رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

بذور المجتمع المدني أو طوفان الدولة؟

الخيار الوحيد والآمن أمام دولنا الخليجية في عصر اصطدام دور الدولة بنمو مؤسسات المجتمع المدني على مستوى العالم ووقوفها، أي تلك المؤسسات أمام تأثيرات دور الدولة السلبي سواء على المستويات البيئية أو الاقتصادية أو حتى الإنسانية هو أن تترك لقوى مجتمعاتها الخليجية المدنية والأهلية فرصة النمو بأقل نسبة من التدخل من جانبها، «أي الدولة» أو حيادها تجاه هذه القوى بمعنى آخر. لعل الفترة السابقة كانت استثنائية حيث تم المزج بين الدولة والمجتمع في المنطقة لظروف خاصة باختزال عملية التطور التي عايشتها هذه المجتمعات الى درجة أصبحت الدولة هي المجتمع ولم تصبح أدوات ومؤسسات المجتمع هي ما يحرك الدولة، وبالتالي طمست جوانب عديدة من شخصية هذه المجتمعات ولم يظهر إلا الجانب الاستهلاكي الهش الذي أصبحت الشخصية الخليجية مثلاً بارزاً له بامتياز، ومع ذلك فإن إمكانية النمو الذاتي موجودة كما إن القاعدة الأساسية لمثل ذلك النمو متوفرة أيضاً. في الوضع الطبيعي يكون التأثير متبادلاً بين الدولة والمجتمع لا أن يحل أحدهما مكان الآخر أو أن يلتهم أحدهما الآخر كما أن امتدادات الدولة لا يمكن أن تكون بديلاً عن مؤسسات المجتمع الأهلية، حيث إن تلك الامتدادات سواء أكانت جمعيات أم نقابات لا تتمتع ولا تتحرك في فضاء حر - لكونها امتدادات لسلطة الدولة - وهو ما يشترط أو ما تتميز به الجمعيات والنقابات الأهلية. إن بذور التحول الديمقراطي الآمن الذي ننشده جميعاً بعيداً عن بتر الماضي أو الخصام اللدود مع مراحله التي تعاقبت على هذه المنطقة يتمثل في إفساح المجال أمام إمكانية نمو المجتمع الأهلي الخليجي نمواً ذاتياً. بالطبع ليست جميع دول الخليج العربية متساوية فيما يتعلق بدرجة اكتمال مؤسسات المجتمع المدني ولا بدرجة نشاطها ولا بقوة تأثيرها في الرأي العام، ولكنها ربما تشترك في تدني سقف مشاركتها الفعلية وموازاتها لدور الدولة، ويتضح ذلك في عدم بروز خطابها السياسي والاجتماعي الساعي الى تطوير هذه المجتمعات واقتصار ذلك الخطاب على الطابع الخيري. من أجل حل الإشكالية الواضحة اليوم بين تراجع دور الدولة عالمياً واقتصاره على الخدمات الأساسية التي تضمن أمن وسلامة المجتمع وبين ما نشهده من انقضاض من جانب الدولة على دور المجتمع يكمن في ترك إمكانية النمو متاحة لهذا المجتمع والسماح لعناصره الحية بالتشكل والتفاعل. إن البعد التاريخي لظهور الدولة في الخليج وارتباط ذلك بظهور النفط أعطى الدولة خصوصية تاريخية جعل منها راعية وحاضنة للمجتمع بدلاً من وجود مساحة بين الجانبين وهو الأمر الطبيعي لحصول التفاعل البناء على عكس ما تم في مناطق أخرى من العالم حيث كان التعاقد والتفاوض تأسيساً للدولة وبمشاركة المجتمع. لقد استطاعت الحقبة النفطية من بين أسباب أخرى أن تؤجل نمو المجتمع المدني في حين كانت النخب العسكرية وشبه العسكرية تلعب نفس الدور في مناطق أخرى من عالمنا العربي، ولكن بذور مثل هذا المجتمع في منطقة الخليج ترجع الى الثلاثينيات أو حتى العشرينيات من القرن المنصرم. لذلك فإن قيام الدولة بدور المجتمع حتى اليوم أمر لا يمكن تبريره ولا يعمل استمراره على تطوير المجتمع ولا على تقوية الدولة، فأهمية مؤسسات المجتمع المدني تتمثل في كونها أداة خلق الطلب الفعال، وهذا في حد ذاته البوصلة التي تهتدي بها الدولة وتسترشد بها طريقها في المستقبل وبدون هذه المجتمعات والمؤسسات الأهلية لا يمكن قيام «الديمقراطية التداولية»، حيث يتداول المجتمع قضاياه ومشاكله، حيث لا يمكن للدولة أن تقيم ديمقراطية حقيقية دون طلب فعال من المجتمع ولا يرجى من أي إصلاح الاستمرار اذا لم يشارك المجتمع في صياغته وبلورته. ثمة شراكة حقيقية بين المجتمع والدولة هو ما أوصل تلك الدول المتقدمة الى ما هي عليه اليوم. لقد آن الأوان لإقامة الشراكة الحقيقية اللازمة لثقافة العصر ولقد آن الأوان لترك بذور المجتمع المدني الأهلي في الخليج وفي غيره من محيطنا العربي تنمو داخل فضاءاتها المتعددة. لقد كان للدولة الدور الكبير والأساسي في منطقتنا منذ قيام دولنا الخليجية، ولكن تيار العصر فرض آليات ومنطقاً آخر يلقي بأشكال الصراع القديم بعيداً ليقيم مجتمع الشراكة بين المجتمع الفاعل والدولة الحديثة المتطورة. فالدولة الأبوية التي تحتضن المجتمع وتلتهمه متى شاءت وتفكر عنه وتزيله من الوجود اذا لزم الأمر، أصبحت عبئاً ثقيلاً حتى على نفسها، ويظهر ذلك من خلال تلمس خريطة العالم السياسية والاقتصادية فالفرق بين المجتمعات المدنية وغيرها أنه في الأولى لا يشعر الفرد بثقل وقع الدولة على حياته في حين أنه في الأخرى يتساءل (وربما يكون مجرد زائر وليس مقيماً) عما إذا كان هناك مجتمع أصلا! وذلك بسبب تمظهر الدولة وتجليها بشكل يخطف بصره ولا يستطيع معه انفكاكاً. abdulazizalkhater@yahoo.com

1274

| 17 يونيو 2019

بين ثقافة المنصب وثقافة المجتمع

تجسير الهوة النفسية بين منصب السلطة والمواطن أمر بالغ الأهمية لبناء شخصية وطنية واثقة ومتمكنة، هناك هوة نفسية كبيرة بين المنصب الرسمي وشخصية المواطن تجعل منه شخصا آخر بمواصفات نفسية مختلفة، وكأنه انتقل الى ثقافة أخرى غير التي كان يعيشها أو يعايشها قبل المنصب. السلطة في المجتمع جزء لا يتجزأ من ثقافته وتكوينه، فما الذي جعل من المنصب وهو مسؤولية في الاساس، مسؤولية امام المجتمع أولا ما الذي جعل منه حالة نفسية «متعالية» على المجتمع وليس في أولويتها إرضاؤه بقدر إرضاء المنصب. في المجتمعات ذات الابعاد الإيديولوجية تصطاد السلطة المناوئين والمعارضين من خلال إدخالهم في لعبة المناصب الحكومية وبرستيجها لأهداف سياسية، ولكن في مجتمع مثل مجتمعنا يخلو من مثل هذه الابعاد الايديولوجية يصبح المنصب اصطفاء لا غير، اصطفاء لأنه يغير من سيكولوجية صاحبه، يصبح شخصا آخر. وهذا دليل على ازدواج ثقافي داخل المجتمع، ثقافة المجتمع في مقابل ثقافة السلطة، وكل منهما له خصائصه. فرز المجتمع بهذه الصورة لا يساعد أبدا على تطوره. ثقافة المجتمع ضعيفة أمام ثقافة السلطة، فلذلك هي دائما واصحابها في استدراج من قبل الثقافة الفوقية القوية، وثقافة السلطة لها بعُدان أساسيان. أولهما: البعد التاريخي العائلي وثانيهما: الاصطفاء من خلال المنصب الحكومي وهو لا يتمتع بديمومة كالبعد الأول ولكن في بعض الاحيان قد يبدو مدمرا إذا ما اعتقد الشخص بديمومته والمجتمع في حالته بين ثقافتين. تجسير الهوة وتمكين فقط ثقافة واحدة من التبلور هو المقدمة الأولى لتقدم المجتمع نحو أهدافه. لا زلت ألوم المجتمع على عدم تكريس ذاته كمجتمع، لا زلت أذكر أول تغيير وزاري بعد التشكيل الأول لأول مجلس وزراء في دولة قطر في بداية السبعينيات، وذلك تم في صيف 1989 وكيف تنادى المجتمع بين بعضه البعض مباركة للمحظوظين الجدد الذين انتقلوا الى ثقافة أخرى غير ثقافة المجتمع، فمنهم من امتنع عن دخول السوق إلا خفية، والاخر لم يعد يأكل في الاسواق، والاخر بنى مجلسا أو نصب خيمة للوافدين القادمين للسلام عليه. ربما قَل الآن وهج المنصب إلا أنه لا يزال يمثل نقلا من ثقافة الى أُخرى، وبعدا نفسيا آخر لصاحبه، الأمر الذي يفقد المنصب وظيفته في خدمة المجتمع ككل وليس فقط خدمة جزء منه ومن ثقافته. إذا كانت السلطة تملك المال، فمن المفروض أن يملك المجتمع تنظيماته وقوته الرمزية التي قد تجبر المال على التعاون معه لا لاستلابه، فالمجتمع خط دفاعه الاخير قدرته على التنظيم وتحديد الاهداف، العالم اليوم يسير في هذا الاتجاه رغما عن الهيمنة والسيطرة أيا كان شكلها او رائحتها. عندما يفقد المنصب بريقه أمام الاقتناع والمبدأ يكون المجتمع قد ولج دائرة التنظيم والقدرة. وبدأت ثقافة واحدة للمجتمع كل المجتمع تلوح في الأُفق لا يمكن لمجتمع واحد يعيش بين ثقافتين أن يصبح ديمقراطيا، ولا يمكن لمجتمع يُغير المنصب من نفسيته وقناعات أفراده أن يفرض احترامه على الغير حيث فاقد الشيء لا يعطيه. abdulazizalkhater@yahoo.com

1723

| 13 يونيو 2019

آلام الطفرة

أبهرت الشخصية القطرية في السنوات القليلة الماضية العالم، فمن جهة قطر من أصغر دول العالم مساحة وسكانا، ومن جهة أخرى أكثر البلدان تأثيرا وصخبا إعلاميا تكاد تكون قبلة المتخاصمين والمتآلفين كذلك. برزت شخصيات قطرية على المستوى الاقليمي والعالمي ولا يزال تأثير بعضها فعالا واسما مدويا في دهاليز السياسة والاقتصاد على الصعيد العالمي. تشكلت الشخصية القطرية عبر انسياب تاريخي من شظف العيش في الصحراء وقيمها الى ريع النفط وتأثيراته الجانبية، ومن سماحة الدين الى التعايش مع تلاوين الدين السياسي في سباته وفي يقظته. وفي الحديث عن الخصائص العامة للشخصية القطرية تبرز فكرة «التلقائية» كفكرة محورية في التعامل مع الأحداث، تلقائية رجل الصحراء الموقن بعدالة السماء والمتوكل على الله في جميع أفعاله وخطواته. أحدث قيام الدولة سياقا آخر الى جانب سمات الشخصية القطرية لتمرير وجود الدولة فكان محاذيا لها ولم ينشأ من طبيعتها وإنما لبسته لباسا، جعل من السهل لاحقا أن تبرز تضاريسها بشكل أكثر حدة بعدما تراجعت فكرة الوطنية من الاذهان بتأثير الريع وسرعة السير والقفز احيانا لتحقيق أهداف كبيرة وضخمة لا تتماثل وحجم وعدد السكان. سياق الدولة كان له المجال بعد الاستقلال، فظهرت طبقة وسطى حكومية هشة، تحمل قيما اجتماعية وتتمتع بقدر من الاستقلال الثقافي والمادي الى حد ما بموافقة الدولة، وبرزت مؤسسات الدولة الحكومية وطبقة من موظفي الدولة الكبار لهم مكانتهم وأماكنهم الرسمية والترفيهية وتميزت هذه الفترة بتدرج في التغيرات فمثلت حقبة من الاستقرار على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي. إلا انه بعد ذلك حصل تغير راديكالي كبير في التحول من قيم المدينة التي زرعتها الدولة مع بداية قيامها الى قيم الريف والبداوة فنزحت عقلية الخيمة الضيقة إلى المدينة أو جرى بالاحرى خيمنة المدينة. ولا يستطيع أحد أن ينكر دور القبيلة في مجتمعاتنا العربية قاطبة، ولكن قيم القبيلة أسمى شأنا من كثير من قيم البداوة ويلاحظ بعد ذلك غياب أو تراجع ظهور سياق الدولة كما هو في السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم أمام سياق التراث الذي لم نستطع تحديده بصورة مثلى تجعل منه معاصرا ضمن قيم الدولة، مما ادى الى تغير واضح في سمات الشخصية القطرية، فتغلبت قيم التراث في صورتها البدوية على قيم المدينة، وأصبحت صفة التحضر تقترن بالبحر وأهله ونشاطاته، ولم يكن هناك ربط واضح لقيم الانتاج ضمن الشخصية القطرية الجديدة وانما استعيض عنها بممارسة هوايات التراث التي كانت يوما تعد اعمالا إنتاجية. فبرزت قيم انتهازية جديدة للتحايل للوصول الى مصادر الريع، وسيطر فكر الغنيمة على المجتمع طالما كان الموضوع مجرد إعادة لا إنتاج وتوزيع لا استنبات وزرع. وكانت مثل هذه القيم التي هي قيم انتاجية في السابق إلا انها اليوم عملت على تكريس ثقافة الغنيمة اكثر من ذي قبل. مع تراجع دور الوظيفة الحكومية امام الوظائف الانتهازية كذلك برز مفهوم آخر هو مفهوم الهيمنة ليس في المجال الاقتصادي والمالي، حيث الريع المادي بل في المجال الاجتماعي كذلك فلم يكتف الفرد بالعائلة ولا بالقبيلة بل الى المرجعية القبلية الاولى في قبائل الجزيرة الكبرى فاصبحنا أمام ريع اجتماعي لا ينضب. في حين اصبحت العلاقات عمودية بشكل كبير داخل المجتمع، حيث أفرزت العلاقة الجديدة المتكونة من ثنائية الريع الاقتصادي والريع الاجتماعي الذي ذكرت نمطا في العلاقة العمودية القائمة على مستوى الاستفادة بين اطرافها بحيث يتسع المجال لريوع اقتصادية واجتماعية جديدة كلما تضخمت المنفعة بين اطراف العلاقة، لذلك رأينا فقاعات اقتصادية كبيرة تتكون في يوم وليلة ويزداد تأثيرها يوما بعد آخر داخليا واقليميا وعالميا. فانضوت الدولة داخل هذه العلاقات بشكل خجول وبدا موظفها أقل من أن يذكر أو أن يشار إليه، مما افقد المجتمع خاصية التراكم الاداري القادر على التشغيل الذاتي، فالجميع يتعامل او يريد التعامل مع قمة الهرم مباشرة، مما أفقد الادارة خاصيتها في التراكم الايجابي للخبرة والانتاجية، ثم تصاب الذاكرة الجماعية في مقتل بعد إزالة فرجان تاريخية بأكملها ويبقى انسانها محتفظا بذاكرته الى حين ثم ينتهي التاريخ ليبدأ من جديد مع جيل آخر، بلا شواهد تاريخية لأجياله السابقة، الأمر الذي يجعله في موقف لا يحسد عليه امام المقيم الجديد الذي اصبح مساويا له ما عدا ما يمتلكه من ألبوم صور وما يعلق في ذاكرته من مخيلة وتصورات عن معالم ماض لم يعد له شواهد. abdulazizalkhater@yahoo.com

1398

| 11 يونيو 2019

السلام يوم العيد

هذه مناسبة عظيمة وكبيرة لابد أن أذهب مع الناس لكي أسلم على الشيخ، لا يمكن أن أفوت مثل هذه الفرصة السانحة، أذكر أنني قابلته مرة واحدة منذ زمن بعيد، وكان مبتسماً واستقبلني استقبالاً حسناً، لابد أنه لم يعد يذكرني اليوم، في مجتمعي العزلة تشعر بها عندما تكون بعيداً، لا يمكن لأي جهاز أو مؤسسة أن تعوضك عن اللقاء المباشر وتجديده لتبقى في الذاكرة، هذه طبيعة مجتمعاتنا، لبست أفخر ما أملك وانطلقت بسيارتي الجديدة، عشرات السيارات أمامي ومثلها خلفي، عند حاجز الأمن الأول، اسمك، بطاقتك، ثم أشار إلى أن آخذ مساراً مختلفاً عن بعض السيارات التي كانت أمامي، توقفنا بعض الوقت ثم اتجهنا إلى حاجز أمني آخر، بالطبع أتفهم النواحي الأمنية وضرورتها في أيامنا هذه، لكن القائمين على الحواجز الأمنية من الشرطة والأمن وحتى المراسم صغار في السن بالنسبة إلى جيلي لا أحد يعرفني، أحتاج في كل مرة أن أردد وأقول وأظهر بطاقتي، حيث لا منصب لدي ولا عضوية في مجلس الشورى ولا المجلس البلدي ولا السلك الدبلوماسي، مجرد مواطن، ويحتار الأمن في أولويتك، عليك أن تنتظر في الحاجز الأمني الثالث، أشاروا إليَ بالوقوف خارجاً، ولأن الدخول للشخصيات المهمة من المواطنين وغيرهم من أصحاب السلك الدبلومسي وكبار الضيوف، لا بأس في ذلك كلي اهتمامي أن أسلم على الشيخ وأن أجدد ذاكرته عله يتذكرني، من المهم جداً لي أن يعرفني ولا مجال آخر لي غير ذلك، ولا أملك منصباً ولا عضوية كما ذكرت ولا نقابة أو سلكاً مدنياً يجعلني حاضراً في ذاكرة الدولة، في السابق كان القائمون على التنظيم أكبر سناً وأعمق تجربة يعرفون المجتمع بطريقة أفضل، على كل حال هذا العام أفضل من السابق كما قيل لي، لقد هيأ القائمون على التنظيم سيارات فارهة لنقل المواطنين إلى الداخل للسلام بدلاً من المشي من الساحة الخارجية حتى مدخل القصر، وصلنا إلى القاعة الممتلئة تماماً بالمواطنين بانتظار السماح بالدخول والسلام، هناك قاعات أخرى لها الأولوية بالطبع، أشاروا إلينا بالانتظام صفاً واحداً، بدأنا في التحرك والتوقف وهكذا حتى أصبحنا داخل القاعة المهيبة والشيخ مبتسماً يسلم على الجميع، شعرت بالدولة في داخل هذه القاعة وأكثر من شعوري بها في أي مكان آخر، جاء دوري سلمت على الشيخ وذكرني بالاسم هتف قلبي فرحاً الحمد لله أنه لا يزال يتذكرني، وانطلقت مرحاً أسلم على الجميع، وكأنني ألقاهم للمرة الأولى، ذهب كل حنقي على نقاط الأمن وعلى بعض المسؤولين فيها من صغار السن الذين يكادون يصدونني عن مثل هذا اللقاء السريع والمؤثر الذي سأعيش عليه حتى المناسبة القادمة في السنة القادمة. abdulazizalkhater@yahoo.com

1119

| 04 يونيو 2019

الحداثة أيام زمان

حينما وضع بعض أهل الريان صنادق «أكشاك» ووضعوا أمامها طاولات وكراسي للعب الكيرم والدامة والورقة «الزنجفة» وتناول الشاي أو المرطبات وسماع الأغاني عن طريق ميكروفونات مثبتة فلجأنا إليها كشباب، خاصة في عطلة الصيف الطويلة المملة، مما أغاظ حفيظة «الشيبان»، واعتبروا ذلك خطراً على مستقبل أبنائهم، فتنادوا محذرين ومتوعدين الأبناء بألا يذهبوا ولا يجلسوا في هذه الأماكن، وأتذكر أنه في تلك الأثناء لأول مرة أستمع إلى كوكب الشرق السيدة أم كلثوم وهي تشدو بأغنية «أمل حياتي»، أما التهديد الخطير الثاني فكان افتتاح نادي الريان، وكلمة «نادي» لها مدلول سيء لدى «شيبان الريان وقطر عموما»، وعانى المؤسسون للنادي من صعوبات وترحيل وشكوى بين الحين والآخر من الجيران وإعدام أي كرة تتعدى حدود النادي داخل بيوت الجيران، ناهيك عن تحدٍ سابق كانوا يواجهونه بحزم وهو وجود قهاوي الهنود وتكاثرها حتى أصبحت «الكيمة» و»السبجي» وهي أكلات هندية من الأطباق المفضلة لدينا، وكان خوف الشيبان على أولادهم من سوء الخلق عند الجلوس فيها وصحبة السفهاء و»السرابيت» من الناس، حيث كان النمط السائد تناول الأكل داخل البيت أو عند صديق أو قريب وليس في الشارع مما يعرض شخصية الإنسان للاهتزاز في نظر الآخرين، في مثل هذه الجغرافيا المغلقة نشأنا، وقد كان المد القومي على أشده ولربما شكل هو كذلك لفتيان في أعمارنا تاريخاً مغلقاً إلا أنه استطاع أن يمس قلوب الكبار قبل الصغار، فتحولت الحياة إلى موقف حتى وإن كانت صعبة أو قاسية طالما عصب الكرامة والعزة والأنفة لم يُمس. بدأ التحديث انطلاقاً من المجال العام حيث الأكشاك والصنادق التي يجتمع فيها الشباب يمارسون ألعاباً كالتي ذكرتها، وبعد ذلك افتتاح النادي وتزايد جماهيره والتحام الريانيين القديم والجديد في هدف رياضي وهو الفوز ورفع اسم الريان عالياً، كان المسجد قبل ذلك هو المجال العام الوحيد الذي كنا نلتقي فيه، لذلك دخول القهاوي والصنادق وأخيرا النادي جاء كل هذا منافساً للمسجد في نظر كبار السن إذا ستسرق الأبناء من الصلاة، ولم يهدأ لهم بال حتى لمسوا أن بعض أعضاء النادي كانوا يأتون الى المسجد ثم يعودون إلى النادي فاختفى رويداً رويداً ما في أذهانهم من تناقض، إلا أن كلمة «نادي» في حد ذاتها لم تكن ذات وقع حسن على مسامعهم، كما كان بالمثل وقع كلمة «القهوة» أي المقهى أيضاً لما يمثلاه من تمرد على البيت والمجلس، رحم الله ذلك الجيل الصادق مع نفسه ومع الآخرين. abdulazizalkhater@yahoo.com

1169

| 29 مايو 2019

قطر العروبة

عندما كنت في الصف الأول والثاني في مدرسة الريان القديم كانت الجزائر وفلسطين هما قضيتا العرب الكبرى؛ نستعرضهما كل صباح في الطابور بعد تحية العلم، وكانت كلمة الصباح وصفاً لحال الأمة العربية، وإشارةً لإرادتها وتماسكها في أغلب الأحيان، وكان في مقابل الطابور في «ليوان» المدرسة رسم بارز بعض الشيء لـ»بن غوريون» رئيس وزراء إسرائيل في تلك الحقبة مخنوقاً بحبل مشنقة، ومن خلفه خريطة فلسطين الحبيبة. بعد الانتهاء من كلمة الصباح التي كانت تُعد بأهمية حضور الدروس وربما أكثر حيث يستمر الطابور ويأخذ وقتاً كافياً تكون المايكروفونات قد نقلت كل حيثياته وتفاصيله إلى جميع أرجاء الريان والمنطقة المحيطة بالمدرسة. يأتي دور التفتيش على اليدين ونظافتهما والأظافر وتقليمها، فيبدأ مربي كل فصل بالمرور على طلبته كاستعراض حرس الشرف يراقب وقوفهم، وانتظامهم ونظافة أيديهم، ويتوقف عند المقصر أو المتكاسل منبهاً ومحذراً بعدم قبوله في الصف إذا تكرر منه ذلك مستقبلا. ثم يبدأ بعد انصراف الطلبة إلى صفوفهم اليوم الدراسي بالحصة الأولى، وكانت ست حصص يوميا ما عدا يوم الخميس حيث كانت خمس حصص فقط. كان معظم مدرسي تلك الحقبة في قطر من الإخوة المصريين والإخوة الفلسطينيين، أما الطلبة فجلهم قطريون ومع الوقت التحق بمدرستنا بعض الإخوة من البحرين الذين نزحوا إلى قطر وسكنوا الريان أو غزة القريبة منه والتي هي اليوم مدينة خليفة الغربية في الغالب. على كل حال، كانت المدرسة تقدم لنا غذاءً تربوياً متكاملاً وليس فقط دروساً في المنهج المدرسي، فهناك مسرحيات وهناك تفاعل مع الوضع العربي بشكل أشعرنا كطلبة بأننا نعيش العالم العربي كله بين جنباتنا ونحمل الهم الكبير من المحيط إلى الخليج ضمن حقائبنا التي نحملها على ظهورنا متجهين إلى مدارسنا. من أشهر المسرحيات التي مازلت أذكرها وربما كنت في حينه في الصف الثاني أو الثالث، مسرحية «السيف والقلم»؛ وهي مأخوذة من قصيدة المتنبي المشهورة وبيته الأشهر:الخيل والليل والبيداء تعرفني.....والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ. وفي أحد الأيام وكنت في الصف الثالث الابتدائي وقبل طابور الصباح فوجئت بتظاهرة تخرج من المدرسة يقودها الطلبة الأكبر سناً منا في الصفوف الخامس والسادس تتقدمهم صور الزعيم الراحل جمال عبد الناصر متجهين نحو شارع الريان القديم العام بين قصر الشيخ خالد بن حمد وبيت خالد بن عبد الله العطية رحمه الله بعد أن أشاروا لمن هم في سني بالذهاب إلى البيت. ومازلت أذكر الأخ راشد سلطان الذوادي لاعب نادي الريان لاحقاً يحمل صورة عبدالناصر في المقدمة. كانت المدرسة في حينه جزءا من النظام العربي ومن وعي الإنسان العربي بذاته وبحقوقه، كما كانت تقوم بدور اجتماعي واقتصادي مهم وخطير، فعن طريقها كان الطلبة يتلقون المساعدات من كسوة سنوية كاملة صيفا وشتاء بالإضافة إلى رواتب شهرية بالإضافة كذلك إلى تغذية يومية متمثلة في توفير الألبان للطلبة بعد الحصة الثالثة وقبل الفسحة الرسمية بين الحصص. ومن الملاحظ أن عدد الطلبة القطريين وخاصة أهل البادية قد تراجع قليلا بعد توقف المساعدات الأخرى مع الوقت ونجاح الدولة في ترسيخ مفهوم العلم كقيمة في حد ذاته في ذلك الوقت، ولكن ما لبث حتى عاد الجميع كبارا وصغارا يطلبون العلم في ذاته ولذاته. كانت المدرسة «عربية» في منهجها في هويتها في أدق تفاصيلها لكن لا يعني أنه لم تكن هناك مقاومة من بعض كبار السن لوجود المدرسة، فقد امتنع بعضهم من إدخال أبنائه المدرسة مدعين أنها أصلا «مفسدة»، خلخلت المدرسة الوعي وأظهرت التباين فيه بين أفراد المجتمع، كان البحث عن نوعية تعليم تتفق وثقافة المجتمع فلما تيقنوا من ذلك أسقطوا جميع العوائق الذهنية التي كانت تعيش في أذهانهم. وانخرط الجميع في عملية تعليمية شمولية رائدة في وقتها. abdulazizalkhater@yahoo.com

2078

| 27 مايو 2019

الهزيمة

كنت في المجلس مع الوالد وبعض اهل الريان كالعادة بعد صلاة العصر، حيث كنا نجلس للقهوة والحديث كأبناء فريج واحد، إلا أن اليوم كان مختلفا إنه الخامس من حزيران عام 67، وكانت مهمتي الذهاب بين حين وآخر للاستماع الى الاخبار من المذياع الكبير ذي البطارية الزرقاء الضخمة خلفه والعودة الى المجلس لإخبارهم عن تطورات الحرب كما كنا نعتقد أولا. بينما هي في الحقيقة ضربة جوية قاصمة انتهت المعركة في الساعات الأولى، وفي كل مرة أخبرهم بعدد الطائرات التي أسقطت لإسرائيل، وأسمع كلمة «بعَدي» أي أحسنت من الجالسين. واستمر الوضع حتى انفض المجلس قبيل المغرب، لنكتشف في اليوم التالي هزيمة بحجم الجبال الراسية. كان المد القومي الناصري من القوة بحيث وحد الاجيال، فكبار السن كانوا أكثر حماسا من الشباب والصغار، لا زلت أذكر الشاعر القطري الشعبي الكبير سعيد بن المحرول وهو يبكي الهزيمة، وعبدالناصر بعد ذلك، والمرحوم سالم بن علي المحشادي وهو يرفض الهزيمة والمطروشي صالح وهو يكذب الاخبار من شدة إيمانه بالعروبة التي لا تُهزم. هؤلاء كانوا بعض رواد مجلس الوالد -رحمهم الله جميعا- وفي المساء نجتمع على دكة المرحوم بإذن الله ثامر بن علي آل إبراهيم المعاضيد عضو مجلس الشورى ورئيس بلدية الريان لاحقاً نستمع الى الاخبار، من كان في سني كان فقط مستمعاً. كان هناك رفض للهزيمة حيث الهزيمة في وعي ذلك الجيل هي هزيمة الإرادة، كانت الاحوال الاقتصادية متواضعة جدا، لكن كانت الحياة تقوم على المعنى أكثر من المادة، كانت الحياة تعني الوطن العربي وليس الفردية او المناطقية الضيقة، تفاعل اهل الريان مع الهزيمة بطريقة وطنية بعيدا عن أي ايديولوجيا او تأنيب ضمير، وتطوع العديد منهم للذهاب للقتال مع صفوف المقاومة. أذكر منهم الاخ فالح زويران الدوسري والاخ محسن سعيد السبيعي، كنت في صيف الانتقال من الابتدائية الى الاعدادية، حيث قامت بعد ذلك حرب الاستنزاف التي ارهقت اسرائيل حتى عام 69 وطلبت اسرائيل الهدنة، لعلنا نعي ان التاريخ لا يؤخذ كله ولا يُترك كله، لو راكمنا على ما أنتجه ذلك العصر من إيجابيات وتركنا السلبيات لما فقدنا التراكم اللازم للتطور، نحن أمة لا تعرف التراكم بقدر ما تجيد البتر، وليته مع السلبيات فقط وتعظيم الإيجابيات وانما مع التاريخ بأكمله لنعود لنبدأ من جديد من الصفر.   abdulazizalkhater@yahoo.com

2540

| 22 مايو 2019

الأرض بتتكلم عربي

في عام 68 افتتحت إذاعة قطر، وكان يوم ثلاثاء على ما أذكر، وبصوت المذيع زهير قدورة، شعور جميل أحسست به تلك الليلة وكأنها تتكلم باسمي شخصياً، في تلك الأثناء كنت أمارس لعبة كرة القدم في الريان وملاعب الفرجان، كنت بالإضافة إلى ذلك أستمع ليلياً كحال ذلك الجيل إلى صوت العرب وأتتبع باستمرار الاستعدادات للمعركة القادمة بين الأمة والعدو الإسرائيلي، وفي ليلة 28 من سبتمبر عام 70 كنت كالعادة في حوالى الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل أستمع إلى صوت العرب، حيث قُطع الإرسال وتحدث المذيع عن بيان مهم لنائب رئيس الجمهورية محمد أنور السادات، فإذا بصوته الرخيم المتعب «فقدت الجمهورية العربية المتحدة وفقدت الأمة العربية، وفقدت الإنسانية كلها رجلاً من أغلى الرجال، أشجع الرجال هو الرئيس جمال عبد الناصر»، لم استوعب الخبر لأنه صادم وبلا مقدمات، والكل حولي نائم والسكون يخيم، وكنا ننام في غرفة كبيرة مع بعض إخواني، لم أدر ما أفعل، وفي تلك الليلة لم أنم حتى الصباح وقت الفطور لم أتكلم حتى سألني والدي فبكيت وأخبرته فرد بإيمان عميق «إنا لله وإنا إليه راجعون». كان ذلك بعد أن أنهيت الصف الثالث إعدادي وسأنتقل إلى المرحلة الثانوية، لست هنا في حالة دفاع عن عصر عبدالناصر فالتاريخ كفيل بذلك، لا أحب التحامل وكأننا اليوم أفضل حالاً أكثر من نصف قرن مرت على وفاته ولا يزال مشجبه معلقاً إلا أنه كان حالة خاصة، كيف أحبه الناس، أمهاتنا، آباؤنا، الجميع، الجميع كان يبكي من المحيط إلى الخليج، كانت كارثة 67 لا تزال جاثمة إلا أن الإرادة كانت قوية ومتماسكة، كما أن حرب الاستنزاف أحيت الأمل والثقة في الأمة ورجالها. وفي يوم قائظ من شهر أغسطس على ما أظن طل علينا المذيع الأخ عبدالوهاب المطوع من تلفزيون دولة قطر في عام 71 أو 72، بدأت أسماعنا وأعيننا تتفتح على المحلي من الأخبار والنشاطات، الهزيمة أحدثت يقظة ولكن لم تُحدث نهضة، بل تشظى الوعي واصطدم ببعضه البعض كما نرى ونسمع اليوم فلم يُبق للمكان ذاكرة ولا للزمان اعتبار ولا للشعوب روح، نحن لسنا في شوق للأشخاص ولكن نحن في شوق لتلك الروح التي كانت تسيّر الأمة وتدفع بها إيماناً بإمكانياتها وقدراتها، يوم كانت الإذاعات للشعوب والتلفزيون لسان المجتمعات، ما زلت أحنُ لصوت زهير قدورة وطلة عبدالوهاب المطوع وزملائه أكثر من صوت مذيعي الجزيرة، ما زلت أتوق لبرامج فوزي الخميس أكثر من الاتجاه المعاكس وفوق السلطة أو تحت التفاحة كلها سواء، ما زلت في شوق لرائحة الأرض قبل أن يفترشها الزبد، ما زال لحن الأرض بتتكلم عربي في مسمعي يحكي قصة إرادة لا تكسر وشعب لا يُقهر.   abdulazizalkhater@yahoo.com

1465

| 20 مايو 2019

ذاكرة المكان غزة

أذكر أنني أول مرة سمعت باسم غزة اعتقدت أن الكلام عن غزة فلسطين، كنت في المرحلة الابتدائية، حين أشار بعض الرفقاء للاستعداد لخوض مباراة لكرة القدم مع فريق «غزة» فإذا بها منطقة تفصلها عن الريان سابقا منطقة «اللقطة» الحالية، لم يعد هناك ما يسمى بغزة في قطر، رغم أنها موجودة حتى الآن، إلا أنه أصبح يطلق عليها مسمى مدينة خليفة الغربية الآن. عندما كنا طلابا في مدرسة الريان القديم الابتدائية، فوجئنا بإخوة كرام يلتحقون بمدرستنا قادمين من غزة، وهي تجمع سكاني لا توجد به مدرسة في حينه، يقع شرق الريان القديم والغرافة، وتفصله أرض قاحلة إلا من بعض الاشجار والأعشاب القليلة التي تسمى اليوم بمنطقة «اللقطة». أذكر أننا على الدراجات لكي نصل إلى غزة، علينا أن نمر أولا إلى الغرافة، ومن محطة البترول القديمة التي كانت قائمة هناك، نسلك طريقا صغيرا وخطيرا من الأسفلت قادما من الشمال، حتى نصل إلى غزة، حيث كانت كرة القدم ديدن شباب تلك الأيام ومباريات الفرجان شبه أسبوعية. سمعت أن أول من أطلق عليها هذا الاسم هم أوائل من سكنها من قبائل وعوائل أهل قطر الكريمة، حيث كانت سكنا لعدد من قبائل البورميح والكعبان والنعيم وغيرهم . وسمعت كذلك أن من أطلق عليها هذا الاسم أيضاً هو أحد الدبلوماسيين القطريين المخضرمين. ما أود أن أشير إليه أن الوعي العربي القومي في تلك المرحلة كان له انعكاسات مباشرة في حياة الشعب القطري. ولا أدري إن كان اسم غزة تيمناً باسم غزة فلسطين، وربما أنه كذلك لسيطرة القضية الفلسطينية على ذهن وتفكير المواطن العربي عموما، والقطري خصوصا في تلك المرحلة، إلا أنني على يقين من أن أسماء كالعروبة والوحدة والتحرير والأحرار، التي كانت مسميات لأندية قطرية لكرة القدم، هي من نتاج الفكر القومي الذي كان سائدا في الذهنية العربية عموماً آنذاك. الذي أعرفه أنه حين تسكن جالية ما منطقة معينة قد تسمى المنطقة باسمها، كمنطقة الحضارمة مثلا، حتى في الدول المتقدمة هناك أحياء بأسماء الأقليات التي تسكنها، كالحي الصيني أو الياباني أو الهندي أو الكوري. لكن القضية العربية الأولى فلسطين في فترة ما كانت قضية الأمة العربية حتى النخاع، وليس مجرد إصدار البيانات. المشكلة أن التقسيم لم يقف عند تأخر قضية فلسطين داخل الوعي العربي، بل وصل حتى داخل المجتمع العربي الواحد، لنجد مسميات كفريج آل فلان، أسماء الفرجان السابقة كانت أسماء تاريخية قديمة لأول من سكنها، لكن الفرجان الحديثة ينبغي أن تعطي مدلولات وجودية أكبر لشكل وثقافة الوطن على الأقل إن لم تكن اسما يحمل تطلعات الأمة وطموحاتها. abdulazizalkhater@yahoo.com

2437

| 13 مايو 2019

ذاكرة المكان: البدع

يمثل البدع التقاء الفريج بشاطئ البحر، ينشئ علاقة متفردة بين حيوية الفريج وسكون البحر، ذلك الشارع الممتد من بيت الأمير الأب، الذي أصبح "الديوان الخاص" فيما بعد نزولا حتى شاطئ البحر الذي أصبح جزءاً من كورنيش الدوحة الممتد على طوله بمحاذاة ذلك الساحل الجميل. بيوت البدع المتداخلة وعوائل البدع المتجانسة المتحابة كانت تمثل بيئة صالحة لنا الأطفال القادمين طمعاً في "العيدية" وفرحها بجمعها في أيام الأعياد، نبدأ بالمعارف والأقرباء ثم يصبح الجميع أقرباء ومعارف. لازلت أذكر بيوت أهل البدع من عوائل قطر الكريمة، العطية، والسودان، والسبيع، والربان، والعلي والمعاضيد، وغيرهم مما لا تسعفني الذاكرة اليوم باستجلابهم إلى لساني. الشىء المختلف في البدع عن غيره من الفرجان الداخلية وفرجان الضواحي هي التصاقه بشاطئ البحر ولازلت أذكر تضاريس ذلك الشاطئ المثالية "للحداق"، الأمر الذي يجعل من العيد أيضا بالنسبة لنا نحن القادمين من الريان لزيارة ومعايدة الأقارب فرصة سانحة للحداق أو لتعلم الحداق، فلا نرجع إلا مع المغرب وغالبا بخفي حنين بعد أن أنفقنا ما جمعنا من "عيدية" على شراء الخيوط والييم "الطعم" لصيد السمك والباقي على شرب الشاي والسندويشات في دكاكين البدع وبقالاته القديمة. العشرون أو الخمسون روبية أو ريالات قطر ودبي كانت كفيلة بأن تجعل من أعيادنا احتفالات ومباهج؛ كان الإنسان أكبر من الفلوس وكانت العلاقة الروحية أسمى من الأجسام المادية وكانت التكاسي الصفراء، أكثر التصاقا وحميمية من البنتلي والجاكوار. " البدع" منطقة تاريخية،عجت عبر الزمن بكثير من الأحداث المهمة في تاريخ قطر، وبها مجتمع نخبوي، من الحاضرة، أو أنه أكثر الفرجان نخبوية. تأتي منطقة البدع بين منطقة الرميلة، ومنطقة الجسرة، وكلتا المنطقتين كانت سكنا لمزيج متناغم من أهل قطر جميعا، ويمثلون جميعا ثقل منتصف الدوحة، حيث الديوان الأميري وبيوت الشيوخ بمعنى أن إزالة هذه المنطقة السكنية يفقد الدوحة هويتها الأصيلة وتبقى الأطراف فقط بلا قلب، التاريخ كان أغنى من الجغرافيا،عندما كان البدع قائما بمن فيه كنت أرى كثافة ملحوظة، وبعد أن ازيل وجدت مساحة من الأرض تبدو صغيرة جدا مقارنة بمن سكن فيها، فأيقنت أن التاريخ حضور وليس مساحة، وفعل وليس إزاحة. "قديمك نديمك لو الجديد أغناك".   abdulazizalkhater@yahoo.com

4360

| 09 مايو 2019

ذاكرة رمضان

مع قدوم رمضان، كانت تجتاح الناس حالة من البحث والتّحرّي، رؤية هلال الشهر كانت قضية تشغل بال المجتمع وتصبح السماء مجالاً للنظر وعادة ليلية دائمة، الجميع، الشيوخ والرجال والنساء والأطفال، حالة بحث وتحرّي الهلال الضيف. أذكر أحد الإخوة الذي كان يختار الحزم "المُرتفع" القريب للنظر الى السماء بحثاً عن هلال رمضان، وسمعت عن أحدهم يحمل بطانيته وينام تحرياً له فوق المرتفع القريب، السماء كانت صافية، التلوث لم يوجد بعد، الريان قرية هادئة ليس فيها ضجيج أو ازدحام، ابتسامة الإباء بود في وجوهنا مع دخول الشهر كانت عنواناً لنا للاجتهاد والمثابرة في هذا الشهر الفضيل، وكأنهم يشيرون الى أننا أمام تجربة جديدة وهي الصوم طول نهار رمضان. وكان بعضهم يشير للصغار منا الذين لم يكلفوا بعد أن تصوموا نصف النهار أولاً ورويداً تصوم اليوم كله، كم مرة صاح أحدنا: رأيت الهلال، فإذا به طيف خيال أو نجم آخر أو شعرة في عينه، نفرح بثبوت رؤيته ولكن لا أذكر مرة أننا كنا من فعل ذلك، ومع ذلك كنا شغوفين ومصرين كل عام على المحاولة بعد صلاة مغرب اليوم الأخير في رمضان من كل عام. كان الراديو ملك الخبر المتوج، نلتصق اليه حتى نسمع الخبر ثم تبدأ التهاني والتبريكات وأحياناً "الجراخيات". التليفون أيضا كان له دور في توصيل الخبر لكل ذي رحم من الاهل والأصدقاء وأحياناً نخرج الى سكيك الفريج وكأننا نعيش عصراً جديداً يبدأ مع شهر الصوم. أفسدت كل هذا التكنولوجيا واختزلت فرحتنا بالبحث عن الهلال لتقدمها الينا كسلعة من خلال المناظير الفلكية التي تحدد ولادة الهلال مقدماً بفترة طويلة، وأفسد العمران سكينتنا ورؤيتنا الى السماء الصافية، وأفسد الازدحام خلوتنا بحثاً عن الهلال في أطراف القرى والفرجان. كما كان تدشين المساجد بالمايكروفونات ومكبرات الصوت إيذاناً بدخول المسجد العصر الإذاعي، حتى إن بعض أئمة المساجد ينسى مهمته ليتحول الى مذيع من كثرة استخدامه لمكبر الصوت دون مبرر. تذكرت رمضان الأول حينما كنا نبحث عنه بحثاً، كما تذكرت هلال رمضان الأول الذي كنا نقصده تحرياً، وأنا أشاهد شباب اليوم وهم يبعثون بالتهاني الى بعضهم البعض عبر الواتساب وهم على الارائك متكئون، أدركت كم تبدل الزمان وتغير الانسان!. فرمضان هو رمضان، لكن إنسان رمضان تغير ولله الحمد من قبل ومن بعد. abdulazizalkhater@yahoo.com

1636

| 06 مايو 2019

هل ريّفنا المدينة أم مدّنا الريف؟

أذكر عندما انتقلنا للدراسة إلى الدوحة في المرحلة الإعدادية في أواخر الستينيات؛ حيث كانت ضواحي الدوحة تمثل ريفا بالنسبة للمدينة التي هي الدوحة، أذكر أنني فوجئت ببعض مظاهر الفردانية التي لم تكن واضحة لنا قبل الانتقال إلى الدوحة كطلاب، منها على سبيل المثال لا الحصر: خروج الطلبة أثناء اليوم الدراسي وخروجهم خارج أسوار المدرسة، وكذلك غياب قوة الضبط الاجتماعي الذي كانت تمارسه الأسرة على أبنائها مقارنة بالوضع ونحن في الضواحي، كذلك الشللية السلبية نتيجة عدم التشابه، مقارنة بالشللية الإيجابية المتشابهة إلى حد كبير»عيال فريج واحد» أيضا لاحظت قدرة الطالب على اتخاذ القرار بمفرده دون الرجوع إلى العائلة، نظرا إلى البعد عنها والسكن في القسم الداخلي مع الطلبة الآخرين والعودة للعائلة كل نهاية أسبوع، لا أنسى البعد العربي وتأثيره كذلك على نمط تفكير ذلك الجيل فكانت أمانيهم مرتبطة بسقف أعلى يصل إلى حدود الوطن العربي الكبير. كنا نتسابق لشراء مجلة العروبة ومن بعدها جريدة العرب، حيث لم تكن هناك مكتبات خارج نطاق الدوحة. يمكن القول إن القبيلة اختفت شيئا ما وراء المدينة وبعد ذلك في المرحلة الثانوية وظهور الأندية الثقافية في الدوحة وإصدار مجلة الدوحة الثقافية. فتمدن الريف وتخرج من بين أبنائه؛ المهندسون والأطباء والباحثون، كل ذلك تأثير «مديني». ما ألحظه منذ فترة أن اختفاء دور المدينة والثقافة المدينية أخذ في التلاشي شيئا فشيئا في حين تعاظم دور قيم المرجعيات الأولى التي تمثل تجذرا واضحا في الثقافة الريفية، ومع تزايد عدد سكان المناطق المحيطة بالدوحة من جميع الجنسيات، أصبح هناك نوع من التكور والتشرنق حول الذات، أثر سلبيا على الحياة في المدينة وبدأ يصدر ميكانزمات هذا التشرنق حول الذات على شكل دعاوى الحفاظ على الهوية وعلى اللهجة الأصلية وما إلى ذلك ووصل حتى للإعلام. بل ربما هناك محاولات لاجتثاث صور التنوع أمام الحشد للشمولية والنمطية، لاحظنا ذلك في بعض استعراضات اليوم الوطني بدعوة المحافظة على الموروث، وزيادة عدد مجلات الموروث الشعبي والشعر النبطي بشكل ملحوظ كذلك، اختفى دور المدينة أو تلاشى بعد اختفاء أهم أحيائها الحضرية. أين دور نادي الجسرة الثقافي الذي كان رائدا على مستوى العالم العربي في الثمانينيات مثلا، بل أين الجسرة والبدع والرميلة ؟ هذه كانت مراكز تحضر تحمل قيم المدينة بتنوع سكانها من جميع العوائل القطرية؛ بدوا كانوا أم من الحضر. المناطق الجديدة التي أُنشئت هي بداية ترييف المدينة، وأخاف مستقبلا من قيام بؤر تهميش تكون سببا في القضاء على كل ما يتبقى من المجتمع من نخبوية، خاصة مع تزايد عدد سكان هذه المناطق على حساب المدينة، بالإضافة إلى أننا ربما نمارس جمع الأضداد دونما قدرة على الخروج من ذلك بمركب ثالث يدفع إلى التطور، فنضع عصبية القبيلة إلى جانب الجامعة الغربية الحديثة والأصولي إلى جانب قيم الفندقة الحديثة الاستهلاكية. لعل أفضل قرار اتخذ مؤخرا هو دمج ناديي الجيش ولخويا في نادٍ واحد ؛ لانهما مظهران من مظاهر ثقافة الريف وميكانزمات القبيلة الجامحة أمام ثقافة فرجان المدينة وأحيائها الهادئة المطمئنة. abdulazizalkhater@yahoo.com

1591

| 29 أبريل 2019

نهج: من يقود من؟
نهج: من يقود من؟

نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت...

2235

| 09 أكتوبر 2026

حين تصبح الأمانة واجباً قانونياً
حين تصبح الأمانة واجباً قانونياً

قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره...

1125

| 11 أكتوبر 2026

عتابٌ من الجهة الأخرى!
عتابٌ من الجهة الأخرى!

أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين...

645

| 12 أكتوبر 2026

خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة
خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة

قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...

627

| 14 أكتوبر 2026

من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية
من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية

-الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق...

537

| 11 أكتوبر 2026

قبل أن يولد الطفل الثالث
قبل أن يولد الطفل الثالث

■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...

522

| 13 أكتوبر 2026

الدروس الخصوصية… وتأثيرها على الحصص الدراسية
الدروس الخصوصية… وتأثيرها على الحصص الدراسية

يُفترض أن تكون الحصة الدراسية المكان الأول الذي...

447

| 11 أكتوبر 2026

خمسة قوانين عالمية سبقتها الحكمة القرآنية
خمسة قوانين عالمية سبقتها الحكمة القرآنية

كثيرًا ما تنتشر في عالم الإدارة والتنمية البشرية...

414

| 09 أكتوبر 2026

رياضة ضرب الوجه!!
رياضة ضرب الوجه!!

قبل أيام تم الإعلان من قبل « visit...

402

| 12 أكتوبر 2026

"قطر تقرأ" وبناء الجيل القارئ
"قطر تقرأ" وبناء الجيل القارئ

إذا أردت أن تتعرّف على أسرة من المستقبل...

393

| 09 أكتوبر 2026

حين لا تكفي الطيبة للحوكمة
حين لا تكفي الطيبة للحوكمة

قبل أن ندخل في الموضوع، يجب أن أوضح...

381

| 09 أكتوبر 2026

كلية المجتمع.. حين يصبح المكان وطنًا صغيرًا
كلية المجتمع.. حين يصبح المكان وطنًا صغيرًا

هناك أماكن ندخلها بحكم العمل، وأماكن نختار البقاء...

357

| 13 أكتوبر 2026

أخبار محلية