رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رمضان مدرسةُ الروح وتجديدُ العهد

حين يهلُّ رمضان، لا يجيء شهرًا من شهور العام فحسب، بل يجيء وعدًا إلهيًّا يتجدّد، ومدرسةً ربانية تُفتح أبوابها للقلوب قبل الأبدان، وتُستنهض فيها الأرواح للسباق الرباني. إنّه الموسم الذي تتخفّف فيه النفس من أثقالها، وتعود إلى فطرتها الأولى، حيث الصفاء أصلٌ، والتقوى غاية، واليقين زادُ السائرين. لقد أعلن القرآن غاية الصيام في بيانٍ جامعٍ مانع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فالتقوى ليست ثمرةً عابرة، بل هي روحُ المنهج، ولبُّ المدرسة. وفي رمضان يتعلّم المرء كيف يراقب ربَّه في السرّ قبل العلن، وكيف ينتصر على شهوته وهو قادرٌ عليها، فيتحوّل الامتناع عن المباح إلى تمرينٍ على اجتناب المحرّم، ويغدو الجوع رسالةً تذكّر الغافل بضعفه، وتوقظ في القويّ معنى الرحمة. رمضان هو مدرسةُ الروح؛ لأنّه يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وربّه. ففي لياليه تتنزّل السكينة، وتُفتح أبواب السماء، ويقف المؤمن بين يدي مولاه قائمًا خاشعًا، يستعيد معنى العبودية الحقّة. قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. ما أرقّ هذا القرب! وما أعظم هذا الوعد! كأنّ الصائم حين يظمأ ويجوع، إنّما يقرع باب السماء بلسان الحال قبل المقال، فيُقال له: لبيك، إنّي قريب. في هذا الشهر يتجدّد العهد مع القرآن، الكتاب الذي اختار له الله هذا الزمان ليكون مهد نزوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. فليس رمضان زمن امتناعٍ عن الطعام فحسب، بل زمن امتلاءٍ بالوحي. إنّ الأرواح التي تظمأ في النهار، ترتوي في الليل بآياتٍ تتلى، وقلوبٍ تخشع، ودموعٍ تترقرق على محاريب الدعاء. وهنا تتجلّى أعظم دروس المدرسة: أن الحياة بلا قرآن قحطٌ، وأن القلب بلا ذكرٍ موات. وها نحن اليوم على أعتاب العشر الأواخر من هذا الشهر المبارك؛ تلك الليالي التي يشتدّ فيها السباق، وتسمو فيها الأرواح إلى ذرى القرب. إنّها خلاصة الموسم، وزبدة الرحلة، حيث تتجلّى النفحات الربانية، وتُرجى ليلةٌ جعلها الله خيرًا من ألف شهر. في هذه الليالي كان النبي ﷺ يشدّ المئزر، ويحيي الليل، ويوقظ أهله، كأنّ الزمن يضيق، وكأنّ القلب يستشعر أنّ الفرصة الأخيرة قد أقبلت. إنها ليالٍ تُقاس فيها الأعمار لا بالساعات، بل بما يفيض فيها من دموع التائبين، وأنفاس الذاكرين، وسجود المنكسرين بين يدي رب العالمين. رمضان هو مدرسة الأخلاق قبل أن يكون مدرسةً في الشعائر. فيه يتعلّم الصائم الحِلم، ويتمرّن على كظم الغيظ، ويستحضر وصيّة النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله فليقل إنّي صائم». إنّه تدريبٌ عمليّ على سموّ الخُلُق، حيث يتحوّل الامتحان اليوميّ إلى فرصةٍ للترقّي، ويتحوّل الاحتكاك بالناس إلى ميدان جهادٍ للنفس. وهكذا يخرج المتخرّج من هذه المدرسة بقلبٍ ألين، ولسانٍ أصدق، ويدٍ أندى. في هذا الشهر الكريم تتجلّى قيم التكافل والتراحم في أبهى صورها، يغدو رمضان مناسبةً لتجديد العهد الاجتماعيّ كذلك؛ عهدِ التراحم والتضامن، وإغاثة المحتاج، وصلة الأرحام. فالمدرسة لا تُخرّج أفرادًا منعزلين، بل تبني أمةً متراحمة، يستشعر غنيُّها مسؤولية الفقير، ويعلم قويُّها أنّ في ماله حقًّا معلومًا للسائل والمحروم. رمضان هو العهدٌ يتجدّد بين العبد وربّه: عهدُ التوبة والإنابة. كم من قلبٍ أثقلته الذنوب، فيناجي خالقه في ليلةٍ مباركة، والدمع منهمر اعترافًا وندمًا، ويهمس: ربّاه، إني قد عدتُ إليك، وأنبت. فيأتيه الجواب من آيةٍ تفيض رجاءً: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. هكذا يتحوّل الشهر إلى ميلادٍ جديد، وتغدو التوبة بدايةَ طريقٍ لا نهايةَ موسم. إنّ رمضان ليس محطةً عابرة في رزنامة العام، بل هو معيار الصدق مع الله. فمن خرج منه وقد ازداد قربًا، وأحكم صلته بالقرآن، وهذّب خُلُقه، وأصلح سريرته، فقد فهم الدرس ونجح في الامتحان. أمّا من ودّعه كما استقبله، فقد حضر الجسد وغابت الروح. فلنجعل من رمضان مدرسةً لا ينتهي أثرها بانتهاء أيامه، ولنجعل من عهده مع الله عهدًا دائمًا لا موسميًّا؛ فإذا انقضى الشهر، بقيت التقوى، وإذا أفل الهلال، بقي النور في القلب. ودائم القول منا: اللهم ردَّنا إليك ردًّا جميلًا.

507

| 11 مارس 2026

سوريا: المرحلة الانتقالية وإعادة صياغة العلاقات الدولية

بعد مرور عام وشهرين على سقوط النظام السوري، لم يعد الحدث بحد ذاته العنوان الأبرز، بل ما تلاه من تغييرات عميقة في بنية الدولة وعلاقاتها الخارجية. أصبح سقوط النظام نقطة تحول مفصلية في التاريخ السياسي السوري، فهو ليس مجرد لحظة قطيعة، بل بداية مسار انتقالي لا يزال يتشكل تحت ضغط التحديات الداخلية وحسابات الخارج. اليوم، تبدو سوريا في قلب اختبار حقيقي. يتعلق هذا الاختبار بقدرتها على بناء مؤسسات انتقالية قابلة للحياة. كما يتعلق باستعداد المجتمع الدولي للانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء شراكة حقيقية. خلال الأشهر الماضية، انصب التركيز الدولي على أداء السلطة الانتقالية بقيادة “الشرع”. كان هناك اهتمام بكيفية نجاحها في تحويل خطاب الاستقرار والمصالحة إلى واقع ملموس في المؤسسات والأمن. لم يعد السؤال في العواصم الكبرى: هل سقط النظام؟ بل: هل تستطيع المرحلة الانتقالية إنتاج شرعية سياسية مستدامة؟ وهل يمكنها إعادة تعريف موقع سوريا في خريطة التوازنات الإقليمية والدولية؟ في هذا السياق، تتحرك الولايات المتحدة بحذر. تتبنى مقاربة تمزج بين الواقعية السياسية والانخراط المشروط. منذ التحول الذي حدث في دمشق، تجنبت واشنطن القفز إلى اعتراف غير محسوب، لكن لم تغلق الباب أمام إعادة صياغة العلاقة. اتجهت السياسة الأمريكية إلى مراقبة سلوك السلطة الجديدة، خاصة في مجالات الحوكمة، وحقوق المكونات المجتمعية، ومحاربة التنظيمات المتطرفة، وأهمها تنظيم الدولة. كما بدأت الولايات المتحدة في مراجعة تدريجية لبنية العقوبات، في محاولة لتحويلها من أداة عزل شاملة إلى وسيلة تأثير انتقائي تتماشى مع تطورات المرحلة. لكن هذا الانخراط يظل محكوماً بسياق أوسع يتصل بأولويات واشنطن العالمية، وتزايد المنافسة مع الصين، وتعقيدات المواجهة السياسية مع روسيا. في حسابات الأمريكيين، تعتبر سوريا جزءاً من توازنات دولية متشابكة، وليس ملفاً قائماً بذاته. أما موسكو، التي كان تدخلها العسكري قبل أعوام ركيزة أساسية في تثبيت المعادلة السابقة، فقد وجدت نفسها أمام واقع جديد يتطلب إعادة تموضع بدلاً من انسحاب كامل. بعد مرور أكثر من عام على التحول، يتضح أن المقاربة الروسية تميل نحو الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، خصوصاً في الساحل السوري، مع فتح قنوات تواصل براغماتية مع السلطة الانتقالية. تدرك روسيا أن الانخراط المرن قد يضمن لها موقعاً في معادلة ما بعد النظام أكثر مما يضمنه الرهان على استعادة نفوذ مضى زمنه. على الجانب الآخر، تواجه إيران لحظة إعادة حسابات دقيقة. فالحضور الذي تشكل خلال سنوات الصراع صار خاضعاً لمعادلات جديدة فرضتها طبيعة المرحلة الانتقالية ورغبتها في تنويع علاقاتها الخارجية. بعد عام من التحول، تبدو العلاقة بين دمشق وطهران أقرب إلى تنظيم جديد بدلاً من قطيعة أو استمرار بالشكل السابق. تحاول السلطة الجديدة الموازنة بين مقتضيات السيادة الوطنية وتعقيدات الجغرافيا السياسية. على المستوى الدولي الأوسع، اكتسب مسار الشرعية أهمية متزايدة. أصبح التزام المرحلة الانتقالية بالأطر التي ترعاها الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي معياراً رئيسياً لقياس جدية العملية. أي تقدم في المسار الدستوري، وترسيخ مبدأ التداول السياسي، وإطلاق عملية انتخابية شفافة، يعزز موقع سوريا في معادلة الاعتراف الدولي ويفتح الباب أمام دعم اقتصادي أوسع ينتظره الجميع. بعد عام وشهرين، لم تعد سوريا ساحة انهيار، لكنها لم تتحول بعد إلى نموذج استقرار مكتمل. إنها تقف بين إرث ثقيل ورجاء متصاعد. التحول الذي حدث لم يكن نهاية أزمة بقدر ما كان انتقالاً من طور إلى آخر؛ من صراع على البقاء إلى صراع على بناء الدولة. في عالم يتجه نحو تعددية قطبية واضحة، قد تجد دمشق في هذا التوازن الدولي المتغير فرصة لإعادة صياغة علاقاتها بأسس أكثر استقلالية وواقعية. يبقى الرهان الأساسي على قدرة المرحلة الانتقالية بقيادة الشرع على تحويل نقطة التحول إلى مسار تاريخي مستدام. كما أنه يجب إقناع الداخل قبل الخارج بأن سوريا دخلت فعلاً زمن الدولة الجامعة، وليس زمن المحاور. عندها فقط يمكن أن يُقرأ الحدث الذي وقع قبل عام وشهرين كبداية عهد جديد، وليس مجرد محطة في تاريخ طويل من التحولات العاصفة.

630

| 23 فبراير 2026

alsharq
من يملك الإعمار

كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال...

10191

| 30 مارس 2026

alsharq
لماذا غابت الأسطورة عن الأدب الإسلامي؟

كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية...

2424

| 30 مارس 2026

alsharq
وضع النقاط على الحروف

-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها...

1791

| 02 أبريل 2026

alsharq
العدو الحقيقي

يجب أن أبدأ مقالي هذا بالتأكيد على أن...

1563

| 31 مارس 2026

alsharq
من يحاسب الرادار؟

حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في...

1311

| 31 مارس 2026

alsharq
اسمعوها مني صريحة

«اسمعوها مني صريحةً أيها العرب: «بالإسلام أعزَّكم الله»...

1242

| 02 أبريل 2026

alsharq
هل نحن بحاجة إلى كل هذه المؤسسات الخيرية في قطر؟

حين ننظر للأرقام بهدوء… تتضح الصورة أكثر. إجمالي...

1092

| 02 أبريل 2026

alsharq
«أحياء عند ربهم».. يرزقون من ثمار الجنة ونعيمها

- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً -صاحب السمو.....

1026

| 30 مارس 2026

alsharq
سجونٌ ناعمة: غواية اليقين !

يا له من بؤس ذلك الذي يقتاته أولئك...

891

| 31 مارس 2026

alsharq
في الأزمات... هل تضغط الموارد البشرية على الموظفين؟

عندما تمر المجتمعات أو الدول بأزمات، لا يعيش...

852

| 02 أبريل 2026

alsharq
حين يكشف الابتلاء معادن النفوس

«ما حكَّ جلدك مثلُ ظفرك.. فتولَّ أنت جميع...

816

| 29 مارس 2026

alsharq
مكافحة الشائعات في زمن الحروب والتضليل الرقمي

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتحتدم فيه الصراعات...

801

| 01 أبريل 2026

أخبار محلية