالحديد والنار. هل يعقل أنكم يا سيادة الرئيس تدعمون حاكمًا ابن زنا"، فرد نيكسون ببرود شديد قائلًا: "صحيح أننا ندعم هذا الطاغية النغل (ابن الزنا)، لكنه ابن الزنا بتاعنا". لقد لخص نيكسون السياسة الخارجية الأمريكية ببلاغة عز نظيرها. ولو أردنا أن نحلل السياسة الأمريكية الآن تجاه بشار الأسد وأردوغان مثلًا، فما علينا إلا أن نسترجع كلمات نيكسون، فالأمريكيون يحتضنون، ويدعمون فقط من يحقق مصالحهم، وليس من يحقق مصالح بلاده. لاحظوا بربكم كيف أن أمريكا تركت طاغية كـ بشار الأسد يقتل أكثر من مليون من شعبه، ويشرد حوالي خمسة عشر مليونًا، ويحول بلدًا عظيمًا إلى ركام على مدى خمس سنوات، دون أن يرمش لها جفن. وكل ما فعلته على مدى الأعوام الماضية إطلاق تصريحات سخيفة لم تعد تقنع أطفال المدارس مثل تصريح أن بشار الأسد فقد شرعيته. ليس لدى أمريكا للضحك على ذقون السوريين والعرب سوى ذلك التصريح البائس. وقد أعلن ضابط كبير من وكالة الاستخبارات الأمريكية قبل أيام أن الوكالة قدمت للرئيس باراك أوباما أكثر من خمسين خطة للإطاحة بالنظام السوري، لكن الرئيس أوباما رفضها جميعها. ويقول أحد الساخرين إن الرئيس الروسي بوتين المفترض أنه حليف بشار الأسد الأقوى استخدم حق النقض الفيتو مرتين فقط في مجلس الأمن لحماية بشار الأسد من السقوط، بينما الرئيس الأمريكي المفترض أنه ليس حليفًا لبشار الأسد رفض أكثر من خمسين خطة لإسقاط بشار. وبالتالي، يمكن القول ببساطة إن الصمت الأمريكي على ما يفعله الرئيس السوري بسوريا والمنطقة منذ خمس سنوات هو بمثابة شهادة حسن سلوك أمريكية لبشار الأسد، على اعتبار أن الصمت علامة الرضا، فلو لم تكن أمريكا سعيدة بما يفعله الأسد، ولو لم يحقق لها ما تريد، لما تركته يعيث خرابًا ودمارًا وتشريدًا منذ خمس سنوات. صحيح أن أمريكا تتخلص بلحظة ما من عملائها وخدمها، لكنها تدعمهم دعمًا هائلًا أثناء تأدية واجبهم لصالحها كما تفعل الآن مع النظام السوري. وبينما نرى أمريكا ترفض المساس بأبشع طاغية في العصر الحديث، نسمع كبار المسؤولين الأمريكيين وهم يؤيدون علنًا أي انقلاب يطيح بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي حقق لبلاده المعجزات على الصعيد الاقتصادي والديمقراطي والنهضوي. وقد قال السيناتور الأمريكي ميشيل روبين قبل أيام فقط إن جهات سياسية أمريكية مستعدة بالاعتراف بأي انقلاب يستطيع الإطاحة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رغم أن أردوغان وصل إلى السلطة بانتخابات شعبية ديمقراطية مائة بالمائة، بينما بشار الأسد وصل إلى السلطة زورًا وبهتانًا، وغيروا له الدستور بدقائق كي يناسب عمره الصبياني آنذاك. واستمر في السلطة عبر استفتاءات مفبركة النتائج في أقبية المخابرات. مع ذلك بدأت أمريكا الآن تقول إن مصير الأسد بيد الشعب السوري. حتى أنها سحبت تصريحاتها السخيفة السابقة التي كانت تقول إن الأسد فقد شرعيته. وعندما نسمع أمريكا وروسيا تقولان الآن إن مصير الأسد يجب أن يقرره الشعب السوري، فهذا يعني حرفيًا أن واشنطن وموسكو تدعمان بقاء الأسد أو فرضه على السوريين زورًا في انتخابات مزيفة محسومة النتائج مسبقًا. متى استطاع السوريون أن يختاروا رئيسهم بحرية أصلًا بوجود أجهزة أمن تزوّر حتى درجات الحرارة؟لم أر منافقين أكثر من الأمريكان أبدًا، فعندما زار الرئيس التركي أمريكا قبل أيام، راحوا يهاجمونه هناك بشدة بحجة اعتقال صحفي تركي. بالنسبة للإدارة الأمريكية: أردوغان ديكتاتور، لأن حكومته حققت مع صحفي، أما بشار الأسد الذي قتل أكثر من مليون سوري، واعتقل أكثر من نصف مليون، ودمر ثلاثة أرباع سوريا، وقام بتشريد نصف السوريين، فأمره، بالنسبة لجوقة الكذب والنفاق في واشنطن، متروك للشعب السوري كي يقرره ديمقراطيًا. يا للهول! يعني أردوغان الذي انتقل بتركيا إلى العالم المتقدم ديمقراطيًا واقتصاديًا ديكتاتور صغير كما وصفه أوباما، ويجب تقليم أظافره. أما بشار الأسد الذي انتقل بسوريا إلى العصر الحجري فأمره متروك للسوريين حسب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية. لاحظوا كيف يشيطن الإعلام الغربي الديموخراطي أردوغان، ويمجد نيرون العصر وهولاكو الشام بشار الأسد. "إذا رضيت عنك أمريكا، فاتهم نفسك". مقولة تنطبق حرفيًا على النظام السوري. كن طاغية كـ "بشار الأسد" يرضى عنك الأمريكان. كن زعيمًا وطنيًا كـ "أردوغان" يتآمر عليك الأمريكان.

3317

| 10 أبريل 2016

هل نجح النظام السوري في استنساخ التجربة الجزائرية؟

حذرنا منذ بداية الثورة قبل خمس سنوات من أن النظام السوري يحاول استنساخ التجربة الجزائرية بالقضاء على الثورة من خلال الاستعانة بجماعات إرهابية كي يقنع الداخل والخارج بأنه لا يواجه ثورة شعبية، بل حركات إرهابية. لقد نجح جنرالات الجزائر في هذه اللعبة القذرة بمباركة دولية. ونظام الأسد أحرز بدوره تقدمًا واضحًا على طريق استنساخ اللعبة الجزائرية أيضًا بمباركة دولية. وزيارة وليد المعلم إلى الجزائر قبل أيام قليلة تأتي في هذا السياق، خاصة أن الجنرالات يساعدون الأسد ضد الثورة السورية منذ البداية، تمامًا كما ساعدهم حافظ الأسد في التسعينيات للقضاء على ثورة الشعب الجزائري. ويذهب البعض أبعد من ذلك حين يعتبر داعش السورية نسخة طبق الأصل عن "الجيا" الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر التي صنعتها أجهزة الأمن، وتركتها تعيث قتلًا وتفجيرًا في أنحاء البلاد لتشويه الثورة الشعبية والحركة الإسلامية المعارضة في الجزائر آنذاك. ومن الواضح أن نظام المخابرات السوري يطبق حرفيًا الوصفة المخابراتية الجزائرية بإطلاق العنان للجماعات الإسلامية المصنوعة في أقبية المخابرات كي يقضي على ثورة الشعب السوري وتصويرها على أنها حركة إرهابية، وذلك بمباركة دولية لا تخطئها عين، بدليل أن أمريكا وروسيا باركتا طرد النظام لداعش من مدينة تدمر قبل أيام، مع العلم أن موسكو وواشنطن تعلمان علم اليقين، أن ما حدث في تدمر لم يكن معركة، بل عملية استلام وتسليم بين جيش النظام وداعش. ولا شك أن اللعبة نجحت، بحيث بات الداخل والخارج يصدق كذبة الإرهاب المخابراتي في سوريا دون أن يعلم أنها صناعة أمنية بامتياز.لهذا بات البعض يخشى، على ضوء المبادرات الدولية والروسية تحديدًا، أن تنتهي الثورة السورية على الطريقة الجزائرية البائسة، وأن يعود جنرالات الأمن والجيش إلى تشديد قبضتهم على البلاد والعباد عبر مصالحات زائفة وقوانين الوئام الوطني الكاذبة المفصلة على مقاس القتلة والمجرمين الذين عاثوا في البلاد خرابًا وتدميرًا وقتلًا. قارنوا بين التجربة الجزائرية والتجربة السورية على صعيد الإرهاب المخابراتي، فقد ظهرت في الجزائر وقتها جماعات متطرفة مجهولة المنشأ، شعارها محاربة النظام وتشويه سمعة المعارضة. بالمقابل، برزت على الساحة السورية أيضًا جماعات لم يعرف أحد من أين جاءت. والغريب أن كل تلك الجماعات جاءت باسم الدين وشعارها "الله أكبر". ويعتقد الكثيرون أنها صنيعة أمنية في كلتا الحالتين، ولكم القياس. ثم تلا ذلك البدء في حملات التصفية الجماعية لكل من كانت له علاقة من قريب أو من بعيد بالمعارضة الأصلية.لاحظوا أن العالم في ذلك الوقت تحرك، لكن ليس لإنصاف الشعب الجزائري المسكين، بل لإنهاء الصراع لصالح الجنرالات والحفاظ على النظام، والآن العالم يعيد الكرة في سوريا، حيث تناسى ما حل بالسوريين من كوارث، وأصبح همه الوحيد الحفاظ على الحكم في دمشق من خلال مصالحات مفروضة على الشعب فرضًا بعد أن ذاق الأمرين على مدى سنوات من التشرد والجوع والمرض والدمار.وكما دخل الشعب الجزائري وقتها في حالة من الضياع والتيه والحسرة، وكان يتمنى الرجوع إلى نقطة البداية والرضا بالواقع، فإن الكثير من السوريين بات يحن إلى أيام الطغيان الخوالي، ويريد سلته بلا عنب. وعلى ضوء ذلك توقعنا الأحداث التالية في سوريا بناء على النموذج الجزائري. أولًا: الدعوة إلى الحوار بين أطراف النزاع برعاية أصحاب المصالح الدوليين، وهذا ما يحدث الآن حرفيًا عن طريق المفاوضات بين النظام والمعارضة. ثانيًا: الدعوة إلى الوئام المدني ووقف إطلاق النار واعتبار الوضع حربًا أهلية، وبالتالي لا أحد سيُحاسب لاحقًا. ثالثًا: الدعوة إلى مصالحة وطنية، وذلك يعني عفا الله عما سلف، وينجو الجميع بفعلته والذين ماتوا، والمجرمون حسابهم عند ربهم ولا عقاب، ولا متابعة، ولا هم يحزنون في الدنيا. رابعًا: بقاء النظام في الحكم، ويتم استبدال الرئيس بشخصية جديدة، لكنه في الواقع تطور يخدم النظام ويدعم قوته، ويعطيه شرعية جديدة لم يكن يحلم بها قبل الثورة. خامسًا: عندما ترضى المعارضة بالمصالحة فاقرأ السلام عليها، لأن النظام سيعمل على تلميع صورته وتشويه سمعة الطرف الآخر، ويستحيل بعدها القيام بثورة ديمقراطية في البلد. سادسًا: العودة إلى نقطة الصفر، والجميع سيسكت خوفًا من تكرار الأحداث من جديد، وكلما ظهرت بوادر انتفاضة قام النظام بتفجير هنا وآخر هناك، فيهدأ الجميع.ولمن ما زال لديه أمل في الحرية، فإن النظام الذي قتل مليون سوري لا يقيم لك أي وزن ولا أهمية لوجودك، فيما لو تمكن ثانية. لاحظ كيف صمت الشعب الجزائري بعد تلك التجربة المريرة، وانظر إلى أين وصل وضعه الآن. رئيس مشلول، وفساد ليس له مثيل، ومجرمون يمارسون الموبقات على رؤوس الأشهاد، ولا أحد يجرؤ على الكلام، فالجميع خائف. والسوريون سيكونون في وضع مشابه. وكل من يعترض سيتم اتهامه بالإرهاب، على اعتبار أن النظام أعاد السلام للبلاد بالقضاء على الإرهابيين الذين وظفهم نظاما الجزائر وسوريا لخدمة المخطط الشرير للقضاء على الثورة.هل تعلم أن جنرالات الجزائر كانوا في تسعينيات القرن الماضي يستوردون من الصين حاويات مليئة بألوف اللحى الإسلامية كي يلبسها عناصر الأمن ليظهروا بمظهر الإرهابيين؟ والهدف من ذلك، كما أسلفنا، كان إفشال ثورة الشعب الجزائري آنذاك ضد حكم العسكر وشيطنتها. يبدو أن وزير الخارجية السوري وليد المعلم الذي زار الجزائر قبل أيام كان من بين أهدافه التعاقد مع الجنرالات هناك على حاويات لحى إسلامية جديدة بعد نفاد الكمية في سوريا.

2258

| 03 أبريل 2016

لماذا يتناسى الأوروبيون المبتلون بالإرهاب تهديدات مفتي سوريا لهم في عام 2011؟

لا أدري لماذا يصم الإعلام الغربي أذنيه، ويغمض عينيه عن التهديدات التي أطلقها أحمد حسون مفتي النظام السوري في شهر أكتوبر من عام 2011. لقد مرت تلك التهديدات الخطيرة الصادرة عن أعلى سلطة دينية في سوريا مرور الكرام في الإعلام الغربي دون الانتباه لخطورتها على أمن أوروبا، رغم أن مفتي سوريا هو مجرد موظف تابع لأجهزة الأمن السورية، ولا يمكن لأي مسؤول صغير في النظام المخابراتي السوري أن يدلي بأي تصريح بسيط دون العودة إلى دوائر الأمن، فما بالك أن يصدر التهديد الإرهابي من أعلى مسؤول ديني في البلاد. لا شك أن التهديد الذي هدد فيه أحمد حسون الأوروبيين إذا لم ينصاعوا لأوامر النظام تمت كتابته في أحد فروع المخابرات الإرهابية السورية وليس في دار الإفتاء. مع ذلك لم نقرأ في أي صحيفة غربية إشارات إلى إمكانية تورط نظام الأسد في الأعمال الإرهابية التي تشهدها أوروبا، لا أثناء الهجمة الإرهابية على باريس قبل أشهر، ولا أثناء الهجمة الإرهابية التي تعرضت لها بروكسل قبل أيام. هل هو نوع من التجاهل، أم أنه مطلوب من الإعلام الغربي ألا يركز كثيرًا على قذارات النظام السوري، وأن يتستر على ما يفعله الأسد، لأن المتحكمين بالإعلام العالمي لا يريدون إزعاج النظام، ويطلبون منه إكمال مهمته في تدمير سوريا وتهجير شعبها، حتى لو أساء أحيانًا للدول الغربية. لقد هدد مفتي سوريا قبل أكثر من أربع سنوات أوروبا وأمريكا بعمليات انتحارية يقوم بتنفيذها أشخاص موجودون بالفعل في أوروبا وأمريكا في حال تعرضت سوريا لأي قصف أو اعتداء. وقال حسون في مقطع فيديو تم بثه على اليوتيوب: "مع انطلاق أول قذيفة صوب سوريا فلبنان وسوريا سينطلق كل أبنائهما وبناتهما ليكونوا استشهاديين على أرض أوروبا وفلسطين". وأوضح حسون "أقولها لكل أوروبا وأقولها لأمريكا: سنعد استشهاديين هم الآن عندكم إن قصفتم سوريا أو قصفتم لبنان، فبعد اليوم العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم وأنتم من ظلمتمونا". وأضاف مفتي سوريا "سنقول لكل عربي ولكل إنساني: لا تعتقدوا أن من سيقوم بالاستشهاد في أراضي فرنسا وبريطانيا وأمريكا سيكونون عربا ومسلمين، بل سيكونون محمد درة جديد وسيكونون كل الصادقين الجدد". ماذا يريد الغرب أكثر من هذا الاعتراف الصريح من الناطق الديني باسم المخابرات السورية؟ ها هو تنظيم الدولة الإسلامية يعترف بالفم الملآن أنه وراء العمليات الإرهابية التي شهدتها فرنسا وبلجيكا. وها هي تهديدات أحمد حسون تُنفذ بحذافيرها على أيدي شبان مسلمين يعيشون في أوروبا كما كان قد توعد حرفيًا، حيث قال إننا سندفع بانتحاريين يعيشون بين الأوروبيين كي يقوموا بعمليات انتحارية تأديبًا للغرب على تدخله في الوضع السوري. لماذا لا تفتح أوروبا تحقيقات في تهديدات أحمد حسون؟ ألا يعلمون أن معظم الحركات الإرهابية التي تعيث إرهابًا في سوريا والشرق الأوسط وأوروبا ترعرعت في سجون نظام الأسد؟ ألم يشاهدوا عميل المخابرات السورية الشهير "أبو القعقاع" الذي جندته المخابرات السورية أثناء التدخل الأمريكي في العراق لتدريب إرهابيين وانتحاريين وإرسالهم ضد القوات الأمريكية في العراق؟ وعندما انتهى دور "أبو القعقاع" أرسلت له مخابرات الأسد شخصًا أطلق النار عليه، ثم سجلوا الجريمة ضد مجهول؟ ألم يسمعوا بما كانت تردده المخابرات السورية عندما يسألونها عن علاقتها بالجهاديين؟ لقد كان ضباط الأمن الكبار في سوريا يقولون بشكل ساخر: "الجهاديون يريدون لقاء الحوريات في الجنة، ونحن نسهل لهم المهمة بإرسالهم لتنفيذ عمليات جهادية كي ينتقلوا بعدها إلى أحضان الحوريات".ويقول أحد الخبراء السوريين الذين كانوا يترددون على فروع المخابرات السورية في دمشق وحلب إنه كان يرى بأم عينه عمليات تدريب الإرهابيين والتكفيريين والمتطرفين في السجون السورية. وقد كانت السجون التي يعيش فيها المتطرفون أشبه بفنادق. ويذكر هذا الخبير أنه شاهد ذات يوم عناصر من المخابرات السورية وهم يجلبون صناديق مليئة بالكتب إلى أحد "السجون الفنادق" التي يقيم فيها المتطرفون. وكانوا يقولون للمتطرفين إن هذه الكتب ممنوعة في سوريا، وقد صادرناها من بعض المكتبات. سنتركها لكم هنا كي تتسلوا بها. وكانت تلك الكتب كلها لكتاب متطرفين إرهابيين تكفيريين من الطراز الأول. وكان نزلاء السجن من المتطرفين يلتهمون تلك الكتب من الجلدة إلى الجلدة. وبعد أن يقرأوها يبدأون بتكفير بعضهم البعض، مع العلم أنهم ذوو خلفية مذهبية واحدة. وقد لاحظنا كيف أطلق نظام المخابرات مئات المتطرفين والتكفيريين من سجونه في بداية الثورة كي يحرفوا الثورة عن مسارها، وكي يصورها في أعين السوريين والعالم بأنها ثورة إرهابيين وتكفيريين، وليست ثورة شعب. ما علاقة هؤلاء التكفيريين الذين أطلقهم يشار الأسد من سجونه بالإرهابيين الذين يرهبون أوروبا الآن، والذين هدد أحمد حسون باستخدامهم لإرهاب أوروبا عام 2011؟ثم ألم يتهم وزير الخارجية الأمريكي نظام الأسد مرات ومرات بأنه مسؤول عن ظهور داعش وأمثاله في سوريا والمنطقة بسبب سياساته الإرهابية؟ فإذا كان لدى أمريكا كل هذه الإثباتات على الارتباط الوثيق بين نظام الأسد والمنظمات الإرهابية الكثيرة التي رباها في سجونه، فلماذا لا توجه التهمة لنظام الأسد في العلميات الإرهابية التي يتعرض لها الغرب؟ لماذا يسمح الغرب للنظام السوري بأن يقيم الأفراح والليالي الملاح، ويتشفى بالغرب في كل مرة تتعرض فيها عاصمة أوروبية لعملية إرهابية؟ ألا يقولون في التحقيقات الجنائية: فتش دائمًا عن المستفيد؟ أليس المستفيد الأكبر من الإرهاب الذي تتعرض له أوروبا نظام الأسد؟ مرة أخرى أيها الأوروبيون: عودوا إلى تهديدات مفتي سوريا لكم عام 2011 واحكموا بأنفسكم.

2485

| 27 مارس 2016

الخطاب الأميري... مسؤوليتنا جميعًا
الخطاب الأميري... مسؤوليتنا جميعًا

حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده...

2580

| 16 أكتوبر 2026

محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟
محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟

في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...

2346

| 15 أكتوبر 2026

كانو وستة أجيال: قواعد بقاء الشركة العائلية
كانو وستة أجيال: قواعد بقاء الشركة العائلية

حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في...

1110

| 18 أكتوبر 2026

خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة
خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة

قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...

1104

| 14 أكتوبر 2026

كبار القدر بين التكريم والتصنيف
كبار القدر بين التكريم والتصنيف

شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...

1068

| 15 أكتوبر 2026

جريمة على مطار الرياض
جريمة على مطار الرياض

كيف يتحمل القلب مشهد صالة المسافرين رقم (٤)...

933

| 18 أكتوبر 2026

قبل أن يولد الطفل الثالث
قبل أن يولد الطفل الثالث

■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...

606

| 13 أكتوبر 2026

خطاب الشفافية
خطاب الشفافية

خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية...

561

| 20 أكتوبر 2026

أخرجوا سايكس بيكو من النفوس أولًا
أخرجوا سايكس بيكو من النفوس أولًا

هناك في متحف الإنسان بالعاصمة الفرنسية باريس، تقبع...

531

| 18 أكتوبر 2026

الناس أمام الابتلاءات
الناس أمام الابتلاءات

لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد...

483

| 15 أكتوبر 2026

أعيدوا لنا طلاق أول
أعيدوا لنا طلاق أول

الموضوع باختصار إن لي صديقة كانت قد انفصلت...

474

| 15 أكتوبر 2026

رحل محمد... وبقي حبّه عطاءً
رحل محمد... وبقي حبّه عطاءً

16 اكتوبر هو ذكرى ميلاد ابني محمد رحمه...

447

| 19 أكتوبر 2026

أخبار محلية