رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ أسابيع، تتعرض مدينة غزة لحملة قصف هي الأعنف والأكثر دموية في تاريخها الحديث، هجوم جوي وبري متزامن تقوده آلة عسكرية صهيونية فاشية لا تعرف سوى الإبادة وسحق الإنسان والحجر. كثافة النيران التي تنهمر على المدينة لا تهدف إلا لاحتلالها وطرد أهلها، لتتضاعف معاناة الفلسطينيين فوق ما ورثوه جيلاً بعد جيل من قهر ونزوح ولجوء، وكأن قدر الفلسطيني أن يورّث أبناءه قبل رحيله لا بيتاً ولا مالاً، بل مأساة لا يفهمها إلا من ذاق مرارة الاقتلاع من أرضه، وحُمل قسراً على ترك وطن أجداده. ورغم تقارب الكلمات وتشابهها في ظاهرها: تهجير، نزوح ولجوء؛ إلا أن كل واحدة منها مشحونة بألم يثقل الروح قبل الجسد، وجع ممتزج بالقهر، وجرح لا يندمل، تلك ليست مصطلحات لغوية لفرد عضلاتي في معرفتها، بل تجارب وجودية محفورة في الذاكرة الجمعية للفلسطيني، تجارب لا يفقه معناها العميق إلا من عاش لحظة الانكسار الأولى وهو يغادر بيته بلا عودة، أو من ودّع مسقط رأسه ليُلقى به خارج جغرافيا وطنه خدمة لوهم توراتي بلا أصل ولا جذور. الجيش الأكثر فاشية في العالم أعاد إنتاج سياسة باتت قاعدة لا استثناء.. دقائق معدودة يمنحها لسكان المباني كي يفرّوا بأجسادهم قبل أن تتحول بيوتهم إلى ركام، يخرجون مجردين من كل ممتلكاتهم وحياتهم، لا يحملون سوى ذكريات قبل هذه الحرب غير المتكافئة، وأوراقهم الثبوتية والتي يعرفون أنها قد تكون آخر ما يشهد على هويتهم لحظة استشهادهم، بعدما صار الموت مصيراً لا مهرب منه، مشهد يتكرر بلا انقطاع، حتى بات جزءاً من ذاكرة الفلسطيني اليومية، ذاكرة مثقلة بصور الدمار، وصراخ الأطفال، وأشلاء الشهداء، ورائحة الموت التي تلف المكان. الأرقام وحدها تكفي لتكشف حجم الجريمة، فبحسب إحصائيات، تم خلال الأسبوع الماضي تدمير 14 برجاً سكنياً و120 بناية بشكل كلي، إضافة إلى 500 بناية أخرى تضررت جزئياً، فضلاً عن تسوية 600 خيمة بالأرض، ما تسبب بفقدان أكثر من 53 ألف إنسان لمأواهم، ولم تسلم مراكز الإيواء التي احتمى بها النازحون، لتصبح هي الأخرى أهدافاً عسكرية، وكأن الاحتلال لا يريد أن يترك للفلسطيني مكاناً آمناً يلجأ إليه، ما يؤكد تكالب القوى العظمى على غزة بل على فلسطين كلها. ولم يكتف الاحتلال بتهجير الناس وتدمير بيوتهم، بل عمد إلى إغلاق منفذ زيكيم –المنفذ الأخير- الذي خُصص في يونيو الماضي لإدخال المساعدات الإنسانية إلى شمال القطاع، في خطوة مكشوفة لتسريع وتيرة التجويع وتحويل الجوع إلى سلاح جماعي يوازي ذلك استهداف ممنهج للمستشفيات ومراكز العلاج، في مشهد لم يعد يعني شيئاً للمجتمع الدولي ولا للقوانين التي طالما تباهت بحماية الإنسان، فإذا بها تكشف عن زيفها وصِغَرها أمام قانون الغاب الذي بات النهج السائد، والممهور بتوقيع حكومة المعتل نفسياً بنيامين نتنياهو وحلفائه في اليمين المتطرف، الحاصلين على الضوء الأخضر من إدارة ترامب التي لا تجيد سوى الانصياع لمطالب المدللة إسرائيل. المأساة لا تقف عند القصف والتهجير والتجويع، فخلال كتابتي هذه الأسطر أعلن الجيش الأكثر فاشية على مرِّ التاريخ أن العمليات الميدانية في مدينة غزة تشهد توسعاً عسكرياً ممنهجاً؛ إذ بدأت فرقتان عسكريتان إسرائيليتان بالفعل المرحلة الثانية من اجتياح مدينة غزة، فيما تستعد فرقة ثالثة للالتحاق بهما، في مشهد يعكس قراراً استراتيجياً بالتصعيد حتى أقصى درجاته، والهدف لم يعد سراً بل معلنا وواضحا غايته تهجير أهل غزة قسرا من مدينتهم، ليُمحى وجودهم وذكرياتهم تحت جنازير الدبابات وصواريخ الطائرات. ولا ننسى ما جرى يوم الثلاثاء الماضي من استهداف جبان وغادر لدولة الوساطة قطر، فما حدث لم يكن خارج السياق، فاستهداف الوفد المفاوض لحركة المقاومة الإسلامية حماس على الأراضي القطرية جاء في إطار خطة إسرائيلية مدروسة لكسب مزيد من الوقت وتحقيق أهداف استراتيجية توسعية، سواء في الضفة الغربية أو في غزة، فالقصف الغادر لدولة التفاوض كان إشارة متعمدة إلى أن الاحتلال مستعد لنسف أي مسار تفاوضي إذا كان سيحد من شهيته الاستيطانية والحربية، هنا تتكشف حقيقة الموقف فالأسرى الإسرائيليون أنفسهم ليسوا أولوية بالنسبة لبنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، بل ورقة يستخدمها لتسويق بقائه السياسي وإخماد نار أهالي الأسرى المستعرة واتهامهم إياه بالتخاذل وعدم الاكتراث لأسراهم الذين سيصفون واحداً تلو الآخر إما جوعاً أو قصفاً ولربما كمداً على أنَّ ما أوصل الأسير إلى هذه الحالة هو اعتقاده بأن حكومته ستقف خلفه لكن لا يعلم أن حكومته تستخدمه كورقة لتحقيق مصالحها ومصالح أمريكا. بهذا المعنى، يصبح العدوان على غزة والضفة واستهداف الوسطاء جزءاً من نهج واحد.. نهج يقوم على الإبقاء على حالة الحرب مفتوحة، واستثمار الدم الفلسطيني وقضية الأسرى لخدمة مشروع توسعي لا صلة له بالأمن ولا بخديعة السلام، بل لإبقاء المنطقة رهينة لرغبات شخص معتَل نفسياً، محاطاً بحكومة متطرفة أعطاها ترامب ضوءاً أخضر للبطش بلا حدود. ختاماً.. في مواجهة هذا الجنون الحربي، يبقى الفلسطيني مشدوداً إلى بيته وشارعه وأرضه، يرفض فكرة النزوح، متمسكاً بجذوره التي لم تنكسر رغم سبعة عقود من محاولات الاقتلاع، وبينما تحاول آلة الاحتلال أن تجعل من القهر قدراً أبدياً، يكتب الغزيون بدمائهم فصلاً جديداً من ملحمة البقاء، يثبتون فيه أن الهوية لا تُمحى وأن الأرض لا تُورّث لغير أهلها.
399
| 17 سبتمبر 2025
في خطوة تنم عن «عته» سياسي، استهدفت إسرائيل مقر حركة حماس في الدوحة، أمس، محاولة اغتيال عدد من قادة الحركة السياسيين، هذا الهجوم ليس مجرد استهداف عابر، بل اعتداء صارخ على دولة ذات سيادة، تلعب دوراً محورياً في الوساطة الإقليمية، وعلى خط مباشر في إدارة الملف التفاوضي لإنهاء الحرب الإسرائيلية الفلسطينية الحالية، بما في ذلك جهود الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين والإسرائيليين خلال الهدن السابقة، قطر لطالما أثبتت قدرتها على إدارة ملفات حساسة تتطلب دقة وحكمة، متجنبة الانحياز، محققة المعادلة الصعبة في الحفاظ على التوازن في إدارة مسار المفاوضات رغم حساسيته، مبقية قنوات التفاوض مفتوحة بين الأطراف المختلفة، ما يجعل استهداف أراضيها انتهاكا واضحا للسيادة الوطنية وتحديا صريحا للقوانين الدولية، وبالأخص البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز لمجلس الأمن اتخاذ إجراءات ضد أي تهديد للسلم والأمن الدوليين بما في ذلك استخدام القوة العسكرية، فاستهداف مقر حركة حماس والوفد الفلسطيني المفاوض على الأراضي القطرية رغم فشله، أضعف الموقف الإسرائيلي وأدى إلى زيادة عزلة الكيان على الصعيدين الإقليمي والدولي إلا من بعض الدول المنحازة للباطل على مختلف أوجهه. العملية التي أُطلق عليها اسم «قمة النار»، نفذتها القوات الإسرائيلية في وقت حساس، إذ كانت قيادة حماس بصدد دراسة مقترح هدنة أمريكي في غزة، فاستهداف قادة الحركة المشاركين في مفاوضات الإفراج عن الأسرى يطرح تساؤلات حول نية إسرائيل الحقيقية في تقويض جهود الوساطة، فهذه العملية عززت من الانقسامات الداخلية في الأوساط الإسرائيلية فمنها من رأى أن العملية خطوة ضرورية لإرسال رسالة سياسية، إلا أن آخرين أبدوا مخاوف من أن توقيتها قد يعقد جهود السلام ويزيد من عزلة إسرائيل دبلوماسيا، هذا الانقسام الداخلي يعكس توترًا في السياسة الإسرائيلية بين من يسعى للتصعيد ومن يحذر من العواقب، ويتضح من تصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين الذين باركوا العملية في بدايتها وتراجعوا بشكل غير مباشر من خلال الإشارة إلى أن الهجوم لم يأتِ بعد دراسة شاملة للآثار الإقليمية والدولية، بل يعكس عقلية قيادة تميل إلى اتخاذ خطوات متهورة لتحقيق أهداف آنية، متجاوزة كل الاعتبارات القانونية والدبلوماسية. وما يجعل الهجوم على قطر مختلفا وخطيرا هو أنه استهدف دولة وسيطا في ملف غاية في الحساسية، هذا الاستهداف يشير إلى استراتيجية إسرائيلية تستخدم الاغتيالات والتصعيد العسكري نهجاً عندما يضيق الخناق عليها، وتتسرب كل السبل الدبلوماسية من بين أيديها، كما ظهر في اغتيال صالح العاروري في لبنان واستهداف إسماعيل هنية في إيران. إن قطر التي لطالما تبنّت نهجا دبلوماسيا متزنا، لم تكن يوما طرفا في النزاعات، بل جسدت نموذجا فريدا في الوساطة النزيهة، واضعة مصلحة الشعوب فوق الحسابات السياسية الضيقة، هذا الاعتداء الغاشم لا يستهدف أرضا ذات سيادة فقط، بل يهدد منظومة الوساطة الدولية برمتها، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن من يسعى للسلام قد يدفع الثمن، إن الرد الدولي يجب أن يتجاوز بيانات الشجب، ليصل إلى إجراءات عملية تضمن حماية الدول التي تؤدي أدوارا إنسانية وسياسية محورية، وتردع كل من يحاول تقويض جهود السلام عبر العنف والاغتيال، فيجب أن يكون ردا صارما وحازما لردع هذا العدوان السافر وضمان احترام سيادة الدول، وحماية قطر وسيادتها لمكانتها الدولية، ودورها المحوري في الوساطة وإدارة الأزمات الإنسانية والدبلوماسية، فإن عدم اتخاذ إجراءات فعالة سيجعل مثل هذه الأعمال السافرة قاعدة مهددة للأمن الإقليمي واستقرار جهود السلام، فالاصطفاف إلى جانب الحق السيادي لدولة قطر لابد أن يتجاوز الإدانات والشجب والبيانات لفعل يضمن حقها وحق من بعدها من الدول التي قد تكون طرفا من أطراف السلام لا النزاع. ختاما رغم ما تدفعه دولة قطر من أثمان بسبب دورها كوسيط، إلا أنها لن تُقايض على سيادتها ولن تتوانى عن دورها الإنساني والدبلوماسي، وإن استهداف أراضيها لا يُضعف من عزيمتها، بل يعزز من مسؤوليتها الأخلاقية في مواصلة جهود الوساطة رغم التهديدات، وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن السكوت عن هذا العدوان يُعد تواطؤًا ضمنيا وأن حماية الدول التي تسعى للسلام هو واجب لا خيار، قطر التي اختيرت كوسيط، تستحق الدعم الكامل، لا الإدانة الرمزية الجوفاء، بل خطوات عملية تردع كل من يظن أن لغة القوة يمكن أن تُسكت صوت العقل والعدالة.
402
| 10 سبتمبر 2025
«بدي يا ماما ما تنساني، أنا كنت أعمل كل شي لتنبسط»... هذه الكلمات التي تبقت لـ»غيث»،ابن الصحفية والمصورة المستقلة مريم أبو دقة، لم تكن مجرد رسالة عابرة، بل تحولت إلى وصية أخيرة، نُقشت في ذاكرة وطن بأكمله قبل أن تحفر في ذاكرة وحيدها «غيث»، سقطت مريم أبو دقة شهيدة وهي تؤدي رسالتها، توثيقًا وتدوينًا، بعد استهدافها و21 آخرين، من بينهم خمسة صحفيين، في غارة إسرائيلية مزدوجة على مستشفى ناصر في خان يونس مساء الإثنين بالاستناد إلى مكتب الإعلام الحكومي في قطاع غزة، سقطت وهي ممسكة ومتمسكة بكاميرتها لتتحول العدسة التي وثقت وجع غزة إلى شاهد على دمها الذي أُريق في محراب «صاحبة الجلالة». لم تكن غيبتها حادثًا عابرًا، بل جزءًا من حرب شاملة يخوضها الاحتلال ضد الحقيقة ذاتها، فمنذ أكتوبر 2023، ارتقى نحو 245 صحفيًا وصحفية برصاص وقصف الجيش الأكثر دموية، لحكومة أقل من أن توصف بـ»الصهيونازية»، في أكبر حصيلة لضحايا الصحفيين في حرب واحدة في التاريخ الحديث، لم يعد الهدف المقاتلين، ولا حتى المدنيين وحدهم، بل كل عين ترى، وكل قلم يكتب، وكل عدسة تصر على تسجيل ما يُراد دفنه. لم تكن مريم أبو دقة تدرك أن جملة قصيرة كتبتها على هاتفها ستصبح أثرها الأخير، وأن كلماتها لابنها ووحيدها «غيث» ستبقى ما تبقى منها بعد رحيلها، كانت كلمات أم لابنها، لكنها تحولت بعد استشهادها إلى شهادة على زمن يفرض على الفلسطيني أن يترك أثرًا قبل أن يُمحى، وأن تكون وصيته هي إرث أبنائه وأبناء شعبه من بعده، لأنهم موتى على أية حال، ولأن الوصية وحدها تحفظ أصل الرواية وعمق الحكاية. كانت تعلم مريم أبو دقة أن الصورة أخطر على الاحتلال من الرصاصة، لذلك ظلت في الميدان ولم تغادره لأنها تعلم بأنَّ تدوينها يصنع الفرق في دحض السردية الصهيونازية، فبعدستها كانت تلتقط وجوه الأمهات الثكلى، وابتسامات الأطفال رغم الجوع والتجويع، وتوصل بها تفاني الأطباء الذين يواصلون الليل بالنهار بأجساد منهكة وأدوات باتت بدائية، كانت تدرك أنها لا تلتقط صورًا عابرة، بل تحفظ للذاكرة ما يحاول الاحتلال طمسه، ولذلك استهدفها، كما استهدف زملاءها من قبل: شيرين أبو عاقلة، فاطمة حسونة، محمد قريقع، أنس الشريف، وغيرهم كثيرون ممن تحولت دماؤهم إلى مداد جديد يكتب رواية فلسطين. قبل أسبوعين فقط، ارتكب الاحتلال مجزرة جديدة بحق الصحفيين، حين استهدف خيمة إعلامية قرب مجمع الشفاء الطبي في غزة، ما أدى إلى اغتيال أنس الشريف ومحمد قريقع وأربعة صحفيين آخرين، في قصف مباشر ومتعمد، وصفته منظمات حقوقية بأنه جريمة موثقة ومقصودة تهدف إلى إسكات الصوت الحر وطمس الحقيقة. لم يكن استشهاد مريم أبو دقة بعيدًا عن تصريحات بنيامين نتنياهو الأخيرة، حين أقر بأن إسرائيل خسرت الرواية، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه سيحاول تمرير روايتهم للعالم، وما يجري اليوم ليس إلا ترجمة دموية لهذه الكلمات؛ وسلوك ممنهج من جيش نازي يسعى لطمس مداد قلم الحقيقة ببحر من الدماء، ولإغراق الحقيقة تحت أطنان من المتفجرات، ظنا منه أن الكاميرا يمكن أن تُدفن مع صاحبها، وأن الكلمة يمكن أن تُمحى إذا أُسكتت الحناجر. لكن دم مريم أبو دقة، مثل دماء 244 من زملائها، يصر على أن يكتب ما عجزت الكلمات عن قوله، وصيتها لابنها ووحيدها «غيث» لم تعد رسالة شخصية، بل صارت وصية لأمةٍ كاملة، شهادة أن الفلسطيني لا يرحل صامتًا، بل يترك أثرًا أكبر من حضوره، والحقيقة في غزة لا تولد من صالات التحرير، بل من رحم التضحيات، من الجسد الذي يُستشهد وهو يحمل كاميرا أو ميكروفوناً أو قلما يدون الإبادة لتاريخ عساه يكون أكثر إنصافا من حاضراً ظالماً. المنظمات الدولية، وعلى رأسها «مراسلون بلا حدود» و»اللجنة الدولية لحماية الصحفيين»، أدانت هذه الجرائم المتكررة، ووصفتها بأنها استهداف ممنهج للصحافة المستقلة، وانتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني،كما حذرت الأمم المتحدة من أن قتل الصحفيين في غزة بلغ مستويات غير مسبوقة، مؤكدة أن القتل المتعمد للصحفيين جريمة حرب، وأن العالم يقف أمام لحظة انكسار خطيرة، حيث تُغتال الحقيقة على مرأى من الجميع دون عقاب. رحلت مريم أبو دقة، لكن عدستها بقيت مفتوحة، وصوتها بقي ممتداً، وصورتها بقيت تفضح العالم الجبان، ووصيتها لابنها ووحيدها باتت وثيقة وطنية، لقد خسرت إسرائيل الرواية فعلًا، أمام مريم أبو دقة وأمثالها من الصحفيين والصحفيات الذين كتبوا بدمهم ما لا تمحوه آلة حرب ولا بيانات كاذبة، وأثبتوا أن الحقيقة لا تُغتال، بل تُورَّث، وأن غزة ستبقى تكتب حاضرها وتورث غدها مهما تكالب المتخاذلون عليها، وسعى المجرمون لمحوها وطمس الحقيقة بدفنها مع شهودها وشهدائها.
552
| 27 أغسطس 2025
كان يُوصف بأنه سلة غذاء العالم، لكنه بات اليوم في قبضة المجاعة. نعم، حديثنا عن السودان... بلدٌ كانت حقوله تفيض بالحبوب، ومراعيه تزخر بالماشية، أصبح الآن أرضاً يطحنها الجوع، بعد أن دمّرت الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 كل مقومات الحياة، ومنذ يناير الماضي، تحوّلت المجاعة من مجرد تحذيرات في تقارير أممية إلى حقيقة دامغة، إذ يواجه نحو نصف سكان البلاد خطر الموت جوعاً، حيث تشير الأرقام الأخيرة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ومنظمة الأغذية والزراعة في أغسطس 2025 إلى كارثة غير مسبوقة نحو 24.6 مليون سوداني يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بينهم 638 ألفاً في المرحلة الخامسة من التصنيف الأممي، أي المجاعة الكاملة، بينما يعيش أكثر من ثمانية ملايين في حالة طارئة، وخمسة عشر مليونًا آخرين في مستوى الأزمة، هذه ليست مجرد إحصاءات، بل أرواح محاصرة بين مطرقة الحرب وسندان المجاعة. ..وعلى الرغم من نفي مفوضية العون الإنساني في السودان وجود مجاعة في معسكر زمزم للنازحين في شمال دارفور معللة سبب نقص الغذاء الذي تعاني منه بعض المعسكرات هو الحصار الذي تفرضه ميليشيا الدعم السريع، أعلنت تقارير للأمم المتحدة موت طفل كل ساعتين نتيجة سوء التغذية الحاد في مخيم زمزم شمال دارفور، لافتا –التقرير- إلى أنَّ الكارثة تنهش أجساد الأطفال وتقتات على ضعف النساء والفتيات، حيث تشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن النساء والفتيات يواجهن أوضاعاً أشد قسوة، حيث ارتفعت نسبة الأسر التي ترأسها نساء وتعاني من الجوع من 14% العام الماضي إلى 26% هذا العام، كما أن 64% من هذه الأسر تعيش مستويات شديدة من انعدام الأمن الغذائي مقارنة بـ48% فقط من الأسر التي يرأسها رجال. هذا يعني أن الأمهات الحوامل والمرضعات والنساء المعيلات يتحملن العبء الأكبر، وبعضهن يفقدن حياتهن أثناء الحمل أو الولادة لغياب الغذاء والرعاية الصحية، بينما الفتيات يعانين سوء تغذية الذي يهدد نموهن وصحتهن الإنجابية في المستقبل، فالتجويع بات شبحا يطل برأسه على متضرري الحروب والنزاعات. * الحصار المفروض على مدينة الفاشر -في ولاية شمال دارفور - يقدم صورة أوضح عن توظيف التجويع كسلاح، المدينة تخضع منذ أكثر من عام لحصار خانق من قوات الدعم السريع، ما جعلها شبه معزولة عن الإمدادات، الأسواق خالية من أي مواد غذائية، والمستشفيات غير قادرة على استقبال مزيد من الحالات، والناس يعتمدون على أوراق الأشجار أو حفنات من الذرة يقتسمونها بين العائلات، ورغم تحذيرات برنامج الأغذية العالمي منذ أكثر من شهر من إحتمالية وفاة جماعية وشيكة في الفاشر إذا لم تُفتح ممرات إنسانية فوراً، لكن لا أذن سمعت ولا عين رأت!، فإلى جانب الجوع، تتفشى الأوبئة في بلد منهار تماما، إذ أكدت منظمة الصحة العالمية تسجيل أكثر من 102 ألف إصابة بالكوليرا و2600 وفاة مرتبطة بها في أغسطس فقط، فالرقم صادم إلا أنه يعكس البيئة التي يعيش فيها ملايين النازحين، ومع تدهور القطاع الصحي الذي يفتقر للأدوية والمعدات، يتحول المرض إلى مكمل لمشهد التجويع، فيصبح الموت مضاعفاً. الحرب تسببت أيضا في نزوح جماعي هو الأكبر في العالم اليوم، حيث أكثر من 12 مليون سوداني نزحوا داخليا، و3.5 مليون عبروا الحدود كلاجئين، هذه الأعداد المهولة لم تقابلها استجابة إنسانية بالمستوى المطلوب، برنامج الأغذية العالمي أعلن حاجته إلى 645 مليون دولار لتأمين عملياته حتى نوفمبر المقبل، لكن التمويل لا يزال شحيحا، فيما قُتل أكثر من 84 موظف إغاثة منذ بدء الحرب، ما جعل العمل الإنساني في السودان من الأخطر عالمياً. وأرى أنَّ ما يحدث في السودان لا ينفصل عما يجري في غزة، في كلا الحالتين، يُستخدم التجويع كسلاح حرب، في السودان هو نتيجة مباشرة لصراع دموي دمّر الزراعة وأوقف الإمدادات، وفي غزة هو سياسة ممنهجة يفرضها الاحتلال الإسرائيلي بهدف كسر إرادة السكان، في الحالتين، المدنيون هم الضحية، والنساء والأطفال أول من يدفع الثمن. المشهد واحد أرواح تنهار تحت وطأة التجويع، ومجتمع دولي يتفرج ويكتفي ببيانات القلق وخطابات الشجب. ختاماً المجاعة في السودان ليست مجرد أمرٍ عارض، بل فضيحة إنسانية. فهل يُعقل أن تموتَ شعوبُ دولةٍ كانت تُسمّى بسلة غذاء العالم جوعاً؟! أين الضمير العالمي الذي يؤمن بحقوق الإنسان والحيوان؟ أليسوا بشراً؟ ألا يحقّ لهم أن ينعموا بالعيش الكريم كأبناء الشعوب التي تدّعي المدنية؟ كيف يسمح العالم بحدوث مأساة كهذه في القرن الحادي والعشرين؟ ولماذا لا تجد هذه الكوارث طريقاً إلا إلى دولنا، بينما يتمتع الغرب بحصانةٍ أبدية؟
447
| 20 أغسطس 2025
لم يكن صباح الحادي عشر من أغسطس كباقي الصباحات على غزة، فقد اجتمعنا جميعاً على مائدة الحزن، خبران أثقل من أن تحتملهما قلوبنا النازفة على غزة وشعبها الصامد الأبي، كنت أتهيأ لكتابة مقال عن «بيليه فلسطين»، سليمان العبيد، أسطورة كرة القدم الفلسطينية، الذي رحل مجوعاً، خائفاً، منهكاً من الحصار، كنت أبحث في أرشيف أهدافه، وأمنياته التي تضاءلت حتى باتت بكسرة خبز تخمد جوع أطفاله الخمسة، وحياته التي سُرقت على عجل، لأجد بين يدي صورة أخرى من صور الموت التي لا تنتهي باغتيال الصحفيين أنس الشريف ومحمد قريقع، بغارة لطائرات الاحتلال استهدفتهما وآخرين في آخر ساعة من العاشر من أغسطس. سقط الخبر كالصاعقة، اختلطت أوراقي، تبعثرت كلماتي، وتجمد عقلي لدقيقة غير قادر على احتمال توالي الفواجع التي باتت غزة وحدها مصدرها، ولم يقف الأمر عند الاغتيال، بل اغتيال مع سبق الإصرار والترصد، بعد أن أقرَّ جيش الكيان المحتل بفعلته الشنعاء، دون خجل، بل أعلنها بكل تبجح؛ فمن أَمِن العقوبة أمعن في القتل، فتغيرت وجهتي، ليس لعدم أهمية الشهيد سليمان العبيد، بل لبحث الهدف من وراء استهداف الصحفيين والمصورين، الذي بات أمراً اعتيادياً لمن يدّعي زوراً أنه الجيش الأكثر أخلاقية لـ»دولة» تدعي أنها الأكثر ديمقراطية! فصوت الحق بات هدفاً مشروعاً، والميكروفون صار سلاحاً يتوجس منه المحتل أكثر من أي بندقية، فمن سيواسي غزة يا «أنس»؟ ومن سينقل جراحها للعالم يا «محمد»؟ ومن سيكفكف دموعنا على فراقكما؟، فصوتكما وصوت زملائكما الذين سبقوكم إلى جنات الخلد غيّر وجه العالم، وأدحض السردية الصهيونية التي خصصت ملايين الدولارات لشيطنة غزة ومقاوميها في الخارج. منذ عام 1948، يدرك الاحتلال أن السيطرة على الأرض لا تكفي ما لم ترافقها السيطرة على الحكاية، لهذا، كانت الكلمة والصورة في نظره أخطر من الرصاص، توثق سجلات لجنة حماية الصحفيين (CPJ) ومؤسسات حقوقية دولية مقتل العشرات من الصحفيين الفلسطينيين والعرب والأجانب على يد الجيش الإسرائيلي، بعضهم اغتيل في وضح النهار أمام الكاميرات، منذ عقود النكبة والنكسة وحتى الانتفاضات وحروب غزة، وفيما كانت الأرقام قبل عقدين تُحصى بالعشرات، جاءت حرب الإبادة على غزة منذ أكتوبر 2023 لتفتح باباً غير مسبوق في وحشيته، فبالاستناد إلى المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن عدد الصحفيين الذين قتلتهم إسرائيل منذ بدء حربها على القطاع في 7 أكتوبر 2023 وحتى 11 أغسطس 2025 بلغ 238 صحفياً وصحفية، ويُعد هذا الرقم الأعلى عالميا في عدد الصحفيين الذين قُتلوا خلال فترة زمنية قصيرة، ما يجعل غزة أخطر مكان للعمل الصحفي في العالم خلال العامين الماضيين، ومنذ عام 1992، تُعد هذه الحصيلة الأكثر دموية في تاريخ الصحافة الحديث. هذه ليست المرة الأولى التي يحاولون فيها إخماد الكلمة، فمنذ اغتيال رسام الكاريكاتير ناجي العلي عام 1987، مروراً باغتيال العشرات من الصحفيين والمصورين، لم تنجح آلة القتل في أن تكسر إرادة الإعلام الشريف لمحو الذاكرة، بل على العكس، كل دم يُسفك على تراب المهنة يتحول إلى شاهد جديد، وإلى مادة جديدة تفضح الاحتلال وتكشف زيف ادعاءاته، لكن، هل تكفي الأرقام لنفهم الفاجعة؟ الأرقام توثق، لكنها لا تحكي وجع الأمهات اللواتي يسلّمن أبناءهن للتراب، ولا تصف صحفي بح صوته علَّ العالم «المتحضر» أن يتحرك، ولا توصل معنى الخوف حين يكون الهدف على بعد أمتار، أنس الشريف ومحمد قريقع لم يكونا مجرد مراسلين حربيين لنقل الصورة، بل كانا شاهدين على حرب غير متكافئة، وكانا جزءاً من ذاكرة جماعية تبني وجهاً آخر لفلسطين، بعيداً عن رواية المحتل. رغم الحُلكة التي تحيط بحادثة اغتيال أنس الشريف ورفاقه إلا أنها قبس من نور يسلَّط على الحق، ففي كل اغتيال للصحفيين فضح للرواية الإسرائيلية أكثر مما يحميها، فحين تستهدف صحفياً أو مصوراً صحفياً، من سيصدق روايتك بأنهم منضمون إلى تنظيم مسلح؟ باستهدافك لهم، فأنت تأتي بدليل إدانتك لتثبت للعالم أنك تخشى الكلمة أكثر من الرصاصة، وما يساويه في الخطورة هو الصمت الدولي، والدعم السياسي والعسكري السخي الذي تمنحه الولايات المتحدة لإسرائيل، رغم وضوح الانتهاكات وعلنيتها، هذا الدعم لا يمنح إسرائيل القدرة على الإفلات من العقاب فقط، بل يشجعها على المضي أبعد في وحشيتها. إن ما يجري منذ عامين في غزة هو حملة لإسكات صوت الحقيقة وتغييب الصورة، فالقتل المتعمد للصحفيين، ترافقه حرب على المنصات الرقمية، وحظر للصور، وتقييد وصول المراسلين الأجانب، ومع كل ذلك، تظهر الحقيقة، وينكشف الجاني. ختاماً... سألت نفسي ما عزائي في ظل هذه الفواجع؟ لأُجيبها بأنَّ الاستمرار في الكتابة هو عزاؤنا كصحفيين، فهو شكل من أشكال الصمود، وأن كل كلمة تخرج من غزة أو عنها، هي خيط في نسيج المقاومة الذي لم تتمكن إسرائيل من تمزيقه، ولن تتمكن من كسر إرادة الصحفيين، رغم أن كلفة الكلمة قد تكون حياتهم.
636
| 13 أغسطس 2025
بينما تُدفن غزة تحت الركام، وتُحاصر بلقمة العيش والماء، تتحرك آلة الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية ببطء وثبات، تُوسّع مستوطناتها، تُهجّر سكانها، وتُعيد رسم الخارطة الديموغرافية بما يخدم مشروع إسرائيل الكبرى، إنها جريمة مركبة، وجهها الأول مجازر ومجاعة في غزة، ووجهها الثاني تهويد وصمت خبيث في الضفة. تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في مارس 2025 أكد أن الاحتلال الإسرائيلي صعّد عمليات الاستيطان بشكل غير مسبوق، إذ شرع ببناء أكثر من 10.300 وحدة سكنية جديدة داخل مستوطنات قائمة، وأنشأ 49 بؤرة استيطانية في الضفة والقدس الشرقية خلال عام واحد، وهو الرقم الأعلى منذ بدء التوثيق الأممي في القدس فقط، خُطط لبناء 20,000 وحدة استيطانية جديدة، بينما هُدمت 214 منشأة فلسطينية في عام واحد، من دون تصاريح أو بدعوى «البناء غير القانوني» في المقابل، مُنع الفلسطينيون من البناء حتى في أراضيهم الخاصة، فُرضت قيود مشددة على التوسع العمراني، وصودرت الأراضي بحجج أمنية أو بمراسيم عسكرية، ما دفع العائلات الفلسطينية للعيش في مساكن أشبه بعلب السردين، محاطة بجدران ومستوطنات، لا ترى فيها الشمس ولا تتنفس فيها الحياة. منذ أكتوبر 2023 وحتى مايو 2025، تم تهجير 1.222 فلسطينياً قسراً من 19 تجمعاً رعويا بسبب عنف المستوطنين، بينما قُتل 9 فلسطينيين برصاص المستوطنين، و396 آخرون برصاص الجيش الإسرائيلي، وتؤكد الأمم المتحدة أن هذه الممارسات ترقى إلى جرائم حرب، حيث إن نقل السكان المدنيين، وهدم المنازل، ومنع تصاريح البناء، كلها انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني. الأخطر أن التقرير الأممي يحذر من أن الخط الفاصل بين إجرام المستوطنين وعنف المحتل قد تلاشى، لدرجة أن بعض المستوطنين أصبحوا يتلقون الحماية والمساندة اللوجستية من الجيش الإسرائيلي نفسه. أحد أكثر الأحداث دموية في هذا السياق وقع في كفر مالك قبل أيام، حين هاجم أكثر من 100 مستوطن القرية، وأضرموا النار في منازل ومركبات الفلسطينيين، وسط غياب تام للحماية، أسفر الهجوم عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين وإصابة آخرين، بينما اكتفى الجيش بالتدخل بعد وقوع المجزرة، ثم أفرج عن المستوطنين المتهمين، ما جرى في كفر مالك ليس استثناء، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من العنف الممنهج الذي يهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين. في قلب هذه الجريمة المركبة، يظهر بوضوح دور وزير الأمن القومي بن غفير ووزير المالية سموتريتش، وهما من رموز اليمين المتطرف الديني القومي، بن غفير الذي لا يُخفي تبنيه لأفكار مائير كاهانا –حاخام متطرف أسس لحركة كاخ اليمينية المتطرفة عام -1971، يصرّح علنًا بأن غزة «يجب أن تُمسح»، وأن تهجير سكانها «حل ضروري ونهائي»، أما سموتريتش، فقد أعلن من على منصة الكنيست أن «الفرصة التاريخية في غزة يجب أن تترافق مع حسم الوجود الفلسطيني في الضفة»، مؤكدًا أن الضفة «ليست منطقة نزاع بل أرض الآباء»، وأن على الدولة «فرض السيادة اليهودية الكاملة عليها». الخطاب المتطرف الذي يتبناه بن غفير وسموتريتش لم يعد مجرد تصريحات، بل تحول إلى سياسة فعلية على الأرض، فخطة وزارة المالية تنص بوضوح على ضخ مليارات الشواكل –عملة الاحتلال-لدعم بناء البؤر الاستيطانية وتوفير البنية التحتية لها، بينما تتلقى الجمعيات الاستيطانية تسهيلات قانونية وإعفاءات ضريبية، تُمنع عنها بالمقابل القرى الفلسطينية المهددة بالهدم، المشروع الاستيطاني اليوم لم يعد تمدداً، بل ابتلاعاً متسارعاً مدعوماً بالدولة وأذرعها القضائية والعسكرية. كل ذلك يحدث بينما تغيب السلطة الفلسطينية كلياً، لا تصدٍّ ميداني، لا تحرك سياسي، لا حماية قانونية، ولا حتى احتجاج فاعل في المحافل الدولية، الرئيس محمود عباس بدا منذ بدء الحرب على غزة وكأنه خارج السياق، يراوح في مربع الإدانات الجوفاء، بينما الأرض تُنهب، والناس تُطرد، والخرائط يعاد تخطيطها، حتى الأجهزة الأمنية للسلطة لا تتحرك لحماية الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين، بل في حالات كثيرة كانت شاهدة صامتة على عمليات الطرد والهدم، وبعضها سُجّل عليه تواطؤ ضمني خوفًا من الاصطدام مع الاحتلال أو خشية فقدان الامتيازات المالية التي تربطها بالتنسيق الأمني. المجتمع الدولي بدوره يمارس دور المتفرج، يكتفي بتقارير أممية لا تتبعها مساءلة، وإدانات لفظية لا تردع الفاعل، أما الولايات المتحدة، فهي تغض الطرف بالكامل عن ما يجري في الضفة، ما دامت تساند حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في غزة، هذا الصمت الدولي شجّع الاحتلال على تكثيف جريمته المزدوجة: إبادة غزة وقضم الضفة. ختاماً... الاحتلال يعرف تمامًا ما يفعل. يشعل غزة ويقضم الضفة على وقع عذابات الأولى، فالمجازر هناك تُغطي على جريمة التهجير هنا، والتجويع يُخدر الإدراك العالمي عن التطهير العرقي الذي يمضي بإيقاع بطيء هادئ في الضفة، حتى إن بعض النشطاء الإسرائيليين أنفسهم باتوا يحذرون من استخدام حرب غزة كـ»ستار دخاني» لفرض وقائع لا رجعة عنها في الضفة، تهدف إلى دفع المجتمع الدولي مستقبلًا للقبول بـ»ضم واقعي» للضفة، بعد أن يصبح السكان الفلسطينيون أقلية مطوقة ومهجرة.
324
| 06 أغسطس 2025
منذ العام 2010، لم تنجح أيٌّ من سفن تحالف أسطول الحرية في إيصال مساعدات مباشرة إلى شواطئ غزة، وعلى مدار 15 عامًا، ظلّ المصير واحدًا اعتراض من الجيش الإسرائيلي، استيلاء على السفينة، مصادرة للمحتويات، وترحيل للركّاب، وفي رواية أخرى قتل وتهديد من على متنها، ورغم هذا السيناريو المعروف سلفاً، لا تزال السفن تُبحر، ويصرّ النشطاء على تكرار المحاولة، كأنها المرة الأولى، وكأنهم لم يقرأوا النتيجة سلفًا. لكن، لفهم هذا الإصرار، لا يكفي الرجوع إلى حصار 2007، بل لا بد من استحضار الواقع الدموي اليومي الذي يعيشه قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اللحظة، ما يجري ليس مجرد حصار، بل إبادة متواصلة، يتخللها قصف لا يتوقف، وتجريف للأحياء، ومجازر موثقة ترتكب يوميا، ومع ذلك، فالأبشع مما يُقصف هو ما يُمنع من الدخول، 2.2 مليون إنسان فلسطيني محاصر، في ظروف كارثية لا تسمح بالحياة: لا طعام، لا ماء، لا دواء، يستشهد الغزيون تعطيشاً وتجويعا، لا مجازاً بل فعلياً، رضعٌ لم يُكملوا فطامهم، ونساء أنهكت أجسادهن على أعتاب أمل بات سراباً، وشيوخ كرام لفظوا أنفاسهم الأخيرة أمام تِكيات لا تقدم سوى النزر اليسير من الطعام بسبب إطباق الحصار على قطاع غزة منذ مارس 2025. حتى يوليو الجاري، وثّقت منظمات إنسانية مستقلة استشهاد ما لا يقل عن 147 فلسطينياً بسبب الجوع والعطش فقط، بينهم 24 طفلاً دون سن الخامسة، والأعداد تتزايد وسط شُحّ غير مسبوق في المواد الغذائية، وانهيار تام في القطاع الصحي، وانعدام أدوية أساسية من رفوف المستشفيات المهدّمة أصلاً يضاف إليه خذلان عربي مسلم يندى له الجبين. هذه الحقيقة هي ما يدفع السفن إلى الإبحار، رغم أن احتمالية بلوغها الهدف تكاد تكون معدومة، فالغرض لم يَعُد مقتصراً على إيصال حمولة من الطحين أو الدواء، بل أصبحت هذه السفن تمثل دعاية مضادة للسردية الصهيونية التي تروّج بأن الكيان المحتل لا يعيق وصول المساعدات، وأن حركة «حماس» هي من تستولي عليها، وهي رواية ثبت كذبها، إذ تؤكد شهادات الغزيين أن الاحتلال هو من يمنع وصول المساعدات، تحت ذرائع واهية هدفها تضليل المجتمع الدولي، من بين هذه الشهادات، ما رواه الطفل حمزة أبو سلطان بصوت يختلط فيه الألم بالعجز، قائلا « إنَّ شاحنات المساعدات تمر عبر مناطق خطرة تسيطر عليها عصابات مدعومة من الاحتلال، حيث يُنهب الطعام قبل أن يصل إلى الجائعين، وأضاف»عدت إلى إخوتي الصغار ببقايا طحين جمعتها من الأرض، ممزوجة بالتراب والشوائب، ولا يوجد ما يسد رمقنا.» رغم الادعاءات المتكررة بأن المساعدات الإنسانية تتدفق إلى غزة، تصف الأمم المتحدة ما يصل فعليًا إلى القطاع بأنه «قطرة في محيط الاحتياج». مئات الشاحنات تبقى عالقة أو تُخضع للفحص والابتزاز، في وقت يواجه فيه أكثر من مليوني إنسان مجاعة حقيقية. يُسمح بدخول كميات محدودة، ثم تُستثمر إعلاميًا كدليل زائف على «الجهود الإنسانية»، بينما في الواقع، يُترك الفلسطينيون ليواجهوا الموت جوعًا وعطشًا، ويسقط الشهيد تلو الشهيد، لا في ساحات القتال، بل على أبواب المخابز، وفي طوابير المياه، بانتظار كسرة خبز أو شربة ماء، كأنها آخر ما يمكن أن يحلم به الإنسان في هذا العالم المنكفئ على ضميره. في هذا السياق، تُبحر السفن لتكسر الصمت، ولتقول للعالم إن الحصار ليس إجراءً أمنيا كما يُروّج له الاحتلال، بل أداة إبادة جماعية تُستخدم ببطء، وبدم بارد، ضد سكان غزة. واستمرار هذا الحصار في ظل حرب شاملة لا يُعد فقط جريمة، بل جريمة مركبة وممنهجة. وعندما تعترض بحرية الاحتلال سفينة مدنية غير مسلحة، تقلّ ناشطين من 12 جنسية، كما حدث مع سفينة «حنظلة»، فإن الرسالة الرمزية تكون قد وصلت، الاحتلال لا يخشى السلاح، بل يخشى الحقيقة، ويخشى أن تُفضح روايته أمام العالم. ما جرى مع «حنظلة» في المياه الدولية، من اعتراض واحتجاز، يكشف زيف ادعاء الاحتلال بأنه «الجيش الأكثر أخلاقية»، ويحوّل السفينة إلى وثيقة حية على جريمة مستمرة منذ أكثر من 75 عامًا، يُقتل فيها الفلسطينيون بصمت، وتُدفن فيها الحقيقة تحت ركام الدعاية الصهيونية. صحيح أن هذه السفن لم تنجح منذ 2010 في كسر الحصار فعليًا، لكنها نجحت في ما هو أعمق: في كسر حاجز الصمت، وفي إبقاء غزة حاضرة في الوعي العالمي، التغطية الإعلامية، والمتابعة الشعبية، والضغط المتراكم، كلها تُبقي ملف الحصار مفتوحاً على مصراعيه، رغم محاولات الإعلام الغربي والعربي المتواطئ طمسه، وإعلاناً حيا بأن غزة لا تُنسى، وأن الضمير الإنساني لا يزال قادرا على التحرك، حتى وإن بدا صوته خافتا. ختاماً.. لم أجد ختاما يبلسم على إخوتنا في قطاع غزة وعلينا سوى قول الله تعالى «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» [سورة التوبة: 111].
438
| 30 يوليو 2025
لم يسلم جسد من الضمور، ولا مأوى من صدى البطون الخاوية، في قطاع غزة الذي يحاصره الاحتلال الإسرائيلي منذ نحو عشرين شهراً، والذي بات منذ مارس الماضي على حافة المجاعة الكاملة، تُستخدم لقمة العيش كسلاح قتل جماعي، في هذه الرقعة الصغيرة من العالم سترى صنوف الموت ألواناً، فلا يطلق الرصاص فحسب، ولا تهدم البيوت على رؤوس ساكنيها، ولا يجبر الأحياء منهم على التهجير القسري، بل يُمنع الرغيف، ويُمنع الماء، في سياسة قتل ممنهجة تنفذ كل ما يحلو لها تحت شعار» من أمِن العقوبة أساء الأدب». حاول الاحتلال رسم مشهد محكم بضرب البنية التحتية، قصف المستشفيات، استهداف مصادر المياه، التلاعب بآليات دخول الغذاء والدواء، والتشكيك الممنهج في أي جهة تحاول المساعدة. كانت خطة محكمة لتجويع الناس حتى الرضوخ، أو حتى الموت، فلا فارق لدى صانع القرار الإسرائيلي إن مات الفلسطيني جائعاً أو محترقاً أو مسحوقاً تحت أنقاض بيته، المهم أن تُفرغ غزة، أو تُركع، لكن هذا لم يحدث، الغزيون اختاروا البقاء والمقاومة، فقرر الاحتلال أن يسحقهم بلقمتهم. منذ بداية مارس 2025، لم يعد الاحتلال يكتفي بإغلاق المعابر، بل دفع بمنظمة جديدة تُدعى مؤسسة غزة الإنسانية لتتولّى توزيع المساعدات بطريقة عسكرية دموية، دون تنسيق مع الأونروا أو أي جهة دولية محايدة، بعد أن تعمد الكيان المحتل استهداف المخابز، الواحد تلو الآخر، وتجريف الأراضي الزراعية وقطع آخر أمل للفلسطيني المحاصر تحت جنازير الجرافات، كما استُهدف متطوعو الإغاثة، ومنهم فرق برنامج الأغذية العالمي، وناشطو منظمة «وورلد سنترال كيتشن»، وقُتل بعضهم بدم بارد على الطرقات، لا وجود فعليا لوكالات الإغاثة الآن، الأونروا، التي طالما كانت متنفساً للفلسطينيين، هاجمتها حكومة «النتن ياهو» بالتشكيك والتجريم، ودفعت لتجفيف منابع تمويلها تباعا بضغط من اللوبي الإسرائيلي في الغرب، حتى يصل الكيان إلى تنفيذ خطته والتي تنفذ على أرض الواقع الآن بعد أن فشلت قوته العسكرية المدعومة من الدول العظمى بدفع الفلسطينيين لاسيما الغزيين لترك أرضهم وتهجيرهم خارجها، ليلجأ كعادته إلى أبشع الممارسات في استخدام الطعام والشراب والعلاج كأسلحة للضغط على فصائل المقاومة للرضوخ لمطالبه، وإبادة سكان القطاع. ..ورغم ما نشاهده ونراه بأم أعيينا لحد فرك أعيننا تشكيكا بما نشاهد من مناظر لجثث باتت هياكل عظمية من شدة التجويع كجثة الشهيد محمد السوافيري الشاب الفلسطيني الذي استشهد الأحد وقد نحت الجوع جسمه، والطفل يوسف الصفدي الذي لم يتجاوز الأربعين يوما والذي استشهد صباح أمس الثلاثاء بين ذراعي والده بسبب سوء التغذية، لتعلن وزارة الصحة في غزة ارتفاع عدد شهداء التجويع إلى 22 شهيدا، وأمام هذه المشاهد التي يندى لها الجبين، نرى على الجانب الآخر من المعابر، مشاهد أقل مما توصف بالإرهابية لعدد من المستوطنين المتطرفين وهم يغلقون طرق القوافل القليلة المتجهة إلى غزة، فيلقون بأكياس الطحين على الأرض بعد تمزيقها، وقد يعتدون على السائقين، وهم يرددون «لا طعام لأعدائنا»، بحماية جيش كيانهم المحتل، ودون أن يتحرك المجتمع الدولي قيد أنملة، وكأن المواثيق والقوانين الدولية صيغت لحماية حدود أوروبا البيضاء!. في هذا السياق وفي ظل هذه الممارسات الوحشية، يغيب الصوت العربي، لا مؤتمرات قمة طارئة، ولا خطوط حمراء تُرسم، ولا حصار يُفك، بل كانت هناك دعوة من جامعة الدول العربية لعقد اجتماع –الثلاثاء- لبحث خطورة الأوضاع الإنسانية في قطاع غزةّ!، ولا نعلم ألا يكفيهم بحثا وتدارساً في ما يحدث في غزة؟!، فما يحدث في غزة لا يحتاج بحثا بل فعلاً فورياً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وحتى لا تكونوا خصوما لأهل غزة. أما في المحافل الغربية، فالمعادلة واضحة لو أن ما يحدث في غزة وقع في أي دولة أوروبية، لتسابق زعماء العالم لعقد مؤتمرات، وتفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يمثل الإطار القانوني الذي يجيز للأمم المتحدة اتخاذ إجراءات قسرية لحفظ السلام والأمن الدوليين في الحالات التي يقرر فيها مجلس الأمن أنها مهددة، لكن بما أن الضحايا هنا عرب ومسلمون، فلا غضاضة في صمت دولي تواطئي، ولا حرج في موت جماعي على الشاشات. ختاما.. الجوع، كما يعرف الجميع، لا يقتل دفعة واحدة، بل يفتك ببطء، ينهش الكرامة قبل الجسد، وهذه بالضبط الذي يريده المحتل كسر شوكة الغزي والتلذذ على آلامه، وما يمارس على أهل غزة جريمة إبادة عبر التجويع، تُدار سياسياً، وتُنفذ عسكرياً، ويُشرعنها صمت دولي قاتل. ما يحدث في غزة ليس فقط حصاراً، بل هو اختبار أخلاقي للعالم كله، اختبار للضمير، ولمنظمات الأمم المتحدة التي صمت آذاننا بشعاراتها، وللشعوب، ولنا جميعا، كل تأخير في التدخل هو موافقة ضمنية على الجريمة، وكل صمت هو تواطؤ.
465
| 23 يوليو 2025
يسرقون رغيفك، ثم يعطونك منه كسرة، ثم يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم. يا لوقاحتهم!، كلمات كتبها غسان كنفاني قبل عقود، لكنها تصف بدقة الجريمة المركّبة التي يعيشها الفلسطيني في غزة اليوم، فالرغيف لا يُمنع فقط، بل يُراقَب، ويُستعمل كسلاح، وتُحيط به القناصة، ويُشترط على الجائع أن يُذلّ كي يلمسه، هذه ليست استعارة؛ إنها الوقائع. منذ أواخر مايو وحتى أوائل يوليو 2025، استُشهد ما لا يقل عن 798 فلسطينياً، بينهم أطفال ونساء، أثناء محاولتهم الوصول إلى نقاط توزيع الغذاء التابعة لما يُسمى مؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، تحت إشراف مباشر من شركة أمنية أميركية تُدعى Safe) Reach Solutions) (SRS)، وبحماية إسرائيلية مكثّفة. كما أُصيب أكثر من 4.500 شخص، بعضهم برصاص حي، وآخرون نتيجة التدافع أو القمع بالغاز والضرب، وفق تقارير الأمم المتحدة ووزارة الصحة في غزة، بعد أن منع الكيان المحتل دخول المساعدات الغذائية وسلع أساسية أخرى إلى القطاع لأكثر من شهرين، عبر المنافذ التي كانت تُستخدم سابقاً لإدخال المساعدات تحت إشراف الأمم المتحدة، بما في ذلك الأونروا. هذه الأرقام المتزايدة هي نتيجة حتمية لنظام توزيع فُرض منذ نهاية مايو 2025، ويعتمد على توجيه السكان نحو نقاط محددة في أوقات محددة، تحت حراسة مسلحة. في كل نقطة توزيع، تُفرض شروط مسبقة: التعرف على الوجه، اصطفاف خاضع للمراقبة، تجمع يُعامل كهدف، ثم إطلاق نار تحت ذريعة الفوضى أو “التهديد الأمني”. لكن ما هو التهديد الحقيقي الذي يشكله جائعون خائفون أموات وهم أحياء؟. الشركة المسؤولة، SRS، ليست منظمة إنسانية، بل شركة لوجستية–أمنية، تأسست في الولايات المتحدة، ويديرها Phil Reilly، ضابط سابق في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، تعمل بتمويل من شركات استثمار خاصة مثل McNally Capital، وتعتمد في الحماية الميدانية على مقاولين أمنيين أميركيين، بينهم جنود سابقون في مشاة البحرية، فما الذي يفعله هؤلاء في نقاط توزيع غذاء؟ من الذي قرر أن يُسلط على الجائعين قسراً، بفعل الحصار الإسرائيلي، البنادق والقذائف، وهم عُزّل لا حول لهم ولا قوة؟. تشير بعض التسجيلات المسربة إلى أفراد أمن يضحكون بعد إطلاق النار على طالبي المساعدات، قائلاً أحدهم: “أعتقد أنك أصبته. أحسنت يا رجل!”، وفق تقرير نشرته “فرانس 24” في التاسع من الشهر الجاري، كما توثّق تقارير للمقاولين الأمنيين الأميركيين استخدام رصاص حي، وغاز فلفل ضد أطفال ونساء، لمجرد أنهم اقتربوا من حاويات مساعدات قبل الوقت المحدد، فهل هذا عمل إغاثي أم قتل منظّم؟. بالموازاة، تروج مؤسسة غزة الإنسانية لنفسها كجهة خيرية مستقلة، لكنها في الحقيقة تعمل ضمن شراكات أميركية–إسرائيلية، وتخضع لمجالس إدارة تضم شخصيات من الإنجيليين المتصهينين المعروفين بدعمهم لفكرة أرض الميعاد وتفريغ الأرض من أهلها الأصليين، ولذا، فإن الشكوك المتصاعدة حول هذه المؤسسة دفعت عدداً من الهيئات الحقوقية الدولية، مثل Trial International وLegal Action Worldwide، لإطلاق تحذيرات صريحة، واصفين ما يحدث بأنه قد يرقى إلى جرائم حرب، بل جرائم ضد الإنسانية، باستخدام الغذاء كسلاح، والسيطرة على السكان من خلال بوابة الحاجة، كما طالبت منظمة أطباء بلا حدود بوقف نشاط مؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من إسرائيل والولايات المتحدة، معتبرة إياها مسؤولة عن مجازر متكررة. لكن الغطاء السياسي الغربي، والصمت العربي المؤسف، يسمح بمرور هذه الجرائم تحت عباءة العمل الإغاثي. ختاماً… في قلب هذا كله، لا أحد يسأل: ماذا يريد الفلسطيني؟ إنه المقهور، المجوَّع، الجريح، والشهيد لا محالة في ظل هذه المعطيات. ما يحدث يضع الفلسطيني على المحك مع الحياة. تلك الحياة التي أطبقت الخناق عليه، وباتت تتلذذ بعذاباته. فإما أن يأكل كسرة خبز مغمسة بدم أخيه، أو أن يموت واقفاً في “مصائد الموت”، أو كما يسمونها.. طوابير المساعدات.
882
| 16 يوليو 2025
في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي قصفه الوحشي على غزة، مستندًا إلى غطاءٍ سياسيّ دوليّ، جاءت عملية بيت حانون المركبة الأخيرة لتضرب في عمق الصورة التي حاولت حكومة نتنياهو رسمها عن نفسها، ولتُعيد صياغة المعادلة الميدانية والسياسية دفعةً واحدة. فالعملية لم تكن مجرّد ردّ فعل ميداني على العدو، بل كانت صفعة استراتيجية أوقعت قتلى في صفوف جيش الاحتلال، وأحرجت القيادة الإسرائيلية على أعلى مستوى، وفي لحظة كانت تحاول فيها استعراض القوة من على منصة البيت الأبيض. فقد نفّذت المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب القسام، مساء الأول من أمس، عمليةً محكمةً في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، أسفرت عن مقتل خمسة جنود إسرائيليين وإصابة أربعة عشر آخرين بجراح متفاوتة، بعضهم في حالة حرجة. تمّ الهجوم من خلال كمينٍ مركّب وتفجير عبواتٍ ناسفةٍ متسلسلة، بالتزامن مع اشتباكات مباشرة مع قوات الاحتلال التي كانت تحاول التقدّم في المنطقة. الكمين لم يكن عبثيًا، بل جاء جزءًا من تصعيد محسوب من جانب المقاومة، ردًّا على عملية “عربات جدعون” التي أطلقها جيش الاحتلال في شمال القطاع. وهذه العملية الميدانية – التي تأتي ضمن موجة ثالثة من المواجهات في بيت حانون – كشفت حجم الانكشاف العسكري الإسرائيلي، على الرغم من مزاعم المؤسسة الأمنية بالسيطرة والتفوق التقني. ما يجعل هذه العملية استثنائية ليس فقط حجم الخسائر التي أوقعتها الفصائل الفلسطينية في صفوف جيش الاحتلال، وإنما توقيتها السياسي الدقيق. ففي اليوم ذاته، كان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يقف في العاصمة الأمريكية واشنطن، في زيارة رسمية يرافقه فيها وفد أمني، وعلى جدول أعماله “الاحتفال” بانتصار مزعوم ضد إيران، وتسويق التقدم العسكري في غزة كمنجز استراتيجي أمام إدارة ترامب. الزيارة كانت تحمل طابعًا احتفاليًا بامتياز، عنوانها الضمني: “شرب نخب النصر” بعد الضربات الجوية المتبادلة بين تل أبيب وطهران قبل أسابيع. لكن المقاومة اختارت أن تفسد هذا المشهد الهزلي. فخلال ساعاتٍ فقط من لقاء نتنياهو مع دونالد ترامب ومسؤولي البيت الأبيض، جاءت أنباء مقتل خمسة من جنود الاحتلال في بيت حانون، لتقلب الشارع الإسرائيلي رأسًا على عقب، وتحرج المؤسسة العسكرية في تل أبيب. الإعلام العبري لم يتأخر في التقاط التناقض: كيف يحتفل نتنياهو في واشنطن بـ”نصر تاريخي” في إيران، بينما جنوده يُسحبون قتلى ومصابين من شوارع بيت حانون؟ هذه المفارقة لم تمرّ مرور الكرام، بل اعتُبرت في أوساط إسرائيلية يومًا أسود من أيام حكومة نتنياهو – يوم انكشفت فيه الأزمة، واتّضح أن الحديث عن نهاية الحرب لا يعني شيئًا في مواجهة الواقع الميداني على الأرض. العملية في بيت حانون لم تُربك فقط حسابات القيادة العسكرية، بل أحرجت الحكومة الإسرائيلية بأكملها، والتي كانت تأمل أن تثبت، عبر زيارة واشنطن، أن مشروعها العسكري في غزة يؤتي ثماره، وأنَّ المهلة التي منحتها الإدارة الأمريكية لاستئناف الحرب على غزة من أجل تحقيق نصرٍ، ولو شكليًّا، قد آتت أُكلها. إلا أن هذه العملية جاءت كضربة مضادة، كسرت الصورة، ومزّقت الخطاب، وكشفت الهشاشة التي تنهش جيش الاحتلال، الذي لا تقوى آلته العسكرية إلا على المدنيين العزّل. لقد عرّى الميدان هشاشتهم، وأظهر ضعفهم وقلة حيلتهم في مواجهة أسلحة يدوية الصنع، صُنعت بأيدي رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه. وقد يكون الأهم من الخسائر البشرية والمادية، هو ما تعكسه هذه العملية من دلالات استراتيجية. فالمقاومة لا تزال تحتفظ بقدرتها على التخطيط والتنفيذ، وتختار التوقيت والمكان المناسبين، وتُباغت الجيش في أرتاله وتحركاته، وهو ما ترجمه الناطق العسكري باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، حين قال: “سندكّ هيبة جيشكم”. ورغم القصف المتواصل والحصار الخانق، كشفت تقارير وتحليلات عسكرية أن نحو ٧٥٪ من إصابات جنود الاحتلال خلال الأسابيع الأخيرة كانت نتيجة كمائن العبوات الناسفة، وهو ما يؤكّد أن رجال المقاومة لا يزالون يملكون اليد العليا ميدانيًّا، وأنهم وحدهم القادرون على قراءة جغرافيا أرضهم، واستثمارها في قتالٍ غير تقليدي ينهك جيشًا يوصف بأنه الأقوى في الشرق الأوسط. لقد كانت بيت حانون وما تزال نقطة نزف مفتوحة لجيش الاحتلال، ولا تزال المقاومة تمارس فيها أعلى درجات الانضباط القتالي، والتنسيق الميداني، والقدرة على المبادرة. هذا يؤكد أن ما يجري ليس مجرّد معركة دفاع، بل معركة تحطيم هيبة وردع. جاءت عملية بيت حانون لتثبت أن الميدان هو الذي يقرّر مصير السياسة، لا العكس، وأن العمل العسكري الميداني هو وحده القادر على فرض شروط المفاوضات، وتحديد خطوطها الحمراء، ورسم نهايات الحروب. ختاما فشل جيش الاحتلال في تحقيق أي هدف استراتيجي حقيقي: لم يسقط مشروع المقاومة، لم يُنهِ وجود حركة “حماس”، ولم يتمكّن من حماية جنوده من القنص والكمائن. بل على العكس، كل يوم يمر على جنوده في غزة، هو فرصة إضافية للمقاومة لإلحاق المزيد من الخسائر، ليس فقط المادية، بل المعنوية والنفسية العميقة. هذه الخسائر تضرب في عمق المعنويات. كل جندي يسقط، كل دورية تنفجر، كل دبابة تُحرق، تُقطّع أوصال الثقة بين القيادة والجنود، وتزرع الهلع في صفوفهم. هذا ليس مجرّد عدد في تقرير عسكري، بل انهيار في صورة الجيش الإسرائيلي، وتحطيم متواصل لهيبته التي لطالما راكمها فوق أجساد المدنيين. وقد يكون الإصرار على مواصلة الحرب على غزة بتوجيهات «النتن ياهو»، ضرباً من المكابرة السياسية، وهو يعلم في قرارة نفسه، أن كل خسارة يحصدها جيشه، ليست مجرد رقم في سجل العمليات، بل مسمارٌ يُدق في نعش حكومته البائسة.
375
| 09 يوليو 2025
تدخل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة شهرها العشرين، والاحتلال لا يكتفي بالقصف والتجويع والتدمير، بل يتعمد تنفيذ سياسة خنق ممنهجة تستهدف ما تبقى من مقومات الحياة، في مقدمة هذه السياسات منع إدخال الوقود منذ أكثر من مائة يوم، وهي خطوة لا يمكن فصلها عن نية مدروسة لإسقاط النظام الصحي بشكل كامل، وإغراق السكان في كارثة إنسانية تدفعهم إلى واحد من خيارين: الموت أو الرحيل، هذا السلوك ليس بالعشوائية التي يظنها البعض، بل يأتي في إطار مخطط تهجيري واضح يهدف إلى دفع الغزيين قسرا نحو اللجوء إلى سيناء أو غيرها، تمهيداً لإفراغ القطاع من سكانه، والسيطرة الكاملة عليه، وفرض واقع استيطاني جديد يحقق الأهداف الإسرائيلية التوسعية. المعلومات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية تصف الوضع في غزة بأنه انهيار شبه تام للنظام الصحي، وقال الدكتور ريك بيبركورن، ممثل المنظمة في الأرض الفلسطينية المحتلة، إنَّ الجيش الإسرائيلي بأوامر من حكومته يرفض محاولات جلب مخزونات من مناطق الإخلاء، ما يدفع النظام الصحي إلى حافة الانهيار عندما يُضاف إلى النقص الحاد في الإمدادات،17 مستشفى من أصل 36 مستشفى لا تزال تعمل جزئيًا أو بالحد الأدنى من القدرة فقط، ويبلغ عدد الأسرة المتوفرة حالياً 1500 سرير فقط، أي أقل بنحو 45% مما كان عليه الوضع قبل اندلاع العدوان، أما في شمال القطاع، فالوضع أشد قتامة، إذ خرجت جميع المستشفيات والمراكز الصحية الأولية عن الخدمة، ولم تعد هناك أي بنية تحتية قادرة على تقديم العلاج حتى للحالات الطارئة. النقص الحاد في الوقود أدى إلى توقف مولدات الكهرباء، وتجميد كل ما يرتبط بها من معدات إنقاذ، بما في ذلك غرف العمليات، وأجهزة غسيل الكلى، وأجهزة التنفس الاصطناعي، وحضّانات الأطفال الخدّج، الأطباء أصبحوا عملياً مضطرين إلى اتخاذ قرارات تتنافى مع ما أقسموا عليه في حماية أرواح وأبدان المرضى بسبب الوضع الكارثي الذي طال النظام الصحي ما دفع الفرق الطبية إلى اختيار من يعيش ومن يموت، بسبب شح الموارد، وهو مشهد لا يحدث إلا في ساحات الحروب الكبرى أو في لحظات الانهيار التام، فوفق مصادر وزارة الصحة في غزة، هناك آلاف من الجرحى والمرضى مهددون بالموت المحقق، ليس بسبب الإصابات المباشرة فقط، بل بسبب عدم توفر العلاج أو الطاقة لتشغيل المعدات الحيوية، كمرضى السرطان، والفشل الكلوي، والخدّج، والمصابون بجراح معقدة، باتوا جميعًا ينتظرون مصيرًا واحدًا: الموت التدريجي. مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، أكد أن الوضع الصحي كارثي، بسبب تعنت الجيش الإسرائيلي في السماح بإدخال الوقود لتشغيل المستشفيات، سيما وأن الوقود متوفر في منطقة حمراء في رفح، كما أن هناك منظمات كمنظمة الصحة العالمية تشرف على دخول قوافل الوقود إلا أن الجيش الإسرائيلي يمنع من دخولها، إذ يسمح بإدخال كميات شحيحة لا تكاد تكفي تشغيل مستشفى ليوم كامل، ما دفع الفرق الطبية إلى إغلاق الكهرباء على المستشفى وتشغيلها للمرضى الأكثر حاجة كمرضى الغسيل الكلوي، والأطفال الخدج، والمرضى من هم على أجهزة التنفس الاصطناعي. وأكد الدكتور محمد أبو سلمية أن الوقود على وشك النفاد تمامًا، وأن المستشفى سيخرج عن الخدمة خلال أيام إن لم يتم إدخاله فورًا، فمجمع الشفاء هو أكبر مشفى في القطاع ورغم أنه يعمل بربع طاقته التشغيلية بسبب أعمال القصف إلا أنه يستقبل 200% من طاقته الاعتيادية، ومن تبقى من مرافقه يخدم عشرات الآلاف، وهو اليوم في حالة احتضار حقيقي، متحدثا بلغة يائسة عن مشهد كارثي بكل ما للكلمة من معنى، بينما العاملون فيه يواصلون العمل وسط الظلام، ومن دون أدوية كافية، ومن دون مستلزمات جراحية أو أدوات تعقيم، بل وبدون مياه صالحة للاستخدام في بعض الأقسام. كل هذا يحدث والعالم يكتفي بالمراقبة، البيانات الأممية تتوالى، لكن دون فعل حقيقي، منظمة الصحة العالمية أطلقت نداءات عاجلة، لكنها لم تتجاوز حدود التحذير اللفظي، الصليب الأحمر لا يزال يمارس دوره التقليدي في إصدار البيانات الدبلوماسية، بينما الهيئات الدولية العاملة في المجال الإنساني اكتفت بتوثيق الكارثة لا مواجهتها، المجتمع الدولي يقف صامتاً أمام جريمة خنق شعب بالكامل، ويبدو أنه اختار ألا يفعل شيئًا حتى تنتهي “المهمة” الإسرائيلية على طريقتها. والسؤال هنا: ما جدوى هذه المنظمات، إن لم يكن وجودها يُترجم إلى حماية حقيقية للمدنيين؟ إذا لم يكن ملايين المدنيين العالقين تحت الحصار، المصابون والمرضى والجوعى، أولوية عاجلة للضمير العالمي، فمتى يكونون؟ وإذا لم يكن النظام الصحي المتهاوي في غزة سببًا كافيًا لتدخل دولي لوقف الجريمة، فمتى سيتحركون؟ الجريمة ليست فقط في من يمنع الوقود، بل في من يرى هذا المنع ويصمت عليه، أو يساويه بالمقاوم الذي يدافع عن أرضه. ختاماً... كل هذا يحدث أمام الكاميرات، أمام المجتمع الدولي، أمام من يدّعون الدفاع عن حقوق الإنسان، وأمام من يستخدمون شعارات حماية المدنيين، اليوم، الوقود ممنوع، العلاج ممنوع، والموت مباح، ولا شيء يحرّك هذا العالم الأعمى، الذي بات ضميره مستتراً في ظل إبادة جماعية ممنهجة ومكتملة الأركان. يجب أن يعلم العالم أن ما يقوم به الكيان الصهيوني المجرم ما هو إلا تنفيذ لما يتضمنه سفر صموئيل الأول والذي أمر به يهوه شاول -أول ملوك بني إسرائيل كما يقال في الحكاية الكتابية- عندما واجه العماليق أي الأقوام التي كانت تسكن فلسطين قائلا "اذهب واضرب عماليق، وحرموا كل ما له، ولا تعفُ عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً"، فهذه الأوامر بالإبادة ما هي إلا تفسير للأيديولوجية التي تتبناها حكومة "النتن ياهو" وأشباهه المتطرفين.
870
| 02 يوليو 2025
عرَّى التصعيد العسكري المجتمع الإسرائيلي الذي بدأ عبر الموانئ الواقعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة في هرتسليا، حيفا وعسقلان مغادرة إسرائيل سراً عبر البحر، بعضهم يعترف، وبعضهم يخفي، وجميعهم يهرب لقبرص، ومنها إلى أي مكان آخر إلا «إسرائيل»..هذا الوطن الزائف الذي تهاوى تحت أول اختبار حقيقي، حيث تشير التقارير إلى أن قادة اليخوت يؤمنون الرحلات سراً نزولا على طلب المهاجرين على متنها بمبالغ تتراوح بين 713 دولارا أمريكيا إلى 1712 دولارا. وقد تكرر المشهد مع بدء العدوان الإسرائيلي الغاشم على غزة في أكتوبر 2023، حيث هاجر قرابة نصف مليون إسرائيلي خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب، وأفادت مصادر حكومية بأن 40.600 إسرائيلي غادروا خلال أول سبعة أشهر من 2024، بزيادة 59 % عن العام السابق. التصعيد الأخير هزّ المجتمع الإسرائيلي من الداخل، حيث اختفى الشعور بالسيطرة، تساقطت الهالة الأمنية، وظهر كم أن البنية النفسية لمجتمعهم الهش لا تحتمل الضغط، ولا تُجيد البقاء حين يصبح الوجود مهدداً، في المقابل تجد الفلسطيني صاحب الأرض الذي هُجرَّ قسراً من أرضه عام 1948، وقُتل وشُرّد واعتُقل وعذب أمام أطفاله، لم يتراجع عن حق المواطنة في أرضه وأرض أسلافه، وقد يكون ما يحدث في قطاع غزة خير دليل، حيث الموت ليس استثناءً، بل قاعدة يومية، ورغم ما يكابدونه من تجويع وتهجير وتدمير للمنشآت الحيوية لا يبحث الفلسطيني عن مأوى خارج حدود وطنه، بل يبحثون عن فرصة للحياة حتى وإن كانت تحت ركام منازلهم التي شُيدت من الطين وبالكثير من الكرامة وحب الوطن. فإذا ما استعرضنا عزيزي القارئ سوية بعض المشاهد التي تكشف صاحب الأرض من المحتل، فالمشهد الأول هناك إسرائيلي يجرّ حقيبته نحو البحر مغادرا ليس الوطن بل المواطنة الزائفة، وفي المقابل أم فلسطينية تدفن أبناءها، وتكنس حطام منزلها متشبثة بأرضها التي رُويت من دماء أبنائها الشهداء، المقارنة ليست عاطفية، بل هي حقيقية، واقعية، وموثّقة بالتاريخ وبالدم الذي أريق دفاعا عن الوطن. هؤلاء الذين يغادرون البحر اليوم وكل يوم، جاء أسلافهم من منافذ بحرية قبل سبعة عقود بتواطؤ عالمي شرارته أفكار ثيودور هيرتزل اليهودي صاحب العرق المختلط، حتى بنوا كيانًا على أنقاض شعب، ظنّا أن قوة السلاح تخلق شرعية، وأن صفقات السياسة تصنع وطنا، إلا أن الحقيقة الواضحة كوضوح الشمس في كبد السماء هي أن صاحب الأرض الحقيقي هو القادر على التضحية، حتى لو حمل روحه على راحته فداء لحفنة تراب من وطنه، وعلى النقيض للمحتل الذي يدرك بأنَّ هذه الأرض التي يحيا عليها ليست أرضه، ولا بأي حال من الأحوال سيقدم أدنى تنازل فما بالكم لو كان الثمن روحه؟!. * منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في 7 أكتوبر 2023 وحتى 16 يونيو 2025، شنّ جيش الاحتلال أكثر من 40,000 غارة جوية على القطاع، وأطلق عشرات الآلاف من القذائف المدفعية، ما أدى إلى استشهاد ما يزيد على 48,000 فلسطيني وإصابة أكثر من 113,000 آخرين، وتدمير 70 % من البنى التحتية المدنية، بحسب تقارير موثقة من منظمات حقوقية دولية، صاحب الأرض ثبت جذوره، وأصرَّ على البقاء في أرضه، بينما الطارئ المحتل فرَّ يبحث عما يستر هشاشة انتمائه وزيف مواطنته، بل ورسالة تؤكد أنه لن يبذل أدنى تضحية لإيمانه ويقينه بأنَّ هذه الأرض ليست أرضه. خاتمة: في أقل من أسبوع، ظهرت هشاشة المجتمع الإسرائيلي، أمام الصمود الفلسطيني على مدار 77 عاما، ليس في وجه الاحتلال فقط، بل في وجه العالم كله حين يتواطأ، ويتجاهل، ويصمت، لهذا، حق المواطنة شعور يتَملكنا لا نمتلكه، يظهر في الشدائد، يغربل أصحاب الأرض والطارئين المحتلين.
615
| 18 يونيو 2025
مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي...
1668
| 28 ديسمبر 2025
تستضيف المملكة المغربية نهائيات كأس الأمم الإفريقية في...
1122
| 26 ديسمبر 2025
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة...
828
| 29 ديسمبر 2025
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك...
579
| 31 ديسمبر 2025
منذ القدم، شكّلت اللغة العربية روح الحضارة العربية...
552
| 26 ديسمبر 2025
صنعت التاريخ واعتلت قمة المجد كأول محامية معتمدة...
519
| 26 ديسمبر 2025
أين المسؤول؟ سؤال يتصدر المشهد الإداري ويحرج الإدارة...
507
| 29 ديسمبر 2025
لا تزال الاضطرابات مستمرة في الشرق الأوسط وشمال...
477
| 29 ديسمبر 2025
لا تمثّل نهاية العام مجرد انتقال زمني، بل...
459
| 31 ديسمبر 2025
شكّلت دار الإفتاء ركنًا أساسيًا في المجتمعات الإسلامية،...
444
| 28 ديسمبر 2025
في بيئة العمل، لا شيء يُبنى بالكلمة بقدر...
438
| 01 يناير 2026
شهدت الدوحة في ختام شهر ديسمبر ٢٠٢٥م فعاليات...
423
| 26 ديسمبر 2025
مساحة إعلانية