رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كتاب يتناول العنصرية كظاهرة شهد عليها المجتمع الإنساني منذ القدم، والتي لا تزال جاثمة بثُقلها فوق جسد الألفية الثالثة رغم الجهود الحثيثة التي تم بذلها حتى الآن من أجل تجاوزها إلى مرحلة ما بعد العنصرية! يبحث هذا الكتاب في أصل العنصرية كاستعداد فطري يولد بولادة الإنسان، وكخُلُق مكتسب يُفعّله التدخل البشري وتؤسس له ثقافات الشعوب المختلفة باختلاف مذاهبها ومشاربها، وذلك من خلال عرضه الكثير من التجارب والدراسات والأبحاث التي تناولت هذه الظاهرة. لذا، يسعى الكتاب في طرحه نحو إيجاد أكثر الحلول جدية وعملية في نبذ العنصرية، إذ أن اعتماد منهجية (عمى الألوان) وحسب لا يكفي للتغاضي عن لون البشرة المتفاوت بتفاوت الأعراق وراثياً وجغرافياً، بل تكمن الموضوعية في المشاهدة المباشرة وصدق الإقرار بدرجاتها، ومن ثم التعامل مع أصحابها على أسس طبيعة لا تعكس أي تمايز أو أفضلية لعرق على آخر. ينقسم الكتاب الذي حمل سؤالاً مباشراً لعموم البشر (هل نولد عنصريين؟) إلى ثلاثة أقسام رئيسية، يندرج تحت كل منها مجموعة من المقالات بقلم عدد من الكتّاب والأساتذة والأطباء الحاصلين على درجة الدكتوراة في مجالاتهم العلمية، وقد جاء عنوانه الفرعي معبّراً في (اضاءات جديدة من علم الأعصاب وعلم النفس الإيجابي). فبينما يلقي القسم الأول الضوء على ما أسماه بـ (سيكولوجية جديدة للعنصرية)، ويحاول القسم الثاني (التغلّب على التحيز)، ينتهي القسم الثالث بالدعوة إلى (تقوية مجتمعنا متعدد الأعراق). وعن مراجعة الكتاب، فتعتمد على طبعته الأولى الصادرة عام 2020 عن (منشورات تكوين للنشر والتوزيع)، والذي عنيت المترجمة المصرية (جهاد الشبيني) بترجمته بحِرَفية من نصّه الأصلي، وهي تشتمل على بعض الاقتباسات بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): توضّح مقدمة القسم الثاني في الحديث عن تقنية عمى الألوان، بأن الإحساس بالعرق من عدمه ليس هو جذر التحيّز العنصري في حقيقته، إنما كيفية الإحساس تجاهه، حيث إن اتخاذ لون الجلد كمعيار للمفاضلة العرقية ومن ثم الوسم بالدونية هو أمر «مشروط اجتماعياً»، بينما معاينة لون الجلد كما هو، هو أمر «محتّم إدراكياً».. وبين التوجهين فرق جوهري! ليس هدف الإنسانية الواقعي ممارسة التعمية عن تلك الاختلافات الطبيعية بين أعراق الجنس البشري، بل في التواؤم مع الطريقة التي تستجيب فيها الأدمغة تجاهها، وإدراك الأسباب المؤدية إلى توجيه تلك الاستجابة على النحو المطلوب. أما في موضوع (العقل المساواتي)، ومن خلال مشاركة عدد من الأفراد في تجربة تتعلق بالتحيز العرقي، تخلص عالمة نفس في أن ردود الأفعال المتحيزة التي تصدر تلقائياً من مشاركين صُنّفوا كأقل تحيّزاً، تعمل فيما بعد على تنبيه المستثيرات العنصرية لديهم، بحيث تتسم ردود أفعالهم في تجارب أخرى بحرص أكبر درجة، إذ أن «المساواتية مهارة». ومن الممكن جداً أن يطوّر الأفراد سلوكياتهم من خلال تعلّم طرق استجابة غير متحيّزة نحو المواقف المختلفة، كما ينبغي تحفيز جهود قوية تستهدف تنظيم السلوك مستقبلاً بعد أي تجربة تنتهي بالفشل في التصرف من غير تحيّز. فتضرب مثلاً قائلة: «لنقل مثلاً أنك مازحت زميلك بدعابة جاءت عنصرية دون قصد: «مرحباً، أفضل دائماً أن يكون معي في فريق كرة السلة رجل أسود». بعدها، ينتابك شعور بالذنب ـ وهو مرتبط بالعمليات العصبية التي تساعدك مستقبلاً على التفكير مرتين قبل التحدث. وبالنسبة إلى من يشعرون بقلق إزاء النوازع العنصرية غير الواعية، تقدم هذه القدرة على التعلم من أخطائنا سبباً للتفاؤل». ومن خلال الحديث عن المجتمع الصحي في موضوع (العنصري غير الصحي)، يبدو أن الاضطرار للتصرف بأسلوب غير عنصري يشكّل عامل ضغط يُضاف إلى ما يتعرّض له الإنسان من ضغوط نفسية في حياته اليومية! بيد أن العلاج الفعّال يتطلّب تغييراً ذاتياً بادئ ذي بدء. إذ أن «إضمار العنصرية في مجتمع متعدد الثقافات يتسبب في ضغط يومي، الضغط الذي يمكن أن يؤدي إلى مشكلات مزمنة مثل السرطان وارتفاع ضغط الدم وسكري النوع الثاني. وعلى الرغم من أن التفاعلات بين الأعراق المختلفة ليست أمراً ضاغطاً في طبيعته، فإن الأشخاص الأقل تحيزاً يظهرون استجابات فسيولوجية مختلفة اختلافاً ملحوظاً عند التعامل مع أعراق أخرى. وفي هذه الدراسات الثلاث، كان الأشخاص الذين يحملون توجهات إيجابية تجاه غيرهم من المنتمين إلى أعراق أخرى يستجيبون بطرق سعيدة وصحية ومتكيفة عند التعامل مع أعراق مختلفة». ختاماً، قد يتفق الكثيرون مع الرأي القائل بصعوبة التحكّم في الاستجابات الإدراكية التي تصاحب الوهلة الأولى في التعامل مع أي فرد.. الوهلة التي باتت تتطلّب -في التو واللحظة- تمحيص المعتقدات والأعراف والافتراضات الكامنة عميقاً في النفس البشرية والتي غُذّي بها الإنسان وعليها نشأ وكبر واعتاد.. غير أن الأمر يستحق كما لا يستحق أي شيء آخر انتهاج أسلوب نوعي في التفكير والسلوك، والذي من شأنه أن يعمل على خلق بيئة أكثر تعايشاً وأكثر إنسانية، تسع كل البشر.
1188
| 23 سبتمبر 2023
كتاب يعرض فيه كاتبه جملة من الخواطر تحيط بأجواء الكتابة، اعتمد فيها لغة فلسفية تسبر جوهر الكاتب، وفعل الكتابة، والكلمات، وما بين السطور! ففي استهلاله، يفترض أن كل ما تم التعارف عليه عن «كيفية عمل الكتابة» ليس إلا «تصورات خاطئة» بل «وضارة أيضاً»، حيث يعتقد أن معظم الناس يظنون أن ثمة «طرائق خفية غير منظورة» تتم من خلالها عملية الكتابة! بيد أن الأمور التي تعرض لهم في أدمغتهم دون التيقن من مصدرها وكيفية حدوثها، تكون محل ثقة كبرى لديهم.. ما يدلّ على وجود إشكالية كبرى حول مفهومي «الإبداع والعبقرية». ومع هذه الفرضية، يؤكد الكاتب أن ما تلقّاه عن الكتابة - كغيره من الكتّاب - تم أصلاً عن طريق «التجربة والخطأ»، فقد كان عليه أولاً اجتياز حدود التلقين الأكاديمي الذي لم يكن مجدياً في الأساس، ومن ثم تعلّم أسس الكتابة الصحيحة شيئاً فشيئاً.. وكل ذلك تحصّل عن طريق حب اللغة، وعمر طويل أمضاه في القراءة، «وأتت البقية من سنوات من الكتابة وتدريس الكتابة». ومع هذا اليقين، والحق الذي أعطاه لنفسه في نبذ ما تعلّمه سابقاً وتعليم نفسه بنفسه مجدداً، يعطي القارئ نفس الحق ويدعوه لفحص كتابه هذا، وأن يقرر بنفسه ما يصلح له وأن يتجاهل ما دونه، فليس كتابه مقدّساً ولا يضم مبادئ ملزمة، بل إنه يحرّضه على مخالفته ومقارعته بالحجة. فمن خلال كتابه (بضع جمل قصيرة عن الكتابة)، يعرض الكاتب والأكاديمي الأمريكي (فيرلين كلينكنبورغ) عددا من الجمل القصيرة عن الكتابة، تأتي بمثابة إرشادات مبدئية، تهتم بتوضيح الفكرة التي تعتمل في المخيلة، وإيجاد أسلوب متفرّد في الكتابة، وتعنى باكتشاف «ماذا يعني أن تكتب؟». وعن مراجعته، فتعتمد على طبعته الأولى الصادرة عام 2018 عن (دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع)، والذي عني بترجمته من لغته الأصلية القاص والشاعر والمترجم الليبي (مأمون الزائدي)، وهي تشتمل على بعض الاقتباسات بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): يعتقد الكاتب أنه «من السهل أن تقول ما تود قوله في جملة قصيرة».. كنهج واضح في الكتابة. فعلى الرغم من التلقين الذي تلّقاه الكتّاب في السابق عن (طفولية) الجمل القصيرة، وأنها «مجرد خطوة أولى نحو كتابة جمل أطول»، إلا أنها «ببساطة تقول قطعتها وتترك المسرح». أما عن ظرف الكتابة، فيجب التعلّم بأن للكتابة أن تتم في أي مكان وأي زمان وتحت أي ظرف، إذ إن «كل ما تحتاجه حقاً هو رأسك». لذا، يعتقد الكاتب أن ما يتصوّره الكتّاب حول طقوس الكتابة وأجوائها، مثل: كوخ وسط غابة، هدوء تام، حبر خاص، قلم مفضّل، ضوء قمر، عاصفة رعدية، شاي أخضر، مائدة وكراسي ووسائد.....، إنما هي عوائق تعرقل غرض الكتابة في حد ذاتها. غير أن الاستعجال في إتمام الكتابة، والانتهاء من حظوة الأفكار الآخذة في التدفق - وكأن لا نهاية لها - يولّد شيئا من العصبية، رغم أن الاسترسال في حبل الأفكار قد يقود إلى التفكير من زوايا معينة تقود إلى بدايات جديدة، «فإن من شأن ذلك أن يجعل قطعة مختلفة تأتي إلى حيز الوجود».. فلا خوف إذاً من اتّباع طريقتين لتناول موضوع ما، ولا يجب الاعتقاد بنهج بعينه، ولا بأس من الانقطاع عن الكتابة أثناء الكتابة. ثم يتحدث الكاتب عن (إغواء القارئ) الذي تم التعارف على تزامنه مع الكلمة الأولى والتي لا بد أن تأتي مثيرة.. كاعتقاد خاطئ. فيقول: «ورغم ذلك، ما زلنا نعتقد أن الموضوع هو كل شيء! نحن نعتقد أن الكاتب هو قصته، وأن سلطته تعتمد إلى حد ما على ما حدث في حياته! يضج الناس لسرد قصصهم في الكلمات، وهذا لا يجعل منهم كتّاباً، ولا يجعل قصصهم ذات أهمية. إذا كنت أنت هو قصتك، فمن أين ستحصل على أخرى؟ إذا فهمت كيفية بناء الصمت والصبر والوضوح في نثرك، كيفية بناء الجمل التي هي رشيقة وإيقاعية ودقيقة ومليئة بالتصورات، يمكنك حينها الكتابة عن أي شيء، حتى نفسك». ثم يأتي الكاتب ببعض الاقتباسات من منشورات مختلفة، كأمثلة تطبيقية للنقد، فيعمد إلى تحليل الإشكالية في النص، وتصحيحها على طريقته. يقتبس منها: »المرأة في الثانية والعشرين، جلدها لوحته الشمس مثل الذي لزوجين متقاعدين من ولاية فلوريدا».. فيعقّب ناقداً بغرض التصحيح، قائلاً: «يا لها من امرأة غريبة! أن يكون لها جلد زوجين متقاعدين من فلوريدا في حوزتها. كيف يمكن لجلدها الذي لوحته الشمس أن يشبه ذلك الذي للزوجين؟ لماذا تقارن مع شخصين؟». ختاماً أقول: نعم، قد يكون ملهماً أن يتساءل أحدنا عن خاطرة لاحت له لوهلة ما، إذ لا تكمن الجاذبية فيما لاح فجأة، بل في كيفية وصوله إلى الفكر والاهتمام.. من مكان لآخر.. من تيار متدفق للأفكار إلى توقف مفاجئ.. فتحلو الملاحظة لبرهة ثم لتمضي بعد ذلك.. وقد استعان الكاتب بهذه التقنية في حياته، إضافة إلى كتابة جُمله القصيرة عن الكتابة.
1329
| 14 سبتمبر 2023
نواصل الحديث حول كتاب «العودة إلى أندلس الماضي» لمؤلفه خوليو رييس (المجريطي). فبينما يفرد الكاتب الفصل الثاني (الأندلس والحضارة العربية: ماض مشترك) للحديث عن أثر الحضارة الإسلامية في الأندلس والتي مهَّدت لقيام نهضة أوروبية شاملة في كافة الميادين، يشير في الفصل الثالث (رسالة النبي محمد: القرآن ومبادئ الإسلام)، بإجلال إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويسرد رحلته الشاقة في الدعوة وما عاناه مع قومه الذين كذَّبوه. وهو يتحدث عن الوحي الإلهي وأول لقاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم مع جبرائيل عليه السلام، ودعوته بـ «اقرأ». ويقول: «أعلن محمد صلى الله عليه وسلم أن مهمته هي إبلاغ الناس القرآن أو الوحي الإلهي. ويمكن تعريف القرآن على أنه (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)». ويتطرق إلى ما احتوى عليه القرآن الكريم من مواعظ وتعاليم وحكم وأخلاق في كافة نواحي الحياة، ويستفيض عن كل ركن من أركان الإسلام مع شرح مختصر للمذاهب السنية، ويُشير إلى الإمام القرطبي بـ «كاتبنا العظيم للأحاديث». كما يتطرق إلى شعراء العرب، وقصص التراث العربي، والنوابغ من علماء الأندلس، كما يتحدث عن أثر الحديث والفقه في التراث الإسباني. أما في الفصل الرابع (الأندلس والفتح، وخلافة قرطبة، وممالك الطوائف، والغزوات الإسلامية، ومملكة غرناطة) فيتحدث الكاتب عن الفتح العربي- الإسلامي للأندلس ووضعها إبان هذا الفتح، وما تعاقب على حكمها من أمراء وخلفاء مسلمين، ثم استقلالها فيما بعد عن الإمبراطورية الإسلامية في المشرق، معرّجاً على ملوك الطوائف ودولة المرابطين ومن بعدها دولة الموّحدين، انتهاءً بدولة بني الأحمر التي تداعت على إثرها بلاد الأندلس عقب سقوط مملكة غرناطة آخر معاقل المسلمين عام 1492م. يقول عن الحضارة التي أسسها المسلمون: «في هذا الإقليم تشكلت حضارة أشعت بضوئها على الغرب والشرق لكونها منطقة التقاء وتقابل ثقافي وبشري، نسيتها أوروبا، لكنها بقيت دائماً في الذكرى الخالدة للعالم الإسلامي». ثم ينتقل إلى الفصل الخامس (إسبانيا الإسلامية: التراث الأندلسي)، ليذكّر كيف كانت اللغة العربية في الأندلس مرادفاً للعلم والذوق الرفيع، ومحط إقبال جميع أطياف المجتمع لتعلمها والتحدث بها، دون اللاتينية. وهو بهذا يؤكد على أثر اللغة العربية في اللغة الإسبانية كما يظهر في خمسة آلاف كلمة عربية متداولة فيها، والتأثير العربي في كل ما هو إسباني. فيقول: «ظلت هذه الحضارة باقية في إسبانيا لمدة ثمانية قرون. ورغم أن حرب الاسترداد بدأت من المراكز المسيحية فقد تعايشوا مع المسلمين لفترة طويلة في وقت كانت فيه العادات والتقاليد والفنون واللغة الموجودة في إسبانيا المسيحية غير أصيلة، وكان لها جذور مسلمة». لذلك، وتماشياً مع هدف الكتاب الذي أصرّ عليه الكاتب، يطالب بإدخال اللغة العربية في مناهج التعليم، والدين الإسلامي كمصدر للقانون. يفسح الكاتب المجال في الفصل السادس (الأدب العربي: مقدمة، الأدب الجاهلي والأدب الإسلامي: القرآن، والأدب العربي، والانحدار والنهضة) ليأتي على الأدب العربي، ابتداءً من عصر الجاهلية وحتى خروج المسلمين من الأندلس أواخر القرن الخامس عشر. وعندما ينتقل إلى الفصل السابع (القانون في الإسلام: مصادر القانون الإسلامي والعلوم الشرعية في القانون الإسلامي، التراث الإسلامي في العلوم التشريعية الإسبانية)، يتناول الشريعة الإسلامية من حيث مصادرها ومدى تأثيرهـا في القانون الإسباني، ويتطرّق إلى «قوانين مسلمي الأندلس» التي استمر العمل بها في القضاء الأندلسي حتى نهاية الوجود الإسلامي في شبه جزيرة أيبيريا. أما في الفصل الثامن (إسبانيا حلقة الوصول بين الشرق والغرب) فيدعو بلاده إسبانيا للاستيقاظ من السبات الذي بدأ مع سقوط غرناطة، لتسترد هويتها، وتلعب دورها المحوري المتمثل في التعدد الثقافي الذي يحظى بها تاريخها، لا سيما أمام التراجع الأخلاقي الذي يستشري في الغرب، وضرورة إعادة التوازن الروحي والأخلاقي والذي لن يتكفل به بحق سوى دين الإسلام. يظهر المجريطي في الفصل التاسع (التحكيم الدولي: حلول سلمية للصراعات الناتجة عـن التقاء كلا العالمين، الجهاز التحكيمي، عناصر تشريعية دولية، المنهج التحكيمي والنصاب القانوني في الاتفاقيات) وهو يناضل عن دول العالم الإسلامي، ويطالب العالم الغربي بعدم التدخل السياسي والاجتماعي فيها، مسلّطاً الضوء وبقوة على القضية الفلسطينية ومطالباً الغرب بإيقاف التدخل العسكري لصالح إسرائيل. يعرض عدداً من الحلول السياسية والقانونية لإنصاف المسلمين والتعايش بسلام بين الشرق والغرب، فيطالب بـ: «الاعتراف الضمني بالإسلام ديناً حقيقياً يقف على قدم المساواة مع المسيحية، مع الإلغاء النهائي لمصطلح كافر الذي يُستخدم في القانون الكنسي لتسمية المسلمين». وهو في حديثه عن هوية بلاده المزدوجة الشرقية- الغربية، يجعل له دوراً مستقبلياً في تحقيق التوافق والتكامل بين الحضارتين، من خلال (التحكيم الدولي لحل المنازعات) الذي نادى به. ينبّه في الفصل العاشر (الروابط التاريخية بين الشرق والغرب: أصول السلوك أجل تحقيق التوافق والاندماج والمودة في علاقة الشرق بالغرب) على ضرورة التعايش في خضم الحملات المفتعلة حول الإسلام، وذلك بالتركيز على التاريخ المشترك بين الغرب والشرق لا سيما ما يظهر في تاريخ الفتح الإسلامي للأندلس أوائل القرن الثامن، والحملات الصليبية نحو الشرق، والتاريخ العثماني- الأوروبي، حيث يرى أن لبلاده الدور المستقبلي الفاعل في تحقيق التكامل بينهما. ورغم موضوعية الكتاب، فهو لا يخلو من شجن! لذا تجدني أختم ببيت من نونية أبي البقاء الرّندي التي نظمها في رثاء الأندلس بعد سقوط آخر معاقلها: (أعندكم نبأ منْ أهلِ أندلسٍ.. فقدْ سرى بحديثِ القومِ ركُبانُ). وعندما زرت إقليم أندلوسيا، شاهدت التاريخ ماثلاً وعلمت بالنبأ.. وليس الخبر كالعيان!
621
| 07 سبتمبر 2023
كتاب يلّفه الإبهار.. وهو يجمع في شمولية بين التاريخ والدين والحضارة والسياسة والقانون، عمد فيه الكاتب نحو سبر ماضي وطنه الإسباني الذي ترعرع في ظل الخلافة الإسلامية، ليقوده مستبصراً إلى الحاضر بتحدياته المحلية والدولية، ومن ثم استشراف المستقبل في رؤية أكثر تعايشاً. ومما يعزز من قيمته، التمجيد الذي حظيت به الحضارة الإسلامية في الأندلس بقلم الكاتب غير المسلم، وهو يدين لها بالفضل الكبير لما هي عليه إسبانيا الحالية، الأمر الذي أضفى على الكتاب روح المصداقية والحيادية والإنصاف. ومما يمعن في هذه الروح التوقيت الذي وضع فيه الكاتب كتابه هذا، حين كان الإسلام يواجه هجمات مغرضة في دعاوى إرهاب وتخلّف، حيث تصدى لها منكراً، وموضحاً وجهة النظر الأخرى. وعلى الرغم من تخصص الكاتب في علم القانون، إلا أن له عددا من المؤلفات في التاريخ الأندلسي، وكانت لفتة كريمة منه أن يتلقب بـ «المجريطي» نسبة إلى «مجريط» الاسم العربي لمدينة (مدريد) فترة الحكم الإسلامي (91- 795 هـ / 711- 1492م). لذا، ينجح الكاتب (خوليو رييس روبيو) في توجيه كتابه (الأندلس: بحثاً عن الهوية الغائبة) إلى أصحاب الفكر الموضوعي، ويدعو من يهوى العودة إلى الماضي، لا للبكاء على الأطلال، بل للاستبصار ولاستقراء التاريخ وإنصاف ذوي الحقوق. فيحاول الاستفادة من الماضي بما يحوي من عبر ودروس، ابتداءً من الاعتراف بالفضل وردّه لأصحابه، ثم إسقاط الدروس المستخلصة على الحاضر. لذلك، يطالب بسنّ القوانين والعمل على تحقيق مستقبل واعد في إطار تحالف مشترك، وذلك من خلال الدور المحوري لبلده إسبانيا الذي يدعوه إلى تفعيله رسمياً. تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الأولى للكتاب الصادرة عام 2014، عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، والتي جاءت مباشرة عن لغته الأصلية. ومن محاور الكتاب الثلاثة (الماضي والحاضر والمستقبل)، أسرد في مقتطفات ما جاء في فصول الكتاب العشر، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): يتطرق المجريطي ابتداءً إلى الخلفية التاريخية التي شكلّت إسبانيا الحالية. فعلى الرغم من العلاقات الوطيدة التي جمعت بين إسبانيا في الماضي، بحكم موقعها الجغرافي، وبين شعوب الأمم المختلفة كالفينيقيين واليونانيين والقرطاجيين والونداليين والجرمانيين، إلا أنها لم تترك أثراً كما فعل الغزو الروماني والفتح الإسلامي.. أثراً لا يُمحى عن هويتها. فبينما ورثت إسبانيا عن روما اللغة اللاتينية ونُظم أدبية وفنية ودينية وقانونية وسياسية، فقد انصهرت في ثقافة إسلامية موحَّدة على اتساعها من الهند شرقاً حتى الشمال الأفريقي غرباً. يقول الكاتب معقّباً على هذا الأثر: «لقد شكَّل هذا التراث الثقافي لكلتا الحضارتين جزءاً من هويتنا المزدوجة»، وهي الهوية التي جاء الكتاب للبحث عنها. وعلى الرغم من أن السيطرة العربية آنذاك كانت سمحة مقارنة بالسيطرة الرومانية، إلا أن التعصب الديني الذي أجج أواره الصليبيون في العصور الوسطى جعل كل فضل أداه المسلمون في إسبانيا ولمدة ثمانية قرون يُنسى وبإجحاف متعمد! يُكمل المجريطي وهو لا يزال يشير إلى الهدف من وضع الكتاب: «وبمجرد طرد آخر الممالك الإسلامية من إسبانيا بعد سقوط غرناطة، بقي أثر لا يمحى لهذه الحضارة المميـزة من خلال المظاهر الفنية والأدبية واللغوية والثقافية التي ورثناها عنهم». لذلك «فعلى إسبانيا أن تستيقظ من هذه الفترة الطويلة من السبات، التي امتدت منذ 1492م حتى وقتنا هذا، وأن تستعيد هـذه الهوية الغائبة. عبر سلسلة مـن الإجراءات، يجب أن تعود إسبانيا إلى المصير الذي منحه الله لها دون أن تتنازل عن كينونتها ولا عن المسؤولية المنسوبة إليها، وذلك لثروتها متعـددة الثقافات، فعليها أن تكون الحكم والوسيط للتفاهم بين الشرق والغرب». يوضح الكاتب أنه اعتمد في طرح الفكر العقائدي الإسلامي على جهود الشيخ أبو الأعلى المودودي في تفسير القرآن الكريم وتحليل نصوصه، بموضوعية واحترام كبيرين لتعاليمه وللتقاليد الإسلامية، منحّياً في ذلك أي رأي أو شعور خاص. وهو في هذا لا يستبعد إثارة الجدل بين طبقات المجتمع الإسباني على اعتبار أن عمله هذا ما هو إلا انحرافاً إذا تم تناوله بعيداً عن الموضوعية، أو اعتباره بمثابة فتح إسلامي جديد. يتحدث الكاتب في الفصل الأول الذي جاء كمقدمة عن الظروف التي كانت تسود شبه الجزيرة الإيبيرية والتي مهّدت للفتح الإسلامي، وتحديداً الحروب الأهلية التي دارت رحاها في المجتمع القوطي في ظل تفاوت طبقي مرير بين طبقة النبلاء وطبقة العبيد، الظروف التي لم تخف على المسلمين في الجانب المقابل للساحل الأندلسي ودفعتهم من ثم إلى شنّ هجوم عسكري عام 710م بقيادة القائدين موسى بن نصير وطارق بن زياد. ويذكر تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية قبائل (الوندال) التي احتلتها لفترة لم تدم طويلاً بعد طردهم من قبل القوط، وهي القبائل التي اشتق العرب منها اسم (الأندلس).
801
| 31 أغسطس 2023
في هذا الكتاب القصير الذي ضمّنه الكاتب مجموعة مقالات تبعثرت في أدراج مكتبه المقفل حتى حين، يجده القارئ وقد تنقّل بين أروقة الأدب العربي وهو يسرح مع نسائم الحب المحلّقة بأصحابها، ويطرق في مسيره العذب هذا أبواباً من الواقع المرّ لم يكن من مرّه بد! تتوقف تلك المقالات بين نبضات الكاتب، ليجود فيها من بعض خواطره، قد يجدها القارئ - وبشيء من العجب - تُشبه خواطره. يقول في ثنايا الكتاب: «لا تسألوا عقل الكاتب عن جفاف أفكاره، فما تقرؤونه ليست حروفاً ذات مدة صلاحية! هي أجزاء من قلبه قررت الذوبان، وما زالت تسيل قطرة قطرة». يحمل الكتاب عنوانا رهيفا لمقالة ضمن مقالاته.. فبعد معسول الكلام عن العشق وأهله وأحوالهم، يخلص الكاتب إلى المغزى، فيحثّ الكلام على أن يكون كـ (حديث العصافير).. فهي تتحدث طوال الوقت، لكن لكل حرف تنطقه معنى، وللحديث هدف، ولبدايته ونهايته حدود معلومة. وقد صدق الكاتب فيما اعتنق فوضع كتابه، وجاء اختيار العنوان - من ضمن المقالات المعنونة فيه - موفقاً، وهو يُهديه إلى المنكسرة قلوبهم في الأرض.. أولئك الذين آثروا الصمت وقد كُسرت أحلامهم!. يقدّم الكاتب نفسه في مقدمته ليتحدث مع القارئ «صديق الهواية المشتركة»، حيث يعتقد أن كل قارئ لا بد وأن يحمل في داخله «أديب صغير».. وليكبر، عليه أن يتمرّس على الانفتاح في المخاطبة والحوار، ويغوص صامتاً في أعماقه، ليستنبط مما يقرأ حديثا آخر. وعن الكاتب نفسه، فهو كويتي امتهن الرياضيات وهوى الأدب، فجاد بأحاديث يرويها في كتابه الأول (حديث العصافير). لذا، تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الأولى الصادرة منه عام 2017 عن دار دريم بوك للنشر والتوزيع، وهي تحتوي على بعض الاقتباسات بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): في موضوع (أنانية البشر)، يطلق الإنسان لشطحاته العنان في تصوّر نعيمه وحده في الجنة، بين الأنهار والفواكه والطيور والنمارق والقصور، بينما زيارة الأخلاء والتسامر مع الأصحاب وإقامة محافل شكر النعم، لا نصيب لها في تلك الشطحات! أهي أنانية متأصلة كما يرى الكاتب؟ أم أن كلا من أولئك قد علم مسبقاً بما سيشترك به والآخرون من نعيم فلا يجد داعي لذكره؟ أم أنه اكتفى بمخالطتهم في الدنيا، فلا مكان لهم عنده في الآخرة؟ ينعى الكاتب نفسه والقوم وهو يتساءل في مقالة (كيف سقطت الأندلس؟)، إلا أنه يمتنع عن الاستزادة في نبش التاريخ وفتق الجروح، فهموم اليوم تكفي للطم الجيوب وسمل العيون.. وهو في مقالة (حضارات) وبقدر ما يثير من الإعجاب بحضارات متغايرة على كوكب نسكنه، بقدر ما يثير من الشجن على حضارة عربية- إسلامية، شعت لتنطفئ.. ولعلها تعود!. وهنا، يتطرق الكاتب إلى حوار دار بينه وبين جمع من العرب في جلسة خاصة، تباهى فيها فرعون مصري.. على بابلي حتى النخاع.. على شامي أموي.. على بربري أفريقي.. على آخر حضرمي أصّل للعرب أجمعين...، وقد استعانوا به ليكون حكماً منصفاً في الحديث عن تلك الحضارات الراقية، التي عملت على تأسيس قواعد حضارية ضخمة شيدت فوقها أمجاد الأمم القائمة حالياً، وقد اعتبر نفسه مزيجاً من تلك الحضارات التي تشرّبها منذ الصغر، فقال: «ليس مهماً أن تكون من بلد سادت حضارته الأفق! فالحضارة العثمانية في تركيا والتي امتدت إلى العراق طيلة أربعة قرون كانت في وقتها تمثّل أمل الشعوب الطامحة إلى مستقبل أفضل، ولكن ضعفت شوكتها، وكثرة الرشاوى والفساد أدى إلى انهيار تلك الحضارة الرائعة! ولن أنكر أن بلاد الشام كانت في فترة ما قبلة المسلمين إبان العصر الأموي، وكانت فتوحات المسلمين حينها تنذر بأن الإسلام سيقف على قمة هرم الشعوب لوقت طويل». وعلى ما يبدو، لم يرق حكم الكاتب للقوم كما أوضح في خاتمة مقاله، فتولوا عنه مدبرين يديرون أحاديثهم بعيداً عنه، ولسان كل واحد منهم يغني على ليلاه قائلاً: «يصطفلوا / بصرهم / ما يشوفون شر / بكيفهم عيني / في ستين داهية / لا فزيت». وفي متفرّقات، يومض قلب الكاتب في ومضة (جرأة) ليفرّق فيها بين قول الحق وبين وقاحة المقال، إذ يقول: «الجرأة لا تعني أن تكون وقحاً، بل أن تكون منصفاً، وأن تقولها بصوت عال».. وفي ومضة (معلمتي الوردة) التي بدت مكتفية بذاتها ومتصالحة مع الطبيعة، يقول: «يعجبني في الوردة كثير من الصفات.. فهي صامتة، والصمت أبلغ من الكلام أحياناً.. شامخة، لا تخفض هامتها لأيّ كان.. جميلة، تعجب كل من رآها.. ملونة، تسرق الأنظار وتبهر العقول.. مليكة الغنج، تتمايل مع نسائم الهواء بدلال.. راقية، لا تهتم بمن حولها لتكون ذات جاذبية.. ألا يكفي أن النحل يصنع العسل من رحيقها؟». أخيراً أقول: إنه كتاب يرقّ معه الحديث.. فتستمر العصافير بأحاديثها، ولنستمر نحن بالإنصات لها.. ومن ثم التبصّر.
879
| 24 أغسطس 2023
سيرة ذاتية تُعرّف بصاحبها.. لا من خلاله، بل من خلال الآخرين الذين كرّس مسيرة حياته في خدمتهم بما استطاع، وفوق ما استطاع في بعض الأحيان!.هنا يتحدّث (بيترو بارتولو).. طبيب من جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، الذي جعل منها نقطة تجمّع للاجئين عقدوا الأمل على حياة خلف البحر فركبوه، حتى لَفَظَهم على شاطئه ولم يبتلعهم غدراً كما غدرت بهم أوطانهم وابتزّهم المهربون.. فتوّلى مهمة استقبالهم منذ تأسيس عيادة الجزيرة عام 1991 كحالات طارئة ينبغي إسعافهم فور وصولهم، حتى استحق وبجدارة لقب (طبيب المهاجرين). لم يكن توفير طائرة إسعاف للجزيرة ابتداءً بالأمر الهيّن، فقد حارب خلال السنوات التي تولّى فيها منصب مستشار للصحة في بلاده، من أجل الحصول على ميزانية العيادة الضخمة، ما يسّر عملية تدشين الخدمة بعد ذلك وخفف وطأة العزلة على الجزيرة بساكنيها. يحصد د. بارتولو الأوسمة والجوائز العالمية نظير أعماله الطبية والإنسانية تجاه اللاجئين، ويُرّشح فيلم (حريق في البحر) الذي خصّ الجزيرة وأعماله فيها بجائزة الأوسكار عن أحسن فيلم وثائقي لعام 2017. وعن مراجعة سيرة (دموع الملح)، فتعتمد على الطبعة الأولى الصادرة عام 2020 عن (منشورات تكوين للنشر والتوزيع)، والتي عني بترجمتها المترجم والروائي المصري (محمد أ. جمال)، وهي تعرض متفرقات عن صاحبها مهنياً وشخصياً، معززة ببعض الاقتباسات بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): ليس صحيحاً أن اعتياد تشريح الجثث يولّد شعوراً اعتيادياً نحوها، فالمهمة شاقة والألم المصاحب يستعصي على قدرة التحمّل في كثير من الأحيان! فيوجّه د. بارتولو في موضوع (أمور لا تعتاد عليها) نوعاً من التوبيخ إلى من يظن بـ (روتينية) الفعل لا سيما من قِبل زملائه الأطباء، قائلاً: «أنت لا تعتاد أبداً على رؤية أطفال موتى أو نساء لقين حتفهنّ أثناء الولادة على مركب يغرق، أطفالهن الصغار متدلين منهنّ بالحبال السرّية. لا تعتاد أبداً على مهانة قصّ إصبع أو أذن جثة لتحليل شفرتها الجينية، حتى يصير للضحية اسم وهوية وليس مجرد رقم». وفي موضوع (خيار لا رجعة فيه) وبينما تقلّ طائرة مروحية لاجئين بدت بهم العيادة «كمستشفى ميداني ساعة حرب»، يعاين د. بارتولو رجل سوري ممدد «يتدلى من وريده محقن» وتعكس عيناه نظرة خواء ما لها من قرار، وإلى جانبه زوجته تشاطره النظرة وبحضنها طفلهما الرضيع ذي التسعة أشهر! لم يكن سر تلك النظرة سوى عذاب الضمير الذي نشب في صدره بعد أن قرر -وهم يصارعون الموج إثر تحطّم القارب- إفلات يد ابنه ذي الثلاثة أعوام والذي كان متمسّكاً به، في تضحية من أجل إنقاذ طفله الرضيع المتعلق بصدره وزوجته معه، حيث الغرق لأربعتهم سيكون مصيرهم لا محالة لو استمر في خوض البحر ومعاندة أمواجه في محاولة لإنقاذ الجميع.. «فتح يده اليمنى وأطلق سراح ابنه وشاهده يختفي أمام عينيه تحت الأمواج»، وما هي إلا دقائق حتى وصلت مروحيّات الإنقاذ.. فلو تمسّك به للحظات لكان لا يزال بينهم! ثم يستمر د. بارتولو يروي قصة الجثث السبع التي حملها قارب لميناء الجزيرة مرة، بمعيّة جثث أطفال أربع بدوا وكأنهم نائمون.. لم تكن الجثث سوى طبيب سوري وزوجته وأطفاله وستة من زملائه العاملين في عيادته الخاصة قبل فرارهم من وطنهم، وقد انقلب بهم القارب بعد إشرافهم على ولادة امرأة فاجأها المخاض في عرض البحر، حين تدافع الراكبون نحو المولود لرؤيته، ما أفقد القارب توازنه وغرق بمن عليه!.ختاماً.. ما هي (دموع الملح) التي خصّها الطبيب لتصف سيرته كاملة والتي ما ارتبطت سوى بدموع الآخرين؟ كانت تلك دموع والده الذي غلبه السرطان آخر عمره، والذي ربّى وأمه سبعة أطفال بمدخولهما المتواضع من مهنة الصيد، وأوصلا أحدهم إلى الجامعة حتى تخرّج طبيباً وحققا به رهانهما الوحيد! يتذكره ابنه عندما كان يهرع لمساعدته كلما عاد بقاربه إلى الميناء محمّلاً بالوفير من الأسماك، فيقول عنه في موضوع (أبناء البحر ذاته): «عندما يعود للميناء بغنيمته، يكون وجهه عادة أبيض يغطيه الملح، تتناثر مياه البحر على الوجه الذي تحرقه الشمس وتترك خلفها قناعاً من الملح.. قناعاً ينبئ ولا يخبئ، قناعاً يُظهر أصالة الوجود ولا يترك مجالاً للتزييف». وهو الآن يرى نفس القناع الملحيّ يغطي وجوه من رموا أنفسهم في دوامة البحر، جبراً لا اختياراً.. فيقول: »أرى القناع نفسه على وجوه المهاجرين اليائسين، الذين قضوا أياماً طوالاً في البحر، تتقاذفهم الأمواج.. كلما رأيتهم بهذا الحال، أفكر في أبي.. كلهم أبناء البحر ذاته».. كانوا كأبيه، يصلون متعبين لكن غير مهزومين، فقد قرروا العيش مهما كان.. فيقول: «كان أبي يعود للبيت كل مرة متعباً، لكنه لم يعد مهزوماً قط.. الآلام التي يشعر بها تزداد سوءاً، والدموع التي تجد لها مساراً أحياناً على وجنتيه، تتحلّل ويبقى ملحها على بشرته.. كانت تلك هي دموع الملح».
1404
| 17 أغسطس 2023
كتاب على قدر وافٍ من الحيادية يدور محوره حول أمة العرب، سُطّر بقلم مستعرب ياباني أمضى ما يقارب الأربعين عاماً من عمره بين أبنائها وعشائرها، ويرى أن (عشرته) الطويلة تلك تعطيه نصيبا من الحق في التحدث وبصدق عن قوم ألفهم وألفوه، كما كان يقول: «أنني أعطيت القضية العربية عمري كله، فمن حقي -ربما- أن أقول شيئاً». لا يتحدث المستعرب نوبوأكي نوتوهارا (1940) في مقدمة كتابه عن نفسه كثيراً، فيكتفي بعرض مسيرته مع اللغة العربية، والتي ابتدأها عام 1961 حين افتتحت جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية قسماً للدراسات العربية فيها، فالتحق به وتخرج بعد أربع سنوات. عمل بعد تخرجه كأستاذ مساعد في الجامعة ليحصل بعد عدة أعوام على منحة خاصة من الحكومة المصرية للالتحاق بجامعة القاهرة كطالب مستمع، حيث استهل هناك ابداعه الحقيقي من خلال الانكباب على القراءة والكتابة والترجمة، بالإضافة إلى انخراطه مع الفلاحين في الدلتا. يتوّج مسيرته بعد ذلك بالارتحال إلى بادية الشام ومعاشرة البدو ردحاً من الزمان، في تجربة غنية لم يعايشها من قبل كياباني تخلو أرض آبائه من بادية. يسترجع نوتوهارا في خاتمة كتابه وبحميمية ذكرياته مع أصدقاء مسيرته الذين يكنّ لهم الكثير من الاعتزاز في مصر واليمن وسوريا والمغرب، وتجمعه بهم روابط مشتركة وذكريات دافئة رغم بون ثقافة مختلفة لا تشبهه في شيء!.تعتمد هذه المراجعة لكتاب (العرب: وجهة نظر يابانية) على طبعته الأولى الصادرة من منشورات الجمل عام 2003، والتي يتطرق فيها الكاتب إلى سبعة مواضيع رئيسية في بلاد العرب. فيُثني على جمال الأدب العربي الذي تعلّمه وعلّمه ويطري عدد من الأدباء العرب، ويتحدث بإسهاب عن ثقافة البدو وكيف أن البادية هي الموطن الأصلي للعرب وأنها الأرض الخصبة للتأمل والفلسفة ونشوء العقيدة، ويتفاعل ويتعاطف كذلك مع القضية الفلسطينية ويؤازرها بصدق حيث يرى أن الإعلام العالمي مضلل فيما يتعلق بها، كما يزكّي الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، ويمنحه لقب «الأديب الشهيد». وفي الأسطر القادمة، أعرض أبرز ما جاء في الكتاب من قول صريح، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): بينما ينتقد المستعرب عدداً من الأوضاع السلبية التي تعاني منها المجتمعات العربية، كالحاكم المعمّر، هدر حقوق الإنسان، السجناء السياسيين، غياب الشعور بالمسئولية، عدم توظيف الدين الإسلامي بشكل صحيح.......، فإنه -وفي منأى عن العاطفة التي تتملّكه نحو أصدقائه العرب- يعزز قيمة الموضوعية التي حرص عليها في كتابه ويعرض لهم «تجربة صعبة ومريرة» واجهها كياباني مع قومه أجمعين! فعندما سيطر العسكر على مقاليد البلاد وزجّوا بها في حروب طاحنة، آلت إلى دمار شامل عقب الحرب العالمية الثانية، ما دفع بالشعب الياباني لاحقاً أن يعترف بالخطأ ويستفيد من الدرس، فأبعد العسكر عن السلطة، وبنى ما دمّره القمع السياسي، واستغرق الإصلاح أكثر من عشرين عاماً. فمن الدروس التي لا ينساها الشعب الياباني «أن القمع يؤدي إلى تدمير الثروة الوطنية وقتل الأبرياء، ويؤدي إلى انحراف السلطة عن الطريق الصحيح والدخول في الممارسات الخاطئة باستمرار». وفي خضم الحديث عن الجيل العربي، يتحدث المستعرب عن التعليم الذي يجده ذا شجن، حيث ينتهي المطاف بالفتيان والفتيات النوابغ في البادية إلى حال الأفراد العاديين تحت غياب الاهتمام والرعاية الاجتماعية. فيتحدث عن ابن صديقه السوري، جاسم الهادئ الصامت، الذي «يشع من عينيه ذكاء خاص وشرود يشبه شرود المتأمل. كان دائماً يراقبني بهدوء ويتحدث معي بالطريقة نفسها. كل شيء في ذلك الطفل كان يوحي بأنه سيصبح كاتباً أو شاعراً لو كان طفلاً في اليابان. بعد عشر سنوات رمى جاسم موهبته كلها وأصبح راعياً نموذجياً كما يتوقع منه المجتمع». وفي فطنة يابانية، يستغل المستعرب ثقافة (الحلال والحرام) ليواجه بها احتيال بعض العمّال أثناء إقامته الطويلة في مصر مقابل إصلاحات منزلية، فيتوعد الواحد منهم قائلاً: «ألا تخاف الله؟ أنا سأطالبك بالنقود الزائدة التي أخذتها مني يوم القيامة». ليخلص أن «الجميع كانوا يخافون فعلاً ويأخذون أجرهم في حدود ما كانوا يسمونه الحلال». ومن حافة بعيدة، كان البيت المتهالك على أطراف مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق يقطنه رجل خمسيني، وقد برّر تهالكه للمستعرب قائلاً: «هذا بيت مؤقت. بيتي الحقيقي هناك في فلسطين. نحن نسكن هنا بصورة مؤقتة وسنعود إلى ديارنا عاجلاً أم آجلاً، وإذا وضعنا سقفاً بشكل كامل فهذا يعني أننا نتنازل عن العودة». استأذن العجوز ثم عاد يحمل معه مفتاح بيته في فلسطين وقد اعتبره شيئاً نفيساً، واستطرد قائلاً: «كلنا نحتفظ بمفاتيح بيوتنا.. نحن هنا بصورة مؤقتة». وأختم بجملة من التساؤلات «البسيطة والصعبة» التي انعكست مع صورة العرب في مرآة المستعرب اليابانية: «لماذا لا يستفيد العرب من تجاربهم؟ لماذا لا ينتقد العرب أخطاءهم؟ لماذا يكرر العرب الأخطاء نفسها؟ وكم يحتاج العرب من الوقت لكي يستفيدوا من تجاربهم ويصححوا أخطاءهم ويضعوا أنفسهم على الطريق السليم؟».. وشهد شاهد من غير أهلها!
1503
| 10 أغسطس 2023
كتاب يُبحر بقارئه في رحلة روحانية متعمقة نحو أديان العالم الكبرى، ليكشف عن روح كل دين وجوهر الحكمة وراء تعاليمه، في لغة تخالف التقليد العلمي السائد القائم في الأساس على عرض كل دين في قالب أكاديمي صرف، بكتبه المقدسة ومعلميه ومعتنقيه ومذاهبه وتعاليمه الرئيسية ومدى انتشاره!. لا تأتي هذه اللغة المختلفة عن هوى، إنما هي عصارة ممارسات إيمانية لتعاليم تلك الأديان، انهمك فيها المؤلف نحو خمسين عاماً فوق أراضي معتنقيها، وأخلص لها إخلاص المؤمن الحق! بهذا النهج المتفرد، لا يعرض المؤلف شيئا من آرائه كباحث أو انطباعاته كمعتنق، بل جاء عرضه حيادياً، وهو لا يعمد إلى التجريح مهما حمل أي دين من معتقدات أو ممارسات غير مألوفة قد تدعو لذلك، بل عمد في بعض الأحيان للتصدي ضد ما يحوم حولها من شبهات وتصحيحها منطقياً وفلسفياً. إنه الناسك الروحي البروفيسور د. هوستن سميث (1919-2016)، وُلد ونشأ في الصين لأبوين أمريكيين مسيحيين يعملان في التبشير، حيث تفتحت مداركه الصغيرة على تنوع الأديان وفلسفاتها، ما دعاه لدراسة الفلسفة بعد عودته لوطنه حتى حصوله على درجة الدكتوراه ومن ثم الانخراط في سلك التدريس. استمر في اعتناق المسيحية رغم إعجابه الشديد بالحكمة الشرقية، وقد تتلمذ على أيدي رهبان الهندوسية، ومارس الزن من خلال معلمي البوذية، وصرح في إحدى المقابلات بأنه يديم الصلاة خمس مرات يومياً باللغة العربية منذ ستة وعشرين عاماً. عمل على إنتاج سلسلة من الوثائقيات خلال ستينيات القرن الماضي، وله العديد من المؤلفات في نفس المجال، أشهرها الكتاب الذي بين أيدينا والذي لا يزال يصنف عالمياً بالمرجع العلمي الأول في الأديان، وقد وصلت مبيعاته إلى المليون ونصف المليون نسخة كما تشير هذه الطبعة. تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الثالثة لكتاب «أديان العالم» الصادرة عام 2007 عن (دار الجسور الثقافية)، والتي عني بها المترجم د. سعد رستم، وهو أكاديمي وباحث سوري حاصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية بعد تحوله إليها من كلية الطب. يعرض فهرس الكتاب عشرة مواضيع رئيسية، يبدو أهمها على الإطلاق: (الهندوسية، البوذية، الكونفوشية، الطاوية، اليهودية، المسيحية، الإسلام، الأديان البدائية) والتي أبث من عبق روحانياتها نفحات، وبشيء من الاقتباس بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) فيما يلي: يحفل الأدب الهندي بالاستعارات والتشبيهات والصور البيانية التي توجه أنظار الإنسان نحو «الوجود المطلق اللانهائي» في الكون الفسيح، والكامن عميقاً بين ثنايا وجدانه. على هذا، ينتقد د. سميث ربط التماثيل الهندوسية بمعاني الوثنية أو الشرك أو تعدد الآلهة، فإنما هي كما يعتقد مسارات تتنقل خلالها الحواس البشرية نحو «الأحد» أو «تطير من الأحد نحو الأحد». أما في الطاوية، فتتوالد أبعاد الوحدانية الإلهية من خلال ترانيم الطاوي وهو يقول: «هناك كائن رائع وكامل.. وُجد قبل السماء والأرض»، والذي تنساب وصيته عذبة تحلق بعيداً عن ميدان رياضة اليوغا وتتقاطع مع العشق الرومي في لغة صوفية، قائلاً: «كل ما يجب علينا فعله في هذه اليوغا أن نحب الله حباً جما، لا مجرد أن نقول بلساننا أننا نحب الله، بل نحبه حقاً، ونحبه وحده، ولا نحب شيئاً غيره إلا لأجله، ونحبه لذاته لا لغرض آخر أو هدف أبعد، حتى ولا انطلاقاً من الرغبة بالخلاص والتحرر، بل نحبه للحب فقط». تتجلى معاني الصيام الإسلامي في الانضباط الذاتي وكبح الشهوات، وفي تذكير الإنسان بضعفه وحاجته الدائمة إلى الله، كما يولد لديه الشعور بالشفقة والإحساس بالآخرين، إذ لا يشعر بالجوع إلا من جاع فقط، ومن راض نفسه على الصيام تسعة وعشرين يوماً يكون أكثر تسامحاً وتفاعلاً مع من يقصده من الجائعين. وفي استنباط لافت للنظر، يشير د. سميث إلى كلمة (القراءة) كمعنى مشتق لكلمة (القرآن)، وبأنه الكتاب الأكثر تلاوة وحفظاً وتأثيراً على مستوى العالم. فلا عجب أن يكون (معجزاً) كما سماه نبيه وأتباعه من بعده! وفي الحديث عن اللغة العربية، يقول د. سميث مقتبساً عن أحد المفكرين: «لا يوجد شعب في العالم تحركه الكلمات، سواء المقولة شفهياً أو المكتوبة، كالعرب! من النادر أن يكون لأي لغة في العالم تلك القدرة على التأثير على عقول مستخدميها كالتأثير الذي لا يقاوم للغة العربية». ثم يُعقب بدوره قائلاً: «يمكن للجماهير في القاهرة أو دمشق أو بغداد أن تُلهب مشاعرها وتثار إلى أعلى درجات الإثارة العاطفية ببيانات، إذا ما تمت ترجمتها تبدو عادية». وفي الختام.. عجباً كيف تختلف الأديان برمتها لتنتهي بعبادة الله وحده ونيل السكينة الروحية كمطمح أزلي! إنه ليس كتابا ترويجيا ولا تبشيريا ولا مقارنا ولا نقديا، بل روحاني بالدرجة الأولى، يقدم للقارئ خلاصة ما اكتسبه مؤلفه من معرفة وجدانية وتجارب روحية تجود عليه بأنوار من فكر وحكمة وتصور جديد للحياة بما يحيطها من مصاعب وطرق مواجهتها من زوايا دينية أكثر اتساعاً. لتصب جميعها انتهاءً في فضاء الحقيقة المطلقة: (الله أحد).
1506
| 03 أغسطس 2023
يولد الإنسان عادة وقد حباه الله بنعمة الصحة التي قد يُغبن فيها ما لم يوفِ حقها بالحمد وحسن الاستغلال! بيد أن قدر الإنسان يفرض مواجهة تحديات الحياة التي قد يوقف عجلتها المرض بما يخلّفه من آثار صحية ونفسية واجتماعية، تتطلب إحاطتها برعاية وحب ونبل يمنحها أبطال مهنة الطب ويتقبّلها المريض .. في تحدٍ يعيد للجسد عافيته وللنفس جمالها وللحياة الانتصار. يوجّه كتاب (قصة الطب ودور الطبيب: إظهار لجمال النفس وانتصار للحياة) حديثه في المقام الأول للمهنيين في المجال الطبي، وللإداريين كمساهمين فاعلين في تلك المنظومة، ويقدّم إهداءه «إلى المريض.. المعلم الأول للطبيب» والذي يدين له المؤلف بالفضل قائلاً: «لولاه ما تعلمنا». يأتي الكتاب عصارة (علم وعمل) انخرط فيهما المؤلف منذ سن مبكّرة حتى تقاعده! إنه د. جاسم الدوري، الذي تخرّج في كلية الطب من جامعة بغداد عام 1974 وعمل في المستشفيات العراقية حتى غادرها إلى المملكة المتحدة وعمل استشارياً للطب الباطني في مستشفياتها بعد حصوله على عضوية كلية الأطباء الملكية. تعتمد هذه المراجعة على طبعة الكتاب الأولى الصادرة عام 2016 عن (دار الشروق للنشر والتوزيع)، والتي تشتمل على بعض الاقتباسات بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر). وعلى الرغم من مادة الكتاب العلمية فقد جاءت بلغة رجل الشارع، حيث يعرض فهرسه أربعة فصول رئيسية يتفرّع عنها مواضيع عدة، فيبدأ د. الدوري حديثه في (الفصل الأول: قصة الطب وفنه) عن الإسلام كدين يحضّ على الاخذ بالأسباب، فـ «الإسلام دين الوقاية»، والحفاظ على الجسد نظيفاً وتجنيبه المحرمّات من شرب للدخان وتعاطٍ للخمور وممارسة علاقات غير شرعية، تقيه أمراض القلب والرئة وأنواع السرطان المختلفة. يستشهد في هذا بحديث النبي الأكرم ﷺ: «إِن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداوَوْا، ولا تداووا بِمحرم». يشير من ثم إلى بناء علوم الطب الحديث القائم على أسس العلماء السابقين، ففي «دولة العلم والثقافة» قام العباسيون بوضع أنظمة دقيقة لممارسة مهنة الطب والحفاظ على الصحة العامة، وهم «أول من قام بالتلقيح ضد الجدري بوضع قشور بثور المرض في جروح صغيرة في جلد الصحيح». يستمر د. الدوري بإطراء علماء الإسلام الأوائل، كالنطاسي والبيروني والرازي وابن النفيس وابن سينا، ويخص «جرّاح قرطبة الشهير أبو القاسم الزهراوي» «المكنى (شيخ الجراحين) و(أبو علم الجراحة الحديثة)، مؤلف (التصريف لمن عجز عن التأليف) ذي الثلاثين مجلداً الذي ضمنه خبرته وإبداعاته في طرق الجراحة المختلفة وآلاتها المتعددة، ولا يزال بيته قائماً في قرطبة الأندلس يزوره السائحون». أما في (الفصل الثاني: الطبيب خادم الفن) فيتطرق د. الدوري إلى الجراحة كذوق ورسم وإلى الطب كفنّ وإلى الطبيب كخادم له، يصفه فيلسوف الطب الأول أبو قراط بأن: «له ثلاثة أضلاع: المرض والمريض والطبيب! فالطبيب خادم الفن، وتعاون المريض مع الطبيب كفيل بالقضاء على المرض». ثم يخصّ حديثه عن الممرضة كركيزة أساسية في مهنة الطب، وما يجمعها مع المريض من علاقة وشيجة لا يحظى بها الطبيب المعالج عادة! فيقول في عذوبة: «إنها حقاً نعمة ربانية أن تختص المرأة بالتمريض لرقة طبعها وحنوها، وهي لا تقل عن الطبيب شأناً إذ إن هدفيهما رعاية المريض». ثم ينتقد النظرة الدونية التي قد يوجهها البعض «لهذه المهنة الإنسانية الراقية» قائلاً: «المرأة شقيقة الرجل التي جعل الله من خلقها الرعاية والحنان والحب غير المشروط، وجعل من أهم مسئولياتها رعاية الأسرة وإدارة البيت، فحيث حلّت المرأة حل النظام والنظافة والسلوك المهذب، وهذه لعمرك هي موجبات الطب حقاً». يختتم الفصل بالحديث عن أخلاقيات مهنة الطب وفضائل الطبيب التي حددها بعشرة خصال، هي: «الرعاية والاهتمام، الرأفة والرحمة، الاتصال الفعال، التعاون والتنسيق مع فريقه الطبي، الكفاءة في العلم والمهارة، التحليل النقدي والتحليلي، الجمع بين الثقة والتواضع، ذو خصال قيادية، الاستمرار بالحصول على آخر العلوم والمهارات، حصر ممارسته بخبرته واختصاصه». وبناءً على هذه الخصال، ينأى د. الدوري بمهنة الطب أن تزاول الاتجار من خلال شركات التأمين ومندوبي الأدوية وموردي الأجهزة والمعدات، إذ «لا يحق للطبيب تسخير هذه المهنة المقدسة للكنز والطمع وتحويلها من مهنة علاج العلة ومعرفة الأسباب إلى حرفة لجمع المال والاكتساب». وفي (الفصل الثالث: معلم الطبيب الأول.. المريض)، يتحدث د. الدوري بلغة وجدانية عن بعض قصص النجاح الطبية التي تشكّل في حد ذاتها أعظم متع الطبيب، وينتهي مع (الفصل الرابع: علاقة الطبيب بالمريض) بجملة من الاقتراحات العملية للتطبيق في القطاع الصحي.. وبمأثور الدعاء: «اللهم رب الناس أذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما».
2925
| 26 يوليو 2023
مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...
6570
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...
987
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...
846
| 18 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...
807
| 16 فبراير 2026
أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...
624
| 16 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...
615
| 20 فبراير 2026
انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...
489
| 19 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تحولاً رقمياً متسارعاً يهدف إلى...
474
| 16 فبراير 2026
شهر رمضان ليس مجرد موعدٍ يتكرر في التقويم،...
468
| 17 فبراير 2026
تُعد دولة قطر شريكاً محورياً في الجهود الدولية...
435
| 20 فبراير 2026
حتى وقت قريب، لم تكن الفضة من الأصول...
417
| 15 فبراير 2026
تمثل القيم الثقافية منظومة من المعتقدات والأعراف والممارسات...
405
| 16 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل