رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الخطوة التي قام بها السيد عباس في الأمم المتحدة وما قد يتمخض عنها وما يجب أن يقع من استثمارها والمراهنة عليها .. كل ذلك لا يزال يتفاعل وتتوالد عنه أفكار وملاحظات وتوقعات.. وهذا يدل على أهمية هذه الخطوة وإن كانت في ذاتها صغيرة .. وهي بالفعل كذلك مهما حاول البعض التقليل من شأنها لأي سبب خصوصا إذا تركنا وراءنا المناكفات السياسية التي تأتي على أساس الانطباعات العامة والمواقف الإجمالية وليس على أساس النقد الموضوعي.. والحقيقة – من وجهة نظري – أنها خطوة هامة إذا نظرنا لها في ضوء ماهية السلطة وإمكاناتها والهوامش والمنحشرات والخيارات التي تعمل في إطارها وإذا نظرنا لنوعية العدو وطبيعته وقدرته على التأثير على المواقف الدولية وحتى – للأسف العربية والمحلية – لكن هذه الخطوة قد لا تبدو بنفس الأهمية بالنسبة للمعارضة التي لها تشككاتها وتخوفاتها وملاحظاتها المبررة والمنطقية والتي تضع الخطوة على ميزان غايات التحرير وأهداف الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة وتنظرها من منظور إمكانات الشعب الفلسطيني كشعب بفصائله وعلاقاته وقضيته وأبعادها .. فتراها صغيرة .. هذا التداخل بين الصواب والخطأ وبين النقص والتمام وما يراه البعض من زاوية يغفلها بعض آخر.. كل ذلك أشكل على كثيرين عند النظر في المواقف وتقييمها؛ فوقع المحذور والاجتزاء كما هي العادة .. فالموالون اعتبروا ما قام به الرجل قمة النصر وصوروا كأن الدولة وراء الباب، ولسان حالهم ( إن عباس وإن كان الأخير زمانه لآت بما لم يخترعه الأوائل) وفي سبيل ذلك أغمضوا عن كل انتقادات المعارضة – المحق منها والمتجني – وتجاوزوا عما اعترى هذه الخطوة من أخطاء ( الانفرادة بها عن الشعب وعن الفصائل وعدم تضمين الصيغة المقدمة حق العودة والقرارات السابقة التي اعترفت بحقوقه) هذا الفريق تغاضوا أيضا عن تصريحاته بأن ذهابه للأمم المتحدة لن يغلق طريق التسوية ولن يؤول إلا إلى المفاوضات التي ستظل الخيار الأول والثاني والمائة .. المعارضون من جهتهم وقعوا في نفس المحذور والاجتزاء ( وبالذات بعض المتحدثين ) الذين ضخموا النقائص وبالغوا في اعتبار الخطاب مأساة على التاريخ الفلسطيني وتجاهلوا في سبيل ذلك ما في الخطوة من معاني الصمود في وجه الضغوط ، والخروج من احتكار وتسقيف وتسوير أمريكا والعدو لعملية التسوية ، واستصغروا وتجاهلوا أيضا أثر هذا الاعتراف - لو حدث - على مكانة الشعب الفلسطيني وحقوقه أمام المؤسسات الدولية .. وأغلب الظن أن معظم هؤلاء لم يكلفوا خاطرهم عناء البحث بشكل منهجي وعلمي في الأبعاد القانونية والسياسية للأمر. لقد حزنت كثيرا وأنا أرى خطوة – يعد اتجاهها في العموم إيجابيا - توصل الفريقين إلى هذا الحد من التراشق والمساجلات.. وأحسست أننا – جميعا - بحاجة لإعادة تركين البوصلة وإعادة ترتيب الأولويات ولأن نقدر المرحلة .. وأحسست بضرورة أن ينضبط المتحدثون بالمواقف المعلنة لمن يتحدثون باسمهم بعيدا عن الانسياق مع الاستفزازات والمزاجيات والآراء الفردية التي للأسف تقتل كل جميل وتزيد شقة الخلاف وتبدو كأنها تتقاطع مع أغلاط إستراتيجية بالتأكيد ليست مرادة .. وإذا كنا نتناول المتحدثين الرسميين فلنعترف أن بعضهم! (ولا أقول كلهم) لا يملكون القدرة والموهبة على التفريق بين تسجيل موقف وشن حملة، وأن يعلموا أن ما يرفض دائما قد يسكت عنه أحيانا، وأن قاعدة " الضرورات التي تبيح المحظورات " قاعدة عامة ومن حق المخالف في الرأي أن يستفيد منها كالموافق وليست قصرا ولا حصرا على فئة وفصيل دون غيره .. وأن يتنبهوا إلى أن المقايسة لا تكون دائما بين الحسن والقبيح أو على ما يجوز وما لا يجوز - وهو القياس الأسهل – ولكنها قد تكون على أحسن الحسنيين ، أو أسوأ السيئين ( وبالذات في أمور السياسة ) .. وأن يستوعبوا أن السياسة لا تتحرك دائما تحت الشعارات المغلقة والثوابت التي لا تتزحزح ، وأن الرجال مهما أوتوا من الإخلاص والتوفيق ومهما مثلوا من معاني الوطنية قد يعتريهم الخطأ والنسيان وقد يقعون تحت الضغوط والإكراه والمصالح الشخصية والفئوية وحزازات الأقران. أقول : فإذا حكّمنا هذه القواعد واستشعرنا حجم مشكلتنا مع العدو ورأينا تخاذل العالم عن نصرتنا وكان لدينا حملة لا بد أن نشنها أو تهجم لا بد أن نصرفه ؛ فبالتأكيد ستكون حملتنا على أمريكا التي لا نختلف على عداوتها ونفاقها وانحيازها ضدنا ، وستكون على حليفتها وربيبتها الوقحة الإرهابية التي تنتقص أرضنا وذاتنا وكرامتنا ليل نهار، وستكون على مجلس الأمن ونظامه البائس المكرس لمخرجات الحرب العالمية الثانية .. ولن تكون حملتنا من المعارضة على الموالاة، ولا من الموالاة على المعارضة في هذا الظرف بالذات وتحت هذا العنوان بالخصوص .. وعند ذلك لن نجد من أنصار عباس من يتهم خصومه ومنتقديه بالعمالة والتقاطع مع الاحتلال.. ولن نجد ممن يعارضه من يرفض كل ما يقوم به ويسوي بين خيره وشره .. ذلك سيفسح لكل فريق أن يرى ما يتفق فيه مع الآخر عليه ، وسيعطي للجميع مساحة من الموضوعية تجعله يقترب من المصالحة الحقيقية التي تعطلت حتى الآن ومنذ الانقسام كثيرا ، وسيمهد لتكوين الإستراتيجية الشاملة المطلوبة لتوليد عمل كبير بعد هذه خطوة وهو ما يفترض أن يكون وأن يتجسد عاجلا غير آجل .. آخر القول: كان يكفي من الموالين لعباس ومن المعارضين له أن يسجل كل منهم موقفه ضد ما يقوم به الآخر، وأن يتجهوا فورا للبحث عن المشتركات .. أما الانتقاد لذات الانتقاد ورؤية كل شيء قبيحا مذموما ، والمدح لذات المدح ورؤية كل شيء كاملا ومقدسا فما ذلك إلا الوصفة الناجزة لمزيد من الفرقة والانقسام وفقدان الثقة.. فهل بعد هذا النقص من تمام ؟!
446
| 29 سبتمبر 2011
في مقالي السابق أشرت إلى ما قد يؤدي إليه التوجه إلى الأمم المتحدة بهذه الطريقة غير الناضجة من مخاطر على العلاقات الداخلية وعلى الوضع القانوني للقضية الفلسطينية، وخلصت إلى جملة المقتضيات افترضت أنها يمكن أن تشكل ضمانة من أن تنزلق القضية إلى ما يتخوف منه.. وكان مما ذكرت ؛ ضرورة أن تكون الخطوة في إطار إستراتيجية تحرك شاملة، وأن تكون صيغة القرار المقترح واضحة وتحوي كل الثوابت الوطنية والقرارات التي أثبتت حقوقا أصلية أو مكتسبة للشعب الفلسطيني، وأن تقوم بهذه الخطوة منظمة التحرير الفلسطينية وليس السلطة، وأن يتحصل السيد عباس لهذه الصيغة ولهذه الإستراتيجية على أكبر مساحة من التوافق الوطني لتوقي الاختراق والفتنة في وقت يتوقع أن تكون ردة فعل العدو أكبر من قدرة السيد عباس على تحملها.. والحقيقة أن الأسبوع الفائت قد وضح عدم تناسب الكيفية التي يتحرك بها السيد عباس ومعاونوه مع خطورة هذه الخطوة ودلل على أنهم يستهينون بالتخوفات التي تتردد على ألسن المثقفين والمفكرين حولها، وأنهم لا يقدرون معنى التوافق الوطني ولا يتخيلون خطورة الاختلاف على خطوة بهذا المستوى من المسؤولية التاريخية والمترتبات عليها.. أو أنهم ليست لديهم نية تفعيلها والاستثمار فيها.. أما إذا أسأنا الظن ( وسوء الظن من حسن الفطن كما يقال) فالاحتمال غير المستبعد أيضا أنهم قد رسموا تحركهم هذا بمفاعيله ومترتباته مع العدو الصهيوني الذي سيحقق جملة من المكاسب بدون ثمن حقيقي يدفعه أو يتكلفه.. والكلام هنا عن استباق التحولات الكبيرة والتاريخية التي تترسم وقائعها في العالم العربي واستباق التحولات التي تنمو لصالح الحق الفلسطيني عالميا وتدلل عليه الاستطلاعات والدراسات، واستباق تشكيل تحالف تركي مصري إقليمي ضد العدو، واستباق انهيار أخلاقيات الموقف الصهيوني الذي صار مكشوفا ومفضوحا أخلاقيا ويتعثر سياسيا وديبلوماسيا.. الكاتب الصهيوني توماس فريدمان كتب في عموده المعتاد بصحيفة نيويورك تايمز قائلا : إنه لم يكن أكثر قلقا على مستقبل إسرائيل من اليوم "فتداعي دعائم الأمن الإسرائيلي الرئيسية -وهي السلام مع مصر واستقرار سوريا والصداقة مع تركيا والأردن - مقرونا بأكثر الحكومات عجزا دبلوماسيا وافتقارا للكفاءة الإستراتيجية في تاريخ إسرائيل " ثم قال: " وكل ذلك جعل إسرائيل في خطر محيق ". والسؤال هنا: حتى لو كان الذهاب للأمم المتحدة مناسبا في وقت ما؛ فهل هو كذلك اليوم؟ وهل تجب إعادة تأكيد التنازلات التي قدموها في لحظات ضعف وانفراد وتحت التطميع بسلام تبين أنه مجرد سراب؟ وهل الوقت لإعادة المراهنة على إحياء الحق الصهيوني في فلسطين الـ48 مقابل خطوة لن تتبعها إلا المفاوضات والمفاوضات.. كما يقول عباس نفسه؟ منطقي أن نسيء الظن في هذه الخطوة لأنها تتم بدون التشاور مع أهل القضية وأصحاب الدم.. فهم لم يتشاوروا مع حماس التي تجمعهم بها مصالحة وطنية يفترض أنها حقيقية! ولم يتشاوروا مع " الجهاد " التي ليس لهم معها خصام ولا نكد!.. ولم يتشاوروا مع المجلس التشريعي كمؤسسة رسمية يفترض أن تكون قاعدة الارتكاز لتجسيد الديموقراطية ( السكر زيادة ) التي طالما بشروا بها! ولم يتشاوروا حتى مع المجلس الوطني المعروف بأنه بين سحرهم ونحرهم وأنه لم يتخلف عن مرادهم يوما.. أقول : فإن كانوا يخافون أن لا يحصلوا من كل هؤلاء على التفويض فإن خطوتهم - إذن - لا تحظى بأي قبول.. فهؤلاء هم الشعب الفلسطيني وهؤلاء هم قيادته وهذه هي مؤسساته! بالتالي فلا يمكن إحسان الظن بهم مع كل هذه التجاوزات وفي مرحلة تاريخية، وفي تحول - دراماتيكي – على هذا النحو من الجدية! البعض يغلقون أعينهم عن كل ذلك وعن كل المخاطر والتحديات من حول هذه الخطوة، ويفرحون ويرقصون على كلمات " الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والعلم الذي يرفرف على كذا وكذا " وتخدعهم عبارات التحدي والإصرار.. هذا البعض تعودنا أنهم تسهل خديعتهم ولفتهم بالشعارات والبهارج الإعلامية عن حقائق ما يدبر في جهة أخرى.. حدث مثل ذلك يوم أعلن استقلال دولة المنفى عام 1988 في الجزائر وزغرد من زغرد وهاج من هاج فغفلوا عما رافقه من اعتراف بالقرارين ( 242، 338 ) اللذين كان الاعتراف بهما خيانة للوطنية ونكوصا عن القومية، وحدث الشيء نفسه يوم أعلن اتفاق أوسلو ؛ فخدعتهم نظرية " خذ وطالب " وأن عشرات الآلاف من الفلسطينيين عادوا للأرض المحتلة، وأنهم قام لهم كيان فلسطيني – في غزة وأريحا – وغفلوا عن الحقائق التي تقررت على الشعب الفلسطيني منذ ذلك اليوم إذ صارت المفاوضات مقصودة لذاتها وليست وسيلة لتحقيق التسوية، وإذ صارت أمريكا هي المرجعية الحصرية للقضية بدلا من القرارات الدولية والمجتمع الدولي والإجماع الفلسطيني، وإذ تم التنازل عن 80 % من فلسطين التاريخية وانحصرت وانحشرت القضية فيما احتل عام 67، والتنازل عن حق المقاومة بل التآمر عليه وتقرير مناهج التعاون الأمني مع العدو ضده، والتنازل عن حق تقرير المصير الذي كان نشيدا وطنيا الليل والنهار ليركن في مجاهل النسيان ثم ليخرج من الخطاب الرسمي الفلسطيني إلى الأبد.. كل هذا تم تدسيسه على العقلية الفلسطينية وعلى الواقع الفلسطيني تحت جنح الزغاريد والمقولات والعواطف وألوان العلم الفلسطيني الذي صار مقدسا أكثر من القدس والأقصى والوطن والجهاد.. وها هي حليمة الفلسطينيين تعود لعادتها القديمة.. وها هم يأخذون الرأي العام إلى خطوة يسوقونها على أنها غاية المنى الوطنية وأنهم بالأمم المتحدة سيقررون الدولة المتعثرة منذ سبعين سنة.. وها هم يتجاهلون كل الانتقادات وكل الاعتراضات وكل الخسارات والتنازلات.. ويعيدون إنتاج ذات المأساة بذات الأدوات.. فما يطلبونه مقتصر على حدود الـ67 ما يعني أن بقية فلسطين لن يبقى لها من يمثلها! وليس صحيحا ولا واقعيا أن المنظمة ستظل تمثلهم وتطالب بحقوقهم ولكن سيعتبر ذلك لو ادعته تلك الدولة – الموعودة أو الموهومة - ازدواجية في التمثيل وادعاء لا واقع له! وهذا هو الناتج الأول لمعنى دولة في حدود الـ67 فالدول يتم الاعتراف بها لتمثل رسميا إقليمها ومن تمثلهم! فإن سقطت المنظمة بهذا الشكل الرسمي، وإذا أصبحت فلسطين الـ48 معترفا بها كوطن قومي " للعدو " اعترافا دوليا ورسميا وبطلب من الفلسطينيين أنفسهم ومن غير اشتراط قيام فعلي ولا اعتراف صريح بحقهم وبدولتهم ؛ فأين يصير حق العودة حينئذ؟ وأين يصير فلسطينيو الشتات؟ وما أثر ذلك على الخلافات الفلسطينية الفلسطينية ثم الفلسطينية العربية في البلاد التي تستضيفهم كمبعدين ومهجرين؟ آخر القول: قد يكون في سعي عباس للأمم المتحدة نوع من الخروج عن النص الأمريكي والصهيوني، وقد تكون خطوة عباس كبيرة وفارقة بالنظر لإمكاناته وما حشر نفسه فيه من الخيارات السياسية البائسة.. لكن ذلك ليس كل ما يستطيعه الفلسطينيون ولا هو حدود مرادهم، ولا هو ما تبشر به الثورات العربية والتحولات في الموقف التركي والمصري تجاه الصراع حول فلسطين، وإذا أبعدنا التهويلات التي تروجها السلطة لخطوتها هذه وتخلينا عن قليل من العاطفة المتحكمة في فهمها فلن نجد ناتجا نهائيا لها إلا المزيد من التنازل وإلا تثبيت كل الواقع البائس الذي يجب تغييره.. بقي أن نقول: ليس بالضرورة أن كل ما يرفضه العدو هو يرفضه على الحقيقة، ولا أن كل ما يرفضه يجب أن نقبله لمجرد أنه يرفضه..
491
| 22 سبتمبر 2011
تنويه – في مقالي السابق ذكرت أن رئيس وزراء سلطة رام الله "سلام فياض" وفي محاولة منه لاحتواء الاحتجاجات أعلن أن حكومته ستعمل على زيادة الأجور والرواتب خلال الشهر المقبل وأنها ستخفض أسعار الوقود.. وقد رد عليّ مكتبه في رسالة لصحيفة الشرق بأن ما يتعلق بزيادة الأجور كلام عار عن الصحة " وأقول: ما أوردته في مقالي هو خبر أورده موقع ( رؤية الإخباري ) في تقرير كتبته " نورهان مقبل " يوم الثلاثاء 11 / 9 / 2012 الساعة ( 13.33 ) ونصه " أوضح « سلام فياض » رئيس الحكومة الفلسطينية خلال مؤتمر عقده، اليوم الثلاثاء لبحث أزمة الإضرابات وغلاء الأسعار، أن الحكومة ستعمل على زيادة الأجور والمرتبات خلال الشهر المقبل مع خفض أسعار الوقود.. وأنا إذ أنوه بمصدري لأؤكد أن الحقيقة فقط هي المقصد ويجب أن تكون هي الأساس للرد وللرد على الرد. أعود لموضوعي - اليوم – فيما يتعلق بالفيلم المسيء وأقول: الفيلم الصهيوني الرديء الذي حاول منتجوه الطعن من خلاله في الإسلام ونبيه العظيم صلى الله عليه وسلم معتمدين على مشاهد " جنسية مبتذلة " هو فيلم لا يمكن اعتباره أكثر من سماجات عقول وتخيلات سطحية وقذارات نفوس وشتائم هابطة، وبعد مشاهدتي لبضع دقائق منه وجدته لا يحمل أي قيمة فنية أو إبداعية لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون والمعالجات الموضوعية.. ولا يستند إلى توثيق علمي أو رواية تاريخية.. قلت: هو فيلم صهيوني وليس هذا رجما بالغيب؛ فمخرجه هو رجل الأعمال اليهودي الصهيوني " سام باسيل " وداعموه يهود صهاينة وغايتهم دعم الكيان اليهودي الصهيوني كما قال " باسيل " نفسه في تصريحات نقلتها عنه وكالة " قدس برس ".. ثم الأسلوب الهابط الذي تشكل فيه الفيلم هو أيضا من بنات أفكار وخيالات اليهود الصهاينة.. ولا غرابة، فاليهود قتلوا أنبياءهم – أنبياءهم هم - ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) واليهود حرفوا دينهم ووسخوا عقيدتهم – دينهم وعقيدتهم هم - ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) واليهود حاولوا قتل النبي عيسى عليه السلام لولا أن ألقى الله تعالى شبهه على يهودي منهم فقتلوه بدله ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم )، بل وصلت قباحتهم ووقاحتهم أن يطعنوا في رب العزة ذاته جل قدره وعلا شأنه وأن يقولوا ( يد الله مغلولة )، ويقولوا ( إن الله فقير ونحن أغنياء ) ولولا أن الموضع لا يحتمل الاستفاضة في نقل الشواهد والنصوص من توراتهم وتلمودهم لأفضت وأفضيت وأوفيت.. وبالنسبة لنا فليس هذا أول اعتداءاتهم على ديننا ونبينا فهم الذين رسموا مرات - لا مرة – رسول الله صلى الله عليه وسلم في رسومات وعلى أشكال مسيئة - وحاشاه منزها – وإمعانا في رجس قلوبهم جعلوها على حيطان المساجد وعلى قمصان شبابية وباعوها في أسواقهم، وهم الذين حرقوا المسجد الأقصى مرة وحاولوا نسفه وقصفه مرات، وهم الذين حرقوا مئات المساجد وحولوا مئات أخرى لمقاه وبيوت دعارة وحانات رقص وأسواق لمهرجانات الخمر منذ احتلوا فلسطين، حدث ذلك في مسجد مدينة بئر السبع " قبل أسبوعين فقط "، ووضعوا ذات مرة رأس خنزير في محراب مسجد يافا بفلسطين، أما عن منع المصلين من المساجد وعن الاستيلاء عليها وتجييرها لديانتهم فهو مما تطير به الركبان – كما يقال - وإذن فلا عجب ولا غرابة أن يضيفوا صفحة قذارة إلى ملف قذاراتهم وسوء أخلاقهم!! ولكن ؛ يخطئ من يظن أن هذا الفيلم هو مجرد اعتداء أو سلوك يهودي صهيوني فردي ؛ فمخرجه هو الذي صرح أنه يريد به مساعدة الكيان الصهيوني.. أما كيف؟ فبإثارة المنطقة وتهيئتها لعمل عسكري قد يكون ضد إيران هذه المرة ويرى الكيان الصهيوني أنه صار ضروريا، وبإيقاع الصدام بين أمريكا وثورات الربيع العربي وباستفزاز المجتمع الغربي ضد المسلمين من أجل إعادة تصفيف العلاقة بين الكيان والغرب على أساس التعاطف مع الرواية الصهيونية للتاريخ والهلوكوست.. وهذا لا أقوله من منطلق " فكرة المؤامرة " ولكن استشفافا من متابعة ما تكتبه الصحف الصهيونية وما تتناوله الافتتاحيات وكتاب المقالات الرئيسية فيها فهم يتخوفون إستراتيجيا من البرنامج النووي الإيراني الذي تتلكأ أمريكا والغرب في مواجهته، ومن ثورات الربيع العربي الذي يبدي الغرب تعاطفا ولو مجاملتيا واحتوائيا معها، ومن انقلاب الصورة الصهيونية في الغرب من القبول والتعاطف إلى الرفض والإدانة وهو ما أبرزته استطلاعات الرأي وقوافل كسر الحصار على غزة وما أكده المتضامنون الأجانب مع الفلسطينيين في مدن وقرى الضفة.. وبنظرة ماسحة وسريعة على ما جرى حتى الآن من ردات فعلنا على الفيلم وما كان يمكن أن يتمخض عن هذه الاحتجاجات العنفية ضد السفارات الغربية وبالأخص الأمريكية يمكن القول : إن الغايات الصهيونية لهذا الفيلم قد تحقق معظمها.. وبالقطع هم كانوا يتوقعونها وهم يعلمون أننا قوم عاطفيون وقد رأوا من قبل كيف كانت ردودنا على الرسومات الدانماركية والفرنسية المسيئة وأغلب الظن أنهم بنوا فكرتهم على هذا الأساس.. كان الأجدر والأجدى ألا تذهب ردات فعلنا إلى الانزلاق فيما يهدف إليه العدو من فوضى وصدام مع العالم الغربي؛ أولا: لأن المعتدي ظل سالما وفي الظل فيما غيره من أصيب بنا وبردات فعلنا ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا ) المائدة 8، ثانيا : لأن تعميم العقوبة يحمي الفاعل المجرم ؛ والأصل في المعاقبة أن تخص وأن تفرّد على المعتدي فذلك يقطع شره ويلجم خطره ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ) – البقرة 190 ، ثالثا : لأن ميزان المصالح والمضار يقتضي أن نوحد جهة ردنا لا أن نتشتت فيما نجمع الخصوم عليه ضدنا ويتفرق الدم.. ولست أنكر أن يكون للأمة دور وردة فعل، ولكني أزعم أن بعض الغوغائيين استطاعوا أن يصرفوا الردود الشعبية إلى الغوغائية التي لا تنضبط بميزان المصالح والمفاسد وربما تأخذها العاطفة إلى مغامراتٍ؛ الأمة في غنى عنها.. وهو ما حدث بالفعل، فقد تحدثت صحف محترمة ونقل شهود موثوقون وتحدث علماء مصدقون بأن بعض من " هاجوا وماجوا " أمام السفارات كانوا من فلول النظم الساقطة وممن لم ير أحدهم في صلاة ولم يتردد على مسجد.. ( صحيفة " أخبار اليوم " اليمنية قالت : "إن قوات الأمن التي تحيط بمقر السفارة – الأمريكية - في صنعاء سمحت للمتظاهرين بتجاوز الحاجز الأمني والدخول إلى المنطقة المحيطة بالسفارة، ونسبت إلى عدد من المتظاهرين قولهم إن الجنود الذين يحرسون السفارة قالوا لهم ' ادخلوها بسلام آمنين " ). آخر القول : لا أقول إن هياج الشعوب على الإساءات بحق ديننا مدان أو هو مؤامرة.. على العكس من ذلك فهو في الأعم الأغلب انفعال طبيعي وغضب مشكور ودليل على عظم ما يمور في القلوب الصادقة من ولاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولكن ذلك ليس هو الرد النموذجي ولا هو الأحسن.. فالذي لا بد منه والذي لا بديل عنه هو أن يكون التحرك رسميا وشعبيا ومؤسستيا وإعلاميا وحقوقيا وعربيا وإسلاميا وعلى كل المستويات.. ولكن دون أن يحقق الصهاينة غايتهم بغوغائياتنا.. أما أمريكا والغرب فهذا درس يجب أن يفهموه وأن يروا إلى أي حد يصل مكر اليهود بهم قبل أن يكون بنا.
524
| 20 سبتمبر 2011
البعض يبالغون في التعويل على ذهاب الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة في الحادي والعشرين من سبتمبر الجاري للحصول على الاعتراف بدولتهم.. وآخرون يزهدون في ذلك ويعتبرونه قفزة في الهواء لا يحمل أي قيمة عملية أو جدية.. بعض آخر يرفضون الفكرة من أساسها إما لأنهم يعتقدون أن الأمر من أصله مؤامرة على حق العودة ومحاولة للالتفاف على الرأي العام بترويج عناوين مختلفة في فترة تشهد ركودا دبلوماسيا في وقت تمتلئ فيه الساحة العربية والإقليمية بالتغيرات والثورات أو لأنهم يتشككون في السيد عباس ابتداء ولا يحسنون الظن في خياراته وهذا – في نظري - أقرب إلى الشخصنة وفكرة المؤامرة منه للموضوعية والواقعية.. لكن فريقا آخر يرون الذهاب للأمم المتحدة خطوة ضرورية وإن تمت بشكل صحيح فستكون رافعة للعمل السياسي الفلسطيني ببعد إستراتيجي دون المخاطرة في شيء.. وأقول: سواء أحسنا الظن أو أسأناه في دوافع وفي جدية هذه الخطوة ؛ فلا يجوز أن يغيب عنا أنها تأتي كبديل عن المفاوضات وعن عملية التسوية الفاشلة التي تعطلت منذ ثماني عشرة سنة في المرحلة الأولى الانتقالية منها ولا ينبغي أن يغيب عنا أن فيها تغييرا للمرجعية التي ظلت حصرية في أمريكا والرباعية التي لم تكن ولا يوما واحدا نزيهة تجاه القضية لا سياسيا ولا أخلاقيا.. ذلك ينبغي أن يسترعي انتباه معارضي هذه الخطوة ليتنبهوا إلى التحول الإستراتيجي الذي جاءت ثمرة له وإلى إمكانات الاستثمار فيها لتحول آخر.. وإذا نظرنا لإمكانات السيد عباس وحدود وطبيعة الخيارات وهوامش المناورة التي يعمل في إطارها يمكن القطع بأن هذه الخطوة هي أفضل ما سيكون قام به أو يمكنه أن يقوم به حتى الآن.. وليس في هذا تهويل ولا هو من منطلق الإعجاب بالسلطة الفلسطينية وسلوكياتها السياسية أو الوطنية الآن ولا قبل الآن.. جدير مراعاة أن إقامة الدولة على حدود الـ67 وتحصيل الاعتراف الدولي بها لا يقع في منطقة الخلاف بين الفلسطينيين أو العرب - مفاوضهم أو مناورهم أو مقاومهم – وليس هو سبب المعارضة لعباس أو للسلطة.. وعليه فلا ينبغي اصطناع اختلاف عليه ولا تضييع وقت في التزهيد فيه والتثبيط عنه.. وماذا يضير أي فلسطيني أن تنتقل عملية التسوية إلى الأمم المتحدة وأن تحدد معالم الحل النهائي وأن يصير الاستيطان مجرما بالقانون ومرفوضا من المرجعية الأممية؟ المشكلة الحقيقية أراها في موضع آخر هو الذي يجب التنبه إليه وصرف الاهتمام له ؛ أراها في احتمال أن يتراجع السيد عباس عن المضي في هذه الخطوة وليس ذلك مستبعدا فقد حدث مثله مرات سابقة وثمة إشارات في خطابات المسؤولين الفلسطينيين تؤشر عليه، والتخوف أيضا أن يقبل السيد عباس بانتقاص الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو بتقييده بشروط تفرغ محتواه القانوني والشرعي ضمن اتفاق ثنائي أو ثلاثي مع الأوروبيين أو غيرهم.. وقد نشرت صحيفة "هآرتس" الصهيونية صباح يوم الاثنين الماضي تقريرا تضمن " صفقة أوروبية قدمت للفلسطينيين تدور حول عضوية غير كاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، واعتبار التصويت غير ملزم للدول، وأن تدمج السلطة الفلسطينية في نص القرار (والسلطة – كما هو معلوم - ليست أكثر من هيئة ورئيسها ليس أكثر من رئيس هيئة - تشيرمن وليس برزدنت - أي أنها ستصير جزءا لا يتجزأ من قرار الاعتراف وحدا ساقفا لطموحات الاستقلال) الصفقة طرحت أيضا: تجديد المفاوضات مع إسرائيل (دون أن تتعرض لضرورة معالجة أسباب تعطلها) وأن يدمج نص القرار المقدم للأمم المتحدة بين خطاب أوباما في مايو الماضي وقرار وزراء الخارجية الأوروبيين في العام 2009 (أي الاعتراف بيهودية دولة العدو).. وبمرور سريع على نقاط هذه الصفقات سنجد أن كل بند فيها قد صيغ بخبث وبطريقة إما تحتوي على قنبلة موقوتة لتفجيره عند اللزوم أو تتضمن تنازلا عن ثابت من الثوابت قد ينسف قيمة الاعتراف من أصله أو تسعى لهدف صهيوني بارز.. هذه كلها تخوفات فيما قبل الذهاب للأمم المتحدة الذي صار قاب قوسين أو أدنى وهي التي ينبغي الالتفات لها والاهتمام بها.. وثمة تخوفات أخرى مما سيكون بعد ذهاب السيد عباس إلى الأمم المتحدة.. فقد يظن أنه أتى بما لم يخترعه الأوائل ويعجبه النصر الذي لن يكون إلا شكليا ما لم يفعله دوليا وإقليميا ووطنيا وما لم يستثمره قانونيا وسياسيا وإعلاميا، وما لم يقف به على أبواب الشرعية الدولية مع كل تصعيد صهيوني أو تنكر أمريكي.. التخوف أيضا أن يقع في وجدان السيد عباس ومن حوله الخوف من ردة فعل العدو وأن يسقط في مستنقع الدفاع عن النفس والشعور بالذنب فيتورط في سياسة سحب الذرائع ويظن أن عليه امتصاص نقمة العدو بقبول إطلاق المفاوضات وفق الظروف والاشتراطات التي يحددها نتنياهو ويزيد من مساحة التعاون الأمني.. فتزيد شقة الخلاف الداخلي الفلسطيني.. السؤال المنطقي هنا: كيف يمكن تجاوز هذه المخاوف؟ وما المطلوب تحديدا تجاهها منذ الآن وقبل أن تقع الفأس في الرأس – كما يقولون -؟ وأقول: بجمع أهم التحليلات والاقتراحات في هذا الصدد يمكن الخلوص إلى أربعة اقتراحات مهمة هي ؛1- أن تكون صيغة المشروع الذي سيقدم لهيئة الأمم المتحدة واضحة أولا، ومتفقا عليها فلسطينيا ثانيا، وأن تتضمن الثوابت الفلسطينية ثالثا (وبالأخص قرارات الشرعية الدولية التي تؤكد حق العودة وحق تقرير المصير والقدس وإلغاء ونزع الاستيطان وتجريم ما يقوم به الاحتلال وحرية الأسرى والمختطفين وحق المقاومة بكل أشكالها) الحكمة المبتغاة هنا هي الاستفادة من الدعم الدولي والحشد الإعلامي لقرار الاعتراف في تثبيت الحقوق التي ظل العدو ينكرها ويبني قراراته وسياساته على أساس رفضها.. من الضروري هنا أن نتذكر أن من سيرفض القرار سيرفضه سواء اشتمل على هذه الثوابت أو خلا منها ومن سيقبله فسيقبله على نفس الميزان.. فليستفد الفلسطينيون من هذه الفرصة التي قد تتسنى لهم اليوم دون أي وقت آخر.. 2- أن تعمل القيادة الرسمية الفلسطينية على تحقيق أكبر مساحة ممكنة من التوافق الوطني بل الإجماع الوطني – إن أمكن – الإجماع على الخطوة ذاتها، وعلى الصيغة التي ستقدم بها، وعلى كيفية التصرف حيالها ثم بعدها مع احتمالي النجاح والفشل.. ومثل هذا التوافق هو الضمانة التي ستحمي من تخوفات كثيرة يحذر منها كثيرون ومما ستترتب على نجاح المسعى أو على فشله. 3- أن يكون الذي سيتقدم بهذه الخطوة للأمم المتحدة هو منظمة التحرير وليس السلطة باعتبار أن المنظمة هي الممثل الرسمي.. ذلك سيضمن أن لا تقع البلبلة في المرجعية الفلسطينية وأن لا يهمش أو يلغى دور فلسطينيي الشتات.. 4- ينبغي على السيد عباس ومن يتهيأون معه لهذه الخطوة أن يكونوا قد وضعوا تصورا شاملا وإستراتيجية متكاملة لها ولما يتوقع أن يكون بعدها حتى ينطلقوا في استثمارها فورا وحتى لا يتحول الأداء الرديء عقبها لجزء عرفي من ذاتها وحدودا قصوى لكيفية التعاطي معها فيصبح بالتالي استثمارها بشكل صحيح وجاد أمرا صعبا بل مستحيلا.. آخر القول: على الفلسطينيين أن لا ينخدعوا بأية أوهام جديدة يسوقها دينيس روس الأمريكي، ولا بأية وعود تقدمها مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون مهما بدت جدية، ولا بأية عروض وإغراءات مغلفة يقدمها آخر لحظة نتنياهو لصرفهم عن الذهاب للأمم المتحدة، وعلى معارضي الذهاب للأمم المتحدة أن يبتعدوا عن شخصنة الرفض وأن يعولوا على مستقبل التغييرات الجارية في المنطقة ودعم الموقف القانوني والإعلامي والدبلوماسي للسلطة من هذا التحول بهدف إعطائه القيمة العملية والحقيقية.
452
| 15 سبتمبر 2011
الموقف التركي من الصلف " الإسرائيلي " في قضية كسر الحصار على غزة والسفينة " مرمرة " وقبل ذلك من العدوان على غزة كلها مواقف عظيمة بكل المقاييس وهي الرد الطبيعي الذي يعبر عن فهم القيادة التركية لمفهوم الاستقلال ولمضامين الشخصية العثمانية وهو ما سيحسب رصيدا كبيرا لتركيا وللحزب " الإسلامي " الحاكم .. بالأخص إذا ما قورن هذا الموقف بموقف المجلس العسكري المصري من العدوان الصهيوني على سيناء وقتل وجرح الجنود والضباط الاثني عشر المصريين الذين انتهت قصتهم - للأسف – باثنتي عشرة كلمة من الأسف " الإسرائيلي " وببيان من المجلس العسكري المصري لا يلمح لأي تهديد ولا يرتفع عن لغة الإنشاء الديبلوماسي ، وبإقامة جدار عازل لحماية السفارة الصهيونية في القاهرة من الثوار الغاضبين .. ومن يدري ! فقد يتبع ذلك عمليات هدم الأنفاق بين غزة وسيناء في خطوة ستذكرنا بحسني مبارك وموقفه من تحميل الفلسطينيين مسؤولية أي تصعيد مع الاحتلال .. هذه المقارنة بين الموقفين التركي والمصري ربما لم تكن ذات وجاهة في زمن الساقط حسني مبارك ولكنها اليوم في ظل الثورة المصرية المجيدة تعني شيئا ؛ بل شيء كبير .. فالمفروض أن التلكك في الرد على العدو والركاكة والفهاهة في مخاطبته قد ولت مع ذلك القاسي على شعبه الذليل مع أعدائه .. ولكن يبدو أن المجلس العسكري – الذي هو جزء من النظام السابق – لا يزال ينطلق من ذات المرتكزات التي أهانت الشعب المصري منذ مساعي السلام بعد حرب أكتوبر رمضان 73 .. إن الرد الذي اكتفى به المجلس العسكري المصري على العدوان والاستخفاف الصهيوني بمصر وحدودها ودم جنودها بالتأكيد لا يعبر عن روح الثورة وهو رد ضعيف ومتملق على حادثة اعتبرت في " إسرائيل " كما في غيرها أحد أهم الاختبارات لحكومة عصام شرف وما إذا كانت حكومة ثورة وحكومة شباب وما إذا كانت تقرا بواقعية لغة الدم التي يزعق بها العدو ليل نهار ؛ أم أنها لا تزال متمترسة في مربع الذل والإلحاق والفهاهة السياسية والتنفس الاصناعي تحت السقوف المنخفضة والمجاملات المهينة .. وأقول : لا بد من تقرير جملة حقائق لا يجوز أن نختلف عليها ومن الخطأ والخطر تجاهلها ؛ 1- العدو الصهيوني لا يزال عدوا رغم كل الاتفاقيات والتطبيع وعشرات السنين من التبادل السياسي والأمني الذي كان النظام الساقط عرابها وقرن الشيطان فيها .. 2- عملية التسوية لم تغير من حقيقة العداوة مع الكيان الصهيوني شيئا .. بل على العكس فقد ساهمت في فضح حقيقة هذه العداوة .. هذا هو الواقع إلا إذا كان البعض يريد رؤية الأمور على غير حقيقتها ويريد التزييف والتغليف .. 3- العدو الصهيوني يمكن رده وردعه وهزيمته وعلى من يجادل في ذلك أن يحرك ذاكرته قليلا تجاه معادلة إيران التي واجهت العالم كله ببرنامجها النووي وتجاه تركيا التي طردت السفير الصهيوني ، بل تجاه منظمات كحزب الله في جنوب لبنان وحماس في جنوب فلسطين اللتين كسرتا الكثير من معادلات أمنه وردعه .. وإذا كان الكلام ينصب على موقف مصر – أو خوف مجلسها العسكري – فلنعد إلى عام 1973 حيث حرب رمضان أكتوبر .. 4- ثلاثة محظورات لا يجوز بأي حال أن يتضمنها أو يتأسس عليها الموقف المصري وخصوصا بعد الثورة المجيدة التي نجحت في قلع وخلع الخوف قبل أن تنجح في قلع وخلع الطاغوت المتأله على شعبه ؛ المحظور الأول : يحظر على النظام القائم أو القادم الاستمرار في تقبل وتجرع الاعتداءات الصهيونية دون أن يكون لذلك أثر على العلاقات التطبيعية بينهما .. المحظور الثاني : لا يجوز أن يعول النظام القائم أو القادم على قلة وعي الشعب المصري وشعوبنا عموما بمعاني السيادة الوطنية والدم الوطني وحقيقة العدو وضرورة مواجهته وبطلان التحجج بالضعف والعجز أمامه ، المحظور الثالث : لم يعد مقبولا من النظام القائم أو القادم أن يعود لسياسة الانكفاء على الداخل المصري وأن مصر أولا وثانيا وأخيرا ( التي اعتمدها السادات وحسني وجماعة كوبنهاجن ) ؛ فالثورة المصرية تنتمي للربيع العربي وعودة مصر للمشهد الإقليمي والقومي هي إحدى أهم مترتبات الثورة 5- إسرائيل تحسب لمصر ما بعد الثورة كل حساب وهي تخشى أن ينضج النظام السياسي المصري باتجاه مرتكزات هذه الثورة وطنيا وقوميا .. بما لا يسمح لها بممارسة " البلطجة " الإقليمية .. لكن ما تخشاه " إسرائيل " هو ذاته بالنسبة لنا وللشعب المصري موضوع الاختبار لأية حكومة ولأي مجلس عسكري يقود الحكومة أو تقوده الحكومة .. البعض ربما يعتبر مطالبة مصر بامتلاك القدرة العملية والفعالة على رد وردع العدو تهورا والمستحيل بعينه .. وهؤلاء في الحقيقة إنما يتكلمون من واقع الإحساس بالهزيمة ومرارة اليأس التي تليطت بها أدمغتهم وتنشأت عليها ثقافتهم .. وإنما يتكلمون بلغة ركيكة لا تناسب استقلال مصر واحترامها وتاريخها ومكانها ومكانتها وحجمها .. ونسألهم : أليس لمصر ما تحرص عليه وما تخاف عليه ؟ أليست مصر مستهدفة وبالأخص بعد الثورة وتداعياتها ؟ أليست مصر في عين العاصفة الصهيونية وعلى حدودها ؟ أليست دولة جنوب السودان الصليبية الصهيونية حقيقة ؟ أليس خطرها على مصر والسودان واقع ؟ وما معنى أن تصر هذه الدولة الخبيثة المعادية على فتح سفارتها في القدس وهو ما لم يجرؤ عليه أخص حلفاء العدو ؟ أليست تقيم على منابع النيل ؟ أليست تهدد مصادر مياه مصر وحياتها ؟ أليس يمكن أن تبالغ في تحدياتها وتعدياتها ؟ أليس يمكن أن تعزل مصر عن دول إفريقيا وعن عمقها الإفريقي ؟ أليس يمكن أن تصير سكينا في خاصرة مصر وخاصرة السودان لإضعافهما وتخويفهما وإبقائهما حوالي بيت الطاعة الصهيوني ؟ أليس هذا كله يربك القرار الاستراتيجي والسيادي لمصر والسودان ؟ فهل لدى الهزومين المأزومين الذين استخذوا للعدو ولا يفكرون بالنهوض بديل يجيب على كل هذه التحديات ؛ أم أن غاية إدراكهم تتوقف عند التفريط بمصر واستقلالها وأن تظل تجرجر الخضوع وتتجرع الخنوع وتستجدي السلامة ؟ ومتى وكيف سينتهي هذا الفصل البائس والحال اليائس ؟ ثم لماذا مصر التي هي قائدة العرب ورائدة الأمة يراد منها ذلك وتراود عليه ؟ ولماذا يتوجب عليها أن تفرط في نقاط القوة التي تمتلكها لحماية نفسها ومصالحها وتثبيت زوايا مربعها الاستراتيجي ؟ فإن شئنا أن نتكلم عن إمكانات مصر الاستراتيجية خارج الإرادة الصهيونية والغربية وخارج إطار الخجل والفهاهة .. فإن علينا أن نحترم وجود خبراء يعرفون من أين تؤكل الكتف ولديهم القدرة على صناعة استراتيجيات للعالم كله إن شاؤوا .. السؤال هو هل من إرادة سياسية لذلك أم أننا لا نزال في عهد مبارك بوجوه مختلفة ؟ أليست عدالة قضية مصر وقضية أمتها توفر لها الأساس الأخلاقي والقانوني لأية مواجهة محتملة مع العدو ؟ أليست تستطيع أن تحيي عمقيها العربي والإسلامي وتوظفهما في معركتها العادلة ؟ أليست تملك إمكانات بشرية واقتصادية وجغرافية هائلة ؟ ولماذا لا نتكلم عن إمكانية تطوير خطط استصلاح سيناء لتكون استطلاحا أكثر من زراعي إلى ديموغرافي وإسكاني وإلى حشدها بنخب شابة ذات طبيعة " مقاومة " يمكن أن تشكل سدا بشريا يؤمنها من جهة الكيان الغاشم ويعطيها فرصة التحرك نحو الجنوب لحسم كثير من العالقات هناك .. على غرار ما يفعل العدو عندما يقيم المستوطنات بأنواعها ( الأيديولوجية والأمنية والاقتصادية والعسكرية .. ) قرب الكثافات السكانية في المناطق التي يغلب على ظنه أنها ستكون ساحة نزال تاريخي مع أعدائه .. آخر القول : على مصر الثورة أن تردع الكيان الصهيوني .. وأن تحيي أسباب قوتها .. وأمامها نماذج نظم ونماذج منظمات .. فأمامها إيران إن شاءت سلوك مواجهة بطعم العداوة والتحدي ، وأمامها تركيا إن شاءت مواجهة إرادات ومكاسرات سياسية وديبلوماسية .. وأمامها أن تملأ سيناء بالأشداء من الرجال .. وفي لبنان وفلسطين خير مثال .. أما الذي لا يجوز بحال فهو أن تبقى في ردات الفعل وأن تقيم على الضيم وأن تتقبل الاعتداءات وتكتفي من الغنيمة بالإياب !!
400
| 08 سبتمبر 2011
سقوط القذافي رسالة لاخرين ينتظرهم نفس المصير البائس " اسمح لي فخامة الرئيس أن أخاطبك بلغة الأب لابنه فأنت في سن أبنائي وخبرتك في السياسة والإدارة بالنسبة لما تحصل لي من ذلك خلال ملوكيتي على ملوك إفريقيا وعمادتي للحكام العرب قليلة وإنما أخاطبك وأنصحك بوفائي لذكرى والدك.. لا بوصفي رئيسا فما عدت أملك أمر نفسي أو أستطيع الإفصاح عن مكان إقامتي من دهليز في مقبرة أو شق في الأرض أو كوة في ظل شجرة .. ليس هذا هو الأهم .. ولكن اسمعني فلربما لا تواتيني الفرصة مرة أخرى لأقول لك وقد لا تواتيك لتسمعني .. أرجو أن تفهم ما فهمته أنا بعد فوات الأوان .. أن الحاكم – أي حاكم - إذا قهر شعبه وأفاض في كبته وإرهابه وبالغ في احتقاره ستأتي عليه لحظة يتخلى فيها عنه.. وعند ذلك تنهار كل معادلات الاستقرار والاستمرار بين يديه حتى لو ظلت فئة مسطحة من الناس حواليه أو حاول أن يقيم بدلها معادلات استقرار تعتمد على الخارج أو حاول أن يوالي أعداءه وأن يسلمهم أسراره ، أو حاول أن يسكت الناس بالبطش أو بشراء ضمائرهم أو بصرفهم إلى الفساد والإلهاء كما فعلت أنا وكما تفعل أنت .. أما التغطي بالصيغ الإعلامية الرنانة والشعارات الثورية الطنانة والمبالغة في الأكاذيب فهذا كله يصير في لحظة واحدة نكتة للتهكم ومزيدا من التدهور الأخلاقي أكثر منه أداة إقناع لإثبات أي شيء .. لقد سمعت ذات مرة آية في القرآن تقول: ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر.. ) فسألت أحد المقربين ممن يعلمون مواضع الآيات ومعانيها فقال لي إنها خاصة برسول الله ، أما حكام هذا الزمان فلا يحتاجون لتأليف القلوب فمن لا يتألف قلبه بالطاعة عن حب ورضا يتألف بالخوف وبكسر ظهره وظهر أهله حتى الجد العاشر .. لكنني اليوم تأملتها فوجدت شيئا لم أفطن له من قبل .. وجدت كأن الله تعالى يقول لنا: من فقد الإقناع الأخلاقي فلن ينجح في كسب الناس حتى لو كان يتمتع بمميزات النبوة .. وأقول: فكيف بنا ونحن لا نتمتع بأخلاقيات المواطنة في حدودها الدنيا فضلا عن أن نتمتع بمميزات النبوة ؟! وكيف إذا كنا متهمين بالتقصير في تحرير بلادنا التي إما ترزح تحت الاحتلال العسكري المادي المباشر أو مرتهنة للهيمنة الأجنبية خوفا وطمعا ؟! وكيف إذا كانت غلظتنا وقسوتنا وفظاظتنا على شعوبنا جرائم حرب وكانت قتلا وسحلا للأبرياء واستقواء على البسطاء وتحريشا بين المذاهب ؟! وإذا كنا نمنع شعوبنا من ممارسة حقها الطبيعي والتلقائي في الأمن وحرية التعبير وحتى في الفضفضة ؟! واضح يا بني أنك تراهن على ثلاثة أمور كنت أنا أراهن عليها قبلك .. وأنت اليوم تتوهمها ستخدمك طول المدى وتظنها تبقيك إلى الأبد وإن فعلت ما فعلت أو قتلت من قتلت .. الأول : أنت ترتكن على سلمية الثورة وذلك يجعلك تتوهم نفسك قادرا على التصعيد والتخفيض بالقدر الذي تحتاجه وبما يضمن لك حلا سياسيا في نهاية المطاف يجنبك مصيرا كمصيري أو كمصير صاحبي حسني والزين .. الثاني: تظن أنك تملك من قوة الأمن والجيش ما تستطيع أن تحسم به أية ثورة داخلية وأن لديك جيشا وأجهزة أمنية أقيمت على ثقافة وولاء لشخصك وحزبك ما يجعلك تقوم بأية مغامرة .. الأمر الثالث : وتظن أن الغرب لن يتخلى عنك ولن ينقلب عليك إما لمعرفته بك أو لخوفه من بديلك .. وأقول لك : لقد غاب عنك أن سلمية الثورة ليست عن ضعف ولكنها من أعظم الحيل التي تجلب لها التعاطف العالمي وتجذرها في الوجدان العام بقدر ما تفضح قسوتك وتضعك في مرمى حقوق الإنسان والقانون الدولي، وإن كنت بنيت خطتك على سلميتها فمن يضمن لك أن تبقى كذلك تحت وقع مشاهد القتل للناس وإهانتهم واعتدائك على القبائل والأعراض والأموال بالأخص إذا أطمعهم الغرب في نصرة دون ثمن من قيمة الاستقلال ومن معاني الوطنية ؟ .. وغاب عنك أن قوة أجهزتك الأمنية والجيش إنما يقوم معظمها على خوف الناس منها لا على قوتها الذاتية.. فهل ظل من ذلك شيء؟ وإن بقي منه فهل هو ذات الخوف الذي كان في الأربعين سنة الماضية ؟ وهل هو يزيد أم ينقص ؟ أما في أمر الغرب والاستقرار فقد غاب عنك أن القوة الحقيقية التي بها كان أعداؤك يهابونك وكان أصدقاؤك يراهنون عليك هي قوة الأخلاق والاستقرار والتفاف شعبك حولك ومعك ولك.. هذه القوة هي التي تجعل أي جيش غاز مهما كانت قدرته القتالية والتسليحية والتنظيمية مستعدا لتقبل الهزيمة والانسحاب بقدر ما تجعل أي شعب مغزو ومهما كان ضعيفا مستعدا للتضحية والنصر وهي معادلة القوة الحقيقية التي تردع الغرب وغيره .. وهي التي لم يعد مؤكدا أنك تملكها بعد انطلاق الثورة في بلادك وفيضانها من المتكلم للساكت ومن المتحرك للساكن ومن المعارض للموالي وانتقالها من مدينة لمدينة ومن محافظة لمحافظة ومن غرب لشرق ومن جنوب لشمال.. لقد غاب عنك أن السياسة ليس فيها صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، وغاب عنك أن الدول الكبرى لا توزع رضاها وولاءها عاطفيا أو أخلاقيا وأنها لا ترى نفسها ملزمة بمكافأة أحد من رصيد مصالحها الإستراتيجية.. وإن كنت توهم نفسك أو يوهمك من حولك من المطبلين أن للغرب فيك وفي بقائك وفي نظامك مصلحة لحماية الحدود الشمالية لـ" إسرائيل " أو لضبط إيقاعات إيران أو لغير ذلك من المصالح فيجب أن تتذكر أن مصلحة الغرب فيك ليست أكبر ولا أهم من مصلحته فيّ ومن قبلي في حسني والزين اللذين كانا بين سحره ونحره ثم لما مال زمانهما بادر للتخلي عنهما! وعلى ذكر المطبلين فلا تتوهم أنهم معك في كل وقت أو أنهم سيضحون من أجلك بأنفسهم وبفلذات أكبادهم (واسألني أنا).. هؤلاء ما تبعوك إلا على المغنم والمطمع والنفاق.. وانظر لمن كانوا حولي وحول حسني والزين منهم كيف فروا أول الفارين وكيف كانوا الأطول ألسنا في ذمنا والأسرع في التبرؤ منا.. وعندما جد الجد قال لسان حالهم (ما على هذا اتبعناك) إنهم الغشاشون والمغشوشون .. وإنما يقدمون لنا اللسان الذي نريد حتى ينالوا به ما يريدون وهم لا يريدون إلا الارتزاق والقرب من الهيبة والسلطان .. وإن كنت تظن أن روسيا والصين ومن يصادقونك من نظم عالمية سوف يراهنون عليك إلى ما لا نهاية فيجب أن تتذكر أنهم تخلوا عني ومن قبلي تخلوا عن صدام.. وإن شئت فاسأل من حولك من هم أسن منك وأدرى بالسياسة لتعرف كم مرة تخلت روسيا والصين عن إيران وكم مرة تطابق خطابهما مع الإمبريالية والصهيونية.. أما إن كنت لا تحسب حساب الحصار الدولي والتدويل والعزل معتمدا على أن الأموال لا تزال بيدك وبيد جماعتك فاعلم أن الأمر قبل انفضاض شعبك عنك غيره بعد ذلك.. وصدقني ما هي إلا بقية وقت حتى تهرب رؤوس الأموال وأصحابها إلى الخارج وتذكر أن رؤوس الأموال جبانة وفرّارة .. أخيرا وقد يكون آخرا .. لقد أطلت عليك وربما لأني لم يعد لي ما أشتغل به وحدثتك بلهجة على قدر من التنظيم لم يعتدها الناس مني ربما لأنني لم يعد أحد يكتب لي.. لكنني أنصحك بما أعتقد أنه فاتني أن أستفيد أنا منه وهذا هو الأهم ، ولئن سألتني ما الذي أتمناه اليوم ؟ لأقولن لك: أتمنى لو لم أكن القذافي الذي بت أكرهه أكثر مما يكرهه أي أحد، ولتمنيت لو أنني أبعدت أبنائي وأحفادي عن هذا المعترك، ولقلت لك لو أنني استقبلت من أمري ما استدبرت لما كان كثير من الذي يدور ولغيرت الكثير مما جرت عليه الأمور .. تحياتي وأمنياتي وإخلاصي.. ". آخر القول: قال لي صاحبي: لماذا تكتب على لسان القذافي؟ قلت: هي محاولة لتمرير رسالة إشفاق ونصح بلسان التجربة لنظام كنا نراه ذات يوم في معسكر المقاومة فأيدناه ودافعنا عنه وربما لا نزال نشفق على المصير البائس والمصير اليائس الذي ينتظره .. قال لي: وهل تظن أنه يثوب إلى رشده ويتوب إلى ربه أم سيظل يتخبط في شره ويتلبط في نفاق مرتزقته؟ فقلت له: (معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون) ..
426
| 25 أغسطس 2011
لا يصح لقادة الرأي أن يكون لسان حالهم "معاهم معاهم عليهم عليهم" لا أحد يعتب على النظام الليبي الذي يقتل شعبه فلم يكن المتوقع منه أحسن من هذا وهو لم يخف يوما أنه نظام بين الجاهل والمغرور والمطوح في الخيال كما أنه بخصوص القضية الفلسطينية لم يزعم يوما أنه سيقاتل " إسرائيل " فضلا عن أن يقوم بذلك فعليا.. ولا أحد يعتب على النظام اليمني الذي لا يسمع شعبه ولا يأبه بتعطل البلد فهو أصلا لم يعش يوما أو يحدث نفسه أن يعيش في الحاضر وبالنسبة لفلسطين فبينه وبينها قفار وفيافي وآلاف الأميال فضلا عن عدم مصداقيته في شيء يقوله أبدا.. لكن الذي يؤسف له وكان يعول عليه هو النظام في سوريا لمكانه من فلسطين ومكانته من المقاومة والذي طالما ردد شعارات القومية والثورية والعروبية.. هذا النظام نعرفه ونعرف ما فعل في حماة وفي تدمر وفي لبنان وتل الزعتر ونعلم ما فعل مع الأكراد لكن.. كان الظن أن العهد الجديد سيكون مختلفا وأن بشار ينتمي لجيل الثورة المعرفية والتكنولوجية وأنه يقيم معادلاته على أساس التطوير والتغيير وعندما رأيناه يناصر الشعب الفلسطيني وقع في روعنا أنه لشعبه أكثر محبة ونصرة واحتراما وربما خطر لنا أنه سيعتذر يوما لحماة وقد رأينا بوادر تسامحه مع الإسلاميين.. هي مواقف لا شك مشكورة غير منكورة ولا مكفورة.. وازداد احترامنا له وارتفعت لدينا مكانته لما رأيناه مناقضا ومناكفا للمعسكر الصهيوعربي الذي كان مع العدو يهدم لبنان ويحاصر غزة ويتآمر على الثوابت ويجري في التطبيع والتعاون الاستخباري ويقاطع المقاومة.. لكن.. ما يؤسف له أن هذا النظام راح اليوم يكرر ما فعل هو ذاته في الثمانينيات بل يزيد عليه في دلالة على الرجعية الفكرية والسياسية والحزبية التي تذكرنا بقول من قال (ومن يشابه أبه فما ظلم) وهو اليوم يقتل شعبه في قسوة ولامبالاة غير مسبوقة وهو يكذب على العالم كذبا ساذجا سخيفا لتبرير ما يفعل، أما الأكثر عجبا فهو أن من الكتاب والمثقفين والعروبيين من لا يزال مخدوعا بدعاواه تلك ويبدي استعدادا لتصديق أية مقولة أو رواية يخترعها أو يروجها.. ذلك يلقي ظلال الشك على كل مواقفهم قبل وبعد الآن.. ولست أدري أية قومية أو وطنية أو ثورية تبقى لنظام لا يحترم دماء وكرامة شعبة وأهله وناسه وقديما قالوا (اللي ما فيه خير لأهله ما فيه خير لجيرانه) وأية قومية من دون الوطنية كأساس لها، وأية ثورية من دون احترام معاني الكرامة الإنسانية ورفض الظلم.. هذا كله لم يعد موضع ثقة ولم يعد تقبل فيه دعاوى النظام السوري.. لذلك أجد من الضروري أن أذكر بجملة حقائق أخاطب بها أولا الرأي العام، وثانيا من يوجهونه ويؤثرون فيه من كتاب ومفكرين لا يزالون يدافعون عن جرائم النظام ويظنون أنهم بذلك يفككون مؤامرة على سوريا والحقيقة أنها فقط في عقلهم وخيالهم.. وأقول: 1- إن ذات الأخلاق وذات الإسلام وذات القيم الوطنية التي فرضت مناصرة الشعب الفلسطيني هي ذاتها نفس الأخلاق ونفس الإسلام ونفس القيم التي تفرض اليوم الوقوف مع الشعب السوري والليبي واليمني وأي شعب ينكل به نظامه.. 2- إن إهانة أي شعب هي إهانة لكل الشعوب ولكل القيم والأخلاق المحترمة سواء كان المعتدي حاكما عربيا أم كان احتلالا خارجيا أجنبيا. 3- لا يجوز ولا يقبل من أي حاكم مهما علت رتبته أو دعواه في الوطنية والقومية وفي مواجهة الصهيونية أن يبني رصيدا من ذلك أو أن يستغل رصيده في ذلك لظلم شعبه وقهره ونهبه واتخاذ بلده مزرعة أو إقطاعية له ولورثته وخاصته وطائفته وشبيحته. 4- على كل شريف - مثقف وكاتب ومفكر وإعلامي وسياسي وإسلامي وغير إسلامي - أن يقف مدافعا عن دماء شعوبنا في وجه النظم المستبدة ليكون منسجما مع عقيدته ودينه وأخلاقه ووطنيته.. فكل شعوبنا سواء في عصمة الدم والكرامة والتمتع بالحرية والأمن.. 5- من يدافعون عن هذه النظم ومهما كانت الخلفية الثقافية أو الحزبية التي ينطلقون منها أو يريدون الوصول إليها إنما هم أحد اثنين ؛ إما لهم ارتباطات مشبوهة مع هذه النظم ويظنون أنها باقية ولا يلتفتون للانهيارات الكبيرة في الشرعية والردع التي تعاني منها، أو أنهم مغفلون لا يزالون تنطلي عليهم مقولات النظم التي يتبنون الدفاع عنها.. وفي الحالتين لا ينبغي الانخداع بكلماتهم وتعبيراتهم المركبة على لغة أخلاقية وصياغات تتقمص الوطنية والثورية.. أقول: نعم رأينا العدو الصهيوني يقتل الفلسطينيين ويقصفهم ولسنا نقلل من حجم ولا من خطورة ذلك.. لكننا – للأسف – رأينا في سوريا وليبيا تحديدا أفظع من ذلك.. رأينا قتلا لا كالقتل لا من حيث العدد ولا من حيث الطريقة والتشويه والإهانة ولا من حيث تواصل سفك الدماء! ورأينا شبيحة العدو (المستوطنين والمستعربين) يحرقون المساجد والمصاحف والمزارع إلى غير ذلك مما يعلمه كل أحد لكننا للأسف رأينا في سوريا وفي ليبيا شبيحة النظام وميليشياته وثواره يقومون وبشكل رسمي ومنهجي ومكشوف ومطرد بمهاجمة عموم الناس وبيوتهم ومتاجرهم وشوارعهم وسياراتهم ومساجدهم ومصاحفهم ومشاعرهم الدينية وأعراضهم وتواترت الروايات عن أنهم يبثون عبر مكبرات المساجد الأغاني بدل الأذان.. نعم رأينا مثقفي العدو الصهيوني يناقشون ويحاورون عبر الفضائيات وسمعنا تهجماتهم على محاوريهم وقذاراتهم وقلنا إنهم أساءوا الأدب مع الله أفلا يسيئونه مع الناس.. لكننا رأينا في الفضائيات السورية والليبية من يتهم المعارضة بالفاحشة والشذوذ وينزل في تعبيراته إلى مستوى السوقية القذرة دون مراعاة لمعايير الذوق الأولية.. ورأينا العدو يعتقل الفلسطينيين ويعذبهم جسميا ونفسيا ويحرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية والقانونية ويوجد اليوم في سجونه خمسة آلاف وخمسمائة معتقل وثمة مفقودون آخرون ومعتقلون من دون تهم محددة فيما يطلق عليه (الاعتقال الإداري).. لكننا لم نر كما في سوريا عشرات آلاف المعتقلين وعشرات آلاف المفقودين ولم نره يمنع المنظمات الخدمية والحقوقية والرقابية الدولية والمحلية والمحامين من الاطلاع عليهم ومقابلتهم ولم نره يقلع أظافر المعتقلين أو يقتلهم ويشوه أجسادهم أو يدوسهم بالدبابات.. وعلى ذكر الدبابات رأينا الأطفال الفلسطينيين يمتطون دبابات العدو ؛ في حين أن الدبابات السورية وهي الأقل كفاءة وجدناها تسرح وتمرح في ميادين حمص وحماة وشوارع درعا وأحياء دير الزور والقامشلي دون أن يكون أحد حولها سوى من يسمون بالشبيحة المسلحين بالمسدسات والعصي والمدى.. ومن المضحكات المبكيات أن شريط الأنباء في إحدى فضائيات النظام السوري يبكي جريحا فلسطينيا في غزة في الوقت الذي تتناقل الأنباء أن جيشهم المظفر يقصف مخيم الرملة الفلسطيني قرب اللاذقية ويقتل العشرات ويهجر الآلاف من سكانه!! المدافعون عن النظام يرددون وربما عن انخداع مقولتين يكررهما ويدور حولهما (كما يدور الحمار في الرحى) ؛ الأولى: أن المظاهرات مؤامرة خارجية وربما قال صهيونية، والثانية: أن في المتظاهرين مندسين ومسلحين لا بد من مواجهتهم أمنيا.. وأرى أن ألفت هؤلاء بشيء من التوعية والتثقيف.. وأسأل: إذا كان الأعداء الخارجيون - حسب نظرية المؤامرة - يستطيعون إخراج كل هذه المئات الألوف ليتعرضوا للقتل وليكرروا ذات التضحية كل يوم وكل أسبوع وفي كل مدينة وقرية وضيعة ؛ فأين التربية الوطنية، وأين التحصين المعنوي، وأين الوعي العام الذي يتربى عليه الناس منذ عشرات السنين؟ وإذا كان النظام عاجزا عن إقناع هؤلاء ومن وراءهم الملايين بنفسه وبوطنيته وأحقيته مع أنهم ولدوا وترعرعوا في ظله فأي نظام هو هذا النظام؟ وبخصوص المندسين والمسلحين أسأل: هل اعترف أحد من المعتبرين في المعارضة بأنه مارس أو دعا للمواجهة المسلحة؟ وهل رأى أحد أحدا منهم مسلحا داخل المظاهرات؟ أو هل استطاعت كاميرا الحكومة تصويره وهو يطلق النار على قوات الجيش وأنصار الجيش؟ أم أن أقصى ما قدمت لنا وسائل إعلام النظام أنها أتت ببعض النكرات من الناس ليقولوا ما يدعم الرواية الرسمية وعلى طريقة التسميع لطلاب الابتدائية؟ وأسأل أيضا: هل طريقة وحراك الجيش وشبيحته في مواجهة المظاهرات والمسيرات من حيث الشكل والجري في الشوارع هو حراك من يواجه سلاحا يتحرز عنه ويتدارأ منه ؛ أم – وكما رأيناهم - يتنقلون في أريحية وطمأنينة لا تناسب إلا الآمن المطمئن؟ أيضا: لماذا لا تقع تفجيرات أو اعتداءات على المسيرات المؤيدة للنظام التي هي الأولى بالاعتداء لو صح أن المعارضين مسلحون وغير سلميين؟ ثم لماذا لا تتحول ساحات وشوارع دمشق (لا قدر الله) إلى مثل الاثنتي عشرة مدينة في الست محافظات عراقية التي طاولتها انفجارات الاثنين الماضي وقتلت سبعين وجرحت مائة؟ وأخيرا: إذا كان التسلح هو خط المعارضة فلماذا لا تعترف به؟ ولماذا لا تعلن ذلك على الملأ وتطلب الدعوم على أساسه؟ فما قيمة عمليات مسلحة لا تندرج في برنامج سياسي ولا تستثمر فيه؟ اللهم إلا إذا كانت المعارضة معنية بأن تتهم بالتخريب والعبث!! وهذه في الحقيقة غاية وهو المعني بها!! آخر القول: لا يصح ولا يجوز لقادة الرأي والفكر من الكتاب والمثقفين أن يكون لسان حالهم (معاهم معاهم عليهم عليهم)، ولا أن يجمدوا على موقفهم الداعم للنظام السوري أو الليبي أو اليمني بعد الذي رأوه منهم، ولم يعد مقبولا أن يدعي أحدهم نصرة الشعب الفلسطيني بعد اليوم في حين لا يغار على كرامة ودماء وحرية شعبه أو أي شعب آخر.. فكل الشعوب في عصمة الدم والعرض والمال وفي الأمن والكرامة والحرية سواء بسواء..
550
| 18 أغسطس 2011
ليس على حماس أن تطاوع فتح في كل ما تريد من عناوين وتوقيتات ومقتضيات حوارات القاهرة بين فتح وحماس تمخضت حتى الآن عن تأجيل قضايا تشكيل الحكومة وإصلاح أجهزة الأمن ومرجعية وإصلاح المنظمة هذه القضايا الأساسية والأهم تم تأجيلها بعد ان لم يتم تحقيق اختراق فيها، أما القضايا التفصيلية والإجرائية فقد تم الاتفاق حولها أو حول وضع آليات لحسمها؛ كمسائل إصدار الجوازات والاعتقال السياسي والمؤسسات الأهلية التي تم إغلاقها بعد الانقسام وقضية حظر سفر قادة فتح والسلطة إلى غزة ومع ذلك فقد جاءت الصيغ اللغوية والإعلامية التي عبر بها المتحاورون عن اتفاقهم حولها إما معلقة على التنفيذ التدريجي أو تقبل الاستثناء أو لا يسهل تقييمها والبناء عليها.. السؤال: لم تم تأجيل القضايا التي هي الجوهر الإجمالي لمضمون المصالحة وهي المعيار الحقيقي لنجاحها ما دامت النيات طيبة؟ وما العبرة في الوقت الموعود لإعادة مناقشتها - بعد شهر أو أكثر أو أقل -؟ أم أنها غير قابلة للحل وعند ذلك فلماذا أعلن الاتفاق حولها قبل ثلاثة أشهر وتحديدا يوم 4 / 5 / 2011؟ وما الذي يضمن أن لا تؤجل هذه القضايا الأساسية والجوهرية مرة أخرى؟ وما قيمة كل التفاصيل وكل النقاشات وكل الاتفاقات التي تراوح الحوارات في مدارها؟ واضح أن حوارات القاهرة بما نجم عنها حتى الآن وبالنظر لما لا تزال تمارسه سلطة فتح في الضفة ضد أنصار حماس في مختلف المحافظات.. ذلك – من وجهة نظري – يعبر عن شيء واحد هو عدم وجود إرادة حقيقية ومخلصة لدى فتح لتحقيق المصالحة.. وأحدد فتح لأنها هي التي بيدها وبيد سلطتها معظم (أقول: معظم وليس كل) الملفات العالقة! وهي التي قررت الحضور بعد أن ألغت آخر لقاء كان مزمعا بين السيد مشعل ومحمود عباس يوم الثلاثاء 21 / 6 الماضي.. ذلك يجعل من المنطقي التساؤل عن سبب قبولها الحوار الآن! وعن سبب تقديمها بعض التنازلات - الهامشية والإجرائية - الآن؟ وأقول: إن منظمة فتح والسلطة تتحرك اليوم في إطار أربع أزمات تتخوف من أن تجعلها في مهب غضب العدو من ناحية وفي مواجهة غضب الشعب الفلسطيني وأن تستثمر حماس كل ذلك بالأخص إذا ترافق مع تبرمات وربما تمردات داخل فتح بناء على تلك الأزمات.. فتح تحاول معالجة هذه الأزمات الأربع بتنصيب قضية (إعلامية) تستقطب الاهتمام الفتحوي والشعبي وتلتف على الرأي العام وفي ذات الوقت لا تخرج عن رؤيتها وخياراتها وإمكاناتها.. وهنا بالضبط ووفق هذه الضرورة – الفتحوية بل العباسية الخالصة - تأتي الحوارات في القاهرة اليوم وتأتي التنازلات.. الأزمات الأربع هي: أزمة على مستوى داخل فتح ولجنتها المركزية فيما يتعلق بقضية طرد دحلان وفضحه ومحاكمته وطلبه عبر الإنتربول وما تبع ذلك أو سبقه من تراشقات إعلامية واصطفافات جغرافية ودحلان ليس نبت نفسه ولكنه من ورائه معادلات أمنية وتنظيمية، وله حلفاء وأنصار يمكن أن يتحركوا في لحظة ما تحسب حسابها قيادة فتح المتنفذة.. الأزمة الثانية: ملف المصالحة الذي لا تستطيع فتح التقدم فيه وفي الوقت نفسه لا تستطيع نفض يدها منه، ولقد صار في حكم المؤكد أن عباس إنما أقدم على المصالحة من قبيل رفع الحرج وعلى توقع أن ترفضها حماس وجريا مع طريقته في تقطيع الزمن وتصريف الإدارة من خلال الدخول في مغامرات سياسية تصير معالجتها مع الوقت والتفعيل ذات العمل السياسي والدبلوماسي ورصيدا كاريزميا له.. الأزمة الثالثة: توقف عملية التسوية بعد هجرها البندقية إلى الشموع وانتقالها من الخنادق إلى الفنادق ومنافستها على أكبر رغيف خبز.. توقف التسوية يعني فقدان المشروع السياسي وفقدان المسوغ المنطقي لاستمداد الشرعية الوطنية وفقدان أحقية امتلاك " قوة الإكراه " كأحد أهم مظاهر السلطة المميزة لها على بقية الفصائل والاتجاهات.. فتح تتخوف أن ما ستفقده من شرعية هنا سيذهب مباشرة إلى رصيد حماس.. الأزمة الرابعة: تتعلق بنية فتح والسلطة الذهاب إلى الأمم المتحدة في سبتمبر القادم وهي تخشى أن يكون منطلقا لانتفاضة ثالثة تكون هذه المرة عليها وعلى المحتل الذي باتت في خندقه أو في أسره – سيان.. فتح – لذلك- ترى مصلحتها في حوارات تكون أقرب إلى العلاقات العامة ترمم بها شرعيتها الوطنية من ناحية، وتناور بها على الرأي العام من ناحية ثانية، وتفتح بها أفقا للتفاهم مع حماس من ناحية ثالثة ولتسحبها من موقع أقصى الخلافات في حال انطلقت الانتفاضة الثالثة.. ليس المقصود هنا أن تمتنع حماس عن الحوار ولا أن تترك منظمة فتح تتخبط (وتتلبط) في أزماتها التي قد تتجاوزها لتعصف بأكثر من معادلة استقرار، ولا المقصود أن تستغل حماس الحالة وتقايض بها ملفات أخرى – وإن كان ذلك مفهوما في السياسة والعمل الدبلوماسي – لأن حماس دعوة ودين ومبدأ قبل أن تكون حزبا أو اتجاها أو منافسا.. ولكن المقصود أن لا تكون طوع قبول أو رفض فتح، وأن لا تتصرف تحت ضغط إثبات أو نفي شيء ما يتعلق بأخلاقها ووطنيتها وأنها حريصة على المصالحة والوحدة الوطنية، والمقصود أيضا أن تصرّف الحوار إلى مناقشة الأمور الجوهرية وحسمها حتى لو اتهمت بالقسوة في استثمار فرصها.. فهي في كل الأحوال لا تريد إلا مصلحة الشعب الفلسطيني وإلا المقاومة وإلا تعديل انحرافات الآخرين وتهتكاتهم وإلا إخراج المركب الفلسطيني من بحر العدو ومدى استبداده.. المصالحة يجب إنجازها عاجلا كونها أرضية أي برنامج عمل وطني وهنا تضيق هوامش الوقت على الجميع إذا كنا نتكلم عن احتمالات تفجر الأوضاع بعد شهر أو شهرين، فلا بد أن تتغير عناوين الحوارات وتزميناتها ولا بد من مغادرة مربع التفاصيل والتأجيل الذي تحاول فتح التقوقع والارتكاس فيه لاعتباراتها الخاصة وخضوعا للسقوف والخيارات المنخفضة التي ارتضتها، ولا بد من الانتقال عاجلا إلى التباحث حول الإستراتيجيات الكبيرة لتكوين جبهة مقاومة شاملة تجمع كل إمكانات فتح وحماس والفصائل في الجهتين ؛ تجمع سلمية فتح وعلاقاتها الرسمية وجمهورها وحلفاءها بعسكرية حماس وتسلحها وجمهورها وحلفائها وبعديها العربي والإسلامي.. كل ذلك يجب أن يسبق أحداثا متوقعة لا ترحم.. آخر القول: حركة فتح قبلت بالحوار أو باستئنافه ضمن حدود ومساحة خياراتها السياسية وظروفها وأزماتها.. ووفق نفس المعيار يمكن أن تعطله كما حدث مرات؛ وليس على حماس أن تطاوعها في كل ما تريد وبالقدر الذي تريد من عناوين وتوقيتات ومقتضيات..
493
| 11 أغسطس 2011
في نوفمبر من عام 1995 وإذ كان التلفزيون الصهيوني يبث على الهواء مباشرة مراسم تشييع جنازة الهالك رئيس وزراء العدو – رابين - الذي قتله إيغال عمير على خلفية توقيع اتفاقية التسوية ما اعتبر – صهيونيا – تنازلا محظورا.. وكان المشهد الإعلامي غاية في التأثير.. إذا بأحد الحاضرين تسبقه عبرته فيبكي.. التفت إليه الجميع مستنكرين عليه ذلك.. فتنبه معتذرا بأن المشهد إنساني من الدرجة الأولى فالموسيقى والمشية العسكرية والكلمات التي يؤبن بها والحضور بما فيه – للأسف - بعض العرب والحزن الذي جلل الوجوه.. كله مشهد درامي بليغ.. جعلت أخانا (البسيط الساذج) ينسى أن رابين رئيس وزراء العدو وهو أحد القادة الصهاينة الذين دخلوا القدس يوم احتلالها في ال67، وهو صاحب نظرية تكسير عظام الفلسطينيين في الانتفاضة الأولى، وصاحب مقولة " ليس عندنا مواعيد مقدسة " للتهرب من الالتزامات والاتفاقات.. ذات المشهد أراه اليوم من بعض البسطاء والسذج الذين أخذتهم الرأفة بحسني مبارك الرئيس المصري الساقط إذ يرونه يساق إلى المحكمة.. يتكرر المشهد ونرى البعض يبكيه وتأخذهم الشفقة والرأفة.. أحدهم يقول (أنهي رئيس دولة يتعمل فيه كده؟ أيه الحقد ده كله؟).. هؤلاء ربما لم تطلهم جرائمه وأغلب الظن أنهم لم يعيشوا هموم أمتهم ولم يتذوقوا مرارة قتل الوطن وإفساده وتوطئته للأعداء.. هؤلاء قطعوا لحظة الحساب عن كل ما قبلها.. رأوه يزاح عن الحكم ويزال عن الملك ثم يعتقل وأولاده وزوجته ويحقق معهم ثم هم يرونه اليوم يحاكم عبر الفضائيات ويرونه وقد تخلى عنه الأتباع والانتهازيون الذين كانوا يعدون بالملايين وكانوا ينافحون عنه ليل نهار.. ولسان حال كل منهم اليوم "تبعد عن راسي وتطب ".. إلى هؤلاء الذين قد تأخذهم رأفة في حسني وأبنائه وأهله وحاله.. أقول: أولا: بقدر ما الرأفة والرحمة والإشفاق هي عواطف إسلامية دالة على إنسانية وقوة عالية لدى من يحس بها.. هي ذاتها قد تكون نقصا وعيبا ودلالة على الضعف إذا تعارضت مع مقتضى الإيمان ومع مقتضى الوطنية كما هو الحال في قضية المشفقين على حسني وذاك الذي بكى على رابين المجرم.. هذا الإحساس السلبي (الإشفاق في غير محله) نهى الله تعالى عنه في حق الزاني إذا ثبت عليه الجرم وجيء به للعقوبة فقال تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) –النور 2 – لنلحظ عبارة (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر..) ولنر كيف أن الرأفة بالزاني مرفوضة وأن عدمها هو الدليل على الإيمان! فإذا كانت جريمة الزاني على قبحها وبشاعتها ولكنها زلة قد يقع فيها صحابي وأحسن الناس وقد وقع فيها ماعز والغامدية الصحابيان.. فكيف بجرائم الخيانة ونهب الأموال وتوطئة مصر كلها والأمة كلها للعدو ومصالحه ومقتضيات أمنه كما فعل حسني هذا؟ على ذلك فالرأفة هنا هي دلالة ضعف شعور بالوطنية بالانتماء للأمة وقلة إحساس بقيمة الاستقلال لا يجوز أن يتسلل إلى قلب بريء.. ثانيا: هؤلاء الطيبون الضعفاء نذكرهم بأن حسني لم يكن مجرد حاكم طاغية ولكنه كان حاميا وجزءا من برنامج صهيوني كبير.. كان فاعلا فيه إلى درجة أن يقول عنه الإرهابي إيهود أولمرت رئيس وزراء العدو الصهيوني الأسبق الذي حرق غزة قبل سنتين في مقابلة له مع صحيفة جيروزاليم بوست: عندما أفكر فيما يمكن أن تكون عليه الأمور لو أننا نتعامل مع أشخاص غير مبارك أصلي يوميا من أجل سعادته وصحته.. أليس هذا هو عين الرضا؟ فإن كان فعلام رضي عنه اليهود؟ أليس هنا يجدر التذكير بقوله تعالى (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) فأين حسني هذا من ملتهم؟ لقد تحسرت عليه " إسرائيل " واعتبرت دعوة الرئيس الأمريكى له بضرورة " رحيله سريعاً " بأنها كانت " خيانة " للدولة اليهودية التي عمل مبارك جاهداً للحفاظ على أمنها.. وهل يجوز أن ننسى أنه لم يكن يأبه لغضب كل المصريين من ممارسات إسرائيل في المنطقة؟ أو ننسى أنه أقام علاقات تعاون استراتيجي مفتوح مع كل حكوماتها المتوالية وسهل لها إقامة علاقات ومصالح مع الكثير من الدول العربية؟ وأنه سمح للصهاينة بالدخول إلى أي مكان في مصر والاستمتاع بالسياحة فيها، أو ننسى أنه كان يحتقر من ينفذ عمليات مقاومة ضدهم ويصف هذه العمليات بـ"الإرهابية"؟ أو ننسى أن ثلاثمائة مريض فلسطيني قضوا وماتوا تحت حصاره دون أن يرف له جفن في قسوة لا تناسب إلا قلوب الذين قال الله تعالى فيهم (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة..) هؤلاء الطيبون الضعفاء نذكرهم أيضا بأن حسني جاهد مستميتا لتخليص الإرهابي الأسير لدى حماس – شاليط – بما لم يفعله ولم يجتهد فيه رؤساؤه وحكوماته.. لهذا فمحاكمته ليست محاكمة شخص بقدر ما هي محاكمة مرحلة سوداء في التاريخ المصري ومحاكمة برنامج خيانة متجسدا في رجل اخترق موقع رئاسة الجمهورية الأكبر.. ثالثا: لقد حوكم صدام حسين وأعدم على الملأ وبصرف النظر عن ماضيه " الظلامي " لكن الكثيرين ممن يأخذون عليه ذلك الماضي يتفقون على أنه في الفترة الأخيرة من حكمه كان معارضا عنيدا في مواجهة البرنامج الأمريكي للمنطقة ولا يختلفون على أنه حوكم وأعدم ليس لأنه غزا الكويت ولا لأنه قتل الأكراد أو الشيعة أو لأنه حارب الإيرانيين، ولا لأنه ظلم العراقيين.. ولكن لأنه واجه الغرب بما يكره، ولأنه تجرأ على قصف " إسرائيل " بصواريخ سكود.. لقد حوكم صدام ثم أعدم في يوم العيد ولم يمهلوه ليتم النطق بالشهادتين.. في موقف غاية في الكيد والنكاية وفي محاولة لهزيمة شعور ووعي كل من رفضوا الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق ودون مراعاة لمشاعر الجماهير العريضة المتعاطفة معه والتي تملأ وطننا في الجهات الأربع.. ذلك دليل على أن المعركة صارمة وأنها في غاية الجدية.. وها قد جاءت الفرصة ليرد الشعب المصري وبالنيابة عنا جميعا الصاع صاعين لأولئك الأشرار الذين ينتسب لهم ولمعسكرهم ولكيدهم حسني الأثيم.. محاكمة يجب أن تكون بحق " محاكمة العصر " وعلى كل الذين لهم رأي أو قرار في إخراج هذه المحاكمة شكلا ومضمونا أن يتعاملوا معها بهذا المستوى وأن يتذكروا أن أمتنا في طور استعادة وصياغة تاريخها وذاتها وهويتها وأنها محتاجة في هذا الصدد لانتصارات من هذا النوع في هذا الزمن الذي يمور بالثورات الشعبية.. رابعا: إن محاكمة حسني وإن تشابهت شكلا بمحاكمة صدام فلن تكون مثلها وشتان بين الرئيس صدام الذي طلب المجد بمواجهة أكثر من ثلاثين دولة استعمارية على رأسها أمريكا وبريطانيا ثم حاكمه أعداء شعبه وكان يؤخذ ويعاد بضبط أمريكي فكانت محاكمته من أولها إلى آخرها جزءا من الغزو والاحتلال وأصبح في نظر عامة الأمة باتجاهاتها وأعراقها ومذاهبها مجاهدا مناضلا وبطلا تاريخيا ثم أعدم وهو في قمة ألقه واعتداده بذاته وقيمه ليصير بعد إعدامه شهيدا.. وبين هذا الحسني الذي يحاكمه شعبه وثورته الوطنية، ويقاد لها ذليلا خاسئا متمارضا متماوتا لا يبكيه إلا العدو وقلة من المنتفعين أو السذج المسطحين!! وأقول: ما يجري لهذا الطاغية الأثيم هو سنة من سنن الله تعالى في الظالمين والفاسقين والمجرمين وهو جزاء عدل لشخص أفسد في الأرض وحال بين الناس وبين دينهم ووطنيتهم وأخلاقهم، لكل ذلك فإن الواجب يقتضي من كل مؤمن ومن كل وطني أن يفرح به لا أن يحزن أو تأخذه الشفقة في غير محلها، وعلى كل المصريين والمجاهدين والوطنيين أن يروا في محاكمته ثأرهم ونصرهم وأن تشفى به صدورهم..
471
| 04 أغسطس 2011
النظم المستبدة التي ثارت شعوبها عليها لا يدافع عنها إلا الانتهازيون النظم المستبدة التي ثارت شعوبها عليها لا يدافع عنها إلا الانتهازيون الذين ينسبون في الأصل لها وينتفعون منها وكثير منهم لا يملكون بدونها حسبا ولا نسبا ولا عدلا ولا صرفا .. فلا غرابة في ذلك ولا عجبا فهم الأنظمة وهي هم .. لكن العجب أن ينبري للدفاع عن هذه النظم علماء دين وفقهاء شريعة ومن يفترض أنهم أئمة الهدى المؤتمنون على عقيدة الأمة وسلوكاتها ! والعجب بل العيب أن يحبسهم البؤس الفكري والأخلاقي عما بلغه الناس من وطنية وتضحية في سبيل الإصلاح والتغيير ! والعجب بل العيب أن تسبقهم في المروءة ومواجهة المخاطر النساء والصبيان ! والعجب بل العيب أن يقعدوا مع الخوالف ممن ( طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ) ؟! فهم حينئذ إنما يصدقون على الإسلام مقولة الملحدين الذين طالما حاولوا ترويج أن "الدين أفيون الشعوب " .. وهنا بالضبط يجدر الرد عليهم ويصير تفنيد آرائهم وبيان تهرئهم الفكري والنفسي واجبا دينيا حتى لا يظن البسطاء ذوو النيات الطيبة من دهماء الناس أنهم علماء وأنهم يتكلمون باسم الدين لا باسم ضعفهم وبؤسهم ومنافعهم ومناصبهم وحساباتهم الصغيرة .. وبما أن لكل نظام مطبليه ومروجي باطله من هؤلاء ولم نقصد تجريحهم ابتداء فلا أجد وجها لتخصيص أحد منهم بعينه .. " واحد منهم " وفي ندوة جمعته على منصة واحدة مع أنصار الحزب اللاديني الحاكم المستبد الذي يحكم بلده ويذيق أهله ومواطنيه القتل والتشريد والإرهاب ألوانا وأشكالا .. قسّم الثوار – كما يفعل نظامه - إلى " ملقن من بعيد " ومنفذ تابع مغرر به في الداخل ، ثم قال مخاطبا الذي في الداخل : طالبتم قي البداية بالإصلاح ووعدتم به ، ثم طالبتم بالحرية ووعدتم بها ؛ فما بالكم تطالبون بإسقاط النظام ؟ وإلى أين يذهب بكم أولئك ؟ وأضاف : تخرج فئة صالحة في مظاهرة " محقة " ثم يدخل بينهم من يغير الشعارات ويستولي على مظاهرتهم فيتحول النزول للشارع من حق إلى باطل وإلى ذريعة فساد وباب للضرر .. ويصبح حينئذ هذا النزول حراما .. وحاول أن يعطي رأيه قيمة دينية فساق مجموعة من الأحاديث النبوية المطهرة الواردة في الفتن أو المانعة من الخروج على أئمة الهدى ومن صحت البيعة العامة لهم .. فأخرجها عن سياقها واستدل بها في غير دلالتها .. وذكر حديث " وعليك بخاصة نفسك " وحديث " وليسعك بيتك " وحديث " دع كل تلك الفتن " وحديث " من خرج على أمتي لا يفرق بين برها وفاجرها فليس مني ولا أنا منه " وأردف بقوله مستنتجا ومخاطبا الثائرين : " فإن أردتم أن تقطعوا الصلة بالله ورسوله فأعلنوها حتى نعرفكم " في إشارة صريحة إلى أن التظاهر ضد الحاكم الذي هو يدافع عنه يعتبر من قطع الصلة مع الله ورسوله ، وأن حق ذلك الحاكم في الطاعة والبر مستمد من حق الله تعالى وحق رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك .. وأقول : إن أعسر المحاججات ما يُحتاج فيه لتوضيح الواضح والتدليل على الدليل ذاته ، ومناقشة من وطن نفسه على التملص والعناد، وقديما قالوا ( وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل ) .. وحتى لا أغرق القارئ في تفاصيل الخلاف الفقهي حول مسألة الخروج على الإمام أقول ملخصا إن مسألتنا " موضع الخلاف " لا تتعلق بإمام انعقدت له بيعة صحيحة ، ولا حتى بإمام تغلب على الأمة وهو يحكم فيها شرع الله ويتصف بالعدل ويقوم بحراسة الدين ، ولا تتعلق بخروج دموي وفتنة تختلف فيها المعطيات والمخرجات .. ولكنها قضية أمة تطالب بحقها في أن تقيم لنفسها حاكما صالحا يكون منها ولها ، حاكم يقيم فيها شرع الله والعدل الذي تفتقده بدل الفساد والظلم والرشاوى والوساطات ووعود الإصلاح التي لا تساوي الكلمات الإنشائية التي يقدمها وعودا فارغة من أي مضمون واقعي ولا تعبر إلا عن تملص وحربائية .. وهي قضية أمة تطالب بحاكم يحترم إنسانيتها وحقها في الاعتراض عليه وتصويبه وترده إلى الحق عند اللزوم دون أن يسير عليها الدبابات ومن يسمون ب" الشبيحة " أو " البلطجية " ودون أن يذبح أبناءها وشبابها وحتى نساءها في الشوارع وأمام أهاليهم وعوائلهم كما النعاج والدجاج .. وهي قضية أمة تريد أن تتحرر من قبضة أمنية إرهابية أفسدت الذمم وقتلت النخوة وسلمت البلاد واستذلت العباد !! فهل يصح حينئذ أن تساق الأدلة الشرعية لتحصين نظام هذا حاله ؟ وهل يصح أن يقال للمتظاهرين حينئذ " إن أردتم أن تقطعوا الصلة بالله ورسوله فاقطعوها مع هذا النظام ؟ ألم يخرج معاوية بن أبي سفيان ومعه نصف الصحابة الكرام على علي المبشر بالجنة - رضي الله عنهما - ؟ ألم يخرج الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني أمية وهم يحكمون بالإسلام ؟ ألم يخرج كبار التابعين الذين نابذوا الحجاج بالسيف كالحسن وسعيد بن جبير والشعبي والقرَاء الأربعة آلاف وهم خيار التابعين وفقهاؤهم والذين قاتلوه مع ابن الأشعث بالأهواز ثم بالبصرة ثم بدير الجماجم من ناحية الفرات وهم خالعون بيعة عبد الملك بن مروان الذي غاية الطعن فيه وفي الحجاج أن يتهما بالجور لا بالكفر ؛ فهل كل هؤلاء مقطوعو الصلة بالله كما يقول هذا " العالم " ؟ الحقيقة أن ما يقوم به الناس في تلك البلاد إنما هو تظاهر وتعاون على إبلاغ النظام رسالة الإصلاح بالقوة الشعبية والسلمية والحقيقة أنهم يضحون في سبيل ذلك بالكثير والقليل .. فهل إذا قام النظام بإدمائهم وقتلهم يصير فعلهم هذا وتظاهرهم على النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حراما ؟ إذن فقد عرف النظام كيف يقلب الحلال بل الواجب إلى حرام في كل مرة وعرف كيف يتلاعب بالأحكام نزولا وصعودا من الواجب إلى الحرام ومن الحرام إلى الواجب .. وما المانع أن يطالب الناس بتغيير نظام لا يتغير من ذاته وتعجز الوسائل " الدستورية " عن تغييره ؛ ومن يفترض أنهم يمثلون الدين والشعب ويعول عليهم رده وردعه هم أكابر المجرمين وهم الذين اختارهم النظام على عينه وصنعهم على يده ؟ ولماذا يريدون الأمة لا كما أرادها الله تعالى ( خير أمة أخرجت للناس ) ؟ ولماذا يريدون الخشية من الناس أعظم من الخشية من الله ؟ ولماذا يصير القول للظالم " ياظالم " مكرمة ويصير السكوت على المعروف الذي صار منكرا وعلى المنكر المجاهر به والذي صار معروفا مفخرة ؟ والحقيقة - أيضا - أن أقصى ما يمكن أن يحتج به هذا " العالم " القاعد الطاعم الكاسي وأمثاله من أدعياء العلم ودعاة الحزب اللاديني لتبرير عدم قيامه بواجب البيان ومؤازرة الثورات هو أن يتعلل بالعجز والترخص .. وهنا يقال له : فرق ما بين أن تعتبر تخلفك رخصة وتقدم الاعتذار وتطلب الإعذار وأن تسكت لكن بعض الشر أهون من بعض .. وفرق بين أن تسكت - ومن مثلك لا يقبل السكوت - وأن تتهم المجاهدين الثائرين المضحين بأنفسهم وأبنائهم وأموالهم بما يقارب الكفر .. وحتى التعلل بالرخصة في السكوت لا نسلم لك به ، فما كان يقبل من ترخص بذلك في البداية حيث الناس يخافون الخروج ويتوقعون الأسوأ وحيث يغلب على ظن المصلحين أنهم قلة معزولة وأنهم ينادون في واد وينفخون في رماد ؛ لا يصلح رخصة بعد أن اشتدت الثورة وحققت بعض مطالبها ودخلت مرحلة اللاعودة واهتز النظام وكاد يسلم بكل مطالبها .. ولا يصلح رخصة بعد أن خرجت الجماهير وصار التخلف عنها جبنا ولا وطنية ولا أخلاقية ولا يناسب شكل الإسلام ولا مضمونه ، وما يصلح رخصة للعوام والدهماء والضعفاء والجهلة لا يصح ولا يصلح رخصة للدعاة والعلماء والقدوات ؛ وإلا فمن يقوم بأمر الدين وبيانه ومن يحفظ الحق ومن يحمي هيبة الدين ؟ وقد شنع الله تعالى على من فعل مثل ذلك من أحبار أهل الكتاب فقال : (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيِّنُّنه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلاً فبئس ما يشترون) آل عمران:187 آخر القول : مشكلة بعض ال " علماء " ( وأقول البعض فقط ) الذين يدافعون عن النظم الجائرة أنهم اختلطوا من جهة سوء الفهم وأن مصادر فهمهم للواقع الذي يوصفونه ويسقطون الأدلة عليه غير موثوقة وغير مستقلة ، ومعظمها إشاعات ومقولات تروجها الأنظمة ثم ينتهي حالهم إلى عدم التوصل إلى ربط صحيح محكم بين الدليل والواقعة المحكوم فيها " ويتبعون من حيث يدرون أو لا يدرون غير سبيل المؤمنين فيضربون بسيف الباطل كأهله ويعترضون طريق الإصلاح كأعدائه وتلتقي فتاواهم بمقولات الملحدين ولا حول ولا قوة إلا بالله ..
1638
| 28 يوليو 2011
أوهام السلام لم تعد موضع مراهنة أحد والانتفاضة الثالثة قادمة بالعودة إلى الانتفاضتين الفلسطينيتين السابقتين 1987 و2000 يمكن رصد ثلاثة مشتركات التقت وهيأت لهما ؛ مقدمتان هما: حالة انسداد سياسي تسبق الانتفاضة، وحالة فقدان ثقة بقدرة القيادة الرسمية على تجاوز حالة الانسداد تلك، وسبب مباشر يشكل حدث الانطلاق.. هذه المشتركات الثلاثة نجدها اليوم ماثلة في الحالة الفلسطينية الراهنة. في الانتفاضة الأولى بدأت حالتا الانسداد السياسي وعجز القيادة الرسمية قبل خمس سنوات منها ؛ منذ أخرجت قوات المنظمة من بيروت وتفرقت في الشتات وانشغلت القيادة الرسمية بأمور ليس أهمها (وربما ليس منها) الثورة، وتراجعت القضية وتأخرت في وسائل الإعلام ولدى الرأي العام وصارت الدول المضيفة للشتات الثوري تتحكم في إيقاعاته السياسية والأخلاقية والإعلامية.. حتى خرجت القضية تماما من التداول الرسمي.. كانت القيادة الفلسطينية تناور وتراوح في الحديث حول فكرة مؤتمر دولي للسلام كانت ترفضه القوى الإسلامية وتراه محاولة لتقطيع الزمن والالتفاف على المقاومة والتخلي عن المسؤولية التاريخية.. ثم جاء حدث الانطلاق عندما تعمد قائد شاحنة صهيوني دهس مجموعة من العمال الفلسطينيين.. فانطلقت الانتفاضة خارجة عن قرار القيادة الرسمية وعن مدى تأثيرها وعن تنظيرها لمؤتمر السلام، وهنا برزت حركة حماس كبديل وكدليل على كل هذا التطور.. وأذكر بأول تصريح للراحل عرفات بعد واحد وعشرين يوما من انطلاق الانتفاضة ومن خلال شاشة تلفزيون أبو ظبي يصف فيه المنتفضين قال فيه: (دول حبة عيال عاوزين يوقفوا في وجه المؤتمر الدولي..). في الانتفاضة الثانية كانت المرحلة الانتقالية ومفاوضاتها الماراثونية تكللت بالفشل وتجاوزت الأمد الموعود بسنتين إضافيتين بعد الخمس المتفق عليها، وساد شعور عام وعارم بالانسداد السياسي.. ومرة أخرى رأى الشعب الفلسطيني قيادته الرسمية بعد أن دخلت القفص الصهيوني قد تحجمت قدرتها وتقلصت هوامش المناورة والتحرك بين يديها وأضحت من دون بدائل.. إلا من مواصلة التوغل في عملية تسوية خاسرة والتغطي بمفردات إعلامية مبتذلة.. فاكتملت مرة أخرى مقدمتا الانتفاضة (الانسداد، وفقدان الثقة في القيادة) ثم جاء حدث الانطلاق عندما فشلت مفاوضات " كامب ديفيد الثاني " فتحرك الشعب في انتفاضته الثانية.. لكنها – وللأسف - انتهت بانقلاب القيادة الفلسطينية على ذاتها وتولد قيادة جديدة بخط سياسي لا يؤمن بالانتفاضة ولا بالمقاومة أدخل الشعب الفلسطيني ومقاومته في أتون صراع ذاتي ما لبث أن تحول إلى دموي ثم انفصال وانقسام. كل ذلك يتجمع الآن فالمقدمتان المؤديتان للانتفاضتين السابقتين هما ذاتهما تتحققان في الحالة الفلسطينية وما بقي إلا حدث الانطلاق.. فالعدو الصهيوني يتصرف متجاهلا أي اتفاقات ويتنكر لكل الالتزامات تجاه عملية التسوية والقانون الدولي، وعملية التسوية معطلة بل لم تعد قائمة سوى ما تقدمه السلطة طوعا وكرها من مقتضيات اللحاق والتعاون مع العدو، وأمريكا ومعها الغرب باتوا أكثر انحيازا ووضوحا في تبني مواقف العدو والانخراط المباشر في جهوده العدوانية، والشعب الفلسطيني يرى عباس لا يريد أو (لا يستطيع) إتمام المصالحة الوطنية، ويراه يصعد في كل مرة على شجرة " الحرد " السياسي ثم ما يلبث أن يسقط على ر أسه سقوطا مريعا. الأرجح أن يكون توجه عباس لطلب الاعتراف من الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية في سبتمبر القادم هو حدث انطلاق الانتفاضة فإن اعترفت الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية فسيجد الشعب الفلسطيني نفسه أمام رفض " إسرائيل " للقرار وسيجد سلطته عاجزة عن تجسيده على أرض الواقع، وإن لم تعترف فلأن آمال الشعب الفلسطيني في الدعم الدولي فستكون قد انهارت.. وفي الحالتين ستكون الانتفاضة هي المخرج الوحيد أو التعبير الوحيد عن الشعب الفلسطيني وحقوقه وغضبه وإمكاناته. عباس قد يتراجع عن هذه الخطوة، وهو لا يريد انتفاضة ولا يقبلها – كما يقول هو عن نفسه – وهو لا يستطيع تحمل مسؤولية إطلاق حدث بدايتها، وتركيبته الإدارية والأيديولوجية والنفسية وواقع ضغوط المال السياسي والمقايضات والتهديدات وعدم وجود إرادة حقيقية في هذا الاتجاه لدى الأنظمة العربية المؤثرة.. وهذه كلها معادلات واشتراطات غير مضمونة ولا يستهان بها ولا يجوز التغافل عنها.. لكن الحديث ليس عن برنامج سياسي ولا عن قرار يتخذه فلان أو علان.. ولكن عن انتفاضة وعن ثورة وعن حراك شعبي عام وعارم. الانتفاضة الثالثة – إن حدثت - فالمتوقع أن تكون كما كل الثورات العربية الرافعة لها والممتدة معها ؛ سلمية لا دموية، وشعبية لا نخبوية ولا رسمية، وعامة عارمة لا لفئة ولا لتيار ولا لحزب، ومن داخل فلسطين وخارجها على غرار ما كان في ذكرى النكبة وذكرى النكسة (فقد نضجت لدى بعض النظم التي كانت دائما مؤدبة جدا مع العدو وكانت حدودها معه دائما آمنة مطمئنة مصلحة تحريك هذه الحدود لتأكيد وطنيتها وتصدير الثورة الداخلية إلى ما وراء حدودها).. ذلك سيعطي الانتفاضة القادمة زخما واتساعا ووجاهة قومية وأيديولوجية وسيحشد لها الدعم الشعبي والأهلي والإعلامي وسيجعل بالتالي من الصعب بل المستحيل السيطرة عليها. آخر القول: المتوقع أن تنطلق وأن تستمر الانتفاضة الثالثة وألا تفلح الحيل والمناورات السياسية التي استخدمت في الالتفاف على سابقتيها فالشعب الفلسطيني لم يعد يرى قيادته الرسمية إلا عاجزة في أحسن الاحتمالات وأوهام السلام لم تعد موضع مراهنة أحد.. قد تتأخر هذه الانتفاضة أو تتقدم وقد تقصر مدتها أو تطول.. لكنها آتية وستتجاوز السلطة وقيادتها والانقسام ومترتباته وعملية التسوية وتهرؤاتها (.. ويومئذ يفرح المؤمنون، بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم).
417
| 21 يوليو 2011
الإخوان سجلوا نجاحا يجب أن يفضي لفرض شرعيتهم البعض أخذ على "الإخوان المسلمون" ما قاله الدكتور "عصام العريان أحد قادتهم ونائب أمين عام حزب" الحرية والعدالة – الذي أسسوه في مصر بعد الثورة ؛ بأنه يوافق على أن يتولى رئاسة الجمهورية في مصر قبطي نصراني إذا نص الدستور على ذلك! واعتبروه تنازلا كبيرا أفقدهم أهم مبادئهم الذي هو " المرجعية الإسلامية " واستبدلها بمرجعية " الدستور " الذي صاغه البشر وصار أغلى وأولى عندهم من شرع الله تعالى.. وهذا وإن بدا نقدا محضا واتهاما خالصا إلا أنه يحمل في طواياه نوعا من الثقة فيهم على أساس توقع الأحسن منهم.. ومع أنني لست في وارد الدفاع عنهم لأي سبب.. فأنا أرى أن القضية تتعلق بمفاهيم يجب أن توضح وبزوايا نظر لا يجوز أن تجهل وأراها قضية وعي عام وفهم عام يحتاجه الإخواني كما يحتاجه كل إصلاحي إسلاميا كان أو غير إسلامي.. وأطرح رؤيتي لموقف " الإخوان المسلمون " ولما قاله " العريان " كرؤية شرعية وفكرية لا حزبية ولا من قبيل الدفاع عنهم أو عنه.. وأرى أنه لا يجوز أن يؤخذ ما قاله الرجل على عواهنه من غير تدقيق.. والحقيقة أن الإخوان وهم يطلبون شرعية وجود – كما هم الآن – لن يكونوا الإخوان بعد أن يدخلوا البرلمان ويسطروا وجودهم وقوتهم بالقلم العريض.. والقضية هنا ليست أنهم سيغيرون جلدهم أو أنهم يخدعون أحدا.. ولكنها لعبة القوة والضعف ولكل حالة أحكامها الشرعية وما يقبل أو يطلب منهم الآن يختلف عما يقبل أو يطلب من بعد.. والحقيقة أيضا أن أي قبطي في مصر لن يفكر في الترشح لمنصب الرئيس ويعلم أنه إن ترشح لذلك فلن يكتب له النجاح (وهذا قاله " العريان " في معرض الدفاع عن قوله) وعلى ذلك فمحصلة الخلاف والنتيجة العملية النهائية له هي صفر في صفر.. وأتساءل: على فرض أن موقف " العريان " هو موقف " الإخوان المسلمون " هل قولهم هذا يأتي في معرض محاولة الإقناع برئيس نصراني لمصر ؛ أم هو في معرض الإقناع بشرعية وجود الإخوان؟ وهل كان الحديث عن دستور مؤقت موجود بالفعل بل مفروض بالفعل وعلى " الإخوان " وغيرهم ؛ أم عن دستور دائم لا يمكن تغييره؟ (ربما يجدر التنويه هنا إلى حقيقة " معركة الدستور والاستفتاء " التي يخوضها الإخوان في مصر ولا يتنبه الكثيرون لمرماها البعيد.. فالإخوان يريدون برلمانا يكون لهم فيه قوة واسعة يضع دستورا يتوافق مع مبادئهم، في حين أن الآخرين يريدون دستورا على مقاسهم ويصنع برلمانا على مقاسهم أيضا وقبل المغالبة غير المضمونة العواقب مع الإخوان). " الإخوان " يريدون بقولهم هذا إقناع الناس بسلميتهم ومدنيتهم، وإقناع المتخوفين بخطأ وظلم ما أشيع لعقود من أن الإخوان متطرفون، وأنهم ما إن يحكموا حتى يقيموا محاكم التفتيش ويقتلوا المخالفين ويثيروها طائفية ومذهبية صماء عمياء.. نعم هو تنازل ولكنه لا يضير ما دام من طرف اللسان ويخرس خصوما متربصين ويعفي من مواجهات ربما تنقلب على إنجازات الثورة كلها.. وهو تنازل لكنه يشبه قول الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في مجادلة الكفار (.. وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون، قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم) سورة سبأ الآيات: 24، 25، 26. أرأيت كيف قَبِل القرآن باحتمالية أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق؟ أرأيت كيف رضي القرآن أن يتساوى في هذه الاحتمالية مع الكافرين؟ أرأيت كيف رضي القرآن أن ينسب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصف " جريمة " في مقابل نسبة " عمل " فقط لخصومه؟ وفي المحاجّة أيضا ؛ ألم يقص علينا ربنا عز وجل مهادنة إبراهيم أبي الأنبياء عليه وعليهم السلام لقومه في الإيمان بالنجم ثم القمر ثم الشمس وصولا للتوحيد بعد هدم حجة الخصماء؟ فهل ضار إبراهيم عليه السلام أن يعطي تنازلا محدودا زمانا ولفظا ليصل بعده للتوحيد الخالص؟ وإذن فهي ضرورات المحاجّة التي قد تفضي إلى محظورات " نظرية " وليست تنازلات مجانية أو مساومات على المبادئ كما يتوهم أصحاب بعض الأفهام التي تنقصها التوعية وسعة النظر ويعوزها فن الاستدلال أكثر من الإخلاص والإيمان وحفظ النصوص.. أذكر أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سياق مشابه وموقف اضطراري رضي بمحو عبارة " محمد رسول الله " واستبدلها بعبارة " محمد بن عبدالله " في وثيقة الحديبية، وإنما كان ذلك بضغط من سهيل بن عمرو مفوّض كفار مكة لذلك الصلح! فهل يمكن اعتبار تنازله هذا انقلابا على إسلاميته أم تأولا واضطرارا؟ كذلك ألم يصلّ ثلاثة عشر عاما قرب الكعبة ومن حولها 360 صنما.. إلى أن جاء الوقت ليهدمها جميعا وأن لا يبقي منها صنما واحدا ففعل؟ البعض يستشهد بعزم أبي بكر الصديق رضي الله عنه على قتال المرتدين من أجل عقال – أو عناق – من الزكاة كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. ويقولون: أيهما أخطر على الإسلام ؛ منع عقال من الزكاة أم القبول برئيس نصراني على شعب أكثريته مسلمون؟ وأقول: أما أبو بكر فقد كان خليفة على دولة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن خليفة لحسني مبارك.. أيضا كان أبو بكر حاكما مفوضا أن يقبل أو أن يرفض ولم يكن في وارد البحث عن مكان تحت الشمس كما " الإخوان "! وأما الضرورة في واقعة العقال فقد كانت تقتضي المواجهة لا المهادنة فالمرتدون كانوا يتسلقون بمنع الزكاة لمنع غيرها وكانوا قد حالفوا أدعياء النبوة وجمعوا جيوشا لغزو المدينة وأعلنوا ردة شاملة حتى صار الخليفة الراشد بين أن تنفلت الأمور من يده أو أن يفرض احترام وأمن دولته.. عند ذلك قال قولته على سبيل الاستقصاء وإبداء العزم.. أما ما يقوله " الإخوان " في مسألة الرئيس فالضرورة تقتضيه ولا تقتضي نقيضه، والسلامة الإستراتيجية فيه وليست في سواه، وهم بذلك إنما يجنبون أنفسهم والإسلاميين من حولهم تهمة يتمنى كثيرون أن لا يتجنبوها وأن لا ينجوا منها.. البعض يتوهمون أن " الإخوان " اليوم أقوى منهم في أي وقت مضى وأن الثورة المصرية الحالية قد حصنتهم من الاستهداف وأن دعوى الاضطرار غير منطبقة.. وأقول: هذا توصيف صحيح وغير صحيح ؛ هو صحيح من حيث إن الإخوان سجلوا بالقلم العريض نجاحا يجب أن يفضي لفرض شرعيتهم، ولكنه ليس صحيحا في أنهم يستطيعون أخذ كل ما يريدونه دفعة واحدة وبالاستقلال عن غيرهم أو من دون أن يجتمع شملهم بشمل كل الثوار من حولهم.. ولولا ذلك لاستفرد الجيش بهم ولما بكى عليهم أحد.. وهنا لا يجوز أن نغفل عن جملة حقائق أهمها باختصار أربع: 1- أن التدخلات الخارجية (والأمريكية) بالذات ليست في غفلة عن الثورة وملاحقها وما يمكن أن تؤول إليه ويخطئ من يظن أنها سترضى بكل ما يريده الثوار، أو أنها عاجزة عن تسيير المجلس العسكري باتجاه الفتنة في لحظة ما. 2- يخطئ من يتوهم أن المشير طنطاوي قد صار بين ليلة وضحاها من الثوار وأنه لن يواجه الإخوان ضمن حيثيات بعينها (يعرفها الإخوان ويحتاطون لها بالذكاء في التعامل مع المطلوبات والممكنات). 3- إن حصلت مواجهة بين الإخوان والجيش تحت ذريعة انشقاقهم على الدستور وانفصالهم أيديولوجيا عن الثورة عندها سيكون الجيش في نظر كثيرين إنما استهدف جهة وليس كل الشعب وسيجد من يقف معه وكلنا نتذكر ما كانت مواقف الأحزاب السابقة يوم كانت ترفض توفير غطاء تنظيمي للإخوان في الانتخابات مع ما كان يعرضه الإخوان عليهم في سبيل ذلك. 4- غاية ما يمكن أن يراهن عليه من يستسهلون مواجهة مع الجيش هو أن يتفكك الجيش ولنا أن نتخيل خطورة ذلك ليس على الإخوان أو الثورة بل وعلى مصر كلها.. وهذا المثال والشاهد من العراق وما وقع ويقع فيه بعدما حل " بريمر " الجيش، وما يجري حاليا في ليبيا بعد انقسام الجيش عن كتائب القذافي مثال آخر وشاهد آخر.. آخر القول: الجميع يراهنون على انتهاء الفترة الانتقالية وأنها ستفضي لبرلمان يضع دستورا و " الإخوان المسلمون " من هذا الجميع، وهم بالتأكيد ليسوا ملائكة ولكنهم أيضا ليسوا جماعة شياطين.. وهم " يتكتكون " ويناورون في محتمل الصواب والخطأ وفي ميزان المصالح والمفاسد وفي مسموح الاجتهاد.. وما قاله عصام العريان إنما يأتي في هذا السياق، وليس من بنات أفكاره الخاصة ولا من هوى نفسه ولا هي لحظة ضعف.. ولكل مجتهد من الصواب أجره ونصيبه..
546
| 14 يوليو 2011
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...
4821
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...
3549
| 23 سبتمبر 2026
«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا...
2667
| 18 سبتمبر 2026
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...
2172
| 23 سبتمبر 2026
نتقلب في نعم الله تعالى المنعم ليلا ونهارا،...
1461
| 17 سبتمبر 2026
لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...
1308
| 20 سبتمبر 2026
شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...
693
| 21 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...
624
| 23 سبتمبر 2026
يُحكى أن رجلًا عُرف بين أهله وأصدقائه بأنه...
588
| 17 سبتمبر 2026
تُعدُّ الوساطة العقارية من الأنشطة المهمة في تنظيم...
537
| 17 سبتمبر 2026
هل الأقدار هي التي فرضت علينا في هذه...
504
| 17 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية