رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أنتم أعلم بأمور دنياكم

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); وجد بعض المتغربين ضالتهم في قول النبي صلى الله عليه وسلم في واقعة تأبير النخل في المدينة لصحابته "أنتم أعلم بشؤون دنياكم" ليتخذوا من ذلك تكأة للتدليل على صحة نظرتهم للدين القاضية بأن يعزل عن مناشط الحياة، وليسيروا بالإسلام سيرة العلمانية الأولى مع النصرانية، فلا علاقة للإسلام بالسياسة ولا الحكم ولا الاقتصاد ولا الحياة، وإنما ذاك موكول للناس يرون فيه ما يصلحهم بنص الحديث "أنتم أعلم بشؤون دنياكم".والحديث كما ورد في صحيح مسلم عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون، فقال:"لو لم تفعلوا لصلح" قال: فخرج شيصا – أي رديئا -، فمر بهم فقال:"ما لنخلكم؟" قالوا: قلت كذا وكذا، قال:"أنتم أعلم بأمر دنياكم". وفي رواية أخرى:"إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل".لقد رام هؤلاء بفهمهم لهذا الحديث أن يهدموا سائر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير في المعاملات والعلاقات الاجتماعية والسياسية.والحديث واضح صريح - كما يقول العلامة الشيخ القرضاوي - لا يعارض نصًّا، ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسُّنة في كل شأن، وإنما كان في قصة تلقيح النخل أن قال لهم:"ما أظن ذلك يغني شيئًا"، فهو لم يأمر ولم ينه، ولم يخبر عن الله، ولم يسن في ذلك سنة، حتى يتوسع في هذا المعنى إلى ما يهدم به أصل التشريع.ولتوضيح ذلك نقول: حدد الإسلام أهداف الحرب، وحث على القوة، ونبه إلى أخذ الحذر، ولكنه ترك للناس أن يحددوا نوع الأسلحة التي تستعمل في القتال في كل عصر، وطريقة صنعها، وكيفية التدريب عليها، وهذا متروك لوزارة الدفاع والمتخصصين.والإسلام يحث على الزراعة، ويرغب في تحصيل المثوبة، ولكنه لا يتدخل ليعلم الناس كيف يزرعون؟ ولا ماذا يزرعون؟ ولا متى يزرعون؟ ولا بأي شيء يزرعون؟ إنما هذا متروك لوزارة الزراعة وللزراعيين.هذا ما يفهم من الحديث، وهو ما فهمه الأوائل والأواخر، وليس معناه بحال عزل الدين عن الحياة.ولذلك فرق علماء الأصول بين ما هو تشريع من السنة، مما ليس بتشريع، وهو ما عرض له الإمام القرافي المالكي مفرقا بين ما كان من تصرفاته صلى الله عليه وسلم على سبيل التبليغ والفتوى وما كان من تصرفاته باعتباره قاضيا أو إماما، أو كما قسمها ولي الله الدهلوي، وفرق بين ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وما ليس من باب تبليغ الرسالة، وهو ما فصل فيه – أيضا - الشيخ محمود شلتوت رحمه الله.فما يصدر عن الرسول (على وجه التبليغ بصفته رسولًا، كأن يبين مجملًا في الكتاب، أو يخصص عامًا، أو يقيد مطلقًا، أو يبين شأنًا في العبادات أو الحلال والحرام، أو العقائد والأخلاق أو شأنًا متصلًا بشيء مما ذكر، فهذا النوع تشريع عام إلى يوم القيامة. وما يصدر عن الرسول (بوصف الإمامة والرياسة العامة لجماعة المسلمين، كبعث الجيوش للقتال، وصرف أموال بيت المال في جهاتها، وجمعها من محالها، وتولية القضاة والولاة، وقسمة الغنائم وعقد المعاهدات، وغير ذلك مما هو شأن الإمامة والتدبير العام لمصلحة الجماعة، فحكم هذا أنه ليس تشريعًا عامًا، فلا يجوز الإقدام عليه إلا بإذن الإمام، وكذلك حكم ما صدر عنه بوصفه قاضيا يفصل في الدعاوي بالبينات أو الأيمان أو النكول.وقد كان هذا الأمر من الوضوح لدى الصحابة بحيث يراجعون النبي صلى الله عليه وسلم للاستيضاح إذا التبس عليهم الأمر، بين ما هو فيه مبلغا عن الله فليس لهم إلا التسليم والإذعان، ولا مجال للاجتهاد فيه، وبين ما هو فيه متسع للاجتهاد والرأي والنظر، ولعل أبرز مثال يظهر فيه ذلك، ما كان من الحباب بن المنذر في غزوة بدر حين نزل النبي صلى الله عليه وسلم بالجيش منزلا يراه أهل الخبرة من أمثال الحباب ليس مناسبا فقال: يا رسول الله، منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه ولا نقصر عنه؟، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"بل هو الرأي والحرب والمكيدة". ومن ثم كان من المهم جدا أن يفهم الوجه الذي صدر عنه قوله صلى الله عليه وسلم أو فعله أو تقريره، وهذا شأن أهل الاختصاص، فكثيرا ما نسب إليه صلى الله عليه وسلم أشياء على أنها دين وشرع، وهي ليست كذلك في الحقيقة، وليست من التشريع في شيء، وهذا كثير في أفعاله الصادرة عنه بصفة البشرية، أو بصفة العادة والتجارب.

32428

| 01 أبريل 2016

إضاءات حول إمامة الحاكم المتغلب

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); مسألة الانقلابات العسكرية على الحكومات الشرعية المنتخبة الممثلة لإرادة الشعب في العصر الحديث، عرف شبيهٌ لها لدى فقهاء السياسة الشرعية القدامى بما أسموه "إمامة المتغلب".فقد اعتبر بعض الفقهاء أن التغلُّب هو إحدى طرائق الوصول إلى السلطة، إذا استقرَّ للمتغلب الوضع، ودان له الناس. وهذا ما فعله عبدالملك بن مرْوان، بعد انتصاره على ابن الزبير -رضي الله عنه- وقد أقرَّه الناس، ومنهم بعض الصحابة: مثل: ابن عمر، وأنس بن مالك، وغيرهما، حقنا للدماء ومنعا للفتنة، وقد قيل: سلطان غشوم، خير من فتنة تدوم.والحق أن التغلب ليس طريقا شرعيا للوصول إلى الحكم، إنما هو طريق اللصوص والقتلة وقطاع الطرق، للقفز على أعلى ولاية في الدولة وهي ولاية الرئاسة التي تضاهي الإمامة العظمى، وإنما هو اعتراف بالواقع إذا حدث، ونزولا على حكم القوة والضرورة عن غير رضا أو إرادة، وأن قبوله إنما هو قبول المضطر، كمن يقدم مضطرا على أكل لحم الميتة أو شرب الخمر إذا تعرض للهلاك من باب "الضرورات تبيح المحظورات".وتبقى نظرة الفقهاء إليه والمفتين والمسلمين الصادقين المتطلعين لتغييره على هذا النحو، حتى يتسنى لهم تغيير هذا الواقع الخاطئ، ريثما تتهيأ الأسباب، وتسنح لهم الفرصة لتغييره. ويرى الفقهاء أن السعي واجب دائما لإزالة إمامة المتغلب عند الإمكان، ولا يجوز أن توطن الأنفس على دوامها، هذا من ناحية.ومن ناحية أخرى فإن ما ورد عند الفقهاء القائلين بعدم الخروج على الحاكم المتغلب اشترطوا أن يكون قد استقر له الأمر، واستتب له الحكم، وتمكن من الإحكام على مفاصل القوة، فيصبح الخروج عليه بدون قوة مكافِئة ضربًا من الانتحار، وتعريضا للنفس للهلكة دون ثمرة ترجى، وخوضا في بحار من الفتن والفوضى تسيل فيها الدماء ويضطرب معها الأمن.كما قيد الفقهاء ذلك بما إذا كان في صرفه عن الإمامة فتنة لا تطاق، فإن لم يترتب على صرفه فتنة، أو كان في صرفه أخف الضررين، وجب صرفه عن الإمامة وإخراجه منها. فلماذا نتوهم دائما أن التسليم لإمامة المتغلب هو أخف الضررين، وليس صرفه هو أخف الضررين؟ وهناك من لا يجيزون الخروج على الحاكم الذي وصل بالتغلب، حتى لو كان ظالما أو فاسقا، وإن جلد ظهرك وأخذ مالك. أقول: إن ترديد مثل هذا القول أبد الدهر لا يخدم إلا الظالمين والمستبدين، كما يعد البوابة الخلفية التي يعبر من خلالها مَن يريد الوصف بالتغلب، ما دام هذا هو المخدر الذي سيهدئ أعصاب المسلمين، والرأي الفقهي الذي سيسكت صوت الحيارى المتسائلين.للأسف ترديد مثل هذه الآراء اليوم نوع من التقنين لأوضاع الظالمين والمستبدين بمستند من الفقه، وعهد أمان مسبق من الفقهاء للمتغلبين، وإغراء لكل من يأنس من وضعه قوة بالتغلب على إرادات الشعوب الحرة، ومباركة فقهية باسم الشرع للظلم والظالمين، وشرعنة لتخطى إرادة الأمة باسم التغلب، والرضوخ للواقع، وقتل لروح التغيير والمقاومة والإنكار للمنكر في حياة الناس.ثم إن كان هذا الذي تغلب جاء ليزيل ظالما ويصلح، فليعد الأمر إلى إرادة الأمة وهي تختار، إن رأت فيه خيرا فبها، وإلا فلا، وإن كان متغلبا لرغبة وهوى وتسلط فلم يتغير وصفه عمن سبقه، إذ المحصلة استبدال ظالم بظالم، فيبقى تغييره ونصب الحاكم العادل هو المفتى به، متى وجدت الشعوب في نفسها القدرة على تغييره حتى لا تستكين الأمة لمخدر التغلب وتدمنه، وتعتاده وترتضيه، وتنطفئ في حياتها جذوة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتركن إليه باعتباره حلا فقهيا له وصف الشرعية، ويتحول الأمر من النظر إلى التغلب على أنه حالة طارئة ووضع مؤقت إلى حالة دائمة ووضع مستقر، وهذا ما يفسر لنا التتابع الوراثي في الملك، والاتجاه الجبري في الحكم منذ مئات السنين من تاريخ أمتنا. ولعل ترديد هذا الرأي في الفقه السياسي الإسلامي دون وضع ضوابط له كان أحد أسباب تأخر الشعوب المسلمة في نيل حرياتها، والعمل على استعادة كرامتها، وبناء نهضتها.

1580

| 25 مارس 2016

أحبب من شئت فإنك مفارقه

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); ما أكثر من ودعناهم تباعا في الفترة الأخيرة من أحبة، واراهم الثرى، وغيبهم الموت، وفرق بيننا وبينهم ما أسماه النبي صلى الله عليه وسلم "هازم اللذات"، عندما مر بقوم يضحكون؛ فقال: "أكثروا ذكر هازم اللذات". حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. ودعناهم وما وفيناهم حقهم، إخوة وأخوات، آباء وأمهات، أصدقاء وعلماء، و... إلخ.وكم ندمنا على فراقهم قبل أن نقوم بحقهم، ولكم وددنا لو أمهلنا القدر حتى نحسن صحبتهم إن كنا مقصرين، أو نزداد إحسانا إن كنا محسنين، ولكن كان هذا بعد فوات الأوان، حين تجلت الحقيقة الكونية والشرعية في قول الأمين جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه" رواه الطبراني في المعجم الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان.فجعنا الموت بأحبتنا، فترحمنا عليهم، ودعونا الله لهم، وفاضت أعيننا بالدمع لشدة فراقهم، وفاضت مشاعرنا رقة تترجم عن مكنون قلوبنا نحوهم، وانطلقت ألسنتنا بالثناء على كريم معشرهم، وحسن خصالهم، وذكر محاسنهم، وجميل أن يكون هذا، ولكن: كان أجمل منه لو كان ذلك في حياتهم، وفي صحبتهم. كم نحبس كلمات الود عن أحبابنا في حياتهم حياء أو إحراجا، وكم نصمت عن إظهار الحب والحفاوة بهم خجلا أو إلفا، ولم نفقه أن حبا صامتا يسكن في حنايا القلب، ولم يبح اللسان بذكره أشبه بالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، وأن حبا لا يترجم اللسان عنه برا وشوقا ولهفة لهو حب يتيم لا أب له، وقديما قال الشاعر: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * * * جعل اللسان على الفؤاد دليلاولما كانت الحقيقة الكبرى أن الله تعالى قضى على خلقه الفناء، وكتب لنفسه البقاء كانت الحقيقة الكبرى أيضا التي يجب أن نعمل من أجلها هي أن نكون ومن نحب في الجنة معا، حيث الخلود بلا موت، والتجمع بلا افتراق في دار الكرامة، كما روى الإمام البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت – يجسد على شكل كبش - حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم". كان آخر من ودعته من الأحبة والد زوجتي – رحمه الله – الذي كانت لنا أشواق لرؤيته، ولكن القدر لم يمهله حتى يتحقق لنا المبتغى.رزق – رحمه الله تعالى - بأربع من البنات ؛ فأحسن تربيتهن، وأكرم صحبتهن، حتى تزوجن جميعا، وإني لأرجو الله تعالى أن يكن حجابا له من النار، كما روى عقبة بن عامر الجهني، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن، كن له حجابا من النار".. المعجم الكبير للطبراني.وما أحب أن نذكره ولا ننساه هو أن نستثمر ما تبقى من ساعات العمر في الإحسان إلى من نحب، والاستمتاع بصحبتهم قبل أن نفارقهم أو يفارقونا.علم الله كم يؤلمنا مرقدهم كما سيؤلم غيرنا مرقدنا، وكم يحزننا فراقهم ونحن لا حيلة لنا، وكم تدعونا وحشة ضجعتهم إلى الترحم عليهم والدعاء لهم.. فيا من أنت أرحم بهم منا، ويا من أنت أرأف بهم منا، ويا من أنت الجواد الكريم؛ امنن بكريم عفوك وواسع رحمتك على أحبتنا، واغفر اللهم لنا وللمؤمنين والمؤمنات.

2861

| 18 مارس 2016

أهل الحل والعقد

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); يتردد مصطلح أهل الحل والعقد على ألسنة الكثيرين، دون أن يكون هناك مدلول واضح في الأذهان، وكذا مصطلح أهل الشورى، ولا نكاد نجد تعيينًا محددًا لما سماه الفقهاء قديمًا أهل الحل والعقد وأهل الشورى، وإنما نجد أوصافًا لهم. فمن القدامى قول النووي في منهاج الطالبين: إنهم العلماء والرؤساء ووجوه الناس. ومن المعاصرين قول الدكتور عبد الكريم زيدان: إنهم المتبعون في الأمة الحائزون على ثقتها ورضاها لما عرفوا به من التقوى والعدالة والاستقامة وحسن الرأي ومعرفة الأمور والحرص على مصالح الأمة. ويرى الدكتور أحمد كمال أبو المجد أن عبارة أهل الحل والعقد تشير إلى عنصر التأثير الاجتماعي الذي يتمتع به فريق من الناس بحيث يكون انحيازهم لشخص أو رأي أو قرار مدخلًا كافيًا لرضا الناس به ودخولهم فيه وانصياعهم لحكمه. وهذا كلام له وجاهته ويراعى ما كان عليه الأمر في صورة الدولة الأولى، أما في مفهوم الدولة المعاصرة فإن الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية وغيرها تمثل عنصر التأثير الاجتماعي والسياسي. وأكبر مهمة أهل الحل والعقد كما حددها فقهاؤنا القدامى أمثال الماوردي وأبي يعلي أنهم يتولون أمر اختيار الإمام بعد البحث والتدقيق، ويوجبون العقد وهم مسؤولون عن إتمامه وإنفاذه. وعلاقة أهل الحل والعقد بالأمة هي علاقة النائب والوكيل، فهم يباشرون انتخاب رئيس الدولة نيابة عن الأمة، ومن ثم يعتبر انتخابهم ملزمًا للأمة. ومصطلح أهل الحل والعقد مصطلح تاريخي نشأ في صدر الإسلام نتيجة ظروف الهجرة النبوية، وتأسيس الدولة الإسلامية الأولي وليس بلازم أن يسمى بهذا الاسم من يناط بهم من الوظائف والاختصاصات ما كان منوطًا بأهل الحل والعقد في الدولة الإسلامية الأولي، ولكن الواجب أن يقوم بهذه الوظائف والاختصاصات نفر من الأمة يؤهلهم لذلك ــ في كل مجتمع وزمان ــ ما يحتاج الواحد منهم إليه من ضرورات القدرة والكفاية للقيام بهذا الواجب كما يرى الدكتور العوا. أما مصطلح أهل الشورى فهو يشير إلى من يصلحون ليطلب الحاكم رأيهم في أمر من الأمور، ومن ثم كان طبيعيًا أن تختلف صفاتهم وشروطهم باختلاف الأمر المطلوب منهم. ويجمع أهل الشورى على اختلاف تخصصاتهم قول ابن خويز منداد المالكى: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها. أما عن كيفية اختيارهم فهذا موكول إلى الأمة في كل زمان أن تضع الشروط اللازمة في شخص من يشارك في هذه المهمة، وأن تضع من سبل التنظيم لاختيار هؤلاء، وممارستهم لوظائفهم وانتهاء مهمتهم أو إنهائها حسب ما يراه جمهورها أو كثرتها الغالبة بإرادتها الحرة، محققًا لمصلحتها في الوقت الذي توضع هذه القواعد فيه. وينبغي أن تكون الأمانة والعلم والقوة والحنكة والخبرة السياسية الكافية شروطا عامة يجب أن تتوافر فيمن يقومون بأداء دور أهل الحل والعقد اليوم. وفي ضوء التعريف السابق أي لأهل الشورى وطبيعة مهمتهم ينبغي أن نلفت النظر إلى ملاحظة مهمة للتفرقة بين أعضاء مجلس الشورى في النظام السياسي الإسلامي وبين أعضاء المجالس النيابية في النظام الديمقراطي اليوم، حيث تجمع ــ المجالس النيابيةــ الحابل والنابل، والعالم والجاهل، والحكيم والسفيه، والممثل والراقصة ممن يستطيع أن يربح أصوات الناخبين بأمواله، وهؤلاء جميعًا للأسف هم الذين ينظرون في مصالح الأمة، ويقرون التشريعات، ويمارسون دور الرقيب على أداء الحكومات.

2760

| 11 مارس 2016

قراءة في الحالة الحوارية بين الوعي والسعي

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أستمتع بمتابعة تعليقات المشاركين ومحاوراتهم ومناقشاتهم لبعض ما يكتبه ويطرحه بعض الكتاب والساسة والمفكرين من موضوعات وقضايا وأفكار على مواقع الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي، التي مثلت وسيلة سهلة ميسورة لمتابعة الأحداث، وتبادل الأفكار والخبرات، والتي هيأت لكثير من مستخدميها منبرا رائدا للتعبير عن الرأي، أظهر مواهب وقدرات محجوبة، وأبرز كفاءات كانت مستترة حجبها الإعلام الرسمي الذي كان محصورا في الإذاعة الرسمية والجريدة الرسمية والتلفاز الرسمي، والذي كان مقصورا في مجمله على طائفة بعينها من أهل الولاء والانصياع للأنظمة المستبدة، الذين يسبحون بحمد المستبد بكرة وعشيا، ويطوفون حول ذاته بالغدو والآصال.أقف مع هذه المتابعات والمداخلات والتدوينات لأتبين اتجاهات الرأي العام تجاه القضايا المطروحة، وأحاول أن أستبين من خلالها عمق التعليقات أو سطحيتها، وقربها أو بعدها من القضية المعروضة، مما يعكس حالة الوعي لدى جمهور المشاركين، الذين تختلف توجهاتهم وأفكارهم وانتماءاتهم، وشهاداتهم التعليمية، وثقافاتهم العامة، وبيئاتهم الاجتماعية التي نشأوا فيها من حيث البدو والحضر، والريف والمدينة. ومما يسعدني كثيرا أنني أجد – في الجملة - تنوعا، وابتكارا، وتجديدا، ونضجا، في ظل حرية تامة، يظهر ذلك في الطرح والمناقشة وطريقة تناول القضية، وأسلوب الاعتراض والتحاور، مما يثري الموضوع محل النقاش وينضجه، ويعكس الواقع بحيادية كبيرة، ويعبر عن اتجاهات الرأي بشفافية بالغة.وأشد ما يسعدني أن الاتجاه السائد والغالب هو التعقل ضد التهور، والانحياز لقيم العدل والحرية ضد الظلم والعبودية، والمعالي دون السفاسف، والفهم لا الانسياق وراءكل ناعق، والتسليم المبصر لا الانقياد الأعمى، والحرص على الوحدة في مقابل الفرقة، والاهتمام بالمجتمع وآلامه بعيدا عن التمحور حول الذات.هذا الوعي هو بداية حركة التحولات الكبرى في المجتمعات والأمم، وهذا التغيير الذي طرأ على الأجيال المعاصرة، المتمثل في طريقة تفكيره الإيجابية، والجدية في تناول القضايا المطروحة، وحمل هموم المجتمعات، ثم السعي والمبادرة بطرح رؤى وحلول لبعض المشكلات التي يعيشونها وفق ما يتصورون، والإيجابية الدافعة إلى تنفيذ الحلول بأنفسهم، أو من خلال من يستطيع أن ينفذها، أقول: هذا الوعي المقترن بالسعي هو بداية التغيير المنشود في مجتمعاتنا. وهذا التغيير الملموس الحاصل بين الوعي والسعي، هو انعكاس للتغيير الحاصل داخل النفوس، والذي دعاها إلى توظيف الطاقة والجهد والقدرات لخدمة قضايا المجتمع، ومعايشة آلام الناس وأوجاعهم، والتفكير في هموم الأمة وقضاياها، بدلا من التقوقع داخل النفس، والدوران حول الذات. ويعد هذا ترجمة صادقة واستجابة عملية لنداء السماء في قوله تعالى " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ".

443

| 04 مارس 2016

عودة إلى ينابيع الهدى

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); رحم الله أياما كان أبناء الإسلام والدعوة يتربون فيها على الصلوات في جماعة، وصلاة الفجر، وبر الوالدين، واحترام الكبير، والغيرة على الإسلام ودعوته، وقيام الليل، وصلاة الضحى والوتر، وقراءة كتب الرقائق، والعيش مع إحياء علوم الدين في العبادات والعادات، والمنجيات والمهلكات، ومختصر منهاج القاصدين، وتزكية الأنفس. فارق كبير بين أجيال وأجيال، أجيال تستقبل الحياة المجتمعية والدعوية بالحرص على حلقات القرآن الكريم، ومجالس الذكر، ومعايشة رياض الصالحين، ومعرفة فضائل الأعمال لتطبيقها، وصيام الإثنين والخميس، وزيارة المقابر، ومجالس العلم حيث يوزع ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعيادة المرضى، وزيارة العلماء، وتعهد الفقراء، وإكرام الأيتام، والانغماس في حب الخير، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لن يشبع مؤمن من خير حتى يكون منتهاه الجنة". فارق كبير بين هذه الأجيال، وأجيال كان أول احتكاكها بالمجتمع والدعوة الاطلاع على وسائل الغزو الفكري، والاتجاهات الفكرية المعاصرة، والماسونية والصهيونية والعلمانية والعمل السياسي، ولا أنكر أن تقف أجيال الدعاة على ذلك، فهذه لوازم لابد منها، فقط ما أعيبه هو أن يكون هذا هو المعلم الأساسي للشخصية المسلمة في التشكيل والتوجيه والاهتمام. محروم من لم يحفظ أذكار الصباح والمساء، وأوراد اليوم والليلة، وأكثر حرمانا منه من حفظها، ولم يحيا بها، ولم يرددها صباحا ومساء.محروم من لا يعرف قراءة القرآن، وأكثر حرمانا منه الذي يعرف كيف يقرؤه ثم هو يهجره ولا يقرؤه.في دار الأرقم بن أبي الأرقم وبدايات اللحاق بالدين الجديد وركب الدعوة كان الصحابة يتلقون التعاليم، ويعايشون هدى الوحي، ويتابعون جديد أحداث الدعوة الوليدة، في حب وشغف، وسرية وخوف من أعين المشركين، وكلهم إقبال على الله، وسعادة بالتمسك بهذا النور الذي أضاء قلوبهم وأنار حياتهم.عكفوا على القليل الذي نزل من القرآن الكريم في بداية المرحلة المكية يقرأون ويحفظون ويتدبرون ويعملون بما علموا، حتى قال قائلهم: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل. وكان القرآن الكريم هو وحده مصدر التلقي، وعلى هديه ومأدبته كان التكوين والتشكيل والصياغة الإسلامية لجيل الصحابة، الجيل القرآني الفريد، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، ومعي كتاب أصبته من بعض أهل الكتاب، فقال: "والذي نفس محمد بيده، لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني".كما كان سلوك النبي الأمين صلى الله عليه وسلم هو الموجه والمؤثر العملي في التربية والأخلاق، ولم تكن هناك أي مؤثرات أخرى شوشت صناعة الرجال الذين شهد لهم العالم بأنهم نماذج فذة، لم تر البشرية مثلها.اختلطت مصادر التلقي اليوم، واضطربت موازين الاهتمام، لدى أبناء الدعوة المعاصرين، وشكل القرآن الكريم والسنة النبوية قدرا ضئيلا في صدارة التوجيه، وتشكلت أجيال صنعتها ثقافة الهواتف الذكية، وصاغتها حوارات الفيس بوك والتويتر، وسائر وسائل التواصل الاجتماعي، التي أهدرت في كثير من تجاربها الأوقات، وهدمت في كثير من مادتها القيم، وخرجت متدربين في الجدل، وخبراء في السفسطائية، ووفرت مادة خصبة لمستخدميها من مفردات "البجاحة" والابتذال، وحدة الألسن، وغلظة المشاعر، وفي الوقت ذاته أثمرت خواء في النفوس، وجدبا في العواطف، وفقرا في الأحاسيس، إلا من تعامل معها بقدرها، ونجا من مثالبها.هذه الظواهر السلبية التي ظهرت في حياة الدعاة وأبناء الدعوة جراء ضعف الأخذ عن مصدر التلقي الأول القرآن الكريم، وجراء تراجع السنة عن منصة التوجيه في حياتنا ومجتمعاتنا، تقتضي التوازن في مصادر التلقي بحيث لا تطغى النوافل على الفرائض، ولا تزاحم الفضائل الفرائض، ولا يقدم التابع على المتبوع، ولا نبرز الفروع ونخفى الأصول. كما تقتضي التوازن بين العلم والعمل، والتوازن بين الاطلاع والإفادة، كما تستلزم التخفف من كل ما يضيع الأوقات، ويعمل على اضطراب المفاهيم، ويشوش وضوح الأفكار، ويضعف المشاعر، ويجمد العواطف، ويخلق ثقافة الجدل لا العمل. كما تقتضي العودة إلى الينابيع الصافية لنغرف منها بالقدر الذي يشبع نهمنا، ويروي الظمآن، وينقي الشوائب من قلوبنا، ويصفي الدخيل في ثقافتنا. فلنقبل، ولنعلم أن من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة، ومن لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف، كما قال بعضهم.

557

| 26 فبراير 2016

عطفا على حرية الاعتقاد وعقوبة المرتد

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); عطفا على المقال السابق الذي تناول الحديث عن حرية الاعتقاد وإشكالية عقوبة المرتد، والذي بينت فيه ألا تعارض بين حرية الاعتقاد من جهة، ووجود عقوبة للمرتد من جهة أخرى، فقد دار نقاش بيني وبين بعض الزملاء حول المقال السابق في عدة نقاط، رأيت من المفيد طرحها تتمة للفائدة، واستكمالا للمناقشة، ويرى زميلي ما يلي : - تشبيه الردة بالخيانة العظمى، تشبيه غير مسلم وغير واقعي، بدليل وجود غير المسلمين في الدولة الإسلامية، ولم نعتبر إيمانهم بغير الإسلام ناقصا لولائهم للدولة. - في البلاد غير الإسلامية حاليا لو منعوا مواطنيهم من الدخول في الإسلام اعتبرنا ذلك موجبا للجهاد للدفاع عن حرية الدعوة، واختيار هذه الشعوب الدين الذي تدين به، واستنكرنا منع الحكام شعوبهم من اختيار الدين الذي يرونه لأنفسهم.- هل يمكن اعتبار الشرط في صلح الحديبية أساسا للتعامل مع المرتد، من يريد أن يسلم أهلا به، ومن أراد الكفر لا حاجة لنا به.وقبل الشروع في الرد على ذلك، هناك منطلقان للحديث عن حرية الاعتقاد، وتجريم الردة، والعقوبة عليها.- الأول: المسلمون ينطلقون من عقائد ثابتة أخبر بها القرآن والسنة من أن الكتب السماوية السابقة أصابها التحريف والتبديل، وأنه لا يوجد كتاب سماوي الآن يوثق بصحته، وأن يد التغيير والتحريف قد عملت في هذه الكتب؛ فلم يعد هناك ما يوثق بصحة نسبته إلى السماء سوى القرآن الكريم، وهذا ما أثبته القرآن الكريم في قوله تعالى " فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ " البقرة 79. كما اعترف بعض الأحبار والرهبان والقساوسة بوقوع هذا التبديل والتحريف في كتبهم..وهذا المعتقد ينعكس على الانطلاق في قضية المرتد، وأن الإسلام الدين الحق، ويتعذر أن يقال في المرتد: إنه تبين له الحق في غير الإسلام أما قضية الدعوة إلى غير الإسلام فأكبر أهدافها هو محاربة الإسلام والعمل على وقف انتشاره، لاستشعار أصحابها بالخطورة السياسية التي سيترتب عليها انحسار نفوذهم، وليست الهداية والحرص على خلاص الناس من النار هما الغاية والهدف في حقيقة الأمر. الثاني: إن المرتد الذي اقتنع بينه وبين نفسه ببطلان دين الإسلام وكونه دينا غير سماوي لاقتناعه بدين آخر أو عدم اقتناعه بدين آخر مطلقا يتحمل نتيجة وتبعة موقفه ما دام صاحب حق..ويتحمل العقوبة وأرجح أن تكون تعزيرية..أو يضحك على المجتمع ويقول الشهادة ويبقى على معتقده الذي يرى صوابه ويلقى الله عليه. وما من صاحب عقيدة صادق إلا ويتحمل من أجل عقيدته؛ فليتحمل إذن إن كان صادقا بحق، ويبقى الحكم على ما أسرت نفسه إلى من يعلم السر وأخفى في الآخرة.أما إجابتي على ملاحظات زميلي فأذكرها على النحو التالي: - تشبيه الردة بالخيانة لمسلم كان مسلما ثم ارتد واقعي جدا؛ ولا يقاس عليه غير المسلمين في الدولة الإسلامية؛ لأن هؤلاء متروك لهم حرية البقاء على دينهم، ومكفول لهم حرية الاعتقاد دون إكراه أو إجبار، بخلاف من أسلم طائعا مختارا عالما بالعقوبة إن هو ارتد، أو كان مسلما في الأصل ثم ارتد، فهذا قد أتى جريمة وفق التشريع الجنائي الإسلامي.والشارع الحكيم يميز في الأسماء والألفاظ تفريقا دقيقا لما يترتب عليها، فيقول: المشرك والكافر والمنافق والمرتد، ثم يميز أهل الكتاب فمنهم المعاهد والمستأمن والمحارب، وإن كانوا جميعا كفارا في المعتقد. وكل هؤلاء لا سبيل للدولة عليهم – باستثناء المحارب - إلا إذا أظهروا العداوة للمجتمع وأتوا أعمالا إجرامية من شأنها تقويض أركان الدولة، ومن يفعل ذلك يعاقب بعقوبة المحارب، وسواء كان المحارب مسلما أو غير مسلم، وﻻ معاقبة على ذات الكفر بدليل وجود اليهود والنصارى والمجوس في ديار المسلمين لا يتعرض لهم أحد، يمارسون شعائرهم، ويظهرون معتقداتهم، وهذا يؤكد أن المرتد يعد خائنا لا بد أن تكون له عقوبة أيا ما كانت، حتى نحافظ على كيان الدولة الموصوفة بالإسلامية، وقد اتفقت كل المذاهب الإسلامية على تجريم الردة وإن اختلفوا في العقوبة وتفصيلها. أما المرتد سرا فشأنه شأن المنافق، فهو وإن كان كافرا باطنا إلا أنه لا سبيل للتنقيب عما في قلبه، وهذا تطبيق لقاعدة أهل السنة التي تقول: الأحكام تجري على الظاهر والله يتولى السرائر. - في البلاد غير الإسلامية لا يعيرون مسألة دين المواطنين - أو عدم انتمائهم لدين أصلا - اهتماما إلا أن يسلم الكثيرون، ويشكل الدخول في الإسلام ظاهرة، حينذاك يظهرون العداوة ويتخذون الإجراءات والتدابير للحد من انتشار الظاهرة أو تقليصها.وفي الواقع حاليا من يسلم من غير المسلمين، أو من يكفر من المسلمين في بلاد غير المسلمين لا أحد يتدخل في هذا الشأن، ولا أحد منا يطالب بالجهاد دفاعا عن حرية الدعوة، نحن نطلب فقط الأمان في بلادنا ويتركوننا وحال سبيلنا، ويفتحون باب الحريات.- أما اعتبار الشرط في صلح الحديبية أساسا للتعامل مع المرتد، من يريد أن يسلم فأهلا به، ومن أراد الكفر فلا حاجة لنا به.. فأستطيع أن أقول الآن، في حالة توافر الحريات للمسلمين ولغيرهم على حد سواء، وليس فقط تتوافر الحريات لغير المسلمين ونحرم منها نحن، وتتوافر لدينا من القدرات والإمكانات، والمنابر الحرة لشرح الإسلام وتوضيحه، وقتها يمكن أن أقول: إن هذا الشرط يمكن أن يكون مقبولا، وهو ما يتماشى مع الواقع الذي أقرت فيه وثيقة صلح الحديبية، حين قامت للمسلمين دولة على أساس الإسلام، توافرت فيها الحريات، لأننا نوقن حينها أن من يسلم سيسلم بإرادة حقيقية، ومن يرتد يرتد عن بينة، ليس عن ترغيب أو ترهيب، أما الآن فليس من العدل ولا من الإنصاف أن نطرح ذلك، وأدوات التأثير والقوة جميعها بيد غير المسلمين، فضلا عن ضعف المسلمين وفقرهم وجهلهم بكثير من أحكام الإسلام، بفعل أعداء المسلمين، واتباعهم سياسة تجفيف منابع الدعوة، والحيلولة دون توضيح صورة الإسلام الصحيحة، فضلا عن خدمة بعض الدول المسلمة للغرب في هذا المضمار، ومحاربتهم للإسلام والمسلمين، وفتحهم الباب على مصراعيه للتنصير والتشيع والإلحاد والطعن في الإسلام وإثارة الشبهات، في وقت العلماء فيه إما في السجون أو في القبور أو في المنفى، كما لا يخفى على أحد.

423

| 19 فبراير 2016

حرية الاعتقاد وإشكالية عقوبة المرتد

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); كفل الإسلام للناس جميعا في ظل دولته التي يقيمها حرية الاعتقاد دونما إكراه أو إجبار، حين قررت آيات القرآن الكريم أنه:"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" البقرة 256، وحين خاطب المولى سبحانه نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ" يونس 99.ويذهب الفقهاء القدامى إلى أن عقوبة المرتد متى ثبتت عليه جريمة الردة، عن الإسلام هي القتل، ويرون ذلك حدا، وتذهب بعض الآراء المعاصرة إلى أن عقوبة المرتد عقوبة تعزيرية مفوضة إلى السلطات المختصة في الدولة المسلمة، تقرر فيها ما تشاء من عقوبة.ولكن السؤال الذي طرحه بعض المتغربين اليوم، ما بال الذي يخرج من الإسلام بعد الدخول فيه يعدُّ مرتدا مستحقا للعقاب، أليس هذا يعد قيدا على حرية الاعتقاد؟ولا أجد أثرا كبيرا يترتب على اختلاف الفقهاء في شأن عقوبة المرتد، سواء من قالوا: إنها حدية أو تعزيرية، في نظر جماعات المتغربين ومن على شاكلتهم، إذ الاعتراض القائم في المشهد المعاصر على أصل العقوبة، حيث يستنكر المعارضون للعقوبة في بلادنا من الأساس رافضين أن تكون هناك عقوبة على الارتداد، ويعتبرون تقرير عقوبة أيا كان نوعها وحجمها معارضا لحرية الرأي والتعبير، ومصادما لحرية الاعتقاد التي تكفلها الدساتير الدولية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.إنهم يريدون الأمر فوضى لا ضابط لها، وإن كان الغرب لا يقيم للردة وزنا فهذا شأنه مع أبنائه، وهم ليس لديهم تشريع ديني في المرتد، مثل كثير من التشريعات، أما نحن فلنا نظام خاص، ليس في الجرائم وعقوباتها فقط، بل في كل التشريعات السياسية والأسرية، والاجتماعية والاقتصادية التي تتصادم في كثير منها مع ما استقر لدى الغربيين، الذين يشرعون لأنفسهم دون تقيد بالدين، حيث أباحوا زواج الشواذ، وباركته بعض الكنائس الغربية، والزنى الذي اعتبروه حرية شخصية، والربا الذي أقاموا عليه اقتصادهم.إننا ـ نحن المسلمين ـ لنا نظام يختلف عن الناس جميعا، مستمد من تشريعنا، هذا النظام يقرر ألا يكره أحد على الدخول في الإسلام، ويكفل الحرية الكاملة لكل صاحب معتقد مسلما كان أو غير مسلم.وإن دخول الإنسان في الإسلام مع علمه بعقوبة الارتداد سلفا أشبه بعقد مع الدولة المسلمة فيه شرط جزائي، وما من عقد إلا وفيه مثل هذه الشروط التي تضمن صحة الانعقاد ونفاذ ما تم التعاقد عليه، ومعاقبة من يخل بالشروط، فإذا قبل بالشروط التزم بالجزاء.وهل يصح أن يدخل في الإسلام أحد ويشترط لنفسه مثلا: ألا يطبق عليه العقوبات مثل عقوبة الزنى أو الخمر، أو الحرابة أو السرقة؟ فإذا كان الجواب بالنفي، فهل إذا نقض هذا كله نقول هذه حرية، ومجرد نقض شخصي لعلاقة بينه وبين ربه، ليس للدولة أن تتدخل في ذلك.إن الارتداد عن الإسلام يعد خيانة، وإننا نخاطب بالعقوبة مسلما ارتد كان أمامه أن يظل على دين آخر، ولكنه أسلم وهو عالم بالعقوبة، ومع ذلك اختار ذلك، وفي هذه الحالة يبعد أن يقال: إنه ارتد عن الدين الباطل إلى الدين الحق لاقتناعه بذلك، فليس هذا بمنطق مقبول ولا بكلام معقول، وقلما يرتد إنسان إلا إذا كان صاحب غرض وهوى مثلما كان حال اليهود.ولقد رصد القرآن الكريم محاولة بعض اليهود الإساءة إلى الإسلام من خلال الدخول فيه ثم الخروج منه، قال تعالى:"وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" آل عمران 72.إننا لا نكره أحدا على الدخول في الإسلام، كما أن المرتد لا يكره على الرجوع إلى الإسلام حتى لا يتعارض هذا مع قوله تعالى "لا إكراه في الدين"، وإنما نترك له فرصة الرجوع باختياره دون إكراه، فإن لم يرجع يعاقب حدا أو تعزيرا. والإسلام يختلف عن غيره فهو عقيدة وشريعة، أي إيمان ونظام، فإذا علمنا هذا فإن حرية الارتداد عن الإسلام تعني حرية الخروج عليه، كما يقرر الشيخ محمد الغزالي، ومن حق دين تلك طبيعته ألا يسارع بالرضا، فليس في الأولين والآخرين نظام يعطي على نفسه صكا بحرية الخروج عليه.بقي سؤالان أجاب عليهما الفقيه القانوني الدكتور العوا:الأول: هل عقوبة المرتد تخالف المبادئ الدستورية التي تقرر حرية الاعتقاد؟ يقول: ليس في تقرير عقوبة تعزيرية على الردة مخالفة للمبادئ الدستورية والقانونية التي تقرر حرية الاعتقاد، فإن هذه المبادئ إنما تقرر حرية الاعتقاد في حدود النظام العام والآداب. والنظام العام في الدولة الإسلامية يأبى أن تكون حرية الارتداد العلني عن الإسلام مكفولة أصلا وإلا فقدت الدولة وصفها بأنها إسلامية، والارتداد المكنون ـ أو المستتر ـ لا سبيل لأحد إلى التنقيب عنه أو معاقبة صاحبه، وأمره في صحيح الفقه الإسلامي إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.الثاني: هل عقوبة المرتد تخالف مبدأ حق التعبير؟يقول: ليس في تقرير عقوبة تعزيرية على الردة مخالفة للمبادئ التي تقرر الحق في حرية التعبير وحرية الانتقاد، لأن هذه الحريات ـ وغيرها ـ مما تكفله الدساتير، إنما تتم ممارستها في حدود القانون، وأي قانون في دولة إسلامية يبيح الجهر بالردة يكون قانونا غير دستوري، ومتعارضا مع المبادئ الأساسية التي تقوم الجماعة الإسلامية على أساسها وتعمل الدولة الإسلامية بسلطاتها كافة على المحافظة عليها ورعاية الالتزام بها.

5425

| 12 فبراير 2016

شاليط وحقوق الأسير في الإسلام

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); كان مشهدا حضاريا ذاك الذي ظهر فيه الجندي المحارب الإسرائيلي الأسير شاليط في صحبة وحدة الظل القسامية على شاشات التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي في نزهة على شاطئ غزة، يتناول معهم الطعام، ويشاركهم في شواء اللحم، يبتسم ويتنزه ويجلس معهم وكأنه واحد منهم، كما أن الحالة الصحية والنفسية التي أظهرتها الصور المنشورة، تعكس لون معاملة آسريه له، حتى إنه ظهر في هيئة جسمية أسمن وأفضل مما كانت عليه هيئته في الصور قبل أسره، وهو ما يعكس التزاما دينيا وأخلاقيا وإنسانيا، وما يعد ترجمة أمينة وتنفيذا دقيقا من آسريه لتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة الأسرى في قوله:"استوصوا بالأسارى خيرا". رواه الطبراني.وهذا التطبيق العملي لحقوق الأسير في الإسلام فاق التأصيل التنظيري الذي تنادت به اتفاقية جنيف الدولية بشأن معاملة أسرى الحرب الصادرة في أغسطس 1949، والتي رامت الدول إلى تطبيقها، وهي توقن أن نصف ما جاء بها لو تحقق لكان كافيا ومرضيا، في ظل الانتهاكات المحلية لكل دولة لحقوق الأسير. وطعام الأسير وشرابه ودواؤه وكساؤه، ومراعاة حالته النفسية، ورحمة ضعفه أبجديات في التصور الإسلامي لحقوق الأسير ـ وقد بوب البخاري في صحيحه بابًا ترجم له بـ:"باب الكسوة للأسارى".وأنقل هنا شهادة أحد الأسرى لدى المسلمين يوم بدر، وهو أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه، يقول: "كنت في رهط من الأنصار، حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدّموا غداءهم وعشاءهم خصّوني بالخبز، وأكلوا التّمر، لوصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فأستحي، فأردّها، فيردّها عليّ، ما يمسّها".كما أن للأسير الحق الكامل في ثباته على معتقده، وممارسة شعائره، ولم يثبت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو أحدا من صحابته، أكره أسيرًا على اعتناق الإسلام.وقد روى البخاري من طريق أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما عندك يا ثمامة؟"، فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد، ثم قال له: "ما عندك يا ثمامة؟ " فكرر نفس الإجابة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أطلقوا ثمامة" فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، يا محمد – ثم قال - إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت – أي غيرت دينك - قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.ولعل أبرز الرسائل التي أقرؤها من عرض صور شاليط ما يلي:- توضيح أخلاق المسلمين الحضارية تجاه الأسرى ومعاملاتهم تطبيقا لا قولا، فما أكثر الموقعين على اتفاقية جنيف لحقوق الأسير، ولكنهم عند التطبيق يرسبون في هذا الاختبار الأخلاقي والإنساني.- رسالة تبشير للأسرى الفلسطينيين أن قضيتهم حاضرة، وأن افتكاك أسرهم وإنهاء معاناتهم في سجون الاحتلال، من أولويات العمل لدى المقاومة الفلسطينية، وأن افتكاك الأسرى المسلمين واجب على ولاة الأمر العمل له، استجابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فكوا العاني- أي الأسير- وأطعموا الجائع، وعودوا المريض ". البخاري. - رسالة للمجتمع الإسرائيلي بكل مكوناته للضغط على الحكومة الإسرائيلية التي تسوف وتماطل ولا تكترث لإنهاء قضية الأسرى، ما دامت ليست هناك ضغوط عليها، من أجل الدخول في مفاوضات جدية لحل قضيتهم.

668

| 05 فبراير 2016

استقلال القضاء وأهلية القاضي

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); القضاء يعني الحكم بين الناس بالحق، وهو نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يقول ابن حزم، والمقصود من القضاء هو دفع الفساد، وإقامة العدل، وإيصال الحقوق لأصحابها.ولكي يتحقق مقصود القضاء ينبغي أن يستقل القاضي تماما عن أي مؤثرات تنال من حيدته وإنصافه، أو تبعث على تفضيل أحد الخصمين على الآخر.حتى إن فقهاءنا عرضوا لتفاصيل في هذا الشأن، من ذلك ما ورد عنهم: لو أن رجلا خاصم السلطان إلى القاضي فجلس السلطان مع القاضي في مجلسه، والخصم على الأرض، فقالوا: ينبغي للقاضي أن يقوم من مقامه، ويجلس فيه خصم السلطان، ويقعد هو على الأرض، ثم يقضي بينهما، كي لا يكون مفضلا أحد الخصمين على الآخر.ويعد اشتغال القاضي بالسياسة، أو خضوعه لأهواء الساسة مطعنا في مبدأ استقلال القضاء، وجرحا في حيادية القاضي، لأن تسييس القضاء يعني الانحراف به عن مسار العدالة، والانجراف به بعيدا عن النزاهة، والانجرار من خلاله إلى ظلم الأبرياء، واستخدامه آلة لذبح الخصوم باسم العدالة، والخضوع في أحكامه للأهواء. وتكبيله بالتبعية بعيدا عن الاستقلال، لترسيخ الفساد، وتمكين المستبدين، وإصباغ الشرعية على أوضاع باطلة. ورحم الله حافظ إبراهيم الذي قال: لقد كان فينا الظلم فوضى فهذبت... حواشيه حتى بات ظلما منظماوأي خلل في منظومة استقلال القضاء، أو في معايير اختيار القضاة، مثل المحاباة والمحسوبية والمجاملة، بعيدا عن معيار الكفاءة والأهلية والأمانة، أي خلل على شاكلة هذا يكرس للفساد، ويقوض منظومة العدالة، إذ كيف تنتظر العدالة ممن تسنموا سدة القضاء وهم قد دخلوا إليه من أبواب خلفية، ودفعوا في سبيل تقلده الأموال والهدايا، لم تؤهلهم قدراتهم ولا أمانتهم ولا كفاءتهم له، بل كانت الوساطة والشفاعة والأموال بريدهم إلى الحاكم ليأذن لهم بالدخول، ليستكمل بهم نقصا في الفسدة، وعجزا في الأتباع والأذناب، وثغرة في زوايا الباطل.كيف ننتظر العدالة ممن اعتلوا منصة القضاء نفعا لأنفسهم، ورغبة في ميزات تميزهم عن الناس، وطمعا في مزايا طبية وترفيهية ومعيشية ومالية؟ إن أمثال هؤلاء من القضاة، بالشفاعة مجروحون وبالمزايا مطعونون.وقد قرر الفقهاء أن بذل المال على طلب القضاء محظور في حق الباذل والمبذول له، لما روي أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "لعن الله الراشي والمرتشي ". رواه أحمد والترمذي والحاكم والراشي هو باذل الرشوة، والمرتشي هو قابلها.وأخرج الحاكم في المستدرك أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال "من قلد إنسانا عملا وفي رعيته من هو أولى منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين".والمحاكمات المسيسة لها نتيجة حتمية ومسلمة، فحواها الظلم، ومضمونها التشفي، حين تقلد النفايات وتهمش الكفايات، وحين يوسد الحكم إلى أهل الثقة من الفسدة ويمنع منه أهل الكفاءة من الصلحاء، نتيجة حتمية مؤداها الجور في الأحكام.وقد كان قضاة السوء يعرفون – قديما- بين العلماء من خلال الجور في الأحكام، التي تظهر فيها ممالأتهم للسلطان، أو أتباعه، وقبولهم الرشى، وعدم التعفف عن الدنيا، ولذلك ذاع بين العلماء قولهم: "إن فلانا من قضاة السوء في عصرنا"، كما يقول ابن حجر العسقلاني (المتوفى سنة 852هـ). وكما قيل: ليس العدل في نص القانون وإنما العدل في نفس القاضي، وإن فساد القاضي تتبعه كل كارثة.وقد أجرى الفقهاء الأحكام الشرعية الخمسة على قبول القضاء فقالوا: قد يكون واجبا أو مستحبا أو مباحا لمن هو أهل له وقد يكون مكروها أو حراما.وقرروا أن تقلد القضاء يكون حراما إذا كان أحد يعلم عجزه عن القضاء، وعدم استطاعته لمراعاة العدل فيحرم عليه قبول القضاء، فلذلك قرروا أن تقليد (الجاهل الملوث أو المتلبس بالأشياء الموجبة للفسق، أو القاصد الانتقام، أو الراغب في أخذ الرشوة) حرام.وكم من قاض اليوم لا يصلح أن يكون قاضيا، وكم من قاض اليوم وقع تقليده حراما، وجاء حكمه باطلا.

813

| 29 يناير 2016

القرضاوي.. العالِم الإنسان

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); تشرفت بمخالطة الشيخ وصحبته، من خلال زياراتي له في بيته بمصر، ومرافقته في بعض أسفاره الداخلية، والعمل معه في مكتبه، وأشهد أن الجانب الإنساني في شخصيته كان بارزا، ذلكم الجانب الذي يرفع أقواما، وكذا يخفض آخرين في قلوب الناس مهما علا كعبه في العلم أو الجاه والمكانة، وأذكر بعض مواقف للشيخ تظهر الجانب الإنساني في تكوينه، بعيدا عن كونه فقيه الأمة بلا منازع.كان كلما حل فضيلته بالقاهرة أحرص على زيارته، ويسبق هذا اتصال بالهاتف للسلام والترحاب، وكان حديثه في الهاتف لا يقل لطفا ومودة وحفاوة عن مقابلته، حيث يسبقك بالسلام والسؤال عن الأهل والأولاد والعمل والأحوال.وحين أزوره في بيته يقابلني بالبشر والابتسامة، كعادته مع كل ضيفانه، ويصر أن أتناول شيئا من التحية المعدة سلفا للضيفان، والتي لا يخلو منها مجلسه، قبل الحديث في أي شيء، ويذكرني صنيعه ذاك بصنيع الإمام الشافعي مع أحد ضيفانه وهو يقوم على خدمته، ويقول لضيفه مؤنسًا وملاطفًا ومخففًا عنه: لا يروعنك ما ترى مني؛ فإنما خدمة الضيف واجبة.في إحدى زياراته للقاهرة، زارنا محاضرا للدارسين بمشروع علماء المستقبل عن موضوع الفتاوى الشاذة، بإحدى قاعات جمعية رابعة العدوية حيث مقر المحاضرات.وأذكر أننا قدمنا لفضيلته يومها مشروبا من عصير المانجو، وحين هم أن يشرب سأل عن مرافقه الذي كان يقود له السيارة لكي يطمئن عليه، ولم يشرب حتى اطمأن أنه يشرب مما يشرب، وقليل هم من يلتفتون إلى مثل هذه الأمور البسيطة في ظاهرها، ولكنها عميقة في جوهرها، ذات دلالة نفسية عظيمة في نفوس من يعرفون ذلك، وهي بلا ريب مشاهد تفصح عن إنسانية الشيخ الذي يهتم بمرافقه ويعتني به، ويظهر ذلك عمليا من خلال تصرفاته.ومما أذكره جيدا يومها أن القاعة كانت مكتظة بالحضور ممن جاءوا من كل حدب وصوب، وكان الزحام شديدا، والحر أشد، وبعد انتهاء المحاضرة والإجابة على بعض الأسئلة، طلبت من الحضور ألا يرهقوا فضيلته بالسلام والمصافحة حتى لا نجهده، ولا نجمع عليه حر الجو وحر الازدحام، ومع ذلك حين طلب إليه نفر من قريته "صفط تراب" أن يسلموا عليه ويتحدثوا إليه، هممت لأعتذر لهم، ولكنه بادر بالموافقة ووجدته يحن لبلدته وأهلها، وموطن ميلاده حين سمعهم يقولون: نحن من صفط تراب، وقد كانوا ماهرين، حين عرفوا كيف يلفتون انتباه الشيخ وسط الزحام والحر، وكان ذلك منه - أيضا- وفاء وإكراما لأهل بلدته وجبرانا لخاطرهم، وكأنه يقول بلسان الحال أمام الجميع: أنتم لكم خصوصية لأنكم أهل بلدتي.حضرت مع فضيلته في بيته بمصر حين زاره رئيس وأعضاء مجلس إدارة صحيفة الأهرام وهيئة تحريرها للاعتذار عن مقال الأستاذ عبد الناصر سلامة رئيس التحرير، الذي أساء فيه إلى الشيخ القرضاوي والدكتور محمد البرادعي، وقبل الشيخ القرضاوي اعتذارهم، ولكنه اشترط اعتذارا مماثلا للدكتور محمد البرادعي، وإن اختلف معه في الرأي والفكر، معللا ذلك بأن الأخلاق لا تتجزأ.كانت عندي محاضرة بإحدى الكليات في وقت متأخر، ونظرا لبعد مكان إقامتي نسبيا عن مكان العمل، فقد فضلت أن أبقى في المكتب بعد انتهاء وقت الدوام، حتى يقترب الموعد وأنزل مباشرة إلى حيث قاعة المحاضرة، وصليت المغرب مع فضيلته جماعة في المصلى في الطابق العلوي بمنزله، وعلم أنني سأمكث قليلا حتى يحين موعد المحاضرة، ثم سلمت عليه، وطلبت له المصعد لكي ينزل إلى مكتبه في الطابق الأرضي، واستكملت أنا مراجعة محاضرتي، ولكني فوجئت بصعود الشيخ مرة أخرى، وبيده علبة من التمر، متجها إلى حيث أجلس، فهرعت إليه حتى يتوقف، وهو يقول: كل من هذا التمر حتى تستطيع أن تلقي محاضرتك، إلى أن تعود إلى البيت.كان إذا علم بمرض أحد العاملين معه، أو أحد من أهل بيته سواء كان ابنا أو زوجة أو أما، يطمئن عليه ويسأل عنه، ويدعو للمريض، وإذا مات أحد أقارب أبنائه العاملين معه يصلي عليه صلاة الغائب، بل كان يصلي صلاة الغائب على موتى المسلمين جميعا من آن إلى آخر.هذه سطور من صفحات في كتاب كبير يعنون له بـ"إنسانية القرضاوي".

591

| 22 يناير 2016

"مضايا" التي جاعت في بلاد المسلمين

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); لم تتوقف مشاهد المعاناة الصادرة من "مضايا" على هيئة هياكل بشرية، ولا نعلم متى تتوقف، رغم جهود الإغاثة التي بدأت أخيرا، ولا نعلم أيضا إلى متى ستستمر؟.لن أتحدث باسم الإنسانية، فقد ماتت يوم مات أطفال وشيوخ ونساء "مضايا" جوعا، ومات ضمير المجتمع الدولي حين أعلنت منظمة أطباء بلا حدود عن وفاة 23 شخصا جوعا ولم يتحرك، وحين سمح بتجويع 40 ألف نسمة على مدار سبعة أشهر حتى أصبحت هياكل بشرية، وحين أجبر نقص الغذاء السكان على أكل القطط والحشائش والنفايات أمام أنظار المجتمع الدولي، فما حدث في "مضايا" فاق كل عقل، حتى وصفته بعض التقارير بأنه كابوس لم يشهده مكان آخر بالعالم. لقد انتفض الضمير العالمي حين عزمت طالبان في نهاية القرن الماضي على تدمير الأصنام البوذية على أرضها – مع اعتراضنا على ذلك لأسباب تعود إلى المصالح والمفاسد المترتبة على ذلك - أما أرواح أهل مضايا فإن الضمير العالمي إزاءها في غيبوبة.. فهل يمكن أن نخاطب المؤسسات الدولية والأمم المتحدة بأن يعتبروا البشر في مضايا، لهم حقوق الحماية والدفاع، مثل أصنام البوذيين لعلهم يقتنعون بحقهم في الحياة والإغاثة، فيتحركوا ليمنعوا مزيدا من فصول المأساة؟لقد نظمت مؤسسات ونشطاء من جنسيات مختلفة في العالم احتجاجات ومظاهرات من أجل حقوق الحيوان، منها حقه في الحياة، والغذاء، وتجنب القسوة عليه، ومعاملته معاملة لائقة – وهو حق نتبناه - فهل يمكن للسادة النشطاء أن ترتفع عقيرتهم، لينادوا بحقوق مماثلة لبشر يعيشون في "مضايا".ورد في الإعلان العالمي لحقوق الحيوان الصادر في لندن عام 1970، في المادة (12) أن كل فعل أو عمل يؤدي إلى موت جماعي للحيوانات البرية يعتبر جريمة ضد جنس الحيوانات.. فهل سيعدون الموت الجماعي جوعا وحصارا في "مضايا" جريمة ضد جنس الإنسان؟.لم أكن أتصور أن حصار المسلمين في شعب أبي طالب، وتضييق المشركين عليهم، حتى أكلوا ورق الشجر، وحتى تقرحت أشداقهم من خشونة ورق الأشجار، لم أكن أتصور أن ما حدث في الجاهلية سيتكرر في القرن الحادي والعشرين في ظل الأمم المتحدة، والاتفاقات الدولية، والمنظمات الحقوقية التي تستطيع أن تمنع ذلك، بل وتعاقب على ذلك - إن هي أرادت - ولكنه للأسف حدث على نطاق أوسع، وبطريقة أبشع في مأساة "مضايا"، أمام أنظار العالم المتحضر المتمدين، حتى قال أحد السياسيين البريطانيين المتضامنين مع "مضايا": إذا لم تكن طائراتنا قادرة على إسقاط مساعدات لمضايا فما الفائدة من امتلاكنا لسلاح الجو؟.لقد كان حصار المسلمين في شعب أبي طالب في الجاهلية سبة في جبين الإنسانية، حين تناول الحقوقيون الحديث عن حقوق الإنسان، فماذا عساهم أن يصفوا حصار مضايا وأخواتها؟أما عن المجتمع العربي والإسلامي، فكيف يسمح بتجويع وحصار أهالي مضايا المدنيين؟ وهل هذا أمر يقبل الانتظار؟ لقد أمر عمر بن عبد العزيز بنثر الحبوب على رؤوس الجبال لكي تأكل الطير منه وتشبع، وعلل لصنيعه ذلك بقوله: حتى لا يقال إن الطير جاعت في بلاد المسلمين. وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري أن "امرأة دخلت النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض". وأن رجلا "سقى كلبا من عطش فشكر الله له، فغفر له"، حتى تساءل الصحابة فقالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال:"في كل كبد رطبة أجر".وقد حكي شهود عيان أنهم رأوا أطفالا يرجفون من سوء التغذية، وكبارا يقول أغلبهم: إنهم لم يذوقوا طعم الخبز أو الأرز أو الخضراوات والفواكه منذ شهور. أيها المسلمون: لقد بلغ سعر الكيلو جرام من الأرز ثلاثمائة دولار، وباع أحد السكان دراجته النارية مقابل خمسة كيلوجرامات من الأرز. فهل يتحرك المسلمون حكاما وشعوبا لتوفير الغذاء لهم، ويتداركون تفاقم المأساة حتى لا يقال: إن أهل مضايا ماتوا جوعا في بلاد المسلمين.

120

| 15 يناير 2016

alsharq
إبراهيم دياز قتل طموحنا

في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من...

4446

| 20 يناير 2026

alsharq
مرحلة جديدة في قانون الموارد البشرية

التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم...

711

| 20 يناير 2026

alsharq
فلسطين ليست قضيتي

في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف...

675

| 20 يناير 2026

alsharq
إطلالة على مركز قطر للمال بمناسبة الذكرى العشرين لتأسيسه

احتفل مركز قطر للمال بمرور عشرين عاماً على...

618

| 18 يناير 2026

alsharq
دعائم البيت الخليجي

المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم...

597

| 21 يناير 2026

alsharq
خيرُ الناس أنفعُهم للناس.. الإيمان بالقدرات بوصفه ركيزة للدعم المجتمعي

يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم...

549

| 22 يناير 2026

alsharq
الإدارة المريضة

إن فن تحطيم الكفاءات في كل زمان ومكان،...

510

| 18 يناير 2026

alsharq
قسد في سوريا.. نهاية بداية الاستقرار والازدهار

عاش الأكراد والعرب والأتراك في سوريا معًا لأكثر...

477

| 20 يناير 2026

alsharq
العمل التطوعي ركيزة تنموية وهويّة وطنية

أضحى العمل التطوعي في دولة قطر جزءاً لا...

441

| 19 يناير 2026

alsharq
يوم التعليم: قوة الشباب في بناء مستقبل التعليم

«التعليم هو حجر الزاوية للتنمية… ولا وجود لأي...

441

| 21 يناير 2026

alsharq
الموناليزا حين تتكلم

عن البصيرة التي ترى ما لا يُقال! بعض...

432

| 19 يناير 2026

alsharq
التعليم.. قراءة من خارج الإطار التربوي

لا أكتب هذه السطور بصفتي أكاديميًا، ولا متخصصًا...

429

| 22 يناير 2026

أخبار محلية