رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الحلاف المهين (1-2)

يحتاج المتحدث ليؤكد كلامه إذا كان هذا الكلام مهما، وإذا أحس أن هناك من يكذبه، ويزداد هذا الأمر عند كائفة من الناس احترفت الكذب، وباتت ثقة الناس بها ضعيفة، في هذه الحالة تكون الأيمان مصاحبة لكلامهم يكثرون بها في كل مقال، ولا يلقون لعظمتها أي بال، من أجل ذلك قال القرآن عن هذه الطائفة: (ولا تطع كل حلاف).وجاء وصف الحلاف بعد ذلك بأنه (مهين، هماز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين سنسمه على الخرطوم).وقد اختلف المفسرون في اسم من عنته هذه الآيات فمنهم من قال إنه الأخنس بن شريق، ومنهم من قال إنه الوليد بن المغيرة، وأرى والله أعلم أنه الوليد بن المغيرة، وذلك لأسباب سياقية وروايات تاريخية، فأما السياقية فإن الوليد هو الذي قال عنه القرآن: " إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ".قال ذلك بعد أن أعجب بحلاوة القرآن وقال إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وأن أسفله لمغدق وإنه يعلو ولا يعلى عليه.واستمع لنداء قومه بأن يفتري في القرآن فرية يرددونها خلفه، فأشار عليهم بأن يقولوا على محمد بأنه ساحر وأن القرآن أساطير الأولين، ولذا تناغمت آيات سورة القلم مع المدثر في هذا السياق.أما الروايات التاريخية، فإنها تقول إن الأخنس بن شريق أعلن إسلامه، وكان من المؤلفة قلوبهم، قال ابن سعد في الطبقات ص294: "وأسلم الأخنس بن شريق يوم فتح مكة، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤلفة قلوبهم، توفي في أول خلافة عمر بن الخطاب، ولم يحفظ عنه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم".وقال ابن حجر: "الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن ثقيف الثقفي أبو ثعلبة حليف بني زهرة اسمه أبي وإنما لقب الأخنس لأنه رجع ببني زهرة من بدر لما جاءهم الخبر أن أبا سفيان نجا بالعير فقيل خنس الأخنس ببني زهرة فسمي بذلك ثم أسلم الأخنس، فكان من المؤلفة وشهد حنينا ومات في أول خلافة عمر" الإصابة" (1/81-82). وينظر "أسد الغابة" (1/60.ويرد ابن حجر على ابن عطية الذي يشكك في إسلام الأخنس فيقول: "وذكر ابن عطية، عن السدي أن الأخنس جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر الإسلام وقال الله يعلم أني صادق ثم هرب بعد ذلك فمر بقوم من المسلمين فحرق لهم زرعا وقتل حمرا فنزلت (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام) إلى قوله (ولبئس المهاد).وقال ابن عطية: ما ثبت قط أن الأخنس أسلم.قلت: "قد أثبته في الصحابة من تقدم ذكره ولا مانع أن يسلم ثم يرتد ثم يرجع إلى الإسلام والله أعلم".ومهما يكن من أمر المعني بلقب الحلاف المهين، فالقرآن لم يعين الشخص وإنما عين الصفة التي تحدث عنها في سياقات متنوعة سوف نعرض لها ولنماذجها من القرآن والسنة في اللقاء القادم إن شاء الله.

7892

| 15 يوليو 2015

ميسرة بن عبد ربه بين الكذب والخيال

كتاب ميزان الاعتدال للإمام الذهبي فيه بيان لرواة الأحاديث والحكم على كل واحد فيهم من حيث الوثوق في صحة ما يرويه عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أم لا.وقد ترجم في هذا الكتاب لشخصية امتلأت بها كتب التفسير والرقائق واللطائف، إنه ميسرة بن عبد ربه، ذلك الرجل الكذاب الذي كانت أحاديثه غريبة، ورغم غرابتها نقلها بعض المفسرين الكبار، دون تعليق وهم في غنى عن نقلها، فنص القرآن لا يحتاج إلى أن يفسر بهذه الروايات التي هي أشبه بالخيال، كما جاء في تفسير البغوي حول:" ويحمل عرش ربك يوئذ ثمانية" ، وَقَالَ مَيْسَرَةُ بْنُ عبد ربه: أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم خَرَقَ، الْعَرْشَ، وَهُمْ خُشُوعٌ لَا يَرْفَعُونَ طَرْفَهُمْ، وَهُمْ أَشَدُّ خَوْفًا مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَأَهْلُ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ أَشَدُّ خَوْفًا مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، وَالَّتِي تَلِيهَا أَشَدُّ خَوْفًا مِنَ الَّتِي تَلِيهَا.وهذا النص ظاهر فيه الكذب ولغته ليست بلغة إسناد ولا حديث، إنما هي لغة مغرم بالقصص التي تمتع الناس.من أجل ذلك وجب على الأمة الآن أن تهذب هذه التفاسير وأن تخرج منها هذه الأكاذيب وتلك الأغاليط، وهذا جهد كبير ينبغي التفكير في إنجازه خاصة في وقت باتت فيه التفاسير متاحة رقميا، واستدعاؤها يكون سهلا ميسورا، ومن الممكن الاستشهاد بروايات هذا الكذاب دون علم بحاله ومقاله.إن هذا الكذاب نبه عليه كثير من المحدثين، وأولهم الإمام البخاري، وابن حجر والدار قطني وغيرهم، قال الإمام الذهبي: " قال ابن حبان: كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، ويضع الحديث، وهو صاحب حديث فضائل القرآن الطويل، وقال أبو داود: أقر بوضع الحديث، وقال الدارقطني: متروك.وقال أبو حاتم: كان يفتعل الحديث، روى في فضل قزوين والثغور، وقال أبو زرعة: وضع في فضل قزوين أربعين حديثاً، وكان يقول: إنى أحتسب في ذلك، وقال البخاري: ميسرة بن عبد ربه يُرمَى بالكذب".وقد اعترف ميسرة بالكذب فعن ابن مهدي قال: «قلت لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث (من قرأ كذا فله كذا)؟ قال: وضعتها أرغِّب الناس فيها» الإتقان للسيوطي 4/115ومن أكاذيبه أنه خص العقل بموضوعات كثيرة نسبها إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم- قال ابن الجوزي ((رويت في العقول أحاديث كثيرة ليس فيها شيء يثبت)) قال ابن الجوزي ((رويت في العقول أحاديث كثيرة ليس فيها شيء يثبت)). قال الدارقطني كتاب العقل وضعه أربعة: أولهم ميسرة بن عبد ربه ثم سرقه منه داود بن المحبّر فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء فركبه بأسانيد أخرى ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخرى.لقد كان ميسرة من الذين نسجوا موضوعات لا أصل لها، وقراءتها تعد من الخيال والغرائب، فمثلا: وقال ابن حبان: روى ميسرة عن عمر بن سليمان الدمشقي، عن الضحاك، عن ابن عباس - مرفوعاً: لما أسرى بي إلى السماء الدنيا رأيت فيها ديكا له زغب أخضر، وريش أبيض، ورجلاه في التخوم، ورأسه عند العرش ... وذكر حديثاً طويلا في المعراج نحو عشرين ورقة.وكما نسج من الخيال موضوعات أيضا أعتقد أنه نسج عن نفسه أو نسجت عنه قصص أقرب إلى الخيال، حيث اشتهر بكثرة الأكل، ومن ذلك مثلا: دخل رجل على ميسرة فقال: يا ميسرة! كم يشبعك؟ قال: من بيتي أم من بيت غيري؟ قال: من بيتك، قال: رغيف أو رغيفين، قال: من بيت غيرك، قال: اخبز واطرح.وذكر الإمام الذهبي جملة من هذه الأساطير ومنها: قيل لميسرة التراس: إيش أكلت اليوم؟ قال: أربعة آلاف تينة ومائة رغيف وقوصرتي بصل ومسلوخا ونصف جرة سمن فما بقوا شيئا حتى خبؤوه منى.وقال الأصمعي: قال لي الرشيد: كم أكثر شئ أكله ميسرة؟ قلت: مائة رغيف ونصف مكوك ملح، فدعا بفيل فطرح له مائة رغيف فأكلها إلا رغيفا.وذكرت بإسناد في تاريخي الكبير أن بعض المجان أنزلوه عن حماره ثم ذبحوه وشووه وأطعموه إياه على أنه كبش، ثم جمعوا له ثمن الحمار. وقال الأصمعي: نذرت امرأة أن تشبع ميسرة فأتته وقالت: اقتصد، فكان الذي أشبعه كفاية سبعين نفسا.وقيل: إنه كان يزوق السقوف، فطلبه رجل يزوق داره، ثم دعا الرجل ثلاثين.والحديث موصول عن الكذابين في اللقاء القادم إن شاء الله

8794

| 14 يوليو 2015

أكاذيب مفتراة على آخر خلفاء المسلمين

يمثل السلطان عبد الحميد – رحمه الله – آخر خلفاء الدولة العثمانية، وآخر خلفاء المسلمين، فبعد سقوط الخلافة العثمانية رسمت خارطة الأرض، وتشكل نظام عالمي جديد، قسمت فيه تركة الدولة العثمانية بين قوى الغرب التي جندت آلة إعلامية ضخمة لتبرير ما حدث للعالم الإسلامي بعد هذا الحدث الضخم الذي كان في بدايات القرن العشرين، وظل العمل له نحو مائتي عام في غفلة من بعض الخلفاء، وخيانة من المتآمرين.سقطت الخلافة إذا ولكن تداعياتها لا تزال حاضرة في واقعنا المعاصر، فمن الناس من يمني النفس بعودتها لتجمع المسلمين تحت مظلة واحدة، ومنهم من يرى أن ذلك محال تحقيقه، وأن الواقع جاوز التاريخ وعلينا أن نتعامل مع النظام القائم كما هو، وأن نعدل من أفكارنا وتوجهاتنا لتناسب الحدث، وكانت هناك تجارب كثيرة وإشكالات عويصة حول مفاهيم متعددة كالحرية والديمقراطية وغيرها من المبادئ التي تثير من الخلاف الكثير.لن أتطرق إلى آثار سقوط الخلافة فلهذا موطن آخر، ولكن أتطرق لكمِّ الأكاذيب التي لحقت بالسطان عبد الحميد، افتراها عليه قوم كانوا أذنابا ولم يكونوا أربابا، عملوا بإخلاص لحركة الماسونية العالمية، قهروا العباد وأفسدوا في البلاد، إنهم أتباع الاتحاد والترقي من مدحت باشا ومصطفى كمال أتاتورك وغيرهما.لقد انبرى أستاذنا الدكتور مصطفى حلمي ليرد هذا الكذب عن السلطان عبد الحميد في كتابه "السلطان عبد الحميد ..الخليفة المفترى عليه"لقد أُلقيت التهم جزافا على السلطان عبد الحميد وأهمها أنه السطان المستبد وأنه السلطان الأحمر وغيرها من الصفات التي روَّجها أعداؤه وخصومه من الداخل والخارج، ولا ننسَ أن وكالات الأنباء والصحافة التي سيطرت عليها العناصر اليهودية والصليبية قد تزعَّمت حركة تشهير واسعة النِّطاق، أخذت تُردِّدها بتكرار وإلحاح حتى صارت وكأنها حقائق.وبدأت هذه الأكاذيب تروج من داخل الدولة العثمانية نفسها عن طريق من آمنوا بأفكار الغرب تجاه سقوط الخلافة، يقول باول شمتز: "لقد نظمت المقاومة ضد السلطة الدينية التي كان يمثِّلها عبدالحميد، وتجمَّعت عناصرها خارج حدود تركيا، إلا أنها لم تَستطِع المبادرة، بقيادة المعركة الفاصلة ضده، بل جاءت هذه المعركة أولاً مِن الداخل، وعلى وجه التحديد مِن الجيش الذي أصابته عدوى "الأفكار القومية".(انظر: الإسلام قوة الغد العالمية (ص: 92)، ترجمة د. محمد شامة، مكتبة وهبة 1394 هـ 1974 م).ومن عجب أن تبدأ هذه الأكاذيب من الصدر الأعظم مدحت باشا رئيس الوزارة الذي يفترض أن يكون ولاؤه للدولة والخلافة ولكنه كان خائنا، وقد تحدث عنه السلطان في مذكراته فقال: كنتُ أرى أن الصدر الأعظم - أي: مدحت باشا - يؤيد الإنجليز ويتعاوَن معهم، سواء بدافع من ماسونيته أو بدافع مِن أسباب أخرى خاصة جدًّا به، ولم أعد أَحتمِل، فاستندت إلى صلاحياتي في القانون الأساسي وعزلته عن الصدارة العُظمى، وأبعدته خارج الحدودمذكرات السلطان عبد الحميد ص44.ومن الأكاذيب التي اتهم بها السلطان عبد الحميد أنه كان سببا في خراب الدولة العثمانية، لكن من الدراسات المُنصِفة للسلطان عبدالحميد ما ذكره الأستاذ محمد جميل بيهم في كتابه "فلسفة التاريخ العثماني" إن السلطنة حين جلس عبدالحميد على العرش كانت مثقلة بالمتاعب تواجه أشد الأزمات، فشهدت في عهده نشاطًا كبيرًا في العراق، وامتدت السكك الحديدية في ولاياتها الأوربية والآسيوية، وأقيمت المرافئ المتعددة، وأنشئ الخط الحجازي بين دمشق والمدينة المنورة، ولم يكن للأجنبي فيه صلات مالية (2: 162)، الطبعة الأولى سنة 1954 م.وبعد ؛ فقد مات السلطان عبد الحميد وسقطت دولة الخلافة، ولا تزال الأكاذيب تلوكها الألسنة، وهذا ما يحدث مع المهزوم المأزوم، حين تتكالب عليه الافتراءات ويتبعها الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، ولكن التاريخ له جنود مخلصون يظهرون الحق للأجيال القادمة تبصرة وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

1151

| 13 يوليو 2015

الشعراء الكذابون

لست في مقام الحديث عن القضية النقدية المثارة حول قولهم أعذبُ الشعر أكذبُه، ولكني معنيٌّ بقضية أخرى، هي من يسرق الشعر وينسبه لنفسه، وقس عليها كثيرا من السرقات العلمية التي كثرت واشتهرت بعد انتشار الحاسوب حيث سهولة النقل، والأمر موجود في المقالات والأبحاث وغيرها، حتى ترى أحدهم قد نال أرفع الدرجات العلمية بعد أن سطا على أبحاث غيره، وترى كثيرا من الناس يدَّعون قول الشعر بعد أن سرقوا القصائد وجلسوا على الموائد ينسبون إلى أنفسهم ما يسرقون، حتى يجدوا استحسانا وتصفيقا، ويخلع على أحدهم الشاعر العظيم.هذا النموذج للأسف موجود منذ القدم، وأمثال هؤلاء حذر القرآن منهم، فقال: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب).إننا نطالع في أدبنا العربي أن هناك كثيرا من الشعراء يكذبون، ويشير إليهم طرفة بن العبد بقوله:ولا أغيرُ على الأشعارِ أسْرِقُهاعنها غَنِيتُ وشرُّ الناسِ من سَرَقاإن هناك قصيدة تدعى اليتيمة ادعى أربعون شاعرا أنه صاحبها ؛ بينما صاحبها هو الحسن بن محمد المنبجي وهو شاعر مغمور، ووقعت نسبتها إليه في فهرست ابن خير الأندلسي.وخلاصة القصة كما تروى من كتب الأدب أن هناك امرأة كانت تسمى بدعد وكانت تسكن نجد وقطعت عهداً على نفسها أن لاتتزوج إلا من يكتب بها ولها أجمل قصيدة، وقد شاع صيتها بين الشعراء في بلاد العرب، وتوافد الشعراء من كل حدب وصوب للفوز بـ"دعد" لكن لم يفلح أحدٌ في ذلك، وكتب دوقلة القصيدة وانطلق قاصدا دعد في بطحاء الجزيرة العربية، وفي طريقه لنجد وربى نجد ومن أجل دعد، قطع دوقلة المسافات، طلباً للود وبحثاً عن الجمال، وفي طريقه، قابل أعرابياً وتعارفا على بعضهما البعض.فسأله الأعرابي إلى أين يا أخا العرب؟فقال دوقلة إلى حِمى دعد .قال الأعرابي: هذا يعني أنك كتبت ملحمتك وأعددت نفسك للقاء الأميرة؟قال دوقلة: نعم يا أخا العرب.قال الأعرابي: اسمعني إياها يا أخا العرب.فروى دوقلة القصيدة، وكان من عادة العرب حفظ الشعر من الرواية الأولى عند كثير من رواة العرب، ولما فرغ منها، أعجبت القصيدة الأعرابي، ولكنه لم يحفظها من الرواية الأولى، فطلب من دوقلة أن يعيدها عليه، فكررها ومازال يطلب منه حتى حفظ الأعرابي القصيدة. عندئذ قام الإعرابي وقتل دوقلة وحمل القصيدة في قلبه لدعد، وعندما وصل لبلاط الأميرة أخبروها بقدوم شاعر من بلاد بعيدة، حيث نسي الأعرابي موطنه الأصلي عندما حل في بلاط الأميرة.طلبت دعد من الشاعر أن يسمعها القصيدة، فبدأ يرتل ويصدح، إلى أن وصل لبيت في القصيدة، حفظته "دعد" (وقد كانت على قدر من الثقافة والمعرفة وحب الشعر) وبعد أن فرغ الإعرابي من تلاوة القصيدة،قالت دعد: اقتلوه فإنه قاتل زوجي.فتعجب من في البلاط لفكرة الأميرة وسألوها كيف عرفت أنه قتل زوجها،فقالت الأميرة، يقول هذا الشاعر في قصيدتهإِن تُتهِمي فَتَهامَةٌ وَطني أَو تُنجِدي يكنِ الهَوى نَجدُفالأعرابي ليس من تهامة ولا في لكنته شيء من هوى نجد.فالأميرة هنا استطاعت بذكائها تمييز القائل، وهذا الشاعر الكاذب بانت في نبرات صوته كذباته التي فضح بها، ورواية الشعر قيض لها مثل هؤلاء الأذكياء الذين كانوا يستطيعون نسبة القول إلى قائله، فكما كان في رواية الحديث من يكشف الكذابين كما رأينا في مقال نوح بن أبي مريم فإن الشعر له أيضا من يستطيع إخراج الكذابين، جاء في خزانة الأدب للبغدادي أن أبا بكر بن عمر بن إبراهيم بن دعاس الفارسي كان فقيهاً حنفياً أديباً شاعراً، وكان أهل زبيد ينسبونه إلى سرقة الشعر ويقولون: إذا حوسب الشعراء يوم القيامة يؤتى بابن دعاس فيقول: هذا البيت لفلانٍ، وهذا المصراع لفلان، وهذا المعنى لفلان. فيخرج بريئاً، وقد توفي سنة 667هـ.والحديث لا يزال موصولا في الحلقات القادمة إن شاء الله

4785

| 12 يوليو 2015

الكذب في رواية الشعر (2-2)

يرجع ابن سلام أسباب الانتحال إلى عاملين: القبائل التي كانت تتزيد في شعرها. وإلى الرواة الوضّاعين فيقول:"فلما راجعت العرب رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها استقلت بعض العشائر شعر شعرائهم وما ذهب من ذكر وقائعهم وكان قوم قلّت وقائعهم وأشعارهم فأرادوا أن يَلحَقوا بمن له الوقائع والأشعار فقالوا على ألسنة شعرائهم، ثم كانت الرواة بعد فزادوا في الأشعار التي قيلت وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا ولا ما وضع المولّدون".ويشنع ابن سلّام على ابن إسحق ما فعله من تدليسٍ ووضعٍ في الشعر فيقول:"فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحق ومثل ما رواه الصحفيون ما كانت إليه حاجة ولا فيه دليل على علم".وكلام ابن سلّام لفت نظر المستشرقين والباحثين فأعادوا دراسة القضية وكانت البداية بنولدكه سنة 1864م وتلاه آلورد حين نشر أشعار الستة الجاهليين وخلص إلى أن أغلب الشعر الجاهلي الذي جاءنا غير صحيح، وأنّ النزر اليسير هو الصحيح، وتابع هذا الرأي مستشرقون آخرون مثل كارل بروكلمان ثم جاء مرجليوث فكان أبرز من أثار هذه القضية وقد لخص الدكتور ناصر الدين الأسد هذه المقالة حيث إنّ مرجليوث تشكّك في الشعر الجاهلي بناء على أدلة خارجية وداخلية، فأما الخارجية فيبدأ بالحديث عن القرآن الذي ذكر أنّ العرب أمةٌ عرفت الشعر، وأنه"كان قبل الإسلام بعض الكهان من بين العرب الذين كانوا يعرفون باسم الشعراء، كانت لغتهم مبهمة، كما هو الشأن دائما في الوحي".ثم يبدأ مرجليوث الحديث عن علماء المسلمين الذين تكلموا في نشأة الشعر الجاهلي وما شابها من غموض، والمذاهب المتباينة في ذلك، حيث أرجع قوم الشعر إلى عهد آدم عليه السلام وردها آخرون إلى عصر إسماعيل، وأن المهلهل أول من قال الشعر، وينتقل للحديث عن رواية الشعر فيستبعد أن يكون الشعر حُفظ بالطريقة الشفوية ويقرُّ بوجود بعض الكتابة للشعر الجاهلي، لكنه ينقض هذا الإقرار بالحديث عن لغة الكتابة فيقول:"وجود أدب فصيح قبل الإسلام بلغة القرآن وبالكتابة الحميرية، أو بأي خط آخر لأمر يبدو متناقضا". ويخص الرواةَ بحديثٍ خاص حيث يقول عنهم:"إنّ هؤلاء العلماء لم يكن بعضهم بعضًا، فابن الأعرابي كان يتهم الأصمعي وأبا عبيدة، وربما بادلوه اتهامًا باتهام، ولا شك في أنّ كلًا منهم كان يتهم الآخر".وأما الأدلّة الداخلية فإنّ مرجليوث يشير إلى القصص والألفاظ في الشعر الجاهلي، ليخلص إلى أنّ الديانة الوحيدة التي يصحُّ أنْ يعتنقها الشعراء الجاهليون هي الإسلام، وأن هناك أشعارًا جاهلية بها أحداث ذكرت في القرآن الذي يقول عنه مرجليوث بأنّه المصدر الوحيد للشعر الجاهلي.ومن أدلته الداخلية أيضا اللغة حيث يدور حديثه فيها على أمرين: الأول الاختلاف بين لهجات القبائل المتعددة، والاختلاف بين لغة القبائل الشمالية جملة واللغة الحميرية في الجنوب، ثم يربط بين أفكار الشعر الجاهلي وما ورد فيه من ألفاظ إسلامية، وبين لغة الشعر فيقول:"وكما أن وجود الأفكار الإسلامية مقطوع بجاهليتها دليل على وضعها وزيفها، فإن استخدام لهجة جعلها القرآن لغة فصحى أمر يدعونا إلى أن نشك فيها طويلا.. ويبدو أن المسلمين الذين جمعوا قصائد من جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية بلغة واحدة كان عملهم هذا متماشيا مع عملهم في جعل كثير من هؤلاء الشعراء، بل أكثرهم، يعبدون الله ولا يشركون به. إنهم يسحبون على الماضي ظواهر هم أنفسهم يعرفونها".وجاء الدارسون المحدثون فتناولوا قضية الوضع والانتحال، فنبه مصطفى صادق الرافعي على الوضّاعين والمنتحلين في الشعر مبينا أن السبب هو رغبة الناس في الطرائف، أو التعنت في إيجاد الحجة والبرهان، فيضطرهم ذلك للكذب.أما ما كتبه الدكتور طه حسين في هذه القضية فقد ملأ الأرض ضجيجًا، ونكتفي هنا بقوله: إن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبًا جاهليًّا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثّل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين، وأكاد لا أشك في أن ما بقي من الأدب الجاهلي الصحيح قليل جدا، لا يمثل شيئا، ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة للعصر الجاهلي".ولست بصدد مناقشة أدلة الطرفين، فقد أفاض الدارسون فيها، ولكن أميل إلى الرأي الأول؛ لأن جلَّ الأدلة التي ساقها المشكّكون تعتمد على العقل، وما أثير من نقد الأقدمين للرواية والتنبيه على الصحيح والضعيف، وإذا فعلوا ذلك فإن الشعر خضع لعملية جرحٍ وتعديلٍ كبيرة، وَثّقت لنا كَمًّا لا بأس به من الشعر الجاهلي الذي قد تختلف رواياته بسبب اختلاف توثيقه ونقله وهذا أمرٌ طبيعي.

6541

| 11 يوليو 2015

الكذب في رواية الشعر (1-2)

روي أنه اجتمع بدار المهدي الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها، وخرج بعض أصحاب الحاجب فدعا بالمفضل الضبي الراوية فدخل، فمكث ملياً ثم خرج ذلك الرجل بعينه فدعا بحماد الراوية، فمكث ملياً ثم خرج إلينا، ومعه حماد والمفضل جميعاً، وقد بان في وجه حماد الانكسار والغم، وفي وجه المفضل السرور والنشاط. ثم خرج الحسين الخادم معهما فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم، إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حماد الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس فيها، ووصل المفضل بخمسين ألف درهم لصدقه وصحة روايته. فمن أراد أن يسمع شعراً محدثاً جيداً فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل. فسألنا عن السبب فأخبرنا أن المهدي قال للمفضل لما دعا به وحده: إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال: دع ذا وعد القول في هرم، ولم يتقدم له قبل ذلك قول، فما الذي أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضل: ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئاً إلا أني توهمته كان يفكر في قول يقوله أو يروي في أن يقول شعراً، فعدل عنه إلى مدح هرم وقال: دع ذا، أو كان مفكراً في شيء من شأنه فتركه وقال: دع ذا، أي دع ما أنت فيه من الفكر وعد القول في هرم. ثم دعا بحماد فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضل فقال: ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين، قال: فكيف قال؟ فأنشده: من الكامل المرفل: لمن الديار بقنة الحجرأقوين من حجج ومن عشرقفر بمندفع النجائب منضفوى أولات الضال والسدردع ذا وعد القول في هرمخير الكهول وسيد الحضرقال: فأطرق المهدي ساعة ثم أقبل على حماد فقال: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لابد من استحلافك عليه، ثم أحلفه بأيمان البيعة وكل يمين محرجة ليصدقنه عن كل ما يسأله عنه، فلما توثق منه قال له: اصدقني عن حال هذه الأبيات ومن أضافها إلى زهير، فأقر لهحينئذ أنه قالها، فأمر فيه وفي المفضل بما أمر من شهر أمرهما وكشفه. إن هذه القصة تثير قضية صدق ما جاءنا من شعر على وجه العموم ومن الشعر الجاهلي على وجه الخصوص، وهي قضية أثارها القدماء والمحدثون وكثر فيها الحديث، حيث نقل الدكتور ناصر الدين الأسد كثيرًا من آراء القدماء والمحدثين فيها، ونقل ذلك بتتبعٍ واستقصاءٍ متميز.ويعد كتاب طبقات فحول الشعراء أول كتاب تناول القضية بإسهاب، حيث تتبع مواضع الخلل في الرواية والرواة، وله نصوص أبان فيها عن ضياع جلِّ الشعر الجاهلي، فهو يقول:"وقد ضاع من الشعر الجاهلي الكثير ولم يحفظ من الموزون عُشْره، وقال: "ولا يحاط بشعر قبيلةٍ واحدةٍ من قبائل العرب". ونقل عن يونس ابن حبيب قول أبي عمرو بن العلاء:"ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علمٌ وشعرٌ كثير.وعن الوضع والانتحال في الشعر يقول ابن سلام: "في الشعر مصنوعٌ مفتعل موضوعٌ كثيرٌ لا خير فيه ولا حجة في عربيةٍ ولا أدب يستفاد ولا معنى يستخرج ولا مثل يضرب ولا مديح رائع ولا هجاء مقذع ولا فخر معجب ولا نسيب مستطرف وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب لم يأخذوه عن أهل البادية.ولم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته وإنما قصدت القصائد وطول الشعر على عهد عبد المطلب وهاشم بن عبد مناف وذلك يدل على إسقاط شعر عاد وثمود وحمير وتُبَّع.

2158

| 10 يوليو 2015

نوح بن أبي مريم وكذبه على النبي

لم تحظ حضارة من الحضارات بتتبع الكذابين في آثارها مثل الحضارة الإسلامية، حيث خضعت أحاديث الرسول للدراسة الواعية في السند والمتن، ووضعت شروط صعبة ومناهج منضبطة لقبول الرواية عن الرسول، حتى تسلم هذه النصوص من أي دخل، ولتكون معدة لاستنباط الأحكام بناء على ألفاظها.وقد وضعت كتب التراجم لبيان أحوال الرواة من حيث الصدق والكذب، والتذكر والنسيان والضعف والوهم، ووضعوا الكذابين في مقامهم وعرفوا بهم كي يحذرهم الناس، ولا تقبل لهم عند أهل الدراية رواية، ومن هؤلاء الكذابين نوح بن أبي مريم، واسمه أبو عصمة القرشي، قاضي مرو. كان أبوه مجوسيًا ويقال له: "نوح الجامع"، وسمي"الجامع"، لأنه أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، والحديث عن حجاج بن أرطاة وطبقته، والتفسير عن الكلبي ومقاتل، والمغازي عن ابن إسحاق، وكان مع ذلك عالمًا بأمور الدنيا. وكان شديدًا على الجهمية والرد عليهم، تعلم منه نعيم بن حماد الرد على الجهمية. ولكنه كان مع ذلك كله ذاهب الحديث، ليس بثقة، لا يجوز الاحتجاج به. وقال ابن حبان: "نوح الجامع: جمع كل شيء إلا الصدق"، مترجم في التهذيب، والكبير 4 / 2 / 111، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 484.وقد روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذه الأحاديث حسبة.وما يقوله نوح بن أبي مريم نسمعه كثيرا من الذين يبتدعون في الدين ويتبعون أهواءهم، خاصة من الذين يتخذون دينهم لهوا ولعبا، ومن الذين يتخذون التأويل مذهبا ليجعلوا النص وفق آرائهم، فإن لم يسعفهم التأويل لجأوا إلى الكذب والقول بغير حق، ومن طرائف ذلك ما قاله الحافظ العراقي في شرح التبصرة: ذكرَ الإمامُ أبو بكرٍ محمدُ بنُ منصورٍ السَّمعانيُّ : أنَّ بعضَ الكَرَّاميَّةِ ذهبَ إلى جوازِ وضعِ الحديثِ على النبيِّ?، فيما لا يتعلقُ به حكمٌ من الثوابِ والعقابِ ترغيباً للنَّاسِ في الطاعةِ، وزجْرَاً لهم عن المعصيةِ . واستدلوا بما رُويَ في بعضِ طُرقِ الحديثِ: ((مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتعمِّداً -ليُضِلَّ بهِ الناسَ- فلْيَتبوَّأْ مَقْعدَهُ من النارِ)). وحملَ بعضُهم حديثَ مَنْ كذبَ عليَّ، أي: قالَ: إنّهُ ساحرٌ أو مجنونٌ. وقال بعضُ المخذُولِينَ: إنّما قالَ مَنْ كَذَبَ عليَّ، ونحنُ نكذبُ لَهُ ونقوِّي شَرعَهُ. نسألُ اللهَ السلامةَ من الخِذْلانِ".إنني عندما أطالع قصة هذا الرجل أجد أن هناك إجماعا على أنه كان واسع العلم مطلعا، ولذا سموه الجامع، فقيل لقب بذلك لأنه أول من جمع فقه أبي حنيفة وقيل لأنه كان جامعا بين العلوم له أربعة مجالس مجلس للأثر ومجلس لأقاويل أبي حنيفة ومجلس للنحو ومجلس للشعر روى عن الزهري ومقاتل ابن حيان مات سنة ثلث وسبعين ومائة وكان على قضاء مرو لأبي جعفر المنصور.انظر كتاب تاج التراجم في طبقات الحنفية.وهذا استوقفني كثيرا، إذ كيف يجمع الإنسان العلم ثم تراه يكذب ويتبع هواه، ثم كيف لمن جرحه العلماء أن يلي منصب القضاء؟.وفي رأيي أنه اغتر بعلمه، وأعجبه سماع الناس له، فلم يجد حرجا في نفسه أن يكذب، أما ولايته القضاء فإنها من أكبر الأخطاء، إذ كيف به يؤتمن على حقوق الناس بعد أن كان كذابا، وكذبه سيجعله يتعاطف مع الكذابين وشهود الزور، وهذا استنباط حاولت أن أبحث له عن مجلس قضاء فلم أجد، وهذا يجعلني أقول إنه لم يكن قاضيا مشهورا بعدله أو بفضله أو بذكائه حتى يتذكره الناس، بل كان لكذبه أثر في ترك مجالس قضائه وتتبعها، ومهما يكن من أمر فهذا صنف من أصناف الكذابين خصصنا له الحديث اليوم.

20555

| 09 يوليو 2015

السامري الكذاب بين الحقيقة والسراب (3)

في حوار السامري مع موسى عليه السلام يعترف السامري بالكذب، وقد دون القرآن هذا الحوار في قوله تعالى بسورة طه: (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98))وهذا الحوار فيه شيء من التأمل إذ كيف يعترف السامري بهذه السهولة أمام سيدنا موسى بما فعل من كذب وتضليل، ألم يكن قد جمع أتباعا يدافعون عن معتقدهم الجديد؛ لينازعوا أنبياء الله في النبوة؟والجواب عندي أن السامري كان عنده من الذكاء ما يجعله يعلم إلى أين تسير الأمور، فبنو إسرائيل ليسوا على قلب رجل واحد، وهم يدينون لموسى بنجاتهم، وشهدوا أمام أعينهم المعجزات، وإذا كانوا قد عبدوا العجل في غياب موسى، فهو الآن حاضر بينهم، وسيقاوم هذه الردة، فهو لم يحارب فرعون الذي ادعى الألوهية ليأتوا هم بعجل يعبدونه مكان فرعون،ويؤيد هذا الرأي ما ذكره ابن كثير في قوله: "ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه. فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا لجماعتهم: يا موسى، سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها، فيكفر عنا ما عملنا. فاختار موسى قومه سبعين رجلا لذلك، لا يألو الخير، خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة، فرجفت بهم الأرض، فاستحيا نبي الله من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال: { رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا } [الأعراف: 155] وفيهم من كان اطلع الله منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به، فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيل } [الأعراف: 156، 157]. فقال: يا رب، سألتك التوبة لقومي، فقلت: إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي، هلا أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة؟ فقال له: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد وولد، فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون واطلع الله على ذنوبهم فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا، وغفر الله للقاتل والمقتول.وهذا ما ذكره القرآن في قوله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة (54))قال الطبري نقلا عن ابن عباس: أمر موسى قومه عن أمر ربه عز وجل - أن يقتلوا أنفسهم، قال: فاحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، وأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضا، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة.ويعلق صاحب الظلال على هذه الكفارة العنيفة التي كانت بسبب الكذب فيقول: "اقتلوا أنفسكم. ليقتل الطائع منكم العاصي. ليطهره ويطهر نفسه.. هكذا وردت الروايات عن تلك الكفارة العنيفة.. وإنه لتكليف مرهق شاق، أن يقتل الأخ أخاه، فكأنما يقتل نفسه برضاه. ولكنه كذلك كان تربية لتلك الطبيعة المنهارة الخوارة، التي لا تتماسك عن شر، ولا تتناهى عن منكر. ولو تناهوا عن المنكر في غيبة نبيهم ما عبدوا العجل. وإذ لم يتناهوا بالكلام فليتناهوا بالحسام؛ وليؤدوا الضريبة الفادحة الثقيلة التي تنفعهم وتربيهم"!

3710

| 08 يوليو 2015

السامري الكذاب بين الحقيقة والسراب (2)

انتهينا في المقالة السابقة إلى أن السامري شخصية مختلف فيها، وأننا لم نعثر على أسانيد قوية تفصل لنا في شخصيته وحكايته، وأن ما ورد في ذلك ينبغي التوقف عنده دون تصديق ولا تكذيب، فهو من باب "حدِّثوا عن بني إسرائل ولا حرج."ولم تبق أمامي إلا آيات القرآن فهي الوثيقة الصادقة التي من خلالها نحاول أن نعرف ملامح هذه الشخصية وكيف استطاعت أن تؤثر في المجتمع بكذبها.إننا عندما نتأمل قصة موسى عليه السلام نرى أن هذه القصة لم تخل من حديث عن وصف مجتمع بني إسرائيل، فهو مجتمع يتصف بالكذب والبخل والغدر والخيانة، وهذه صفات تجعل صاحبها يحب اللذة العاجلة على اللذة الآجلة، وأن يؤمن بالمنظور ويكفر بالمستور، وأن يطلق خياله في نسج الأباطيل ليحقق أطماعه.لقد وصف القرآن اليهود فقال عنهم: (سماعون للكذب أكالون للسحت)، وقال: (وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، ووصفهم بالكذب والافتراء عندما توعدهم بقوله: (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين).وهذا الكذب ذكره أحبارهم ورهبانهم، فعبد الله بن سلام قال للنبي – صلى الله عليه وسلم- إن اليهود قوم بهت، وقال الحسن: "كان الحاكم منهم إذا أتاه أحد برشوة جعلها في كمه فيريها إياه ويتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيسمع الكذب ويأكل الرشوة".إذا فالسامري وجد ضالته في مجتمع يحب سماع الكذب، ولا يجد فيه حرجا ما دام موافقا أهواءهم، ومن ثم أراد أن يكسب بفعلته هذه الحلي التي كانت عند بني إسرائيل، ثم بعد ذلك يكون قائدا عليهم، ويحل محل موسى عليه السلام، وإذا فالرجل لم يتعب كثيرا في إقناع الناس، لكن هارون عليه السلام كان من المفترض أن يكون مقاوما لهذا الكذب وأن يقف حائلا دون دعوة السامري لجمع الذهب والحلي وهذا الجمع لا شك أخذ وقتا ثم صناعة العجل نفسها أخذت وقتا حتى صار عجلا جسدا له خوار، فلماذا سكت هارون كل هذه المدة؟ لماذا لم يقاومه في كل هذه المراحل، وكان هذا أول سؤال لسيدنا موسى عندما عنف أخاه قائلا: قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)وفي آية الأعراف يقول هارون: (ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)وظاهر الآيات أن سيدنا هارون قاومهم ولكنها مقاومة متأخرة، فهو في البداية خشي على أن يتفرقوا وحاول أن يتجاهل دعوات السامري الباطلة، ولكن السامري تمادى في الكذب والضلال حتى اكتمل العجل جسدا، حينها قال هارون: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) [طه:90]لكن القوم قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، ويبدو أن هذه الدعوات أثارت غضب بني إسرائيل على هارون، ومن ثم صار له أعداء خشي من أن يشمتوا فيه عندما يرون تعنيف موسى له، عندما فهم موسى ما حدث قال حينها (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، ولا يزال الحديث موصولا حول كذب السامري.

1926

| 07 يوليو 2015

السامري الكذاب بين الحقيقة والسراب

السامري اسم ذكر في القرآن مع قصة موسى عليه السلام، وما ثبت عنه هو أنه صنع لبني إسرائيل عجلا جسدا له خوار، فقال هذا إلهكم وإله موسى، وخاطبه نبي الله موسى فقال له: (ما خطبك يا سامري؟ قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي).فمن هذا السامري؟ وكيف استطاع أن ينشر هذه الكذبة الكبرى بين بني إسرائيل الذين نجوا من بطش فرعون ولا تزال أرجلهم مبتلة من أثر ماء لم يغرقهم؟!السامري شخص اختلف في حقيقته، جاء في المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام: "أما السامري فاختلفوا فيه، فتارةً قالوا إنه من عظماء بني إسرائيل من قبيلة، يقال لها السامرة، وقيل كان من القبط، وكان جاراً لموسى فآمن به، وقيل كان علجاً من علوج كرمان رفع إلى مصر وكان من قوم يعبدون البقر. فهذا السامري قذف من تراب حافر فرس جبريل في فم العجل، فخار. فإن قلتَ كيف عرف السامريُّ جبريلَ ورآه دون سائر الناس؟ فالجواب إنهم قالوا إن أمه ولدته في السنة التي كان يُقتل فيها البنون، فوضعته في كهفٍ حذراً عليه من القتل، فبعث الله إليه جبريل ليربّيه لما قضى الله على يديه من الفتنة".وجاء في تفسير الطبري وغيره من كتب التفاسير أنه لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه السامري من بين سائر الناس، فلما رآه قال: إن لهذا شأناً. فقبض القبضة من أصل تربة أثر موطئه. فلما سأل موسى قال: قبضت قبضة في أثر الرسول إليك يوم جاء للميعاد. وقيل رآه يوم فلق البحر، فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لِمَا يريد الله أن يظهره من الفتنة على يديه (الطبري في تفسير طه 20: 85 - 96 ، الرازي في تفسير الأعراف 7: 150).وتروي كتب التفسير ما خلاصته أن بني إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي فاستعاروا حلي القبط لذلك اليوم، فلما أغرق الله القبط بقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فجمع السامري تلك الحلي وكان رجلاً مطاعاً فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلهاً يعبدونه، فصاغ السامري عجلاً. ثم اختلف الناس، فقال قوم كان قد أخذ كفاً من تراب حافر فرس جبريل عليه السلام فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحماً ودماً وظهر منه الخوار مرة واحدة. فقال السامري: هذا إلهكم وإله موسى، وقال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوفاً ووضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص، وكان قد وضع ذلك التمثال على مهب الرياح، فكانت الريح تدخل في جوف الأنابيب ويظهر منه صوت مخصوص يشبه خوار العجل، وقال آخرون: إنه جعل ذلك التمثال أجوف، وجعل تحته في الموضع الذي نصب فيه العجل من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس فسمعوا الصوت من جوفه كالخوار. قال صاحب هذا القول والناس قد يفعلون الآن في هذه التصاوير التي يجرون فيها الماء ما يشبه ذلك، فبهذا الطريق وغيره أظهر الصوت من ذلك التمثال، ثم ألقى إلى الناس أن هذا العجل إلههم وإله موسى.وكل ما سبق حاولت أن أبحث له عن أسانيد فلم أجد، ومن ثم سأعتمد على نص القرآن في بيان كذب السامري محاولا تأمل ما سترته ألفاظ الآيات من دلالات في سياق النص القرآني.

8287

| 06 يوليو 2015

الكذب والشائعات في الحروب

يذكر التاريخ الإشاعة بالسوء فيبين آثارها المدمرة، فسقراط دفع حياته ثمنا لإشاعة كاذبة، حيث اتهم بإفساد الشباب وحضهم على الثورة، وفي مصر القديمة استخدم تحتمس الثالث الخدعة في حروبه عند فتح يافا. ووظف أباطرة الرومان ما يسمى بحراس الإشاعات حيث ينتشرون في المجتمع ليسمعوا الشائعات وينقلونها للإمبراطور ثم يقومون بحملة مضادة لهذه الشائعات، وهذا يعد من بواكير الدور الذي تقوم به السلطة في حماية المجتمع من الشائعات.وفي الجانب التاريخي أيضا نذكر اعتماد شارل مارتل في موقعة بلاط الشهداء سنة 114هـ على الإشاعة لهزيمة المسلمين بالأندلس بقيادة عبد الرحمن الغافقي، حيث أعياه الانتصار على المسلمين يومين متتاليين، وكان المسلمون معهم غنائم عظيمة وكادوا ينتصرون ولكنه أشاع بينهم أن الفرنجة يهاجمون من الخلف ويأخذون الغنائم فتركوا القتال ليحرسوا الغنائم وانهزم المسلمون وتركوا خيرات وغنائم وفوتوا فرصة عظيمة لفتح أوروبا، وهذه نقطة فاصلة في تاريخ العلاقات الدولية كما يقول الدكتور الصلابي في كتابه الذي يتحدث عن الدولة الأموية حيث يقول: " كانت الظروف الدولية قد تغيرت لغير صالح المسلمين، فلما حاول هذا القائد إحياء مشروع موسى بن نصير هزم هزيمة ضخمة تدخل في تاريخ العلاقات الدولية بوصفها نقطة تحول وهي معركة بلاط الشهداء، وقد تكرست الآثار السلبية لعدم استكمال موسى بن نصير لمشروعه بفشل حصار المسلمين للقسطنطينية بعد ذلك بسنوات قليلة وهو ما أغلق أوربا أمام المسلمين من الشرق بعد أن كانت قد أُغلقت أمامهم من الغرب، ولقد فشل المحللون في تفسير سبب استدعاء الخليفة الوليد لموسى بن نصير، فبعضهم قائل إنه أشفق على المسلمين من مخاطر هذا المشروع البحري، وبعضهم الآخر يؤكد أن الخليفة إنما خاف على سلطانه من تصاعد نفوذ وقوة موسى بن نصير وسواء صحت هذه التفسيرات أو أخطأت، فإن ما حدث بالفعل بعد استدعاء موسى بن نصير إلى دمشق، هو تقويض هدف مصيري للأمة أضاعت فيه فرصة ثمينة في فتح أوربا وجعلها تحت نفوذ الدولة الإسلامية".واستفاد من هذا الدرس أبو يوسف يعقوب المريني الذي كان يقاتل الإسبان وانتصر عليهم سنة 674 هـ ويرجع السبب في ذلك إلى عوامل أهمها: إبعاده للغنائم عن ساحة المعركة حتى لاينشغل بها المجاهدون وحتى يتفرغوا لمجاهدة عدوهم وبذلك تحاشى الخطأ الذي وقع فيه المسلمون في معركة بلاط الشهداء وهذا يدل على نظر عميق في التاريخ واستخراج الدروس والعبر من صفحاته الماضية.ونعود إلى الكذب في الحرب فنذكر أن جنكيز خان استطاع أن يهزم جنوده بالإشاعة، حيث كان يضخِّم من عدد قواته وجبروته وفتكه بالخصم، فيؤدي ذلك لهزيمة نفسية.وزعم نابليون من خلال منشورات له أنه جاء لتأديب المماليك، وادعى في هذه المنشورات تأييده للإسلام، لينتصر في معركته فكانت الإشاعة من أهم وسائله لهزيمة الممالك.وفي الحرب العالمية الثانية أنشأت بريطانيا "قسما للدعاية ضد العدو برئاسة اللورد نور ثكليف، كما أمر الرئيس الأمريكي ولسون بإنشاء مكتب للاستعلامات تحت رئاسة جورج سريل، على أساس الخبرة المستخلصة من الإعلان التجاري، وقد بلغ ما أسقط على ألمانيا من منشورات بواسطة المنطاد 5.360.000 منشور.أما العصر الحديث فإن الشائعات اتخذت منحى أكثر سرعة وأسرع انتشارا بسبب تتطور وسائل الاتصال، فلئن كانت الشفوية وسيلة نقل الشائعات في الماضي فلقد باتت الشفوية مصحوبة بأدوات تقنية تحاول أن تقنع الناس بالشائعة من خلال إيجاد وسائل بصرية وسمعية ووثائق؛ كي يقتنع بها المتلقي، وإزاء هذا التطور اختلفت ماهية الإشاعة ومرسلها ومستقبلها، ووسائل انتقالها، كما كانت هناك محاولات لحماية المجتمع من خطر هذه الشائعات

6306

| 05 يوليو 2015

الطاغية الكذاب

الرحمة صفة الأنبياء، والله تعالى يقول لنبيه: (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)، وهذا يثبت كثيرا من مصداقيتهم وقبولهم لدى المجتمع، أما أن يكون النبي قاسيا غليظا، فذلك من أمارات الكذاب، وهو ما اتسم به الطاغية الأسود العنسي الذي كان يعذب معارضيه، فبدأ بالنعمان الذي كان حبرا من أحبار اليهود ثم أسلم وكان يقول للنبي –صلى الله عليه وسلم – بشارات التوراة في مبعثه، وهو الذي وقف في وجه الأسود لما كذب وادعى النبوة فقتله الأسود بعد أن عذبه وقطعه إربا إربا وهو حي.واليوم مع صورة من صور الطغيان، حيث سيقدم هذا الكذاب على تعذيب أبي مسلم الخولاني بالحرق ولكن سيجعل الله لأبي مسلم أية تفضح الكذاب، حيث ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب عن شرحبيل بن مسلم الخولاني أن الأسود ابن قيس بن ذي الخمار تنبأ باليمن فبعث إلى أبي مسلم، فلما جاءه قال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم قال أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع قال: أتشهد أن محمداً رسول الله قال: نعم فردد ذلك عليه كل ذلك يقول له مثل ذلك، قال فأمر بنار عظيمة فأججت ثم ألقي فيها أبو مسلم فلم تضره شيئاً قال: فقيل له: أنفه عنك وإلا أفسد عليك من اتبعك. قال فأمره بالرحيل فأتى أبو مسلم المدينة وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر فأناخ أبو مسلم راحلته بباب المسجد ودخل المسجد وقام يصلي إلى سارية فبصر به عمر بن الخطاب فقام إليه فقال ممن الرجل قال: من أهل اليمن قال: ما فعل الرجل الذي أحرقه الكذاب بالنار؟. قال: ذلك عبد الله بن ثوب قال: أنشدك بالله أنت هو؟ قال: اللهم نعم. قال: فأعتقه عمر وبكى ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين أبي بكر وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله عليه السلام.ويلاحظ أن الكذاب عمد إلى شخصيات بارزة في المجتمع معروفة بتدينها مثل النعمان وأبي مسلم الخولاني، وهو يريد أن يستقطبهم كما استقطب غيرهم، حتى يضمن استقطاب العوام بسهولة، ولكنه لما خذل فيهم، أراد أن يعذبهم ويقهرهم، فلم يخافوا، بل جاهدوا أفضل الجهاد بأن قالوا كلمة حق عند سلطان جائر، ولما وصل في القمع ذروته وأحرقه فلم يصب من حريقه بشيء، خشي أن يتبعه الناس ويتفضوا عنه فنفاه خارج اليمن، وهذا هو مبدأ الطغيان الذي يعجز عن الحجة والبرهان، فيلجأ إلى القتل والسجن والنفي، ولكن تظل مبادئ أصحاب العقل والحق لعنات تطارد الكذاب الطاغية وتتوارثها الأجيال، فتكون أكبر أثرا وأجدى نفعا.إن الداعية قد يكون مثرا في خطابته ولكن تأثيره يكون ضعيفا، ولكنه عندما يكون صاحب مبدأ يدافع عنه في وجه الباطل يكون أكثر تثبيتا للعوام وأعمق في قلوب من يسمع بأخبارهم، وربما يقول جملة قليلة من بضع كلمات تظل نبراسا يهتدى به ومعلما يعشو الناس إلى ضوئه، وهذا ما يمثله لنا موقف أبي مسلم الخولاني ومن قبله الحبر النعمان.

629

| 04 يوليو 2015

alsharq
رواتب لربات البيوت

في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...

1437

| 18 مايو 2026

alsharq
طافك رمضان؟ تفضل

في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...

1275

| 19 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

1092

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

1059

| 21 مايو 2026

alsharq
العلاقات التركية - الجزائرية من الماضي إلى الحاضر

تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...

753

| 17 مايو 2026

alsharq
المنازعات الإيجارية

أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...

705

| 20 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

621

| 20 مايو 2026

alsharq
الصحة والفراغ.. ثروات متاحة

خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...

591

| 18 مايو 2026

alsharq
قطر تعزز الشراكات الدولية

تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن...

576

| 17 مايو 2026

alsharq
توطين الصناعة من قيود الممرات

قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب...

573

| 17 مايو 2026

alsharq
قراءة في ظاهرة المدير السام

في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...

561

| 23 مايو 2026

alsharq
"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ

يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...

552

| 19 مايو 2026

أخبار محلية