رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لفت نظري حينها كما لفت نظر كثيرين. ما ورد في خطاب سابق لأمين عام حزب الله. عندما قال بما معناه): إن أي اعتداء إسرائيلي جديد على لبنان. فإن الحديث ساعتها سيجري عن إزالة الكيان الصهيوني. وعن وجه جديد للمنطقة).استغربت ذلك الحديث وهذه الثقة بالنفس. وبخاصة أن الخطاب جاء في أردأ الأوضاع العربية:هيمنة أمريكية على العالم ومنطقتنا بشكل خاص،صلافة إسرائيلية منطقة النظير،انقسام فلسطيني سياسي،مباحثات عبثية مع إسرائيل.مرحلة من التردي العربي. وما بدا أنه استكانة جماهيرية للنظام الدكتاتوري العربي،احتلال للعراق.. عوامل كثيرة أخرى من نفس النمط. على الصعيد الآخر،فإن شعار تحرير فلسطين من النهر إلى البحر ملأ الأذهان الفلسطينية والعربية منذ النكبة عام 48،وتعزز في الحقبة الناصرية وبخاصة. بعد إفشال عدوان بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر في عام 1956،لاسيَّما أن الأحزاب القومية في تلك المرحلة حملت هذا الهدف،هزيمة عام 1967 كانت بمثابة الفجيعة للفلسطينيين والعرب. حين هُزم النظام الرسمي العربي. لكن الانطلاقة الحقيقية للثورة الفلسطينية التي كانت إرهاصاتها تتفاعل في منتصف الستينيات.حين أعلنت فتح عن انطلاقها في عام 1965،وتعزز الشعار أيضاً بإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية.جاء برنامج النقاط العشر في عام 1974 بعد حرب 1973 التي أُريد منها التحريك السياسي لا التحرير،ثم توالت الأحداث بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد وما تلاها من اتفاقيات مع إسرائيل لتجعل من شعار:تحرير فلسطين مسألة طوباوية بعيدة عن الواقع وتبدو خارج إطار التاريخ والزمن.ومع ذلك ظل اللاجئون الفلسطينيون في الشتات يحملون مفاتيح بيوتهم وأراضيهم،وظلت فئات غير قليلة من الفلسطينيين والأمة العربية تؤمن بالشعار رغم الخلفيات المتعددة للتفسير:دينية(ما ورد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية). وطنية تقدمية،وطنية قومية. لكنها كلها. عكست الإيمان بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر.بعد توقيع الاتفاقيات مع إسرائيل وإنشاء السلطة ضمن ما يسمى بــ(المساومة التاريخية). ابتعد شعار التحرير بمعناه الكلي. ومع ذلك ظل كثيرون يؤمنون به.جاءت المبادرة الرسمية العربية في قمة بيروت(2002) لتُبعد هذا الشعار مسافات إلى الخلف. للأسف. بتوقيع هذه الاتفاقيات والمساومات لم يُدرك موقعوها حقيقة العدو الإسرائيلي،والحدود القصوى الممكن لإسرائيل الذهاب إليها في أية تسوية مع الفلسطينيين والعرب. أدرك الرئيس عرفات قبل وفاته بسنوات قليلة النقطة السابقة. ولذلك شكّل كتائب شهداء الأقصى ودعمها،لذلك حرصت إسرائيل على سجنه في المقاطعة لثلاث سنوات واغتالته. بتسميمه.إسرائيل رفضت المبادرة العربية ورفعت شعار:السلام مقابل السلام وليس السلام مقابل الأرض والحقوق.جاء فشل المفاوضات التي امتدت ما يقارب العشرين عاماً ليؤكد استحالة القبول الإسرائيلي بوجود دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة إلى جانب دولة إسرائيل،وصول التسوية مع الفلسطينيين إلى طريق مسدود،واعتبار القدس والجولان أراضٍ إسرائيلية(تم ضمهما بقرارين في الكنيست). وانسداد الآفاق نهائياً أمام حل الدولة الديمقراطية الواحدة،والدولة ثنائية القومية،والدولة لكل مواطنيها،فإسرائيل تستهدف إنشاء دولتها اليهودية. وفي سبيل هذا الهدف قننت العنصرية وما تزال(القوانين الأخيرة التي تم سنها في الكنيست وتستهدف مواطني 48). وجعلت من قبول الفلسطينيين والعرب بهذا الشرط.محطة للبحث في التسوية معهم. القيادات الإسرائيلية هي من أغبى القيادات،إذ توفّرت لإسرائيل فرصة لاعتراف فلسطيني(عملياً تم في أوسلو) وعربي جماعي بها،ولو أقدمت على تسوية مقبولة مع الفلسطينيين والعرب. لأزالت الكثير من الحواجز لاعتبارها دولة معترف بها من دول المنطقة،ولكن لأن فاقد الشيء لا يمكن له أن يعطيه،فالدولة الإسرائيلية في تناقض تام مع مفهوم السلام العادل،والتعايش السلمي مع العرب،لأنها ابتداء من أساطير التضليل التي مارستها الحركة الصهيونية. واستشراء هذه مع أصولية توراتية. وتربية غاية في عنصريتها للأجيال الجديدة،والتأثير التوراتي على ممارسة السياسة،والعدوان والابتزاز والنظرة الفوقية إلى الآخرين.... كل ذلك طبع إسرائيل بالنهج الذي يعرفه القاصي والداني عنها،ولذلك نرى الامتدادات المتزايدة سنة بعد سنة للأحزاب اليمينية الدينية والفاشية في إسرائيل(اقرأ الاستطلاعات الأخيرة عن هذه المسألة في الصحف العربية). وازدياد نفوذها وتأثيراتها السياسية على القرار الإسرائيلي. وتأثيراتها على الحياتين الاجتماعية والسياسية في إسرائيل. إسرائيل تُدرك:أن السلام هو مقتلها. ذلك أن التناقضات التي تملأ أجواءها البنيوية. ستفعل فعلها أضعاف ما هي عليه الآن،فالإجماع على العداء للفلسطينيين والعرب. يخفف من حدة هذه التناقضات،ومع ذلك فإن التناقضات تترك فعلها في الشارع الإسرائيلي. وهي تناقضات متنوعة: اثنية في مظهرها العام. وبالضرورة تتحول إلى شكل ديني. ظهر في سؤال غير محسوم حتى اللحظة:اعتبار من هو اليهودي،وتأثيرات ذلك على تشكيل الهوية. هذا من جانب،ومن جانب آخر:فإن عقبات كثيرة ما زالت تقف أمام إمكانية تشكيل المجتمع الإسرائيلي.الهوية الدينية بإنشاء إسرائيل. تحولت إلى هوية قومية فسيفسائية بعيدة عن التجانس رغم مرور ما يقارب ال 63 عاماً على إنشاء الدولة.إسرائيل ما زالت محكومة بعقلية الغيتو والأسوار الواقية،ولذلك فإن الأمن يشكل هاجسها الدائم،وبالتالي يتدخل في كل مكوناتها السياسية والعسكرية. ولذلك فإن التناقضات في إسرائيل تأخذ مناحي متعددة. وبالعودة إلى شعار:تحرير فلسطين. فإن التغييرات الثورية العربية التي تمت والتي هي في طريقها إلى التحقيق. تصب في مجرى تحقيق الشعار بإعادة الصراع إلى مربعه الأول. وتصليب الموقف الفلسطيني. أما فيما يتعلق بردود الفعل الأمريكية والغربية على إمكانية تحقيق هذا الشعار،فأذكر مقالة لواحد من أبرز شيوخ الصحافة المصرية: الأستاذ محمد التابعي. فقد كتب في مجلة المصور،في أحد أعداد عام 1969. وقد احتل منصب رئيس تحريرها آنذاك. كتب مقالة قال فيها ما فحواه:لو استطاع العرب تحرير فلسطين من البحر إلى النهر في ضربة قاصمة وسريعة. لرضخ المجتمع الدولي إلى هذا الأمر.ما يجري على الأرض يؤكد أن هدف التحرير انتقل من إطاره الطوباوي إلى إمكانيته الواقعية.
647
| 07 أبريل 2011
قبل يومين طالب أحد قادة المستوطنين وعضو "الكنيست الإسرائيلي" السابق "الياكيم هعتسني" حكومته بالعمل على فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة بصورة نهائية لأن توحيد الفلسطينيين مرة أخرى – من وجهة نظره - سيسبب كارثة لا قبل لـ"إسرائيل" بها.. جاء ذلك في مقال افتتاحي له في صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية وقال: (إن فصل القطاع عن "الضفة" سيمنع طوفانا بشريا يغرق الضفة ويشعل اضطرابات دموية) وأضاف: (إن انقسام الفلسطينيين إلى شطرين متساويين تقريبا - 2.6 مليون في الضفة 2.3 مليون في القطاع - يساعدنا على ألا نخسر وطننا في صالح فلسطين كجملة واحدة حيث ستكون نهايتنا هي تطويقنا من حدود العراق وحتى البحر المتوسط). وطالب هعتسني في مقاله بالبدء في "القتل المركز أو المستهدف" لرجال ما أسماه دولة "الإرهاب الغزية" من الشرطي البسيط وحتى الوزير..) انتهى. وأقول: ما جاء على لسان هذا الصهيوني لا يخرج عن فكرتين متكاملتين ومتوازيتين؛ إحداهما: العمل على إبقاء وتثبيت الانقسام الفلسطيني، والثانية: استهداف قادة وجنود حماس.. الربط بين هذين الأمرين يعني ببساطة أن وجود حماس مناقض للانقسام، وبتدوير المعادلة قليلا: أن بقاء الانقسام مرهون بضرب حماس وإزاحة قادتها الحاليين.. ما يؤكد أن حماس خطر على الانقسام بقدر ما أعداؤها وخصومها روافد ودعائم له وليس أنها تريد الانقسام وتستفيد منه كما يشيع أولئك الخصوم.. وعلى فكرة.. ما يقوله هذا الصهيوني من ضرورة إبقاء الانقسام وربط ذلك بضرب حماس هو ما تغص به صحافة العدو من كتابات وتحليلات واستنتاجات.. وبجمع كل هذا مع ما قاله نتنياهو لعباس من أن عليه الاختيار بين مصالحة حماس أو مصالحة "إسرائيل" يمكن القطع بأن أية مبادرات لإنهاء الانقسام لا يمكن أن تكون جدية وصادقة إلا في حالتين؛ أن يريدها العدو ويقبلها (وفي هذه الحالة علينا أن نبحث عن تموضعات العدو فيها) أو أن يكون من يسعى لها هو بالفعل وعلى الحقيقة لا الادعاء خارج عن الإرادة الصهيونية (وبتحكيم هذه القاعدة المنطقية يمكن الخلاص إلى أن حماس والمقاومة هي الطرف الوحيد القادر على إطلاق مبادرة حقيقية بعيدا عن المراد الصهيوني ولذلك لم نجد العدو يهدد حماس أو المقاومة إن قبلت الصلح في حين هدد فتح والسلطة!).. هنا يأتي الحديث عما تصر منظمة فتح وسلطتها على تسميته "مبادرة الرئيس" التي وافق فيها على دعوة السيد هنية لزيارة غزة وما إذا كانت جدية صادقة وخارجة عن المراد الصهيوني أم أنها مجرد مناورة لا حقيقة لها ولا تعدو أن تكون حملة إعلامية تدغدغ مشاعر الوحدة وتناور حول جملة المتغيرات السياسية الجارية في المنطقة وتجتر الماضي بكل ثقله واستفزازه وعفونته؟ وأقول: لا يمكن إغفال ثلاث ملاحظات على هذه "المبادرة"؛ الملاحظة الأولى: أنها جاءت مثقلة بالاشتراطات ومضادات التقبل التي لا يمكن إحسان الظن بها، الملاحظة الثانية: أن الصيغة التي عبر بها محمود عباس عن هذه "المبادرة" أضفت عليها أجواء السلبية واللاجدية واللا موضوعية، الملاحظة الثالثة: أنها جاءت متزامنة مع حملة مخططة ومدفوعة الأجر لمواجهة حماس في غزة.. ولنعد للتفاصيل: أولا: أما أنها جاءت مثقلة بالاشتراطات.. فقد اشترط عباس فيها: أن يستقبله قادة وأمناء جميع الفصائل (وبالأخص وتحديدا رئيس الوزراء إسماعيل هنية)! واشترط أن يكون الاستقبال لائقا! واشترط أن يكون الاستقبال على الحدود "المعبر" أي ليس في مقر رئاسة الوزراء! واشترط أن يكون هدف الزيارة محصورا في موضوع تشكيل حكومة توافقية تنطلق فورا إلى انتخابات رئاسية وتشريعية.. أربعة اشتراطات كل منها كفيل بإحباط كل أمل في الصلح وإنهاء الانقسام؛ فالاستقبال الجماعي واللائق إنما يعني استقباله كرئيس دولة وفي ذلك ما فيه من الرد على حماس التي تعتبره رئيسا انتهت مدة حكمه، وأن يكون الاستقبال على المعبر وليس في مقر رئاسة الوزراء إنما يعني رفض كل صلة لحماس ولإسماعيل هنية برئاسة الوزراء.. ولن نذهب بعيدا في الظن بأنه أراد تقديم صيد بل أصياد ثمينة للتنسيق الأمني – الدموي – بينه وبين الاحتلال، أما أن يكون اللقاء فقط للاتفاق على حكومة وحدة وطنية والذهاب لانتخابات رئاسية وتشريعية فهو يعلم أن حماس رفضت ذلك باستمرار واعتبرته نوعا من الدعاية السياسية وتسجيل النقاط وهو يعلم أنه لا تزال الكثير من أسباب الانقسام قائمة وفاعلة وبالأخص في الملف الأمني في الضفة والرؤية النهائية للسلطة ومهامها ولعملية التسوية وآمادها وللمقاومة وآفاقها.. هو يعلم أيضا أن الانتخابات من دون التوافق على الحد الأدنى من البرنامج السياسي لن تكون أفضل حالا ولا مآلا من الانتخابات السابقة مهما كانت نتيجتها؛ وهل انقسم الشعب الفلسطيني إلا بعدها وبسببها؟ بالتالي فإن مصداقية وشفافية وجدية هذه المبادرة تكاد تلتقي مع الصفر في أكثر من نقطة تماس. ثانيا: لقد سمعناه يقول لمن حوله "في المركزي" وبالصوت والصورة والكلمة والنقطة "الله وكيلكو ما تشاورت فيها مع أحد" يقصد المبادرة.. والسؤال هنا وبكل براءة ودون أن نتهمه بالكذب والاستعراض: هل هذا يسجل لصالح المبادرة أم ضدها؟ وإلى أي حد يجب على حماس أن تثق في مبادرة هذا ما يقوله صاحبها عنها؟ وأولئك الذين كانوا سبب الانقسام ولا يزالون يدسون ما يعززه وحاولوا دائما ويحاولون إثارة المشكلات والاعتراضات.. السؤال لماذا لم يستشرهم؟ ومن يضمن ألا يخرب هؤلاء أي اتفاق أو حتى برنامج الزيارة ذاتها لغزة؟ ألم يكن جديرا بعباس وصوابا منه أن يستشير - على الأقل - جماعته ومؤيديه ليتقوى بهم عليهم؟ أخيرا: هل الانقسام الفلسطيني تعالجه مواقف الأشخاص والفرديات حتى لو كانت صادقة وجدية؟ هذا هو الذي أضفى على "المبادرة" أجواء السلبية واللاجدية واللا موضوعية.. كما قلنا. ثالثا: المبادرة جاءت في أجواء حملة تثويرية ضد حماس قال عنها نبيل عمر – القيادي الزعلان في فتح: "إن فتح رصدت لها مليون دولار.". والناس يعرفون بالضبط لماذا تأتي هذه الحملة وفي هذا الوقت بالذات حيث تشتعل الثورات العربية وبالذات بعد سقوط نظام حسني مبارك وبعد الذي تكشف من مستور ودادهم وتنازلاتهم للعدو وبعد توقف عملية التسوية وتعديات وتحديات المستوطنين الصهاينة وعمليات التهويد التي صارت تهدد الحال الفلسطيني التفصيلي والشعبي وتمس الحياة اليومية والرأي العام الفلسطيني مباشرة.. كل ذلك بات مهددا للسلطة ويهيئ لانتفاضة شعبية ضدها لن تكون نشازا على الحال العربي ولا خروجا على الموروث الثوري الانتفاضي الفلسطيني.. فجاءت حملتهم نوعا من الهروب وشكلا من الاستغلال السياسي. آخر القول: بعد الذي رآه ولمسه الشعب الفلسطيني من الانقسام وعقابيله يفترض أن تتجرد أية دعوة للمصالحة عن كل أنواع المناورات السياسية والفذلكات غير الموضوعية.. وهو ما - للأسف – لم تراعه ما تسمى "مبادرة الرئيس" التي لم تكن أكثر من استجابة غير جدية ولا صادقة لدعوة السيد هنية بخصوص زيارة غزة.
533
| 31 مارس 2011
لا شك أن الحالة السياسية والوطنية التي تمر بها بلادنا العربية هذه الأيام في ظل الثورات المتنقلة عبر الحدود هي حالة باهرة وطنيا ونقية ثوريا ومشربة بالنهوض الحضاري والهوية الأصيلة لشعوبنا ولطريقتنا في احترام أنفسنا.. ولكن الرياح لا تجري دائما بما تشتهي السفن أو بما يريد السفان، وليست كل النظم كالنظام التونسي والمصري اللذين تخليا أو أخليا في أيام.. ولذلك أسبابه التي تتعلق بطبيعة الشعبين وما لديهما من تراكيب إدارية وحزبية وسياسية وثقافية وحضارية.. النظام الليبي وبطريقته الدموية وتركيبته الخارج وطنية ( الاعتماد على المرتزقة والدعوم الخارجية ) استطاع أن يبطئ مسار هذه الثورات وأن يضطرها للاستغاثة بالخارج الذي لم يكن في ظل التخلف العربي إلا مجلس الأمن وإلا الغرب كفاعل أساسي في هذا المجلس ( سوى ما قامت به قطر أدام الله عزها ) ذلك ألقى على الثورة الليبية وعلى الخطوة القطرية شيئا من شبهة الاستعانة بالأجنبي وبالأخص لدى بعض الذين لا نتهم غاياتهم ولا نياتهم بقدر ما نشفق على عاطفية نظرتهم وقصور قدرتهم على فرز الأشباه والنظائر والمتفقات والمختلفات من المواقف والحالات.. الذي زاد الأمر سوءا والارتباك المفاهيمي اتساعا وخطورة هو ما أعطاه نظام القذافي لنفسه من صورة الثائر والإسلامي وابن الصحراء، واستحضاره لمصطلحات ( الحرب الصليبية، وأرض الإسلام، وأوروبا الكافرة.. ) التي يغص بها إعلامه ليل نهار والتي لها قداسة وتأثير خاصين لدى الرأي العام عندنا.. القذافي يحاول أيضا تقمص صورة ووطنية ومظلومية صدام حسين وما انطبع في الذهن الجمعي عنه كضحية للصهيوأمريكية والمطامع الغربية التي لا حدود لشططها.. الثورة الليبية اليوم وبعد أن كانت مؤيدة شبه مطلقا وحتى لدى طائفة من البعد الرسمي العربي، وبعد أن كانت مقارباتها جلية مع الثورتين التونسية والمصرية، بتنا نراها بحاجة لمن يدافع عنها ويبرر تقبلها للتدخل الغربي وأيضا بتنا نرى من يهاجمها وربما يتهمها في أغلى وأعز ما بنيت عليه من الشرف الثوري.. بعض الكتاب والمفكرين ممن لهم صوت مسموع وجاه مرفوع في نقد النظم وفضح انحرافاتها وقسوتها.. رأيناهم – بعد التدخل الأجنبي - ينقلبون إلى التعاطف مع العقيد ( المجرم ) الذي لم يطمع يوما أو ساعة أن يذكروه بكلمة مجاملة! فكيف وقد ذبح الآلاف من شعبه وهتك حرمات الوطن بطوابير المرتزقة والمجرمين.. هؤلاء نسوا أو تناسوا طبيعة الظروف التي جعلت الثورة الليبية تتقبل التدخل الغربي ضده.. بعضهم يحاول الالتفاف على ضميره الوطني وأن يسوغ لنفسه تقبل القذافي وإعادة ( منتجته ) من جديد فيقول مثلا : القذافي نرفضه في مقابل الشعب الليبي أما إذا صار في مقابل الغرب فإننا نتقبله.. قال أيضا : إن القذافي لن يكون بعد اليوم كما كان قبله وقبل أن يطعنه الغرب في ظهره ( يقصد أنه سيصير أكثر وطنية واحتراما لشعبه ) في مقابل هؤلاء وجدنا بعضا آخر من الكتاب والمفكرين يحملهم بغضه القذافي أن يقول قائلهم : حتى لو تحول التدخل الغربي إلى احتلال على غرار ما حدث في العراق وأفغانستان فهو أقل كلفة وضررا من مجرد وجود القذافي وبأي حال هؤلاء ليسوا خونة ولا منظرين للتدخل الغربي بل على العكس لم يقصروا لحظة في نعته بأقذع الألفاظ.. ثم صاروا اليوم يدافعون عن تدخله ناسين حقيقة الغرب وسوء نياته ( التي تكشفت على مدى قرنين من الزمان وعبر كل مآسينا فيهما ) لقد تحولوا من حيث لا يدرون إلى مدافعين عن هذا الغرب وتدخلاته وبدون ضوابط أو محاذير.. ومن يدري فربما يجرون مراجعة للكثير من مواقفهم وفهومهم وماضيهم فالارتباك حقيقي واحتمالات أن تتسع دائرته ممكنة.. وأقول كلمتين: الأولى: لا ينسين أحد أن الغرب بات متيقنا من أن الأمة ستتحرر وأن هذه النظم المتخلفة قد فقدت آخر معاني الاستقلال الوطني والاحترام الشعبي.. لذلك فهو – أي الغرب – بات معنيا أن يشارك في هذا التحرر ولو بشكل ما وفي مستوى ما، وأن يسير باتجاه الشعوب فيما لا مناص منه.. على طريقة ( اللي بزرع في الشتاء بحصد في الصيف ).. الغرب بحاجة أن يثبت مصداقية أخلاقية أمام هذه الثورات وبالأخص فيما هو يعلم أنه – كما قلنا - صائر به وبدونه.. لكن ومع كل ذلك فلا يجوز إعطاء الغرب (أوكي) كبيرة على التدخل ويجب أن تبقى أعين الثورة الليبية وأعيننا على احتمالات أن يتحول إلى احتلال عسكري على الأرض، فالغرب ليس جمعية خيرية، ولنا مع أطماعه واعتداءاته صولات وجولات وذكريات دماء، ثم إن قرار مجلس الأمن في شق منه ترك للوقائع على الأرض أن تحدد حجم التدخل.. في هذا الإطار وبهذا التحديد وتحت هذا العنوان يمكن قبول التدخل الغربي خاصة أنه يأتي تحت غطاء مجلس الأمن والقانون الدولي وليس انفرادا من دولة كأمريكا بدولة صغيرة كالعراق. والثانية: لا وجه للمشابهة بين القذافي وصدام حسين.. والفروق كثيرة وجوهرية ؛ أهمها : فارق أن صدام ( مع الاستسماح ممن يراه أقل مما أراه ومع التحفظ على تبرئته من ماض بئيس موغل في القسوة ) كان في أواخر عهده ضد الغرب وكان قد سبق أن قصف ( إسرائيل ) بالصواريخ التي كانت إبداعا ونشوزا على الحالة العربية المتهرئة في جملتها.. نعم ربما فعلها ليخلط الأوراق، ولكنه فعلها.. فأين القذافي من ذلك؟ هل رأينا صواريخه ودباباته وطائراته إلا لحماية ذاته وأولاده وجبروته وفساده؟ وهل استعملها إلا لقهر شعبه البسيط المتعب المعذب؟ كذلك لا وجه للمشابهة بين الثورة الليبية والمعارضة العراقية لا من حيث الدوافع ولا الوقائع ( وليس المقام للتفصيل ). آخر القول: لقد وضع القذافي بدمويته ورهانه على المرتزقة ومعادلات الخارج.. وضع شعبه أمام ضرورتين ؛ إما الخنوع لنظامه المستبد والرضا بطغيانه اللامحدود؛ وإما الاستعانة عليه بالعالم غربيه وشرقيه وعربه وعجمه وبربره.. وبقليل من التبصر وكثير من الحذر وبتحكيم قانون خير الخيرين وشر الشرين فإنه يمكن الخلوص إلى أن على شعوبنا أن تستمر في التقدم نحو حريتها وأن لا تتراجع أمام معادلة الدم في وجه الصاروخ والطائرة والدبابة وألا تفتر تحت وقع الدعايات والتشبيهات.. فلئن أفلت القذافي هذه المرة ليفلتن كل مرة وليفلتن غيره ممن ينتظر..
514
| 24 مارس 2011
واضح أن دول الغرب عموما تتلكأ في حسم موقفها ضد (أو مع) القذافي وضد أو مع الثورة عليه، وبدأنا نرصد تصريحات لبعضهم تفعل فعل الحرب النفسية التيئيسية على الثوار والثورة.. كقولهم: إن القذافي سيستمر لفترة طويلة، وأن عزلته الدولية ستستمر لبعض الوقت! - لاحظ عبارة " لبعض الوقت " وانظر لما توحيه من طمأنة للقذافي! البعض منا يبدي استياءه من ذلك وكأنه كان يتوقع شيئا آخر ومصداقية أعلى لدى الغرب! والبعض الآخر يتساءل عن موقف الغرب هذا ويضعه في الميزان المصالحي المجرد فيقول: إذا كان الغرب يطمع في بلادنا ويسيل لعابه على العودة للاستعمار.. فلماذا لا يقود حربا على القذافي كما كان متوقعا دائما، وكما فعل في مرات سابقة؟ وإذا كان أحد أهم دوافع الثورات العربية – والليبية جزء منها – ما يمارسه الغرب من سياسات وما يتخذه من مواقف تتعلق بنا وكانت بناء على ذلك الخصومة بيننا وبينه مفتوحة على كل الجهات والاحتمالات، وإذا كانت كلمة الشعوب في المرحلة القادمة هي الأعلى؛ فلماذا لا يتجنب – هذا الغرب – عداوة هذه الشعوب والثورات؟ ولماذا لا يقول للثورة وللشعب الليبي ولشعوبنا من حوله إنه مستعد لفتح صفحة جديدة ولإقامة نوعية أخرى من العلاقات قائمة على الود وتبادل المصالح؟ وإذا كان القذافي قد سقط حكما واعتبارا وأصبح بقاؤه في سدة الحكم ليس أكثر من هامش زمني سيكون مليئا بالكر والفر وعدم الاستقرار؛ فلماذا لا يستغلون الفرصة للتواصل مع الثوار واستباق أن تتحول ليبيا إلى رأس حربة ضدهم باعتبار المكان الذي تتبوأه في خاصرة المتوسط؟. بعض آخر منا يتساءل وكأنه يستحضر الشخصية الغربية الانتهازية والروح الصليبية التي رسمها أو التي كشفها بوش الابن فيقول: أليست الفرصة سانحة وهذا الطريق قد صار ممهدا لتدخل غربي ثم لتسلل عسكري شامل بمباركة من الجامعة العربية وحتى من الثوار أنفسهم الذين لم يعودوا يعترضون على فرض حظر جوي غربي على ليبيا؟ وهل النفط الليبي أقل جودة أو جدوى أو إغراء من نفط العراق؟ وأقول: عدة حقائق ينبغي تذكرها وتدقيقها هنا: 1- أن الثورات العربية في ليبيا وغيرها هي في الواقع ثورات ليست على القذافي وحسني وبن علي وعلي فقط أو شخصيا، ولا هي على الظلم والفساد والاستبداد الداخلي فقط؛ ولكنها ثورات على كل الزعماء الذين يقيمون نظمهم على الاستبداد والقمع الداخلي والخنوع والمهانة على المستوى الخارجي.. من ينظر إلى الأمور من هذه الزاوية يرى حتما الغرب في صف النظم لا في صف الشعوب ويلمس جدية تخوف الغرب من الغرب علاقات وسياسات مستقبلية تقوم على الندية والاحترام بدل الاتباع والطاعة.. وعليه فمن يترجى دعم الغرب لهذه الثورات أو يتوقعه فإنما منطقه كمن يترجى أو يتوقع من حسني وبن علي والقذافي أن يدعموا الثورات عليهم. 2- لا يجوز أن تتلوث هذه الثورات بدعم الغرب أو حتى محاولة خطب رضاه فذلك شائن لها مفسد لوطنيتها ناف لالتفاف الشعوب حولها.. ولا تجوز الغفلة عن أن هذا الغرب ليس جمعية خيرية وبالأخص إذا تعلق الأمر بنا وبقضايانا وحقوقنا وإصلاحاتنا.. ولنلحظ الثورة الفلسطينية – الأطول في التاريخ الحديث والتي تواجه العدو الذي لا يختلف اثنان على عداوته – وكيف تبدل حالها وإلام انتهى مآلها عندما قبلت أن ترتب أولوياتها وفق أطروحات النسبية والمقايضة.. وتلقت بناء على ذلك الدعوم الملوثة بالإملاءات.. إذن فالثورات العربية يجب أن تبقى ناصعة مطلقة (وبالأخص في جيلها الأول). 3- الغرب عاجلا أم آجلا سيعترف بالحقيقة، وسيفهم أن شعوبنا لم تعد تقبل بالكثير الذي كانت تقبله، وأنها تحتاج للكثير من بادرات وإجراءات حسن النية وإلى الكثير من الوقت ليجلو وحر قرون من العنف والعداء.. وأن التدخل المباشر وغير المباشر لتنصيب (الزلم) والنظم التي تقدم لهم - للغرب - كل شيء فقد ولى زمانه وانتهى وأنها اليوم حتى لو بقيت فهي تداري رأسها.. 4- أن جزءا من عدم تدخل الغرب في ليبيا هو نتاج خلاصة تجربة التدخل – الغزو – في العراق وأفغانستان وهو ما ينبغي استثماره وتعميق أثره في الوجدان الغربي وعدم الاستهانة به.. وذلك يعني أن الأولوية يجب أن تبقى لتدخل عربي ولا بأس أن يكون مدعوما لوجيستيا من أي جهة خارج نطاق مجلس الأمن والقانون الدولي حتى في حالته البائسة.. النظم العربية هنا على المحك ولربما يكون تعاملها مع المشكل الليبي معيارا ومقياسا لوطنيتها ولتحديد قربها أو بعدها عن احتمالات الثورة عليها.. الثورة الليبية عليها أن تكون أكثر حدية وجدية في رفض التدخل الغربي المباشر المندفع ذاتيا من دون غطاء أممي وقانوني والمستقل عن التدخل العربي مهما كانت الاعتبارات أو الاجتهادات أو الخسارات.. فذلك مقتل للقيم الثورية التي تقوم وتنطلق عليها كل الثورات.. والسبب هنا بسيط وواضح هو أننا لا نأمن الغرب على بلادنا ولا نأمن ضبط وفرز الدوافع والمديات التي يمكن أن ينطلق أو يصل إليها تدخله.. 5- الغرب استمر في عداوتنا منذ ألف وأربعمائة سنة حتى الآن، واحتل بلادنا وبدد وحدتنا وأزال ملكنا وخلافتنا الراشدة ذات يوم (قريب) وهو الذي أقام الكيان الصهيوني الغاصب من دون أدنى وجه حق ودعمه وعززه في كل ما هو ضد وجودنا وضد مصالحنا، وهو الذي رعى نظما متهرئة جارت علينا وأفسدت ذات بيننا، وزور الانتخابات الأفغانية ورفض نتائج الانتخابات الفلسطينية ودعم تزوير نظام (الساقط) حسني مبارك، ولا يزال يدعم نظما أخرى ليست أقل فسادا واستبدادا ممن لم تصله الطاحون بعد.. والغرب بمعناه الرسمي ونظمه وأحزابه (المتحكمة تحديدا) هو الذي يدير علينا حربا وعدوانا شاملا مباشرا في فلسطين والعراق وأفغانستان وغير مباشر في طول بلادنا وعرضها وتحت عناوين كثيرة، وهو الذي ينتهك القانون الإنساني والأخلاقي في سجونه (جوانتنامو وأبو غريب) ويستخدم الفيتو ضد كل قرار فيه رائحة إنصاف لنا، ويفتح علينا أبواب الشر تباعا من قضية الحجاب إلى المآذن إلى الرسوم المسيئة إلى تصريحات بابا الفاتيكان.. وسلسلة طويلة جدا مما لا يمكن حصره من أوجه ونماذج وأنماط السلوك العدواني.. 6- يخطئ من يتوهم أن الغرب يمكن أن ينحكم أو يتحاكم لقانون أو لأخلاق أو أنه قد غير عقيدته وموقفه التاريخي؛ منا كأعداء، ومن قضايانا كمجال لإدامة الصراع والإخضاع، ومن نفسه كمستعل ومتحكم ومتدخل فينا وفي حاضرنا ومستقبلنا، ومن بترولنا وثرواتنا وأجوائنا التي يعتبر امتلاكنا إياها مجرد صدفة (وخطأ وجودي) وأنه الأولى بها، وأنه لا بد من إعادة تصحيح (خطأ الرب فيها كما قالوا) تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.. ويخطئ من يصدق أن هذا الغرب يعرف أو يقبل بالديموقراطية خارج الحدود التضاريسية والجغرافية لبلاده وخارج عرقيته الغربية وخارج مصالحه الضيقة.. آخر القول: لا بد أن نرى الغرب على حقيقته لا كما نحب أن نراه.. وعلى الغرب أن يستوعب التغييرات الجارية وأن يعلم أنه بتدخلاته واعتداءاته كان أحد أهم أسباب إثارة غضب الشعوب وإشعال الثورات العربية الحالية فيها، والغرب مشتبه به بل متهم كداعم للساقطين ما استمر في إمساك العصا من الوسط، وما استمر في المناورة بين المبادئ والمصالح وما استمر في الدعم المبطن للقذافي وأمثاله.. وعلى الغرب إذا كان متأكدا من أن القادم مختلف أن يعلم أن اللحظة حاسمة..
526
| 17 مارس 2011
رئيس وزراء العدو "نتنياهو" صرح قبل يومين أنه بصدد إعداد خطة سلام جديدة، أتى ذلك متزامنا مع تصريحات لـ "يهود باراك" وزير الدفاع في حكومته قال فيها: إن بلاده قد تطلب زيادة المساعدات العسكرية الأمريكية لها بـواقع 20 مليار دولار، على خلفية "الاضطرابات" التي تجتاح العالم العربي، وأن قادة مصر الجدد قد يلتزمون في الوقت الراهن بمعاهدة السلام مع "إسرائيل" إلا أنهم قد يستسلمون في النهاية للضغوط الشعبية ضدها، وقال: إن مسؤولا مصريا رفيعا حذره مؤخرا من احتمال أن تغير الحكومة الجديدة في القاهرة موقفها تجاه "إسرائيل" إلا إذا بذلت الأخيرة جهودا جدية لتحقيق السلام مع الفلسطينيين (لاحظ التخوف الأمني في كلامه، ولاحظ تخوفه من أن تنجح الثورة المصرية، ولاحظ محورية ما أسماه الاضطرابات في هذا التخوف، ولاحظ المحصلة المطلوبة – جهود جدية لتحقيق السلام) أما اللواء احتياطي في جيش العدو "عوزي دايان وزعيم حركة تفنيت والرئيس السابق لما يسمى "مجلس الأمن القومي الإسرائيلي" والمقرب من بنيامين نتنياهو فقد قال: يتعين على "إسرائيل" في ضوء حالة عدم الوضوح القائمة حاليا في المنطقة، أن تأخذ زمام المبادرة للقيام بما يخدم مصالحها، مثل تلقف الاتصالات مع سورية، ودفع عجلة الحل الإقليمي التي من شأنها خلق نظام مشترك يضم المملكة الأردنية الهاشمية والفلسطينيين، والأجزاء الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، واعتبر ذلك هو المفتاح للحل الاستراتيجي في المنطقة.. (لاحظ العمه السياسي الذي يعبر عنه قوله "حالة عدم الوضوح" ولاحظ أنه يرى الثورات العربية قد أمسكت بزمام المبادرة وهو يدعو لاستعادته، ولاحظ تخوفه من حلف مصري سوري لبناني فلسطيني وربما يصير أردنيا أيضا، لذلك دفع باتجاه اتصالات مع سوريا التي تمادوا كثيرا في تجاهلها والاستعلاء عليها – ولذلك أيضا وضع استحضر دورا للأردن دورا بعد كل العزل عن الشأن الفلسطيني الذي مارسه عليه منذ إقامة سلطة منظمة فتح والتي اكتفى بها عن أي دور أو شريك آخر ولو من قبيل اللياقة الدبلوماسية). من يرصد لغة خطاب العدو الموجه إلينا أو الموجه للرأي العام الصهيوني يجده يأخذ منحى استراتيجيا يؤكد أنهم في قلق حقيقي وأنهم يشعرون بخطر جدي من التغيرات والتحولات الجارية من حولهم والتي دأبوا على وصفها بالزلزال.. هم يحاولون تطمين أنفسهم بالقول إنها تحولات ديموقراطية تتفق مع ديمقراطية "إسرائيل"! وإنها على المدى البعيد ستوحد جهودهم مع العالم ضد الإرهاب، وإنها ستقرب وجهات نظرهم مع الغرب.. وإنها سترفع من قيمة وجود "إسرائيل" في المنطقة.. إلى غير ذلك من تصريحات هي أقرب للمعالجات النفسية والأمنيات والخيالات السياسية. جدير هنا أن نتذكر ما قاله بن جوريون – أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني – في مذكراته من أن كيانه يجب أن يقوم على ثلاثة مقومات وتتحكم في إمكانية بقائه؛ وهي "الهجرات الصهيونية، والاستيطان، والاندماج في المحيط العربي"؛ وجدير أن نلحظ ما بينها من تناقض نظري، يفترض أن يستتبع تناقضا واقعيا وعمليا فالهجرات والاستيطان اللذان هما التجسيد الواقعي للاحتلال لا يتفقان ولا ينسجمان مع التطبيع الذي هو السلام والرضا.. ومن هنا كانت "إسرائيل" دائما تدعو للسلام وإن لم تأته، ولهذا أيضا قبلت بإرجاع سيناء لمصر كثمن للتطبيع وإزالة التناقض بين مقومات وجود وبقاء الكيان، ولهذا أيضا اعتبر قادة العدو – حاييم وايزمن – معاهدة كامب ديفيد بوزن يوم إعلان دولة "إسرائيل". الذي حدث بعد ذلك من جهة سلطة منظمة فتح والنظام المصري "الساقط" ونظم أخرى سقوطها على الطريق – إن شاء الله – هو أنها قبلت بالتطبيع والاندماج ووفرت للعدو المقوم الثالث في ظل استمرار الاستيطان والهجرات.. هنا بالضبط تأتي قيمة وأهمية بقاء هذه النظم بالنسبة للعدو، وجريمة وخطورة بقائها بالنسبة لنا، وبه نفهم تخوف الصهاينة من زوالهم، وعظم الأمل والاستبشار المترتب على زوالهم بالنسبة لنا، وهنا أيضا تأتي قيمة وجدوى عملية التسوية بالنسبة للعدو (كعملية وليس كتسوية) لأنها أطلقت التطبيع والاندماج بل التعاون تحكما واعتداء على الحقوق الفلسطينية واستهانة واستخفافا بمعاني القومية وقيم الوطنية وانتهاكا لأسماء وتاريخ وكرامة دولنا وشعوبنا.. ولعل هذا يفسر كلام الطيب عبد الرحيم في أول أحداث ثورة 25 يناير المصرية عندما قال "إن سقط النظام المصري سقطت السلطة الفلسطينية!". قد يقال: وما الذي سيمنع من أن يقع تحريف وتلويث الثورات العربية الحالية كما حرفت ولوثت ثورات الاستقلال الأول أواسط القرن الفائت؟ خاصة وأننا نرى محاولة لإشعال فتنة طائفية في مصر تخلط الأوراق وتحرق الأخضر واليابس.. وأقول: كل هذا ممكن ولا يجوز الاستخفاف بخطورته.. ولكنه محكوم بالفشل وهي لا أكثر من أمنيات للعدو.. وضمانة ذلك أن الثورات الجارية شعبية عامة وعارمة وشاملة، وأن شعوبنا عرفت طريق العزة واكتشفت أنها تستطيع في أيام وبتضحيات قليلة تغيير نظم متمكنة وأن تستعيد ثقتها بنفسها وقدرتها على تنصيب النظم والحكام ونزعهم وعلى تشكيل الحكومات وعزلها، وعلى رسم السياسات والمواقف الوطنية والقومية والمحاسبة عليها، والضمانة أن شعوبنا التي كثيرا ما حدثوها عن الوطنية والإخلاص الوطني رأت بأم عينها كيف تسرق مئات المليارات من قوتها لفلان وابنه وحفيده، ورأت أحزابا كانت تظنها متجذرة ومتمكنة (كالحزب الحاكم في مصر وتونس وكاللجان الثورية في ليبيا) رأتهم أهون من أن يثبتوا أسبوعا واحدا بدون الحاكم، ورأت وزارات يفترض أنها وطنية صارت تتهم بتفجير الوحدة الوطنية والتحريش بين الناس والطوائف والمذاهب.. ورأت كتابا ومطبلين كانت ألسنهم طوالا ووقاحتهم موصوفة رأتهم ينهارون وينافقون ورأتهم في غاية السخف والتهتك القيمي والأخلاقي عندما ينقلبون على ولي نعمتهم ويبصقون على من أقامهم في منابرهم.. فما عادت لغة الإنشاء العاطفي تعني لشعوبنا أكثر احتمالية أن تخفي تحتها من الخيانة واللصوصية ما هو خطير وكبير.. الضمانة أيضا أن شعوبنا خبرت العدو وطريقته في التملص من الالتزامات والاتفاقات ورأت ما انتهت إليه عملية التسوية المهينة من فشل وعبث وتغطية على الاستيطان والتهويد وما انفضح من مستور سلطة منظمة فتح ورموزها والنظم الداعمة والمورطة لها.. فسقطت شعارات (سلام الشجعان، والضوء في آخر النفق، والربع ساعة الأخير، وخذ وطالب..) وما عادت تنطلي على الناس مقولات: (المقاومة السلمية، والرأي العام الدولي..). آخر القول: إذا أضفنا لتخوفات العدو من الثورات العربية الحالية فشل أمريكا في العراق وأفغانستان ونظرنا للنزول الحاد في الخط البياني للاحتلال الصهيوني واستحضرنا التغيرات في المربع الاستراتيجي التركي لصالح قضايانا وأمتنا بعد حكومة حزب العدالة الإسلامي.. إلى غير ذلك مما لا مكان لحصره من المؤملات.. فإن ما أشار إليه السيد خالد مشعل "رئيس مكتب سياسي حماس" من أنهم بصدد وضع تصور شامل للمرحلة القادمة يعلي شأن المقاومة قد صار لغة أقرب إلى منطق الواقعية السياسية من منطق الذين يجترون الخصومات ويلوكون مصطلحات التسوية ويتوهمون الهزيمة.
509
| 10 مارس 2011
أصدر "مجلس الأمن الدولي" قرارا بالإجماع السبت الماضي 26 / 2 وبدون فيتو أمريكي وحمل الرقم 1970 وقضى بفرض عقوبات قاسية على معمر القذافي وعائلته ومقربين من نظامه، واعتبر "الهجمات الواسعة والممنهجة" الحاصلة ضد المدنيين في ليبيا يمكن أن ترقى إلى تصنيف "الجرائم ضد الإنسانية"، ورفع الوضع إلى مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية.. هذا القرار أيدته الغالبية العظمى من مثقفي ونخب ووطنيي الأمة وفيما هو في معنى التأييد سكت آخرون منهم علماء وسياسيون ونشطاء ونخب لهم كلمة عليا ومصداقية مشهودة لا يتطرق إليها الشك في مثل هذا الشأن.. ربما حتى لا يسجلوا على أنفسهم موقفا صريحا في دعم قرار غربي قد يستثمر عدوانيا ويصبح القرار تكئة ومدخلا للتدويل ومكيدة يتسلل من خلالها الغرب الصليبي والشيطان الأمريكي إلى المشهد السياسي والاقتصادي والثوري الليبي.. صاحبي سألني: هل نحن منسجمون مع أنفسنا إذ نفرح بالقذافي حينا ونجده مسليا وثوريا وإذ يعجبنا ما يقول، وإذ نُشيد بخطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة الذي تهجم وتهكم فيه على مجلس الأمن ونعته بالحكومة الاستعمارية للعالم.. ثم نأتي اليوم لنؤيد نفس الخصم "مجلس الأمن" في فيما يشبه الثأر من الرجل أو الزعيم؟ وقال: هل نسينا من هو وما هو مجلس الأمن، ومن يسيطر عليه، وكيف تتخذ قراراته، وماهية ونوعية دور أمريكيا - عدوة الديموقراطية والإنسانية في كل ما يتعلق بنا وبقضايانا؟ وتساءل صاحبي: أليس مجلس الأمن هذا هو ذاته المجلس الذي عجز أو تآمر أو تملص يوم 19 / 2 الماضي من إدانة الاستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية؟ وتساءل : أليس يجب أن يدفعنا قرار مجلس الأمن هذا إلى إعادة تقييم الموقف من الزعيم الليبي ومن الثورة عليه ومن كل ما بات يسمى "الثورات العربية"؟ ولماذا نستبعد – بناء على ذلك – أن تكون الثورات مجرد مؤامرات ؛ خاصة أن أمريكا – كما تقول – تجري تواصلاتها مع الثوار شرق ليبيا؟ قال صاحبي : فإذا كان القرار معبرا بشكل صريح عن الإرادة والتدخل الأمريكي في ليبيا ؛ فكيف يستقيم أن نرفض هذه الإرادة وذلك التدخل في حالات مشابهة بل أسوأ كحالة العراق وصدام حسين الذي فعل بشعبه أكثر بكثير مما يفعل القذافي بشعبه؟ وعليه فلماذا لا يكون العراقيون والنخب والسياسيون و"العلماء" الذين أيدوا الغزو الأمريكي للعراق محقين ومعذورين؟. وأضاف: ثم هل علينا - في سبيل تسويغ وتقبل الموقف الغربي ضد القذافي - أن ننسى مكارم الرجل وحقيقة تناقضه مع هذا الغرب الذي وصل به في 14 / 4 / 1986 أن يسقط على ليبيا أكثر من ستين طنا من القنابل تلقيها أكثر من مائة وستين طائرة حربية أمريكية؟ وأن نتجاهل مطامع الغرب وأمريكا في ليبيا البترولية؟ وننسى محاولته كسر الحصار على غزة، وإرساله الباخرة التي حملت ثلاثة آلاف طن من المساعدات والإغاثات للشعب الفلسطيني المحاصر؟.. في المحصلة هل يجب أن نغضب أم أن نفرح بالقرار ضد العقيد؟ وهل يجب أن ننظر إلى القرار من زاوية الاتهام والشك فيمن أصدروه أم من خلال مصلحة الثورة الليبية فيه؟. هذه أسئلة تطرح وثمة آخرون تدور في خواطرهم وآخرون يتجنبون التفكير فيها حتى يبقى للثورة الليبية ألقها وزخم احترامها كحالة ثورية بدأت تعيد لنا شيئا من التوازن بعد دهور من الإحساس بالهزيمة والتلاشي.. لكن أسئلة أخرى يجب أن تطرح وحقائق أخرى يجب أن تستحضر من أجل رؤية الخط الاستراتيجي الصحيح الواصل بين كل المواقف مهما بدت متناقضة ولتتشكل الصورة الموضوعية والنهائية تجاه ليبيا وتجاه ثورات أخرى يتوقع أنها على الطريق. ونتساءل: لو أن التدخل الغربي والأمريكي في الموضوع الليبي جاء في سياق التعدي على ليبيا كالتعدي على العراق عام الـ 2003 أو في سياق معاقبة القذافي على خطابه المذكور أمام الأمم المتحدة، أو في سياق معاقبته على محاولة كسر حصار غزة ؛ هل كان لأحد أن يقبل بهذا التدخل وهل كان الشعب الليبي ليتخلى عن القذافي أو عن بلده ووطنه؟ وإذا أردنا تقرير حقيقة في هذا الباب؛ أليس قد قامت الثورة الشعبية الليبية في الوقت الذي فيه القذافي صديق الغرب ويستقبل لديه استقبال الحليف؟ ألم يقل القذافي "الغرب خانني" وماذا يعني ذلك؟ أليس للقذافي علاقات أكثر من طبيعية مع إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وحتى مع أمريكا إلى ما قبل انطلاق هذه الثورة بيوم واحد؟ وهل يشبه حاله مع الغرب حبا أو كرها حال صدام حسين معهم آخر عهده؟ وهل يجب أن تكون ذاكرتنا "مهرهرة" وأن نعاني من الجمود الذهني على أفكار مسبقة لنقبل ما يوقعه القذافي من فظاعات بحق شعبه؟ ثم إذا كان الشعب الليبي بالفعل يواجه هذه الفظاعات فهل المطلوب رفض قرار مجلس الأمن لمجرد أن الغرب هو الذي اتخذه؟ صحيح أن للغرب مطامع وأنه يوظف كل العوامل الإنسانية والقيم الفاضلة وأنه يقلب الموازين المعتدلة في سبيل مصالحه الضيقة ونكاياته التاريخية ؛ لكن ذلك لا يعني رفض دعاواه وبالذات ما كان منها مبررا أخلاقيا.. وإلا فلماذا نلجأ لمجلس الأمن لدعم قضيتنا في فلسطين مثلا؟.. المطلوب ليس رفض ورد كل ما يأتي من الغرب ولكن وبشكل حاسم لا هوادة فيه رفض ورد التوظيف البائس له ورفض تمكينه من اغتيال وتحريف الثورة وأهداف الثورة.. وهو ما تفعله الثورة التي أعلنت وأكدت أنها لا تقبل بالتدخل الأجنبي وأنها ستقاومه لو حصل.. وأما مراجعة الموقف من القذافي في ضوء استهداف الغرب له.. فالمراجعة الصحيحة تقتضي أن نرى السقوط المريع للقذافي وابنه الذي ربما كان يظن أنه من جيل يؤمن بالتغيير ويتفهم مطامح الشباب وإذا بهم قتالون إرهابيون مجرمون.. وأما أن القذافي قدم كذا وكذا للقضية الفلسطينية أو فعل كذا وكذا من المكارم؛ فالسؤال : هل يبرر ذلك له أن يقتل شعبه أو أن يسرق مقدرات ليبيا وأن يستولى له ولعائلته على عشرات إن لم يكن مئات المليارات وأن يمنع الاعتراض السياسي إلى درجة قتل 1170 معارضا سياسيا في سجن أبو سليم بالعاصمة طرابلس عام 1996 إلى غير ذلك مما سجل على نظامه من الفساد والانحراف والإجرام؟ يذكرنا ذلك بجماعة سلطة منظمة فتح في رام الله الذين يتشدقون بالطلقة الأولى وقيادة النضال الوطني.. ثم يبنون على ذلك ليس الثبات على المبادئ والمغالاة في الحقوق ولا الإنجازات.. ولكن التنازلات الاستراتيجية والتنسيق الاستخباري مع العدو والتمثيل الإكراهي للشعب الفلسطيني والتعطيل المتعمد والممنهج للقضية.. ثم كم يعادل ما قدمه القذافي للقضية الفلسطينية بالمقارنة مع ما يجب عليه؟ هذا نقوله في ظلال ثورة عربية كبرى تشكل ليبيا وثورتها وتصحيحاتها جزءا منها لا كلا لها، ويؤمل منها ويراد لها أن تصحح مسار قرن كامل من العبث العربي والسقوط الحضاري تجاه هذه القضية خصوصا وكل قضايا الأمة عموما. آخر القول: مهما كانت الخصومة بين القذافي والغرب، وكان لذلك علاقة أو خلفية بالنسبة للقرار الأممي ضده؛ ومهما كان هامش الفرق بين القذافي والساقطين السابقين "مبارك وابن علي" فلا يجوز أن يؤثر ذلك على تقييمنا للثورة الليبية واعتبارها جزءا محترما من ثورة الشعوب العربية، وبنفس القدر لا يصح في عقل ولا يجوز في فكر التساهل في تقييم خطورة التدخل الغربي والأمريكي في الثورة الليبية وغير الليبية مقصدا وواقعا ومستقبلا..
1290
| 03 مارس 2011
لا بد من فهم وتحليل هذه الانقلابة الكبرى التي تتفاعل الآن في أكثر من بؤرة في أوطاننا وتتحضر على أكثر من أرض في بلادنا.. هذه الانقلابة تقوم على ثلاثة أسباب لم يفهمها القذافي ومن قبله حسني وابن علي ويبدو أن آخرين على شاكلتهم لا يزالون أقصر وأقل من أن يرصدوها أو يتعاملوا معها ؛ الأول هو: أن ما تعانيه الأمة في مجموعها العام وعلى مستوى كل دولة في القضايا الكبرى والخط الاستراتيجي والسياسات الخارجية التي تتردى في المزيد من التدهور يوما بعد يوم سببه ليس العجز ولا نقص الموارد المادية أو المعنوية ولا هي أسباب موضوعية.. ولكنه طبيعة النظم المتخلفة في إدارتها ومفاهيمها والفساد المستشري في أركانها وعدم وجود آليات صحيحة للتداول السياسي واتخاذ القرارات.. وعليه فلم يعد مقبولا أن تزيف إرادة الشعوب أو تفرض عليها المواقف لمجرد أن النظام يريدها حتى لو كان النظام المسيطر في قمة الوطنية والثورية والإخلاص الوطني فكيف إذا كان مجرد ظاهرة صوتية أو ملابسية أو شعاراتية كما القذافي!؟ وكيف إذا كان خائنا عميلا للعدو وفاسدا ومفسدا كما نظام حسني وابن علي!؟ السبب الثاني: هو أن الشعوب اكتشفت – وبالأخص بعد الثورتين التونسية والمصرية - قدرتها على التغيير وفي أيام قلائل ما تراكم عليها من عفونات في عقود وربما في قرون.. السبب الثالث: الفهم المغلوط للاستقلال الوطني والعزل القسري وغير الموضوعي بين شعوب الأمة ماديا ومعنويا الذي تمارسه بعض النظم بالأخص وشعوبنا ترى العسف الصهيوني والتعالي الأمريكي وسيلان الدماء العربية والإسلامية وانفراد العدو بكل دولة من دولنا ونظمنا التي صارت تفتقد الحد الأدنى من الدفاع المشترك بل التنسيق المشترك والحد الأدنى من الاحترام العالمي.. هذه الأسباب الثلاث هي ما ميز النظم الثلاث التي بدأت الثورة بها، وهو ما لم تلتفت له بالذات تلك النظم التي انكفأت على الهم الداخلي أو دخلت في ولاءات وتعاونات خارج قومية وخارج وطنية.. نعم لقد اكتشفت الشعوب أنها المحرك والمتحرك وأنها المفيد والمستفيد وأن كل ما سوى ذلك هو تبع أو رجع صدى.. فلم تعد هي تلك الشعوب الساذجة والبسيطة التي يكاد اهتمامها يتمحور حول رغيف الخبز وعشرات الأمتار لبناء مسكن العمر أو قبر الممات.. لقد انفتح العالم على مصراعيه أمامها وباتت تتواصل مع العالم كله فرديا وشعبيا وطلابيا ونخبويا وفي كل المجالات حتى في الهوايات والملهيات.. لقد تجاوز مقياس التفوق والإحساس بالحرية لدى شعوبنا وشبابنا حدود الاستقلال الوطني لأية دولة.. فتقاربت ثقافة الاستقلال والحرية وزاد من حدة وموضوعية هذا الاكتشاف التهديدات الصهيونية وتبدد الآمال بحل لقضية فلسطين التي شكلت في العقل الجمعي للأمة وعبر عقود طويلة وثقافة ممتدة القضية الأولى والمقدمة حتى على الهم الداخلي لكل دولة.. ذلك صنع ثورة في كل نفس وبالتوازي في كل دولة ولدى كل شعب من شعوبنا.. وذلك لم يفهمه القذافي وأبناؤه ونظامه.. وهو ما يبدو أن نظما أخرى سيأتي عليها الدور بقدر ما لا تزال تفهمه أو تلك التي ترقع المواقف وتحاول شراءه بتغييرات هامشية في وجوه الاستبداد والفساد وبوعود محاربة البطالة وبزيادة الصرف على ترفيه المواطنين.. فإذا خصصنا الحديث عن القذافي فهو – وكما أثبتت الأيام الماضية – يظن أنه لا يزال ذلك القذافي لدى الليبيين في الستينيات حيث استولى عسكري برتبة عقيد على حكم بلاد مديدة عديدة ممتطيا الخطاب العروبي ومتواريا تحت جناح ثورة يوليو - عبدالناصر - ومدغدغا حلم تحرير فلسطين، وإذ كان يصدق الناس شعارات " جوع يا سمك " و " حنوأع إسرائيل في البحر " التي كان لها صداها في إتْباع وإخضاع الجماهير وفي وصم المعارضين بالعمالة والخيانة وثم استباحة دمائهم وتخويفهم.. القذافي – هذا المأساة المسلية - نسي أن الشعوب كفرت بكل الخطابات العنترية التي كلما علا زعيقها كان ما تخفيه من الخيانة والعجز أكبر، ونسي أن للأمة عقلية جمعية تختزن المواقف وتحاسب عليها، ونسي أن المقاومة في لبنان وفي فلسطين اللتين لم تنالا منه إلا الكلام وأحيانا لم تنالاه قد سطرتا أمجادا لا تدركها ذهنيا لجانه الثوريه فضلا عن أن تقارنها أو تقاربها.. القذافي وأبناؤه ونظامه لم يتنبهوا إلى أن كل ما حولهم قد تغير، وأن شعبهم يقرر في الشوارع وفي مراكز المدن وفي مواقع ثقل الحضارة الليبية وفي الجامعات وفي مواقع التواصل العالمي الإعلامية والإلكترونية الحقائق على أرض الواقع ؛ في الوقت الذي ينشغل هو وابنه بالسب والقذف والتهديد ويتقيآن أمراضهما النفسية. لقد مرت سنون وسنون على الأمة تقلبت فيها على جمر البعاد عن الدين كعقيدة وكسلوك، وعلى تيه الانفكاك القومي والسياسي، وعلى هوان الهزيمة المادية والمعنوية والجهل والأمية في حين أنها أمة (إقرأ) وأمة (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب)، ومرت أزمان وأزمان على الأمة هانت في نظر نفسها وهانت في نظر عدوها حتى جاملت وداهنت وانحكمت لزبالات الأمم الصهاينة، وحتى وصل الحال أن يقف " المعتوه الأحمق " والإرهابي المتطرف " جورج بوش الابن " ليرسم لها سبيل الرشاد وليصف لها قوارب النجاة ؛ وهي أمة (كنتم خير أمة أخرجت للناس)، ومضى حين من الدهر على الأمة تفكك فيه كيانها أشتاتا إلى ست وخمسين دولة لكل منها علمه وزعيمه وجيشه ورموزه وإشكالاته وتبعثرت أو بعثرت قوتها وكينونتها شذر مذر وصارت وحدتها كسورا عشرية ومئوية في حساب الآخرين ؛ وهي أمة (وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون).. أليس قد خسرت وفقرت وعمتها البطالة والعوز وهي أمة البترول والمناخات وأمة النيل ودجلة والفرات وأمة مئات الآلاف من العقول " المهاجرة " وعشرات ملايين الكيلو مترات من الأراضي الزراعية؟ آخر القول: لقد أثبتت الثورات الثلاث (التونسية والمصرية ثم الليبية) حقائق كثيرة وقدمت من العبر وكشفت من الحقائق وأعطت من المفاهيم ما سيبقى ميدانا للكتاب والمفكرين والمؤرخين والسياسيين والنخب والباحثين يدورون حوله ويستنبطون منه وما سيغير صورة الحالة العربية وبالتبع منها الإسلامية التي ترسخت منذ قرن بل عدة قرون المتأخرة في تاريخ الأمة، وما سيغير الصورة من السلبية إلى الإيجابية ومن الجمود إلى الفاعلية ومن الخنوع وقابلية الهزيمة إلى العزة والنصر.. حقائق كثيرة ستكشفها الأحداث وآفاق واسعة ستفتحها الثورات وخبايا لا تنتهي ستفضحها الأيام.. فنحن في أيام يصنع فيها تاريخ جديد للأمة.. سنعيش بعضه وأبناؤنا وأحفادنا سيعيشونه ويتنعمون به لعقود وربما لقرون آتية..
642
| 24 فبراير 2011
سقط مبارك وسقط نظامه بعد سقوط بن علي وسقوط نظامه.. وهما مثال لكل نظام يعتمد على قوة البطش والتزوير وشراء الذمم والإكراه على مستوى تسكيت المعارضة، كما يعتمد الخضوع والخنوع والانخراط في المشروع الصهيوني على مستوى العلاقات الخارجية واكتساب الشرعية.. ولذلك بلا شك أثره على كل الساحات والمعادلات السياسية في المنطقة وبالأخص منها تلك التي تنحو هذا النحو في ممارسة السلطة واكتساب الشرعية.. سلطة منظمة فتح وبما لها من ارتباط خاص بنظام حسني مبارك وبالكيان الصهيوني وبانتمائها لنفس الأيديولوجية ولنفس المعسكر يجعلها الأكثر تعرضا وتأثرا برياح التغيير أو برجع صدى هذه الثورة المجيدة.. (ربما تسبق شعوب أخرى وربما يتأخر الشعب الفلسطيني لخصوصية معادلات هذه القضية ولكن الخطأ القاتل هو الاعتقاد أنه يتأخر خوفا أو انصرافا أو غفلة) فإذا تحدثنا عن أثر سقوط نظام حسني على السلطة فإننا نتحدث عن أثرين اثنين؛ الأول: أثر مباشر؛ والثاني: أثر غير مباشر ؛ أما المباشر فحيث فقدت السلطة ساحة مهمة للتحرك ونصيرا إستراتيجيا في كل المواقف والسياسات والممارسات وفي مواجهة قوى المقاومة وفي كسب الشرعية بعد انتهاء شرعية السلطة وانتهاء شرعية الرئيس وانتهاء شرعية مؤسسات المنظمة.. أما الأثر غير المباشر فحيث إنه سيترتب على سقوط هذا النظام تغير إستراتيجي في معادلات السياسة العربية لصالح محور المقاومة وبالأخص إذا قام في مصر نظام يفتح آفاقا لدعمها وما سيؤدي إليه ذلك من حشر وحصر لمشروع التسوية، وكشف الغطاء عن السلطة. أن يسقط نظام حسني مبارك بالنسبة لمنظمة فتح وسلطتها وتوليفتها فتلك مصيبة، ولكن أن يأتي ذلك في الوقت التي يلوك الإعلام سمعتهم وتتكشف مستورات خيانتهم وفي حين يفتقدون البوصلة الوطنية وحيث تتوقف عملية التسوية وإذ يتصاعد إحساسهم بالتلاشي.. فذلك يجعل المصيبة عليهم أعظم وأكثر وأكبر وأخطر ويجعل وجودهم في حد ذاته فضلا عن أي شيء سواه يجعله في نظر الرأي العام الفلسطيني والعربي مثار استقذار واستفزاز.. فكيف إذا جاء كل ذلك في مرحلة تبشر باستعادة الشعوب لحقها في التظاهر والاعتراض والمراقبة والمحاسبة والانتفاض؟ وفي وقت صارت نظم وهي أكثر تجذرا وهيمنة على شعوبها تداهن الرأي العام لديها وتتوسل إليه بالتبرؤ من خطايا هي عشر معشار ما يتودك به سلاطين سلطة فتح ومستثمروها. أزمة هؤلاء اليوم متعددة الأوجه، وهم في حال أكثر بؤسا من أي بؤس كانوا يتوقعونه، وأكبر من أي بؤس تكرس على رؤوس بقية حلفائهم، وإذا كان الماضي لم يسلم لهم عندما كانوا في الصدارة وعندما كانوا في إقبال على المجد وكان لهم لسان مقبول وقول معقول ؛ فهل سيقبلهم الناس اليوم وهم في إدبار وسوقهم في انفضاض؟ لكنه اختيارهم على كل حال، وهم الذين ارتضوه لأنفسهم، (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) فهي إذن عاقبة تناسب انحرافهم وتجازي ما اختاروه من السلامة مع الهوان وتفريط بدماء الشهداء وتحالف مع الشيطان. هم اليوم في " حيص بيص " ويتلمسون المخرج الذي لا يعثرون عليه ؛ لأنهم وللمرة الألف لا يزالون يخطئون نفس الخطأ.. ما يحاولونه لا يخرج عن تجزئات لا تسمن من شبع ولا تغني من جوع، ولا يخرج عن شغل الناس بالملهيات لصرفهم عن همومهم الأساسية، ولا يخرج عن معاداة المقاومة ومحاولة حشرها في الزاوية، ولا يخرج عن سياق التحالف الصهيو أمريكي، ولا يخرج عن تجاهل الرأي العام الفلسطيني والاستخفاف به وتزويره وتزييفه، ولا يخرج عن نظرتهم المريضة لأنفسهم على أنهم مع القضية في حالة حلول واتحاد وأنها هم وأنهم هي قصرا وحصرا لمردوداتها المغنمية دون المغرمية، كما لا يخرج عن تعديهم على القرار الفلسطيني وعلى قرار منظمة التحرير وامتطاء لجنتها التنفيذية ومجلسها المركزي ومجلسها الوطني.. وأخيرا هم لا يخرجون عن مراد الاحتلال وعن الغرق في النكايات الصغيرة.. العجيب الذي يدلل على إفلاسهم وأنهم لا يملكون أمرهم ولا يبصرون حالهم ولا يتوقعون مآلهم أنهم وبعد كل هذا السقوط وكل هذا الإحساس بالتلاشي وبدلا من أن يقوموا بإجراء مراجعة شاملة لخياراتهم وعلاقاتهم وطروحاتهم ولو من قبيل استباق انتفاضة شعبية لا يجوز أن يستبعدوا احتمالاتها.. بدلا من كل ذلك راحوا يسترجعون ورقة المصالحة التي حاول نظام مبارك الخؤون فرضها لصالحهم.. ولا أدري كيف يظنون أن المقاومة ستقبلها اليوم إذا كانت لم تقبلها يوم كان نظام مبارك نظاما في سدة الحكم وبمخالب وأنياب، ويسترجعون مسألة الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي هي استعراض وتدليس يوحي بأنهم يسعون للشرعية والديمقراطية التي يقتلونها ليل نهار.. هذه الانتخابات سبق أن طرحوها وسبق أن تراجعوا عنها واعترفوا بأنها غير ممكنة في ظل الانقسام وأن إجراءها في جزء من الوطن سيؤدي لتجزيء الشرعية الرئاسية والتشريعية.. ولا أدري ما الذي جعلهم يتناسون أثر الانتخابات الجزئية على نقص شرعية نتائجها؟! كما لا أدري لماذا يعتقدون أن أحدا سيصدق أنها لن تزيد الانقسام وتجذره وتوطده إذا كانت الانتخابات السابقة قد أدت - مع فقدان الحد الأدنى من التوافق على برنامج وطني - إلى فتنة الانقسام والقتل على الهوية التنظيمية؟ فهل هذا ما يريدونه؟ وإذا كانوا يريدونه ؛ فهل هذه هي القراءة الصحيحة للعبرة من سقوط مبارك وانتفاض وانقضاض الناس عليه؟ وأقالوا حكومة سلام فياض غير الشرعية أصلا ثم أعادوا تكليفه من جديد.. في ترقيعيات أشبه " باللخبطات والارتباكات " وإذن فهي نفس الطروحات التي سبق أن طرحوها وهي نفس محاولات للف والدوران التي حاولوها ألف مرة ولم تفلح.. الطبيعي هنا أن يسأل المرء عن فهم هؤلاء للسياسة وعن متابعتهم للمتغيرات، وعن فهم واقعهم.. اللهم إلا إن كانوا كحليفهم " الساقط " لا يفهمون إلا متأخرا؟ آخر القول: على سلطة فتح إجراء مراجعة شاملة لكل الحالة الفلسطينية بخياراتها وتشابكاتها وشخوصها وألا يجمدوا أمام قناعات أو أوهام تجاوزها الزمن.. وعليهم أن يتوقفوا فورا عن توهم أن حالهم مختلف، وعليهم أن يتذكروا أن قضية الشعب الفلسطيني لا يرقعها تغيير فياض بفياض، ولا إعادة اجترار الورقة المصرية والانتخابات.. وأن يتذكروا أن الأزمة التي يعيشونها قد بلغت حدا لا يسمح بالكثير من التجريب والخطأ.
480
| 17 فبراير 2011
(عواجيز) نظام حسني يشتغلون الآن وبكل ما أوتوا من خبث ودهاء وخبرة ودعم خارجي على تفتيت ثورة الجماهير والمنتفضين التي بات يطلق عليها ثورة 25 يناير.. ويمكن رصد تحركاتهم لسحق هذه الثورة في ثلاثة محاور حتى الآن: أولا: تقديم خطاب شبابي عاطفي وجدلي يصل إلى تبني الثورة ومطالبها ومحاولة سحر الرأي العام بوعود الانفتاح اللامحدود والوعود اللامتناهية، ثانيا: المعازلة والحيلولة بين الجماهير الغاضبة والنخب والأحزاب والجماعات المعارضة التي يفترض أنها تمثل هذه الجماهير ؛ من خلال: إثارة التسابقات والفوارق الفردية والحزبية بين أطيافها، ومن خلال تكرار الالتقاء والتواصل معها على شكل الحوارات تحت عنوان (البحث عن مخرج).. " ثالثا: محاولة حصر الثورة في ظاهرة الصراخ والشعارات والاحتجاجات (السلمية) وفي مكان محدود من ميدان التحرير وفي أوقات محدودة من كل أسبوع أو شهر وبعيدا عن تعطيل عجلة الحياة اليومية وبعيدا عن فكرة العصيان المدني والإضرابات العامة الشاملة التي قد تنتهي بإسقاط النظام.. خطير على الثورة أن تراوح مكانها وأن تفقد قدرتها على التقدم، والأخطر عليها أن يمسك النظام (سواء في صورة مبارك أو صورة عمر سليمان) بزمام المبادرة.. وللأسف هذا ما بات يهددها.. فإذا كنا نشخص كيفية وأثر زمام المبادرة والقدرة على التقدم والتهديد في حسم المواجهة بين النظام والثورة فلنتذكر أن الثورة بدأت بالخروج إلى الشوارع، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية في تحدي وتخطي الخوف بمواجهة قوى الأمن المركزي التي كانت مواجهات دموية ولكنها انتهت بفرار قوى الأمن المركزي أمام زحف الجموع على مقراته وإتلافها وعلى مقرات الحزب الحاكم وحرقها والتهديد بالوصول إلى مبنى التليفزيون ووزارة الداخلية والقصر الجمهوري.. ثم جاءت المرحلة الثالثة التي تجسدت في تعطيل عجلة الدولة ومؤسساتها فخسرت البورصة ما يزيد على 15 %.. لنتذكر أن كل ذلك تحقق في الأيام الثلاثة الأولى وأن كل تنازلات النظام وخطابات " عجوز النظام " جاءت في نفس فترة الأيام الثلاثة.. لقد كانت ثورة مطردة ومتطورة وهددت بالفعل وجود الدولة كدولة وليس النظام فقط.. فإن قيل: وهل هذا إنجاز يعتد به أو يشاد به؟ وأقول نعم ؛ فهو يؤدي– في العادة - (ولدينا أكثر من ثورة كنموذج على ذلك وبالأخص الفرنسية) يؤدي لهبوب جهات داخلية وخارجية لتوقي التفاعلات والتفاقمات حماية للدولة من ناحية وتوقيا من عقابيل الفلتان على دول الجوار من ناحية أخرى، وينقل القضية من المحلية إلى العالمية إعلاميا وسياسيا.. فإذا كنا نتحدث عن مصر وعن (إسرائيل) في محيطها فإن الأمر يأخذ مستوى آخر من الجدية والعالمية تسارعا واهتماما.. ذلك يفسر سرعة تخلي أمريكا عن - حليفها بل عميلها - الذي دعمته وعززت كل جرائمه وفساده ودكتاتوريته ضد شعبه وأمته طيلة الثلاثين سنة التي حكمها.. ربما يقول قائل: ذلك (الفلتان) هو الفوضى بعينها التي أرادها النظام.. بدليل الوثائق المسربة من مراكز الأمن أو التي اكتشفت عندما تمت السيطرة عليها.. وأقول: ليست هذه الفوضى هي ما نقصد فالفوضى نوعان ؛ فوضى استهداف النظام بمراكزه ومعالمه ورموز فساده وبرفض ممارساته.. وهي بهذا المعنى لغة عالمية تفهمها وتتحدث بها كل الثورات التصحيحية القديمة والحديثة ولا يسئ فيها الثوار إلا للنظام.. وهي فوضى إيجابية وإصلاحية ولا تسمى فوضى إلا تجاوزا.. أما الفوضى الذي أرادها وخطط لها فقد كانت تستهدف المواطنين وبيوتهم وأموالهم لتخويفهم وإرجاعهم عن فعاليات الثورة.. فالفوضى إذن غير الفوضى والهدف غير الهدف.. ما يخشى على الثورة منه هو ؛ 1- الغرق في التفاصيل التي تبتعد عن الهدف الأساسي الذي هو إسقاط النظام وفي الحد الأدنى إسقاط مبارك وعدم تقبل بقية النظام إلا في سياق (المرحلة مؤقتة، ولتنفيذ الإصلاحات الموعودة، وتنظيم نقل السلطة) 2- وأن تتحول النخب إلى وسطاء بين النظام والمحتجين ما يخرجها من المعسكر الجماهيري الذي يجب أن تكون فيه وأن تتقوى به وأن تقويه، 3- وأن تقع النخب والمعارضة في التسابق على التمثيل أمام الحكومة وعلى تقاسم كعكة النظام ما يساوي بين القوى الكبرى الحقيقية والقوى المهمشة التي ليس لها واقع في الميدان، ويساوى بين من لم تخل سجون الطاغية منهم ومن كانوا في ظله وتحت جناحه وكانوا مطيته لتزوير إرادة الشعب 4- وما يخشى منه أيضا أن تدفع الحاجة إلى الاعتماد الرسمي والهيبة الكامنة في نفوس " بعض " المعارضة وغفلتهم عن المتغيرات الجارية وعن أن النظام لم يعد هو ذاته الذي كان حاكما متسلطا ومقتدرا وباطشا كما خبروه ؛ الخشية هنا أن تدفعهم الحاجة والغفلة إلى مزيد من التردد على رئاسة الوزراء وعلى القصر الجمهوري وعلى مبنى تليفزيون النظام (مهما كانت العناوين) ففي ذلك ما فيه من خسارة الشرعية الجماهيرية بالنسبة لهم بقدر ما فيه للنظام من كسب نقيضها، 5- ويخشى أن تفهم المعارضة أن عملها الوحيد هو ترشيد الثورة والبحث عن حل وعن مكان في الحل، وأن تكتفي بالكلام والتحليلات وفي أحسن الأحوال بالتحريض.. وتنسى أن دورها هو النواة الصلبة التي تقوم بدور المحرض على الثورة والمفعل لأدواتها والمعمم لمفاعيلها والمحصن لمطالبها والرافع لسقوفها والممثل لتضحياتها، وأن عليها دفع ورفع رموز ناضجة منظمة ومؤصلة لرفض النظام وواعية لمحاولاته والتفافاته بما يناسب المرحلة والطموح.. آخر القول: عواجيز حسني " يحاولون إعطاء الانطباع بأن النظام لا يزال قائما، وأنه لا يزال الطرف المهم والمؤثر والمعتمد، وإعطاء الانطباع بأن المعارضة تلهث وراء التواصل معهم.. لذلك فإن على الثورة في مصر أن تعيد الإمساك بالمبادرة وأن لا تتوقف عن إبداع أدوات الضغط ومظاهر التصعيد، وأن تكتسب خبرة في مواجهة هؤلاء العواجيز مماثلة أو زائدة عما يكسبونه هم في مواجهتها، وعلى الثورة أن لا تسمح لهم بمبيت ليلة إلا على خيبة ولا بصحو يوم إلا على خوف.. وأن تضعهم طيلة الوقت بين اضطرارين إما التنازل وإما التصعيد، وإما التنازل الآن أو التنازل عن أكثر منه بعد ساعة.. وآخر القول أيضا: إن على المعارضة أن لا يستخفها نظام العواجيز إلى تصعيد غير محسوب، ولا إلى حوارات عبثية لا توطد إلا سوء ظن بها وأحقية للعواجيز لا يستحقونها..
672
| 10 فبراير 2011
الناس يتساءلون وربما بمحض البراءة: لماذا يترك حسني مبارك مصر تحترق وأنفاسها تكاد تختنق والحل والبلسم بيده أو في كلمة تحت ضرسه؟ وهل لا يزال يراهن على الأمن المركزي الذين فروا من أمام أحرار الشعب المصري كالفئران المذعورة؟ ألا يرى كيف انفضّت عنه الفئة الذين كانوا ينصرونه فآثروا الهرب بالمليارات والملايين التي سرقوها وتركوه وحده في الحيص بيص؟ ألا يرى كيف قلبوا له ظهر المجن ليتحولوا بين عشية وضحاها من لصوص القطاع العام والخصخصة إلى دعاة تغييريين وإلى وعاظ ثوريين، وكيف يحاول كل منهم أن ينجو بنفسه؟ ألا يرى كيف تخلت عنه أمريكا، وكيف عجزت عن نصرته " إسرائيل "؟ وإذا صحت التسريبات التي تقول إنه يملك 37.5 مليار دولار سوى مليارات عائلته فماذا يريد أكثر من ذلك؟ وبمنطق القياس والاعتبار يعودون إلى الوراء قليلا فيقولون: لماذا لم يعتبر مما جرى لابن علي، ولماذا لم يتخذ خطوة التنازلات التي قدمها قبل فوات الأوان؟ والآن لماذا لا يترك الشعب المصري العظيم ليلملم جراحه بعد قتل المئات وجرح الآلاف واستغضاب الملايين؟ وماذا يفيده أن يبقى بضعة أشهر بعد ثلاثين سنة من الحكم والترؤس؟ ولماذا يضع نفسه تحت احتمال أن يهاجم مئات الآلاف قصره فتقع المجزرة التي لن تنتهي – إن وقعت – إلا بموت المئات وربما الآلاف وإن نالوه بعدها فهل يتصور ما سيكون حاله؟ أم لعله لا يدري ما يدور حوله؟ واتباعا لذلك يتساءل الناس: ثمة آخرون يعرفون أنفسهم ويعلم القاصي والداني أنهم على قائمة المطلوبين لشعوبهم ؛ لماذا لا يستفيد هؤلاء مما يجرى في مصر ومما جرى في تونس؟ ولماذا لا يتنبهون إلى طرف حبل النجاة الذي لا يزال في أيديهم أو قرب أيديهم؟ ولماذا لا يزالون يستبدون ويقهرون الشعوب؟ ولماذا يظنون أن الترقيعات التي يحاولونها سترضي أو تستغفل شعوبهم في حين يصمون آذانهم عن دعوات التغيير والإصلاح الجذرية التي يقدمها اليوم بالمجان المخلصون والأمناء؟ ألا يرى هؤلاء الذين تخلوا عن أمتهم وعن قضاياها ودخلوا على شعوبهم من الباب " الإسرائيلي " والأمريكي.. ألا يرون كيف أن كلمة أمريكا وحلفائها تخلفت؟ ألا يرون كيف لم تملك لحلفائها حتى بيت إيواء يلجأون إليه؟ ألا يرون كيف قامت أمريكا والغرب المنافق في لحظة الحقيقة بالتزلف على حسابهم للشعوب؟ أسئلة كثيرة تثور في الذهن وأجد أن إجابتها في ثلاث نقاط عاجلة ؛ أولا: قصة فرعون الأول ؛ الذي انتصر موسى عليه السلام عليه وعلى سحرته والذي بعد أن رأى المعجزات وشاهد السحرة ينحازون عنه.. لم يفهم " المسكين ؛ بل الغبي " أن دولة الأيام دارت عليه، ولم يتنبه لتغير خطاب السحرة وتغير اهتماماتهم وتغير نبرتهم من قول (أئن لنا لأجرا) إلى قول (فاقض ما أنت قاض).. راح " الغبي " يلاحق موسى عليه السلام والمؤمنين معه، ولعله كان يُمنّي نفسه أن يقضي على هؤلاء المعارضين ثم يعود في المساء إلى قصره وسلطانه يعاقر الخمر ويفترش الزنا.. ولو أنه ترك موسى ومن معه لحالهم وهجرتهم في سبيل ما آمنوا به لربما كان نجا ولربما نسيهم ونسيهم معه الناس.. خلافا لكل هذا ذهب بعيدا في معاندة الحق ومصادمة سنن الله تعالى فيحاول اللحاق بموسى.. ومرة أخرى يرى البحر ينفلق أمامه بعصا موسى حتى يصير (كل فرق كالطود العظيم) ولكنه مع ذلك لا يرتدع ولا يرتجع، بل يصر ثم يصر.. أليس ذلك ليخزيه الله ويمرغ أنفه بطين قعر البحر وليجعله لمن خلفه آية.. وعندما قال قولته التي كان يجب أن يقولها قبل ذلك بكثير: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) ألم يقل له الله تعالى (الآن وقد عصيت قبل) فهل أغنى عنه إيمانه أو قوله هنا شيئا.. هي إذن حكمة الله تعالى الذي يملي للظالم ويمهد له ويغريه بالمجازفة ويؤمله بالنصر " حتى إذا أخذه لم يفلته ". ثانيا: كل واحد من هؤلاء الذين لا يتلمسون طرف النجاة ولا يعتبرون بما يقع لغيرهم يظن أن حاله مختلف وأن الخطر هو فقط على غيره ويعول على قوة يرى أنه يختص بها، أو يعول على ضعف يتوهمه في غيره، أو ويظن أنه يستطيع استعمال كذا وكذا من التكتيكات والمناورات عند اللزوم.. هؤلاء يجب أن يتذكروا أن نظامي حسني وابن علي لم ينقصهما الدهاء ولا قوة البطش ولا تبني أمريكا و"إسرائيل " لهما، ولم يكن ينقصهما المشايخ والنخب الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم، ولم يكن ينقصهما المعادلات السياسية التي يمكن اللعب بها.. على العكس من كثير من الأنظمة التي على قائمة الانفجار فقد كانا النظامين الأكثر استقرارا في المنطقة.. أليس في ذلك ما فيه من العبرة إن كان ثمة من يعتبر؟ ثالثا: يبدو أن طول فترة التسلط والظلم، واستمرار التغلب على الشعوب، وتكرار الأخطاء والخطايا مع السلامة من العقابيل والجرائر، وما ينتجه ذلك من موت الوازع الداخلي وفقدان الرادع الخارجي.. كل ذلك مضافا إلى وجود نخبة وبطانة سوء من الأشرار والمحيطين.. كل هذه التوليفة الفكرية والسلوكية والتنظيمية والانحرافية المستمرة ولعشرات السنين تجعلهم يحتقرون شعوبهم ولا يتصورون أنفسهم إلا زعماء عليها وقادة لها، وتجعلهم يفترضون أنهم إن أمروا فعلى الناس أن تأتمر وإن نهوا فعلى الناس أن تنتهي.. فتكبر شخوصهم على كل الجغرافيا بمرتفعاتها ومنخفضاتها، وعلى كل التاريخ بطوله وعرضه، وعلى كل الوطن بموالاته ومعارضته، وعلى كل الذوات والشعوب والإرادات.. فتصير المغامرة والتهور قوة ومدحة و " كاريزما " متوهمين أن الجرة ستسلم في كل مرة.. آخر القول: الشعوب إذا تحركت فإن في وجدانها الكثير من القناعات وفي مخزونها الكثير من المطاليب، وإن التعويل على البطش والتخويف لم يعد يجدي وبالأخص مع أجيال الإنترنيت والفيسبوك والتويتر والثورة الإلكترونية.. وما يرضي الشعوب قبل ثورتها ربما لا يرضيها مائة ضعفه بعدها..
565
| 03 فبراير 2011
ما تكشف من مستور المفاوضات بين سلطة منظمة فتح والعدو، وما تأكد من أن مفاوضي هذه المنظمة قدموا تنازلات جوهرية تمس حق العودة والحرم القدسي الشريف وأنهم طالبوا العدو بتشديد الحصار على غزة التي نسقوا العدوان عليها، وأنهم نسقوا مخابراتيا مع الاحتلال لقتل نشطاء من كتائب الأقصى.. وغير ذلك مما تكشف ولا مجال لحصره هنا ومما لم يتكشف وبالتأكيد ستبرزه الأيام.. كل ذلك يؤكد حقيقة أضحت أجلى من الشمس في رابعة النهار ؛ هي أن السلطة صارت جزءا من المشروع الاحتلالي الصهيوني، وأن قيامها ووجودها صار نقيضا بالمطلق مع المشروع الوطني وأبعد من أي إمكانية نظرية أو عملية للتحرير. الذين لا يزالون يحسنون الظن في هذه السلطة وفي منظمة فتح سيتلفتون ذات يوم ليجدوا التهويد والاستيطان قد قضيا على أي إمكانية لقيام دولة الحد الأدنى، وليجدوا العالم يعترف بالدولة الصهيونية على كل ما تحت يدها، وليجدوا أن تغيير الوقائع على الأرض ليس حلا عمليا.. ثم لتبرر لهم (فتح أو السلطة) بأنها تقبل كل ذلك تحت ضغط الواقع وقلة الأنصار.. - وبالانقسام الذي من المتوقع أن يحتفظوا به لذلك الوقت ولذلك التبرير – وبغير ذلك من المعاذير التي اعتادوا أن يجرجروا ألسنتهم في التذرع بها. محمود عباس ومن معه لا يزالون يصرون على أنهم قادة المرحلة وأنهم الأمل الموعود للتحرير واللواء المعقود للاستقلال ؛ فإن تساءلت عن خططهم وهوامشهم وأدواتهم ووسائلهم وإمكاناتهم.. فلن تجد إلا لغة إنشائية ركيكة وجملة عبارات وفهاهات لا تشترى بعددها من حبات شعير أو كسرات تبن.. هنا ينشأ سؤال وبالجدية ذاتها التي نتحدث فيها عن التحرير والاستقلال وعن دور الأجيال في وراثة وتوريث الفعل الوطني ؛ سؤالا يطرحه الناقدون للسلطة الناقمون على فسادها وانحرافها بقدر ما يطرحه المخدوعون بها الواهمون الحل على أيديها: هل يمكن عمليا ونظريا إعادة الاعتبار للثورة والمقاومة والانتفاضة؟ وهل السلطة قادرة على فعل شيء في هذا الإطار هي لم تفعله حتى الآن؟ وهل تفكيك السلطة عند الاقتضاء ممكن؟ وهل هو لمصلحة الفلسطينيين أم ضد هذه المصلحة؟ (خاصة أن ثمة من يروجون إلى أن تفكيك السلطة هو مطلب صهيوني).. وأقول: هي أربع حقائق لا بد من التأكيد عليها والتذكير بها وفيها الإجابة؛ الحقيقة الأولى: أن العمل السياسي – وكما هو معروف في أبجديات علم السياسة وكما مورس ويمارس في أنحاء الدنيا كلها – يقوم على دعامتين أو قوتين هما: القوة النظرية (الحقوقية والإعلامية والدبلوماسية والأخلاقية..)، والقوة الواقعية (الميدانية أو العسكرية).. هاتان القوتان متلازمتان تلازم السبب بالمسبب والمقدمة بالنتيجة.. وعليه 1- فليس يمكن وليس يصح في عقل ولا واقع أن تسعى السلطة للتحرير وهي لا تملك إلا خيار العمل السياسي كخيار واحد وأوحد ووحيد مقطوعا عن الخيار العسكري أو حتى خيار الانتفاضة الشعبية! ثم تكتفي من كل العمل السياسي بالتسوية الميتة والمفاوضات العقيمة والتنازلات المجانية والترجيات المهينة 2- ولا يمكن القبول بأن تتحول سفارات السلطة في كثير من الأحيان إلى مكاتب سياحة لاستئجار الفنادق وقوأمة مواعيد القادمين والضيوف من المسؤولين وأبنائهم وعائلاتهم، أو لملاحقة مقال يكتب أو رأي يقال 3- ولا يمكن تقبل أن تنحصر تحالفات السلطة بالنظم المتصهينة بقدر ما تعادي نظم الممانعة 4- كما لا يمكن قبول أن يوظف إعلام السلطة (للهشك بشك) من أغاني هابطة وأفلام خلاعية.. الحقيقة الثانية: أن القضية الفلسطينية بامتدادها القومي والديني والفكري وبأبعادها السياسية والتاريخية والأمنية وبماضيها وحاضرها ومستقبلها هي أكبر من كل الأشخاص والأحزاب والاتجاهات، وعليه ؛ 1- فلتذهب إلى قعر جهنم كل الخلافات والمصالح والمحاور الشخصية والحزبية والاتجاهية التي تحافظ عليها السلطة والتي تعطل التحرير أو تتقدم عليه فضلا عن أن تغتاله أو تخونه، 2- ولا تجوز المقايضة بين المكاسب الوطنية العامة والتاريخية بأية مكتسبات أو عوائد شخصية ولا أن تبنى المواقف على أساس الخوف الشخصي لأي كان ومن أي كان.. ويكفي في هذا الصدد التذكير بامتناع محمود عباس عن حضور قمة الدوحة إبان العدوان على غزة خشية (الذبح) كما قال 3- ولا يقبل هنا أيضا التذرع أو الرضى بالمانع الصهيوني من أي خطوة إذا كانت تتطلبها المصلحة الوطنية الفلسطينية.. ينطبق هذا على شروط المصالحة كما ينطبق على أية تصرفات تتم تحت الضغط الصهيوني أو الإجراءات الصهيونية على الأرض.. الحقيقة الثالثة: أن المستقبل وخياراته تنبني عضويا وتلقائيا على الحاضر وعلى الماضي كتجارب ومحصلات، وللشعب الفلسطيني تجارب في السياسات والحراكات والقيادات والإنجازات يجب البناء عليها ولا يجوز تجاهلها.. وعليه؛ 1- فلا يصح تجاهل أو تجاوز عثار التسوية وما انتهت إليه من أفشال ولا تجاهل المقاومة ونجاحاتها وإنجازاتها وهي التي كنست الاحتلال من غزة ولاحقت العدو في عقر ما يعتبره بيته وعرينه لأسر جنوده ثم مساومته على تحرير الأسرى الذين لا أمل لتحريرهم بغير ذلك.. الواجب والضروري أن تتم مقايسة تجربة السلطة مع التنسيق المخابراتي المائلة في الضفة، وتجربة السلطة مع المقاومة الماثلة في غزة.. 2- لم يعد أحد يستطيع أن يخدع الشعب الفلسطيني أو يجيره أو يسكته بخطاب أو تصريح أو دعوى لا يدعمها الدليل ولا يشفعها الواقع.. فقد مر على الشعب الفلسطيني تجارب ومقارعات رأى في سياقها وخبر أجندات وأحزابا واتجاهات وأشخاصا وعرف بالضبط المرتبط منهم بالداخل والمرتبط منهم بالخارج وصار على معرفة يقينية بجدوى كل وسيلة منها وبكيفيات وتوقيتات استخدامها.. وصار صندوق الاقتراع هو المعبر الوحيد عن ذلك.. والذي يجب أن يلجأ إليه دائما.. الحقيقة الرابعة: أن العدو الصهيوني هو الذي أوجد السلطة! وأنه بمحض اختياره ومزاجه أدخل من أدخل من الثوار لفلسطين! ليس ليقيم لهم كينونة سياسية أو دولة وطنية (هذه حقيقة أثبتتها تملصاته المستمرة من الالتزامات، وأثبتها التواطؤ الأميركي معه، وأثبتها الواقع).. وعليه 1- فإن تفكيك السلطة إذا تحتم – وقد تحتم - يجب أن ينظر إليه على أنه خطوة معاكسة للاستراتيجية الصهيونية.. 2- وتفكيك السلطة كمطلب فلسطيني وطني يعني الانطلاق فورا إلى تفجير كل الإمكانات الفلسطينية في وجه الاحتلال ويعني إلقاء كرة اللهب الثوري في وجهه ووجه عملائه من الأنظمة المتصهينة وفي وجه الأمم المتحدة والرباعية المتواطئة معه.. 3- ولا بد من إلغاء كل الالتزامات والاعترافات والاعتمادات التي قدمتها السلطة سرا أو علنا.. 4- ولا يجوز أن يظل الشعب الفلسطيني ساكنا متقبلا ما يقع عليه من غبن واستضعاف وتخريب تقوم به عصبة لم تعد تهمهم إلا علاقاتهم الشخصية مع الاحتلال ورضاه عنهم وعوائد ذلك على وجاهتهم ومناصبهم وأموالهم.. 5- إن لم تبادر قيادة فتح والسلطة لهذا الموقف الكبير والجوهري فالمتوقع أن يهب الشعب الفلسطيني (عاجلا أو آجلا).. آخر القول: ما تقوم به السلطة ومنظمة فتح من تعطيل للمشروع الوطني وما تمثله من دور وظيفي لصالح الاحتلال وسياساته وممارساته.. لا يقل خطرا عن احتلالي الـ 48 والـ 67.. وعليه فإن حسم هذا الانحراف من خلال تفكيك السلطة واستصلاح منظمة فتح (أو تفكيكها) واعتماد المقاومة في كل الأرض الفلسطينية وما سيتبعه من إعادة القضية إلى وجاهتها دينيا وقوميا ورسميا وشعبيا ؛ محليا وإقليميا ودوليا، وما سيترتب عليه من تحفيز للتحرك.. كل ذلك لا يقل أهمية ووجاهة عن إطلاق الثورة عام الـ 64، أو انطلاق حماس عام الـ 87، أو الانتفاضتين الأولى والثانية.. ولئن حدث ذلك فلسوف نرى كثيرين ممن يتعالون علينا ويتعامون عن حقوقنا يسعون لخطب ودنا وسيصبح العمل السياسي الفلسطيني ذا جدوى.. وعند ذلك ستجد حركة فتح والقيادات التي تريد مداهنة العالم صيغا أخرى لممارسة هواياتها سوى لبس البذلات وعقد الربطات والظهور على المنصات والتسمي بالرتب والمناصب والوزارات؛ ودون أن يكون ذلك على حسابنا وحدنا.
658
| 27 يناير 2011
خروج الشعب في مظاهرات واحتجاجات تؤدي لهرب طاغية كما حدث في تونس.. ذلك أمر فيه ما فيه من الشهادة على قوة ذلك الشعب والدليل على قدرته، وفيه ما فيه من معاني التضحية والفداء والإدراك لقيمة الحرية والوعي لقدرة الشعوب على التغيير والإرادة والعزم، وفيه ما فيه من الإحساس بروح الجماعية والمسؤولية التضامنية وما لا ينكر أو يستصغر.. ولولا أن محمد البوعزيزي – مفجر هذه الثورة - وجد من حوله من يتضافر معه ويشعر بمأساته ويغار على دمه لراح ضحية كملايين الذين سحقتهم آلة الطاغية إما بالقتل أو السحل أو السجن والذين مزقت إنسانيتهم أو نهبت أموالهم وأعراضهم أو كبتت حريتهم.. كل ذلك لا ينكر.. إن تحول الهارب من فرعون كان يقول " أنا ربكم الأعلى " إلى نعامة فتخاء تهرب من صفير الصافر وإلى جبان رعديد قلبه في جناحي طائر.. ذلك إنجاز ينسب إلى الشعب الذي أخافه وأبطل سحره وخلعه.. وينسب أيضا إلى طبيعة الباطل الذي سرعان ما يتهاوى عندما يلقى رياح تغيير حقيقية (إن الباطل كان زهوقا) ولنتذكر أننا نتحدث عن نوعية من زعماء ما جربناهم في الهيجاء وما جربوا أنفسهم فيها ؛ وإن كانوا في الهريبة كالغزال.. أن يستقيل حكام تونس الجدد (القدماء) من حزب الرئيس الهارب ويقدمون الوعود بتحرير الإعلام والرأي العام من قيود الإرهاب الفكري والتطويق الأمني وبإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة بعد شهرين أو سبعة أشهر أو حتى بعد سنة.. ذلك بل ربعه أو عشره إن تحقق فسيكون إنجازا أشبه بالمعجزة.. لكن.. وماذا بعد أن هرب " الفرعون الأكبر "؟ وإلى أي مدى يمكن الركون إلى هذه الوعود التي كنا نسمعها مع كل انقلاب في مشارق أمتنا ومغاربها؟ ومن يضمن أن يقع التغيير بعد شهري المهلة الدستورية خاصة أن الحكام الجدد هم " هامان فرعون " وهم الذين كانوا يده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وعصاه الغليظة التي يكسر بها ظهور البسطاء وينهش بها أجسام الأبرياء؟ وإذا كان التشكيل الحكومي الجديد قد تجاهل أحزاب المعارضة الكبيرة والحقيقية والتي ما جاء التغيير إلا تراكما على نضالاتها وجهاداتها وتضحياتها.. إذا كانت البداية وحيث الشعب لا يزال في الشوارع، وحيث الأمن لا يزال منفلتا والحكام الجدد لا يزالون (تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت) ؛ إذا كانت البداية من هذه الخطيئة فماذا يتوقع أن تكون النهاية؟ وماذا سيفعلون بعد أن تستقيم لهم قناة الناس وتستقر لهم الأمور؟ وماذا وماذا.. قد يكون الوقت مبكرا للحكم على كل ذلك ولكنها أسئلة من الضروري أن نسألها ومن الواجب أن تبقى ماثلة في وجداننا ووجدان كل تونسي إلى أن تتحقق وهي العلامات الحقيقية للنصر الحقيقي الذي لم ينجز بعد! أرأينا كيف التفوا على الشعب التونسي وعلى ثورته! وبعد أن هرب رئيسهم! أرأينا كيف انقلبت الأمور لصالحهم وصالح ذات الرموز التي أكلت من لحم شعبها وشربت من دمه وباعت من كرامته.. المسألة بسيطة بالنسبة للنظام وستكون في ذهنية كل نظام مما يتوقع أن يلقى نفس المصير قريبا أو بعيدا.. وقد نجحت الخطة " أمران اثنان أو جملتان حسمتا الأمر وسرقتا الثورة حتى الآن 1- ما سبق من تفكيك البنى الأساسية للمعارضة 2- وإشاعة الخوف في الناس من خلال تحريك عناصر معدة مسبقا ومسلحة للنهب والقتل وإثارة الفوضى ألجأت الناس إلى طلب حماية الجيش وقوى الأمن.. لقد فطن ابن علي باكرا إلى تفكيك البنى الأساسية للمعارضة.. وها هي الجماهير اليوم بلا رأس يقودها ولا لب يحركها ولا أدنى فكرة لسد الفراغ الدستوري لديها، وبعض المعارضين غرق في القبول ببقايا النظام.. (سمعت قادة أحزاب ومنظرين مهمين وأسماء كبيرة في الكتاب وقادة الفكر والرأي وفي المعارضة التونسية.. عندما سئلوا عن حل مشكلة الفلتان عولوا على الجيش وناشدوا " المخلصين " من قوى الأمن.. التي هي جزء لا يتجزأ من النظام السابق.. والسؤال هنا لماذا يكون هذا هو كل ما يملكونه؟) هذه هي الخطة وهي التي جعلت الناس يتقبلون محمد الغنوشي الذي كان يد ابن علي اليمنى وفؤاد المبزع الذي كان يده اليسرى.. الشعب التونسي لم يخرج من عنق الزجاجة حتى الآن، وثورته لم تسلم له حتى الآن، وأكثر من ذلك يمكن القول وبدون مبالغة لقد سرقت الثورة حتى الآن والنظام ورموزه تمكنوا من احتوائها (حتى الآن أيضا) بصرف النظر عما سيكون وعما لا يزال يقدمه بقايا النظام السابق من تنازلات قد تنتهي بالنصر الحقيقي والتام.. ذلك يجب أن نقوله، وأن نفهم خلاصاته وأن نعمل على استدراك ما فات منها.. فالتجربة قد تكرر علينا كشعوب وعليهم كنظم تشترك مع نظام ابن علي في الفساد والاستبداد والعمالة للأجنبي وانتهاب الخيرات وتجيير مقدرات الدول لهم ولعوائلهم ومحاسيبهم.. وأخص هنا خلاصتين اثنتين : أولا: لقد أثبتت أحداث تونس والكيفية التي هرب بها الطاغية وما نالت يداه وما فعل أتباعه من بعده.. كل ذلك أثبت أن من نظمنا من لا تهمه إلا مصالحه الذاتية شخصيا وحزبيا وجهويا، وأنهم في سبيل ذلك مستعدون لطحن الشعب والتاريخ والاستقلال.. بالتالي فإنه لا مقاسمة مع هذه النظم.. هذه النظم يمكن معرفتها وتحديدها بالعين المجردة.. وأحد المقاييس الكبيرة والتي لا يختلف عليها هو القضية الفلسطينية وما يتبع ذلك من علاقة مع العدو الصهيوني قربا أو بعدا.. هي المفاصلة إذن والذهاب إلى آخر المدى في عزلهم وإبعادهم وعدم تقبلهم أو الانخداع بنبراتهم أو عبراتهم (هنا يصح القول: إن رموز النظام القديم في تونس وأي نظام يسقط على نفس المنوال تجب مطاردتهم وطردهم من أية توليفة سياسية لا أن تعاد منتجتهم قادة وسادة ولا أن يعاد تصديرهم للشعوب كشركاء مقبولين وكأمل يمكن أن يثمر وطنية وحرية). ثانيا: لقد أثبتت أحداث تونس وفقدان الدور الحقيقي المتقدم والمتناسق للمعارضة أن جهود المعارضات السياسية في بلادنا يجب أن تنصب على التقارب فيما بينها وعلى التقاسم العادل لأدوار العمل الوطني واختصاصاته وعلى تكوين رؤية شاملة للتغيير وصولا إلى اندماجات فكرية وحزبية وجهوية تضيق هوامش الفتنة فيما بينها.. ومن ناحية العلاقة مع الجماهير فيجب أن تقوم على أساس التواصل وصناعة الثقة في شخوص المعارضين ومناهجهم ومواقفهم وارتباطاتهم داخليا وخارجيا.. نسجل هنا كل الاحترام والإعجاب بالحركات الإسلامية والحركات القومية التي استطاعت تجاوز سوء الظن والاختلافات الأيديولوجية فيما بينها لإنجاز قاعدة انطلاق واسعة ووضعت برامج وعقدت مؤتمرات في سياق ذلك، كما نسجل الأسى والأسف على حالة بعض المنتسبين للعمل الإسلامي الذين لا يفكرون إلا في الأداءات الأمنية من المواجهة ويتحولون - في نظر الناس – إلى مجرمين وإرهابيين لا يفهمون إلا الدم ولا يجيدون إلا القتل، وينقطعون عن المجتمعات.. وتستثمر النظم البالية المتهرئة أعمالهم هذه.. (هنا سؤال للذين فجروا كنيسة القديسين في مصر عندما كانت الاحتجاجات الجماهيرية على تزوير الانتخابات في أوجها وكان يؤمل منها الكثير.. السؤال وبمنطق السياسة والدين والمصلحة والعقل والمنطق والنتائج.. هل هؤلاء أصابوا أم أخطأوا؟ وهل جاهدوا أم أجرموا؟ وهل نفعوا التيار الإسلامي أم أنقذوا النظام؟ وهل في توقيت فعلتهم حكمة لا نعرفها؟ وإذا كان التحليل السياسي لا يكفي في الحكم على ذلك.. فلينظروا إلى أثر ما فعلوا! آخر القول: الثورة نشبت والانتفاضة انطلقت وتحول كبير في تونس قد بدأ.. ولكن أين صارت الثورة؟ وأين رست الإنجازات؟ ولماذا يرضى المنتصر بالفتات؟ وهل هذه هي التحولات التي يجب أن تحدث وأن تكون نتاج الثورة الدموية التي غسلت شوارع تونس بدماء الأبرياء؟ وإذا خبت نار الثورة التونسية المجيدة قبل أن تنجز التحرر الكامل ؛ فمن يضمن أن تتقد من جديد، ومتى؟
606
| 20 يناير 2011
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...
4821
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...
3549
| 23 سبتمبر 2026
«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا...
2667
| 18 سبتمبر 2026
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...
2172
| 23 سبتمبر 2026
نتقلب في نعم الله تعالى المنعم ليلا ونهارا،...
1461
| 17 سبتمبر 2026
لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...
1308
| 20 سبتمبر 2026
شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...
693
| 21 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...
624
| 23 سبتمبر 2026
يُحكى أن رجلًا عُرف بين أهله وأصدقائه بأنه...
588
| 17 سبتمبر 2026
تُعدُّ الوساطة العقارية من الأنشطة المهمة في تنظيم...
537
| 17 سبتمبر 2026
هل الأقدار هي التي فرضت علينا في هذه...
504
| 17 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية