رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الغرب لم يتبدل ولا يجوز أن نلغي ذاكرتنا لمجرد أنه تقاطع معنا الغرب الذي اعتدناه غربا استعماريا عدوانيا وفي التاريخ الحديث فوق ذلك صهيونيا نراه اليوم يساعد الثوار في ليبيا ويحمي المدنيين، وأمريكا التي استعملت حق النقض الفيتو في مجلس الأمن الدولي أكثر من أربعين مرة لصالح العدو الصهيوني وضد حقوقنا وحقوق الشعب الفلسطيني والتي احتلت العراق وأفغانستان وأوسعتنا قتلا وتشريدا وانتهاكا ولها تاريخ طويل من العداء لكل ما هو عربي ومسلم هي اليوم تعرض على ثوار مصر وتونس خدماتها وتعرض على " الإخوان المسلمون " فتح صفحة جديدة وبدء حوارات ؛ بادرت " إسرائيل " لرفضها والتوجس منها، والاتحاد الأوروبي الذي رفض انضمام تركيا له لأنها مسلمة، والذي جيوشه تضرب في أكثر من بلد مسلم يلمح أخيرا لضرورة إطلاق عملية التسوية بين العرب و " إسرائيل " على أساس حدود ال67، وهو يلمح إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر القادم (أو بعده) ويحاول رسم خط فاصل بين موقفه وموقف أمريكا في أكثر من قضية هذه إحداها.. ذلك كله أوقع ناسا منا في حيرة بل في بلبلة فكرية ومواقفية (بعضهم للأسف مثقفون ومن الصور المشرقة في التثقيف السياسي والإعلامي) فهل تغير الغرب حقيقة؟ أم تغيرنا نحن؟ وما الذي يحدث؟ ثم تزداد حيرة البعض عندما يرون الشعوب العربية تثور على قادة ونظم عربية هي في الأصل مناهضة لـ " إسرائيل " وتتبنى خط المقاومة، وكانت إلى وقت قريب موضع إعجاب ورضا شعبي عام.. (وكلنا نتذكر خطاب القذافي في الأمم المتحدة وكيف مزق الميثاق الذي لا يساوي - حسب رأيه كأس ماء – ونتذكر ما قاله عن مجلس الأمن " الاستعماري " ونتذكر مواقف النظام السوري الرائعة عموما ودعمه القضايا القومية والوطنية على مستوى الصراع في المنطقة وبالأخص نصرته الشعب الفلسطيني).. البعض (المتحير أو المضطرب) يتساءل: أين الذين أنكروا الحرب على العراق وأفغانستان؟ ولماذا يقبلون ما يقوم به الناتو في ليبيا؟ وأين الذين أدانوا العملاء في العراق وأفغانستان؟ ولماذا يقبلون بالثوار الذين يعلن الغرب ليل نهار دعمه لهم بل وتسليحهم؟ ولماذا يحجم الذين تعاطفوا مع صدام يوم حوكم ثم أعدم عن التعاطف مع القذافي ومع علي صالح ومع بشار الأسد مع أن هؤلاء لم يتهموا بمثل أو بقريب مما اتهم به صدام؟ ويقولون: ما الفرق بين الناتو في العراق وأفغانستان والنيتو في ليبيا؟ ولماذا نرضى عن موقف الغرب وتهديداته لسوريا في موضوع الثورة الحالية،؛ ثم في الوقت نفسه ومع نفس سوريا نرفض موقفه المتعلق بملف اغتيال الحريري ودعمه تيار المستقبل في لبنان؟ فأين قيم الوطنية والقومية والإسلامية من كل ذلك؟ ومن أي الموقفين يمكن أن نستخلص سياسات دائمة ومواقف استراتيجية؟ وفي العموم أين الحقيقة وأين نواقضها؟ وأين نحن من كل هذا الحيص بيص؟ وأقول: أولا: حتى نكون نظرة موضوعية واستراتيجية حول موقف الغرب منا ومن قضايانا وتحديد موقفنا بموضوعية ومنهجية فإننا يجب أن نرى في الجانب الآخر من الصورة أمريكا التي ترفض لجوء الفلسطينيين للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل، والتي تهدد بمحاصرة السلطة وتضغط على عباس للتخلي عن المصالحة، وأن نرى اليونان – وهو من الغرب – يمعن في تشديد الحصار على غزة ويعتقل قبطان إحدى سفن " أسطول الحرية 2 " ويمنع الأسطول من الإبحار إلى غزة في استجابة وقحة للطلب الصهيوني وفي مخالفة قبيحة للمواثيق الدولية الإنسانية والدولية التي تنظم هذه الأمور، وأن نرى محكمة الجنايات الدولية – الغربية أيضا – التي لا ترى لتحقيق عدالتها إلا الفتنة في لبنان والقسمة في السودان، والتي أصدرت قرارها الاتهامي فقط بما يستهدف المقاومة اللبنانية، كما يجب أن نرى بريطانيا وهي تعتقل الشيخ رائد صلاح ثم تصادر حقه الطبيعي والقانوني في لقاء محامييه.. ثانيا: لا بد أن نرى التشابه والافتراق بين النظامين في ليبيا وسوريا من جهة والنظم في مصر وتونس البائدين وفي اليمن الآيل للسقوط من جهة أخرى.. أما التشابه ففي الاستبداد وقمع الشعوب وأما الافتراق ففي الموقف من الكيان الصهيوني وقضايا التدخل الأجنبي في المنطقة.. ففي مجال التشابه وجدنا الغرب يتجاهل كل المطالبات بالحرية والكرامة والتداول السلمي للسلطة ولا يختلف أداؤه بين نظام وآخر اللهم سوى ما اضطر إليه وبالقدر الذي فرضته عليه الضرورة (وإذن فالغرب هو ذاته بالنسبة لحقوق وحريات شعوبنا) وفيما يتعلق بموضوع الفارق بين النظم؛ فقد وجدنا الغرب يتدخل ماديا وميدانيا ضد القذافي وربما يتدخل في سوريا في وقت لاحق في حين هو يحاول النجاة بحليفه في اليمن تماما كما حاول ذلك في مصر وتونس (وإذن فالغرب هو ذاته بالنسبة لموقفه من النظم التي تتخذ موقفا من العدو الصهيوني).. ثالثا: نحن أيضا يجب أن نرى هذا الفارق وذاك التشابه بين النظم (الاثنين والثلاثة) فنرحب بثورة الشعوب لنيل حريتها واستعادة دورها وفي الوقت نفسه لا نجد حرجا في التخندق معها – النظم المقاومة - في ملف الصراع على المنطقة والتموضع في مواجهة المشاريع الأمريكية والغربية والصهيونية للمنطقة (بصرف النظر عن دوافع تلك المواقف أو حجم الحقيقة فيها..). رابعا: نعود لأوهام التشابه بين موقف الغرب من العراق وموقفه من سوريا وليبيا.. ودعوى التشابه بين ثوار الثورات العربية الحالية والعملاء الذين جاؤوا على أجنحة البنتاغون إلى العراق وأفغانستان.. وأقول: السياق الذي جاء فيه غزو العراق وإعدام صدام وغزو أفغانستان وتنصيب كرزاي ليس هو ذات السياق ولا الأشخاص كالأشخاص ولا حتى أشباههم.. ولنتذكر ما رافق غزو العراق وأفغانستان من تصريحات بوش وبلير وأزنار وهوارد والأكاذيب التي سوقوا بها العدوان، ولنتذكر الموقف العام العالمي والعربي الرافض لكل ذلك، ثم لنتذكر أنها كانت حربا مصنعة بطعم الصليبية ورائحة الصهيونية التي تحدث عنها بوش في سياق الحرب على ما أسماه الشر (أي الإسلام والمسلمين)، أما التدخل الغربي الحالي في ليبيا فقد جاء في سياق محاولة اللحاق بالثورات العربية والتودد لها والتجسير معها، وجاء تحت مبرر حماية المدنيين من شر وخطر حقيقي واقعي إذا تذكرنا أن قوات ودبابات وصواريخ القذافي كانت على مشارف بنغازي وأن سيف الإسلام القذافي كان يهدد بمجزرة لها يوم طلب العرب من الناتو أن يتدخل كقوات أممية تنفذ القرار الدولي رقم (1973).. نعم الغرب في الجملة يبحث عن أهدافه هو وعداواته هو ولكن الشعب الليبي كان بين شرين أقلهما التدخل الغربي فقبل به مع الاشتراطات التي تبقي التلويث في أضيق نطاق.. لنلحظ فارقا آخر هو أن الناتو لم ينزل إلى الأرض (بقرار من الثوار قبل أن يكون من الناتو نفسه) لذلك هو يوجه ضرباته من الجو.. كل هذه فوارق بين الحالين ؛ لكن الفارق الأكبر على الإطلاق والذي هو ضمانة بقاء الفرق لصالح الثورات في ليبيا وسوريا واليمن هو أن الثوار من الشعب نفسه بلا طائفية ولا مذهبية ولا حزبية وأن من يقومون على تمثيلهم سياسيا لن يبقوا في الحكم إلا بقدر ما يحتاج الترتيب للانتخابات العامة.. فخاتمة المطاف هي للشعوب التي باتت تعرف كيف تنتفض وكيف تثور والتي كسرت حاجز الصمت وهدمت جدار الخوف.. أذكر بأن قائد سلاح الجو " الإسرائيلي " الميجر جنرال " آيدو نيهوشتان " قال خلال حفل لتخريج فوج جديد من " مدرسة الطيران الحربية " نهاية الأسبوع الماضي: (إن القوة العسكرية باتت تمثل ضرورة للإسرائيليين في ظل التغيرات التي تشهدها المنطقة العربية وفي ظل ما وصفه بـ" عدم الاستقرار " الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط) عن صحيفة الغد، عمّان، 4/7/2011. آخر القول: في ضوء ما تقدم فإن الغرب لم يتبدل ونحن أيضا لم نتبدل ولا يجوز أن نلغي ذاكرتنا وتجربتنا لمجرد أنه تقاطع معنا في نقطة ما.. ولا بد أن نرى الخط الاستراتيجي الذي يشتغل عليه الغرب في كل ذلك.. بقدر ما يجب أن يكون لدينا من المرونة والفهم والقدرة على المناورة وفرز المتشابهات والتجسير بين المختلفات واجتراح الاشتراطات في التعامل معه على قاعدة المماثلة في التعامل والندية في الاحترام وأن تبقى القضية الفلسطينية أهم معيار لقياس القرب والبعد..
668
| 07 يوليو 2011
فتح تحتل ترتيبا بعيدا عن المقدمة لصالح تنظيمات أقل امتدادا وأقصر عمرا قرار فصل محمد دحلان من عضوية اللجنة المركزية في حركة فتح الفلسطينية في المحصلة هو قرار تنظيمي فتحوي داخلي والخلاف عليه في المفترض هو أيضا فتحوي داخلي، وفي المفترض أيضا أنه لا يكون موضع اهتمام عام لا داخل فلسطين ولا خارجها لولا تعلقه بحركة فتح الحاكمة في الضفة، وتعلقه بشخصية إشكالية كشخصية محمد دحلان، ولولا المبررات والمسببات التي ذكرت مع القرار والتي تتعلق بداخل فتح وبخارجها.. ولولا أن الخلافات حول كل ذلك وصلت حد رفع السلاح بين المؤيدين والمعارضين للقرار كما حدث في بيت أبو سمهدانة قبل يومين.. أظن أنه لو فصل أبو ماهر غنيم أو أحمد قريع أو أحمد عبد الرحمن أو نبيل شعث أو نبيل عمرو.. إلى آخر هذه الأسماء التاريخية ما كان الاهتمام والاستقطاب حول أمرهم وفصلهم بحجم ما هو ماثل في قضية دحلان ! فمن هو دحلان ؟ ومن أين حصل على كل هذا الوزن والقوة داخل فتح مع حداثة سنه ؟ ولماذا تتعثر حركة فتح كل هذا التعثر في قرار يفترض أنه أكثر بساطة من كل ما يرى عليه ؟ وأقول: أولا: أما من أين حصل دحلان على كل هذا الامتداد داخل فتح فإن الكلام يطول حول ما يملك من تمويل وكيف يتصرف فيه وعن ارتباطه بعرفات شخصيا وكيف استثمر هو كل ذلك في بناء الولاءات له شخصيا.. ولكن الذي لا يجوز أن يفوتنا هو أمران اثنان تداخلا في خدمة هذه الشخصية الإشكالية وفي مدها في أوصال التنظيم.. الأول قيادته لجهاز الأمن الوقائي في غزة الذي كان العنوان الأبرز لتنظيم الداخل وفق الوظيفة المحددة له في الاتفاقات والتنسيقات مع العدو، والثاني: قيامه بالمهمة وأداؤه المتميز فيها الذي شكل انعطافة في التربية والقيم المعنوية والأخلاقية للجيل الجديد في فتح.. ذلك أرضى عنه الصهاينة والأمريكان ونظما عربية أخرى في ذات الجوقة ورفع مستوى احتياج عرفات له وتقريبه إياه.. (وعرفات كما هو معلوم لم يكن يفرط في أحد مهما كان خلافه معه أو رأيه فيه بدليل أنه حذر كثيرا من دحلان ولكنه حتى آخر لحظة لم يفرط فيه ولم يفصله كما فعل عباس).. السؤال هنا: بم استطاع دحلان استقطاب أو اصطياد جمهرة شباب فتح لجهازه وأيديولوجيته؟ هنا الحديث يأخذ مدى في طبيعة فتح وحصانتها الفكرية التي تترك مساحة واسعة جدا للأفكار والمصالح من الشخصية إلى الحزبية ومن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ومن الأقرب للاحتلال إلى الأبعد عنه.. لكن شيئا كان الأكثر حسما في هذا الاستقطاب هو مميزات جهاز الأمن الوقائي المالية والسيادية وتداخله على كل المؤسسات والتعيينات وما ينتج عن كل ذلك من قوة على الأرض ومن جاه وتسلط.. ثانيا: وأما لماذا تتعثر حركة فتح كل هذا التعثر في قرار فصل دحلان الذي يفترض أن فصله أكثر بساطة مما يرى عليه ؟ فالسبب في نظري فوق أن للرجل – دحلان – مكانته وامتداده والمتضررون من طرده، فوق هذا هو أن الحركة باتت تعاني من علل صارت للأسف مستحكمة وهي تتثبت وتتوطد ولا تزال تعصف بالحركة ويجب على جهة أو أحد ما أن يتصرف حيالها.. وربما هذا هو الأهم من قضية دحلان التي هي عابرة مهما توسعت وكثر اللغط حولها.. ومن ذلك: 1-عندما انطلقت حركة فتح نأت بنفسها عن كل الأحزاب من قومية أو إسلامية أو أيديولوجية وبصرف النظر عن مدى صوابية هذه السياسة إلا أنه أنتجت في المحصلة تنظيما له فرزه وهويته وتقاطعاته مع الاتجاهات التي ليس بالضرورة أن توافقه أو يوافقها على كل شيء لكننا اليوم نراه تداخلا لفتح على الحزبية وولوجا لها من أوسع أبوابها بل من أنتن أبوابها ما يعتبر انقلابا على الأصول وانقطاعا بين الأجيال غير مبرر بل وغير ممنهج وبالتأكيد هو يشكل سببا وجيها لعدم إحساس الأجيال الفتحوية بدف الارتباط وخصوصية التوارث وبالتالي اختلاف زوايا النظر في كل المعطيات والتحديات ! فكم سمعنا متحدثي فتح "حدثاء" الأسنان يتكلمون بلغة أيديولوجية انحيازية فئوية عندما يتعلق الأمر بحماس وصل إلى ترديد شعارات الطائفية والمذهبية واستغلال صلاة الجمعة وحشر المساجد والخطب والخطباء والحج في المعركة وكل ذلك خارج عن سلوك فتح ومناهجها ولا يصنف إلا غرقا في الحزبية وتوظيفا لها وترتيبا للاستعداءات والاستقطابات على أساسها.. 2- منظمة فتح كسبت شرعيتها في سنوات الأوج من الثورة والوطنية في أعلى تمثلاتها.. وفي هذا السياق كسبت وصنعت شخصيات ومواقف ذات ثقل معنوي كانت الزاد الروحي والمعرفي الذي اعتاشت عليه لسنين طويلة وربما حتى الآن.. لكنها اليوم تقوم بالتنسيق الأمني مع العدو واستهداف وتتبع المقاومة، وقد تحول رموزها الثوريون إلى رموز لذلك التنسيق والتتبع، أما مشروع الثورة الوطنية فلم يعد يتقدم على المستوى العملي بل ولا على المستوى النظري.. أيضا مشكلتها مع حماس والجهاد وبالجملة مع المقاومة وتياراتها تسببت في تداعيات ومواقف قللت من وجاهتها كحركة وطنية وثورية.. 3- يجب رصد متغيرين اثنين طرآ على الحركة بعد الراحل عرفات – يرحمه الله تعالى - وعلى الإخوة في حركة فتح أن يقروا بهما من غير مجادلة فيهما ولا غفلة عنهما لأنه بدون ذلك ستتصاعد المشكلة حدة وتزداد النتائج مفاجأة، أول المتغيرين: أن فتح فقدت الرجل الذي كان يمثل الشخصية المحورية التي شكلت عبر تاريخ القضية الحديث الاستقطاب الأكبر والقدرة على لملمة الموقف الفلسطيني في أسوأ الظروف، والثاني: أن الذين قاموا مكانه كان من الواضح أنهم لم يؤهلوا لقيادة إستراتيجية لشعب عركته التجارب وأنضجته الأحداث ولمواجهة احتلال هو أبشع أنواع الاحتلال الإحلالي التصفوي العنصري.. جاءت هذه القيادة بلا مؤهلات كثيرة ولا مميزات تفضيلية وبعضهم انبعث من موات ولولا غياب عرفات ما كانوا في عير ولا في نفير.. فجأة وجد هؤلاء أنفسهم في منافسة على شغل المنصب الإستراتيجي وملء الفراغ الدستوري أو قريبا منه !! 4- حركة فتح امتلكت التفوق العام على كل الحركات والمنظمات من يسارية وغيرها في ظل عدم وجود المنافس الحقيقي وفي ظل وجود رهانات كانت لا تزال لم تستنفذ (السلام، والثورة، والتمثيل الرسمي غير المختلف عليه..) وفي ظل وجود مؤسسات تنظيمية فاعلة.. لكنها اليوم وبعد وجود التيار الإسلامي ومنافساته الجدية ونجاحاته النوعية وفي ظل عملية تسوية فاشلة وفي ظل تحقيرها الرسمي ومجادلاتها الكثيرة لإدانة المقاومة وفي ظل تعطل مؤسساتها لصالح مؤسسات السلطة.. كل ذلك أفقدها ميزة التفوق وربما جعلها في ترتيب بعيد عن المقدمة لصالح تنظيمات أقل امتدادا وأقصر عمرا.. آخر القول: الحقيقة التي تؤشر عليها هذه القضية أن فتح اليوم في حالة من التبدل تتجاوز دحلان كشخص كان فيها واللجنة المركزية كهيئة داخلها إلى أن تكون محاولة لحصاد سنوات من التبدل وسنوات من التربص وهو ما للأسف ليس لصالح المنهج أو الميثاق الذي انطلقت منه ولا الغاية التي كان يجب أن تنتهي إليها.. بالتأكيد لست في وارد التشكيك في غيرة أبناء فتح وزعمائها عليها.. ولكني في وارد القطع بأنني أمتلك نصحا أسديه لها وتوقعا لما هو أسوأ أخافه عليها..
661
| 30 يونيو 2011
عباس يريد تشكيل حكومة تابعة للغرب والاحتلال ولا يضع اعتبارا للشعب جاءت الأخبار أواسط الأسبوع المنصرم مبشرة بأن الخلاف بين فتح وحماس حول سلام فياض قد حسم وأنه تم التوافق على استثنائه من قائمة الترشيحات لتولي رئاسة الوزارة التوافقية، وقد كنت كتبت مقالا قبل وصول خبر التوافق هذا حذرت فيه من أن فياض – في ظل طرحه كمرشح للوزارة متزامنا مع طرد دحلان من مركزية فتح - يراد له أن يكون رجل المرحلة وصولا للسيادة على فتح وعلى السلطة.. فلما جاءت الأخبار مبشرة بالاتفاق تراجعت عن بعض ما كتبت وحولت المقال لتفسير ما تم أكثر منه تحذيرا مما قد يكون وأضفت تعليقات تناسب المقام.. لكن رئيس السلطة محمود عباس وفي برنامج " مباشر " على المؤسسة اللبنانية للإرسال (lbc) فاجأنا بالعودة والإصرار على طرح فياض كخيار أوحد لهذا الموقع ونحا باللائمة على حماس التي ألمح أنها بموقفها من فياض تتدخل فيما لا يعنيها وما ليس من اختصاصها.. بالذات عندما قال: "هذه الحكومة تتبع سياستي لأنني أنا فقط المسؤول الآن الذي يدير سياسة السلطة ومنظمة التحرير التي تقود السياسة، وأنا من يمثل منظمة التحرير الفلسطينية وهذا وارد في بنود المصالحة %100 وإنني من يتحمل المسؤولية وتبعات عمل هذه الحكومة، فإذاً من حقي أن أقول من هو رئيس الحكومة، نعم رئيس الحكومة هو سلام فياض " وعن الاعتقالات بحق أبناء وأنصار حماس الذين كنا ننتظر أن يتم الإفراج عنهم وإغلاق ملف الاعتقال السياسي بالكلية.. إذا به يقول: "سأستمر في الاعتقال لثلاثة أسباب هي: تهريب السلاح، وتهريب المتفجرات، وغسيل الأموال " وهو ما يعني تحديد الاستمرار في مطاردة المقاومة المسلحة – أي حماس - والعمل الخيري الذي يصنف لديه بأنه غسيل أموال.. وذلك يعني بصراحة وبالنص لا بالتلميح ولا بالتحليل أن المصالحة التي يريدها عباس هي فقط أن تأتي حماس إليه بالكيفية التي يريد هو ووفق المحددات التي يقررها هو في كل ما يتعلق بالحكومة والبرنامج السياسي والأمني.. السؤال هنا لماذا يفعل عباس هذا؟ ولماذا يتراجع عن المصالحة؟ وأقول: أولا: هو لم يأت للمصالحة مختارا ولكنه كان مكرها عليها ؛ ولسنا في وارد التدليل على ذلك فالأمر أظهر من أن نعود لتكرار الكلام فيه.. لكني أذكر بمقال كتبته تحت عنوان (المصالحة الفلسطينية بين خشيتين) وقلت يومها: أخشى على المصالحة من الضغوط الصهيونية الأمريكية ومن تنشيط مبادرات تسوية تستدر ذكريات المفاوضات ومشروع التسوية.. أما التهديد فقد حصل، وبحسب موقع مقرب من فتح فقد اتصل بعباس رئيس وزراء العدو وهدّده بأنه في حال تم عقد اللقاء مع مشعل وتشكيل حكومة المصالحة سيتم سحب الامتيازات عنه وعن أبنائه وسحب الامتيازات الممنوحة للشركات التي يديرونها " وهدده أيضا بوقف أموال الضرائب وسحب هويات ال VIP " الإسرائيلية " الممنوحة لكبار الشخصيات الفلسطينية من أجل التنقل عبر الحواجز العسكرية.. (نشر في جريدة الشرق 21 / 6 الماضي).. وأما ما يتعلق بمبادرات تسوية جديدة تغري بالعودة عن المصالحة فقد حدث عندما عرض الفرنسيون مبادرتهم التي لم تكن أكثر من مضمون خطاب أوباما مجموعا مع خطاب نتنياهو المرفوضين فلسطينيا.. فتقبلها الرجل كما وكيفا ودون أن يستشير أحدا من الأمناء العامين للفصائل الذين يفترض أنهم بعد المصالحة صاروا القيادة العليا معه وأنه لن يقطع خيطا دون الرجوع لهم.. الحقيقة أن عباس عندما قبل بالملاحظات الثلاث التي قدمتها حماس على الورقة المصرية بعد أكثر من سنة ونصف من الرفض لها إنما كان تحت تأثير التغيرات المصرية التي أفقدته توازنه بإفقاده حسني حليفه ومتكأه الإستراتيجي.. أيضا كان تحت ضغوط المظاهرات الداخلية التي انطلقت تطالب بإنهاء الانقسام، وتحت ضغط مبادرة السيد إسماعيل هنية الذي دعاه لزيارة غزة.. كل ذلك مضافا إليه أنه كان يأمل أن حماس غير جادة في السعي للمصالحة جعله يغامر.. يؤكد ذلك أمران – سوى التحليل الموضوعي – الأمر الأول ما نقل عن ذات المصدر المطلع – سابق الذكر - من أن عباس قال للمخابرات المصرية: "إنه لم يتوقع من حماس أن تقدم على توقيع اتفاق المصالحة وأن ذلك أوقعه في حرج أمام الرئيس الأمريكي، وأن مكتب أوباما طلب منه عدم تطبيق اتفاق المصالحة " والأمر الثاني ما قاله القيادي الفتحوي - محمد دحلان - لموقع " الكوفية بريس " المقرب من فتح: "أبو مازن لم ينجز المصالحة.. وحماس هي التي قررت ونفّذت، وجماعة الإخوان المسلمين كان لها دور.. ". لقد صار واضحا أن عباس يتراجع عن المصالحة، وأنه يضع العراقيل أمامها والعصي في دواليبها وأنه يضع حماس أمام مصالحة لا تعني إلا الاستسلام والخضوع إلى كل ما يريد.. ويتساءل البعض عن غفلة أو عن شيء آخر!! وماذا يضير حماس أن تقبل بفياض؟ خاصة أن التشريعي سوف يكون رقيبا على تلك الحكومة التي لن تكون مسيسة ومجرد حكومة مؤقتة انتقالية وحكومة تكنوقراط.. وأقول: أولا هي حكومة مسيسة منذ الآن بدليل التدخل الأمريكي والصهيوني في فرضها، ثانيا لن يكون للتشريعي عليها سلطة.. إلا بقدر ما يقبل عباس وفياض – بدليل قوله في نفس المقابلة " أنا رئيس السلطة، والحكومة انتقالية، تقسم اليمين أمامي، ولا تأخذ ثقة من المجلس التشريعي لأنها حكومة انتقالية، إذاً هي تابعة لي مباشرة، ربما تعرض عليه بعد أشهر من هذا الوقت، إنما الآن تقدم لي، وتقسم اليمين أمامي "، ثالثا: الرجل قالها بصراحة هو يريد سلام فياض أي أن يقيل حكومة هنية الشرعية والحائزة على ثقة التشريعي ليثبت مكانها حكومة فياض غير الشرعية والتي لم تعرض في يوم على التشريعي ولم تنل ثقته وهذا إلغاء كامل لكل موقف ومكتسبات وإنجازات حكومة هنية وإلغاء كامل بكل نتائج الانتخابات التشريعية 2006 في حين أن الأصل والعدالة – لو بده النقا والزين – أن تستقيل كلتا الحكومتين وأن يؤتى بثالثة لا تنتمي لكل ماضي الانقسام.. رابعا: إن القبول بفياض يمنحه شرعية وطنية وبالأخص من حماس التي موقفها منه أكثر إدانة واتهام.. وهو ما يعني تسهيل توجيهه لحركة فتح ثم تثبيته في السلطة مستقبلا.. خامسا: إن القبول بالمبررات التي يسوق على أساسها عباس حليفه فياض تقوم على أن أمريكا لن تقبل بغيره وأن " إسرائيل " ستفعل كذا وكذا وهو في الحقيقة قبول بأن تعود السلطة مرتهنة للمال السياسي وأن تستقر مرة أخرى في المرفأ الصهيوني وأن تعاد منتجتها وفق المعايير الدولية وبتعبير آخر وفق المعايير الأمريكية والصهيونية.. وعلى الذين يستصغرون هذا الخطر أن يتذكروا أن الانقسام حدث أساسا لأن حماس أرادت الخروج بالسلطة من هذا المرفأ فهل نريد انقساما جديدا؟ ولماذا المصالحة إذن؟ وما قيمتها الحقيقية إذا لم تتغير هذه المعادلة؟ سادسا: وماذا تعني المقايضة بين فياض والدعم السياسي الغربي؟ والمقايضة بين فياض والاعتراف بالحكومة الفلسطينية؟ والمقايضة بين فياض واستحقاق سبتمبر القادم في منعطف حاسم كالذي تمر به القضية اليوم؟ آخر القول: – آخر القول: الحكومة التي يريدها عباس هي حكومة لا تشكلها حماس ولا فتح بل ولا الشعب الفلسطيني ولكنها حكومة الغرب وأمريكا التي تطلب فياض وحكومة الاحتلال الذي يهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور إن تم تجاوزه.. أما الشعب الفلسطيني والفصائل الوطنية وحتى فتح فليس في وارد عباس ولا فياض.. ربما أقول ربما على الفصائل التي لا تريد فشل المصالحة أن تتحرك الآن.. وبالتأكيد ستجد الكثيرين ممن ليسوا من حماس ولا من فتح وليس عليهم " فيتوات ".. ولكن بالتأكيد ليس فياض ولا على أساس قواعد عمله وليس وفق ارتهانات عباس أو على مقاساته..
471
| 23 يونيو 2011
القيادة الفلسطينية الجديدة مطالبة بوقف اللهاث الدائم وراء التسوية منذ وقع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس اتفاق المصالحة مع حماس والمتوقع والمتخوف منه أن يعود الاهتمام بعملية التسوية وأن تقدم له عروض تبدو سخية ومشجعة في سبيل إبعاده عن حماس والمقاومة.. ما حدث في هذا السياق أن أوباما ألقى خطابا أمام الآيباك اليهودي كذلك ألقى نتنياهو خطابا آخر أمام الكونغرس، والغاية كانت واضحة هي تحريك الماء الراكد وإقامة مواجهة ومراجحة بين عملية التسوية والمصالحة الفلسطينية.. لكن مضمون الخطابين جاء أقل بكثير مما يمكن أن يغري الفلسطينيين – السلطة – بشيء من ذلك.. ثم صدرت عن متحدثي السلطة تصريحات وتعليقات يمكن بجمعها أن تعتبر رفضا لمضمون الخطابين.. ذلك طمأن المتخوفين على المصالحة وأشعرهم بأن الحالة الفلسطينية ربما صارت أكثر تحصينا من الانقسام بعد أربع سنوات من التجربة المرة والمريرة.. ثم انطلقت المبادرة الفرنسية الأسبوع الماضي لنفس الغاية وفي ذات السياق.. و لم تكن أكثر من تلخيص وتسويق لمضمون الخطابين أضيف إليه هذه المرة فكرة مؤتمر دولي للسلام! تقدم فيه هذه المضامين ويثبت منها أو يلغي ما يتم التوافق عليه بين الفرقاء والوسطاء المعنيين.. فكرة المؤتمر الدولي للسلام تعتبر علامة فارقة ولها سحر خاص في وجدان فتح والسلطة.. رئيس وزراء العدو من جهته وفي مستهل جلسة حكومته يوم الأحد الماضي صرح بأن حكومته سترد على المبادرة الفرنسية بعد أن تدرسها وتنظر فيها بعمق.. وأوضح أنه سيناقش هذا الموضوع مع الإدارة الأمريكية أولا، وأن لديه تصورات خاصة بهذا الأمر، ثم أعاد تجديد مطلبه التقليدي بإلغاء المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس.. وقعت بعد ذلك مفاجأتان، الأولى يوم الاثنين الماضي عندما قبلت السلطة وبشكل رسمي وعلى لسان أحد مستشاري رئيسها محمود عباس بالمبادرة الفرنسية دون أية تحفظات ومتجاهلة ما سبق من موقفها الرافض لمضمون خطابي أوباما ونتنياهو.. ما بدا كأنه ردة فعل على موقف نتنياهو أمام الكنيست، والمفاجأة الثانية عندما رفضت كلينتون هذه المبادرة ثم العدو في اليوم التالي لقبول عباس بها ما أشعر بأن صمت أمريكا في البداية وما جاء على لسان نتنياهو أمام الكنيست لم يكونا أكثر من محاولة لإغراء عباس بها، ولدحره عن الثوابت الفلسطينية، والتعرف على مدى جديته في موضوع المصالحة وما إذا كان مستعدا للعودة إلى التسوية من جديد.. وأقول: المشكلة بالنسبة لنا هي أن رئيس السلطة ومستشاريه العشرة أو المائة لم يسألوا الشعب الفلسطيني عن رأيه في المبادرة الفرنسية لا من خلال المجلس التشريعي ولا من خلال هيئاته ومستقليه ولا حتى من خلال حلفاء السلطة من الفصائل اليسارية.. والمشكلة أن رئيس السلطة تسرع في الرد ولم يحترم مرجعية لجنة المتابعة العربية التي طالما عزا تراجعاته ومواقفه – المرفوضة فلسطينيا – لها، ولم يحترم اللجنة القيادية العليا المشكلة من الأمناء العامين للفصائل على أساس اتفاق المصالحة.. لسنا هنا نتحدث عن شكليات ولكن عن رئيس وعن سلطة تقول ما لا تفعل وتفعل ما لا تقول وتنفي اليوم ما تعهدت به الأمس والتجربة تقول إنها ستنفي غدا ما تتعهد به اليوم!! يبدو أن رئيس السلطة ومستشاريه ومنظمته لم يلفتهم من كل المبادرة الفرنسية إلا فكرة المؤتمر الدولي، التي أغفلتهم عن كل التنازلات وعما انقلبت عليه من أسس ومرجعيات كانت لا تزال مكسبا من عملية التسوية في حد من الحدود، بالفعل لقد عرفت فرنسا كيف تخرج فكرة المؤتمر الدولي في الوقت المناسب ولغاية محددة ووقتية!! لكن الرئيس ومستشاريه ومنظمته لم يفطنوا – وربما فطنوا – إلى أن المبادرة أهملت قضية المهجرين والمبعدين الفلسطينيين، وأنها لم تشر إلى القدس كعاصمة لا للدولة الفلسطينية ولا حتى للدولتين كما هو متداول سياسيا.. في المقابل أشارت إلى قيام دولتين لشعبين في تناغم واضح مع شروط نتنياهو وبالذات شرط الاعتراف بالدولة اليهودية! وتحدثت عن تبادل أراضٍ متفق عليه بين الطرفين ما يعتبر قبولا بضم المستوطنات ومحيطها الأمني وطرقها الالتفافية وما يعتبر مؤامرة على الفلسطينيين المعروفين بعرب الـ48.. المبادرة تناولت أيضا ذات الترتيبات الأمنية لدولة العدو التي حددها نتنياهو بوجود عسكري " إسرائيلي " في غور الأردن وفي مرتفعات الضفة وتقطيعها – أي الضفة - بين حواجز عسكرية وأن تكون الدولة الفلسطينية القادمة منزوعة السلاح.. السؤال هنا: بماذا تختلف هذه المبادرة التي تسمى " فرنسية " – من قبيل توزيع الأدوار! – عما جاء في خطاب أوباما ثم نتنياهو أمام الآيباك والكونجريس والذي أدانته السلطة واعتبرته إعلانا لموت التسوية وانقلابا على كل أسسها؟ ولماذا لا يفهمون مغزى توقيت المبادرة (بعد المصالحة الفلسطينية، وفيما بين ذكرى النكبة وذكرى النكسة، وقبيل استحقاق سبتمبر والأمم المتحدة)؟ أم أن السلطة لا تزال تقيم على ما عهدناها , حيث تقول ما يرضي الناس وتفعل ما تريده هي أو ما يملى عليها إملاءً؟ وحيث إنها لا تزال غارقة في إدمان وغرام التسوية ومسالكها؟ وإنها على ذات العقلية , حيث تعتبر كل بادرة أو مبادرة وبصرف النظر عن حقيقتها وغايتها ومضمونها فرصة لا يجوز تفويتها وهامشا لمعالجة البطالة السياسية التي تعانيها؟ وحيث لا تزال تتجاهل حصيلة الفشل كل سنوات التفاوض والتنازل والتطبيع والمجاملات العشرين الماضية التي لم تتمخض إلا عن المزيد من تبديد وتشتيت الثوابت الفلسطينية؟ السلطة وإذ تقبل بالمبادرة الفرنسية تتناسى ما لطالما تحدثت عنه وزعمته من الإصرار على تغيير المنطلقات وتثبيت المرجعيات وتأكيد الالتزامات وكل الإنشاء الاستهلاكي الذي كانت تردده وتستثمر فيه.. وهي لا تراعي أن المصالحة الفلسطينية تقتضي في أبسط مستوجباتها أن تشارك القوى الفلسطينية في صنع القرار السياسي، وأن تبادر لرفع سقوفها استثمارا وتقاسما للمجد معها ولو من باب التناسب الذي يثبت قاعدة الارتكاز الأساسية للمصالحة إن لم يكن عن قناعة والتزام.. القضية ليست مجرد مجاملة أدبية - كما قلنا - ولكنها التزامات وبنود اتفاقات التزمت بها السلطة.. ثم وبلسان المواطن العادي نتساءل: أين التأثر بالثورات العربية والتناغم مع امتداداتها في ذهن السلطة؟ وأين دماء شهداء العودة الذين سقطوا يوم النكبة ويوم النكسة على حدود الوطن؟ وأين الذين سيسقطون في قادم الأيام مع كل مناسبة وطنية وما أكثرها من مناسبات سينتقل فيها الفعل الفلسطيني والعربي من الاحتفال والتهريج إلى التضحية وهز حدود الكيان!؟ وأين أثر ذلك وتداعياته على طريقة وحدود المقبول والمرفوض فلسطينيا؟ وإذا كان عباس يستنكف عن استشارة أو مشاركة المعارضة والمقاومة ويخشى أن تضع له العراقيل أو تشاركه التمثيل ؛ فأين تصريحاته بأنه سيعود إلى العرب وإلى لجنة متابعتهم – التي توافقه على الكثير ولا تنافسه في القليل؟ وأين القيادة الفلسطينية التي يفترض أن تتشكل من الأمناء العامين للفصائل والتنظيمات الفلسطينية والتي يفترض أن تباشر مهامها بعد المصالحة؟ وأين أين؟!! آخر القول وبصراحة: لقد أثبتت موافقة السلطة على المبادرة الفرنسية ودون استشارة الشعب الفلسطيني أو الفصائل أن التسوية بالنسبة لها ومهما نقلت فؤادها حولها ستبقى الخيار الاستراتيجي الذي لا تعرف عنه محيصا والحب الأول الذي كلما ذكر اسمه أو خطرت ذكرياته اهتز كل كيانها وسقطت كل تمنعاتها! هذه هي السلطة وهذه حالها.. فعلى القيادة الفلسطينية الجديدة المشكلة على أساس المصالحة أن تستخدم صلاحياتها وأن تقف بوجه هذا الإنتاج المستأنف والمسف للعجز واللهاث الدائم وراء التسوية.. لكننا وفي كل الأحوال لن نقول فلتذهب المصالحة إلى سواء الجحيم.. لسبب بسيط هو أن الغاية من كل هذا العبث أن نقول ذلك..
430
| 09 يونيو 2011
احتفل الإخوان المسلمون يوم السبت 21 / 5 الماضي بافتتاح مقرهم العام الجديد في المقطم، وقد توافد على احتفالهم عدد كبير من الشخصيات المهمة بالدولة والمرشحين لرئاسة الجمهورية وأمناء الأحزاب والمستشارين والشخصيات الاعتبارية والمثقفين من كل الاتجاهات والجهات في داخل مصر وخارجها يهنئون الإخوان ويحتفلون بمنهجيتهم الإسلامية السلمية والوسطية والمدنية. الإخوان المسلمون ينطلقون اليوم بذات الشعار الذي انطلقوا به قبل ثمانين سنة دون أن يغيروا منه حرفا واحدا (وأعدوا والسيفين والمصحف) هذا الإنجاز يأتي في ذات الوقت حيث يعلن الرئيس السوري عفوا عاما يشمل إخوان سوريا.. و كل ذلك مضافا لما حققه الإخوان أو تحقق لهم في فلسطين والأردن وغيرها من الساحات.. في هذا المقام وفي ظلال هذه النقلة التاريخية والنوعية لا بد من كلام يقال ومن حقائق تثبت.. وأقول: أولا: هذا التحول الذي يعيشه الإخوان المسلمون في مصر ستكون له امتداداته خارجها بما لهم بين الإخوان من مكانة وسبق وبما لمصر في الأمة من أثر وفارق وزن نسبي، يأتي ذلك للإخوان في وقت ,خصومهم التاريخيون إما تحولوا لمناصرين أو مجاملين أو صاروا وراء القضبان يقاسون أضعافا أضعافا ما مسوهم به من أذى.. ولك أن ترى حسني مبارك الذي طالما حاول استئصالهم وسخر في ذلك مقدرات مصر الإعلامية والاستخبارية وهوامش الدستور ومداخل القضاء والانتخابات، ولم يدع لهم فرصة أن يعيشوا المواطنة في أبسط صورها.. ها هو اليوم وإذ يعلو شأن الإخوان وإذ يرتفع نجمهم وإذ يلتف الناس لهم ومن حولهم.. هو وأهل بيته موضع ازدراء واستثقال – وربما إشفاق - تسلب كرامتهم الوطنية ويعيشون الضنك أشكالا وألوانا.. أتاه الله تعالى من حيث لم يحتسب، وقذف في قلبه وقلب طغمته الفاسدة الفاجرة الرعب، وما هي إلا عشية وضحاها حتى فقدوا كل شيء.. إنها إقلابة واحدة من إقلابات الزمن الذي لم يفهموه , والشعب المصري الذي لم يحترموه , لكنها غيرت كل شيء.. فسبحان الله القائل: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) والقائل: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ). ثانيا: هذا التحول واعتراف خصوم الإخوان المسلمين ومحبيهم على السواء بقوة تنظيمهم وبدورهم في الثورة وباستحضار ما قدموه طيلة الثمانين عاما منذ التأسيس.. فيه الإجابة الشافية على كثير من الأسئلة وكثير من الشبهات التي كانت تقال.. البعض كان يسأل بإنكار واضح وظلم فاضح: أين الإخوان المسلمون، وماذا فعلوا، وأين هي إنجازاتهم؟ آخرون كانوا يقولون متجاهلين ما تحت يد الخصوم من أسباب وجاهلين سنن الله تعالى في ابتلاء الأحباب: لو كان الإخوان على الحق ما تأخر عنهم النصر حتى الآن؟ بعض آخر من الإسلاميين المستعجلين الذين يغرقون في ثنائية " الأبيض أسود " من الأفكار والمواقف كانوا أحيانا أقسى على الإخوان من الخصوم والأعداء إذ يقولون: إن منهج الإخوان المسلمين هو من الليونة والإرجاء العقدي (أي عدم القوة في المواجهة والمفاصلة مع المخالفين) ما لن يمكنهم من التغيير في هذا الزمن المليء بالفتن والمختلط الاتجاهات.. نعم لقد تحقق للإخوان المسلمين اليوم بصبرهم وحكمتهم وطول نفسهم أمان يحسدهم عليه كثيرون من المستعجلين، ولا يطمح إليه كثيرون من أهل المجاملات والتزلفات.. وهو يذكرنا بالرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سأل مرة: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبَدَ الدَّهْرِ نَحْنُ خَائِفُونَ هَكَذَا، مَا يَأْتِي عَلَيْنَا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ وَنَضَعُ فِيهِ السِّلاحَ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَنْ تَغْبُرُوا إِلا يَسِيرًا حَتَّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فِي الْمَلأِ الْعَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَتْ فِيهِ حَدِيدَةٌ " تغبروا: أي تجاهدوا وتتعبوا. ليست فيه حديدة: أي آمنا لا يحتاج سلاحا ولا يحمله.. ثالثا: هذا النصر لا يجوز أن يحسب ولا أن يكون موجها إلا ضد العدو الصهيوني وأعداء مصر والأمة، وضد الفاسدين من السياسيين الذين يأكلون ويشربون بدعاوى الوطنية ويستقوون بالولاء للأجنبي.. ليس ضد أحد سوى هؤلاء مسلمين كانوا أو أقباطا، علمانيين أو قوميين أو إسلاميين، رسميين أو حزبيين أو مستقلين.. وحتى الغرب الذي يحترم استقلالاتنا وثقافتنا والمستعد أن يتعاطى معنا بالمماثلة في المعاملة والندية في الاحترام كل هؤلاء ليس على أحد منهم أن يخاف من نصر الإخوان المسلمين.. ومن شاء فليرجع إلى منهاجهم النظري التربوي والثقافي والفكري ؛ الإمام المؤسس – رحمه الله – يقول: "وأما وسائلنا العامة.. ثم النضال الدستوري حتى يرتفع صوت هذه الدعوة في الأندية الرسمية وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية وعلى هذا الأساس سيتقدم مرشحو الإخوان المسلمين حين يجيء الوقت المناسب ليمثلوها في الهيئات النيابية ونحن واثقون بعون الله من النجاح.. " رسالة المؤتمر السادس، وفي رسالة المؤتمر الخامس يقول: "يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام وهم لا يعدلون به نظاما آخر " انتهى.. فإن جئنا للواقع نحكّمه وللتجربة العملية ونظرنا في تاريخ الإخوان المسلمين وفي أداءاتهم العملية على مستوى الانتخابات وعلى مستوى العلاقات والمجاملات والتفاعل الوطني مع القوى المنافسة تقاطعا أو تناقضا فسنجدهم يحفظون العهد ويحترمون الالتزامات، وسنجدهم إسلاميين لا تنازع في نسبتهم للإسلام الصافي الوسطي الواقعي، وسنجدهم منفتحين على الآخر أصلا لا استثناء، وسنجدهم ما تشاركوا مع أحد ثم خانوه، وما كانوا في مرة الأسبق لنفض يد من حلف أو نكوص عن تنسيق.. وسنجدهم يؤمنون بالدعوة السلمية والتغيير التدريجي ويتحاكمون في النهاية للشعب وإرادته.. ألا يرضي ذلك الإسلاميين من غير الإخوان؟ ألا يرضي ذلك العلمانيين والليبراليين من غير الإسلاميين؟ ألا يرضي ذلك الأقباط من المصريين؟ اللهم إلا إذا كان الاعتراض على حق المواطن المصري في اختيار النظام الذي يريده.. هنا فقط يمكن أن يقع الصدام الفكري الذي لن ينسب إلى الإخوان منه إلا ردة الفعل ولملمة الشمل.. رابعا: على الإخوان المسلمين أن يحسنوا فهم أمور لا بد من إحسان فهمها: 1- أن ما حققوه أو ما تحقق لهم من نصر لا منّة لأحد غير الله تعالى فيه، وأن التئام الناس من حولهم على اختلاف مشاربهم ليس كله حبا فيهم أو قناعة بمنهجهم.. بالأخص عندما يأتي ذلك من بعض من كانوا مساندين للنظام الساقط البائد.. ربما جاء البعض مهنئا لينال شرعية لدى الثورة، أو لينال دعما انتخابيا أو لمجاملة بروتوكولية أو لأسباب أخرى سوى الوفاء والولاء.. وبالتالي فلا مجاملة على حساب المنهج ولا استحياء من تقرير ثوابت الأمهات والاستراتيجيات بقدر ما لا يجوز فقدان المرونة والواقعية ومسلكية التدرج في الآليات والوسائل والتكتيكات ومبادلة البروتوكول بمثله 2- أن جزءا من النصر الذي تحقق لهم إنما ينسب إلى أخطاء وخطايا النظام السابق ومفاسده وتلك مساحة لا بأس بها جمعتهم بخصومه.. وبما أنه قد مضى وانتهى إلى مزبلة التاريخ ولم يعد التناقض معه دليلا على صحة موقف أحد فإن على الإخوان المسلمين أن يتوقعوا خلافات تنافسية سوف تنشأ مع خصوم جدد كانوا للأمس القريب أعوانا وحلفاء في مواجهة العدو المشترك وسوف يستتبع ذلك خصومات ومنافسات (وتصيدات)، وسوف يكون له أثر على الرأي العام داخل مصر وخارجها، وسوف يهيج عداوات جهات كثيرة.. ما يعني بالضرورة إجراء تغيير نسبي في مظاهر الاحترام والتداول الفكري، والمزيد من تقويم الذات وسماع النقد، وإفساح الفرص للآخرين.. وهو ما جسده شعارهم الانتخابي (مشاركة لا مغالبة) الذي ينبغي أن يصروا عليه من هذه الزاوية بالتحديد ليؤكدوا بالملموس العملي أنهم لا ينظرون لرفقائهم في الثورة وشركائهم في العمل السياسي من قبيل المغالبة.. وهو للأسف ما يغفل عنه بعض الإخوان الذين يصرون على المنافسة في كل صغير وكبير 3- أن الإخوان المسلمين بعد الترخيص الرسمي لحزبهم والوجود الفعلي والقانوني لجماعتهم سوف يصبح الكثير مما كان يجري بينهم داخليا أو يتحرك سريا سوف يصبح أقرب إلى الصحف وإلى الرأي العام من فم قائله ومن أذن سامعه، وسوف يصير عرضة للتأويل والتجيير وسوء التوظيف والتفسير.. بالتالي فإن عليهم أن يوسعوا نظرتهم لتشمل كل الوطن المصري وكل قطاعات الأمة وتلاوينها، وكل العناوين السياسية والوطنية والمذهبية.. وأن يغطوا أكبر مساحة ممكنة من التوافق مع المخالفين.. حتى لا تتحول تخويفات وأراجيف أمثال الأمريكي المتصهين (الذي كانت صحف النظام تصفه دائما بالكاتب الكبير) حتى لا تتحول إلى شبهات ومطاعن حقيقية في فكرهم وسلوكهم وشرعيتهم.. وللإخوان المسلمين في شريعة الإسلام السمحة، وعقيدته وأخلاقه العالية، وفي هوامشه الموضوعية من الرخص وأبواب المصالح المرسلة وسد الذرائع والاستحسان وفق الأولويات ما يتخطون به الجمود على لفظة أو على مصطلح أو على فتوى أو على موقف ينسف المكتسبات ويهيج الكثير من العداوات.. آخر القول: على كل أصحاب الآراء الموتورة وكل مطلقي الأفكار الدموية وكل الذين يتوهمون أن الدعوة الإسلامية لا تتحقق إلا بالعنف والمواجهة وبالأخص داخل إطار الأمة والوطن الواحد.. أن يتعلموا من درس مصر وأن يفيدوا من تجربة الإخوان المسلمين فيها، وأن يروا سنة الله في نصر المؤمنين فيتتبعوها.. وعلى الذين لا يزالون على منهج فرعون الساقط في مصر أو فرعون الآيل للسقوط في غيرها أن يروا مصارع الظالمين ليؤوبوا قبل ذات المندم..
575
| 02 يونيو 2011
أنا شخصيا كنت من المتخوفين أن يقدم نتنياهو وأوباما خطابات في هذه الفترة تغري السلطة الفلسطينية بإطلاق عملية مفاوضات جديدة تكون ضارة وضرة للمصالحة الوطنية الجارية بين فتح وحماس، وكنت متخوفا أيضا أن يبلغا في لغة الإنشاء الأخلاقي ولغة الخداع السياسي ومغازلة الثورات العربية حدا لا تقوى عاطفتنا على مدافعته فيفرغها من المضمون السياسي ومن امتداداتها في القضية الفلسطينية كمكون أساسي لهذه الثورات.. ما حدث هو أن الخطيبين جاءا على وجه آخر تماما؛ وكأنهما أرادا أن يفشلا في كل ذلك.. السؤال هنا: هل كانا معنيين بتجسير الفجوة التي تتسع كل يوم بين الشعوب العربية وبين الغرب، ثم بين الثورات العربية وعملية ومفاهيم التسوية؟ وبتعبير آخر: هل أوباما ونتنياهو هما بالفعل من القوة السياسية والمواقفية بحيث لا يأبهان بمردود خطابيهما المستفزيْن على الشعوب العربية وعلى الفلسطينيين وعلى عملية التسوية؟ وأقول: الخطيبان وما قالاه لا يمكن فصله عن خمسة استحقاقات ماثلة في هذه الفترة أمام ناظري كل سياسي وتلقاء كل تحرك؛ الاستحقاقات الخمسة هي: 1- الثورات العربية وما يفترض أن تتمخض عنه تجاه القضية الفلسطينية ابتداء وعلاقة وأثر ذلك على إستراتيجية اللاحرب واللاسلم مع العدو، وإستراتيجية توسيع دائرة الاندماج والتطبيع في المنطقة، 2- استباق دورة الأمم المتحدة في سبتمبر القادم والتي من المتوقع أن تكون القضية الفلسطينية على أجندتها.. المقصود منع الفلسطينيين من التقدم بطلب الاعتراف بدولة لهم على حدود الـ67 وهو الأمر الذي لو تم فسيكون مكسبا تاريخيا وسيكون له واقعه على أية مفاوضات وأية تغييرات ديموغرافية أو جغرافية أو حقوقية قادمة، 3- المصالحة الفلسطينية وما يفترض أن يترتب عليها من تغيير في المعادلات الفلسطينية ومن تسويغ صورة حماس وتشريع وجودها واستفادتها من علاقات حركة فتح إقليميا وعربيا ودوليا.. 4- ما بات يعانيه الرأي العام الصهيوني من قلق بسبب احتمالات العزلة السياسية وانغلاق سياسي وتعطل عملية التسوية وتحميل " إسرائيل " عالميا ومحليا وحتى صهيونيا المسؤولية عن ذلك، وقلق أيضا من التطور النووي الإيراني ومن التغييرات العربية بالأخص بعد سقوط نظام حسني مبارك الذي كان حليفهم (أو كنزهم الإستراتيجي) كما يصفونه.. وغير ذلك من أزمات يواجهها الكيان الصهيوني تفقده زمام المبادرة والقدرة على المناورة.. كل هذا كان يقتضي أن توجه رسالة إلى الشعب الصهيوني تطمئنه وتؤمله 5- الانتخابات الرئاسية الأمريكية وتحضيرات أوباما لها والانتخابات الصهيونية التي ستأتي متزامنة معها تقريبا وتحضيرات نتنياهو لها، ولكل من أوباما ونتنياهو قراءته في كيفية الوصول إلى ذلك وعبر أي ممر ينبغي أن يسلك إليه.. أما ما جاء على لسان الخطيبين ومهما اتكأ على لغة إنشائية ونفاق أخلاقي أو بدا كأنه عرض جديد فهو لم يحل إشكالا واحدا مما يؤزم الكيان ؛ فلم يقدم شيئا عمليا واحدا على صعيد التعامل مع الثورات العربية واحتوائها، ولم يقدم للسلطة الفلسطينية ما يغريها بنفض يدها من المصالحة مع حماس أو بتعطيل مساعيها تجاه الأمم المتحدة وتدويل القضية.. ولا يستطيع أوباما الثقة بأنه استطاع اختراق الرأي العام الصهيوني لترقية فرصه للفوز بأصوات اللوبي اليهودي ودعمه المالي مهما تقطع في تبني الأجندة الصهيونية وبالأخص عندما يكون خصمه أو منافسه في تلك الانتخابات أكثر قربا من الكيان وأقل معاندة له.. يبدو أن أوباما فاته الكثير في معرفة اللوبي الصهيوني وأدواته في تطويع الرؤساء دون تطمينهم.. ربما الشيء الوحيد الذي حققه الخطيبان هو إقناع الرأي العام الصهيوني الذي لا يبحر إلا في الدماء والاعتداء بأن أمريكا ستبقى في قعر التحيز الفج للعنصرية الصهيونية وستبقى تقدم مصالح هذا الكيان على ذاتها ومصالحها وكل علاقاتها، أما نتنياهو فإن نجح في شيء فهو الحديث مع نفسه وأمثاله من المتطرفين والخرافيين الصهاينة، والتدليل على أنه موغل ومغال في تبني الأساطير المؤسسة للعقيدة اليهودية ولمقولاتها وأكاذيبها منذ ثلاثة آلاف سنة.. هذا المستوى من الطرح اللاحقوقي واللا أخلاقي الذي ورد على لسان الرئيسين أو الخطيبين يحتم علينا - نحن العرب والفلسطينيين – أمورا لا يجوز تأخيرها أو التردد في تبنيها ؛ أولا: أن نصعد بالقضية الفلسطينية إلى مستوى الثورات العربية كمستجد تجب المراهنة عليه ويجب أن يكون رافعة للقضية ولإمكانات التحرك بها، وأن نصعد بها أيضا إلى مستوى الأمم المتحدة ومقتضى إخراج القضية من ثنائية المفاوضات أو اللاشيء وإخراج الحقوق الفلسطينية من أن تبقى رهنا بقبول أو عدم قبول أمريكا وحكام الدولة العبرية بها.. ثانيا: تأكيد المصالحة الفلسطينية وتوطيدها بالممارسات على أرض الواقع ؛ فمن جهة فتح عليها أن تنخرط فورا في مستوجبات هذه المصالحة من إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وحتى من تسميهم الأمنيين والاتفاق فورا على آلية تحرك سياسي وميداني بين الفصيلين الأكبر على الساحة.. ومن جهة حماس أن تبلور جملة من المعطيات والمواقف واللغة الخطابية التي تمكن السلطة من ممارسة المزيد من الإحراج لنتنياهو وطروحاته على شاكلة ما ورد على لسان السيد خالد مشعل يوم توقيع المصالحة.. ذلك يقتضي المزيد من التفاهم الداخلي في داخل كل من فتح وحماس ورسم محددات وخطوط المسموح والممنوع من الخطاب السياسي.. والأمر في غاية الجدية والطروئية التي لا تحتمل التأخير، ثالثا: إطلاق موقف صريح وحاسم وحازم بقدر صراحة وحسم وحزم موقف أوباما – نتنياهو لتأكيد الثوابت الفلسطينية التي أنكراها أو تجاهلاها أو وضعاها موضع مساومة، رابعا: إبقاء نتنياهو في مأزق أنه المسؤول عن تعطيل عملية التسوية وأنه يفتقد روح المبادرة وهوامش المناورة والإمكانات المهنية وأن إبداعه فقط في الجانب الكلامي الخطابي، وهو كذلك بالفعل في نظر كثيرين داخل الكيان وخارجه.. المطلوب هنا تحديدا ألا يقدم الفلسطينيون والعرب طوق نجاة مجانا له بإطلاق مفاوضات على غير أساس، وأن يتذكروا أن اللغة الإنشائية التوددية التي كان تكلم بها في خطابه كانت موجهة للكونجرس ولشعب " إسرائيل " وليس لهم.. نعم لا يجوز إطلاق المفاوضات لمجرد المفاوضات ولا على ذات الأسس والمعايير السابقة ولكن إن حدث فلا بد أن يكون وفق معطيات جديدة وضوابط ومرجعيات وسقوف جديدة أيضا.. وعلى ألا تكون على حساب المقاومة كما حدث دائما، خامسا: لا يجوز اعتبار إطلاق مواقف حاسمة وصريحة نهاية المطاف أو أنه الانتصار الأكبر، ولا يجوز انتظار ردات الفعل من العدو الصهيوني أو من أمريكا بنفسية وعقلية المخطئ الهارب أو المذنب الخائف، كما لا يجوز استعجال الخروج من المعركة السياسية والدبلوماسية وانتظار انهيار مفاجئ وسريع لمواقف هذين الحليفين ؛ ولكن المطلوب هو اتباع التصعيد بتصعيد وإلحاق الموقف القولي بموقف عملي.. هذا أمر مفهوم في عالم المفاوضات والعمل السياسي ولن يستنكر أحد على الفلسطينيين والعرب – حتى بمنطق عملية التسوية – أن يكون لهم موقف ومساع مخالفة لما عليه الخصوم.. وخارج ما يتوقع الخصوم. آخر القول: أوباما قال ونتنياهو أيضا قال.. ولم ينجحا إلا في تثبيت الصورة الذهنية عن عنصرية الكيان الصهيوني الموغل في الأوهام والأساطير ولغة الماضي الحجرية والخشبية، نجحا أيضا في تأكيد انحياز أمريكا إلى الظلم والعدوان وتبديد أي أمل في إطلاق عملية تسوية مقنعة، وفي وضع نفسيهما في جهة وفي مسلك مناقض لمستجدات وطموحات الفلسطينيين والعرب أكثر من أي وقت مضى.. فإذا كان هذان قد تكلما؛ فمتى سنتكلم نحن؟ وإن تكلمنا فماذا سنقول؟
491
| 26 مايو 2011
يجمع المراقبون على أن ذكرى النكبة هذا العام كانت مختلفة في الشكل وفي المضمون ؛ أما شكلا فلم يكن التفاعل معها على طريقة المهرجانات والأحفال وأغاني العتابا والميجنة التي يغلب عليها الطرب والحبور والتي يكون فيها صوت المعاناة والتهجير نشازا أو رياء ، وأما في المضمون فمن رصد تصريحات العدو – قادته وكتابه – في تحليل ما جرى على الحدود وما يمكن أن يترتب عليه أو يتفاقم إليه يدرك أن هذه الذكرى في هذا العام كانت فارقة وانعطافا تصحيحيا لكيفية التعامل مع القضية والتأثير فيها لب هذا الانعطاف ولحمته إعادة الدور للشعوب وبالأخص للشباب وللتيار الإسلامي وهو ما عمل وحرص المحتل - ومن في حزبه منا ومنهم - أن يبعدوه عن المواجهة لتبقى في يد النظم التي تتفاهم وتتفهم مقتضيات الاحتلال وتتقاطع مع غاياته وتتقطع في خدمة أهدافه .. زحفت الجموع تجاه حدود فلسطين وغالبيتهم من الشباب كفئة عمرية ومن اللاجئين الفلسطينيين كجوهر معاناة واهتزت تلك الحدود كما لم يحدث من قبل واخترق الشريط الحدودي في أماكن منه .. وتجاوز المشهد التعبير عن النكبة والمرارة وعن الشوق لفلسطين إلى التضحية من أجلها وإلى أن يسقط العشرات بين شهيد وجريح ما صبغ ذكرى النكبة بلون الجدية العالية ورسم أفقا لعمل كبير يبدو أنه صار يتحضر وينضج سريعا في الوجدان الفلسطيني والوجدان العربي العام .. العدو لم يستطع إخفاء خوفه من كل هذا ومن التطور الممكن له .. فجاءت تصريحاته وتعبيراته أشبه بالهيستيريا الإعلامية .. وكلها تحذر من أن الملايين سيكونون على الحدود في مناسبات أخرى .. فما الذي استجد على الحالة الفلسطينية وعلى مفهوم النكبة ؟ وأقول : ذكرى النكبة هذه الأيام جاءت والعدو يمر على الصعيد السياسي والديبلوماسي بحالة عبرت عنها السفيرة السابقة للكيان في الأمم المتحدة "غابرئيلا شليف " بالقول : إن مكانة إسرائيل في الأمم المتحدة في الحضيض .. وعبر عنها أيضا رئيس لجنة الخارجية والأمن البرلمانية والرجل الثاني في حزب « كديما » المعارض شاؤول موفاز بقوله : إن " إسرائيل " تتصرف كالنعامة وتضع رأسها في الرمال ولا تبادر إلى شيء وهذه معادلة سيئة للغاية في هذا الوقت .. وقال « لم تكن حاجة لانتظار أحداث الأحد لنستوعب أن واقع الشرق الأوسط يشهد تغيرات جوهرية كبيرة وليست بسيطة ، وما حصل هو مقدمة لما سيحصل في أيلول المقبل من أحداث قد تداهمنا أمواجاً أمواجاً » جاءت ذكرى النكبة هذه الأيام والقضية الفلسطينية تستبشر وتعتجن بالثورات العربية ضد نظم طالما كانت جزءا من معادلات أمن العدو الصهيوني وطالما حمت حدوده وبعضها لا يزال يفعل البؤس نفسه حتى الآن .. المصالحة الفلسطينية أيضا أعطت هذه الذكرى زخما وحراكا ومساحة وقلصت من قدرة أجهزة أمن السلطة في الضفة على منع المواجهات – وإن حاولت ولم تفلح .. هذه الذكرى أتت أيضا على وقع تعاطف دولي غير مسبوق مع القضية تمثل في مواقف دول كثيرة في أمريكا الجنوبية وفي أوروبا من الدولة الفلسطينية القادمة ورفع التمثيل الرسمي الفلسطيني وتمثل في إجماع أربع عشرة دولة في مجلس الأمن للاستيطان الصهيوني بما فيهم روسيا وبريطانيا وفرنسا والصين دائمات العضوية ولم تتخلف عنه إلا أمريكا دون سواها .. هذه كلها مرافقات للنكبة وكلها تحولات ذات بعد استراتيجي وغير مرتبطة بتكتيك أو بحدث أو بظرف وسيكون لها ثقلها في رسم مستقبل القضية .. وليس صحيحا ما توهمه العدو من أن مواقع التواصل الاجتماعي على النت هي العلة وهي الحاسمة ليسعى في حجبها ومنعها ما يسعى ، وليس صحيحا أن هذا النفس الثوري المتأجج في الوجدان هو مجرد أحاسيس أو هيجانات عابرة .. ولكن الصحيح أنه تحول وتغير مادي ومعنوي نضج وأخذ حقيقيته وأحقيته من تراكم عشرات السنين من المعاناة والدماء والظلم ، ومن مثلها عشرات أخرى من الصمود والتضحيات والمقاومة والانتصارات ، والصحيح أنه ميراث طويل وجاد ويومي من التثقيف الوطني المتواصل من الأجداد إلى الآباء ومنهم إلى الأبناء ثم إلى الأحفاد .. والصحيح أيضا أنها مشروع متكامل من الفكرة إلى البرنامج إلى الأدوات ، ومن المكون الإنساني البشري كفاعل أساس إلى المكون العقائدي الأيديولوجي إلى القناعات .. لقد فهم العدو ومن وراءه أن جموع الشباب الزاحفين إلى الحدود بدمائهم وعزلتهم ومسالمتهم وإن لم يخترقوها من الناحية المادية الميدانية إلا جزئيا أنهم اخترقوها معنويا وأسقطوا هيبتها مع ما سقط من جدار الخوف في نفوسهم .. العدو اقتنع اليوم أن مقولة الكبار سيموتون والصغار سينسون قد ولت إلى غير رجعة ، وفهم أن ما قام به هؤلاء الشباب إنما هو المقدمة والتجربة ( والبروفة ) لزحف شامل غدا تترسخ صورته ومداه في وجدانهم وقناعاتهم وعزمهم .. العدو يسأل نفسه اليوم : ماذا يستطيع أن يفعل لو أن مئات الآلاف وربما الملايين قدموا إلى الحدود من كل صوب مدنيين مسالمين وتقدمت معهم مئات أو آلاف كاميرات التصوير والتوثيق وعشرات أو مئات وكالات الأنباء ووسائل الإعلام والهيئات الحقوقية والأهلية والشخصيات العامة والمشاهير والنخب وذوي الثقل والاعتبار السياسي والفكري والاجتماعي ومن جنسيات عربية وغربية .. هل سيبقى عند ذلك الاحتلال احتلالا ؟ وهل سيبقى الكيان الصهيوني كيانا ؟ وحتى لو كان يملك كل أسلحة الدنيا وقتل منهم الآلاف سيبقى السؤال : وماذا بعد ؟ وهل يختلف الأمر بين أن يستشهد واحد وحده أو يكون معه عشرة أو ألف أو عشرة آلاف ممن يستنسخون منهجية ميدان التحرير وميدان التغيير ومواجهات الزنتان ووازن ومصراتة والبريقة وتضحيات درعا وحمص وبانياس وتلكلخ ؟ بالنسبة لمن يستشهد لا فرق ، ولا فرق أيضا بالنسبة للملايين الذين يموتون بلا ثمن وتتشابه بل تتماس حياتهم في كثير من الأحيان مع الموت .. أما الفرق الحقيقي فهو بالنسبة للكيان الصهيوني الذي سيكون قد اجتاحته الملايين من كل الجهات .. أتذكر هنا ثلاثة أمور ؛ أتذكر مقولة للهالك بيجين – رئيس وزراء العدو سابقا – الذي قال في مذكراته : لو كان لدى الفلسطينيين عام 48 كاميرا تلفزيونية واحدة ما قامت " إسرائيل " .. يقصد أنها كانت ستفضح جرائمه وإرهابه وأن العالم لم يكن ليسمح بذلك ، وأتذكر يوم اجتاحت الزحوف حدود غزة مع مصر وفكت الحصار عنوة عنها .. يومها قال رئيس النظام الساقط ماذا أستطيع أن أفعل ؟ وأتذكر أيضا أن باراك – وزير حرب العدو – سئل ذات مرة : ما الذي تستطيعون فعله لو أن مئات الآلاف الغزيين اجتاحوا الحدود باتجاه مدنكم ؟ فكان جوابه : " ذلك يوم لا أحب أن أتخيله .." . على العدو ومن لا يزال يحمي حدوده أن يعلموا أن إبقاء المعركة محصورة ومحدودة في نظمهم وتفاهماتهم وتقاطعاتهم قد ولى ، وأن يعلموا أن عزل القضية الفلسطينية عن محيطها العربي والإسلامي وعن الشعوب قد صار نسيا منسيا وماضيا بائسا لا يحب أحد أن يتذكره ، وأن يعلموا أن الشباب الذين زحفوا إلى جسر الملك حسين ومارون الرأس والجولان .. والذين حاولوا ( أو جربوا ) اقتحام السفارة الصهيونية في الجيزة ليسوا مجرد شباب طائش ولا هم شباب مسلسلات هابطة وأغاني خليعة ولا هم صرعى لواعج حب منحرف .. ولكنهم شباب الثورات الذين حركوا المياه الراكدة وأزالوا نظما مستبدة وطواغيت كانوا متجذرين بمعادلاتهم الأمنية ومعالجاتهم الاستبدادية .. آخر القول : في ذكرى النكبة هذه المرة أبدع الشباب فكرة الزحف إلى حدود فلسطين .. صحيح أن الفكرة لم تصل أفقها ومخططها وأن سقوط العشرات بين شهيد وجريح قد يبدو ثمنا غاليا بالنظر للعائد السياسي والميداني؛ لكن الفكرة كفكرة هي رائدة ومن بعدها سيكون المستقبل طموحا ومختلفا .. وسيأتي اليوم الذي لن يكون بعيدا لتجتاح مئات الآلاف من كل الجهات تلك الحدود وعندها لن ينتظر أحد الجيوش الرسمية ولن يأبه أحد بالنظم المتفرجة أو المتربصة .. ولولا ما جرى في تونس ومصر وما يجري في ليبيا واليمن وسوريا لكان مثل هذا الطموح مجرد خيال وهرطقة غير مفهومة .. الحقيقة أن تحرير فلسطين وتجسيد وعد الله بنصر المؤمنين ما كان يوما أقرب مما هو اليوم .. ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) .
745
| 19 مايو 2011
الذين يكتبون عن المصالحة الفلسطينية هذه الأيام غالبا لا يخرجون عن ثلاثة محاور ؛ التشكيك في قدرتها على تجاوز الانقسام، أو استقراء وتحديد ما أدى إليها من دوافع لدى أحد الطرفين أو كليهما، أو تلمس محددات موقف كل منهما وثوابته التي – في نظرهم - الكاتبين - لا يجوز التنازل عنها.. أما الخلاصة المتوصل إليها من كل ذلك فهي لا تخرج في الأغلب عن إلقاء ظلال اليأس على كل شيء ومحاولة تقرير أن الطرفين أو أحدهما (حسب موقع وقناعات وانتماءات كل كاتب) إنما يناور على الآخر ويتملص من المسؤولية الوطنية والأخلاقية عما ينتظره من (فشل حتمي) والخلاصة أيضا أن الكثير من الكاتبين بوأوا أنفسهم مكانة المعلم الأكاديمي أو المرشد الروحي للمتصالحين فراحوا يقررون ما هو من حقهم وما ليس من حقهم أن يفعلوه أو يقولوه أو يقرروه.. أما لم هذا المنحى في الكتابة؟ فالأسباب كثيرة ولعل أقربها أن الكتابة بلغة الانطباعات والوعظيات والأخلاقيات هي الأسهل ومفرداتها هي الأكثر والأوفر.. العدو – قادته وكتابه – تحدثوا أيضا عن المصالحة الفلسطينية ولكنهم عكسوا الاهتمام وبدلا من الحديث التحليلي والتحكمي فيما سبقها راحوا يتناولونها من جهة مخاطرها على الشأن الصهيوني كله، واستتباع كيفية مواجهة مترتباتها، وكأنهم يصوغون خطط عمل.. وهذا هو الذي أجده أجدى وأنفع للكاتبين عن المصالحة من طرفنا.. فهي مفترق إستراتيجي على الصعيد الوطني الفلسطيني والقومي العربي والديني الإسلامي، وإن فوات الفرصة التي صنعتها هذه المصالحة لهو القاصمة التي (ما لها من فواق) نسأل الله العافية.. المطلوب الآن هو إنجاح المصالحة وإنجاؤها مما يحضر العدو لها وما يملكه فعليا من أدوات قريبة وبعيدة للعبث بها وتخريبها.. وبتعبير آخر (ومع كل الاحترام والتقدير والتواضع أمام من يكتب وما يكتب) إن الطرفين المتصالحين يواجهان اليوم تحديات نوعية وتاريخية تتطلب ثقافة واستعلاء استثنائيا على الخصوصية الذاتية والحزبية وبالتالي فهم بحاجة إلى من يقدم لهما نصحا عمليا ومهنيا وتشجيعا جديا وأفكارا إبداعية وخبرات وتجارب عالمية تفكك رموز ومصطلحات ووقائع هذا الانقسام الذي ألقى بظلاله وبعقابيله الثقيلة على كل شيء، وهما بحاجة لترسم إستراتيجية ما بعد التوقيع على المصالحة أكثر من حاجتهما لمن يزيد همومهما أو يصنع أو يضع جبهة معنوية ضاغطة فوقهما.. في هذا السياق أقول: إن السياسة ليست فن الممكن فقط ولكنها فن صناعة الممكن، وفن التحايل على غير الممكن وتطويعه أو بعضه ليكون ممكنا ؛ والسياسة أيضا ليست الجمود على قوالب جاهزة من التفكير الأحادي الاتجاه الذي يأخذ تتابعا نمطيا ولكنها تحرك وتحريك للهوامش واستثمار للفرص واستشراف للمدى.. وعليه فإن ترقية الحوار والسيطرة على الخلافات مسألة ليست سهلة ولا تحكمها المواقف المسبقة فقط أو النيات الطيبة أو اللغة العاطفية أو سلوك المخاجلات والترجيات ؛ ولكنها عمليات فنية وقدرات ذهنية تصل أحيانا لأن تكون مسائل رياضية تصوغها وتنضجها خبرات ومؤهلات مهنية.. هذه هي السياسة وهذا هو العمل السياسي ؛ أما الحنكة السياسية لقائد ما فليست في علو صوته، ولا في قدرته على التملص من المواقف، ولا في رفع سقوفه إلى غير الممكن، ولا في الضغط على الطرف الآخر إلى حد اللامنطق واللاتصالح، ولا في مجاراة الأتباع والسير مع التيار واختيار الأسهل.. ولكنها صنع انعطافات التاريخ التي تحمل كل ذلك وشيئا من نقائضه على أساس التضحية بالقليل لأجل الكثير وعلى قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، والمقايضة بين الخيارات.. وقديما قال الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه في مسألة بعينها " إننا نشتري بعض ديننا ببعض ". فإذا كنا نتكلم عن حوار ليس أمامنا إلا أن ننجحه.. فإن على المتحاورين أن يمتلكوا من الشجاعة الأدبية والنظرة الكلية للأمور وميزان الترجيح الوطني والثوري ومهنية العمل ما يتجاوزون به اعتبارات الفصيل والحزب والشخص والمصالح واللحظة السيئة بإبداع فارق للأسف لم نعتد نحن العرب عليه وبالأخص في هذه الفترة المتردية من ثقافتنا المختلطة ومن إشكالاتنا الفكرية والسلوكية – وأقول تحديدا لا تعميما: إن سر النجاح الذي يجب أن ترقى إليه حوارات ما بعد توقيع المصالحة هو أن يتخلى كل طرف عن اشتراط أن يتطابق معه الآخر على كل شيء أو أن يتنازل له عن كل مكتسباته (أو ما يتوهم أنها مكتسباته)، وسره أيضا أن يتخلى كل طرف عن فكرة أن ملفا واحدا يساوي كل الملفات وأن عدم تحقيق اختراق فيه يعني الفشل الكامل وأن تذهب المصالحة كلها إلى الجحيم.. وأقول تحديدا أيضا: العثرة في أي ملف يجب أن تكون متوقعة ويجب بالتالي التحضر لتفهمها ثم لتجاوزها.. أما كيف؟ فهنا مربط الفرس – كما يقولون – وهنا تطلب الحكمة وتمتحن الحنكة.. وليس بالصخب والحرد والتهديد ولا بالشكوى للرأي العام ولا باستعراض القوة ولا بالجمود على المواقف وتحميل كل طرف للآخر مسؤولية البحث عن مخرج ولا بتحكيم نظرية الفشل ومنطق " إما هذا أو لا شيء سواه "؟ وأقول أيضا: كم من فشل تحول في فترة أخرى أو ضمن سياق آخر لنجاح؟ وكم من أزمة أمكن حلها وتفكيك رموزها بترحيلها لمحاولة أو محاولات أخرى أو بتجزئتها والتعامل معها كأجزاء ومقايضات أو بتحريك المساعي والمقاربات لها أو بتحجيمها؟ المصالحة ذاتها ألم تكن قبل توقيعها بأسابيع بل بأيام.. بعيدة المنال؟ ثم ها هي قد تحققت! فإن جئنا للواقع أو ذهبنا إلى التاريخ فلنا من كل ذلك عبرة! وإن شئنا فمن السيرة المطهرة القدوة والنبراس - هذا يقال لحماس وأيضا لفتح –: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترط على كل من يتفاوض معهم أو يتعاون معهم أن يطابقوه في كل شيء وعلى كل شيء؟ ألم يتحالف مع بني ضمرة في أول العهد المدني وهم كفار؟ فإن كان ذلك أول العهد المدني حيث الاحتياج ؛ فقد فعل مثله مع خزاعة آخر العهد؟ وإن قيل: ذلك تحالف على غير برنامج سياسي وعلى غير الأرض الواحدة والمشروع الواحد ولا يقتضي تفاعلات يومية وتفصيلات إثارية! أقول: لقد أقام صلى الله عليه وسلم في المدينة مشروعا سياسيا متكاملا مع اليهود بفئاتهم وقبائلهم احتوى عشرات البنود التي شملت كل نواحي الحياة اليومية السلمية منها والحربية والداخلية منها والخارجية والسياسية منها والاقتصادية ومسائل التسليح والعلاقات (ولولا أن اليهود نقضوا ما نقض لهم عهدا ولا مس لهم شرطا)!! وإذا جئنا للغة الواقعية السياسية التي يفهمها ويتعامل بها الطرفان فإلى حماس أقول وبها أبدأ: هل كل ملفاتكم مع تنظيم الأحرار وكتائب أبو الريش وحزب الله وغيرهم.. هل كلها متفق ومتطابق عليها؟ وعندما اخترتم أو عرضتم على فتح والجهاد والشعبية.. المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية بعد الانتخابات هل كانت كل العقد معهم محلولة؟ وإلى فتح أقول وبذات اللسان: من أولى بصبركم وطول نفسكم ؛ العدو أم إخوانكم في حماس؟ وإذا كنتم على خلاف مع حماس في البرنامج أو المصالح الذاتية ؛ أليس الخلاف مع العدو خلاف دين ودنيا؟ وكم مرة تعطلت بين أيديكم – معه - ملفات واشتغلتم بغيرها؟ وكم ملف أنجزتم نصفه أو ثلثه وبقي الباقي؟ أليس كل ملفات الوضع النهائي قد اتفقتم على تأخيرها خمس سنوات يوم اتفاق غزة وأريحا؟ ثم صبرتم على تأخيرها عمليا وفعليا منذ ال93 لثماني عشرة سنة حتى الآن؟ وإذا صحت مقولة " خذ وطالب " التي طالما وكثيرا ما كررتموها لتسويق اتفاق " غزة وأريحا أولا " واعتبرتموها حنكة وحكمة فلماذا لا تصلح ولا تصح مع الأهل والأخ والجار والقريب وشريك الدم والعرض والوطن؟ آخر القول: الحوار الفلسطيني بحاجة لأن يرقى من العاطفية إلى العقلانية، ومن قصر النفس إلى طوله، ومن ثنائية النجاح والفشل، وثنائية إما معي أو ضدي إلى إمكانية ما بين النجاح والفشل، وإلى وحدانية (الدم اللي ما بصير ميه)، أما المصالحة فيجب أن ترقى لتكون أكثر من تكتيك وتحريك إلى أن تكون هدفا حقيقيا.. وأما الكاتبون فهذا ميدانهم للإبداع وهو محكهم.. لينتقلوا بنا من الحديث عن النيات المطلوبة لإنجاح المصالحة إلى الفنيات والمهارات التي لا يستغني عنها عامل في السياسة فضلا عن أن يكون قائدا وتلقى عليه مسؤوليات تاريخية بهذا الحجم..
494
| 12 مايو 2011
حجم الارتباك الذي تلقى به العدو أنباء الاتفاق بين حماس وفتح يدلل على أن المصالحة الفلسطينية هذه المرة جدية ويبشر بأنها ستتم وستفتح آمالا عريضة يلتقي فيها المتغير الفلسطيني مع المتغيرات العربية لحشر العدو في الزاوية (كما قال السيد خالد مشعل) هذا التفاؤل حقيقي والسر في ذلك أن طرفي المصالحة نضجت لديهما كليهما وبالتساوي قناعة - وإن كانت متأخرة وبعد سنوات من التوهان والتشاكل – وبأنه محتاج ومضطر لها لأجل نفسه قبل أن يتمنن بها أو يحس أنه يقدمها لغيره، هذا السر هو الأساس للتفاؤل ؛ ولكنه ليس الوحيد، فقد نضجت مع هذا الأساس جملة من المعطيات جعلت المصالحة ضرورة وطنية وفريضة شرعية في غاية الجدية من أهمها: 1- إن المصالحة الفلسطينية تأتي في وقت يفتقد العدو فيه زمام المبادرة بل يفتقد آلية منهجية لفعل شيء في مواجهتها، وقد صرحت بذلك رئيسة كاديما ووزيرة خارجية الكيان السابقة – تسيبي ليفني – التي أخذت على نتنياهو فوق ذلك أنه كلما تكلم زاد أزمة جديدة، الجديد أيضا والذي يزيد أزمة العدو أنه يتحمل في نظر كثيرين في العالم مسؤولية الانغلاق السياسي، وأنه هو الذي أغلق سبل إعادة التسوية إلى السكة بما في ذلك رفضه مقترحات الرئيس الأمريكي. كل ذلك جعل الموقف الصهيوني في إطار المصالحة داخل ثنائية ؛ إما أن ينهار بالكامل ويقع تراجع غير لائق وغير منطقي تحت وقع هذه المصالحة ولهذا ما له من خطورة مستقبلية على الكيان بما سيعطيه من انطباعات واستخلاصات، أو أن يتمسك بموقفه المتعنت وعندها سيكون متخلفا عن المتغيرات التي ستفرضها المصالحة وسيكون موقفه هذا غير مبرر حتى لدى حلفائه. 2- إن المصالحة تأتي استجابة وتناغما مع المتغيرات (الثورات) العربية الجارية في المنطقة والتي تبشر بأن القيم السياسية التي خدمت العدو وبنى عليها معادلات سياسية وأمنية كثيرة أخذت مع الاستمرار والتتابع صورة المسارات الإستراتيجية، لقد فقد الكيان (حصان طروادة) النظام المصري الساقط، وها هي نظم ما يسمى بمحور الاعتدال كل مشغول بلملمة أوضاعه الداخلية للحيلولة دون انتقال (عدوى) الثورات الشعبية إليه. 3- إن العدو هو الذي خرب مسار التسوية وهو الذي كان دائما يتذرع لذلك بالانقسام الفلسطيني وأن كلمة الفلسطينيين وتمثيلهم ليس كاملا ذلك أعطى لجهود المصالحة وجاهتها كما أعطى للمصالحة عندما تمت مبرراتها، فلما جاءت المصالحة بعد سنوات من هذا التعيير والتخريب أصبح رفضه لها غير منطقي وأصبحت ذرائعه غير ذات بال، ذلك وفر على الفلسطينيين الكثير من الجهد والسعي لإقناع من حولهم بالمصالحة، فوقعت أسهل ويفترض أن تدوم أطول. 4- إن مواقع القوة الفلسطينية هذه المرة أكبر وأكثر منها في أي وقت مضى وبالأخص يوم حوصر عرفات ثم اغتيل ؛ والفلسطينيون إذا توافقوا هذه المرة على الحد الأدنى من البرنامج السياسي لن يستطيع أن يخرج عن إجماعهم إلا من يقبل لنفسه أن يكون خائنا وعميلا مفضوحا، ومن يجرؤ على وضع نفسه في هذا الموضع؟ ولو فعل فبم يستطيع أن يخدم العدو؟ ثم إن السيد عباس لم يغلق باب التسوية ولم ينتقل لخيار المقاومة ولا يتوقع أن يفعل من ذلك ما فعله عرفات عام الـ2000، وبذلك فالعدو لا يملك بديلا ولا رؤية ولا مبررا لفعل ما فعله يوم تخلص من عرفات، هذا يعرفه العدو فتتضاعف أزمته وعجزه وقلة حيلته ويعرفه الشعب الفلسطيني فتقوى عزيمته على المصالحة وعليه أن يستثمر فيه واسعا. كل هذه المبررات وسواها مما لا يحضرني الآن أو لا يتسع له المقام جعلت المصالحة ضرورة وطنية وفريضة شرعية، فلا يستطيع طرف من المتصالحين أن يدعي أنه مستغن عنها أو أنه يتمنن بها أو أنه أقدم عليها رأفة بالآخر وتخفيفا من أزمته وإحساسا بأخوته. فالسياسة وإن تغطت بالمجاملات فهي لا تنحكم لها، وفي أحيان كثيرة تتحول فنونها وألاعيبها وتملصاتها – للأسف – أهم من كل الاعتبارات بالأخص عندما تثور الدماء وعندما تشتبك المسائل الشخصية بالوطنية وعندما يتوحد الزعيم السياسي بالقضية حلولا واتحادا. الظن إذن أن المصالحة اليوم صادقة وأن النيات من حولها سليمة وأن الظروف والمتغيرات كلها تخدمها.. لكن (وعلينا أن نتكلم بصراحة ومن واقع الإحساس بالمسؤولية عن نجاح هذه المصالحة) إن المنطق الذي يتحدث به موقع حركة فتح على النت ومواقع أخرى محسوبة عليها حول هذه المصالحة ومبرراتها لا يبشر بخير وإذا جمعنا مع هذه الملاحظة استمرار الاعتقالات في الضفة وتصريحات عدنان الضميري وماجد فرج وأسامة القواسمي المتشائمة والمهددة والمتربصة، فإن من حقنا أن نتوقع أن أشخاصا وجهات لأنهم لا يحسنون التفريق بين رفع السقف السياسي لموقفهم وهو أمر مقبول ومتفهم وبين تحريك الفتنة والتشكيك في أصل المشروع وهو أمر مرفوض ويلقي ظلالا بائسة على المصالحة والمتصالحين، من حقنا في هذه الحالة أن نطالب حركة فتح الحقيقية أن تلجمهم وأن تحيدهم باعتبار وحدة الوطن أولى وأغلى منهم مهما علت رتبتهم، أخشى ما أخشاه أن يتحرك هؤلاء أو يحركهم الاحتلال في الوقت الخطأ وبالطريقة الخطأ وللفعل الخطأ، وقد حدث مثل هذا في التاريخ الإسلامي والعربي كثيرا، خشية أخرى ينبغي أخذها بنظر الاعتبار وعلى الإخوة في فتح أن يتنبهوا لها وأن يطمئنوا الناس بخصوصها، هي الخشية من أن يحرك العدو في لحظة ما مسار التسوية فيقدم عروضا ووعودا تبدو سخية وجدية أو أن يحرك وساطات مقبولة لدى المفاوض الفلسطيني فيستثير ما في دواخله من وما في ذاكرته من ثقافة التسوية وأن يوقعه في المراجحة بين البدائل فينهار التفاهم مع حماس تحت وقائع هذه المعاوضة.. ثم يدخل الشعب الفلسطيني في متاهة انقسام جديد لا يعلم إلا الله مداه وأمده ومترتباته. آخر القول: إن توقيع اتفاق المصالحة وبقدر ما هو أمل رائع وفتح مبين إلا أنه ليس آخر المطاف بالتأكيد، ولا هو محصن من نوايا ومساعي العدو.. لذا فالمحافظة عليه وتنفيذه بأمانة بعيدا عن تدخلات الخبثاء والمتشائمين وأصابع الاحتلال الذين يتحركون دائما بالطريقة الخطأ وفي الوقت الخطأ هو الأولوية بعد اليوم.
592
| 06 مايو 2011
تتدخل أمريكا في ليبيا وتقصف الطائرات الأمريكية قصر القذافي، ولم نعد نحس بذات المشاعر التي كنا نحس بها لما احتلت أمريكا العراق وأفغانستان؛ فهل صرنا لأمريكا ومعها؟ وهل كنا مخطئين يوم رفضنا غزوها للعراق وأفغانستان؟ والنظم العربية التي تقتل مواطنيها الذين يطالبون بالحرية والحقوق المدنية ككل شعوب العالم نكرهها ونتمنى زوالها وقد كنا من قبل نحبها وندعو الله تعالى أن ينصرها ولم نكن نقبل أن تمس مواقفها بكلمة.. فلماذا بتنا نكرهها وهل كنا مخطئين من قبل في حبها والدفاع عنها؟ وجهات (إعلامية وسياسية ونخب فكرية وربما أشخاص بأعيانهم كم أحببنا (طلتهم) الإعلامية! وكنا نحرص على سماع تحليلاتهم ونراقب حركات أعينهم (وحتى نحنحاتهم) وطالما اعتبرنا كلامهم معقولا ورأيهم مقبولا صرنا نستثقلهم! وبعض من كنا ننقم مواقفهم ونراهم جنودا مجندة للشيطان الأمريكي أو للتهرؤ العربي صرنا نلقي بالا لما يقولون.. وفي لحظة ما ربما لم نجد فرقا كبيرا بين مقولاتنا ومقولاتهم وتعليقاتنا وتعليقاتهم وتحليلاتنا وتحليلاتهم.. فإلى أين نحن سائرون؟ الشيخ القرضاوي الذي له احترامه وجاهه ومواقفه حتى صار رمزا للعالم المجاهد العابد العامل وفارسا لكلمة الحق وله الاحترام في طول بلاد المسلمين وعرضها.. صار يتجرأ عليه صغار وكبار حتى أطلق بعضهم عليه شيخ الفتنة! فأين هو منها وأين هي منه ومما يقول؟ وقناة الجزيرة التي عشقها جيل كامل وسحرت أجيالا أخرى وشاركت منذ انطلقت في كل حروبنا وحركت كل مياهنا ونقلت الإعلام بل السياسات العربية نقلات هائلة حتى صار الكثيرون يضبطون ساعاتهم على موعد انطلاق الكرة الذهبية على شاشتها معلنة بدء النشرة الإخبارية.. صرنا نسمع اليوم من يتهمها بالتآمر والغوغائية! فهل كنا مخدوعين بها طول الوقت؟ وإلى أين نحن سائرون؟ أم اختلطت المفاهيم وأن أمرا ما تغير وغير معه كل شيء؟ وما هو هذا الأمر؟. وأقول: نعم جرى تغيير وهو تغيير كبير ولكنه ليس في القناعات وإنما في الملفات والعناوين المطروحة، وفي تموضع كل طرف فيها.. ومخطئ من كان يظن أن الاتفاق مع نظام أو جهة على قضية يعني الاتفاق والتطابق معها في كل شيء.. هذا هو الفرق بين التبعية العمياء والتحالفات والمحاور القائمة على وعي وبرنامج عمل وندية في الاحتياج والاحترام.. فإذا تقدم ملف مما يختلف عليه على ملف مما يتفق عليه هنا تمحص المواقف وتتميز العلاقات وأنواع التفاهمات.. هذا ما حدث وهذا ما لا يستطيع فهمه من يشترطون التطابق على كل شيء من أجل التنسيق أو التعاون في ملف ما.. ومثل هذا الخطأ وقعت فيه حركة فتح عندما رفضت التعاون مع حماس لأن لها قناعات مختلفة في محاور أخرى ما أدى ذلك إلى فقدانها – أي فتح - الحد الممكن من التفاهم ووصلت بالدوران مع الخلافات إلى حد القتل على الهوية والتصفية والغدر والتعاون مع العدو على قاعدة من ليس معها في كل المواقف وفي كل صغيرة وكبيرة وحتى في الأخطاء والانحشارات فهو ضدها.. جدير التأكيد على أن أي تفاهم أو تعاون لا يجوز شرعا ولا عرفا ولا عقلا ولا منطقا أن يتقدم على حقوق الإنسان أو المواطنين أو على مقتضيات الالتزام القومي والديني والفكري في أي بلد، وجدير التأكيد على أن المواجهة التي تخوضها النظم في اليمن وليبيا وغيرها ليست ضد العدو الصهيوني ولكنها ضد الشعوب وليست لأجل التحرير والصمود وتعزيز الاستقلال ولكنها تدور على البسطاء والغلابا وعلى طلاب الحرية وعلى الشباب الذين يصرون على عدم ممارسة العنف وعلى منع الفساد والاستبداد.. وليس المطلوب ولا الواجب على من ينظر في المشهد الدرامي لهذه الثورات والانتفاضات أن يقول إن ما ثبت من وطنية النظام الفلاني يبرر ما يقوم به من قتل مواطنيه وسحق حريتهم وحقوقهم وسرقة مقدراتهم.. يجب أن تكون الأمة وحقوقها وكرامة شعوبها وقضاياها الجوهرية فوق النظم وفوق المجاملات وأن تكون هي ميزان الحكم على المواقف والأشياء والنظم والسياسات لا أن يكون الولاء على (الصحوبية) والمجاملات والمصالح، ولا أن تكون على الخير والشر وعلى الصواب والخطأ.. قال الله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ولم يقل إن أكرمكم هو ألصقكم صحبة ولا أنفعكم لفلان وعلان.. وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إنما الطاعة في المعروف " وأبو بكر الصديق رضي الله عنه كان يقول (أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم).. لن تنتهي النصوص التي كلها تتطابق على أن القيم الثابتة والمستقرة في الإسلام هي التي يجب أن تحكم المواقف.. وعليه فليس لأحد أن يتوقع أن وقوفه في وجه العدو الصهيوني أو دعمه لقضية ما من قضايا الأمة - أيا كان دعمه ونزاهته - يعطيه صك غفران أو ضمانة وحصانة من النقد والمعارضة.. وليس يحق لأحد أن يعول على المجاملات، ولا أن يراهن على المخاجلات، ولا أن يطلب ثمنا لمواقفه التي يفترض أنها محض اختياره وحقيقة ضميره وثوابت قناعاته، ولا أن يضن أو يمن بها على من أعانوه عليها بقدر ما أعانهم هو عليها.. وليس لطرف أن يرى لنفسه فضلا على آخر لموقف وقفه فكل طرف يحتاج الآخر في ذلك بقدر ما الآخر يحتاجه.. اللهم إلا أن تكون المواقف مجرد مقايضات ومعاوضات وظواهر مواقف لا حقائقها. فرق آخر هو أنه عندما تكون المعركة معركة شعوبنا ثم تأتي أمريكا، في ثنايا المشهد ويشترط المستعينون بها ألا تدخل قوات غربية برية وألا تحتل أرضا – كما الحاصل في ليبيا - فإن ذلك مختلف كل الاختلاف عما حدث في العراق وأفغانستان حيث جيء بالمعارضة من فنادق واشنطن وباريس ولندن وجيء بها من تحت طبقات النسيان والبذخ وبعضهم من أحضان الاستخبارات الغربية (أحد أقطاب المعارضة العراقية الذين جاؤوا على ظهر دبابة أمريكية اعترف بأنه كان ينتمي لستة عشر جهاز استخبارات غربي)!! آخر القول: لم تتغير القناعات ولكن الذي تغير هو عناوين الأحداث وملفاتها.. ويا ليت النظم التي كانت لها مواقف - وربما لا تزال – مع المقاومة وضد أعداء الأمة التاريخيين أن تتصالح مع شعوبها، وأن تبدع في إعطائهم حقوقهم، وأن تجنب أصدقاءها وحلفاءها من ذوي المبادئ والأخلاقيات الإسلامية والإنسانية حرج الفرز والمخايرة والمفاضلة بين القرب منها أو البعد عنها..
1003
| 28 أبريل 2011
لقد بات من المؤكد أن الثورات (أو الانتفاضات) الشعبية العربية هي حقيقة واقعة سيكتب عنها التاريخ والمؤرخون الكثير، وستكون مصدر إلهام لشعوب أخرى في إعصار وأزمان آتية.. هذه الحالة وبما تعنيه من إعادة تنظيف وصياغة مفاهيم وثقافة الأمة تجاه نفسها وتجاه الآخر.. ربما – وبدون مبالغة - لا يضارعها ولا يوازيها إلا لحظات معينة في التاريخ الإنساني كانت فارقة بين مهانة أمة وعزتها، وبين ما ترتضيه عن طواعية واقتناع وما يفرض عليها عن قسر وعنجهية.. ولنأخذ على سبيل المثال ما جرى ويجري في مصر من تحولات (وليست التحولات مقصورة على مصر ولا محصورة فيها).. هل يستطيع بعد اليوم أي رئيس جمهورية قادم في مصر - فضلا عن رئيس وزراء أو وزير في أي وزارة وفضلا عن أي موظف يوصف بالكبير أو الصغير – هل يستطيع أن يلفلف الناس أو يسرق البلد أو يعبث بالانتخابات أو يفكر في توريث ابنه أو يحكّم زوجته وأنسباءه؟ وهل سيقتصر أثر هذا التحول الجاري في مصر عليها وحدها أم سيعم المنطقة كلها بما لمصر فيها من ثقل وما تتبوأه من موقع وأثر؟ أليس قد صار اليوم باستطاعة مجموعة من الشباب ليس بالضرورة أن يكونوا بالملايين ولا حتى بمئات الألوف أن يؤثروا على أعلى قمة الهرم السياسي وقراراته؟ أليس قد صار ممكنا أن يتآلفوا ويتحالفوا من دون حزب يشك في ارتباطاته ولا بتنظيم يسهل استئصاله؟ أليس ذلك مؤثرا في استقامة الحاكم وفي حرصه على رضا شعبه؟ وإذا كان ذلك كذلك أليس سيكون مؤثرا توقف نهب المال العام وفي إصلاح تربية النفوس وأن يزغ الله في السلطان ما لم يزغ في القرآن؟ ألسنا نرى كيف صار من الحكام من يطارد لا يهدأ في إجراء تعديلات شتى وإعطاء وعود تترى اتقاء ثورة شعبية تجعله في مقام فلان وعلان ممن تهتز الأرض من تحت أرجلهم وتنفلت الأزمة (جمع زمام) من أيديهم؟ أليس لكل ذلك علاقة بثقافة شعوبنا تجاه ذاتها وحكامها؟ وتجاه الآخر المُصالح والآخر المُعادي والآخر المُحايد والآخر المُتحكم من قريب أو من بعيد؟ وإذن؛ أليس لكل ذلك علاقة بحاضر ومستقبل وقضايا الأمة كلها؟ إننا نتحدث – إذن - عن تغيير جذري سيغير وجه التاريخ وسيجعل فترة الاستعمار الغربي وما تلاها من تركيب نظم محدودة (محدودة الاستقلال والقدرة بل وكثير منها محدودة الوطنية) سيجعلها فترة ناشزة ومنبتة عن تاريخ الأمة ورسالتها وهويتها.. ونتحدث عن امتحان لكل ذي موقف إن كان مع الشعوب والثورات والحراكات أو ضدها، وإن كان مع تيار التغيير أو كان يعاكسه، لقد تجاوزت القضية المجاملات العاطفية والقضايا المهمشية، ولم يعد لأحد أن يقول (وأنا ما لي خليني في حالي) أو يقول (تبعد عن راسي وتطب) أو أن يمنّيَ نفسه بالسلامة دائما أو أن يناور بين المواقف، وبالأخص هنا النظم التي تريد أن تكون محترمة ووسائل الإعلام والهيئات والأشخاص من علماء وقادة الفكر والرأي في الأمة الذين تعودنا منهم أن يكونوا في مقدمة الصفوف وألا يتخلوا عن الواجب.. من هذا المنظور يجب النظر إلى مواقف دولة قطر التي اتسمت بالإسلامية والعروبية والمبدئية والجرأة والأخلاقية والإنسانية، بقدر ما تميزت بالحكمة والإنصاف والتزام القانون الدولي والحفاظ على تقاليد العلاقات بين الدول.. نعم لقد تجاوزت مواقف قطر من هذه الحراكات التهرؤ العربي وتجاوزت موقعها الجغرافي وتجاوزت مصالحها الخاصة.. وكان باستطاعتها أن تريح نفسها وأن تتخذ الموقف الأسهل في كل المحكات وأن تكتفي بالكلام كما يفعل آخرون حولها ممن أصواتهم أعلى من حقائقهم.. لقد نجحت وببراعة في الاختبار القيمي والأخلاقي الأخير وفي اختبار المصداقية بالأخص عندما انتقلت الأحداث من مصر وتونس – البعيدتين نسبيا - إلى داخل الإقليم الجغرافي والسياسي دون أن يختلف أداؤها أو تتلون مواقفها.. من دلائل هذه المصداقية التفاف الشعوب حول مواقفها وفي هذه الحالة لا يعني كثيرا ما تقوله السلطات الرسمية في أي بلد في مقابل ما يقوله شعب ذلك البلد ونخبه ومخلصوه ومقاومته، فلا يهم ما يقوله القذافي مثلا إذا كان الشعب الليبي يرفع العلم القطري بجوار علم الاستقلال الذي يعتز به.. يجدر التذكير هنا بأن معادلة قطر بسيطة ولكنها جريئة وحاسمة في الوقت نفسه.. فقد فهمت كيف تستثمر مواضع قوتها وكيف تستفيد من علاقاتها وكيف تضع لكل موقف مبرراته وحساباته.. موقف الشيخ القرضاوي وإخوانه في اتحاد علماء المسلمين وغيره من الهيئات العلمية الذين كانوا صرحاء في دعم الشعوب وتبني ثوراتها كذلك يجب النظر إليهم من نفس المنظور، وليس لأحد أن يتوقع غيابهم عن المشهد الملحمي للأمة لا بذواتهم ولا باعتباريتهم ولا بما يمثلون من قيم الدين وقيادة الفكر لا مجاملة لأحد ولا خوفا منه ولا تحت أي مبرر.. فإن لم يكن للعلماء كلمة فيما يجري الآن ففيم تكون كلمتهم؟ وإن لم تكن مواقفهم متقدمة وناصعة ومع الشعوب وضد الظلم والمظالم والظالمين؛ فهل تكون سوى ذلك؟ وما سوى ذلك؟ أم أن العلماء يطلبون فقط للموافقة على مواقف بعينها ليقولوا كلمات بعينها في وقت بعينه ثم يتركون ويستثنون ويستثقلون؟ أليست هذه الأحداث في صميم السلم الأهلي وفي جوهر الإصلاح الوطني وتتعلق بأكثر من وشيجة بالدين؟ فكيف إذن يتوقع أن يغيب عنها العلماء بما يحملونه من أمانة وبما يمثلونه من إمامة؟ وهل ما تجلبه عليهم الصراحة في الحق من مصادمة مع الباطل ومن إساءات واتهامات وافتراءات هو الحكم الوحيد على ما يقولون وما لا يقولون؟ من ذات المنظور أيضا يجب تقييم قناة الجزيرة الفضائية وشقيقاتها من قنوات أبدعت في نقل الحقيقة بل في صنعها وفي رفد الثورات بالخبرات والإنصاف الإعلامي.. لقد صارت جزءا من الأحداث وبلغت من احترام وثقة الشعوب بقدر ما بلغت من حنق وغيظ وتشويه واستهداف الخاسرين في مواجهة شعوبهم والمتضررين من نقل الحقيقة.. وهل يريد المنزعجون من هذه القناة وأخواتها أن تطبل (وتزمر) لنظم مقتتها شعوبها؟ أم يطلبون منها أن تكون نسخة عن الـ (596) فضائية عربية لا تغني من جوع ولا تسمن من شبع؟ وإن فعلت فمن ذا الذي سيستمع لها أو يتابعها؟ الحقيقة هي أن قناة الجزيرة في حالها حتى الآن - ونتمنى أن تثبت على مهنيتها العالية وعلى ولائها الوطني والقومي - هي قناة الشعوب وقناة الثورات وقناة (السدة والردة)، والعدو لا ينفك ينظر لها على أنها جزء من مواجهته ومن أهم حواسم معاركنا معه.. وردت أخبار أخيرا عن مخطط إعلامي يدشنه العدو ليقف في وجه قناة الجزيرة أو ليكون ضدها على شاكلتها، ونتذكر ما قال الإرهابي (يوآف جالانت) قائد ما يسمى (المنطقة الجنوبية في جيش العدو) بعد عدوان 2008 على غزة عندما اعتبر الإعلام أحد حواسم تلك الحرب وخص الجزيرة بالكثير مما قال.. ولا يجوز أن ننسى أن الجزيرة هي ذاتها الجزيرة التي استشهد بعض طواقمها أو اعتقلوا والتي قصفت مقراتها في العراق وأفغانستان ويقال إنهم فكروا في قصفها في الدوحة. . آخر القول: ليس لأحد أن يتخلى عن المشاركة في نهضة الأمة وترسمها المستقبل الواعد تحت أي مبرر، ولا يجوز أن تتحدد المواقف على أساس العوائد أو المجاملات.. والأكيد أن الكثير من الاتهامات في هذا المعترك إنما هي كيديات ونكايات لا تمتلك من الاحترام أو الموضوعية أزيد مما يمتلكه الظلم والاستبداد الذي تمثله أو تدافع عنه.
544
| 21 أبريل 2011
الكثيرون يعتقدون أن الانقسام الفلسطيني صار أثبت في الوجدان الفصائلي وعلى أرض الواقع من الاحتلال نفسه ، وأن إنهاء الانقسام صار أبعد وأعسر وأوعر من إنهاء الاحتلال .. ذلك الاعتقاد توطد وتدعم في ظل عدم القدرة على إنهاء الانقسام الفلسطيني دون إلغاء أحد الطرفين – حماس وفتح - لبرنامج الآخر أو للآخر ذاته ، وفي ظل عدم وجود الظروف الموضوعية لفرض جهة ما فلسطينية أو عربية أو غيرها بالقوة إنهاء لهذا الانقسام ، وفي ظل وجود هوة حقيقية بين الطرفين تتسع باستمرار وتمتلئ – للأسف – بعدم الثقة والتعديات ، والعدو يستغل وإلى المدى الأبعد كل ذلك ويوظفه عبر أدوات كثيرة في إضعاف وهدر كل مكونات القضية من شعب وحقوق ومشروع تحرير .. في ظل كل ذلك يتطلع الشعب الفلسطيني وقواه السياسية ( ومن كل الأطياف والألوان والاختيارات ) إلى كل دعوة لإنهاء الانقسام على أنها بارقة أمل جدية .. لكنها – للأسف - سرعان ما تتبدد عندما يتدخل شيطان التفاصيل وسوء الظن والاشتراطات بعد أول تصريح مؤمل لكل طرف فيعود التصعيد والتوتير من جديد .. وثمة أشخاص بأعيانهم يتحركون دائما في مثل هذا الوقت ( وهم في فتح وفي أجهزة أمنها تحديدا ) للقيام بالعمل البائس ذاته .. ذلك يعني أن يبحث الجميع ( الطرفان ) عن مخرج لن ينجح ما لم تتوفر فيه جملة اعتبارات .. يجب أن تكون إبداعية وفيها من اعتراف كل طرف بالآخر بقدر ما في الانقسام من دهاء وخبث وقدرة نوعية للعدو على صنعه وإدامته واستغلاله وتوظيفه .. وأقول : حتى ينجح مشروع إنهاء الانقسام وحتى يبقى لابد أن تتوفر فيه جملة أسس لابد أن تتقرر بكل موضوعية وبالتساوي في تحميل المسؤولية بين الطرفين ( مع أن الوقائع والحقائق تثبت أنهما ليسا متساويين سواء في التسبب بالانقسام وفي السعي لإنهائه .. لكن لنتجاوز ما قد يفهم انحيازا مخلا بأصل الفكرة ) وأقول : إن أهم هذه الأسس التي يجب أن يقوم عليها مشروع إنهاء الانقسام هي : 1- قناعة كل طرف بحاجته هو لإنهاء الانقسام ؛ وعدم قصر النظر على حاجة الآخرين له ، بعيدا عن أوهام الاستغناء والاستقواء وبعيدا عن المغامرة وعن سياسة عض الأصابع ، وفي هذه الحالة يجدر بكا طرف أن يسترجع إخفاقات مشروعه أولا وتضرره من الانقسام ثانيا ثم قدرته بالوحدة على تجاوز كل هذه التعثرات ثالثا وتاليا 2- استعادة وبناء ثقة حقيقية ومتصاعدة يوما بيوم وساعة بساعة بين الطرفين وأن يغرس كل طرف في وجدان الآخر أنه حريص على المصالحة بعيدا عن المناورات والرسائل البعيدة والقريبة والدورانات خارج فلك الوحدة الوطنية ، وفي هذه الحالة لا يعود للاعتقالات السياسية وعزل الآخر والدس عليه والطعن تحت الحزام والتآمر ضده والتحالف مع خصومه وتوظيف الإعلام في الحرب عليه إلا معنى واحد هو تخريب الثقة ، وفي هذه الحالة أيضا يصير تقديم فعل إيجابي ومتسامح مع الطرف الآخر أولوية ويصبح رهن ذلك بخطوات مقابلة ليس أولوية بل ليس مقبولا ، وفي هذه الحالة أيضا يحسن بكل فريق أن يعلي خطاب الوحدة بقدر ما يعلي خطاب الثبات على الثوابت وحماية الأوابد الوطنية 3- اعتراف كل فريق بالآخر وببرنامجه وبظروفه والتزاماته ومتطلبات جمهوره ، وتوفير مساحة مناسبة لتحركه ضمن هذا الإطار ، وفي هذه الحالة يجدر فسح المجال الإعلامي والسياسي له بقدر ما على الآخر أن لا يستغل المساحات والفسح الزمانية والمكانية والموضوعية في تعلية برنامجه على الآخر .. وليس يمنع هنا أن يستمر في قناعاته ودعاياته لنفسه ولبرنامجه .. 4- قناعة كل فريق بأن برنامجه ( التسوية بالنسبة لفتح ، والمقاومة بالنسبة لحماس ) لا يستطيع أن ينجز التحرير الوطني منفردا ولا يستطيع السداد مبتعدا عن الآخر .. يؤكد ذلك الواقع الفلسطينيي والعربي والدولي والحقائق على الأرض ومسيرة تسوية عمرها عشرون سنة فوق الأرض وعشرون أخرى مثلها تحت الأرض ، كما يؤكده الموقف الأخير للمقاومة التي طرحت شعار تهدئة مقابل تهدئة ( وليس لهذا تقوم المقاومات ولا به ينجز التحرير !! ) هذا لا يعني تمييع القناعات ولا التخلي عن المحددات ولكن يعني الاعتراف بالآخر الوطني وبحقه في تثبيت رؤيته بالتساوي والتوازي مع الذات ويعني أن يرضى كل طرف للآخر ما يرضاه لنفسه .. وهذا قمة الإنصاف من الذات وليس هو من التردد أو التميع في شيء 5- تحويل الخلاف بين الطرفين من تناقضي إلى تنوعي وتكاملي ، بمعنى أن تتيقن فتح من حاجتها لحماس وللمقاومة ولسقوفها العالية ، وأن تتيقن حماس كذلك من عدم قدرتها منفردة على تسيير الحياة اليومية للشعب الفلسطيني الذي تحت يدها ولا على إطلاق مقاومة للشعب الفلسطيني الذي تحت يد فتح والاحتلال المباشر في الضفة ، هنا الكلام والأفكار لابد أن تتجاوز الشعارات وهنا أيضا يتطلب قيادات فذة وكاريزمية تبرر ما سيبدو تحولات ، وهنا أيضا تطلب الحصافة من الطرفين لتصدير المواقف ( التكاملية ) على أنها اعتراف بالآخر واحترام للقيم الوطنية وللديموقراطية .. ليس مطلوبا بهذا الصدد من فتح ولا من حماس أن تخسر إحداهما المساحات التي تملكها أو تجيد العمل فيها فلحركة فتح ما تجيده ولها قنواتها ولها ما تحتاج فيه لحماس وما توفره المقاومة لها من هوامش مناورة وضغط على العدو ومن خطوط رجعة عند اللزوم .. كذا لحماس مصلحة في تواصلات حركة فتح وزخمها الرسمي وما تملكه من قدرة على تخفيض وتيرة العدوان عند اللزوم وعندما تريد ذلك فعليا .. وكل ما تريده فتح وحماس يجب أن يبقى فقط في إطار دعم هذا المشروع الوحدوي الذي أسميناه ( الخلاف التكاملي ) . بقى أن نقول : إن كلا من فتح وحماس - من وجهة نظري الاستقرائية والتحليلية على الأقل - لديه الاستعداد للانخراط في مشروع من هذا القبيل أو لنقل لديه الوعي بقيمته وهو أمر مفهوم في العمل السياسي والوطني وهم يرون العدو كيف استطاع ( منذ أنشئ كيانه الإرهابي ) الجمع بين الديموقراطية والإرهاب ، وبين اليهودية والعلمانية ، وبين مشروع التسوية والعدوان العسكري الدموي .. فلماذا يمكن ذلك لدى اليهود والصهاينة شذاذ الآفاق ؛ ولا يمكن بين الذين قال الله تعالى فيهم ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) والذين تقرر في قرآنهم قوله تعالى ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) ؟ قلت : كلتا الحركتين تؤمن بما أقول وإن لم تفصح عنه .. ربما لأن الطروحات غير جدية ولأن الثقة بينهما مهتزة بل مهدمة : وهذه فتح التقت مع اليسار الفلسطيني - وإن على عوائد مختلفة - وتلك حماس أعطت لمنظمة التحرير بل لعباس شخصيا تفويضا بالتفاوض وإبرام الاتفاقيات - وإن بقيود وشروط - . جدير التذكير والتأكيد على أن الانتخابات الفلسطينية التي يدعو إليها عباس ليست هي الحل حتى لو كانت مثالا في النزاهة والشفافية – وهو أمر مستبعد بل مقطوع باستحالته – والسبب بسيط هو : أن الخلاف لم يبدأ بالانتخابات السابقة وبالتالي فلن ينتهي بها ، فكيف إذا كانت انتخابات تقوم على التوريط والاستئثار ؛ بمعنى أن من يفوز سيأخذ الجمل بما حمل ، فإن فازت حماس تورطت بحمل أكبر من كل قدراتها وتكبدت حصارا أعمق وأشد فتكا من كل ما مرت به ، وإن فازت فتح استأثرت بالحكم كله وعزلت حماس وقهرتها وأوقفت المقاومة وكشفت ظهر حماس ، أيضا ليس الحل وإنهاء الانقسام بتوحيد المشروعين لا على المقاومة كما تطلب حماس وهو ليس بمقدور فتح ، ولا على التسوية ووضع الشعب الفلسطيني كله رهين المراد الصهيوني كما تطلب فتح أو يطلب منها العالم .. آخر القول : هي إذن سياسة أو اتفاق لتوزيع الأدوار ، وهي محاولة للجمع المنطقي بين موقفي كل من حماس وفتح دون خسارة مميزات أحدهما ، وهي إذن قتال على جبهة التسوية ومن ورائها عالم طاغ لا يقبل بغير التسوية ، وجبهة المقاومة ومن ورائها منجزات وميراث عز وقانون إلهي وإنساني ودولي يبررها ومن ورائها أيضا تغيرات كثيرة جارية من حول فلسطين ومقاومتها تؤمل بمستقبل كبير وواعد .. فهل سنمسك لمرة وللأبد بزمام الأمور أم سنبقى ندور في اجترار التمنيات كما يدور .. بالرحى ؟
566
| 14 أبريل 2011
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...
3912
| 23 سبتمبر 2026
«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا...
2673
| 18 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...
2289
| 24 سبتمبر 2026
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...
2178
| 23 سبتمبر 2026
نتقلب في نعم الله تعالى المنعم ليلا ونهارا،...
1464
| 17 سبتمبر 2026
لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...
1317
| 20 سبتمبر 2026
شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...
705
| 21 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...
657
| 23 سبتمبر 2026
يُحكى أن رجلًا عُرف بين أهله وأصدقائه بأنه...
591
| 17 سبتمبر 2026
تُعدُّ الوساطة العقارية من الأنشطة المهمة في تنظيم...
546
| 17 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية