رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كتاب تفاؤلي تكمن روعته في الدعوة للانفتاح على الحياة من خلال ما ورد فيه من آراء واقتباسات، توقظ العقل وتعزّز الشعور الصادق والكامن في الفطرة الإنسانية، والتي ولا عجب، حملها من يختلف عنّا عرقاً وعقيدة وثقافة. هذا ما فعله الداعية المجدد د. محمد الغزالي عندما أفرد قلمه ليسطّر ما استلهمه من خواطر الكاتب الأمريكي الرائد عالمياً في تنمية الذات (ديل كارنيجي)، في كتابه الأشهر (دع القلق وابدأ الحياة)، لكن بمنهج إيماني خالص، وبأسلوب يبتعد عن التعصب أو رفض الآخر. وجد الغزالي فيه من آراء الفلاسفة والمصلحين وأحوال الخواص والعوام ما يتفق إلى حد كبير مع المبادئ الإسلامية، فعزم على وضع كتاب باللغة العربية يرد فيه هذا الكتاب إلى «أصوله الإسلامية» كما ارتأى، وقد انتهج في هذا نهجين: عرض النصوص الدينية وعرض ما يقابلها من النقول المذكورة في كتاب الأمريكي. لم يفت الغزالي وهو يضع كتابه أن يحرص على إحياء اللغة العربية وما تزخر به من حكمة، كصدّ للتوجه العالمي المعادي للعرب وللغتهم، فيقول مخاطباً قرّاءه: «وإذا كان ديل كارنيجي يحيا بقرّائه في جو أمريكي بحت، فمن واجبي أن أعيش مع قرائي في جو عربي خالص، لا أتركه إلا للمقارنات الإنسانية الأخرى وهي مقارنات لا صلة لها بجنس معين». إنه د. محمد الغزالي (1917- 1996) عالم دين ومفكر مصري، عُرف بمنهجه التجديدي للخطاب الديني وبأسلوبه الأدبي الرصين، وبمناهضته للآراء الدينية المتشددة التي واجه بها ردود فعل معادية. حفظ القرآن الكريم في صغره ودرس أصول الدين في جامعة الأزهر الشريف، ثم عمل في الدعوة والإرشاد، حتى انخرط في جماعة الإخوان المسلمين بعد أن تعرّف على مؤسسها حسن البنا، ليلتحق أخيراً بسلك التدريس الجامعي. لُقب بالغزالي تيمناً بالإمام أبو حامد الغزالي الذي رآه والده في منامه يبشّره بمقدمه ويوصيه بإطلاق اسمه عليه. وبينما يعرض فهرس الكتاب أربعة وعشرين موضوعاً، تعرض هذه المراجعة ما جال في المواضيع العشرة الأولى فقط. ففي المقدمة، يعبّر الغزالي عن الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها في تمييز الخير من الشر، والتي تظهر لدى أصحاب العقول والأنفس والأمزجة والطباع السليمة بصرف النظر عما يعتنقون من أديان، وهم الذين خصّهم النبي ﷺ في وصيته «استفت قلبك»، لما لهم من قدرة على التمييز الصحيح. غير أن تلك الفطرة عرضة لأن يعتريها الانحراف والعلل ما يقود إلى ظهور الفساد في الأرض، وهو الأمر الذي بعث الله لأجله أنبياءه الهادين المهديين. والشواهد تشير إلى كثير ممن لم يحظ من تراث الأنبياء بشيء لكنه حظي من صفاء الفطرة ما لا يجعله يضل عن الله الواحد الأحد، بل ولعلّه يكون أحسن حالاً وأرجى مآلاً ممّن مكّنه الله من هديه لكنه أخلد إلى الأرض، وكما يُقال: «الناس رجلان: رجل نام في النور ورجل استيقظ في الظلام». بيد أن انحراف الأمم السابقة عمّا أُرسل إليهم قد ختمه الله برسالة إسلامية خالدة تكفّل بحفظها، إلا أن انحراف المسلمين أنفسهم يشكّل افتراءً على الإسلام الذي قد يوصم بسبب انحرافهم بما ليس فيه. يقول الغزالي: «إن التاريخ سجَّل هزائم كثيرة للطوائف التي تُسمى رجال الدين»، وما أحدثوا في فقه النصوص من فوضى تعرض الدين في قالب مشوّه، فما كانت هزيمتهم تحيق بالدين، إنما جاءت كانتصار للدين وتأصيل للفطرة على «الغباء والجمود والنفاق». ينبّه الغزالي في موضوع (جدد حياتك) على أن تمنية النفس بالتحسّن في الحال، والتحوّل في المكان، وإقران الصفحة الجديدة من الحياة بموعد مع أقدار مجهولة، ليس سوى ضرب من التسويف! وعلى الرغم من استشعار القوة مع هذا التسويف وبالنشاط بعد الخمول، فهذا في حقيقته شعور واهم ما يلبث أن يؤول إلى انحدار أشد وأهوى، إذ إن «تجدد الحياة ينبع قبل كل شيء من داخل النفس»، فهذه النفس التي بين جنبات الإنسان، وحاضره الذي يحيا فيه، والظروف المحيطة به بحلوها ومرّها، هي فقط من ترسم له طريق المستقبل. وفي موضوع (عش في حدود يومك)، يرى الغزالي البعض وهو مستغرق في خط لا ينتهي من التفكير المسترسل الذي لا يقطعه سوى وحوش الوساوس، والتي ما تلبث أن تتحول إلى هواجس وقلق وهموم جاثمة، وذلك يُعدّ من الأخطاء التي يغفل فيها المرء عن حاضره لينوء بأعباء المستقبل.
873
| 20 مارس 2024
صاحب الطوفان الذي أثاره صناديد كتائب عز الدين القسام منذ السابع من أكتوبر الماضي ضد العدوان الإسرائيلي في قطاع غزة، مشاهد حية تصف النضال الصادق وتفضح دموية الاحتلال، حتى حان الوقت لسرد رواية هذا الطوفان ككلمة حق في وجه السطوة العالمية الجائرة! ففي الحادي والعشرين من يناير، نشر المكتب الإعلامي لحركة المقاومة الإسلامية حماس بياناً رسمياً يضع فيه نقاطا ضخمة على حروف سيكتبها التاريخ، عن حقيقة ما جرى، وأسبابه، وسياقه المتصل بالقضية الفلسطينية، مع دحض الادعاءات الصهيونية. وهو يهديه إلى أهل فلسطين المرابطين، والشعبين العربي والإسلامي، وإلى أحرار العالم أينما كانوا. يرتكز بيان (هذه روايتنا: لماذا طوفان الأقصى؟) على خمسة محاور. ففي الأول (لماذا معركة طوفان الأقصى؟) يروي أسباباً أولها تاريخي يعود إلى 105 أعوام من احتلال فلسطين، كان للاستعمار البريطاني نصيب من 30 عاما، بينما جاء 75 عاما من نصيب الاحتلال الصهيوني، إضافة إلى تهجير 57% من أهلها والاستيلاء على 77% من أراضيهم، مع ارتكاب مجازر وتدمير للقرى تمهيداً للاستيطان الصهيوني عام 1948. وتأتي المنهجية في ممارسة القهر ومصادرة حقوق سكان القطاع كسبب آخر للطوفان، فضلاً عن سياسة الفصل العنصري وتحويل غزة إلى «أكبر سجن مفتوح في العالم». أما استمرار العدوان الهمجي على المدنيين مقابل التجاهل الأمريكي وحلفائه، فضلاً عن توفير الغطاء اللازم لحماية الكيان المحتل، فهو سبب مضاف، يُضاف إليه التعجرف الإسرائيلي ضد التقارير الدولية التي توثّق انتهاكاته، و»تدمير إمكانية قيام دولة فلسطينية» عن طريق مضاعفة الاستيطان على الأراضي الفلسطينية خلافاً لمسار التسوية السلمية في اتفاقية أوسلو. لذا، يثور طوفان الأقصى لسد خطط تهويد المقدسات والاستيطان في الضفة الغربية وفرض السيادة على القدس، ولإطلاق سراح الأسرى القابعين في سجون الاحتلال، وللمبادرة في تحقيق أمل 7 ملايين فلسطيني في العودة. ثم ينتقل البيان للمحور الثاني (أحداث 7 أكتوبر والرد على ادعاءات وأكاذيب الاحتلال) ليؤكد على أن عمليات طوفان الأقصى منذ البدء لم تستهدف سوى المواقع العسكرية الإسرائيلية، بهدف أسر الجنود كخطة للمقايضة وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، وقد تم ذلك بالفعل خلال الهدنة الإنسانية. وقد حرص مقاتلو القسام على عدم استهداف المدنيين الإسرائيليين، وذلك كمبدأ لا تحيد عنه حماس منذ تأسيسها عام 1987، مع التأكيد على انتفاء القصد في حال تم ذلك. وقد قصد البيان التذكير بمذبحة الحرم الابراهيمي حيث أطلقت حماس حينها «مبادرة تقضي بأن يتم تجنيب المدنيين ويلات القتال من قبل كل الأطراف»، والتي ضربت بها إسرائيل عرض الحائط. أما ما روجه الإعلام الإسرائيلي من استهداف حماس للمدنيين مع بث بعض المشاهد، فقد أكد البيان مقتلهم بسلاح الجيش الإسرائيلي نتيجة ارتباكه ورعونته بل ولمهانة الشعب الإسرائيلي لديه مقابل تحقيق أهدافه، وهو الأمر الذي أكدته صحيفتا (هآآرت ويديعوت أحرونوت) فيما بعد. كما أن عدد القتلى من الجانب الإسرائيلي لا بد أن يأتي مضاعفاً ما دام يؤمن بفكرة «الشعب المسلح» ويسلح رعاياه في سن الثامنة عشرة، وهو ما جعله «جيش له دولة» لا «دولة لها جيش». ينتقل البيان بعد ذلك إلى المحور الثالث (نحو تحقيق دولي نزيه)، ليؤكد أنه رغم انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية، فإن التعنت الإسرائيلي -يسانده الانحياز الدولي- يرفض مطالبات التحقيق في جرائمه. لذا يدعو البيان الدول العظمى -أمريكا وبريطانيا وكندا- إعلان دعم مسار التحقيق في المحكمة، ويدعو فريق التحقيق لزيارة فلسطين المحتلة عاجلاً لمعاينة تلك الجرائم. والبيان إذ يستحضر الأمثلة التاريخية في النضال ضد الاستعمار والفصل العنصري، يؤكد أنه «بمقدار ما كان هناك اضطهاد من قبل المحتل، فإن ذلك كان يستجلب رداً ومقاومة أكثر قوة من قبل الشعب الخاضع للاحتلال، وإن استمرار هذا الاحتلال يمثل تهديداً لأمن العالم واستقراره». أما في المحور الرابع (تذكير للعالم من هي حماس)، فيذكّر البيان بأن حماس «حركة تحرر وطني ذات فكر إسلامي وسطي معتدل، تنبذ التطرف وتؤمن بقيم الحق والعدل والحرية». وهي إذ تؤمن بالحرية الدينية، تؤكد على أن صراعها مع الكيان المحتل لم يكن يوماً قائماً على اضطهاد اليهود أو اليهودية، بل إن التاريخ يشهد على رفض الفلسطينيين للجرائم النازية ضده. كما أن حماس كحركة مقاومة مشروعة الأهداف، فهي «تستمد شرعيتها في مقاومة الاحتلال ومن حق شعبها الفلسطيني في الدفاع عن نفسه، وفي السعي للتحرر وتقرير المصير، وإنهاء الاحتلال والعودة إلى وطنه». ينتهي البيان بالمحور الخامس (ما هو المطلوب؟) ليطالب بالوقف الفوري للعدوان الإسرائيلي على غزة، ثم معاقبة إسرائيل دولياً وتكبيدها خسائر الحرب، ومطالبة القوى العظمى بالكف عن توفير الغطاء السياسي للكيان باعتباره «دولة فوق القانون»، مع تفعيل دعم العالم الحر للقضية الفلسطينية، ومواصلة النضال عربياً وإسلامياً وعالمياً حتى إنهاء الاحتلال بشكل تام. ولعل أصدق ختام لهذا البيان، الدعاء لمد طوفان الأقصى بالاستمرار في الاندفاع، حتى لا يذر على أرض فلسطين من الصهاينة ديّارا.
960
| 12 مارس 2024
على الرغم من مرور أكثر من عقدين من الزمان على صدور كتاب (إسرائيل النازية ولغة المحرقة) للمفكر الراحل د. مصطفى محمود، إلا أن الأحداث التي عرض لها لا تقل دموية عن الأحداث الدائرة في طوفان الأقصى منذ شهور، إن لم تكن الأخيرة أشد بطشاً وأثقل وطأة في التخاذل وقلة الحيلة! يبدأ المفكر بمقالة (النبوءة) التي شهدت صعود ظاهرة عالمية يُطلق عليها (الإسلام)، من بنوك واستثمار وأزياء وصحافة، إضافة إلى الجهاد كما في أفغانستان والشيشان وجنوب لبنان، والتي تقرأ ظهورا ثانيا للإسلام يحشد القوى لمواجهة الظهور الثاني لدولة إسرائيل، كما في وعد الآخرة القرآني، وذلك بعد أن يزيل ما تبقى من «الأراجوزات الكبار» ويلحم الجبهة العربية بعد طول تمزق وفرقة. ذلك الصعود الثاني هو أخشى ما تخشاه إسرائيل التي ستفتعل ضده الحروب مستعينة بالتأييد الأمريكي، غير أن المفكّر يتنبأ في مقالة (إنهم يلعبون بالنار) لهذا التأييد بالتلاشي مستعيناً من جديد بالقرآن الكريم! فليست أمريكا سوى (عاد الثانية) التي سيجري عليها ما جرى على (عاد الأولى) وقد جاء في وصف الأولى من العلو والبطش، ما يتطابق ووصف الثانية! يقول المفكّر: «وذلك لغز آخر يجلوه القرآن في إشارة عابرة يصف فيها قوم عاد بأنها عاد الأولى، والمعنى أنه ستكون هناك عاد ثانية! دولة عملاقة تتعملق في صناعاتها كما تعملقت عاد الأولى، هي أمريكا.. ثم يجري عليها حاصد الفناء فيأتي عليها ربنا من القواعد. والمعنى المهموس بين السطور: أن أمريكا لن تظل أمريكا». يتبع المفكر نبوءته بمقالة (النازية الجديدة) التي بها يوصم إسرائيل وغلوها، وإن غاب عنها هتلر! فالفرق كبير بين جنود الصاعقة الألمان وأندادهم من اليهود، «وهو فرق بين شجاعة وجبن.. وبين صمود وفرار.. وبين ثبات وانهيار.. وبين إيمان وكفر»، وعليها ستأتي النتائج كمفارقة أكبر، والموعد هو التاريخ كله، وإن مأساة إسرائيل قد بدأت أولى فصولها وستتوالى! غير أن المفكّر يحذر في مقالة (المختصر المفيد) من «اختصار التاريخ» الذي ستهرول إليه إسرائيل! حيث سيستمر العرب في الاستماع إلى خبر عقد قمة أو على وشك عقدها أو بتأجيلها على أمل عقد أفضل منها، في الوقت الذي تحشد فيه إسرائيل ترسانتها العسكرية وصواريخها النووية، وتعمل على تحقيق مرادها عن طريق التركيع إن لم يُجدِ التطبيع.. وقد عني بالمختصر المفيد سياسة التعقيد والتأييد، وأسلوب حل المشاكل بإقحام العرب في مزيد منها، «واختصار المراحل باستئصال الأوائل والأواخر». وكم كانت مفارقة أن يأتي المفكر في مقالة (نداء إلى الكل) على موقف التلفزيون البريطاني المندد بسياسة إسرائيل ضد المواطنين العرب في داخل إسرائيل ووصفها بالعنصرية، وهو يستعرض تقريراً يفضح مظاهر العزل العنصري، كحادثة إطلاق النار على متظاهرين مؤيدين للانتفاضة، وحادثة قتل اثني عشر شاباً في عملية وحشية، وهدم البيوت بالمدافع على رؤوس ساكنيها «بما أعاد للأذهان جرائم التمييز العنصري في جنوب أفريقيا.. وقد اشتعلت المظاهرات في جنوب أفريقيا ذاتها تنادي بنجدة أهل غزة والخليل ودمغت إسرائيل بالعنصرية في مؤتمر ديربان». ثم يذهب المفكر إلى أبعد من مجرد التغيير الديموغرافي المتمثّل في التطهير العرقي في فلسطين وحدها، وهو يتطرّق إلى خطط إسرائيل المستقبلية في تجريد العرب من كل أشكال القوة لا سيما السلاح والثروة والموارد، وقد عدّت تلك القوة خطر آخذ في الاتساع ليشمل المستقبل بأسره. فيقول: «إن الحكاية أكبر بكثير من تغيير الجغرافيا في فلسطين، وهي أكبر بكثير من تشريد الفلسطينيين! فهي تهدف إلى تشريد كل العرب واقتلاعهم واقتلاع ديانتهم واقتلاع سيادتهم من المنطقة ومن الأرض ومن التاريخ قاطبة». يعود المفكّر من جديد لإسرائيل وأمريكا ليربط بينهما في مقالة (العولمة: الصنم الجديد)، فمن النظام العالمي الجديد وصندوق النقد الدولي إلى اقتصاد السوق، تم تنصيب «آلهة آخر الزمان» التي سنّت العقلية الاستعمارية وشرعنت السيطرة على مقدّرات الأمم باسم (العولمة)، فما يحدث من تخطيط أمريكي ظاهراً هو صهيوني في حقيقته، وإن النظام العالمي الجديد الذي وضعه (عصبة روتشيلد) وصكّوا وسمه على ورقة الدولار الأمريكي مع عين الهرم الماسوني، هو امتداد لتآمر اليهود على العالم منذ القدم، وقد وضع بروتوكولاته حكماؤهم، مرجعهم فيه كتابهم الجامع (التلمود). فبينما يخطط البروتوكول الثاني إلى إغراق البشر في مستنقع الفساد الأخلاقي، يسعى السادس إلى رفع أسعار حاجياتهم الضرورية، في حين ينشر السابع الأحقاد بينهم ويصنع الثورات، ويعمد التاسع إلى القبض على زمام التعليم وضخ المبادئ الماسونية في مقرراته مع نشر الإرهاب والآراء المتطرفة. أما العاشر فيختصّ بنشر الأوبئة، في حين يتسلّط الثاني عشر على وسائل الإعلام ليروّج للأكاذيب ويختلق الإثارة.. وأخطرها «الويل والاغتيالات لمن لا ينفذ تعليماتنا، والقتل لمن يبوح بأسرارنا». ومع أحداث الليلة التي جاءت تحاكي أحداث البارحة، فإن المفكّر الراحل لا يزال حاضراً بما حباه الله من ملكة فكرية وصدق في المنهج وإخلاص لما يعتنق، ما جعل من كتابه هذا كفيلاً لتذكير المؤمنين.
1233
| 22 فبراير 2024
جاء كتاب (تاريخ اليهود في بلاد العرب: في الجاهلية وصدر الإسلام) عن رسالة لنيل درجة الدكتوراه حول تاريخ اليهود في شبه جزيرة العرب، والتي وضعها المستشرق اليهودي إسرائيل ولفنسون (1899-1980) والملقب بـ (أبو ذؤيب) في إحدى الجامعات المصرية وتحت إشراف عميد الأدب العربي د. طه حسين. وُلد المستشرق في فلسطين ثم انتقل إلى مصر ودرس اللغتين العبرية والعربية ودرّس في جامعاتها، ثم عاد إلى فلسطين وأصدر العديد من الكتب أشهرها الذي بين أيدينا. ولأن إصدار الكتاب جاء في عام 1927، أي قبل احتلال فلسطين بما يقرب العقدين من الزمان، ما يجعله في منأى عن تحيزات الرأي بطبيعة الحال، إلا أنه لم يخلُ من نبرة تعظيم لكل ما هو يهودي، من مكانة رفيعة أساسها شعب الله المختار، وفضل يدين لهم الإسلام وأمة العرب به! رغم هذا، فقد اعتمد المستشرق منهجاً استدلالياً مستعيناً بالمصادر العربية والإسلامية إضافة إلى المراجع العبرية وأبحاث المستشرقين السابقة. ينقسم الكتاب إلى تسعة أبواب. يظهر في الأول (اليهود في بلاد الحجاز) انتقال اليهود من فلسطين إلى أرض الحجاز وقد انقسموا إلى أحبار وأميين، واشتراكهم والعرب في منظومة الأعراف والأخلاق وقرض الشعر، وتفوقهم على العرب في صياغة الذهب وصناعة الدروع الحربية، في حين يظهر في الثاني (ظهور اليهودية في بلاد اليمن) انتشار اليهودية في اليمن كحركة مقاومة للأطماع السياسية التي خاضتها الإمبراطورية الرومانية المشبّعة بالفكر المسيحي، وذلك لانصهار اليهودية كمعتقد مع عقيدة العرب، ويأتي الباب على ذكر قصة أصحاب الأخدود وجيش أبرهة وعام الفيل. أما في الثالث (بطون يثرب وحوادثها وعلاقاتها باليهود)، فيظهر انتقال اليهود إلى يثرب مع حادثة (سيل العرم) التي تسببت في انهيار سد مأرب، والذي بيّنت الأبحاث الاستشراقية في شأن انهياره حوادث متتالية تسببت في إهماله بالتدريج. وفي الرابع (أحوال العرب الاجتماعية والدينية والسياسية في بلاد الحجاز قبيل ظهور الإسلام)، تظهر محافظة اليهود على معتقدهم الديني وإرثهم الفكري رغم الهزائم التي تعرضوا لها على يد أحباش اليمن، في حين لا يعمد اليهود إلى نشر دينهم بين الأمم لإيمانهم باقتصاره على من وُلد لأم يهودية. أما في الخامس (مكة ويثرب إزاء الحركة الإسلامية) فيثير المستشرق أسئلة جدلية حول موقف قريش ويهود يثرب من بيعة العقبة والتي لا تأتي المراجع الإسلامية على ذكرها كشبهة تجاهل، في حين يعرض السادس (هجرة الرسول إلى يثرب وإجلاؤه بني قينقاع والنضير عنها) هجرته ﷺ وصحبه إلى يثرب التي استبشروا بها، حيث اليهود -وهم أهل الكتاب- الأقرب في جوهر عقيدتهم إلى دعوة التوحيد، غير أن اليهود -رغم تلهّفهم لملاقاة النبي الجديد- استغربوا دعوة نفس العقيدة على يد غير يهودي، فهم وإن استقر لديهم أمر محاربة الوثنية، فقد استهجنوا فكرة نبذ العقيدة الابراهيمية التي ترسّخت في قلوبهم والتي اختتمت بالتوراة، تماماً كما القرآن الذي يؤمن به المسلمون ككتاب خاتم. أما السابع (غزوة بني قريظة) فيتعرّض إلى انضمام بنو قريظة مع بني قينقاع وبني النظير إثر حادثة إجلائهم -فيما يعرف بالأحزاب- للحرب ضد الإسلام، وهي الحرب التي أنهت الوجود اليهودي في يثرب تماماً. ويعرض الثامن (غزوة خيبر) تحريض اليهود لقريش ضد المسلمين كسبب رئيسي لشنّ الحرب، إضافة إلى نقض اليهود العهد الذي كان بينهم وبين الرسول، ورغم حصون خيبر المنيعة فوق الجبال، فقد انتهت الحرب بهزيمتهم وإبرام الصلح مع المسلمين. وفي الباب التاسع والأخير (إجلاء اليهود عن البلاد الحجازية) يقوم الخليفة عمر بن الخطاب بإجلاء ما بقي من اليهود لا سيما ممن لم يكن على عهد مع الرسول، حيث تفرّق بعضهم في الشام في حين انتقل البعض الآخر إلى تيماء والحجاز ووادي القرى، حتى انعدم وجودهم شيئاً فشيئاً. وعن الوضع الديني والسياسي والثقافي للعرب في بلاد الحجاز قبل مجيء الإسلام، يقول المستشرق: «وقبيل ظهور الإسلام، وجدت في الديار العربية نهضة فكرية عظيمة كان الاضطراب من علاماتها، وقبيل الإسلام أيضاً أصبحت القلوب صالحة لقبول دعوة دينية جديدة. لو كان واحد من المفكرين الحنيفيين دعا لتوحيد الإله مع إبقاء النظم العربية الاجتماعية التليدة لكانت دعوته قد صادفت أرضاً خصبة. وبقيت أفكار أهل الجزيرة العربية مضطربة اضطرابا عنيفاً بين اليهودية والنصرانية والوثنية إلى أن ظهر رجل رفع علم النبوة وصار غرة ناصعة في جبين الدهر ومجداً باقياً ما بقي الزمان وأرغم التاريخ على أن ينحو نحوا جديداً.. وكان اسمه محمد بن عبد الله من آل قريش من مدينة مكة». ختاماً، ومع هذا البحث الأكاديمي الذي حذّر بعض أصدقاء الباحث من احتمالية تهييجه عواطف الطائفتين، خصوصاً فيما ثار من خلاف بين نبي الإسلام ويهود يثرب، والسخط المرافق حال ميل الرأي ضد الأخرى، فهو يؤكد بدوره في تصدير الكتاب: «أن رسالتنا موجهة إلى طائفة المفكرين الذين لا ينشرون دعوة خاصة في كتاباتهم، بل يقصدون دائماً البحث المجرد عن العواطف القومية والدينية».
2703
| 08 فبراير 2024
عبر الكلاسيكيات العبرانية التي حرص مؤدلجوها على رسمها بعناية خلال القرنيين الماضيين، يعرض كتاب (تلمود العم سام: الأساطير العبرية التي تأسست عليها أمريكا).. (فكرة إسرائيل) ومولدها على أرض فلسطين مع طلائع الاحتلال البريطاني للقدس في التاسع من ديسمبر لعام 1917، وهي تتضمن المهمات الأساسية الثلاث التي لا تتحقق إلا بالعنف وحده، وهي: «احتلال بلاد الآخرين. استبدال سكانها بسكّان غرباء واستبعاد من يعصي منهم على الاستبدال. استبدال ثقافتها وتاريخها بثقافة المحتلين الغرباء وتاريخهم». كانت هذه الفكرة التي محقتها إرادة الكنعانيين الأسطورية في صورتهم البدوية من أرضهم مرة تلو أخرى، قد ألهبت مخيلة الحجاج الإنجليز قبل غزوهم القارة الأمريكية أواخر القرن السادس عشر! فمدينة (كايب كود) التي أصبحت فيما بعد (نيو إنجلاند-إنجلترا الجديدة) قد أطلق عليها أولئك القديسون الذين تسمّوا بـ (المستعبرين) قبل إبحارهم نحوها بـ (كنعان الجديدة)، أو بتخصيص أدق (كنعان الإنجليزية) بل و(إسرائيل الله الجديدة) و(أرض الميعاد)، وقد اعتبروا أنفسهم الورثة الحقيقيين لليهود الذين تخلو عن جوهر رسالتهم المتمثلة في (فكرة إسرائيل)، فما عاد من (شعب مختار) يحمل رايتها وهو يمجّد الإله سواهم، وهو الشعب الأبيض المتحضّر الديمقراطي الذي نصّب عرشه فوق مقبرة جماعية لهنود حمر ينتمون لشعب بربري إرهابي منحط.. كما يؤكد المؤلف في مقدمة كتابه. والمؤلف هو د. منير العكش، أستاذ الإنسانيات واللغات الحديثة في جامعة سفُك الأمريكية، والذي أصدر العديد من المؤلفات باللغتين العربية والإنجليزية، إضافة إلى مشاركته في إدارة أحد أبرز مراكز الأبحاث العربية في الولايات المتحدة الأمريكية. ويُذكر عنه تكريس جهوده في دراسة تاريخ الهنود الحمر وثقافتهم منذ وصوله، وقد حصل على (وسام أوروبا) من البرلمان الأوروبي تكريماً لجهوده في مشروع حوار الحضارات العالمي. وككاتب ومفكر ومؤرخ، فإنه «سوري بالمولد.. فلسطيني بالاختيار» كما يحب أن يُعرف. إن هذه النسخة الإنجليزية من (فكرة إسرائيل) قد لازمت التاريخ الأمريكي قبل ولادة الأب الروحي للصهيونية العالمية (تيودور هرتزل) بأكثر من ثلاثة قرون، وهي التي تبنّاها -إلى جانب اللاهوتيين في صيغتها المقدّسة- العلمانيون فيما يُعرف بالدين المدني، وهو الذي كان يعبّر عن «تاريخ القناعة الراسخة بأن الأمريكيين هم الإسرائيليون فعلاً وشعب الله حقاً»، وذلك عندما تلبّست (فكرة إسرائيل) جوهر (فكرة أمريكا) وأصبح من المسلمّات، حسب رأي عالم الأديان الأمريكي كونراد «أن الأمة الأمريكية أقرب إلى الإسرائيليين الأوائل من أي شعب آخر على وجه الأرض. لهذا شاعت تسمية (أمريكا الإسرائيلية) على بلادنا». ولأن الأرض، أي أرض، لا يفرّط بها أبناؤها، فقد كانت لتلك الفكرة المزدوجة أن تقدّس طقوس العنف، حيث إن «كل بلاغة العنف الأمريكية كانت وما تزال تستمد استعاراتها من أدبيات (فكرة إسرائيل) وقصصها المقدسة وأنماط سلوك أبطالها». ففي الخطبة التي ألقاها «أحد أبرز أنبياء أمريكا الإسرائيلية» أمام كتيبة الجنود المتوجهة لغزو الهنود، استعارات تنفخ الروح في الأساطير العبرانية وتسقط المعنى الإسرائيلي على أمريكا، فما أولئك الجنود سوى «بني إسرائيل في مواجهة العماليق» وما عليهم كأبناء إسرائيل الجدد «إلا أن ينقضّوا على أعدائهم بالطريقة التي انقض بها العبرانيون على أعدائهم العماليق! فليُسحقوا كغبار تذروه الريح، وليُسكنوا مثل الوسخ في الشوارع، إلى أن يبادوا فلا يبقى منهم أثر». وهكذا كانت أخلاق العنف التي اعتنقتها (فكرة أمريكا) في حرب الإبادة التي شنّتها على الهنود الحمر، كما تحلّت بها من قبل (فكرة إسرائيل) التاريخية. غير أن لهذا العنف بُعدا مقدّسا يبيح قتل الهنود وإخضاعهم وسلب أرضهم وأرض آبائهم، وذلك من جانبين «تارة لأنهم عماليق أو عمونيون أو كنعانيون أوصت السماء بقتلهم أو تشتيت شملهم حتى يتم أمر الله بتأسيس إسرائيل الجديدة، وتارة لأن إبادة الرجال والنساء والأطفال وقتل المواشي وتدمير المدن وتقويض المعالم الثقافية لازم للحفاظ على نقاء شعب الله». وكم تتقاطع هذه التبريرات مع ما لفّقه الصليبيون من أعذار لشن حملاتهم في القرون الوسطى، والتي استعذبها الإنجليز وتساموا في جرائم القتل والنهب والإبادة ضد الهنود الحمر إلى «مرتبة العبادة». قدمت (فكرة إسرائيل) للشعب الإنجليزي المختار ما يحتاجه من منظومة أخلاقية متكاملة لاجتياح مجاهل القارة الأمريكية وإفراغها من شعبها الأصيل، وكانت (المجاهل) حينها تُعرّف بـ «كل أرض لا يسكنها إنسان أبيض»، فضلاً عن إيمانهم التام «بأن الله يحارب معهم» والذي انضم من قبل مع ميليشيات المستعمرين الأوائل «وأرسل الأوبئة رحمة منه لقطع دابر الهنود وإفراغ الأرض للإنجليز.. وهو الذي يزور البيت الأبيض من آن لآن ليكلم الرؤساء ويأمرهم بتحرير هذا البلد او ذاك». ومع هذه القناعة التي ميّز بها إله الإنجليز الخبيث من الطيب، ورسم بهم الحد الفاصل «بينه وبين أولياء الشيطان»، فقد «تحولت كل مجاهل الأرض المرشحة للمصير الكنعاني إلى ممالك شر لا بد من تدميرها»، وأصبح «حق الحرب» الذي منح الإله شعبه الأنجلوسكسوني، تفويضاً سامياً لاجتياح تلك المجاهل، وكأمانة في أعناقهم يعيدون بها صياغة العالم.
3006
| 01 فبراير 2024
بينما يوجز الحديث الصحيح المعنى الوارد في قول النبي الأكرم ﷺ: «وَحَدِّثُوا عن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ»، يتكفّل هذا الكتاب بالشهادة على صدقه فيما يعرض من جبلة اليهود وما هي عليها من صفاقة وتضليل وتدليس، كحقيقة لا لبس فيها! كطبيعة بشرية جُبلت على تقديس قوة عظمى تعلوها، يصبح من الصعوبة بمكان المس بالذات التي تم تنصيبها كرمز سامٍ أو كمثل أعلى، بل وقد كانت تُشن الحروب عندما تسبق دابة قبيلة بهيمة الأخرى، حتى تأتي التوراة بأشنع ما يمكن تصوره في حق صفوة خلق الله، بل في ذاته تبارك وتعالى «سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا». فعن التوراة ككتاب سماوي أوحي به إلى موسى عليه السلام -وهو أحد أولي العزم من الرسل- فإن الجدل حول مدى مصداقيتها قد تلقفته الأديان السماوية الأخرى بالأخذ والرد، إضافة إلى فرق اليهود أنفسهم. حيث لا يعترف السامريون سوى بالأسفار الخمسة الأولى من التوراة والتي تأتي على الحقبة من آدم إلى موسى عليهما السلام، بحيث يصبح ما تبقى من الأسفار مجرد ذكريات تاريخية تصف أحداثاً وقعت لأصحاب موسى بعد وفاته بمئات السنين ولا يد له فيها، فما هي إلا كتابات أصحابها ولا يصح تضمينها الكتاب المقدّس. وبحجة أنها غير محسوبة على التوراة كأسفار مقدسة، تحذف الكنيسة البروتستانتية أسفار باروخ وطوبيا ويهوديت والمقابين الأول والثاني، وبعض من سفر أستير وسفر دانيال، في حين تعترف الكنيسة الكاثوليكية بها جميعاً. أما المسلمون، ومع إيمانهم بموسى عليه السلام كنبي مرسل إلى قوم يهود بكتاب التوراة المنزّل من الله، فإنهم لا يؤمنون بصدق التوراة المتداولة، وذلك لما طالها من التحريف والتبديل على أيدي اليهود أنفسهم، وكما جاء في النص القرآني عن ديدنهم: «يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ». يضع كتاب (التوراة) المفكّر الراحل د. مصطفى محمود في تسعينيات القرن الماضي، وهو إذ يؤكد من ناحية على تأصل الحمض النووي في خلقة اليهود الأولين والآخرين وفي أفعالهم -وما أشبه الليلة بالبارحة- يؤكد من ناحية أخرى على أصالة الفكر الحر، وحضور المفكر -وإن كان غائباً- بجزالة فكرة، وصدق منهجه، وإخلاصه لما يعتنق. ويُعتبر الكتاب القصير نسبياً بمثابة مقدمة تعريفية لما جال وصال في التوراة، وكدافع تحفيزي للاستزادة والاطلاع على مراجع أكثر تفصيلاً، بل وعلى التوراة نفسها. يبدأ المفكّر في فضح أباطيل اليهود من خلال توراتهم المزعومة، إذ أن «القراءة المتأنية للتوراة المتداولة لا يخرج منها القارئ بأنه أمام كتاب أوحى به الله! فالأنبياء الذين تعارفنا على إجلالهم واحترامهم نراهم في التوراة عصبة من الأشرار، سكيرين ولصوصاً وزناة وكذابين ومخادعين وقتلة.. والله نراه يفعل الفعل ثم يندم عليه، ويختار رسوله ثم يكتشف أنه قد أخطأ الاختيار، وكأنه لا يدري من أمر نفسه شيئاً ولا يعرف ماذا يخبئه الغيب! نرى الله في التوراة ينام ويستيقظ، ونقرأ في سفر زكريا الاصحاح الثاني: (واسكتوا يا كل البشر قدام الرب لأنه قد استيقظ من مسكن قدسه). والرب في التوراة يخلق العالم في ستة أيام ثم يتعب، ويحل عليه الإرهاق فيستريح». يستمر فجور اليهود ليمس أنبياء الله بعد تطاولهم على مقامه جلّ وعلا، فيقول المفكّر: «أما الأنبياء فقد قارفوا جميع الخطايا. نقرأ عن نوح عليه السلام أنه شرب خمراً حتى سكر وتعرى داخل خبائه، ورأى ابنه حام عورته فأخبر أخاه سام فجاء سام ويافث وسترا عورة أبيهم، فلما تيقظ الأب وعلم بالأمر دعا باللعنة على حام ونسله من الكنعانيين، يكونون عبيداً لسام مدى الدهر (والغرض السياسي هنا واضح بالنسبة لليهودي الذي كتب هذا الكلام، فهو يدعو على أبناء حام -وهم الفلسطينيون والمصريون- بأن يكونوا عبيداً للساميين اليهود، وتحت حكمهم مدى الدهر». بل إن أولئك الساميين الذين لم يتورعوا عن عبادة الأصنام، قد دفعوا بموسى ليتبجّح عند الله معاتباً حين غضب عليهم، وهو يأمره: «ارجع يا رب من غضبك واندم» فيتأثر ذلك الرب ويطيع من فوره «فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه». ومع الفحش الذي يقابله قول ابن داوود الملك في أورشليم كما ورد في سفر الجامعة: «رَأَيْتُ كُلَّ الأَعْمَالِ الَّتِي عُمِلَتْ تَحْتَ الشَّمْسِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ».. يختم المفكّر كتابه بالتنبؤات التوراتية التي وافقت القرآنية فيما يخص علو شأن بنو إسرائيل في آخر الزمان، مع فارق الخاتمة! ففي حين تصفه التوراة «علواً إلى نصرة مطلقة وسيادة على العالمين إلى يوم الدينونة»، يصفه القرآن الكريم بالطغيان «علواً ينتهي بهزيمة وخراب وتحطيم لما بنت إسرائيل ولما عمرت». وبما أن الأيام يداولها الله بين الناس، فيترك المفكّر ذلك العلو للتاريخ، ولليهود الابتهال لربهم وحدهم، وللمؤمنين التضرّع لرب العالمين، وللأقلام التي كتبت التوراة أن تتحطم، وللقلم الذي تجري عليه المقادير أن يستكمل كتابه في مشهد آخر الزمان «ليسطر نهاية الكتاب بما يرى ويشهد».
1446
| 25 يناير 2024
يبدو أن تاريخ القدس -في حد ذاته- يفتح أبواباً واسعة على مجالات غامضة تستعصي على البحث، وهي لا تزال مثار جدل بين المختصين حتى الوقت الحاضر! إذ يعتقد المؤرخ مؤلف الكتاب أن هذا التاريخ يتداخل من جهة مع ظهور المستوطنات الرعوية والزراعية في حقبة ما قبل التاريخ، ومن جهة أخرى مع الهجرات الأولى لشعب الآموريين إلى بلاد الشام، ومن جهة ثالثة مع هجرات الكنعانيين واستيطانهم أخيراً أرض فلسطين. والمؤرخ إذ يعرض لهذه الهجرات، فهو يحذّر من الوقوع في فخاخ المرويات التوراتية التي تحلّق بالتاريخ بعيداً نحو الملاحم والأساطير والحكايات الشعبية، والتي من شأنها إعاقة تمييز ملامح التاريخ الحقيقي.. وهو يرى أن هذه المرويات قد أطاحت بآراء أكثر العلماء جدية ورصانة. لذا، ينحي المؤرخ في منهج البحث التاريخي الذي اعتمده عند تناوله تاريخ القدس القديم أيا من تلك المؤثرات الدينية التوراتية، لا سيما فيما يتعلق بنشأة مدينة القدس في العصرين البرونزي والحديدي، أي خلال ما يقرب ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، التنحية التي قد يجدها البعض صادمة لما درج عليه البحث التاريخي من أخذ الخلفية التوراتية بعين الاعتبار، ويعتمد بدلاً عنها على علم الآثار واكتشافاته الحديثة القائمة على تطور العلوم والبحوث التاريخية الرصينة، وتحديداً الآثار المنقولة والثابتة عن أرض مدينة القدس.. في محاولة استقرائية منه لكشف خفايا تلك الآثار من أحداث تاريخية، والإجابة على العديد من التساؤلات المفصلية. لذا، يقول المؤرخ بعد أن يستعرض مادة بحثه: "أملنا كبير جداً ألا يقع الباحثون (والعرب منهم بشكل خاص) في شرك المرويات التوراتية وهم يتناولون تاريخ فلسطين والقدس، وأن يعودوا إلى علم الآثار الذي يقف بقوة صارمة أمام المرويات ويفنّدها، وهو الذي أعاننا على كتابة هذا الكتاب". وعن المؤرخ، فهو (د. خزعل الماجدي 1951)، أكاديمي وباحث ومؤرخ وشاعر، حاصل على درجتين في الدكتوراة، الأولى في التاريخ القديم والثانية في فلسفة الأديان، ويعمل كأستاذ جامعي في تاريخ الفن والحضارات والتاريخ القديم، كما أنه عضو في اتحاد المؤرخين العرب واتحاد الكتّاب العرب. وبالإضافة إلى مؤلفاته المسرحية، فقد أصدر أكثر من خمسين كتاباً في المجالات الفكرية والعلمية والأدبية، بين الأديان والفن والشعر والاستشراق والتاريخ والحضارات والأساطير، وقد تُرجم بعض منها إلى لغات أجنبية. تعتمد مراجعة كتاب (تاريخ القدس القديم: منذ عصور ما قبل التاريخ حتى الاحتلال الروماني) على الطبعة الثالثة الصادرة منه عام 2021 عن (دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع)، وهو ينقسم إلى أربعة فصول رئيسية يندرج تحت كل منها عدد من المباحث. هي: (الفصل الأول: فلسطين في عصور ما قبل التاريخ): ويبحث في أرض القدس -قبل تأسيسها كمدينة- عن قرى ومستوطنات رعوية وزراعية، كمحاولة للتعرف على النمو الحضاري الذي ساد الشرق الأدنى ككل مع نهاية العصر الحجري القديم ونشأة الحضارتين الكبارية والنطوفية على أرض فلسطين، ما عمل على نقل الأرض إلى مستوى حضاري رفيع ومبكّر نحو العصر الحجري الحديث ومن ثم العصر النحاسي، وقد عجّل بنشأة المدن ككل ومهّد لولادة مدينة القدس. (الفصل الثاني: القدس في العصر البرونزي): وهو العصر الذي شهدت بداياته تأسيس مدينة القدس على يد الآموريين، خلاف ما يذهب إليه بعض الباحثين من تأسيسها ابتداءً على يد اليبوسيين، حيث إنه -وفق البحث الآثاري- فقد شهد العصر البرونزي المبكر ظهور مدينة القدس الأولى (الآمورية)، بينما برزت مدينة القدس الثانية (الكنعانية) في العصر البرونزي المتوسط، في حين توّج العصر البرونزي المتأخر ظهور مدينة القدس الثالثة (اليبوسية)، وقد كان لكل مدينة على حدة تاريخها وأحداثها وآثارها وعمرانها ودياناتها. (الفصل الثالث: القدس في العصر الحديدي) وهو يختص بتاريخ القدس في الألف الأول قبل الميلاد، وهو العصر الذي يُعتبر الأكثر إثارة للجدل من حيث تأثير الروايات التوراتية في صنعه عند معظم المؤرخين والباحثين، بحيث استعصى تنقية البحث العلمي النزيه من أوهامها! ففي هذا العصر، لا يظهر أي دليل أثري على غزو القبائل الإسرائيلية المزعوم لأرض فلسطين، ولا نشأة مملكتي إسرائيل ويهوذا وتوحيدهما، ولا بعثة النبيين داوود وسليمان، إذ يخلو تاريخ فلسطين ومنطقة الشام بل وتاريخ الشرق الأدنى ككل من تلك الأحداث. غير أن العصر الحديدي الثالث -والذي يتقاطع مع الاحتلال الفارسي للقدس ثم الهيلنستي- فيشهد ظهور الدين اليهودي كمكمل للدين اليهوذي السابق له، ومعه يستهل تدوين نواة التوراة. الفصل الرابع: (القدس في العصر الهيلنستي-أورشليم الهيلنستية) وهو يفتح الأبواب المؤصدة حول نشأة الدين اليهودي الحقيقي لا التوراتي، حيث يتعرّض للفترات البطلمية والسلوقية التي تبدو أنها قد صقلت الدين اليهودي وأتمّت كتبه وشرائعه وطقوسه، إلى الاحتلال الروماني للقدس والذي يشكّل مع الاحتلال البيزنطي لها مادته التاريخية الأساسية. ختاماً، لقد كان المؤرخ من العزة أن يقدم كتابه إلى "فلسطين الصابرة على جرحها، ولشجاعتها في الصمود والقوة" وهو يتمنى أن "يعزز من أصالة شعبها الفلسطيني الحاضر (العربي الكنعاني الآموري) الجذور فيها". mismaha1@hotmail.com
1281
| 18 يناير 2024
..... نواصل الحديث حول كتاب «ولدت هناك ولدت هنا» لمؤلفه: مريد البرغوثي. يقف الأديب على سور عكا، وعلى الفور تقف أمامه «وفي صف واحد علامات استفهام متجهة اتجاهاً واحداً: كيف ضاع بلد كهذا؟». لكنه يعود ليقول في محاولة إقناع ذاتية «بعض الأوطان هكذا: الدخول إليه صعب، الخروج منه صعب، البقاء فيه صعب.. وليس لك وطن سواه». وفي ذكر الوطن الذي لا ينقطع، لا يعتقد الأديب في فلسطين والحرب التي كُتبت عليها، ما يحكيه التاريخ عن بقية الحروب، إذ إن «فلسطين لم تسقط في حرب ذات بداية ونهاية كالحروب التي نعرفها! الحروب الكبيرة والحروب الصغيرة تبدأ ثم تنتهي، من حرب طروادة إلى فيتنام إلى الحرب العالمية الثانية...إلخ، وبوضوح يليق بالعقل البشري تعرف أنك خسرت، أو تعرف أنك انتصرت، ثم تفكر في الخطوة التالية وينتهي الأمر». فكيف الأمر هو إذاً؟ يستشيط الأديب غضباً وهو يكيل اللوم للأمة التي غلب نعاسها يقظتها على حين غرّة، فيستمر قائلاً: «لم تأتِ بوارج الجيوش اليهودية وتدكّ هذا السور وتقتحمه على أهل عكا.. ها هو في مكانه منذ كان وكما كان! لم تقم قوة بمحاصرة جيش فلسطيني ليرفع لها الرايات البيضاء وينتهي الأمر برابح نهائي وخاسر نهائي. أقول فلسطين ضاعت نعاساً وغفلة واحتيالاً! في كل يقظة حاولناها، وجدنا موتنا ورحيلنا الموحش إلى المنافي والمنابذ والأخطاء. نعم الأخطاء.. ونحن لا نزال نخطئ حتى الآن! كل هذا تم ببطء يبعث على الرهبة. كيف تنعس أمة بأكملها؟ كيف غفلنا إلى ذلك الحد بحيث أصبح وطننا وطنهم؟». لذا، لا للاستسلام، إذ لم تكن هناك حرب هُزم فيها الفلسطينيون، ولا للمهادنة، فليست فلسطين قضية تُسوّى بالجدال! فيقول في قسوة أشد: «نحن لم نخسر فلسطين في حرب بحيث نتصرف الآن كمهزومين.. ونحن لم نخسر فلسطين في مباراة للمنطق بحيث نستردها بالبراهين». وللأديب من الذائقة -ليست بالضرورة أدبية ولا لغوية ولا شعرية ولا فنية- ما ترتبط بالتوقيت! إنها القهوة، أو توقيت القهوة! وهو إذ يعتبر قهوة القراءة غير قهوة الكتابة، فهناك الشقراء منها والمحروقة وهناك وسط بينهما، ومنها ما هو للتعارف أو للتصالح أو لطلب حاجة، وهي ليست على الموقد كما هي من آلة التحضير، وهي من وجه صبوح عن وجه نكد تختلف، وهي تقدّم في العرس خلاف ما تقدّم في العزاء، وإن كانت دعوة شربها مصاحبة لكلمة «عندنا» فهي في الحقيقة دعوة للخطف أو للقتل، غير أن «الغبي هو من يطمئن لقهوة الحكومة». يستمر الأديب في خواطره عن القهوة التي هي -ولا عجب- رديف لكل أديب: «يختلف الناس في سر القهوة وتختلف آراؤهم: الرائحة، اللون، المذاق، القوام، الخلطة، الهال، درجة التحميص، شكل الفنجان، وغير ذلك من الصفات. أما أنا فأرى أنه التوقيت. أعظم ما في القهوة التوقيت، أن تجدها في يدك فور تتمناها. فمن أجمل أناقات العيش، تلك اللحظة التي يتحول فيها ترف صغير إلى ضرورة. والقهوة يجب أن يقدمها لك شخص ما.. القهوة كالورد، فالورد يقدمه لك سواك، ولا أحد يقدم ورداً لنفسه. وإن أعددتها لنفسك فأنت لحظتها في عزلة حرة بلا عاشق أو عزيز، غريب في مكانك، وإن كان هذا اختياراً فأنت تدفع ثمن حريتك، وإن كان اضطراراً فأنت في حاجة إلى جرس الباب». وعن ذائقة أخرى، يُطري الأديب شجرة تباركها الأديان السماوية، وتمثّل لكل فلسطيني معنى التجذّر في الأرض، فلا تُذكر أرض فلسطين حتى يُذكر الزيتون. يقول الأديب: «الزيتون في فلسطين ليس مجرد ملكية زراعية، إنه كرامة الناس، هو نشرة أخبارهم الشفهية، حديث مضافاتهم في ليالي السمر، بنكهم المركزي ساعة حساب الربح والخسارة، نجم موائدهم ورفيق لقمتهم. هو بطاقة الهوية التي لا تحتاج إلى أختام ولا صور ولا تنتهي صلاحيتها بموت صاحبها! تظل تدل عليه، تحفظ اسمه وتباركه مع كل حفيد جديد وكل موسم جديد». أخيراً، وإن كانت سيرة ذاتية لأديب راحل، يشوبها الكثير من الأدب والحكمة والشاعرية وشظف العيش الممتد، فهي تشبه في تفاصيلها روايات كثير ممن رحلوا وممن بقوا، بين لوعة الذكرى وجفاف الغربة وأمل العودة وإن طال! يقول مريد البرغوثي عن السخرية كسلاح للأعزل: «ومن علامات قوة المقهور السخرية من الأقوى، والاستعداد الصامت للرد في وقت ما، حتى وإن طال. أثناء هذا الصبر يمارس المقهور شهوة الحياة بكل الحواس». وإن لم يمكّنه الوقت من الرد الشافي وقد رحل، فلعل الوقت قد حان لكل مقهور باق على أرضه أن يرد، وله إذاً أن يمارس حب الحياة بعد انتصارها.
699
| 11 يناير 2024
لا يترك الأديب الفلسطيني أرضه ليروي تاريخها الملوك والضبّاط والأحداث الكبار، فلا يلبث أن يُركن على الرف ويُهجر ويعلوه الغبار ويمضي طي النسيان، إنما يصرّ على رواية التاريخ كما ينبغي له أن يُروى.. تاريخ أبناء الأرض فرداً فرداً، وسيرة الوقائع والحواس والأجساد، التي قد تبدو لكل غشيم - حسب تعبيره - رواية مفككة، تافهة المعنى والمضمون، بل يؤكد أنه تاريخ حكاياتهم الصغيرة التي تحتضن الأعين والخيالات والأرواح، وهو يقول في إصرار: «سنروي الرواية كما يجب أن تروى.. سنروي تاريخنا الشخصي فرداً فرداً». يضع مريد البرغوثي (1944: 2021) كتابه الذي يصف - في نطاقه الضيق - سيرته الذاتية، وقد تلقّفته المنافي العربية والأوروبية بعد تخرّجه من إحدى الجامعات المصرية ولم تحتضنه مدينته (رام الله) إلا بعد ثلاثين عاماً.. غير أنه - وفي نطاق أوسع - يسلط الضوء على القضية الفلسطينية، وما لحق من عدوان غاشم على أرضه وأرض أجداده، وهو يسترسل في سرد أحداث مصيرية عاصرها بنفسه، ومواقف أخرى مؤثرة تعرّض لها أفراد عائلته وقرابته وأصحابه وآخرون من بني جلدته، وصور لأعلام وفهارس لأماكن، حتى حفرت تعاريجها في ذاكرته على مر السنين. ففي الفصل الذي حمل عنوان كتابه (ولدت هناك ولدت هنا)، يسترجع رحلته الأولى مع ابنه اليافع إلى مسقط رأسه (دير غسانة)، فأصبح يروي له بأنه (ولد هنا)، بعد أن أمضى عمراً طويلاً في غربته يروي له بأنه (ولد هناك). يعبّر عن هذا الشعور في إحدى خواطره قائلاً: «يقف جندي الاحتلال على بقعة يصادرها من الأرض ويسميها (هنا) فلا يبقى لي أنا صاحبها المنفي في البلاد البعيدة إلا أن أسميها (هناك)». والأديب الثائر وهو يستخدم لغة سلسة في أسلوب أدبي شجيّ، يستحضر العاطفة تارة ويثير الحنق تارة أخرى، ويستشعر معه القارئ قيم الفخر الراسخة عند أبطال السيرة، ويتألم معهم في ظروف احتلال وتشرد وموت وفراق، فُرض عليهم. ومن جميل ما يُستشف في السيرة، ذلك الجو الأدبي الذي يسود عائلة الأديب وشاعريته، بل وأجملها، معاني العزة التي حرصت فيها زوجة الأديب، الروائية الراحلة رضوى عاشور، على غرسها عند ابنها تميم في صغره، رغم ما تستجلب تلك العزة من عواقب لا تُحمد في زمن يقوده الأسياد ويتبعهم العبيد صمّاً وعميانا، على خلاف الفطرة والمبادئ وقيم الحق والعدل والإباء والحرية. تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الأولى للكتاب الصادرة عام 2009 عن (رياض الريس للكتب والنشر)، والتي أعرض من خلالها مقتطفات، واقتباسات تخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي: بينما يدكّ الاحتلال أرض الفلسطيني، يهتز الفلسطيني بسرور حقيقي لوهلة، فقد تمكّن لتوه من الحصول على ربطة خبز أو أنبوبة غاز أو تصريح مرور أو مقعد مهترئ في باص.. لقد وجد حبة ضغط الدم في الصيدلية البعيدة أخيراً، ففرح لها كما فرح لوصول سيارة الإسعاف لإنقاذ مريضه قبل فوات الأوان.. وكم غمرته السعادة ذات يوم حين عاد إلى بيته ليلاً وقد عاد إليه التيار الكهربائي.. أما المشي على الشاطئ فيطربه، وأما فوزه في أي مجال وإن كان في لعبة ورق فيدفعه إلى الرقص.. «هذه الهشاشة الإنسانية في أرّق صورها تتجلى بأبعاد أسطورية في صبره الطويل عندما يصبح الصبر وحده مخدّات لينة تحميه من الكابوس». وعن إسعاف المرضى، يسترجع الأديب في فصل (عربة الإسعاف) رغبته الملّحة بزيارة مدينة رام الله التي يضطر معها إلى استقلال عربة إسعاف، وذلك لتجنب ظروف الاحتلال بالغة الصعوبة والطرق المقطوعة بين المدن، رغم المغامرة المحفوفة بعواقب قد تكون وخيمة ما إذا تعرضت سيارة الإسعاف للتفتيش عند بعض الحواجز الأمنية! لم تكن المغامرة الجريئة في حد ذاتها تستدعي الذكر، بل حملقة تلك العجوز المسجّى جسدها فوق سرير يشهد تأرجحها بين حياة بائسة وموت محتّم.. حملقة كانت موجهة بسهام القدر، حين ظنّ الجندي المحتل وقد همّ بتفتيش العربة أن ذاك الأديب ليس سوى الطبيب المسعف، فأغلق باب العربة وهو بالكاد فتحه! يا ترى؟ هل شلّت روعه تلك الحملقة، أم أن المشهد برمّته بدا وكأنه اعتيادي؟. وعن الموت المحتّم الذي إن قدّر له أن يكون طبيعياً، فبعد انقضاء عمر طويل، لكن الأديب يفزع لتكراره ولفجاءته ولشبحه الملازم لأهل الأرض، فيقول: «أكثر ما يفزعني أن نعتاد الموت، كأنه حصة وحيدة أو نتيجة محتومة علينا توقعها في كل مواجهة».
477
| 28 ديسمبر 2023
على الرغم من قصرها، تسلّط هذه الرواية الضوء على حادثة قتل نكراء جرت أحداثها في القرن التاسع عشر وطوى التاريخ صفحتها كحقيقة منسية أخرى من التاريخ الدموي لليهود على أرض المسلمين! بعد نكسة حزيران 1967 ومن وزارة العدل في دمشق، تصل إلى يد الروائي والطبيب المصري د.نجيب الكيلاني (1931-1995) صور من محاضر تحقيق ترجع لعام 1256هـ-1840م، عن اختفاء رجل دين مسيحي على حين غرّة في حارة اليهود، أسفرت عن مقتله غدراً على يد عدد من وجهائهم بعد أن تم استدراجه إلى حيّهم بتحريض من حاخاماتهم، وذلك من أجل خلط دمه بعجين لصنع فطير مقدس في عيد الفصح له أثر السحر في صنع المعجزات، حسب ما تورده نصوص التلمود، وقد أتبعوه بخادمه عندما قدم عليهم يتقصّى أثره! توثّق هذه الرواية المعززة بالمخطوطات جريمة قتل (القسيس البادري توما)، وهو الذي -رغم أصله الإيطالي وهويته الفرنسية- عاش في دمشق أكثر من ثلاثين عاماً شهد أهلها على خير ما قدّم لهم لا سيما علاجهم طوعاً، وقد تكفّل بقتله وتقطيعه إرباً اليهودي (سليمان الحلاق) والذي كان يدفن في صدره ضغينة له خلاف ما كان يظهر له من بشاشة، حيث أفقده الزبائن الذين لم يكونوا يلجؤون إليه إلا لفصد الدم، وهو الذي لم يتورّع عن قتل خادمه (إبراهيم عمّار) بعده بنفس الوحشية. لقد كان يصرّح بما اعتمل في نفسه الدنيئة لزوجه فقط، وقد قال لها في ليلة: «أراني مضطراً لأن أكذب وأمالئ وأنافق وأسرق بل وأقتل في بعض الأحيان! ألا ترين كيف حكمت أوروبا العالم وسيطرت عليه؟ وكيف استطاع الإنجليز أن يثبتوا أقدامهم في الهند؟ لا بدّ من الخوض في دماء البشر وجثث الضحايا.. الأقوياء ينتصرون، وليست القوة سيفاً ومدفعاً ولكنها قوة إرادة تسحق هواجس النفس وضعفها، وتسخر من كل القيم النبيلة». تعكس الرواية التاريخية عددا من الدلالات التي تفضح جبلّة اليهود وما يشهد عليهم واقع اليوم! فهم إذ يصنّفون غير اليهودي ضمن مرتبة (الأممين) أو (الأغيار) أو كما يُعرف لديهم بـ (الجوييم)، وهي مرتبة أدنى في الإنسانية من اليهودي الخالص قد تتدنى إلى مرتبة الحيوان، يصبح أي تصرّف مع هذا الكائن وفق ذلك مباح! وقد أظهرت الرواية قدرا من ذلك التطرّف العنصري والانحلال الخلقي والتعطّش للدماء في شخص التاجر اليهودي (داود هراري) وقد بارك صلب القسيس قبل سفك دمه والتلذذ بمشربه من أجل إعادة الفاعلية لرجولته، يؤازره أخوته (يوسف وإسحق وهارون)، ومعهم الحاخامان (سلانيكي) و(العنتابي). لا تقف دلالات الرواية عند هذا الحد، بل تعكس دأب اليهود على النفاذ في مفاصل الدولة من خلال تأسيسهم (حارة اليهود)، أو كما يُعرف اليوم بـ (الدولة العميقة)، وهو ما يكشف عن نشاط مبكّر لتأسيس حركة صهيونية عالمية، وقد جاء موقف ولاة المسلمين آنذاك خاضعاً ومتفقاً. أمّا وقد فُضح أمر المجرمين على الملأ وتم اعتقالهم رهن التحقيق، يعلن أحد الحاخامات إسلامه وقد تفرّغ للاطلاع على الديانتين المسيحية والإسلامية أثناء سجنه، بينما تساقط الباقون تباعاً في اعترافات دامية تقشعرّ لها الأبدان، في قضية كانت أشبه بقضايا الرأي العام آنذاك! حينها، تدّخل قناصل بعض الدول الأوروبية الموالون لليهود في سير التحقيق، حيث تم بيع الدماء الطاهرة بالمال اليهودي في النهاية، والذي اتسعت له ذمة والي مصر والشام آنذاك (محمد علي باشا) وخزائنه التي ساءلتهم: هل من مزيد؟. فتم الإفراج عن أولئك القتلة، وقُتلت العدالة في المقابل. ينقل الروائي خاتمة تلك الجريمة البشعة التي تم تطهيرها بجريمة أكثر بشاعة، قائلاً في نبرة جنون: «عندما قرأ شريف باشا والي دمشق ذلك «الفرمان» الغريب لهثت أنفاسه ودارت به الأرض. اشتد به الضيق وأقعده الخطب الجسيم عن النهوض، ورنت في رأسه كلمة «العدالة». لم يذبح البادري وخادمه وحدهما، وإنما قُطّع جسد العدالة إربا إرباً.. سبعة شهور من التحري والتدقيق والتحقيق.. اعترافات كاملة، شهادات ثابتة.. حتى البلاطة المنفسخة التي حطمت عليها جمجمة البادري وقطع طربوشه وعظامه والسكين، ويد الهاون.. تعاليم التلمود الصريحة، أقوال الحاخامات، التفاصيل الدقيقة الصغيرة لكل شيء.. يا ضيعة العدالة.. قناصل الدول الذين شهدوا كل شيء وتحققوا من كل شيء، قضية الرشوة الأخيرة.. العدالة.. العدالة.. هاهاها!! وأخذ شريف باشا يضحك في هستيرية ثم صاح فحضر العسكر، فقال لهم بصوت عال أجش: (أفرجوا عن جميع اليهود المسجونين.. تلك إرادة الوالي باشا الأعظم.. وليحيى للعدل). كان ذلك في يوم 5 سبتمبر (أيلول) عام 1840 ميلادية». وبما أن التاريخ لا يزال يعيد نفسه ولم يعتبر من عليه أن يعتبر، فلا أبلغ من تصوير حسرة البائع البسيط المنادي في أنحاء دمشق كما أوردها الروائي: «وبالقرب من المسجد الأموي، وقف بائع الكتب والمخطوطات القديمة يتحدث مع بعض الشباب: انظروا! هذه كتب قديمة عن ذبائح اليهود، وهذه مخطوطات ألفها علماؤنا الأقدمون عن فظائعهم وتاريخهم، ولكن للأسف أنتم لا تقرؤون».
1302
| 21 ديسمبر 2023
..... نواصل الحديث حول كتاب «تهويد المعرفة» لمؤلفه ممدوح عدوان. يعود الكاتب ليقلّب أوجاع أعراق أخرى من البشر، فيأتي على الزنوج الذين لم يتطلّب الزعم أكثر من مجرد ازدراء لونهم، والذي يضعهم في مرتبة أدنى من الإنسان السوي، كنتيجة طبيعية. يستمر الكاتب فيقول: «وحتى الزنوج! لقد سُرق الأفارقة من بيوتهم وقراهم وغاباتهم، وتم نقلهم على سفن الرقيق في ظروف لا إنسانية، فمات منهم عشرات الملايين في السفن وفي الطريق والسجون، ووصل الباقون بعشرات الملايين ليباعوا ويعيشوا عيشة الرقيق. وهناك ماتت أعداد كبيرة منهم أيضاً بسبب سوء الظروف المعيشية، وبسبب إباحة دمائهم على أنهم ليسوا بشراً أسوياء. وبعد قرون من الاسترقاق تم تحريرهم ليعيشوا عيشة لا تقل قسوة في مجتمع التمييز العنصري، وذلك كله لأن لونهم أسود». ولأن تبرير تشريدهم واستعبادهم وقتلهم ليس أمراً جللاً ليتكلّف اليهود عرض رأي موضوعي يوازي -من ناحية إنسانية على الأقل- ما جرى لأسلافهم، يتصدى الكاتب لفضحهم قائلاً: «يقول لك الكتّاب اليهود: إن لهذه المأساة أسباباً اقتصادية، ولذلك فهي ليست أكبر المآسي! وقد يهمسون جانبياً: في النهاية، هؤلاء كانوا أفارقة ووثنيين وهمجاً وسوداً! انظر إلى أشكالهم. وإذا أعيتهم الحيلة في هذا الموضوع قالوا: على أية حال كانت مأساة اليهود في بابل أكبر، حين سباهم نبوخذنصر». لذا، فإن للعقدة اليهودية جذورها الضاربة في التاريخ، والتي تعود إلى حيث تم اضطهادهم من قبل البابليين، وإرادة يهوه في تكالب الأمم الأخيرة لصالحهم، دفاعاً وانتقاماً! يتصدى المؤرخ الأمريكي باترسون لتلك العِرافة التوراتية في كتابيه (الألفية الجديدة) و(النظام العالمي الجديد) بعد عاصفة الصحراء التي اجتاحت الخليج العربي في حرب مصيرية، أواخر القرن العشرين. «يقول باترسون: «من موقع برج بابل، حيث تبلبلت الألسن وتفرقت كل أمم الأرض، ها هي تعود من جديد وتدخل في حلف عسكري واحد. وها هي أمم الأرض، كما تقول النبوءات العبرانية، تشكل نظاماً عالمياً جديداً للدفاع عن إسرئيل، والانتقام من بابل بقصفها من السماء، لأنها هي التي عذبت شعب الله وأغرقته بالدموع والأحزان». وهو يمجد الصهيونية لأنها «كالبيوريتانية استجابت للعهد الذي أعطى فيه يهوه لبني إسرئيل الأرض المقدسة من نهر النيل جنوباً حتى أعالي الفرات»». والبيوريتانية تعني التطهيرية، وهو مذهب مسيحي بروتستانتي نشأ في القرن السادس عشر الميلادي، ويقوم على الإيمان بالكتاب المقدس والتزام تعاليمه مقابل نبذ كل ما سبق من مواعظ رجال الكنيسة، ويعتقد أتباعه بأن الله طهرهم واصطفاهم وفضلهم عن العالمين. يعود باترسون في استقرائه لأحداث التاريخ، منذ الأسر البابلي ووعود يهوه المزعومة، إلى نكبة حزيران وحرب الخليج الأخيرة، التي يُختم بها جولة الحرب التي حمي وطيسها منذ أكثر من أربعة عشر قرناً في تزامن مع بزوغ الإسلام، كدين سماوي منافس لليهودية والمسيحية. فيستمر في كتابه قائلاً: «وعلى هذا الأساس كان اجتياح إسرائيل للقدس في حرب حزيران عام 1967 «أعظم حدث روحي في تاريخ الكتاب المقدس». ويؤكد باترسون أن حرب «عاصفة الصحراء» في الخليج العربي كانت المعركة التي حسمت حرب الأربعة عشر قرناً بين الشرق والغرب، بين الإسلام ومنافستيه المسيحية واليهودية. ثم يستشهد بما أوردته مجلة يو إس نيوز (في 27 آب 1990): «إن النزاع القائم في الخليج الفارسي ليس مجرد معركة من أجل الكويت، أو لبسط السيطرة على نفط الشرق الأوسط، إنه الفصل الأخير في حرب قديمة تدور رحاها منذ أربعة عشر قرناً بين الشرق والغرب، بين الإسلام ومنافستيه التوحيديتين: المسيحية واليهودية»». أخيراً، يدعو الكاتب في خواتيم كتابه إلى شحذ الهمم نحو خوض معركة مصيرية، نكون فيها أو لا نكون. ونعوّض فيها خسائرنا الساحقة التي لم تأتِ على الأرض والوطن والبيوت والمروج وحسب، بل على التاريخ والمعرفة معاً، إذ لا يكفي اعتقادنا الجازم فيما نمتلكه من حق في ظل تجاهل العالم نحونا، ولم يعد امتعاضنا مجديا والاستغراق في إلقاء اللوم على وسائل الإعلام التي يسيطرون عليها كذلك. فلقد امتدت سيطرتهم لتأتي على المناهج الأكاديمية والدراسات التاريخية، بل ولتعمل على ضخ الموسوعات العلمية وحشد شبكة المعلومات العالمية بما أرادوا من معلومات، حتى أصبحت بمثابة أو بالكاد حقائق مسلم بها.
912
| 07 ديسمبر 2023
كتاب يتحدث عن اليهود كأباطرة تزييف التاريخ وإعادة صياغته، بل وتزوير المعرفة على المستوى العالمي لا سيما العلمية والأكاديمية منها، بغية صبغها بكل ما هو يهودي! إن معشر اليهود يجاهدون في إلحاق نسب كل فرد ذي شأن في الحياة إلى عرقهم، حيث يذكر التاريخ محاولتهم استمالة العالم الفيزيائي ألبرت اينشتاين ومعه الممثل الكوميدي شارلي شابلن للالتحاق بنسبهم، العرض المغرض الذي قوبل بالرفض من الاثنين، وكذلك محاولتهم الفاضحة في تزييف الأنساب وإلحاق الشاعر طاغور والناسك بوذا لليهودية، ومن قبل عيسى عليه السلام بل والدين المسيحي ككل. وكما لا يخفى، فقد ملأ اليهود العالم صخباً بأكذوبة محرقة الهولوكوست التي وقعت أيام النازية، وقد بالغوا أيما مبالغة في أعداد ضحاياهم الذين فتك بهم الزعيم الألماني هتلر في أفران الغاز، في الوقت الذي عمدوا فيه إلى طمس كل كارثة إنسانية أخرى من أجل الاستئثار بالتعاطف العالمي والاستفراد بعقدة الاضطهاد.. فمن تم اضطهاده من قبل تم إيعاز أسبابه للدين أو للسياسة، أما هم فقد تمت معاداتهم ومحاولة إبادتهم لأنهم يهود وحسب.. كما صوروا وادعوا. يؤكد الكاتب ادعائهم هذا بقوله: «ولذلك يحس القارئ أو الباحث أن التاريخ مهوّد، والمعرفة كلها مهوّدة. وإذا لم تكن لديك حساسية نحو الموضوع تحس، كما يحس أي قارئ آخر لهذه الموسوعات والأبحاث في العالم (في الصين أو المكسيك أو غانا) أن تاريخ البشرية وخاصة في منطقة ما يسمى بـ «الشرق الأوسط»، تاريخ يهودي، أو أنه لا تاريخ لها إلا عند اليهود. لقد بدأ باليهود، ولليهود وحدهم فضل إيجاده وحفظه». لذا، يحاول الكاتب تسليط الضوء على هذا التاريخ الزائف، والذي تغلغل بعمق ضارباً جذوره في الذاكرة البشرية، إلى درجة يظهر فيها ذلك الزيف بمثابة مسلّمات، وحقائق تاريخية راسخة. إنه (ممدوح عدوان 1941: 2004)، كاتب وروائي وشاعر سوري، حصل على درجة أكاديمية في اللغة الإنجليزية، وعمل في الصحافة والتدريس والكتابة والنقد والترجمة، وترك ما يقرب تسعين مؤلفاً في الشعر والنثر والرواية والأعمال المترجمة، والكثير من سيناريوهات المسلسلات التلفزيونية والمقالات الصحفية، ونال بها عددا من الجوائز العربية. لذا، تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الثالثة الصادرة من كتابه عام 2016 عن (دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع)، وهي تتطرق إلى قدر من المزاعم اليهودية التي لا تقف عند حد، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): تظهر النعرة اليهودية على أشدّها واليهود يمجّدون الفتح المقدّس لأرض الميعاد الذي أتى به أسلافهم، إذ «لطالما اعتقدوا بأنهم ما جاءوا إلى «أرض الميعاد» الأمريكية إلا لتأسيس دولة «عبرية» تحكمها شريعة موسى على صورة الدولة التي كان يحلم بها الغزاة الإسرائيليون القدامى. أما أولئك «المتوحشون» الذين يعارضون «دولة إرادة الله»، وما أصبح يعرف لاحقاً بـ «القدر المتجلي»، (وهو مبدأ شوفيني يرى أن التوسع الاستعماري في أمريكا ليس محتوماً فقط، بل هو مقدّر من الله)، فإنهم ليسوا إلا مخلوقات الشيطان التي أحل الله لشعبه المختار أن يبيدها». وهنا، حُق للكاتب أن يطرح استفهاماً تقريرياً نحو ما صرّح به أحفاد أولئك الغاصبين، قائلاً: «هل يلتقي هذا الكلام مع تصريحات رجال الدين الأخيرة في إسرائيل المعاصرة التي شبهوا فيها العرب بالأفاعي والعقارب، والتي يقولون فيها إن الله قد أخطأ حين خلق العرب، وأنه لا حل أمام الإسرائيليين إلا بإبادتهم؟». وفي مقابل قدماء اليهود وحقيقة السبي البابلي الذي تعرّضوا له، تُصبح مأساة الهنود الحمر ليست ذات شأن، حيث «مسألة أن تكون إبادة الهنود الحمر مأساة مريعة، هذه تصبح من الماضي المنسي»، وهي المسألة التي إن تم استرجاعها فليس بذاك القدر من الأهمية، لسببين: «أولاً ليس هناك من يذكر بها من أهلها. ثانياً هؤلاء من «الأغيار» الذين حلّ محلهم شعب مختار». وحسب ما صرّحت به مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، فإن طينة البشر تتفاوت، إذ قالت: «يبدو من الضروري غالباً أن يفنى شعب من طينة أنقص ليظل الشعب ذو القدرات الأعلى» فهؤلاء وثنيون متخلفون مثلهم مثل سكان أستراليا أو همج أفريقيا «نحن نتكلم عن البشر، لا عن هؤلاء»». أما عندما يتطرّق الأمر إلى المذابح التي تعرّض لها الأرمن، يتحول الأمر إلى شكل من أشكال المنافسة! فهؤلاء يحظون بتعاطف كبير لا سيما من قبل الأوروبيين باعتبارهم مسيحيين، وقاتلهم هو (العثماني المسلم)، العدو المشترك، غير أن اليهود لا يعجزهم التزييف، ولا يقف عند سيل مزاعمهم سد! يقول الكاتب في هذا: «وأكبر المعارك كانت للتعتيم على مجزرة الأرمن في مطلع القرن، والتي لا يشك أحد أنهم قد قتلوا لأنهم أرمن! هؤلاء قد يتحولون إلى منافسين على ضمير العالم، فهم مسيحيون يمكن أن يؤثروا على الضمير الأوروبي، وقد قُتلوا لهذا السبب، وقاتلهم هو الخصم المشترك «الإسلامي العثماني»». لكن الباحثين اليهود يبررون للعثمانيين قتلهم، فقد كان «عن طريق الخطأ». هذه هي الذريعة! خطأ الوالي أو العسكر المرافقين أو العقيدة الإسلامية».
942
| 30 نوفمبر 2023
مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...
5391
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة...
1959
| 12 فبراير 2026
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي...
921
| 12 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...
885
| 16 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...
759
| 16 فبراير 2026
لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...
708
| 11 فبراير 2026
منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...
630
| 11 فبراير 2026
أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...
588
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...
552
| 18 فبراير 2026
في السنوات الأخيرة، أصبحنا نلاحظ تزايدًا كبيرًا في...
543
| 12 فبراير 2026
في زمن السوشيال ميديا، أصبح من السهل أن...
468
| 12 فبراير 2026
تحتل سورة الفاتحة مكانة فريدة في القرآن الكريم،...
465
| 13 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل