رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

في ذكرى العدوان على غزة.. أين نحن وأين هم؟

سبحان من قدر أن تكون محاكمة الساقط حسني مبارك وولديه وبعض وزرائه في ذات اليوم الذي يحتفل فيه الغزيون وحماس بالانتصار في حرب الفرقان.. وسبحان من جعل الذين كان العدو يحضرهم وميليشياتهم في العريش للانقضاض على غزة ومقاومتها تحت جنح العدوان.. جعلهم يهربون من الضفة أيضا ويتهمون في الضفة بمثل ما اتهموا به في غزة.. وسبحان الذي أرسب إيهود أولمرت ووزيرة خارجيته – ليفني – بعد ذلك العدوان بشهر في الانتخابات حتى كادوا يغيبون عن الذاكرة.. وسبحان من أصمد غزة وأصمد المقاومة فيها أمام أعتى الجيوش وأقذرها وها هي غزة والمقاومة تحتفلان بالنصر وتنتقلان من فرح لفرح وها هي المقاومة التي أرادوا إبادتها لا تزال على هيأتها وحالها وقدرتها وصواريخها ولا تزال في قلب معادلة ردع الاحتلال.. وسبحان من جعل إسماعيل هنية الذي تجاهلوه وحاولوا تقليله وأرادوا قتله.. سبحان من جعل مصر تستقبله استقبال الرؤساء والعظماء (المحبوبين) وها هو يجوب العالم ويتنقل حيث يريد.. كانت غزة يوم العدوان قبل ثلاث سنوات على ثلاثة مواعيد ؛ موعد مع العدوان، وموعد مع تواطؤ بعض الأشقاء، وموعد مع الصمود الذي عده المراقبون أسطورة وانتصارا باهرا في ظل اختلال معادلات القوة مع العدو وداعميه والساكتين والمتآمرين معه.. هذه المواعيد الثلاثة كلها صبّت في النهاية لصالح غزة وفي محصلة المقاومة.. فعلى صعيد العلاقة بين غزة وحماس توطدت بينهما لحمة الدم والمشروع والحياة والموت وتغيرت كثير من المواقف والمعادلات من حولهما لصالحهما، وعلى صعيد الأمن الداخلي ومحاولات البعض انتقاص سلطة المقاومة والمشاغبة وتحريش العائلات والاتجاهات عليها فقد انتهت تماما ولم تعد تحديا جديا، وعلى صعيد محاولات الاحتلال كسر إرادتها عبر ذاته وأذنابه وعملائه كأشخاص وكمواقف وكمواقع نفوذ وكاعتداءات.. انخفضت بل انتهت حتى رأينا فيما بعد قادة حماس والمقاومة يتنقلون ويتحركون ويبرزون في احتفالات النصر بالعشرات وأحيانا يجتمعون كلهم (من رئيس الوزراء إلى النواب إلى القادة الميدانيين) في مكان واحد وتحت سقف واحد غير عابئين بالاحتلال وغير آبهين بإمكاناته.. وعلى الصعيد السياسي والعلاقة بالسلطة في الضفة فقد وقع التحول الأبرز والمباشر الذي جعل قيادة السلطة تتحول من رفض التفاهم (مع القتلة) واشتراط إنهاء (الانقلاب) قبل الحديث عن أي مصالحة.. إلى البحث عنها وتقبل فكرة أن الوطن يتسع الجميع، وإلى طرق أبواب الوساطات المحلية والإقليمية لعقد المصالحة ليتحقق موعود الله تعالى للمؤمنين (ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين). العدوان على غزة فشل، وهو فشل لا يمكن عزله عن سلسلة أفشال العدو الكثيرة والكبيرة التي سبقته أو رافقته أو لحقته ؛ فقد فشل في القضاء على حماس في 1996، وفشل في الانقلاب عليها بخطة دايتون دحلان، وفشل في تثوير الناس ضدها في غزة، وفشل في اغتيال السيد هنية بيد بعض الفلسطينيين في مرات معروفة، وفشل في كسب الرأي العام الفلسطيني لمفاوضات لا متناهية تهتك الحالة والحقوق الفلسطينية، وفشل في منع العمليات الاستشهادية، وفشل في حماية المستوطنين، وفشل في وقف الصواريخ والاحتماء منها، وفشل في ردع إيران وحزب الله.. ومنذ أن وضعت معركة الفرقان أوزارها.. بدأ يبرز الفارق بين ما قبلها وما بعدها على الفريقين.. وليس من المبالغة في شيء القول إن ثلاثة متغيرات طرأت على معادلات المنطقة وكلها مرتبطة بوثاقة بتلك الحرب ونتيجتها.. وتصب في محصلة ومصلحة المقاومة ونموذج غزة ؛ المتغير الأول: تجذرت حماس والمقاومة في الحالة الفلسطينية.. بما أطلق مساعي المصالحة بعدها مباشرة وجعل السلطة تحرص على احتوائها سياسيا ودبلوماسيا وبالتأكيد لم يكن مصادفة أن توقع السلطة على ورقة المصالحة وأن تقدم التنازلات بعد ذلك وليس قبله.. المتغير الثاني: الثورات العربية التي أسقطت حسني وبن علي وغيرهما وحررت الشعوب من الخوف.. صحيح أنها جاءت متأخرة بسنتين ولكن ذلك في الميزان الاستراتيجي لا يعني الكثير لو تذكرنا أن قيام الكيان الصهيوني عام 1948 كان السبب في تغير كثير من النظم بعضها كان تغييره بفارق سنوات.. والمتغير الثالث: كان على جانب العدو فقد تهتك ردعه وتحول من كلب حراسة في المنطقة وكان الغرب يهدد به (المارقين) على مصالحه الاستعمارية إلى حليف خائف يطلب الحماية وتقوم وزيرة خارجية أمريكا – السابقة رايس – بعقد اتفاقات أمنية إقليمية ودولية لحمايته – ثم تأتي الجيوش الأمريكية لتعززه بمناوراتها وتصريحاتها ولتحمي حدوده من جهة غزة ولبنان.. بعض من ناسنا الذين يستصغرون كل نصر ويستكبرون كل هزيمة.. سيقولون: هذا كلام جميل ولكنه أقرب إلى الأمنيات البعيدة المنال والأبعد عن الواقع والأقرب إلى الخيال.. وسيجتهدون في تذكيرنا بالانقسام في الحالة الفلسطينية خصوصا والحالة العربية والإسلامية عموما وبعظم قوة جيش العدو وتدججه بالأسلحة النوعية والذكية والاستراتيجية والتقليدية وبوجود جيوش أجنبية جرارة على أراضينا، وبما ابتلينا به من طغيان الفكر المادي والإحساس بالعجز العام والهزيمة وتواطؤ البعض مع الأعداء كثيرا أو قليلا مجاهرة أو في الخفاء.. وأقول: وأقول: لو تجاوزنا قلة الدقة في هذا التشخيص للحالة الراهنة ولو افترضنا أن هذا الاعتراض صحيح فإنه يكون وجيها لو كان الحديث عن زوال دولة العدو متعلقا بهذه الليلة أو الغداة أو يرتجى بالهمم الساقطة والجيوش الرسمية البليدة الباردة، وأما أن العدو يمتلك قوة.. فإن وجود الدول واستمرارها ليس مرهونا بقوة مجردة عن المنطق الإنساني والمبرر القانوني والدعم الأيديولوجي ولقد شهدنا وقرأنا عن ممالك ودول وإمبراطوريات زالت وهي تمتلك قوة جبارة.. آخر مثال على ذلك الاتحاد السوفييتي، ونسأل: لماذا انسحب العدو من جنوب لبنان عام 2000 وترك من خلفه عملاءه اللحديين؟ ولماذا لم ينتصر في صيف 2006 على بضعة آلاف من المقاومين الأشبه بالمدنيين؟ ولماذا انسحب هذا العدو – المدجج بكل أسباب القوة العسكرية والاستخبارية - من غزة العزلاء الجائعة 2005 انسحابا كيفيا ومن طرف واحد؟ (ما أكثر اللماذيات في هذا السياق)!! آخر القول: إن القوة العسكرية التي يمتلكها العدو ومهما عظمت أو فتكت فلن تستطيع تعطيل سنن الحياة ولن تقدر على حسم مشكلات التناقض بين الاستراتيجيات التي تقوم عليها دولته، ولن تكون قادرة على لجم ما سيترتب على تلك التناقضات من تهديد للسلم الداخلي في الكيان نفسه ولقد صار زواله حقيقة واقعية وحتمية تاريخية وإن نصر المقاومة وردها العدوان وردعه كلها مبشرات تحدد أين صرنا وأين صاروا هم و(من كان يظن أن لن ينصره الله فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ)!!

586

| 29 ديسمبر 2011

في ذكرى انطلاقتها .. حماس بين واقعيتين

في الذكرى الرابعة والعشرين لانطلاقة حماس وإذ يهتم المراقبون والمحللون بقراءة الخريطة السياسية الفلسطينية لتحديد مكان ومكانة حماس من تلك المعادلة وينطلقون من ذلك إلى استشراف المستقبل ؛ فإن الحديث يتجه غالبا إلى التحولات الاستراتيجية التي طرأت على القضية الفلسطينية بعد حضور حماس في المشهد الفلسطيني بصورتها الحالية كمقاومة مسلحة ومتعمقة في ذات الوجود الفلسطيني الفكري والسياسي والخيري والاجتماعي وما ترتب على هذا الوجود من تحولات هي أوجدتها أو تسببت فيها أو راكمت عليها.. ما يكتب عن حماس في هذا الخضم وسواء كان مآخذ عليها في نظر البعض أو إشادة في نظر البعض الآخر هو في المحصلة اعتراف بوجودها ومكانها ومكانتها وأثرها ومركزيتها في المشهد الفلسطيني .. الحديث عن حماس في هذه المناسبة وبهذا المنطق هو أمر طبيعي وخصوصا في مناسبة ذكرى انطلاقتها.. ولكن ما يلفت الانتباه هذه المرة ما طرحه البعض من رؤية - وهي معروفة ومعروضة من القديم - وفحواها أن على حماس أن تكون أكثر واقعية وأكثر براغماتية " كما الإخوان المسلمون في بلاد ثورات الربيع العربي " للتوافق مع شركائها في الوطن " فتح والسلطة " فالإخوان المسلمون – حسب هذه الرؤية - وهم الجذر السياسي والفكري لحماس قبلوا بما أبرمته حكومات ما قبل الثورة من اتفاقات ومعاهدات ومن مقتضى علاقات دولية وإقليمية.. يقول هؤلاء : وكل المطلوب من حماس أن تسكت على أمور وأن تداهن على غيرها حتى لو احتفظت بموقف رافض لشيء ما ، وأن تعارض أمورا أخرى ولكن بطريقة سلمية حوارية ، وأن تقبل بأمور أخرى لم يعد من الممكن التخلي أو التراجع عنها .. ثم يقولون وهذا كفيل بإحراج العدو ونزع ذرائعه وبإتمام المصالحة وتدشين وطنية تكاملية بين الاتجاهات التي توالي السلطة والأخرى التي تعارضها .. وأقول : الإنشاء اللغوي في هذا النوع من الحديث النظري والأخلاقي والتعميمي سهل ، ويستطيعه كل متأمل متفرغ لكن الأصعب والأكثر تعقيدا هو ما يتعلق به من واقع ومن وقائع ومستلزمات .. والحالة الفلسطينية ليست مشابهة لأي من حالات الربيع العربي .. فدول هذا الربيع وغيرها مما هي في مهب التغييرات هي دول غير محتلة وما عقدته نظمها من اتفاقات هو تاريخيا مسؤولية تلك النظم ، والمعارضات الإسلامية أو غير الإسلامية فيها ليست لها قدرة حقيقية على تغيير الوقائع المفروضة ، وهي محكومة بحدود وحجم الهوامش المسموح بها .. في حين أن حماس في فلسطين هي حركة مقاومة ، وهي سابقة على وجود السلطة ، وهي قادرة على التغيير ، والسلطة لا تملك لا دستوريا ولا وطنيا ولا وجاهيا حق عقد الاتفاقات التي ألزمت نفسها بها وحشرت نفسها تحت سقوفها .. أما الحالة السياسية والقانونية لفلسطين فهي تحت الاحتلال ما يعني أن قوانين الثورة هي التي يجب أن تحكم وأن يتحاكم إليها .. أما مسألة الواقعية السياسية والبراجماتية التي يريدونها من حماس ومن المقاومة فلنا أن نتساءل حولها , أولا عن مفهوم هذه الواقعية لنرى إن كان على حماس أو سواها من قوى المقاومة أن تنصاع لها بأي سبب وتحت أي ظرف, وهل الواقعية هي التنازل عن فلسطين الـ48 أم التنازل عما اقتطعته وتقتطعه المستوطنات من الضفة ؟ أم القبول بعملية تسوية عدمية وغير متناهية وبدون مرجعيات ولا آفاق بكل المقاييس ؟ أم القبول بالتنسيق الأمني لملاحقة المقاومة وبناها التحتية ؟ أم السماح لقوات الاحتلال أن تشمر الأرض – غزة خاصة – من شرقها إلى غربها إلى شمالها إلى جنوبها وبالعكس ، وأن تحرق المساجد ، وأن تخرب الزرع وتهلك الحرث والنسل .. دون مانع ودون مقاومة ؟ فإن كانت هذه المطلوبات هي المراد بالواقعية فهي ذات مشروع السلطة في أبأس وأبخس صورها ولقد سمعت بعض من كانوا في دواخل السلطة وأركانها يرفضون ذلك ، أما إن لم تكن هي المطلوبات, فما الذي يؤخذ على المقاومة إذن ؟ وإذا كنا نتكلم عن الواقعية السياسية فلماذا يتجاهل البعض واقعية أن حماس لها برنامج مختلف ، وأنها حققت ببرنامجها هذا إنجازات ما كانت لتتحقق بدون هذا البرنامج ؟ ولو أن حماس أخذت بالواقعية التي تؤمن بها السلطة في مسألة الأسرى وقامت بإرجاع شاليط منذ اللحظة الأولى أو لم تأسره ابتداء كما المائتي حالة من المستوطنين الذين كانت السلطة تستضيفهم إذ يخطئون الطريق ويدخلون في فم الأسد ثم تعيدهم معززين ومكرمين وبدون عنت أو مشقة أو تبادل .. أقول لو أن حماس أخذت بهذه " الواقعية " هل كانت حررت الألف وخمسة وسبعين أسيرا أكثر من نصفهم ذوي محكوميات عالية ، وأكثر من ثلثهم أصحاب مؤبدات يصل بعضها إلى ألف وتسعمائة سنة .. ولو أنها أخذت بهذه الواقعية هل كانت ستحمي غزة وترسم كل هذه البطولات ؟ وهل كانت ستصمد تحت الحصار خمس سنوات عجاف أكلن السمان قبلهن ؟ وقبل ذلك هل كانت ستنطلق أصلا في 1987 - مع الانتفاضة الأولى – كثورة على البؤس والتردي الذي كانت تعاني منه القضية ؟ الذين يتحدثون عن الواقعية لا يرون تنظيمات المستوطنين المدعومين من الاحتلال وهم يقومون – اليوم - بحرق المساجد وسيارات المواطنين الفلسطينيين ودهس الأطفال وتخريب الزيتون والتنقل بين القرى والمدن يخربون ويخوفون ويفسدون دون رادع ولا وازع .. هؤلاء المستوطنون هم أنفسهم كان أكثر من نصفهم ( 270000 ) ألف يتسابقون بسبب المقاومة وعملياتها النوعية في الانتفاضة الثانية على أبواب السفارات الغربية بحثا عن الهجرة من فلسطين لا إليها .. الذين يتحدثون عن الواقعية السياسية لا يفطنون إلى أن غزة صار لها واقع جديد بالمقاومة وصارت فيها حكومة مقاومة وجيش مقاومة وأجهزة أمن مقاومة تعدادهم عشرات الآلاف ، فما فتوى دعاة الواقعية السياسية في كل هؤلاء ؟ وهل على حماس والمقاومة أن تكون واقعية إلى درجة أن تقبل بأن يحكم غزة ضابط صهيوني برتبة عقيد ليصول فيها ويجول ما يشاء ووقتما يريد كما كانت يوم حكمها دحلان وأبو شباك والمشهراوي ؟ آخر القول : الذين يطالبون حماس بالواقعية السياسية التي تعني الاندماج في برنامج السلطة أو التماثل معه هم لا يفهمون الواقعية التي يتحدثون عنها ، وعليهم أن يتذكروا أنها – حماس - قامت أساسا لا كمعارضة لبرنامج السلطة أو فتح ولكن بديلا عنه – عن البرنامج فقط - وعليهم أن يروا ما استجد من وقائع سياسية بوجود حماس وبعد وجودها .. بتعبير آخر : عليهم " هم " أن يكونوا واقعيين ..

532

| 22 ديسمبر 2011

ما يجب أن يتنبه إليه بعض الإسلاميين اليوم

بعض الإسلاميين" أقول بعضهم" وبخاصة المستجدون على العمل السياسي ممن كانوا منكبّين على الكتب ، والذين لم يمارسوا العمل السياسي إلا في بيوتهم وفي مدينتهم الفاضلة.. هؤلاء البعض تورطوا " والأكيد أنهم في بعض الأحيان تم توريطهم " في إجابات وإعلان مواقف غير موضوعية صدرت عنهم بعد الفوز في انتخابات تونس والمغرب وبوادر فوزهم في مصر .. فراحوا يصرحون بأنهم سيلاحقون كذا وكذا من سلوكات وقناعات الآخرين ، وأنهم سيصححون مسار هدم فكري ونفسي وأخلاقي وسياسي واقتصادي لعشرات بل لمئات السنين في هذه الزمرة المحدودة من الأنصار والزمان .. وراحوا يتحدثون عن الصغيرة والكبيرة كما لو كانوا أوصياء على الناس والضمائر والحاضر والمستقبل بفهمهم وسلوكهم وبالنسبة المئوية التي حصلوا عليها في الانتخابات.. هذه الاستعلائية ربما حملتهم عليها نشوة الفرح بالانتصار وتمكنهم أخيرا من الخروج إلى النور ، أو كانت ردّات فعل على الاستفزاز الكثير الذي يتعرضون له من خصوم لا يقبلون الديمقراطية وتحدثهم أنفسهم بالانقلاب عليها لو استطاعوا .. بعض آخر من الإسلاميين أرادوا أن يعطوا الصورة المعتدلة للإسلام فراحوا يستحضرون الحالة المكية قبل الهجرة على أنها هي التي تتطابق مع حال دولنا وشعوبنا.. وبما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – كان في مكة لا يسعى إلا للسلامة له ولأنصاره ولدعوته فليس عليهم لو عبد جيرانهم الحجارة وفعلوا الفواحش.. هؤلاء – للأسف – مآل تصريحاتهم أن يبقى الناس والمجتمعات على ما هي عليه من تقليل شأن الشريعة وتقليل دورها في الحكم.. وأقول: بالتأكيد هذا وذاك مواقف للبعض وليس للكل ولا حتى للأكثر .. ما يجعل ضروريا أن يتنبه الإسلاميون بكل تلاوينهم ورؤاهم لما يقولون وما يبشرون به في مطلع هذه الحالة .. فلا يجوز أن يغيب عنهم أنهم اليوم من حيث يريدون أو لا يريدون في مركب واحد ، وأن مواقف وتصريحات بعضهم يؤثر على صورة ومواقف ومكتسبات الطرف الآخر .. فلا يجوز أن يختلفوا على شيء إلى درجة القطيعة والنقيض أو إلى درجة أن بعضهم يتحالف بعضهم مع فلول الحزب السابق كما حدث في الإسكندرية مثلا .. يجب أن يفهموا أن الخلافات الكثيرة والحادة بينهم وخصوصا ما يصل منها للإعلام العام لن تقف آثاره وتفاعلاته ومخاطره عند خسارة موقف ما ولكنها قد تصل إلى فقدان الرأي العام وثقة الجماهير بهم جميعا وبالمنهاج نفسه الذي يمثلونه ، والذي يجب أن يبقى دائما خارج نطاق الاختلاف والتراشق .. فصورة الإسلام اليوم - وبالذات منه السياسي – صارت على المحك ، وهي أمانة في أعناقهم سرا وجهرا ، وأي تكتيك أو غوص في التفاصيل يجب أن يتوافق مع هذه الرؤية الاستراتيجية .. يجب أن يتنبهوا جميعا ولا يغيب عنهم – أيضا – أن الحالة التي تمر بها الأمة هي حالة ستكون ذات مدى وأثر بعيدين ، وأن حالة دولنا وشعوبنا ( بعد وصولهم للحكم ) ليست مطابقة للحالة المدنية – دولة الإسلام في العهد المدني - حيث كان الإسلام سيد الموقف وكان رئيس الدولة هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا يختلف عليه .. فإن توهموا ذلك فهم مخطئون ومستعجلون .. وربما يغرقون ويغرقون البلاد في تحديات ورعونات تكون نهايتها (أسخم وأوخم وألطم ) من التهرؤ الذي كانت تمارسته وتجلبته النظم السابقة.. هؤلاء أذكرهم بقوله صلى الله عليه وسلم "إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى".. فليربعوا على أنفسهم وليتركوا للزمن وللجمهور وللأنصار أن يحسموا الكثير من معاركهم .. فالمجتمعات التي ينافسون على قيادتها بوضعها الحالي بعد كل هذا التخريب والتغريب لعشرات بل لمئات السنين لن تقبل الإسلام الذي ينادون به دفعة واحدة.. ففي البلاد اليوم أحزاب وصلت قناعاتها وثقافتها إلى الإلحاد الصريح وإلى العمالة الوقحة والخيانة العظمى .. فضلا عمن وراءها ممن يدسون المكر الكبار ليل نهار .. هؤلاء الإسلاميون عليهم أن لا يبالغوا في وعودهم الانتخابية ، وأن لا يوهموا الناس بأن الحلول وراء الباب .. الإسلاميون الآخرون .. عليهم أن يتنبهوا إلى أن المجاملة لا يجوز أن تصل للمساومة على المبادئ ، ولا إلى القول بأنهم لن يحاربوا الخمور ولن يمنعوا السفور ولن يقاوموا الإلحاد .. وعليهم أن يقتنعوا ابتداء وفي ذات تفكيرهم وخاصة ضميرهم وبعيدا عن كل حسابات الربح والخسارة أن حالة دولهم التي يصلون لحكمها - وإن تشابهت في جانب منها بالحالة المكية – بجامع أنهم لا يملكون كل زمام الأمور بدون منازع ، وبجامع أنهم يستطيعون شيئا ولا يستطيعون أشياء .. إلا أنهم أصحاب دعوة لا يجوز أن يتخلوا عنها ، وهم يحاربون الرذائل ويعملون على تنظيف المجتمعات منها .. هذا يعني أنهم لن يتخلوا عن ذمها والتحريض على منعها والتضييق على خناقها .. لا أن يقول قائلهم " نريد دولة مدنية ولن نمنع شرب الخمور ولن نطارد السفور ولا الربا !! " هكذا بدون ملاحق ولا تعقيبات ولا حدود ولا قيود .. " .. آخر القول: يخطئ بعض الإسلاميين إذ يتوهمون أنهم قادرون على إصلاح الكون بين عشية وضحاها .. ويخطئون أكثر وأكثر إن ظنوا أن الديمقراطية التي جاءت بهم لسدة الحكم ستعطيهم كل الفرصة لإقامة دولة الإسلام على المقاس الذي يمنون به أنفسهم .. ربما يكون ذلك ولكن بعد نجاحات كثيرة صاروا على محكها الآن .. كما يخطئ آخرون ما زالوا يعيشون حالة الاستضعاف والعجز تائهين عن قيمة الشعوب بعد الثورات العربية ، وغافلين ما أعطتهم هذه الشعوب من ثقة.. هي حالة إذن تأتي بالضبط ما بين " دعوة مكة ودولة المدينة "وما لا يدرك كله لا يترك جله.. وعليهم في هذه المرحلة أن يكونوا صرحاء في مخاطبة جمهورهم وناخبيهم بأنهم جزء من الحل وليسوا كله ولا حتى معظمه.

720

| 08 ديسمبر 2011

بعد مائة عام من الانحراف والتيه

قبل تسعين سنة من الآن تقدم وزير الخارجية البريطاني من مجلس النواب في بلده بطلب اعتماد اتفاقية لوزان التي بموجبها انسحبت الجيوش الغربية من هضبة الأناضول التركية.. فلما دخل قاعة النواب قاموا يقرقعون له بالنعال على الطاولات في حالة هياج واحتجاج على الاتفاقية وعلى توقف الحرب وتفويت فرصة إيقاع الهزيمة النهائية والمبرمة على " الإسلام " الذي استمر يقاتلهم ثلاثة عشر قرنا من الزمان.. لكن الرجل – الوزير - صمد أمام الإهانات التي تعرض لها وانتظر أن هدأ الحاضرون ينتظرون ما سيقول لهم.. فقام وقال عشر كلمات " عدا ونقدا " انقلبوا بعدها يصفقون له ويحمدون اتفاقيته ثم أقروها.. قال لهم كورزون " لقد قضينا على تركيا بقضائنا على أمرين اثنين: الخلافة والإسلام.. ومنذ ذلك اليوم تصادمت فكرتان ومنهاجان, أحدهما يصر على إلغاء الخلافة وإبعاد الإسلام مستمدا ثقته وقوته من بريطانيا وحواليها.. وتجسده نظم رسمية وتوابعها من أحزاب وسياسات ومؤسسات ومناهج وبرامج وإعلام وتعليم وأشخاص وميزانيات.. هذا الفريق كان في أغلب الأحيان مبادرا باستهداف الفريق الآخر الذي ظل يسعى في غير كلل ولا ملل لإعادة الخلافة والنهوض من جديد وتحرير الأوطان وتعبئة الوطنية بالمعاني الحقيقية للاستقلال بإمكانات قليلة وجهود فردية ومتفرقة في أغلب الأحيان.. وانضوت تحت لواء هذا الفريق جماعات وأحزاب ومعارضات سياسية وفكرية بعضها نحا إلى العنف ولكن الخط العام الذي تصدرته جماعة " الإخوان المسلمون " وفروعها ومن يدور في مداها نحا إلى الوسطية.. لب هذا الفريق هم " الإخوان المسلمون " باسمهم مباشرة أو بأسماء ولافتات فرعية كحماس والنهضة والفضيلة والعدالة والتنمية.. الفريق الأول الذين صادموا الإسلاميين كتيار سياسي ما لبث أن وقع في خطيئتين أججتا المشاعر وجعلت غالبية الرأي العام ضده الخطيئة الأولى: الانتقال من استهداف الإسلاميين كتيار سياسي إلى استهداف الإسلام ذاته كشريعة وعقيدة تحت ذرائع: التقدمية، ومحاربة الرجعية، واحترام الآخر، وسياسة تجفيف المنابع.. حتى صار هذا الفريق في مصادمة حقيقية مع الأمة والشعوب والرأي العام والتاريخ والدين والثقافة الإسلامية، والخطيئة الثانية: الغرق في عداوة شاملة ضد الإسلاميين لا تبقي للصلح موضعا وفي هذا الإطار اتجهت أقلام للإشاعة عليهم وتخريب سمعتهم كما اتجهت أجهزة كثيرة لاستئصالهم.. ما أدى إلى فرز حاد داخل المجتمعات على قاعدة المع والضد.. ولا شك أن البعض داروا حول هذا الفريق رغبة ورهبة وأن منهم من كان مضللا (بكسر اللام) ومنهم من كان مضللا (بفتح اللام).. وانتهى الأمر إلى نظم هي في نظر شعوبها مستبدة على المستوى الداخلي وعميلة على مستوى العلاقات الخارجية ومن حولهم تدور أحزاب وتيارات وأشخاص.. وإلى إسلاميين ينتمون للأمة وعقيدتها وهمومها.. من لم يتقبلهم بالولاء عن قناعة وجد قاسمه المشترك معهم باعتبارهم الأقرب لمشاعره والأكثر تعبيرا عن طموحاته الوطنية والدينية.. الجديد اليوم هو أن الشعوب تحركت وثارت وصارت لها كلمة تقولها وصار أن يخرج عشرة في ميدان التحرير بمصر أو في ماسبيرو أو في أمثالها من ساحات الدول تستحق أن يخرج رئيس الوزراء ببيان وأن يحسب لهم ألف حساب.. ذلك ألقى على الواقع السياسي والفكري في منطقتنا خمس حقائق لا بد من رصدها وفهمها بموضوعية عالية.. الحقيقة الأولى: أن فوز الإسلاميين وصعود نجمهم في أكثر من بلد هو امتداد لإنجازاتهم وثقة الناس بهم وهو حصيلة عشرات السنين من الصبر والحكمة في مواجهة الاستبداد والإقصاء، وهو حصيلة ما هم عليه من حب لأوطانهم وشعوبهم ومن تضحياتهم في سبيل كرامتها.. ومن فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان.. المثال والدليل.. وليس صحيحا أن الشعوب هربت من جمر النظم إلى نار الإسلاميين ؛ ففي هذه الفكرة من اتهام لوعي الشعوب وإصرار على دس الرأس في الرمال وإنكار الحقائق ما فيها.. والسؤال لماذا يتوجه الناس إلى التيارات الإسلامية ولا يتوجهون إلى الليبرالية التي صوتها أعلى ولهجتها أحد من الإسلاميين؟ الحقيقة الثانية: أن اختيار الشعوب للتيار الإسلامي الوسطي وبالذات الذي يمثله " الإخوان المسلمون " وأن محاولات الخصوم الاتكاء على تصرفات ومقولات بعض الإسلاميين المتشددين.. كل ذلك يؤكد أن الوسطية في الفكر والفتوى والسلوك هي الرهان الصائب والخيار الأمثل, لا من قبيل البراجماتية أو اللفلفة والضحك على الذقون ؛ ولكن لأن الإسلام هو كذلك وهو دين الوسطية، ولأن التشدد لا سند له في الدين قبل أن يكون لا منطق له في المصلحة.. ثم لأن كل ما يعتمد عليه أولئك المتشددون من نصوص ومقاربات له تأويل وفيه وجهة نظر هي أقرب لروح ومفهوم وضوابط وواقع النص.. الحقيقة الثالثة: لقد أبرزت هزيمة خصوم الإسلاميين أن كل محاولاتهم لتشويه صورة الإسلاميين وكل ما بذلوه في ذلك من موازنات وما قدموه من إغراءات بها، كلها باءت بالفشل، وأن شعوبنا أوعى من أن يستغفلها هؤلاء، كما أثبتت أنهم لا يثبتون في النزال وأن المعركة معهم إنما هي من جولة واحدة ومنازلة سريعة حتى ينفض جمعهم وتدول دولتهم ويبوؤوا بالخيبة والخسران.. ومن شاء فلينظر لميراث ابن علي وحسني مبارك والقذافي ولينظر قبل ذلك لميراث مائة عام لأتاتورك وأتباعه.. عشرات السنين من التوجيه الواحد والإطار الواحد والرأي الواحد ؛ ثم ماذا؟ لقد تلاشوا وانمحوا وصاروا أثرا بعد عين، وصار أتباعهم يبحثون هنا وهناك عن كلمة يقولونها أو مهرب يلجأون إليه أو حزب يغطي سوءاتهم.. (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ). الحقيقة الرابعة: أن الديمقراطية مع ما فيها من معاني مرجعية الشعب لنفسه على حساب مرجعية حكم الله تعالى وشريعته السمحة هي وبالنظر لعجز خصوم الإسلاميين عن المنافسة بها إذا تم إجراء قليل من تدوير زواياها وتنزيلها على خصوصية حال الأمة الإسلامية يمكن اعتمادها كرافعة لتحقيق العدالة وإحداث التغيير المطلوب وتصلح للارتكاز عليها من أجل الوصول إلى الحكم بأقل التكاليف بديلا عن الإحجام عن المشاركة وبديلا عن التورط في العنف الذي يشتت الأنصار ويخيف من الإسلام.. في هذا السياق أيضا ليس على الإسلاميين أن يجتهدوا كثيرا في استنكار الديمقراطية " المقننة "! الحقيقة الخامسة: أن خصوم الإسلاميين راهنوا كثيرا على إفساد ذات بينهم والاستثمار في خلافاتهم وقد برز ذلك جليا في مصر على الخصوص عندما تبنى فلول الحزب الحاكم جماعات صوفية وأزهريين وإعلاميين إسلاميين.. لكن مسارعة الإسلاميين لتشكيل هيئة تنسيق عليا لتيارهم شملت أزهريين وإخوان وسلفيين وتبليغ.. هذه المبادرة أحبطت كيدا كثيرا ومكرا كبارا.. وأعطت دليلا جديا على عظم القواعد المشتركة بينهم، وعلى خطورة وخطأية التكلس على المشاكلات والمناكفات والتنقل بين التفاصيل الكثيرة التي لا تنتهي والتي لا يمكن الاجتماع والإجماع عليها.. ذلك يجب أن يتنبه إليه الإسلاميون في كل مكان وأن يعيدوا النظر في علاقاتهم على ضوء هذه التجربة وقبل أن تفاجئهم التغيرات ومقتضياتها.. آخر القول: فاز الإسلاميون وهذا زمانهم والمأمول أنهم سينجحون في إحداث التغيير اللازم وأنهم سيصححون مسيرة مائة سنة من الانحراف والتيه.. وربما في يوم قريب سنحتفل بالمرحلة الثانية من الاستقلال الوطني على المستويين الداخلي والخارجي..

411

| 01 ديسمبر 2011

الاصطفافات العربية الجديدة.. بين سوريا واليمن

بعض ذوي القربى (الرسميين ابتداء) مقيم دائما حوالي المعسكر الصهيوني وتوابعه.. وهم معروفون بشعاراتهم ورموزهم ومواقفهم، ولا يكاد يقع حدث ذو صفة استراتيجية إلا وينفصلون عن الأمة.. انفصالهم هذا كان أكثر ما يبرز في الأحداث ذات العلاقة المباشرة بالصراع مع العدو الصهيوني وسياسات أمريكا ومشاريعها العدوانية في المنطقة.. افتضحوا كثيرا في الاعتداءين الصهيونيين الأخيرين، على لبنان صيف 2006 وعلى غزة شتاء 2008 عندما لم يترددوا في دعم العدو وتحميل المسؤولية للمقاومة في المرتين.. هؤلاء افتضحوا أيضا بالفساد المالي والأخلاقي وبالاستبداد الفكري والسياسي والأمني ضد شعوبهم.. ثم جاءت لحظة الحقيقة فانطلقت الشعوب في " ثورات الربيع العربي " التي كانت كلمة سرها " مواجهة الاستبداد والتحرر من الخوف والإرهاب الرسمي " فنال تلك النظم ما نالها من هذه الثورات وسقط منها الأكثر استبدادا على شعبه والأكثر ارتهانا للعدو.. الثورات ولأنها ضد الاستبداد أساسا لم تفرق بين النظم إلا على أساس من الأكثر استبدادا، فانتقلت بذلك إلى المعسكر الآخر الذي مع المقاومة (يجدر بالباحثين والمفكرين أن يبحثوا عن سبب وآليات هذا الانتقال) هنا وجد الفريق المفترق عن الأمة ضالته.. فقام يصنع اصطفافا جديدا وراح يتغزل بالشعوب وحقوقها وبالديمقراطية ينتصر لها.. لكن على ذات الأسس وعلى نفس الولاءات القديمة (اعتدال ضد ممانعة).. في المقابل رأينا وسمعنا آخرين من المصنفين في الممانعة ولهم ألسن في الدفاع عن المقاومة يشتمون الشعوب الثائرة ويطلقون عليها نعوت الخيانة وأوصاف الجهل وتهم المؤامرة ناسين أو متناسين المبررات المنطقية لهذه الثورات وأن المقاومة ومواجهة المخططات الصهيونية لا تتناقض مع الحرية وحق الشعوب في اختيار نظمها وحكامها.. فاختلطت كثير من الأمور وتناثرت كثير من الأوراق وتميعت كثير من القناعات.. ما يجعل ضروريا تمييز الأمور والتذكير بالأصول ووضع النقاط على الحروف.. وأقول: أولا: الناس ابتداء وانتهاء كلهم أحرار منذ ولدتهم أمهاتهم ومن حقهم أن يختاروا من يؤتمن على دينهم ومن يسوس لهم دنياهم.. وليس لأحد وطني أو مثقف أو سياسي أو إعلامي أو زعيم أيا كان أن يجعل الحرية ثمنا أو بديلا عن الوطنية، ولا أن يكون مستبدا ولا أن يدافع عن الاستبداد مهما كان مقاوما أو داعما للمقاومة.. فالمقاومة تبدأ من الشعور بالعزة ورفض الذل والقومية تبدأ من الوطنية! وأما من يدافع عن مثل هذا النظام فهو إنما يضلل الناس عن أوليات مفهوم المقاومة ويتناقض مع نفسه قبل أن يصفي حساباته مع غيره.. بالتالي فهو يستنزف رصيد المقاومة ورصيده، وهو يقلل من وجاهته ووجاهة قضيته ومن قدرته وقدرتها على التأثير على الرأي العام.. ثانيا: الظلم في سوريا بلغ حدا لم يعد ممكنا السكوت عليه، والمجازر بلغت مبلغا يعتبر من الخيانة للإسلام والإنسانية تجاهله.. وجرائم النظام تجاوزت جرائم العدو الصهيوني ضد أهلنا في فلسطين.. والقرار الذي اتخذته الجامعة العربية ضد هذه الجرائم وإن كان موقفا متفوقا ونقلة نوعية ويرفع قيمة هذه الجامعة ويوطد أسس التضامن الحقيقي بين أعضائها.. ومع ذلك فليس لها أن تتغافل عن نظام علي عبدالله صالح في اليمن الذي أهان الشرفاء وأوقف حال بلده وهو يحاول ليل نهار جرجرة شعبه إلى الحرب الأهلية! المطلوب هنا ليس أن تتراجع الجامعة العربية عن موقفها ضد النظام السوري ، ولكن أن ترتفع عن المكاييل المتعددة والمقاييس المزدوجة، وأن تعتبر كل شعوبنا محقونة الدماء ومستحقة النصرة والحماية، وأن تطور نظاما يتماشى مع الاحتياجات الجديدة المفرزة على أساس الثورات والتغييرات العربية وليس على أساس تحالفات قديمة وتحكمات أمريكية وشبه أمريكية. ثالثا: بعض الدول صدقت عندما تعاملت مع معادلة الصراع الكبرى مع العدو، وهي اليوم تصدق إذ تقف مع الشعوب ومع حقن الدماء البريئة، فإذا تقاطع موقف لها مرة أو مرتين في قضية أو قضيتين مع تلك النظم من المعادلة الأخرى فلا يجوز خلط الغث بالسمين واتهامها بأنها انتقلت للمحور النقيض.. الصحيح أن تحقق المواقف على أساس أن سلوكها في قضية ما ينظر ويقيم ضمن سياق كل مواقفها.. بالتالي فليس مقبولا ممن يتعاطفون مع النظام السوري أن ينسوا مسيرة طويلة من الوطنية لدول مثل قطر وتركيا لمجرد أنهما وقفا موقفا فيه إنصاف للشعب السوري.. المتعاطفون والمدافعون هؤلاء يجب أن يقوموا بدور أكثر جدوى وأولى بالجهد والتعب. رابعا: على المتعاطفين مع النظام السوري والمدافعين عن جرائمه أن يقوموا بدور آخر أكثر جدوى وأنفع له.. وله شقان، الأول: نصحه ومساعدته على استخلاص العبر واحتواء الأزمة التي يبدو أنها ستطحنه كما طحنت نظما قبله كانت أشد إرهابا لشعوبها وأكثر سطوة عليها.. وهو دور يجب أن يقوموا به دون تأخير، أما الشق الثاني من دورهم فهو لملمة معسكر الصداقة والإخوة المسفوحة بين النظام السوري وأصدقائه القدامى على قاعدة جمع المعارضة بالنظام وترتيب نقل السلطة سلميا. هذا هو الدور الممكن والصحيح بل الواجب لهؤلاء المدافعين عن النظام السوري لا أن يحرقوا أوراقهم ثم يعجزوا عن فعل شيء.. وماذا يفيد النظام السوري أو يضير قطر وتركيا كل الجعجعات الإعلامية التي يطلقونها وكل الشتم الذي يتباذؤون به..؟ خامسا: ما لا يتنبه له النظام السوري والمدافعون عنه هو أن عليهم أن لا يستهينوا بالتغيرات والاصطفافات الجديدة بعد الثورات وبعد فقدانهم الحلفاء القدامى.. العقل ليس فقط أن يتحدث الوزير السوري - وليد المعلم - بهدوء ولا أن يتصنع نكتة هو يطلقها وهو فقط من يضحك عليها، ولا أن يقول سنفترض أن أوروبا غير موجودة على الخريطة، ولا أن يتهم بالخيانة الجامعة العربية.. ولكن العقل كل العقل والصواب كل الصواب والقوة كل القوة أن يروا نوع وحجم التغيرات الجارية.. وأن يعترفوا بأن الخاسر الأكبر هو النظام السوري الذي يفقد معادلات قوته وصموده كلما فقد احترام وثقة شعبه، وكلما فقد الجامعة العربية، وكلما ابتعدت عنه قطر وتركيا وانقطعت رحم الممانعة التي كانت تجمعه بهما.. يبدو أن النظام السوري لا يحس بدخول مصر وتونس وليبيا – بعد الثورات – على خط المقاومة.. بما يستدعي أن لا ينفرد عن كل هؤلاء فضلا عن أن يضع نفسه في مهب عواصفهم كما نراه يفعل حتى الآن على الأقل.. يخطئ النظام السوري إذا بالغ في تقدير وتوقع قدرة إيران على نصرته وهي التي تلملم معادلاتها، ويخطئ إن يبالغ في التعويل على النظامين العراقي واللبناني فلكل معادلاته وإشكالاته.. آخر القول: ليس من المنطق ولا المقبول أن تلون القرارات العربية وفق الولاءات القديمة التي وقفت دائما مع " إسرائيل " وأمريكا ضد الأمة، وبقدر ما البلطجة التي يقوم بها النظام السوري ضد شعبه قبيحة، فإن بلطجة النظام اليمني لا تقل عنها قبحا، ولا يجوز أن ترى الأمور بعين واحدة..

479

| 24 نوفمبر 2011

لقاء"عباس - مشعل" و الإجابة عن الأسئلة فوق الخلافية

الرئيس الفلسطيني ومستشاروه هذه الأيام يتحدثون كثيرا عن اللقاء الذي سيجمعه بالسيد خالد مشعل وهو اهتمام غير طبيعي ولا معتاد ويعكس ضرورته بالنسبة لعباس الذي اعتدناه إما ممتنعا أو متشرطا على لقاء السيد مشعل.. في نفس الوقت تتوالى أخبار اجتماعات السيد عباس ومستشاريه مع الرباعية الدولية لإيجاد مدخل جديد لاستئناف عملية التسوية المتعطلة منذ عدة سنوات كشفت عبثها وضيق أفقها .. وبقدر ما بين اللقاء بمشعل والكلام عن التسوية من تناقض وما يفترض أنه سيضع عباس بين خيارين متباعدين وبقدر ما يقلل أحدهما فرصة الآخر إلا أن السيد عباس يبدو مصرا عليهما كليهما.. ليس المظنون أن عباس يراهن على تحويل موقف السيد مشعل لصالح التسوية وليس من المنطقي أن يراهن على كلمته – مشعل – يوم المصالحة التي أراد أن يفهم منها أنه يوافقه على المفاوضات لمدة سنة.. ولكن الأرجح أنه يراهن على إحراج السيد مشعل بمطالبته بإتمام المصالحة على أساس الانتخابات التشريعية والرئاسية.. وهو ما صرح به " ياسر عبد ربه " في تعليقه على أهمية اللقاء وما يجب أن يتمخض عنه .. عندما قال: " المصالحة يجب أن تعيد للشعب دوره حتى لا تتحكم الفصائل في القرار الوطني".. وأقول: هذا يعني أن الانتخابات في نظر السيد عباس ومن حوله هي الحل لكل المشكل الفلسطيني من الانقسام إلى الاحتلال.. وربما يظن البعض أن الدعوة لهذه الانتخابات دعوة عادلة وبريئة وأنها الحل لكل الخلافات كما في كل دول العالم.. وهذا غير صحيح وهو قياس في غير محله.. لأن الانتخابات تقوم أساسا على المغالبة لا على الاتفاق والتفاهم فإن نفع ذلك في دول مستقرة ولها دستور جامع وناظم لنوعية وحدود الخلافات بين الاتجاهات والأحزاب فهو لا يصلح في مثل الشعب الفلسطيني الذي يحتاج ليس لمغالبة جديدة يستعلي فيها أحد الفرقاء على الآخرين ويجتاح مشاريعهم وبدون دستور ناظم ومحدد وتصل الخلافات بين الاتجاهات أن يخون أحدهم الآخر وينسق مع العدو ضده. الشعب الفلسطيني بحاجة لاتفاق يقلص الخلافات ويحدد المثيرات ويثبت الاحترام المتبادل بين الفصائل التي صار بينها ما صنع الحداد .. ولتوضيح ما نقول لنتخيل أن فتح – السلطة – فازت في الانتخابات التشريعية والرئاسية وأخذت الجمل بما حمل ثم ذهبت في اليوم التالي واتفقت مع العدو على إعطائه نفوذا على غزة كما تعطيه على الضفة ، وأتبعت ذلك بالتنسيق المخابراتي معه كما في الضفة أيضا.. فهل ستكون قد حلت المشكلة أم عقدتها ؟ وهل ستقبل حماس بذلك حتى لو فرضنا أنها أقلية أو كانت تتجسد في شخص واحد فرد رأسه ؟ هذا التحدي لا تحله إذن المصالحة على أساس الانتخابات ، وليس له حالات مشابهة في أي دولة مستقرة ذات دستور ناظم.. ومن هنا فالانتخابات لا تصلح منطلقا لحل الخلافات الفلسطينية.. وهو منطق أقرت به فتح في المصالحة عندما قبلت بإرجاء الانتخابات وأن تسبقها خطوات كثيرة من التفاهم واستعادة الثقة ، وقبلت أن يكون موعد الانتخابات متأخرا عن موعد التوقيع .. المسألة ليست تحل بالانتخابات.. وسواء كانت نتيجتها لصالح حماس أو فتح.. والقضية ليست قضية جدال أو مساجلات كلامية ولكنها قضية عملية وواقعية وماثلة في الحال الفلسطيني ، ولدينا نموذجان - غزة والضفة - للنظر في فرق البرامج وما يستتبع ذلك الفرق من فروق على الحال الوطني .. ولدينا أيضا انتخابات 2006 التي كانت موصوفة ومشهودة من حيث الشفافية ونسبة المشاركة فيها وكيف أدت لحرب فصائلية ثم للانقسام الذي لم يكن قبل ذلك .. إذا أريد للقاء (عباس - مشعل) أن يثمر نتائج حقيقية وأن ينتج تحولات تاريخية ومصيرية قد صارت ضرورية ولا تحتمل التأخير فإن ثمة أسئلة جوهرية صارت على لسان كل فلسطيني اليوم ، وصار لا بد أن يتفق على إجابتها وأن تثبت على رأس المصالحة .. وهي فوق التنازع الحزبي ، وفوق معايير كل فريق على حدة ، وفوق الخلافات ، ويجب أن تؤسس للاستراتيجية الفلسطينية الجديدة .. وبدونها فليبق الانقسام الذي هو بدون الإجابة عليها الشر الأهون والخطأ الأقل .. الشعب الفلسطيني يسأل اليوم : ماذا بعد فشل عملية التسوية ؟ وإلى متى ستبقى السلطة في المرفأ الصهيوني ؟ ومتى يصبح تفكيكها لازما لا محيد عنه ؟ وما مصير المقاومة وغزة في حال فوز فتح أو فوز حماس بالانتخابات ؟ فإن كان الجواب أن ما بعد التسوية تسوية ، وأن ما بعد المفاوضات مفاوضات ، وأن الحياة الفلسطينية مفاوضات في مفاوضات فلا داعي للقاء إذن ، ولا ثمرة منه ، ولا من الانتخابات التي ستتمخض عنه ولا من المصالحة كلها .. وإن كان الجواب أن السلطة ستظل في المرفأ الصهيوني دائما بصرف النظر عن كل الاعتبارات وبمعنى أنها ستظل خاضعة للتدخل الصهيوني والتنسيق المخابراتي ، وأن المجلس التشريعي وتوازناته ونسب الأكثرية والأقلية فيه ستظل تحت رحمة وإرادة العدو ، وأن رئيس السلطة سيظل عاجزا عن حضور اجتماع عربي أو إقليمي لصالح قضيته كما حدث أيام العدوان على غزة .. فلا داعي للقاء إذن ، ولا ثمرة منه ، ولا من الانتخابات التي ستتمخض عنه ولا من المصالحة كلها .. وإن كان الجواب أن المقاومة ممنوعة في كل الأحوال ، وكان ما قاله عباس في ستراسبورغ يوم 20 / 4 / 2009 من أنه " حتى لو فازت حماس بالتشريعي والرئاسة فلن يسمح لها بإطلاق الصواريخ وجر الشعب الفلسطيني إلى المواجهة " أقول إذا كان هذا الموقف من المقاومة نهائيا .. فلا داعي للقاء إذن ، ولا ثمرة منه ، ولا من الانتخابات التي ستتمخض عنه ولا من المصالحة كلها .. وإذا كان الجواب أن غزة ستصير مثل الضفة تطارَد فيها المقاومة ويُصفى فيها القادة وتُصادَر فيها الأسلحة .. فلا داعي للقاء إذن ، ولا ثمرة منه ، ولا من الانتخابات التي ستتمخض عنه ولا من المصالحة كلها .. وبالعودة للانتخابات .. فهي أولا : ليست ضمانة على شيء ؛ لأن كل هذه الأمور " الفوق خلافية " لا تخضع لمعايير الأكثرية والأقلية ، وثانيا : لأن فلسطين ليست مستقلة وليس لها دستور ناظم ، ولأن وراء كل صوت انتخابي وكل حجر في وادي تربصا صهيونيا ، ثالثا : ولأن الانتخابات قد جربت في ظل عدم الاتفاق على برنامج سياسي " الحد الأدنى " فأدت لحرب فصائلية كادت تؤدي لحرب أهلية وأدت لمزيد من الانقسام ، رابعا : لأن العدو لن يسمح لحماس أن تفوز !! ولا ينكر أحد أن الأمر بيده ، وأنه يستطيع التدخل جراحيا عند اللزوم لمنع ذلك وأنا على يقين أنه لو فعل ذلك فلن يتراجع عباس عن إجراء الانتخابات ، وربما يعتبرها الفرصة لعزل حماس وهزيمتها .. ولست أبالغ إذا قلت والأرجح أن يرتب ذلك مع العدو كما رتب أمورا كثيرة ضد حماس .. خامسا : لأن النيات وحدها حتى لو صدقت والتعهدات الكلامية وحدها مهما كثرت فلا يمكن الوثوق بها بالأخص وهي تصدر عمن لا يملك أمر نفسه وعمن جربت مصداقيته.. والمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين ، والعاجز هو تماما كالمفرط سواء بسواء من حيث النتيجة والمحصلة الفعلية. الحقيقة أن الشعب الفلسطيني بحاجة لاستراتيجية جديدة تقوم على أساس أن عملية التسوية قد فشلت ، وأن السلطة قد باتت معوقا للمشروع الوطني الفلسطيني ولم تعد أكثر من هيئة في خدمة الاحتلال ، وأن الزمن يسير ويتطاول لصالح التهويد والاستيطان ، وأن المقاومة أثبتت جدارة تستحق الاعتراف بها وبقيمها وبمبرراتها ، وأن غزة صارت رغم أنف العدو معادل ردع له ونواة للتحرير الكامل وشبه محررة ، وأن العالم العربي بات يتغير لصالح الشعب الفلسطيني ، وأن الشعب الفلسطيني إن توحد على قلب برنامج سياسي واحد فإن العالم العربي سيقف معه تصعيدا وتخفيضا ورسميا وشعبيا راغبا أو مضطرا بما يستحث العالم للضغط على العدو وبما يقفز بالقضية الفلسطينية إلى موضع الاهتماتم العالمي الرسمي والشعبي .. آخر القول : من الخطأ والخطر اختزال المشكل بين فتح وحماس في الانقسام الذي أبعد غزة عن الضفة بقدر ما أبعد حماس عن فتح ، وجاء نتيجة لخلافات لا بداية لها ، ومن الخطأ والخطر توهم أن الانتخابات التشريعية والرئاسية التي تفوض الغالب منهما بالتحكم في خيارات ورؤية ومصالح المغلوب ويتحكم العدو في إجرائها ونتائجها ستحل هذه الخلافات ، ومن الخطأ والخطر تجاهل الأسئلة " فوق الخلافية " التي يجب أن يجاب عليها قبل أية مصالحة وأي انتخابات ، ولا بد أن يقوم عليها برنامج الحد الأدنى ، ومن الخطر والخطأ أن يتمحور أي لقاء وعلى أي مستوى حول سبل الالتفاف على القضايا الأساسية بالكلام في التقاسم والتنافس.

451

| 17 نوفمبر 2011

الاستراتيجية الفلسطينية.. وكلمة السر الضائعة

حسب مصادر إعلامية فإن قيادة السلطة الفلسطينية تقوم مؤخرا ببحث وضع استراتيجية فلسطينية ترتكز على إعادة صياغة العلاقة مع الكيان الصهيوني وتنظر في وظيفة السلطة مستقبلا وأنها ستأخذ بعين الاعتبار كامل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية.. وأقول: إن حديث السلطة ليل نهار عن الانتخابات التشريعية والرئاسية وتصريحات قادتها الرسميين عن خطط لإعلان الدولة وللتوجه للأمم المتحدة بخصوص ذلك وفرحهم بعدد الدول التي ستعترف بدولتهم.. وغير ذلك من الدلالات كلها تشير إلى أن من المستبعد أن تلجأ قيادة رام الله لإجراء تغييرات جوهرية تمس شكل أو مهام أو تقاطعات السلطة مع الكيان الصهيوني.. وأنها بالقطعي والمؤكد مهما بلغت ومهما صدقت لن تبلغ تفكيكها والانسحاب – كسلطة – من المشهد السياسي الفلسطيني.. خاصة أن الحديث يدور فقط عن تغييرات تتعلق بالجانب الخدمي وتنصرف عما هو أهم وأخطر من الجوانب السياسية، والأمنية، والاقتصادية. معلوم أن السلطة إنما وجدت أساسا ونسقت أصلا لخدمة الاحتلال – وذلك لا نقوله شتما ولكن تقريرا للحال – وكما يقول عزام الأحمد القيادي المعروف في فتح والمقرب من عباس وأحد رموز السلطة الذي قال متسائلا عن المخرج من الانسداد السياسي التي تعاني منه السلطة.. قال: هل نحن أداة في يد الاحتلال مثل جيش أنطوان لحد وسعد حداد السابق في جنوب لبنان؟. إن تفكيك السلطة وإن كان هو المطلوب بل المفروض إلا أنه ليس خيارا واقعيا في ظل سيطرة العدو عليها، ومصلحته في إبقائها، وفي إبقائها على حالها، وفي ظل قدرته على تنصيب برامجها وقياداتها، وفي ظل امتداداتها في أكثر من ثماني عشرة سنة من السيطرة على مرافق الحياة الفلسطينية، وفي ظل دسامة عائداتها على المنتفعين منها، وفي ظل عشرات الآلاف من القوات العسكرية الفلسطينية التي ستكون في اللحظة التي تتفكك فيها السلطة إما مكشوفة أمام العدو أو مجهزة لتنصيب رأس جديد لها أكثر مطواعية ولحاقا بسياسات الاحتلال.. وفي ظل ما نما بين السلطة وبين الاحتلال من مصالح وتقاطعات وتشابكات شخصية وحزبية ورسمية. هذا لا يعني أن السلطة ضربة لا انفكاك منها، ولا نقوله قبولا بها ولا تبريرا لوجودها وما تقوم به؛ ولكن لقراءة موضوعية ترى الحقائق التي تعمل على الأرض، وبالنظر من زاوية طبيعة هذه السلطة وطبيعة القائمين عليها ونوعية الخيارات والهوامش المتاحة لها، ومن زاوية ما سجلت على نفسها وتاريخها من اختيارات حتى الآن. في كل الأحوال يجب أن تكون الطروحات والتقييمات واقعية، ومن هنا فالراجح أن الاستراتيجية الجديدة التي تتحدث عنها أوساط فتح وإن ارتفعت لهجتها وعناوينها فهي أقرب إلى الخيال السياسي والمنارات الكلامية منها إلى أي شيء آخر، أما الكلام حول ذلك فالأغلب أنه محاولة لشغل الإعلام بالتوقعات والتحليلات وللفت الانتباه أولا عن إنجازات المقاومة بعد صفقة تحرير الأسرى المجيدة، وثانيا لشغل الناس والرأي العام عن الإخفاقات والانسدادات الكثيرة التي تعاني منها السلطة.. وليس المقام لتفصيل الحديث فيها، وربما (أقول فقط ربما) في سياق المناورة على العدو والضغط عليه بسبب معارك الاستيطان والأمم المتحدة وما إلى ذلك.. لكنها - السلطة - عاجزة بالمطلق عن إجراء تغيرات جوهرية. هذا العجز لن يقبل الشعب الفلسطيني بالمزيد منه، بالأخص وهو يرى انهيارات ومآزق العدو والتغييرات التي طرأت على الواقعين العربي والإقليمي، وفي الآن نفسه لن يقبل بتغييرات هامشية "تلاعبية" وحماس هي الأخرى لن تقبل بمصالحة تسلخ عنها وعن غزة مكتسبات المقاومة لتعيدها محاصرة وليعود سلاحها متهما باللاشرعية وتعود إلى المحاصرة والاستهداف وترجع هدفا للتنسيق الاستخباري بين السلطة والعدو.. لذلك فالمتوقع أن السلطة ستظل تراوح بين نفس المنحشرات، والمتوقع أن العدو لن يسمح بتفكيكها وسيتصرف في اللحظة الحاسمة بما يشبه تصرفه مع عرفات لما صار خطرا على مشروعهم - السلطة (يعني قبل ما عباس يفك السلطة حيفكوا رقبته)، وعباس ليس هو رجل هذا القرار ولا هو ذاك المغامر لا بشخصه ولا بعين ذاته، التسوية أيضا مقفلة ومفاتيحها مع نتنياهو وليبرمان المسافرين بعيدا عن التسوية وعن السلام وعن معاني الإنسانية بالمطلق، والاستيطان يجري جريا في اللحم والشحم والأرض والتاريخ الفلسطيني، والمعارك الدبلوماسية إن آتت ثمارا إعلامية وسياسية محدودة ومؤقتة للسلطة ولأشخاص معينين فيها فلن تحقق على أرض الواقع شيئا ملموسا.. الحقيقة التي على الباحثين عن استراتيجية مخرج للسلطة الفلسطينية أن يعلموها هي أن حماس لا تعاني ذات المنحشرات، ولا يفترض أن تقدم ذات التنازلات فضلا عن أن يكون عليها القسط الأكبر والأشد مرارة منها، وأنه لا مخرج بدون الاعتراف بإنجازات المقاومة كمكتسبات للشعب الفلسطيني كله، وأنه لا يجوز لا لحماس ولا لغيرها المساس بها أو التنازل عنها حتى لو كانت هي التي حققتها وراكمتها.. وأنه بقدر ما ليس من المنطقي المطالبة بتحويل الضفة لمثل غزة؛ فإنه ليس من المنطقي وبنفس القدر من الرفض أن تتحول غزة لمثل الضفة وأن تتجاهل إنجازات المقاومة التي كنست الاحتلال منها وردته وردعته عن الاعتداء عليها.. بتقليب الأمر على هذا الأساس من الجدية والصدقية والقناعة بضرورته يمكن للسلطة أن تجد خيارا بين الخيارين وبين الأزمتين.. خيارا يقوم على توصيف الحالة الفلسطينية والإبقاء على ما هو حال واقع له مكتسبات على ما هو عليه مع رسم هدف أبعد هو التحرير الذي لا بد أن يتجه الخط الوطني إليه بدون تردد.. ولكن بمشاركة الطرفين وبجهود الفريقين في كلا القطاعين – الضفة وغزة. غزة اليوم إقليم محرر والعدو لا يجرؤ على الاقتراب منه وهو ما تعتبره المقاومة مكسبا لا تنازل عنه.. وليأت بعد ذلك عباس وكل الفلسطينيين ليشاركوا في إدارته ويجتهدوا في حمايته ويستثمروا دواخله في تصعيد الثورة وتحقيق غاياتها.. أما أن تعود غزة للتبعية الأمنية والاقتصادية والخدمية والسياسية للمحتل كما كانت قبل الانقسام وكما هي في الضفة اليوم فلا أظن أحدا سيقبله حتى لو كان الذي سيقوم به إسماعيل هنية نفسه – وحاشاه أن يفعل ذلك. آخر القول: الاستراتيجية الجديدة التي يبحث عنها قادة ومفكرو السلطة لا بد أن تراعي تغلب المعادلة المقاومية في غزة على المعادلة السياسية.. بنفس القدر الذي تراعي فيه تغلب المعادلة السياسية في الضفة على المعادلة المقاومية.. هذان الاعترافان لا بد أن تقوم عليهما الاستراتيجية الفلسطينية الجديدة التي يبحث عنها الباحثون.. وهما كلمة السر الضائعة حتى الآن والتي دونها ستبقى العجلة الفلسطينية تدور في ذات المكان وسيبقى كل كلام سواء في المصالحة أو غيرها لا يعدو شكلا من التوهان ونوعا من اللف والدوران.

447

| 10 نوفمبر 2011

نقاط "لإخوان" على حروف المجد

 في تقدم كبير لـ"الإخوان المسلمون" فاز حزب النهضة التونسي بأكثر من 90 مقعدا من مجموع مقاعد الجمعية التأسيسية الـ217 في الانتخابات المشهودة الشفافية التي أجريت هناك يوم 23 / 10 والتي شارك فيها %90 من الناخبين التونسيين المسجلين حسب لجنة الانتخابات والمراقبين الدوليين.. هذا النصر يأتي بعد عشرات السنين منذ الاستقلال كان حظ الإسلاميين فيها المنع والحظر والتضييق والملاحقات الأمنية ومحاربة الفكر وتجفيف المنابع الدينية وتسخير كل مقدرات الوطن في ذلك المالية والإعلامية.. لكن الأكثر شدة وضنكا على الحزب وأنصاره كانت في عهد الساقط الهارب " ابن علي " الذي وصل به الأمر ألا يدخل الناس إلى المساجد إلا ببطاقات ممغنطة وأن يقوم أئمة المساجد بدور ضابط الأمن في متابعة التنفيذ.. هذا النصر يأتي في ظل تقدم الإخوان المسلمين وفكرهم وأحزابهم وأنصارهم في أكثر من بلد عربي وإسلامي في شكل المقاومة والثورة أو بالانتخابات والعمل السياسي، ويأتي في ظل مراجعات كثيرة وكبيرة بدأت تقوم بها نظم أخرى لم تسقط بعد ولكنها تحاول تجنب المصير الذي آل إليه أصحابهم في تونس ومصر وليبيا.. هذا النصر – وكما يعلم المتابعون العارفون - ليس طفرة وليدة لحظة، ولا هو مجرد موقف عاطفي من الناخبين، ولا هو – كما يزعم بعض خصوم الإخوان – ردة فعل وهروب من واقع سيئ إلى متوقع سيئ أو إلى سوء يراهن على إمكانية إصلاحه.. ولكنه ثمرة تراكم تضحيات مديدة في عشرات السنين ظل فيها الإخوان المسلمون الوحيدين الذين تلتقي على مطاردتهم والتضييق عليهم كل النظم بيساريها ويمينيها، وهو ثمرة إنجازات حققوها رأتها الأمة وجربتها، وثمرة سلوك مستمر ومتواصل من النزاهة المشهودة لشخوص وفاعلية هذه الجماعة، وثمرة الفكر الوسطي الذي تتبناه عن قناعة وفهم للإسلام لا عن ضرورات وقهر واضطرارات، والذي بقدر ما يؤصل على النص ومنطوقه وحذافيره بقدر ما يتحرك في ظلال النص ومفهومه واجتهاداته ومرونته.. ضروري التذكير هنا بأن " الإخوان المسلمون " لا يزالون ينطلقون اليوم في السراء وعلى أبواب التمكين بذات الشعارات التي عملوا بها في الضراء ومنذ الانطلاقة قبل ثمانين سنة.. دون أن يغيروا حرفا واحدا.. ذلك يعني أنهم حققوا الإنجازات وأقنعوا الشعوب لا على حساب ثوابتهم وأفكارهم ولا بمغادرة الوسطية التي ميزتهم.. وفي هذا المقام وفي ظلال هذه النقلة النوعية لا بد من كلام يقال ومن حقائق تثبت.. وأقول: الذين توقعوا منذ عشرين سنة أواخر القرن الماضي أن الإسلام قريبا سيحكم لم يقولوا ذلك لأنهم يعلمون الغيب ولا لأنهم يخطون في الرمال أو يقرأون النجوم.. وليس لأنهم أئمة مساجد، ولا لأنهم مسلمون متطرفون ولا لأنهم إخوانيون منحازون ولا لأنهم من أتباع ابن لادن المتهمين بالخيالية وعدم الواقعية.. ولكن لأنهم أهل السياسة ولأنهم قرأوا الواقع ورصدوا الخط البياني للمتغيرات وحللوا الأحداث بعينٍ على الماضي وأخرى على المستقبل، فلمسوا الحقائق بطريقة موضوعية أوصلتهم لهذه التوقعات.. أما نحن المسلمين فالنصر والتمكين لأهل الدين وأهل الحق بالنسبة لنا إنما هو جزء من عقيدتنا وإيماننا وثقتنا بموعود الله تعالى رغم أنف المتأنفين وعنوة عن كيد الكائدين.. وصدق الله العظيم إذ يقول: (والله متم نوره ولو كره الكافرون). البعض كان يسأل باستنكار واضح وظلم فاضح: أين الإخوان المسلمون؟ ماذا فعل الإخوان المسلمون؟ آخرون كانوا يقولون متجاهلين ما تحت يد الخصوم من أسباب وجاهلين سنن الله تعالى في ابتلاء الأحباب: لو كان الإخوان على الحق ما تأخر عنهم النصر حتى الآن؟ بعض آخر من الإسلاميين المستعجلين الذين يغرقون في ثنائية " الأبيض أسود " و " والسلم والحرب " من الأفكار والمواقف كانوا أحيانا أقسى على الإخوان من الخصوم والأعداء البعيدين إذ يقولون: إن منهج الإخوان المسلمين هو من الليونة والإرجاء العقدي (أي عدم القوة في المواجهة والمفاصلة مع المخالفين) ما لن يمكنهم من التغيير في هذا الزمن المليء بالفتن والمختلط الاتجاهات.. نعم لقد تحقق للإخوان المسلمين اليوم بصبرهم وحكمتهم وطول نفسهم أمان يحسدهم عليه كثيرون من المستعجلين، ولا يطمح إليه كثيرون من أهل المجاملات والتزلفات.. وهو يذكرنا بالرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سأل مرة: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبَدَ الدَّهْرِ نَحْنُ خَائِفُونَ هَكَذَا، مَا يَأْتِي عَلَيْنَا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ وَنَضَعُ فِيهِ السِّلاحَ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَنْ تَغْبُرُوا إِلا يَسِيرًا حَتَّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي الْمَلأِ الْعَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَتْ فِيهِ حَدِيدَةٌ " تغبروا: أي تجاهدوا وتتعبوا. ليست فيه حديدة: أي آمنا لا يحتاج سلاحا ولا يحمله. أما اللادينية والفراغ والعبثية واللاشيئية التي أرادها لنا أعداء الأمة بديلا عن الإسلام وسخروا لها كل أسباب التغلب ولا يزالون، فإنما هي نبتة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار وإنما هي باطل لا ينتعش إلا في غيبة أو غفلة الحق.. هنا نتذكر قول الحق تبارك وتعالى: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون..). نعم لقد جاءت جولة الإسلام (وتلك الأيام نداولها بين الناس) لقد صار الرجوع للإسلام اليوم ظاهرة عامة في كل بلاد المسلمين.. وهو ما يحتم - في ضوء هذا الرواج والألق – على العاملين للإسلام من كل الألوان والأطياف وبالأخص " الإخوان المسلمون " لمكانهم ومكانتهم من التغييرات الجارية أن يراجعوا وأن يحدثوا حصيلتهم من فهم طبيعة المواجهة وقوانينها وسننها، ومواضع العزيمة والرخصة منها، وأن يرجعوا بالدراسة والبحث على خططهم ووسائلهم للإصلاح ومعالجة ما اعترى العقول من إصابات مست الواقع الإسلامي كله ومست علاقة الأخوة بين أطياف وألوان العمل الإسلامي، لأن صورة الإسلاميين وطرحهم واحد أو هكذا يريد الناس أن يروه.. لقد صار على البعض - الإسلاميين - الذين غرقوا في التنظير ولم يحصدوا إلا نجاحات محصورة والذين أقاموا في سياق ما يسمح به الآخرون والذين لم يحققوا شيئا أصلا، والذين ازدادت عزلتهم أو أساءوا لصورة الإسلام أكثر مما أحسنوا بجهالة أو استعجال.. لقد آن لكل هؤلاء أن يجروا مراجعة حقيقية وشاملة للفكر والسلوك والعلاقات والأهداف والممارسات التي كانت المرجح للإخوان عليهم.. إن كانوا بالفعل يريدون الحق لا ذواتهم ولا رواج أشخاصهم.. هذا يجب أن يكون ويجب أن يكون بعيدا عن الحساسيات الفئوية والمبالغات. بقي أن نقول: إن على " الإخوان المسلمون " أن يحسنوا فهم أمور لا بد من إحسان فهمها ؛ ومنها: 1- أن ما حققوه أو ما تحقق لهم من نصر لا منّة لأحد غير الله تعالى فيه.. بالتالي فلا مجاملة على حساب المنهج ولا استحياء من تقرير ثوابت الأمهات بقدر ما لا يجوز فقدان المرونة والواقعية ومسلكية التدرج في الآليات والوسائل والتكتيكات 2- أن جزءا من النصر الذي تحقق لـ" الإخوان المسلمون " إنما ينسب إلى أخطاء وخطايا ومفاسد النظم التي عارضوها ما يعني أن عليهم مسؤولية عملية عالية لتوفير البديل الذي طالما تحدثوا عنه وليس أمامهم إلا أن ينجحوا في مواجهة ذلك.. 3- أن الكثير مما كان يجري بين " الإخوان المسلمون " داخليا أو يتحرك بينهم سريا سوف يصبح أقرب إلى الصحف وإلى الرأي العام من فم قائله ومن أذن سامعه، وسوف يصير عرضة للتأويل والتجيير وسوء التوظيف والتفسير.. بالتالي فإن عليهم أن يطوروا أدوات الشورى والتداول الداخلي، وأن يوسعوا نظرتهم لتشمل كل الوطن وكل القطاعات والتلاوين، وكل العناوين السياسية والوطنية والمذهبية.. وأن يغطوا أكبر مساحة ممكنة من التوافق مع المخالفين.. آخر القول: "الإخوان المسلمون " بشر يصيبون ويخطئون وربما بل بالتأكيد يؤخذ وسيؤخذ عليهم بعض موقف أو فكرة.. ولهم معارضون وأعداء ومنافسون.. ومع ذلك قد فازوا وانتصروا وها هي البلاد تدب بدبيبهم وما ذلك إلا لما يمتازون به من الإيمان والعملانية والمنهج الوسطي (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) وأما خيبة العلمانية وفشل الجاهلية ومصرع كيد الكافرين.. فما ذلك إلا الضلال الموعود لكل من تنكب الطريق (وما كيد الكافرين إلا في ضلال)..

604

| 03 نوفمبر 2011

هل المصالحة الفلسطينية.. بأي ثمن ؟

صفقة الأسرى الفلسطينيين التي حررت بموجبها حركة حماس ما يزيد على ألف أسير وأسيرة من جميع الفصائل هي صفقة كلها خير والمفترض أن تكون فتحت صفحة جديدة من الثقة والتفاهم والتعاون الوطني بين الفلسطينيين عموما والحركتين الكبريين حماس وفتح خصوصا ، وقد تفاءل الجميع بتشابك يدي السيد محمود عباس بأيدي عزيز الدويك وحسن يوسف من قادة حماس يوم استقبال الأسرى المحررين في رام الله كإعلان عن قبول رسالة الوحدة الوطنية التي سطرتها حماس بهذه الصفقة .. لقد كانت حماس ذكية وخلوقة وشديدة التواضع عندما ضمنت انتصاراتها من الصفقة انتصارا إضافيا على الذات وانتصارا إضافيا على الانقسام الذي له ما يبرره واقعيا من أسباب لم تتم معالجتها حتى الآن .. تعالت حماس على جراحها وعلى مصالحها فلم تفرق بين أسراها وأسرى فتح أو الشعبية أو الديموقراطية .. وإن كان عدد المحررين من حماس أعلى من محرري غيرها فلأن أسراها أكثر ولأنها ركزت على المحكوميات العالية التي لها فيها حظا وافرا .. لقد أحسنت حماس ؛ فهل أحسنت فتح في تقبل الرسالة والتعاطي مع معناها وإشاراتها ؟ وإذا كانت حماس قد عززت بهذه الصفقة إمكانية تحقيق جدي وصادق للمصالحة التي صارت كل الظروف مناسبة لها ودافعة باتجاهها فهل تسعى فتح للتلاقي على ذلك وبالأخص بعد أن أصبحت عملية التسوية لا أمل في إحيائها ولا جدوى من إطلاقها .. هذه الرسالة التصالحية التي صدرتها حماس والتي كان من المفترض أن تتلقاها فتح بالقبول وأن تتلقفها بالشكر وأن تردها بالجميل .. سرعان ما ضاعت وتاهت عندما انطلق متحدثو فتح الرسميون وإعلامها الرسمي بذم الصفقة واتهامها بالنقص وتشويهها بالافتراءات .. وأكثر من ذلك قامت أجهزتها - بحسب النائب في المجلس التشريعي فتحي القرعاوي - باستدعاء بعض الأسرى المحررين إلى مقارّ تلك الأجهزة " لشرب فنجان قهوة " وأجبرت ذوي الأسيرة المحررة في صفقة التبادل " قاهرة السعدي " من حركة الجهاد الإسلامي بإنزال رايات التوحيد التي كتبت عليها عبارة " لا إله إلا الله " .. وفيما يبدو تصعيدا متسقا مع الاحتلال قامت باعتقال ثمانية من أنصار حماس يوم الاثنين الماضي 24 / 10 وباعتقال القيادي في حماس وعضو مجلس بلدي مدينة قلقيلية المنتخب والمحاضر في الكلية الشرعية الإسلامية بالمدينة " سامح محمود عفانة " .. هذا كله يحدث في أقل من أسبوع واحد بعد تحرير الأسرى .. ذلك يذكرنا بما فعلته يوم توقيع اتفاق المصالحة في 4 / 5 / 2011 مع حماس وإذ كان الشعب الفلسطيني فرحا ومستبشرا بما تم ، إذا بها تصر على اعتقال أنصار حماس وتترك كل المبشرات والمسرات لتستمر في تصفير وتسويد صحفها ومواقعها الإلكترونية بشتم حماس والتشكيك بصدقيتها وتنقل عن الصحف " الإسرائيلية " اتهامات وافتراءات على قادتها ورموزها .. وأقول : أتمنى أن تكون هذه التصرفات نشازا عن القاعدة المعتمدة لدى فتح مع أن المتحدثين بها رسميون ، وأتمنى أن تتمكن فتح من تطوير خطاب وطني يناسب مقتضى أدب المصالحة ومبادرات استعادة الثقة التي تتقدم بها حماس ، وأتمنى أن تكون المصالحة التي تريدها فتح مصالحة تكامل ترتقي إلى برنامج مشترك يأخذ بنظر الاعتبار الحاجة للمناورة السياسية التي تجيدها فتح بقدر ما يؤكد الثوابت التي تحميها حماس ؛ برنامج مشترك ينبني على المقاومة وأسر الجنود وتحرير الأسرى والصمود في وجه العدو وردعه الذي أثبتت وجودها وإبداعها فيه حماس بقدر ما يستفيد من الديبلوماسية الرسمية والعلاقات الدولية التي تملكها فتح .. لا أن تكون مصالحة الاستراق والتوريط ولا مصالحة المناورات السياسية ولا مصالحة المغالبة الجافة من الوداد والجامدة عن التفاهم والتي ما إن تنهض حتى تقعد وما إن تنطلق حتى تحور على كور وتعود على نقض .. قادة حماس كثيرا ما أكدوا في تصريحاتهم الرسمية وغير الرسمية أنهم توصلوا إلى مصالحة لن تكون على حساب المقاومة ، وأنهم سينفذون ما يخصهم منها بكل جدية وإخلاص .. وأنهم يعتقدون أن الطرف المقابل لم يعد معنيا بإبقاء الانقسام .. إلى آخر ذلك من الطموحات التي تعتمد أساسا على حسن الظن .. إلا أن ما نراه اليوم يجعل من المنطقي التساؤل : إذا كانت هذه هي فتح والسلطة في أحسن الأحوال وعند المجاملات ؛ فهل هي بالفعل راغبة في إتمام المصالحة ؟ وإذا كانت راغبة فيها فما نوعية وصورة ومحددات هذه المصالحة ؟ وإذا كانت مفاعيل المصالحة لم تصل إلى الضفة ومعتقلي حماس وملفات التنسيق الأمني فيها فأي مصالحة هذه التي يحسنون بها الظن ؟ ولنسأل بصراحة هل المقصود أن تعود غزة لبيت طاعة فتح ولا شيء سوى ذلك ؟ وعند ذلك سنسأل : إذا كانت عودة غزة لفتح هي المقصود الأول والأخير فهل ستكون تحت " بساطير " جنود الاحتلال كما الضفة ؟ ثم ما مصير عشرات الآلاف من المجاهدين الذين انكشفت أسماؤهم وهوياتهم ؟ وما مصير القادة ؛ هل سيقتلون أم يطاردون أم يستسلمون ويستقيلون من الواجب ومن الوطن ؟ أم أن أحدا ما سيتوسط لهم عند الاحتلال لعله يحصل لهم على اتفاق " كف طلب " أو " بيعة نساء " ليأكلوا ويشربوا ويناموا ويتنقلوا ببطاقات ال( في آي بي ) ؟ وإذا كانت حماس بعد سيطرتها على غزة وأسرها الجندي قد حررت به مئات أسرى المؤبدات وبيضت السجون من النساء والأطفال ووحدت بشكل عملي كل الوطن من الضفة لغزة ومن ال 48 إلى الجولان ومن فتح لحماس ومنهما إلى الجهاد والشعبية .. إذا كانت حماس قد حققت كل هذا بأسر جندي واحد استطاعت أسره أولا ثم الاحتفاظ به ل1940 يوما ثانيا والمفاوضة عليه خمس سنوات ثالثا ، واستطاعت رد العدو وإفشاله وردعه في حرب كسر العظم على غزة .. أقول : إذا كانت حماس استطاعت كل ذلك من خلال سيطرتها على غزة فهل عليها أن تسلمها للسيد عباس – مع كل الاحترام له ومع كل الرفض لمنهجه وبرنامجه – ليقوم بإعادة التائهين من جنود العدو بعد أن يقدم لهم واجب الضيافة العربية في مقرات الحماية الأمنية والتنسيق الأمني كما تفعل في الضفة ؟ فما الذي يجعل أحدا يظن أن حماس ستقبل بذلك ؟ إن الذين استطاعوا أن يهينوا الجيش الذي كان يقال إنه لا يقهر ويتركوا لواء جفعاتي وراءهم يبكي كما تبكي النساء ليستحقون مصالحة لا تهينهم ولا تمرغ كرامتهم تحت أقدام ذات الجيش ! وإن الذين استطاعوا أن يقهروا أجهزة أمن العدو وأن يحتفظوا رغما عنها بالجندي الأسير كل هذا الوقت لا يجوز أن يصبحوا ألعوبة بيد التعاون الأمني مع تلك الأجهزة .. وإن الذين استطاعوا أن يركعوا نتنياهو على ركبتيه يستجدي صفقتهم لحري أن لا يجثوا هم لنتنياهو على ركبهم وأن لا يستجدوا حمايته .. وبصراحة أكثر إن الزمان قد تغير كثيرا منذ خمس أو ست سنوات ، وتغير كثيرا بعد سقوط حسني مبارك وهبوب " ثورات الربيع العربي " وبعد موت وتشييع عملية التسوية البائسة .. وبعد مستجدات تحرير غزة ، وبعد صفقة تحرير الأسرى وخروج المئات من القائدة والرواد بموجبها .. وإن الشعب الفلسطيني لم يعد يريد غزة لغزة فقط ولم يعد في وارد أن يفرط بالمقاومة ولا بقادتها ولا بجيشها الذي تتعزز الحاجة إليه اليوم وكل يوم .. فإن كانت فتح مستعدة وكانت فوق ذلك قادرة على المجيء لغزة بكل ما تعنيه غزة من ذات ومن مقاومة ومن مكتسبات ومن سلاح .. فألف أهلا وألف سهلا بها ولتأت منذ الغد ولها أن تقود الدفة إن شاءت والظن أن كل قوى المقاومة ستقبل بها من حماس إلى أصغر فصيل وستكون تحت تصرفها وتحت طلبها في ذلك ، أما إن كانت ستأتي لتقيم السجون والمعتقلات ولتنزل أعلام المقاومة ولتمنع رايات " لا إله إلا الله " ولكي تعتقل الشرفاء وتستدعي المحررين لفنجان القهوة – إياه - ثم ليأتي معها ضابط احتلالي صهيوني برتبة عقيد ليحكم غزة وليصول ويجول فيها كما يشاء وقتما يشاء وحيثما يشاء وليعلق هنية والزهار وغيرهما من القيادات في " الشبح " , فلا أهلا ولا سهلا وليقل بعد ذلك من شاء ما يشاء .. آخر القول: عندما تتواصل اعتداءات فتح على حماس في كل الوقت ولا تفرق بين إقبال وإدبار ولا بين مسرة ومضرة ، وعندما يأتي ذلك من قيادات رسمية ومن متحدثين رسميين ، وعندما يأتي رد حركة فتح على مبادرة حماس كما رأينا تزهيدا فيها وتقليلا من قيمتها وإشاعة افتراءات عليها , فإن من حق حماس وشعبها أن يضعوا علامات استفهام على كل المصالحة وعلى كل العناوين التفصيلية تحت هذا العنوان الكبير ..

579

| 27 أكتوبر 2011

جميلة هي صفقة تحرير الأسرى.. وجميل معناها

تخيلت لو أن جيشا من جيوشنا – مجرد تخيلت ! - تحرك لتحرير ألف وسبع وعشرين أسيرا فلسطينيا وعربيا من سجون ومعتقلات الاحتلال الصهيوني وتسنت له كل ظروف النجاح في مهمته .. وتساءلت .. كم كان يجب أن يكون عديد هذا الجيش وعتاده ؟ وكم رتبة لواء وعميد وعقيد ومقدم ورائد ونقيب كان يجب أن يكون عليه ؟ ومن أي أرض سينطلق ؟ ومن الزعيم الذي سيتبناه ؟ ومن من أنظمتنا سيقف معه ويؤيده ؟ ومن منهم سيطعنه في الظهر ؟ وتساءلت : كيف سيكون أثر ذلك على المنطقة لعشرات السنين القادمة ؟ فكانت الصورة شائكة ومعقدة .. ثم نظرت فيما فعلته حماس يوم أسرت شاليط وما أنجزته يوم بادلته بكل هذا العدد من الأسرى وكيف أنها بيضت السجون من الأسيرات ومن الأطفال .. فقلت الحمد لله تعالى وحده الذي يكيد للمؤمنين وينصرهم ويمكر بالكافرين ويخيبهم .. وأعود بذاكرتي إلى يوم الأحد 29 جمادى الأولى 1427هـ الموافق 25 حزيران يونيو 2006 م حيث قامت مجموعة لا تزيد على ثمانية من المجاهدين الذين ( صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) من المقاومة الإسلامية الفلسطينية المجيدة – حماس وألوية الناصر صلاح الدين وجيش الإسلام – بالعملية التي أسمتها " الوهم المتبدد " واستهدفت فيها الموقع العسكري لجيش الاحتلال على الحدود قرب مدينة رفح .. واستطاعت في وقت لا يزيد على خمس عشرة دقيقة ما بين الساعة 5.13 – إلى 5.28 من فجر ذلك اليوم التاريخي أسر الجندي " شاليط " وصالت وجالت وجاست خلال ديارهم وعلت وتبرت حصونهم تقتل وتجرح وتدمر ثم تنسحب مخلفة وراءها لواء جفعاتي - المييز والموصوف – يتحسس رأسه وجنبيه ويلطم ويبكي مصابه وخيبته كما تبكي النساء .. وأنظر إلى مشهد تحرير الأسرى اليوم ونافذة الأمل التي فتحت وإبداع القيادة السياسية لحماس وإخوانها في الفصائل الآسرة الذين جعلوا نتنياهو يجثو على ركبتيه يتوسل الصفقة – كما يقول إعلام العدو نفسه – فأراه نصرا لا يقل عن نصر ذلك اليوم ، وأنظر فرحة الأمهات والأخوات والآل والأحبة بتحرير أبنائهم من محكومي المؤبدات وتحرير النساء والأطفال .. فأحمد الله تعالى أنه لا يزال فينا من يسد عن الجيوش الجرارة ومن يعوض فارق القوة ، ومن يختصر الزمن باتجاه النصر .. جميل هو هذا الإنجاز وجميل ما منحه الله تعالى للمقاومة بهذا النصر المؤزر وجميل ما أنعمه تعالى علينا بالمقاومة الإسلامية .. وجميل أن تعود الكرة على الكافرين وأن تدور عليهم الدوائر كما دارت على أسلافهم وجميل أن يأتيهم الله من حيث لم يحتسبوا وأن ينبت لهم حماس كما أنبت موسى عليه السلام لفرعون الأول .. وجميل أن تهزم حماس كبرياء هذا العدو المتعنت المتغطرس الذي لا يعجبه شيء ولا يردعه شيء وجميل أن تهتك ردعه وأن تحط قدره وأن تخسئ مكره .. فالحمد لله رب العالمين .. صحيح أن كلمة " جميل " في مقام وصف هذا الإنجاز وهذا الإبداع كلمة صغيرة ضئيلة وأقل من أن تعبر عن طعم الحرية بالنسبة للأسرى وأهاليهم وشعبهم وقضيتهم ، وعن أثر ذلك على جدارة المقاومة وجدواها وأهليتها واستحقاقها للثقة ، وهي كلمة لا تعبر عن معنى النصر المؤزر الذي انتزعته المقاومة انتزاعا من وجه العدو وشحمه ولحمه وأعصابه وكرامته وهيبته وردعه .. ولكن بريق الحقيقة وروعة المعنى أهم من أن تتنازعه كلمات الإطراء .. والحمد لله رب العالمين .. جميل أن تأتي هذه الصفقة بعد خمس سنوات من أسر الجندي الصهيوني .. سنوات خمس كان كل يوم فيها وكل ساعة وكل عشر دقائق نصرا إضافيا في سجل عز المقاومة بقدر ما كانت صحيفة سوداء مشبعة بالخزي والعار في سجل الجيش الذي لا يقهر والأمن الذي أقام دولة .. جميل أن تكون الأمور صعبة عليهم كما عبر عن ذلك رئيس وزرائهم السابق المهزوم والخاسئ " ايهود أولمرت " عندما قال " لقد رافقني أسر شاليط ساعة بساعة ولقد اتخذنا قرارات حيال قضية أسر شاليط وفعلنا أمورا لا يمكن التحدث عنها ولكن مازال جلعاد ليس معنا وهذا أمر مؤلم وصعب ! " وجميل أن يفشل وأن يعجز رئيس وزرائهم الحالي " المدلل والمتباهي " وأن يقول : " جربنا كل الطرق الممكنة لإعادة شاليط ولم ننجح " ، وجميل أن يبرز للعدو من صفوفنا من يجعل المفاوضات سلاحا لنا لا علينا ، وأن يجلس لها بندية وشموخ لا يتوسل ولا يترجى وتأتيه الوساطات ليقرر هو ما يقبل وما يرفض من العروض .. وجميل أن لا تقوم المفاوضات على وفاض خال ورجاء خائب .. وجميل أن يقول رئيس وزرائهم " لقد كانت مفاوضات صعبة ومتعبة " .. جميل أن نرى طهارة وصلابة المقاومة ووعيها وصبرها واقتدارها في التفاوض والعمل السياسي كما رأينا دائما طهارتها وصلابتها ووعيها وصبرها واقتدارها في الميدان والمواجهات البطولية الفدائية والعسكرية .. جميل أن يرى العدو إصرار قيادة المقاومة على الوفاء للأسرى ليعلم أنها عصية على التدجين ، وأن يرى ثباتها ليعلم أن في شعبنا من لا تهزه عواصف الإغراءات وصوارف التسيد والبريستيج .. فالحمد لله رب العالمين .. ربما سيكتب شاليط مذكراته وقد يعدل في القول فإن فعل فسيذكر العجائب من حسن تعامل حماس معه عبر ألف وثمانمائة يوما عايشوه فيها ورعوه وحموه لكن ليس على حماس أن تنتظر ذلك فقليل من الناس من ينصف عدوه .. فلتكتب وبالتأكيد قد وقع بينها وبينه – الأسير - من المجاملات والجوانب الإنسانية في لحظة مرض مرضها أو خوف خافها أو دمعة شوق دمعتها عينه ما يعلم العالم كله أن رجال حماس إنما هم مقاومون إنسانيون ومحترمون وعادلون وليسو إرهابيين ولا عدميين ولا معتدين .. وأن الإرهابي هو الاحتلال الذي يمارس على الأسرى كل صنوف الترويع والعزل واجتياح حقوقهم وتعذيبهم وتقطيع أجسادهم وسرقة أعضائهم وتجريب الأدوية وتعليم الأطباء المتدربين عليهم .. جميل أن يفهم وأن يقتنع بعض ذوي القربى أن خطف الجندي الصهيوني كان إنجازا استراتيجيا كسر معايير التبادل التي كان العدو يصر على تثبيتها عبر عشرات السنين وعبر كل إفراجاته التي كان يمتن بها عليهم وكان يقتطع مقابلها مواقفهم ، جميل أن يفهموا أن أسر شاليط كان يستحق التضحيات التي عيّروا بها حماس يوم قالوا : " هل خطف جندي واحد يستحق 450 شهيدا " جميل أن يفهموا أن تحرير الأسرى تحريرا محتشدا بالثورة والعز ومليئا بالمجد ومشبعا بالندية لا توازيه ولا تعادله ولا تقاربه إفراجات العدو على مقاييس العدو ، جميل أن يفهموا أن المقاومة ليست عدمية وليست عبثية وأن لعملياتها نتيجة سوى " توريط الشعب الفلسطيني " كما كانوا يقولون .. هي تحرير الأسرى وكسر إرادة العدو وإخضاعه ورسم البسمة على شفاه الآباء والأمهات وعلى سحب السماء وغدران المياه وأشجار التين والزيتون .. آخر القول : جميل كل ما في الصفقة وجميلة كل رسائلها .. وجميل أنها رسمت خطا عريضا باتجاه التحرير الكبير .. وباتجاه المصالحة مع شركاء الوطن .. وما النصر إلا من عند الله "ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم" .

455

| 20 أكتوبر 2011

لإحقاق الحق.. وليس دفاعا أو تملقا

 بعيدا عن الفكرة المتخلفة التي تنسب كل شيء للمؤامرة وتسيء الظن في كل شي ويتمترس خلفها العاجزون والمتهمون فإن ما تنهض به دولة قطر من مسؤوليات في دعم الشعوب العربية وحل مشكلاتها إذا وضعناه على بساط البحث الموضوعي وفي ميزان المصالح والمضار الإستراتيجية هو غاية ما يطلبه أي مخلص وأي وطني لوطنه ولأمته.. فما تقوم به هو مع الشعوب أولا، وجريء بما فيه من معاني التضحية ثانيا، وهو واجب فيه معنى الكرم والمبادرة لأنها تستطيع أن تقصر فيه لتقلل خصومها وخساراتها بسببه ثالثا، (ولو فعلت ما تحملت من المسؤولية أكثر من أي نظام عربي أو إسلامي ممن يعيشون في أحضان الآخرين أو حتى يتآمرون على الأمة)، وهو مصلحة إستراتيجية للأمة وشعوبها فما تقوم به لا بديل عنه ولا أفضل منه ولا حتى يدانيه في الأفضلية في ظل واقع الأمة وحالها.. وهذا رابعا.. لكل هذه الاعتبارات فإن ما تقوم به قطر هو مكتسبات إستراتيجية حقيقية لها وللأمة كلها ولا بد من شكرها عليه والأمل أن تستمر في تقديمه فقد وقفت مع قضايا الأمة من فلسطين إلى السودان إلى العراق إلى الثورات العربية ومن تونس إلى مصر إلى ليبيا إلى اليمن إلى سوريا وما تغطيه قناة الجزيرة الفضائية من فضاء إعلامي وسياسي وفكري واسع ومبدع أدى إلى تعرضها للقصف الفعلي من الأمريكان وإلى حجبها عن ممارسة حقها من قبل نظم سوداء كثيرة وفي مرات كثيرة، وما يوفره الشيخ القرضاوي من قاعدة انطلاق واسعة للعلماء العاملين بفتاواه التي تجاوزت الانتماء المناطقي.. كل ذلك وسواه مما يصعب ويطول حصره وعصره ينسب بالفضل فيه بعد الله تعالى لدولة قطر.. وهو يفصح عن الكثير من قناعاتها ومنطلقاتها تجاه نفسها وأمتها والحاضر والمستقبل وما كان وما سيكون مما ينسجم مع هذه الأمة ورسالتها وهويتها واحتياجاتها وتصحيح أوضاعها.. أما إذا كان البعض لا يرى كل هذه الحقائق فهذه مشكلته هو فقط، وهو نقص في انتمائه للأمة يخصه هو فقط، وعليه هو أن يعالجها من أجل نفسه قبل أن يفوته القطار.. (طبعا ليس قطار علي عبد الله صالح الذي لا يحمل إلا أموات الضمائر والكذابين!) هؤلاء نسألهم عن تقييمهم لدور قطر بعيدا عن مداهم الشخصي والحزبي والجهوي وبعيدا عما تسببه لهم من تضررات أساسها أنهم هم اختاروا غير ما اختارته شعوبهم وأخذوا ما ليس من حقهم.. عند ذلك سنجد أنهم لا يرتكزون لقاعدة انطلاق صحيحة ولا لمعادلات مستقرة ولا يملكون وحدة موضوعية لمواقفهم.. ولنأخذ شاهدا على ذلك من الثورة المصرية.. لنرى أن موقف قطر من النظام المصري ودورها في دعم الثورة المصرية كان يحظى بإجماع عربي بل ومصري على المستوى الشعبي.. اللهم إلا طائفة البلطجية وأزلام النظام ومنتفعيه.. أيضا نسأل أليس الشعب المصري قد صارت له قيمة ودور حقيقي في رسم واقعه وتقرير مصالحه ووضع سياساته ومد علاقاته؟ أليس قد صار رئيس الوزراء المصري يحسب حسابا لعشرة متظاهرين ينزلون إلى ميدان التحرير أو مسبيرو؟ أليس قد خسرت " إسرائيل " كثيرا بسقوط ذلك النظام الفاجر؟ أليس قد فقدت أمريكا حليفا إستراتيجيا كانت من خلاله تنفذ أنجس وأقذر سياساتها ومشاريعها الداعمة للكيان الإرهابي الصهيوني؟ أليس قد انفك عن صدر ثمانين مليون مصري نظام جند الملايين ونهب المليارات وما بقي له إلا أن يقول " أنا ربكم الأعلى "؟ وهل ينكر أحد أن هذا كله لمصلحة الشعوب وفي المحصلة لمصلحة الأمة؟ والسؤال للمشككين والمتشككين العارفين منهم الحقيقة والمتجاهلينها وللذين يتوهمون أن الثورات العربية مجرد لعبة أمريكية: هل أمريكا تلعب بمثل هذه الأوراق أو تساوم عليها؟ وإذا لم تكن هذه الثورات ومكاسبها مصلحة للأمة فأين المصلحة إذن؟ وما الذي تريده الأمة أكثر من هذا؟ أليس يصح هنا أن يقال: إذا كانت هذه هي المؤامرة فيا ليت كل حياتنا مؤامرات من هذا النوع؟ وأليس من حقنا أن نتمنى تعميمها على كل بلاد المسلمين ودولهم وشعوبهم؟ أم أن علينا أن نلغي عقولنا وقلوبنا ووجداننا إرضاء للنظام الفلاني أو الحزب العلاني المناهض للمواقف القطرية فقط لأنه متضرر منها ويريد أن يستمر في التأله على شعبه والاستبداد على الضعفاء وسوء الإدارة للرعية؟ ثم أليس من أهم موازين الحكم على السياسات والمواقف رأي جمهرة الناس وعمومها؟ ألم يقل – صلى الله عليه وسلم: "أنتم شهداء الله في الأرض "؟ وعندما سئل: يا رسول الله متى أكون محسناً ومتى أكون مسيئاً.. ألم يقل: "إذا أثنى عليك جيرانك أنك محسن فأنت محسن، وإذا أثنى عليك جيرانك أنك مسيء فأنت مسيء "؟ وإذا قارنا بين موقف قطر ومواقف الكارهين لها والمنتقدين دعمها للشعوب.. فهل نرضى عمن يقتلون شعوبهم ويبيعونها تحت شعارات الوطنية والقومية التي لا يصدقها الواقع، ولأجل الجعجعات التي لا طحين فيها؟ أو نرجح الذين يخونون أمتهم والذين يقتلون كل معاني الوطنية في بلدانهم والذين يختارون الكذب واللف والدوران واحتقار الملايين.. أم نرجح الموقف الذي يتناغم مع الرأي العام وينسجم مع الظاهر المؤكد من مصالح الأمة والذي هو الموقف القطري؟ مواقف قطر لم تأت وليدة اللحظة، وهي غير منبتة ولا منقطعة عن سياق متكامل من إنصاف شعبها ثم تبني مصالح أمتها وسياق متكامل من الوطنية إلى القومية إلى الإسلامية ومن زمن لزمن ومن قضية لقضية ومن بؤرة لبؤرة.. وقطر لا تحتاج مجاملة من أحد ولا لأحد، وهي لا تعرض نفسها زعيمة على أحد ولا لتحل مكان أحد.. وليس لأحد يعتقد أن هذه هي الحقيقة أن يتحرج من الاعتراف بما يعتقد، ومن هذا المنطلق فإني لا أجد حرجا شرعيا ولا أخلاقيا من الاعتراف بأنني أراها كما يراها وتراها شعوبنا ومثقفونا.. وأن نكون صرحاء في الاعتراف بفضلها وأعيننا على المحصلات والإنجازات وعلى الحقائق لا الدعايات.. وذلك مما لا ينكره إلا جاهل ولا يرفضه إلا متحامل، ولا يتخلف عن الإفصاح عنه إلا غافل.. هي مواقف مبدئية إنسانية أخلاقية وهذا ما تتحدث عنه الشعوب إعجابا وثقة.. وحتى لو كانت فيها مصلحة لقطر فهي مصلحة داخل وضمن مصلحة الأمة ولا بأس.. ويا ليت كل الدول والنظم تفكر في مصالحها بما لا يتعارض مع مصالح الأمة وبما يتجاوز المفهوم الضيق للمصالح الذاتية.. ولو كانت قطر تطمع في هذه الذاتية لأحجمت عن الكثير مما تقوم به ولاختارت الأسهل واكتفت بالكلام والزعيق بشعارات أخلاقية وعظية كما يفعل كثيرون من حولها ممن أصواتهم أعلى من حقائقهم.. صحيح أن مواقف قطر تكسبها قيمة إضافية من الاحترام وربما ترفعها لمنافسة آخرين على مواقع قيادية على مستوى الأمة.. ولكن هل احترامها محصور ومقصور على ذلك؟ ثم لماذا لا ينافسها الآخرون – المذمومون المدحورون - بهذه الأدوات على هذه المكانة؟ أم علينا أن ندافع عن الكسل والتوهان والركون للخطابات العنترية الكاذبة.. آخر القول: إذا كانت قطر قد نجحت في إزاحة خصم أو خصوم سياسيين من خلال دعمها لشعوبهم فإن نجاحها الأكبر والأبهر كان في الاختبار القيمي عندما لم يختلف أداؤها إعلاميا وسياسيا في الأحداث داخل محيطها الإقليمي ومربعها السياسي.. وإذا كنا ننتقد الباطل وزبانيته فإن العدل والقوة أن نشيد بالحق وأهله.. وليس يشكر الله من لا يشكر الناس.. وشعوبنا قد أثبتت في كل الوقت وعبر كل الأحداث أنها تعرف صديقها من عدوها وأنها تعرف الأصيل من المزيف.. (وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين).

752

| 13 أكتوبر 2011

علماء دين.. ولكنهم لا يتكلمون باسم الدين !!

في اليمن أصدرت منذ أيام جمعية العلماء الموالية للنظام الحاكم بيانا أفتت فيه بعدم جواز الخروج على الحكام، واعتبرته أمرا محرما شرعا سواء كان بالقول أو بالفعل، كما أفتت في ختام أعمال مؤتمرها الذي دام ثلاثة أيام بحرمة المظاهرات وحرمة الاعتصام شرعا " وقانونا "! لما تحمله – في نظرهم - من مخالفات للشرع.. الجدير ذكره أن الرئيس صالح هو الذي دعاهم لهذا المؤتمر وإلى هذا الاجتماع وإلى إصدار البيان بالحكم الشرعي وهو الذي وصف لهم الحالة وأن المحتجين عليه رافضون للحوار والسلم وخارجون عن الشرعية الدستورية،.. البيان دعا أيضا أبناء الشعب اليمني " كافة " إلى الوفاء ببيعة ولي الأمر " الذي هو بالطبع علي عبدالله صالح " وأكدوا حرمة الخروج عليه.. في سوريا أيضا كان لافتا حادث قتل الشاب سارية حسون ابن المفتي الشيخ أحمد بدر الدين حسون على يد مجهولين.. وبصرف النظر عما يقوله النظام السوري أو غيره في نسبة هذه الجريمة لأي أحد فإن عملية القتل في حد ذاتها جريمة وفاجعة أولا ويخشى أن تؤدي لإخافة المفتي ثانيا وإلى جرجرته والمؤسسة الدينية بالكامل إلى مزيد من التورط في فتاوى الدماء التي أباحت للنظام أن يفعل بالناس ما يشاء في سبيل حماية نفسه وحزبه وتألهه عليهم ما نراه ونسمع عنه.. فإذا خرجنا من التعيين إلى التعميم، وإذا تركنا وراءنا شبهات الركون للظالمين والتزلف لهم بتطويع الدين التي يطلقها أولئك " العلماء " والتي تصادم لا أقول نصوصا وأحكاما تفصيلية بل مبادئ أقام الإسلام كيانه النفسي والسياسي والفكري عليها منذ أن قال صلى الله عليه وسلم " أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " وقال: "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم " وقال " إن الناس إذا تركوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم ببلاء منه " وأثمرت هذه المفاهيم معارضات سياسية وثورات إسلامية في فترات مختلفة ومترامية في التاريخ الإسلامي.. أقول إذا تركنا هذه التفاصيل ونظرنا إلى العلماء الذين يقفون اليوم مع النظام القاتل في اليمن وفي سوريا ووقفوا ذات يوم مع النظام الليبي وقبلهم أولئك الذين وقفوا مع النظام البائد في مصر وقبل قبلهم الذين وقفوا مع الغزو للكويت أو للعراق.. ورصدنا المحددات التي يتحركون في إطارها والمعايير التي يدورون حولها ويخضعون لها فإننا سنجد أن الدين والشريعة منهم ومن فتاواهم ومن الشخصية البائسة التي يريدون تمريرها على المسلمين براء براء براء.. ذلك يطرح التساؤل حول دور العلماء وما يجب أن تخضع أو لا تخضع له فتاواهم، وعن مواقفهم في ضوء الأحداث الأخيرة التي كشفت المستور من ولاء بعضهم للظالمين وانفصالهم عن الأمة وعن مصالحها وكشفت عن قصور فهمهم للواقع وللثورات التي تعتمل في ضمير وحال الأمة وباتت تعيد تصحيح صياغتها وهويتها عقديا وفكريا وسياسيا ما يتوقع أنه سينبني عليه تاريخ لهم أو عليهم.. وأقول: " العلماء – في الأصل - ورثة الأنبياء " " والملائكة – في الأصل - تضع أجنحتها لهم رضا بما يصنعون " كما جاء في الأثر.. وذلك يجعل مكانتهم ودورهم وأثرهم لا كمكانة ودور وأثر أي أحد سواهم من سياسيين أو مثقفين أو إعلاميين.. لذلك وجب أن يكونوا – كما هو المفترض - الأكثر قدرة على تجسيد معنى القيم المحترمة والمطلقة وأخلاقيات الإسلام التي يحملونها وأن يتميزوا بفهم المجريات وتحليل المعطيات.. فإذا جمعوا بين هاتين القوتين " الأخلاق والمعرفة " توقعنا منهم أن يقفوا مواقف الحق وأن يجسدوا معاني السبق وأمانة المسؤولية وقيادة الرأي العام.. والناس في كثير من الأحيان وكثير من المواقف يرون الإسلام ذاته متجسدا في هؤلاء العلماء بأخلاقهم وقوتهم وعلمهم وقربهم أو بعدهم من أي أمر ويعتبرون مواقفهم دليلا على الحق وميزانا لتقبل شيء أو إنكاره.. فإن نقص موقف العالم عن المطلوب فالنتيجة واحدة من اثنتين ؛ الاحتمال الأول: أن يقتنع الناس بهذا النقص - خصوصا الذين وطنوا أنفسهم على النقص دائما وقبلوا الكسل والركون للضعف واعتبروا ذلك الحدود القصوى للمطلوب منهم.. وبهذا يكون العالم الناقص فتنة عن الدين بإنقاصه، والاحتمال الثاني ألا يقتنع الناس بالعالم فيخالفوه وتتوطن أنفسهم على المخالفة وعلى معارضة ما يظنونه الإسلام متجسدا فيهم ثم لتنتقل المخالفة من عالم إلى عالم ومن موقف إلى موقف فيتعود الناس المخالفة وتضيع الحدود بين ما يجوز وما لا يجوز من مخالفتهم وتقع فتنة التجرؤ على المخالفة وعلى الانحراف.. وفي الحالتين فإن المضرة على الدين من عالم ناقص أو متخلف عن المعالي والسبق إلى الحق بالغة بالغة بالغة.. نعود لعلماء هذا الزمان وبالأخص البعض منهم الذين لا يجسدون حقائق الدين السلوكية والعقدية في مواقفهم.. والذين فرحوا بمغنم المكانة والجاه والذين يفرحون بما تفتح لهم من الأبواب وما يلجون على ذوي السلطان من حاجات مقضيات ومن وساطات بالغات من غير عنت وينسون مغرم الأمانة والمحاسبة في مقابل هذا المغنم.. هؤلاء لا يجوز ولا يقبل في حقهم أن يكتفوا بالسكوت على الظلم والظالمين ولا أن يأخذوا بالرخص كعامة ودهماء الناس لأن الله تعالى قد أخذ الميثاق عليهم أن يبينوا العلم والحق للناس ولا يكتموه (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ).. فكيف إذا قام منهم من يدافع عن الطاغوت ويدعو له ويتحزب معه ويبشر بنصره على دماء المظلومين؟ وكيف إذا صارت الشعوب بمثقفيها وعلمائها ومجاهديها في مكان آخر غير الذي اختاره لنفسه قرب الباطل وأهله ومداهنيه.. عندما نرى هؤلاء نتذكر ابن العلقمي الذي خان الأمة وخان دماءها وخلافتها وكانت آخرته في الدنيا أن يشنق حتى الموت على أيدي من خان الله لهم.. ونتذكر في مقابله طاووس اليماني وسعيد بن جبير والحسن البصري وابن حنبل وابن تيمية والعز بن عبدالسلام وسلسلة طويلة من أئمة الهدى في كل جيل.. الذين وقفوا في وجه الباطل.. ونتذكر سيد قطب رحمه الله الذي رفض منصب الوزارة مقابل اعتذار يعتذره لمن كان في نظره طاغوتا.. ورد على الذين حدثوه في ذلك بقوله " إن اللسان الذي يسبح بحمد الله لا يسبح بحمد الطاغوت " ثم نسأل: أليس لهؤلاء رغائب من الدنيا وشهواتها كما لكل الناس؟ أليس كان يمكن – لو أرادوا - أن يجدوا تبريرا ينزلون به من أعلى ما يجب عليهم إلى أدناه ومن العزيمة إلى الرخصة؟ آخر القول: على العالم أن يكون على دراية بكل ما يجري حوله بالمتابعة والتواصل والتحرك.. وأن يكون على مسافة واحدة من كل الفئات والأحزاب ضمن الحدود الواسعة للإسلام وضمن ما يحتمله الخلاف الفقهي والسياسي وفي ظل الثوابت، وأن تكون لمعلوماته وثقافته مواردها ومصادرها المحايدة والمتنوعة وألا يركن لرسائل ووسائل النظم والأحزاب والاتجاهات.. أما طاعة ولي الأمر فلا يجوز أن تشمل تبعية التفكير والاقتراح والإبداع ولا تقييد حرية الفكر والبحث، كما لا يجوز للعالم أن يصغر الدين الذي ينتسب إليه باتباع فلان أو علان على الحق والباطل لأن للعلم عدته ومؤهلاته ومعاييره وللدين قداسته وحاكميته التي لا تنضوي تحت السياسة ولا تخضع لحزبية..

2242

| 06 أكتوبر 2011

لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟
لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟

في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...

8907

| 20 سبتمبر 2026

كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟
كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟

قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...

4830

| 22 سبتمبر 2026

خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي
خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي

نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...

3912

| 23 سبتمبر 2026

كابوس الديون يبدأ من ليلة الزفاف
كابوس الديون يبدأ من ليلة الزفاف

«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا...

2673

| 18 سبتمبر 2026

من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!
من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!

جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...

2289

| 24 سبتمبر 2026

الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام
الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام

ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...

2178

| 23 سبتمبر 2026

سطوة الهاتف المحمول
سطوة الهاتف المحمول

نتقلب في نعم الله تعالى المنعم ليلا ونهارا،...

1464

| 17 سبتمبر 2026

باب المندب.. خطر يحدق بالعالم
باب المندب.. خطر يحدق بالعالم

لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...

1317

| 20 سبتمبر 2026

عودة أصالة إلى سوريا
عودة أصالة إلى سوريا

شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...

705

| 21 سبتمبر 2026

شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب
شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب

كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...

657

| 23 سبتمبر 2026

رقبتي سدّادة
رقبتي سدّادة

يُحكى أن رجلًا عُرف بين أهله وأصدقائه بأنه...

591

| 17 سبتمبر 2026

سوق العقار.. من يديره فعلًا؟
سوق العقار.. من يديره فعلًا؟

تُعدُّ الوساطة العقارية من الأنشطة المهمة في تنظيم...

546

| 17 سبتمبر 2026

أخبار محلية