رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الجهاد في سبيل الله

أحيانا يتقدم لفظ الجهاد بالنفس والمال على اللفظ في سبيل الله، وأحيانا يكون العكس، فقوله -تعالى- "إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض" الأنفال: 72. تقدم "بأموالهم وأنفسهم" على "في سبيل الله". وقال الله في سورة براءة 20: "الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله" .لم قدم ذكر الأموال والأنفس في الآية الأولى على قوله "في سبيل الله"، وأخر في الثانية؟.تناول هذه المسألة الخطيب الإسكافي في درة التنزيل، والخطيب الكرماني في أسرار التكرار في القرآن، واعتمد الكرماني على قول الإسكافي ونقله بحرفه وأشار إلى ذلك.والكرماني والإسكافي تناولا هذا الموضع في سورتي الأنفال والتوبة رغم أن هناك مواضع أخرى في القرآن الكريم، مثل قوله -تعالى- "فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ" [سورة التوبة (9) : آية 81]ومثل قوله -تعالى-: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ" الحجرات 15.والذي أراه من فهم هذه الآيات في سياقها ما يأتي: أولا: عند ذكر مقام حب النفس البشرية للدنيا يقدم المال والنفس على سبيل الله، لأن الاهتمام بها أنساهم غاية الجهاد العظمى المتمثلة في سبيل الله، فاهتموا بالمال والنفس على الغاية الكبرى وهي سبيل الله. ثانيا: تأسيسا على ما سبق نجد أن الله حينما يتحدث عن المنافقين يقدم بأموالهم وأنفسهم على "في سبيل الله"؛ لأن المنافق يحب نفسه وماله عن الله -تعالى- والجهاد في سبيله، ولذا قال -سبحانه-: مثل قوله -تعالى- "فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".ثالثا: أما المؤمنون فمتى يقدم ذكر "بأموالهم وأنفسهم" على "في سبيل الله"؟ وهل في هذه الحالة يساويهم بالمنافقين كما ذكرنا سابقا؟ الجواب لا، حيث إن النفس البشرية قد تنسى وتذهب إلى المال وحب النفس، فيأتي تذكيرها بالجهاد في سبيل الله لا من أجل المال والنفس، ولذلك عندما يذكر ثواب المجاهدين يقدم في سبيل الله، فهم خرجوا لتكون كلمة الله هي العليا، ولم يخرجوا لعرض زائل قال -تعالى-: "الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله".رابعا: تبقى آية الأنفال التي ذكرت ثواب المجاهدين ورغم ذلك قدمت بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟ والجواب أن السياق تفصيل للمهاجرين والأنصار، بعد آيات الأسرى التي فضل المسلمون فيها فدية فكاك الأسير، وعاتبهم الله في ذلك، فكان تقديم "بأموالهم وأنفسهم"؛ لذكر مسوغات تفضيل هذه الفئة المباركة؛ حيث إنه ذكر أن المؤمنين الذين لم يهاجروا، ما لكم من ولايتهم من شيء؛ فالذين لم يهاجروا خافوا على أنفسهم وأموالهم، فلم يستحقوا مرتبة المهاجرين والأنصار الذين خرجوا من ديارهم وأنفسهم، وفضلوا طريق الله على طريق من سواه.خامسا: أما ما ذكره الخطيب الإسكافي في هاتين الآيتين فاعتماده على سياق السورتين فقط، ولم يؤسس لقاعدة قرآنية عامة في هذا المجال، وملخص ما قاله أن الآية الأولى في سورة الأنفال تعقيب ما أنكره الله -تعالى- على من قال لهم: "تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم" الأنفال: 67، وهم أصحاب النبي لما أسروا المشركين، ولم يقتلوهم طمعا في الفداء.فقال -تعالى-: "لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم" الأنفال: 68. أي: فيما أخذتم من هؤلاء الأسرى من الفداء.

8648

| 20 يونيو 2016

تكرار حرف الجر مع واو العطف

يلاحظ في الجملة القرآنية أن حرف الباء يتعلق بالفعل (آمن – كفر) وفي أغلب الشواهد لا يتكرر مع العطف، وقليل جدا ما يتكرر مع العطف، فمثلا، جاءت الباء مع العطف مرة واحدة في القرآن في قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَٰتُهُمْ إِلَّآ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَٰرِهُونَ) التوبة: 55 وفي باقي المواضع البالغة مرتين لا يتكرر حرف الجر مع المعطوف كقوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)التوبة: 50، وقوله تعالى: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) التوبة: 84 والسياق ربما يفسر هذه المسألة، فالباء فائدتها التوكيد؛ فالمنافقون الذين يتظاهرون بالصلاة أمام المسلمين لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم نفقتهم، خاصة في حال من نزلت فيه هذه الآية (أسباب النزول للواحدي 1/170)، وهو ثعلبة الذي كان فقيرا فأغناه الله من فضله، وعندما منع صدقته في أول الأمر وقال إنها أخت الجزية، لم يقبل النبي وخلفاؤه من بعده صدقته، والقرآن يعطي تفسيرا للمؤمنين في ذلك بأن مثل هذا النموذج من المنافقين لا تقبل صدقته، ولا صلاته، ولا ينبغي أن نغر بالظاهر فالله عليم بالسرائر؛ لأن هذا النموذج كفر في نفسه بالله وبرسوله، وهذا التوكيد جاء في بداية كشف الله للمنافقين، والأمر قد يكون صدمة في نفوس بعض المؤمنين ومن ثم احتاج إلى التوكيد بتكرار حرف الجر الباء، لكن بعدما عُرف المنافقون للنبي وعرف ببعضهم للمسلمين عامة كعبد الله بن أبي بن سلول، وبعضهم لخاصة المؤمنين كحذيفة بن اليمان لم تعد الحاجة إلى زيادة التوكيد قائمة، فأمر النبي بعدم الصلاة على أحد منهم؛ لكفرهم بالله ورسوله.وهذا التوكيد أيضا يظل مطردا معنا في مركب الجار والمجرور المتعلق بالفعل (آمن) الذي يأتي في الجملة القرآنية مقترنا بلفظ الجلالة التي تأتي صحوبة بباء الجر، وعندما يعطف على الاسم المجرور تحذف هذه الباء غالبا، فمثلا: قوله تعالى: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ" النور: 47.ففي هذه الآيات ادعاء البعض بأنهم مؤمنون بالله والرسول واليوم الآخر، وهذا الادعاء الكاذب يكررون معه حرف الجر الباء؛ رغبة في تصديق المؤمنين لهم، ولكنهم مفضوحون بعد ذلك كما حكى القرآن، وهذا شبيه بقول إخوة يوسف لأبيهم بعد ادعائهم أن يوسف أكله الذئب: (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين).لكن الباء الجارة لم تتكرر مع العطف في بقية المواضع من القرآن الكريم مثل قوله سبحانه: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ)النساء: 39، فالباء لم تتكرر هنا لأن المقام ليس مقام توكيد إنما مقام حض على الإيمان الذي لا إكراه فيه، فالآية الأولى تحض على الإيمان بطريق الاستفهام ولو التي تفيد التحضيض، والآية الأخرى تأمر المؤمنين بأن مقتضيات إيمانهم لا تكتمل إلا بالإيمان بالله ورسوله والقرآن، وهذا التكليف لا يحتاج إلى توكيد؛ لأن الإيمان مستقر في القلوب، ولهذا عندما يوصف المؤمنون في الجملة القرآنية فالباء الجارة لا تتكرر في العطف مثل قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) الحجرات: 15.لكن عندما يكون المقام تحذيريا في الجملة القرآنية، فإن اللام الجارة تتكرر مع العطف مثل قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) الأنفال: 24، وقوله تعالى: (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ) الحشر 7.ففي الآيتين السابقتين أمر للمؤمنين جاء في سياق التحذير الضمني؛ فالجملة الأولى أمر بالاستجابة لله والرسول، أعقبها أن الله يحول بين المرء وقلبه، وأن الله شديد العقاب، وأمر باتقاء فتنة الذين ظلموا خاصة.. وكل هذا تحذير يتطلب تكرار الجر إفادة للتوكيد. والجملة الثانية أتت في سياق الحديث عن الفيء بعد القتال، وهذا الفيء قد ينسي المسلمين كيفية تقسيمه، ومن ثم كان هذا القانون الشرعي الذي يؤكد أن هذا الفيء لله ولرسوله ولذي القربى...إلخ، ولم يكرر اللام في بقية المعطوفات (اليتامى والمساكين)؛ لأنه معروف بداهة أنهم يأخذون من الصدقة ومن المال العام الذي تجعل الدولة لهم جزءا منه، لكن الجديد في هذا القانون التشريعي أن لله وللرسول ولذي القربى قسما من الفيء، ومن ثم احتاج الجديد إلى التوكيد.

24875

| 17 يونيو 2016

حذف حرف الجر وإثباته بعد حرف العطف

من المتشابهات القرآنية أن يحذف حرف الجر ويثبت بعد حرف العطف في جمل قرآنية متعددة، وكان إثبات حرف العطف للتوكيد، فمثلا يلاحظ في قوله -تعالى-"فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ" آل عمران: 184، حذف حرف الجر مع المعطوف، وقوله -تعالى- "وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ" فاطر:25. ثبت حرف الجر مع المعطوف، وقد قرأ ابن عامر الموضعين بتكرار حرف الجر، ويرى أبو حيان أن تكرار الباء للتوكيد، ويرى غيره من المفسرين أن إثبات الباء وحذفها له علل أخرى ربما يكون التوكيد إحداها، فالكرماني ينظر إلى شكل الجملة وبنائها؛ فصيغة الفعل في الجملة التي فعلها ماض "كذبوك" مبنية على الاختصار وهو إقامة لفظ الماضي في الشرط مقام المستقبل، ولفظ الماضي أخف، وبني الفعل الماضي للمجهول وحذف الفاعل بغية هذا الاختصار، ومن ثم حذفت باء الجر موافقة لهذا الاختصار، أما الآية الثانية فإن الفعل جاء مضارعا "يكذبوك" وهو مبني للمعلوم، والفاعل مذكور، وذكرت باء الجر في العطف موافقة لهذا النسق، "من أسرارا القرآن للكرماني ص94". ومن المفسرين من يرى غير ذلك حيث إن السياق كان هو المسوغ الذي حللوا فيه إثبات الباء وحذفها في الجملتين؛ فتكرار الباء دال على المغايرة بين المعطوفات. "التحرير والتنوير 4/186-187".وما يتبدى لي الجمع بين هذه الآراء فالباء أتت للتوكيد، والمغايرة في آن واحد، وأن حذف الباء يأتي جمعا للأصناف الثلاثة في مقام واحد بغية الاختصار، فمقام الآية التي جاءت فيها الباء مكررة مقام الدعوة بتعداد النعم التي منها إرسال الرسل وإنزال الزبر والكتب، وهذا مقام يناسبه الذكر، وأما المقام الآخر، فمقام حجاج اليهود، حيث زعموا قائلين "إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ" فرد عليهم: "قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ". فالحجة دامغة على اليهود بالبينات وبما قالوا؛ ففي الكلام توكيد، ومن ثم فحذف الباء يناسب اختصار الحجة بعد كل ذلك، وبهذا يكون ما قاله الكرماني يكون موافقا لهذا التأويل، ويتكامل معه قول باقي المفسرين، وهو ما يتجلى أيضا في الموافقة الدلالية بين صيغ المفردات، والسياق؛ فالرسل جمع وبينات كل واحد منهم مختلفة؛ فمعجزة موسى غير معجزة عيسى.. وهكذا، وكذا الزبر؛ فالتوراة مختلفة عن الإنجيل والكتب السماوية الأخرى، وسياق تكرار الباء أتى في مقام التذكير بنعم الله المتعددة، ومنها إرسال الرسل، وتنزيل الكتب، وكان قبل هذه الآية "إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير"، ثم موافقة لمقام تعداد النعم التي أوردها الله لعباده، قال لنبيه تسلية: إن عليه ألا يحزن من تكذيب قومه، فليس بدعا من الرسل الذين أتوا ببينات الأنفس والآفاق التي تحدث عنها قبل هذه الآية، وكانت البينات واضحات، ثم أردفت بزبر وكتب من عند الله، ولكن طبع على قلوب الذين كفروا فهم لا يؤمنون.

7110

| 16 يونيو 2016

الاختيار بين {ثم - و }

من مواطن المتشابهات في القرآن الكريم قوله تعالى: "متَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ" ال عمران: 197، حيث وردت بقية المواضع في القرآن الكريم، (ومأواهم جهنم) مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ). بالنظر إلى سياقات الآيات التي ورد فيها التركيب (ومأواهم جهنم) مع قوله تعالى: (ثم مأواهم جهنم)، يتبين أن الآية التي وردت فيها ثم جاءت في سياق إمهال الكافرين، وهذا الإمهال عبر عنه بقوله تعالى قبل هذه الآية: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد)، فتقلبهم في نعيم الدنيا ليس آية على انتصارهم، بل هو متعة قليلة زائلة جاءت من الله الذي يمهل ولا يهمل، وهذا الإمهال يوافقه دلاليا (ثم) التي تدل على التراخي، وقد ذكر الكرماني قريبا من هذا المعنى، إذ جعل أن الإمهال في لفظة (قليل)، ومن ثم جاءت (ثم) للمطابقة الدلالية انظر: من أسرار التكرار في القرآن، الكرماني 94 ، والذي يبدو لي – والله أعلم- أن الإمهال دل عليه أكثر من هذه اللفظة؛ فسياق الآيات يدل على هذا الإمهال فقبل هذه الآيات يتحدث الله عن ثواب المؤمنين الذين تضرعوا إلى الله بالدعاء، ثم بشرهم بالاستجابة، وأن هذا الثواب العظيم تهون في سبيله كل متاعب الدنيا التي عرضت سورة آل عمران بعضا منها لما حدث للمؤمنين في غزو أحد، ثم تأتي الصورة المقابلة للكفار الذين يمتعهم الله قليلا؛ إمهالا لهم، هذا الإمهال الذي تحدثت عنه آيات أخرى مستخدمة (ثم) في مثل قوله تعالى: (نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) وفي هذا الإمهال نوع من تسلية الله للمؤمنين، فعندما يقارنون متعتهم العظيمة الأبدية، بمتعة الكفار القليلة الزائلة، وعندما يقارن المؤمنون متاعبهم في الدنيا القليلة الزائلة في الدنيا مقابل عذاب الكفار العظيم الذي سيخلدون فيه، تهون عليهم هذه المتاعب وتلك المصاعب.أما الآيات التي كان العطف فيها بالواو في تركيب (ومأواهم جهنم) فلم تأت في سياق الإمهال، بل وردت لتبين مآل هؤلاء الكفار، في سياقين: الأول سياق الجهاد، والثاني سياق مشهد القيامة، فأما سياق الجهاد فكان منه الأمر بالجهاد، مع الثقة بأن الله سيجعل مأوى هؤلاء الكفار النار كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أو في سياق الحديث عن فرار المنافقين من الجهاد؛ إذ لا فائدة من خروجهم؛ فهم لو خرجوا في المؤمنين فلن يزيدوهم إلا خبالا، ولأوضعوا بين المؤمنين لفتنتهم، وهم في الدرك الأسفل من النار لو ماتوا على نفاقهم، ومن ثم فعلى المؤمنين أن يقبلوا أعذار المنافقين إذا تخلفوا عن الجهاد، فمآلهم جهنم وبئس المهاد (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) التوبة 95.والكفار والمنافقون لم يستجيبوا لأمر الله، ومن ثم فمآلهم إلى جهنم وجاءت الواو العاطفة لتفيد جمع العمل مع الجزاء؛ فجهاد الكفار والمنافقين لصدهم عن سبيل الله فعل يستحقون عليه النار، ويتضح ذلك في سياق وقوفهم في الآخرة في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) الرعد 18.

3766

| 15 يونيو 2016

الاختيار بين «من معروف» و {بالمعروف»

الاختيار بين (باء) الجر و(مِن)، ففي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوف) البقرة: 234، يلاحظ التركيب (فعلن في أنفسهن بالمعروف) جاءت الباء متعلقة بالمعروف، وفي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن معروف)البقرة: 240 جاءت (معروف) نكرة وقد سبقت بـ(من) الجارة، ولم تسبق بالباء كالآية الأولى، والمقام الدلالي واحد، فهو يتحدث عن المتوفى عنها زوجها. والآية الأولى ناسخة للآية الثانية وإن تقدمت عليها في التلاوة في رأي بعض المفسرين الكشاف 1/469، ومن ثم يكون الحكم في الثانية أن المرأة تحبس نفسها في بيت زوجها المتوفى الذي كان يوصي لها بنفقة تتمتع بها من تركته عاما كاملا، ثم بعد ذلك لها أن تفعل في نفسها بعد هذه المدة أي معروف في مثل حالتها من القبول بالخطاب وما إلى ذلك، وفي الآية الأولى نسخ الحكم، فأصبحت المتوفى عنها زوجها حابسة نفسها أربعة أشهر وعشرا، وهذا التخفيف أتبع بأن عليهن مراعاة المعروف الذي أشير إليه، والالتزام به آكد، فهن في فترة العدة لا جناح في التعريض بالنكاح، وهن بعد انقضاء العدة التي قصرت عن عام إلى أربعة أشهر وعشرا أصبحن في حل من أمرهن من أن يفعلن ما في مثل حالتهن بالمعروف، وجاء المعروف معرفا وملصقا بالباء للتأكيد عليه، لأن الحكم الجديد يتطلب التأكيد؛ لتطمئن إليه النفس، أما الأولى فـ(من) تفيد التبعيض، أو ابتداء الغاية أي بعض المعروف أو من بداية ما يقال إنه معروف، ومعروف نكرة تفيد العموم والشمول، وهي بعد عام من وفاة زوجها الأول قد هدأت نفسها، واتسعت فكرتها في حياتها وربما أصبحت خيارات المعروف أمامها أكثر؛ لطول الزمن الذي يتيح إعلاما وتفكيرا لها وفيها، ومن ثم فما عليها جناح في أن تفاضل وتأخذ ما يناسبها، أما الأولى فقصر المدة يدعوها إلى أن تكون أكثر تركيزا في المعروف الذي ستفعله في نفسها. وهذا التأويل في حالة الأخذ برأي النسخ، لا يتعارض أيضا مع من يرى ألا نسخ في الحكم بين الآيتين، "فالآية الأولى تقرر حق المتوفى عنها زوجها في وصية منه تسمح لها بالبقاء في بيته والعيش من ماله، مدة حول كامل، لا تخرج ولا تتزوج إن رأت من مشاعرها أو من الملابسات المحيطة بها ما يدعوها إلى البقاء، وذلك مع حريتها في أن تخرج بعد أربعة أشهر وعشر ليال كالذي قررته آية سابقة، فالعدة فريضة عليها، والبقاء حولا حق لها، وبعضهم يرى أن هذه الآية منسوخة بتلك. ولا ضرورة لافتراض النسخ، لاختلاف الجهة كما رأينا. فهذه تقرر حقا لها إن شاءت استعملته. وتلك تقرر حقا عليها لا مفر منه"([1]).وعلى هذا التأويل يكون (بالمعروف) أكثر إيحاء بالالتزام المفروض على المرأة من خلال باء الجر المفيدة الإلصاق، ­­وتعريف (المعروف)، أما (من معروف) فإنها تخفف من حدة هذا الالتزام فالمرأة بعد انقضاء عدتها وهي تقيم في بيت زوجها لا جناح عليها في أن تتصرف في حالها بما يناسبها، ولذا جاءت من التي يمكن أن تفيد ابتداء الغاية أي من بداية ما يقال إنه معروف، أو التبعيض أي بعض المعروف.

13299

| 14 يونيو 2016

الاختيار بين {لا} و{لن} في التعبير القرآني

يحتاج إلى نظر وتأمل، حيث إن "لا" تنفي الاسم فتكون نافية للجنس، وتنفي المضارع، كما أنها تنفي الماضي، وقد نفت المضارع في قوله تعالى: "وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" الجمعة: 7، وجاء المضارع (يتمنونه) منفيا بـ(لن) في قوله تعالى: "وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" البقرة: 95، فالاختيار كان محصورا بين "لا" و"لن"؛ لأنهما تنفيان الحال والمستقبل، بخلاف بقية الأدوات. والمقام الدلالي واحد؛ فكلتا الجملتين تتحدثان عن اليهود وحبهم للحياة، ولذا حاول المفسرون توضيح العلة في ذلك، فالزمخشري الذي يرى أن (لن) تفيد تأبيد النفي موافقة لمذهبه الاعتزالي في عدم رؤية الله تعالى، يرجع عن هذا الرأي عندما يتعرض لهذا المثال فيذكر أنه لا فرق بين (لا) و(لن) في أن كل واحد منهما نفي للمستقبل، إلا أن في لن تأكيداً وتشديداً ليس في لا، فأتى مرة بلفظ التأكيد: (ولن يتمنوه) ومرة بغير لفظه: (ولا يتمنونه)الكشاف 6/112. وقد استدرك على الزمخشري كثير من النحاة والمفسرين في هذا التأويل؛ فالجمهور على أن "لن" لا تفيد النفي على التأبيد، يقول أبو حيان بعد عرض رأي الزمخشري: "وهذا منه رجوع عن مذهبه في أن لن تقتضي النفي على التأبيد إلى مذهب الجماعة في أنها لا تقتضيه، وأما قوله: إلا أن في لن تأكيداً وتشديداً ليس في لا ، فيحتاج ذلك إلى نقل عن مستقري اللسان"البحر المحيط 8/164. إذا فأبو حيان يعتمد على السياق في تحليل دلالة (لا) و(لن)، وأن السياق لا يسير على وتيرة واحدة في الدلالة، بل تتغير دلالة الأدوات بتغير السياق، ومن ثم، يمكن فهم استعمال (لن) و(لا) في ضوء هذا؛ فآية البقرة التي فيها (لن يتمنوه) جاءت في سياق حديث طويل عن اليهود، والمقام يتمثل في تأكيد هذه الصفات التي منها حرصهم على الحياة، فجاء قبل الآية بـ(إن) التي تفيد الشك، في قوله تعالى: "إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الله فتمنوا الموت إن كنتم صادقين"، ثم أعقبها بـ(لن) التي تفيد تأكيد النفي، بأنهم لن يتمنوا الموت وأعقبها بأبدا ثم بجملة تفيد التعليل (بما قدمت أيديهم) فالباء للسببية، وبالجملة الخبرية (والله عليم بالظالمين) ثم بالجملة الفعلية (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) وجملة (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة)، ففي سياق التأكيد على هذه جاءت (لن) لتفيد تأبيد النفي، وبأن هذه صفة دائمة في اليهود، الذين يحرصون على الحياة، وهذه الصفة تترتب عليها آثار كثيرة، وصفات متعددة منها حب المال، والجبن، وعدم مقاتلة المسلمين إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر... إلخ، أما آية (ولا يتمنونه) في سورة الجمعة، فكان الحديث مقتضبا عن اليهود، الذين زعموا أنهم أولياء الله، وأنهم أحبابه، وأنهم شعب الله المختار، فجاء ليكذب هذا الزعم بأنهم بتأكيد أقل، فالحديث منصب على المسلمين ورسالتهم، وفضلهم على بقية الأمم، وبأنهم أوتوا القرآن وبعث النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، وهم أمة تعمل بما تعلم، وليسوا كمثل اليهود الذين حملوا الأسفار ولم يفقهوا ما فيها، ولم يعملوا ما بها ، كالحمار الذي لا يدري ما يحمل فوقه، وفي هذا السياق يفند شبهة اليهود التي قد تأتي عرضا في حديث تفضيل اليهود على المسلمين، وفندها بوسائل توكيد أقل؛ ليعود السياق مرة أخرى ذاكرا صلاة الجمعة التي فضل بها المسلمون على غيرهم من الأمم وخاصة اليهود. يخلص من تحليل السياق أن "لا" تدل على حال اليهود في معرض الحديث عن أفضلية المسلمين، وتدل "لن" على الاستقبال في معرض التأكيد على صفة حب الحياة وكراهية الموت.

24633

| 13 يونيو 2016

بين (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعْنَةَ) و(وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي)

من المتشابهات في آيات القرآن ما ورد في الحوارات القرآنية، وهي كثيرة ومتنوعة، ولكن سنبدأ بتسلسلها الزمني قدر المستطاع، والآية التي معنا هي قوله تعالى في سورة الحجر (35): (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) وفي سورة ص (77): (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ)، فما الفرق بين الآيتين؟ والخطيب الإسكافي يحاول الإجابة عن هذا السؤال فيقول: "للسائل أن يسأل فيقول: إذا كان المراد باللعنة ولعنتي شيئا واحدا، فما بال اللفظين اختلفا فجاء في سورة الحجر بالألف واللام، وفي سورة ص مضافا، وهل يصح في الاختيار أحدهما مكان الآخر؟ويرجع الخطيب الإسكافي السبب إلى المشاكلة اللفظية والاتساق بين الآيات في السياق، فيقول: والجواب أن يقال: إن القصة في سورة الحجر ابتدأت في المعتمد بالذكر، وهو خلق الإنس والجن باسم الجنس المعرف بالألف واللام بقوله: (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون* والجان خلقناه من قبل من نار السموم) الحجر: 26-27 ثم قال: (ما لك ألا تكون من الساجدين) الحجر: 32 فكان ما استحقه إبليس بترك السجود من الجزاء ما أطلق عليه اللفظ الذي ابتدئت بمثله القصة، وهو اسم الجنس المعرف واللام. وكان الأمر في سورة ص بخلاف ذلك؛ لأن أول الآية: (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين* فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين* فسجد الملائكة كلهم أجمعون* إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين* قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين) سورة ص: 71-75 فلم تفتتح الآية بذكر الصنفين من الإنس والجن باللفظ المعرف بالألف واللام كما في سورة الحجر.ولما كان موضع (ما لك ألا تكون مع الساجدين) الحجر: 32 جاء بدله: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت) سورة ص: 75 فجعل بدل الساجدين أن تسجد ثم قال: (لما خلقت بيدي) فخصصه بالإضافة إليه دون واسطة يأمره بقلعه، أجري لفظ ما استحقه من العقاب على لفظ الإضافة، كما قال: (بيدي) فقال: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) فكان الاختيار في التوفيق بين الألفاظ التي افتتحت بها الآية واستمرت إلى آخرها هذا." درة التنزيل وغرة التأويل 2/816 أما أبو حيان فإنه ينظر إلى اللفظ من حيث العموم والخصوص دون أن يتطرق إلى السياق فيقول" هنا ) لعنتي ) وهناك ( اللعنة ) أعم . ألا ترى إلى قوله : ( أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) وأما بالإضافة، فالعموم في اللعنة أعم، واللعنات إنما تحصل من جهة أن من عليه لعنة الله كانت عليه لعنة كل لاعن، هذا من جهة المعنى، وأما باللفظ فيقتضي التخصيص " البحر المحيط 2/415ولا يتعارض القولان السابقان، بل يكمل بعضهما بعضا، فقول الله تعالى: إن عليك لعنتي تفيد قمة المقت الإلهي، وذروة الطرد من رحمة الله، وإذا علمنا أن السورتين مكيتان وأن سورة ص نزلت قبل الحجر وفيها ذكر الله تعالى لفظ (لعنتي) فإن لفظ (عليك اللعنة) الذي يفيد العموم نزل بعد هذه السورة، وكأنه إيذان بلعن الشيطان من الملائكة والناس أجمعين، وهذا قياسا على أن من أحبه الله تعالى فإن كل شيء يحب هذا العبد من البشر والحجر، فيوضع له القبول في الأرض، وأن الله إذا أبغض أحدا فإن كل شيء في الدنيا يكره هذا الذي كرهه الله، وهذا ما أراه بين العموم والخصوص في الآيتين والله أعلم.

11688

| 11 يونيو 2016

المتشابهات في قصة آدم عليه السلام (2) الفرق بين (فوسوس) و(أزلهما)

من المتشابهات في قصة آدم عليه السلام قوله تعالى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (سورة البقرة: الآية 36) (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا، وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين) الأعراف: 20والموضع الذي نحن بصدده اليوم هو (فأزلهما) و(فوسوس)، والمفسرون لا يقارنون بين الآيتين؛ ولذا سنعتمد على بيان معنى المفردة أولا، ثم تحليل الآية في ضوء سياقها.في سورة البقرة قال تعالى: فأزلهما، وفي قراءة حمزة فأزالهما، بزيادة ألف، وفي القراءتين اختلاف في المعنى، فأزلهما أي أوقعهما في الزلل، وأما فأزالهما أي أبعدهما، من الإزالة.وفي هذا الموضع نجد أن الله تعالى حكى أن آدم أُدخل الجنة ثم أخرجه الشيطان منها بعد أن أوقعه في الخطيئة والزلل، ومن هنا فإن القراءتين يمكن أن تتكاملا في المعنى، وإن كان غالبية المفسرين يقولون إن (فأزلهما) بقراءة الجمهور أوقع، لأن الله تعالى قال في موضع آخر: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) أي أوقعهم الشيطان في الزلل.فهنا حديث مجمل عن قصة دخول آدم الجنة ثم خروجه منها، ثم توبة الله على آدم عليه السلام.وأما في سورة الأعراف فالسياق يختلف، ففيه تفصيل للحظة الإغواء بذكر كلمة (وسوس) التي تعني الكلام الخفي الذي يكرر، مثل وسواس الحلي أي صوت الحلي في يد المرأة أو رجلها، فإن له تكرارا منتظما، ويكون المعنى في هذه الآية أن إبليس ظل يوسوس لآدم بكلام خفي أشار إليه القرآن بقوله: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) ثم بقسم إبليس لهما: (وقاسمها إني لكما لمن الناصحين) وبلغت الوسوسة أوجها بقوله: (فدلاهما بغرور) لتكون النتيجة: (فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة). كل ذلك أخذ وقتا طويلا من إبليس مع آدم وزوجه، وهذا التفصيل أعقبه درس طويل لبني آدم، فقال: (يا بني آدم لا يفتننّكم الشيطان) والفتنة تكون بما وسوس به الشيطان من حب الخلود أو الملك، وهذا ما لم يذكر في موضع سورة البقرة، فهذا الموضع ذكر فيه التفصيل لإعطاء الدرس لبني آدم مجملا ثم يمثل عليه بعد ذلك بذكر قصص السابقين من نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم السلام جميعا.أما في موضع البقرة فإنه لم يذكر هذه القصص، وإنما ذكر قصة موسى وطرفا من قصة إبراهيم عليه السلام.وفي الموضع الأول لم يكن التركيز على غواية الشيطان إلا بشكل مجمل؛ لأن سورة البقرة مدنية اهتمت بالتشريع وذكر الأحكام، أما سورة الأعراف فإنها مكية، ومناسب جدا أن تتحدث عن قصة الصراع بين إبليس وآدم ومن بعده البشر، ولذا كانت صورة التحذير واضحة على طول السورة حتى آخرها، إلى أن قال تعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون). إذا فالوسوسة ذكرت في مقام تفصيل الصراع بين إبليس والبشر، وأزلهما ذكرت في مقام التأسيس لعلاقات إنسانية في دولة ناشئة فتكفي الإشارة عن العبارة.

14057

| 10 يونيو 2016

المتشابهات في قصة آدم عليه السلام

في قصة آدم عليه السلام آيات المتشابهات، منها قوله تعالى: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ... ) [البقرة: 35] . وقال في سورة الأعراف [19] : (ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ... ) . لقد جاءت آراء المفسرين حول هذه الآية على صنفين: الأول يرى أن الواو بمعنى الفاء، وأن هذا لتلوين المعاني(انظر مثلا: البحر المحيط 4/279)، والثاني حلل دلالة الفعل (اسكنوا) الذي جاءت الفاء أو الواو رابطة بينه وبين الفعل (كلا)، فرأى أن اسكنوا قد يضمن معنى ادخلوا، وفي هذه الحالة يكون الفعل (اسكنوا) في (اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا) بمنزلة الشرط، وكل فعل بمنزلة الشرط عطف عليه شيء بمنزلة الجزء منه عطف الثاني على الأول بالفاء مثل قوله تعالى: (وَإِذ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا)، فعطف كلوا على ادخلوا بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقا بالدخول فكأنه قال إن أدخلتموها أكلتم منها، فالدخول موصل إلى الأكل، والأكل متعلق وجوده بوجوده. –(انظر مثلا: درة التنزيل وغرة التأويل 1/222) وإذا كان الدخول لا يستدعي زمنا، وقد تعلق الأكل به، وجاءت اسكنوا في الآية بمعنى ادخلوا كان العطف بالفاء دون الواو؛ لأنه لا يمكن الجمع بين اتخاذ السكن والأكل في آن واحد، بل يأتي الأكل عقب الدخول. أما قوله تعالى: (اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا) فالسكن هنا ليس معناه الدخول، وإنما يعني اتخاذ الجنة سكنا دائما، وهذا يتطلب زمنا ممتدا، والأكل ليس متعلقا بالسكن تعلق الجزاء بالشرط ومن ثم كان العطف بالواو، ونظيرها في القرآن: (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسكنوا هذه القرية وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ) فعطف كلوا على اسكنوا بالواو لأن القصد هو المكث الطويل، والجمع بين التمتع بطول الإقامة في الجنة والأكل منها. ومن المتشابهات في قصة آدم عليه السلام قوله تعالى في سورة البقرة:38 (فمن تبع هداي..) وفي طه 123: (فمن اتبع هداي..)، وفي هذا يعلل الكرماني بقوله: " قَوْله {فَمن تبع} وَفِي طه {فَمن اتبع} تبع وَاتبع بِمَعْنى وَإِنَّمَا اخْتَار فِي طه {اتبع} مُوَافقَة لقَوْله تَعَالَى {يتبعُون الدَّاعِي} أسرار التكرار في القرآن الكرماني 1/71 وقول الكرماني يعني أن تبع واتبع أتى موافقا للنظم الشكلي ففي سورة طه (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) وفيها أيضا (يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا). ولم يبين الكرماني وجه العلاقة والشبه بين الآيتين، مما يجعلني أقول إن الكرماني توقف عند رصد موضع التشابه، ولكنه لم يقم بتحليله، ذلك التحليل الذي يبدأ من البحث في صيغة تبع واتبع، وصيغة تبع ثلاثية واتبع فيها زيادة في مبنى الكلمة، والقاعدة تقول: إن الزيادة في المبنى تعقبها زيادة في المعنى، وموضع البقرة أتى بعد أن تلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، وبعد التوبة قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولا يزال العهد قريبا بينهم وبين هذه التوبة، ومن ثم فإن جاء هدى من الله فإن اتباعه لا يحتاج بذل مزيد من الجهد لقرب الصلة والتوبة الأولى، وفي الموضع الأولى حديث عن تحذير آدم من أن يأكل من الشجرة، تحذير لم تكن فيه صيغة التأكيد التي وردت في سورة طه حيث قال: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي، فالجملة مؤكدة باللام وقد، ورغم ذلك نسي آدم، وأعطي الهدى فأنساه الشيطان ذكر هذا الهدى، ومن ثم فإن ذريته سيغلب عليها النسيان، وسيكون اتباعها للهدى فيه نوع من بذل الجهد، ولذلك أتى الفعل اتبع ولم يأت تبع، والله أعلم.

14820

| 09 يونيو 2016

درة التنزيل وغرة التأويل

من الكتب التي تعنى بعلم المتشابه، كتاب درة التنزيل وغرة التأويل، للخطيب الإسكافي، الذي حاز ثناء كبيراً من العلماء، ومنهم ابن عباد، الذي قال: "فاز بالعلم من أصبهان ثلاثة: حائك، وحلاج، وإسكاف، فالحائك هو المرزوقي، والحلاج أبو منصور ابن ماشدة، والإسكافي أبو عبد الله الخطيب بالري، صاحب التصانيف في اللغة".. والخطيب الإسكافي صاحب مؤلَّفِنا الذي نعرض إلى منهجه، توفي سنة 426 هـ ولست بصدد ترجمته، وإنما أنا معني بيان منهجه، في تناول متشابه القرآن الكريم؛ حتى ننطلق في هذه التأملات إلى تصور جديد لفهم هذه المتشابهات.أولاً: اعتمد الخطيب على تبويب سور القرآن منهجاً، فهو يبدأ بالبقرة ثم آل عمران وهكذا، وينظر ما يشابه الآية من السورة نفسها، ثم ما يشابه الآية من السور الأخرى.ثانياً: يعتمد الخطيب على تحرير موطن التشابه، ثم تفكيك المعنى، بحيث يحلل كل وجه في سياقه، ثم يعقد المقارنة بعد ذلك؛ ففي قوله تعالى: "واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة، ولا يؤخذ منها عدل، ولا هم ينصرون" [البقرة: 48].وفي السورة نفسها يقول تعالى: "واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ولا يقبل منها عدل، ولا تنفعها شفاعة، ولا هم ينصرون" [البقرة: 123]. فقدم في الأولى قبول الشفاعة، على أخذ الفدية، وفي الثانية قبول الفدية على نفع الشفاعة. والوجه في الأول: أنه لما قال: "لا تجزي نفس عن نفس شيئاً" بمعنى: لا يغني أحد عن أحد فيما يلزمه من العقاب،ولا يكفر سيئاتِه ما له من الثواب، وهو كقوله عز من قائل: (.. واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً..) لقمان: 33، فهذه الأشياء التي ذكرت في هذه الآية امتناع وقوعها في الآخرة، أربعة أنواع تتقى بها المكاره وتتداوى بها الشدائد". ثم يستأنس بما ورد عند العرب؛ حيث إنه إذا دفع أحدهم إلى كريهة، وارتهنت نفسه بعظيمة، وحاولت أعزته دفاعاً ذلك عنه وتخليصه منه بدأت بما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية، فذبت عنه كما يذب الوالد عن والده بغاية قوته وجلَده، فإن رأى من لا قبل له بممانعته ولا يدله بمدافعته، عاد بوجوه الضراعة وصنوف المسألة والشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم تغنِ عنه الحالتان، ولم تنجه الخَلتان من الخشونة واللين لم يبق بعدهما إلا فداء الشيء بمثله، وفكه من الأسر، إما بمال وإما بغيره.فإن لم تغن عنه هذه الثلاثة في العاجلة، تعل بما يرجوه من نصر في الآجلة، وإدالة في الخاتمة، كما قال تعالى (.. ثم بغي عليه لينصرنه الله..) الحج: 60 وقال تعالى: "..فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا" الإسراء: 33، على أحد وجوه التفسير، فأخبر الله تعالى، بأن ما يغني في هذه الدنيا عن المجرمين، ويترتب هذه المراتب بين العالمين، لا يغني منه شيء في الآخرة عن الظالمين".أما الآية الأخرى فقدم الفدية على نفع الشفاعة؛ لأن النفس بفداء مؤقت يرتهن عنها مدة معلومة، ولا يكون بعد ذلك فداء يفك الرهن ويخلصه من التبعات، فيكون معنى "لا تجزي نفس عن نفس شيئا" لا تغني عنها بفداء محصور بوقت، ولا بفداء ويخلصه على وجه الدهر"، ثم يَشرع بعد ذلك بتأييد هذا القول، من خلال ذكر متمم الآية، فيقول: "ويكون بعد ذلك "لا تنفعها شفاعة" معناه: ولا تخفف مسألة من عذابها، ولا ينقص شفيع من عقابها، "ولا هم ينصرون" وهو الوجه الرابع الذي ذكرناه أخيرا في شرح الآية المتقدمة. والحديث موصول ـ إن شاء الله ـ حول منهج الخطيب الإسكافي في تناول المتشابه القرآني.

3503

| 08 يونيو 2016

تأملات في آيات متشابهات

متشابه القرآن باب عظيم القدر، دقيق المسلك، يحتاج إلى تأمل وفكر، وصبر وروية، ولطف في التناول؛ لأن هذا المتشابه غزير في تنوعه، وعسير في تأمله، وبابه مفتوح دوما، فخزائن المتشابه مليئة بالأسرار التي تحير الألباب. وعلى كثرة ما ألف وصنف في القرآن وقراءاته إلا أننا لا نجد إلا كتبا معدودة، بدايتها يرجع لعام 189 هـ حينما ألف أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي كتابه متشابه القرآن؛ ليكون عونا للقارئ على حفظ كتاب الله تعالى.وبعده بما يزيد على قرن ونصف من الزمان يأتي أبو الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي (336هـ) ليكتب متشابه القرآن العظيم؛ ليكون عونا للقارئ على الحفظ، وزادا لمن يريد أن يرد على الملحدين بأن في القرآن تكرارا.ويأتي أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني المعروف بالخطيب الإسكافي المتوفى سنة 420 ليكتب كتابه درة التنزيل وغرة التأويل ليزيد في التحليل الجمالي للقرآن الكريم، ويكون أكثر أمثلة وأعمق تحليلا ممن سبق، ويرسم خطا يتبعه فيه من لحق.ثم يأتي الإمام الكرماني عام 505 هـ في كتابه البرهان في أسرار القرآن ليبين وجوها أخرى في تفسير الآيات المتشابهة، ومن بعده بما يزيد على مائتي عام يكتب أبو جعفر أحمد بن الزبير الغرناطي (708هـ) كتابه المتشابه اللفظي من آي التنزيل، ويلحقه بقليل أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المعروف بابن جماعة عام 733 ليكتب (كشف المعاني في المتشابه من المثاني) ثم أبو يحيى زكريا الأنصاري عام 926 هـ الذي كتب (فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن).وفي الدراسات الحديثة نجد دليل المتشابهات اللفظية في القرآن الكريم للدكتور محمد الصغير، وكتاب من بلاغة المتشابه اللفظي في القرآن للدكتور محمد الصامل، ومتشابه النظم القرآني بين الإسكافي والغرناطي للدكتور محمود مخلوف، والمتشابه اللفظي وأسراره البلاغية للدكتور صالح الشثري والتوجيه البلاغي للمتشابه اللفظي عند الخطيب الإسكافي وابن أبي الإصبع المصري وجهوده في المتشابه القرآني للدكتور يوسف الأنصاري، والمتشابه اللفظي في القرآن الكريم وتوجيهه لمحمد راشد بركة، وكتاب دراسة عن توحد المضمون وتبدل النسق في القرآن للدكتور صفوت الخطيب، وأخيرا متشابهات آي القرآن دراسة نحوية دلالية مقارنة للدكتور راشد أحمد جراري.كل هذه الدراسات التي ذكرتها لك آنفا هي ما استطعت جمعه في علم المتشابه، وهي دراسات تشترك وتفترق فيما بينها، فأما اشتراكها فإنها قد تتناول مواضع واحدة من الآيات المتشابهات، وأما افتراقها فإنها تختلف في التحليل والتأويل.كما أن هذه الدراسات تعتمد على بعضها البعض، وقد ينقل بعضها عن بعض، وهذا لا عيب فيه، فإنما العلم صرح تكتمل لبناته، ليأتي اللاحق مكملا على السابق فيأخذ خبرته، وينقل تجربته، ثم يحللها ويأخذ ما يراه صوابا، ويكشف ما يراه من غير ذلك، ثم يكتب تحليله وتأويله.وبناء على ما سبق فلست أبا عذرة هذه الفكرة، ولست من يميط اللثام عنها، وإنما أنا أجري فلك من فكر في الآيات وقدر، وأحسن النظر وتدبر، ولكني أحاول أن أبسط في العبارة وأزيد في التحليل بما يفتح الله به من لطيف التأويل؛ فالخزائن ملأى بالأسرار، وتحتاج إلى نظر واعتبار.والمنهج الذي أتبعه في هذه الدراسة مغاير عن السابقين، فلن أتناول المتشابه حسب ترتيبه في المصحف كما فعلت أكثر الدراسات، ولا حسب ترتيب الظواهر النحوية والبلاغية وإنما أتناوله حسب الموضوعات الدلالية، فمن المعاني أنطلق إلى المباني، ومن الدلالة أنفذ إلى التركيب.وللقارئ بعد هذه التأملات أن يتأمل ويرى، فلعلي قد أخطأت وسهوت، ولعله أتى بفتح وفكر مبين، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

3897

| 06 يونيو 2016

ولا تطع كل حلاف مهين (2)

لماذا وصف الله الحلاف بالمهين؟ في نظري لأن الذي يكثر الحلف شخص فقد ثقة الناس فيه ومهابتهم له، وهو يريد أن يستجلب هذه الثقة بهذه الأيمان التي لها قيمتها عند من يسمعها، وليس شرطا أن يكون الحلاف المهين وضيعا عند الناس، فقد يكون ذا مال وبنين، ومن الممكن أن يكون صاحب سلطان، ولكن لا منزلة له في النفوس، فقد يصغَى إليه إخضاعا لا إقناعا، يقول صاحب الظلال عليه رحمة الله: «المهانة صفة نفسية تلصق بالمرء ولو كان سلطانا طاغية جبارا، والعزة صفة نفسية لا تفارق النفس الكريمة ولو تجردت من كل أعراض الحياة الدنيا!إذًا فالكذب قرين المهانة، وهو يحتاج إلى جهد كبير، وتفكير عميق وذاكرة حديدية، فالكذاب قد يقول الكلام ونقيضه، ولذا قالوا: إن كنت كذوبا فكن ذَكورا، فقد تذكر شيئا قد أخفيته أو قلت نقيضه، ويتحدث القرآن عن هذا الجهد من الكذابين فيقول: « وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ» (الأنعام: 109).، وقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ [النَّحْلِ: 38]، وقال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ) النور: 53 وقال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً [فَاطِرٍ: 42]. فتأمل معي هذه الآيات الأربع، حيث التعبير القرآني جهد أيمانهم، وما فيه من بذل الجهد أمام المتلقي، إما لنفي البعث وإما لطلب شيء يظنون أنه غير ممكن الحدوث. ونلاحظ أن الله قال جهد أيمانهم ولم يقل جهد الأيمان، فنسب الأيمان لهم؛ لأنها أيمان كاذبة، لا يقسم بها إلا المنافقون الذين يتخذون أيمانهم جنة للصد عن سبيل الله، وقد أكثروا الحلف أمام النبي – صلى الله عليه وسلم – معتذرين أو منكرين ما يقولون من إرجاف، ومن ذلك: (يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه) ومنه أيضا: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا) التوبة: 74. وهذه الآية نزلت في المنافقين وإن كان بعض المفسرين خصها بالجلاس بن أويس بن الصامت أو عبد الله بن أبي، وذلك لما قال الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل صادقاً فيما يقول لنحن شر من الحمير، فسمعها عمير بن سعد وكان في حجره -لأنه كان ابن امرأته- فقال: والله يا جلاس! إنك لأحب الناس إلي، وأحسنهم عندي بلاءً، وأعزهم علي أن يصله شيء تكرهه، ولقد قلت مقالة فإن ذكرتها لتفضحني، ولئن كتمتها لتهلكني، ولأحداهما أهون علي من الأخرى - يعني: هذا مما لا يسكت عليه- فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ما قال الجلاس، فلما بلغ ذلك الجلاس أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف بالله ما قال هذا، فأنزل الله عز وجل فيه: ((يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ))، فوقفه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، وتلا عليه هذه الآية وسمع الجلاس قوله تعالى: ((فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)) إلى آخره، فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته، ونزع فأحسن النزوع.وعلى أية حال فكثرة الحلف شيء منهي عنه في الإسلام الذي حث على حفظ الأيمان فقال تعالى: (واحفظوا أيمانكم) واستثنى من ذلك لغو اليمين فقال: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان).وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب» رواه البخاري ومسلم. والحديث موصول إن شاء الله

1298

| 16 يوليو 2015

خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي
خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي

نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...

5811

| 23 سبتمبر 2026

من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!
من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!

جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...

3105

| 24 سبتمبر 2026

إيرلندا المسلمة
إيرلندا المسلمة

هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها...

2988

| 29 سبتمبر 2026

الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام
الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام

ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...

2229

| 23 سبتمبر 2026

الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟
الخبير والاستشاري مسمى للتكريم أم خبرة للاستفادة؟

تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...

1068

| 28 سبتمبر 2026

حين تصنع الأرقام رواية أخرى
حين تصنع الأرقام رواية أخرى

أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...

1050

| 27 سبتمبر 2026

من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟
من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟

بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء...

879

| 29 سبتمبر 2026

شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب
شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب

كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...

750

| 23 سبتمبر 2026

لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء
لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء

-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...

636

| 27 سبتمبر 2026

مجلس التقاعد الجديد
مجلس التقاعد الجديد

جاء قرار معالي رئيس مجلس الوزراء الموقر بإعادة...

594

| 29 سبتمبر 2026

بركة المعلّم حاضرة في أبنائه
بركة المعلّم حاضرة في أبنائه

يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...

483

| 25 سبتمبر 2026

النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية
النظرة إلى المال بين القارونية والسليمانية

لقد فطر الله تعالى عباده على حب المال،...

453

| 27 سبتمبر 2026

أخبار محلية