رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اختارت دولة قطر منذ تأسيس سياستها الخارجية، أن تجنح للسلم لا لطبول الحرب، وأن تبني لنفسها دورا قائما على الوساطة وتغليب الحلول الدبلوماسية، لم تكن يوماً دولة تبحث عن الصراعات، بل عن مسارات الحوار من موقع قوة لا ضعف، غير أن التطورات الأخيرة وضعتها أمام مشهد لم تختره، حين امتدت المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لتطول أراضيها ومنشآتها الحيوية. تدخل هذه المواجهة مرحلة شديدة الحساسية بعد تبادل الضربات العسكرية واتساع رقعتها لتشمل دولًا في الإقليم. الرد الإيراني الذي استهدف قوات أمريكية تتواجد في عدد من دول الخليج والأردن، ترافق مع استهداف منشآت حيوية، ما نقل الصراع إلى مستوى يمسّ الأمن الإقليمي مباشرة، لتجد قطر نفسها في قلب معادلة تتحمل تبعاتها دون أن تكون طرفًا فيها. فاستهداف خزان مياه يتبع مصانع مسيعيد للطاقة، إضافة إلى أحد مرافق الطاقة في مدينة رأس لفان الصناعية، شكّل مؤشرات خطيرة على اتساع دائرة الأهداف لتشمل بنى تحتية مدنية وحيوية، هذه الوقائع جاءت مناقضة لتصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أكد أن بلاده تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية فقط، والسؤال المشروع هنا هل هذه منشآت عسكرية؟ هل هي مرافق تتبع الولايات المتحدة؟ الواقع أنها مرافق قطرية خدمية بامتياز، تمثل أعمدة أساسية في منظومة الأمن الاقتصادي والمائي والطاقة، واستهدافها لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة، كما أنه يضعف معاني حسن الجوار، فضلاً عن انعكاساته الاقتصادية المباشرة. التصعيد الإيراني لا يقتصر أثره على خسائر في المنشآت، بل ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ويضع الممرات الحيوية تحت ضغط أمني متزايد، وقطر، باعتبارها أحد أبرز مصدري الغاز الطبيعي المسال عالمياً، تنافس على الصدارة مع الولايات المتحدة وأستراليا بصادرات تتجاوز 80 مليون طن متري سنويا، تدرك حساسية هذا الموقع، لذلك فإن استهداف مرافقها الحيوية لا يمس أمنها الوطني فحسب، بل يطول شبكة مصالح دولية مترابطة، ما يبرز خطورة الانزلاق نحو استهداف البنى الاقتصادية وما يحمله ذلك من رسائل تتجاوز حدود الجغرافيا. قطر.. دولة حافظت وتحافظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك طهران، مدفوعة باعتبارات الجغرافيا والمصالح المشتركة، وعلى رأسها التعاون في حقل الغاز المشترك، غير أن استهداف منشآت داخل الأراضي القطرية يضع هذه العلاقة أمام اختبار بالغ التعقيد، ويجعل إيران تبدو كمن لفّ حبل المشنقة على رقبته بإرادته سياسيا لا عسكريا، حين منحت خصومها ما يحتاجونه لتوسيع دائرة العزلة عليها، وضيّقت على نفسها هامش الحركة الذي طالما حرصت على الحفاظ عليه في الإقليم. توسيع نطاق الضربات ليشمل دول الخليج يحمل دلالات تتجاوز الرد التكتيكي، فعندما تمتد النيران إلى دول لم تعلن انخراطها في المواجهة، فإن ذلك يمنح إسرائيل مادة إضافية لترسيخ سرديتها بأنها تواجه التهديد الأكبر لأمن المنطقة. هذه السردية، التي طالما رُوِّج لها في الخطاب الإسرائيلي والأمريكي، تجد في مثل هذه التطورات ما يعزز حضورها أمام الرأي العام الدولي، وبدلًا من تقليص الضغوط، قد يؤدي هذا المسار إلى توسيع دائرة الاصطفاف ضد إيران، ويفتح المجال أمام خطوات إسرائيلية أوسع تحت عنوان حماية الأمن الإقليمي، وتنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى. ورغم ما تواجهه دولة قطر، لا تزال تواصل خطابها المتزن الرصين، مؤكدة تمسكها بالقانون الدولي، ورفضها لأي انتهاك لسيادة الدول، وداعية إلى ضبط النفس وتغليب الحلول الدبلوماسية، هذا النهج يعكس سياسة تراكمت عبر سنوات، قامت على الوساطة واحتواء الأزمات، من أفغانستان إلى غزة، مرورا بملفات إقليمية معقدة، وفي لحظات التوتر، يظل الرهان على العقلانية خط الدفاع الأول عن الاستقرار. داخلياً، تتطلب المرحلة وعيا مجتمعيا بحس عالٍ، فالحروب الحديثة لا تُخاض بالصواريخ وحدها، بل تُدار عبر الشائعات وحملات التضليل التي تستهدف بث القلق وإضعاف الجبهة الداخلية أيضاً، وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات المتماسكة، الملتفة حول قيادتها ومؤسساتها، هي الأقدر على امتصاص الصدمات، إن الالتزام بالتوجيهات الصادرة عن الوزارات والجهات السيادية، واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، يمثلان خطاً فاصلاً بين الوعي والفوضى. ختاماً... ما تشهده المنطقة يضع الجميع أمام مسؤولية مشتركة لتجنب توسيع دائرة الصراع، وحماية المصالح الوطنية، لاسيما في دولة قطر، فعلى كل مواطن ومقيم مسؤولية تتطلب منه أن يصد الشائعات، وأن لا يكن جزءا من الحرب النفسية، بالالتفاف حول القيادة، لإيماننا المطلق بحكمتها وحنكتها، وتمسكها بالحلول الدبلوماسية لإنهاء هذه الفوضى ليس من منطلق ضعف بل لامتلاكها كل مصادر القوة إلا أنها دوما تغلب صوت العقل، وتظل الحكمة السياسية والاصطفاف الداخلي الواعي عنصرين حاسمين في تجاوز المرحلة والحفاظ على تماسك الدولة ومكانتها الإقليمية.
309
| 04 مارس 2026
في غرفة انتظار بأحد المستشفيات، حيث تتقاطع الوجوه وتتقارب الحكايات، دار نقاش قصير بين أم وابنتها التي لا يتجاوز عمرها عشر سنوات. وبسبب السكون الذي يلف المكان، كان صوت الطفلة مسموعًا بوضوح، وكأنه يرغمك على الإنصات، خصوصا أن أسئلتها كانت أكبر من عمرها: عن الكون، عن الخالق، عن بداية الخلق، أسئلة وجودية خالصة، لكنها في الوقت ذاته أسئلة مشروعة تكشف عقلًا بدأ يستيقظ على اتساع العالم. الأم ـ كما بدا ـ ارتبكت، وأنهت الحوار بجملة حاسمة «هذه الأسئلة حرام! « ثم ساد الصمت، لكن فضول تلك الطفلة ظل معلّقاً في الهواء، يطل من عينيها الحائرتين، قبل أن تعود إلى العبث بهاتفها الذكي. ذلك المشهد كان صورة مكثفة لواقع يتكرر في بيوت كثيرة، جيل يسأل، وجيل يخاف السؤال، فالمشكلة ليست في السؤال نفسه، بل في الفراغ الذي يليه، حين يُغلق باب الحوار داخل البيت، يُفتح خارجه على مصراعيه، والباب الخارجي اليوم ليس مكتبة ولا مجلس علم، بل شاشة هاتف تعج بالكثير من الغثّ والقليل من السمين، أمام أجيال لم تتشكل بعد بوصلتها في التمييز بين الصواب والخطأ، وبين الحلال والحرام. في الماضي، كان الوصول إلى الفتوى يمر عبر مسار منضبط: إمام مسجد، أو عالم موثوق، أو كتاب شرعي متخصص، أما اليوم، فيكفي كتابة سؤال في مربع البحث لتنهال على المستخدم عشرات الإجابات المتناقضة، أشخاص مجهولو السند العلمي يتصدّرون مواقع التواصل، يستسهلون الإفتاء، ويحوّلون «تيك توك» إلى منصة للفتاوى السريعة، يقتطعون النصوص من سياقها، ويعرضون الدين في مقاطع لا تتجاوز دقيقة، محكومة بعدد المشاهدات لا بميزان الشرع. الخطورة ليست في التقنية نفسها، بل في غياب الضابط، فالفتوى في الشريعة مسؤولية ثقيلة كان العلماء يتدافعونها اتقاءً للزلل، إذ حذر النبي ﷺ من الإفتاء بغير علم بقوله (من أفتي بفُتيا غيرِ ثبتٍ فإنما إثمهُ على من أَفْتاه)، أما اليوم، فتصدر بجرأة لافتة، وأحياناً بروح استعراضية؛ يتحدث أحدهم في قضايا عقدية معقدة بسطحية مدهشة، أو يخلط بين الرأي الشخصي والنص الشرعي، أو يصدر أحكاما قاطعة في مسائل خلافية، والأسوأ أن هذه الطروحات تصل للمراهقين واليافعين بلغة جذابة تشبه لغتهم، فتستميلهم رغم ضعف محتواها. هذه المرحلة العمرية بطبيعتها مرحلة أسئلة، ومن حق الأبناء أن يحصلوا على إجابات صحيحة تشفي فضولهم. فحين تُقابل الأسئلة الوجودية بالقمع أو التخويف، فإنها لا تموت؛ بل تنتقل إلى فضاء آخر، وقد تجد تلك الفتاة نفسها تستمع إلى محتوى يشكك في الثوابت، أو إلى خطاب مشوه تحت عباءة الدين، وهكذا تنتقل من سؤال مشروع إلى معرفة مسمومة. فالمسؤولية مشتركة فالأسرة أولًا: كان بوسع تلك الأم أن تقول «لا أعرف… لكن دعينا نبحث معاً»، مجرد فتح باب الحوار يحمي الأبناء من الانجراف خلف أي محتوى عابر، ثم تأتي مسؤولية المؤسسات الدينية والتعليمية؛ فلا يكفي التحذير من المنصات، بل يجب حضور العلماء فيها بخطاب رصين يفهم لغة الجيل. فالمعركة ليست مع التطبيق، بل مع الفراغ الذي يملؤه غير المؤهلين، وإذا تُركت الساحة خالية، سيتصدرها من يجيد الأداء لا من يمتلك العلم. كما أن الجهات الرقابية مطالبة بوضع ضوابط للفتاوى العشوائية التي تملأ المنصات، فكما توجد قوانين تحاسب من يضلّل الناس طبيا أو قانونيا، ينبغي حماية الجمهور من التلاعب بالدين، لأن نتائجه أخطر وأعمق. الحادثة الصغيرة في غرفة الانتظار لم تكن مجرد موقف، بل جرس إنذار، السؤال الذي لا نجيب عنه اليوم قد يتحول إلى قناعة خاطئة غداً، والفتاة التي أُسكتت بكلمة «حرام» قد تبحث عن جواب عند غير المؤهلين من خلال الهاتف الذكي الذي بين يديها وليس من عالم فقيه أو كتاب شرعي، ليتشكّل وعيها الديني على أساس هش. ختاما... لست هُنا لأشيطن وسائل التواصل الاجتماعي، بل للدفاع عن العلم وأهله، ولتنبيه نفسي أولاً وأولياء الأمور لضرورة إحياء الحوار داخل الأسرة، فالمشكلة ليست أن يسأل أبناؤنا، بل أن يكفّوا عن سؤالنا ويتجهوا إلى شاشات لا تعرفهم، ولا تحرص عليهم، ولا يعنيها سوى عدد المشاهدات… ولو على حساب عقيدتهم.
210
| 25 فبراير 2026
اليوم هو غرة رمضان المبارك، وهذا الإدراك وحده يوقظ في القلب إحساساً لا يشبه غيره؛ شيء من الهدوء الذي يسبق البداية، وشيء من الترقّب الذي يجعل المرء يتأمل نفسه قبل أن ينظر إلى العالم من حوله، أكتب هذه الكلمات وأنا أحاول أن أستقبل الشهر بروح يقظة، فكل رمضان يأتي محملًا بفرصة قد لا تتكرر، فرصة لإعادة ترتيب الداخل، وللسؤال الذي يفرض نفسه كل عام: أي رمضان نريد أن نعيشه؟ نحن الذين نتحرك في عالم سريع الإيقاع، ينشغل فيه الإنسان بما يمر من حوله، دون أن يلتفت إلى ما يريده داخله. لم يعد رمضان كما عرفه آباؤنا وأجدادنا؛ تلك المحطة التي ينتظرها الناس ليجددوا فيها علاقتهم بالله، وليشدوا فيها عزائمهم، ويستعيدوا شيئًا من صفاء الروح الذي تلتهمه الأيام مع سرعة إيقاعها، أصبح رمضان اليوم موسماً تتسابق فيه العلامات التجارية، موسم عروض وأسماء لمنتجات صارت تُنسب إليه: جلابيات رمضان، زينة رمضان، أكواب رمضان، مسلسلات رمضان، تتكاثر التسميات حتى يكاد المتابع يظن أن الشهر وُجد ليكون منصة استهلاكية، لا مساحة روحانية، ومرة أخرى، ليس الاعتراض على مظاهر الفرح، فأصبح شهر تجارة دنيوية لا تجارة آخروية، فكل ما يضفي على الشهر جمالًا مرحب به، ولكن المشكلة حين تتحول المظاهر إلى بديل عن الجوهر، وحين يجد المرء نفسه مأخوذاً بما يلمع أكثر مما يلامس قلبه. ومع هذا التحول، علينا أن نستحضر قصة الإمام مالك بن أنس ويحيى بن يحيى الليثي كمرآة شديدة الدقة لما نعيشه اليوم. فقد كان الإمام مالك يعقد مجلسه في المسجد النبوي حين دخل رجل يصيح بأن فيلًا عظيمًا قد دخل المدينة، ورؤية الفيل آنذاك كانت حدثًا لا يُفوت، فانطلق معظم الطلبة مسرعين، مبهورين بما لم يألفوه. وبقي واحد فقط في مكانه، هو يحيى بن يحيى الليثي، سأله الإمام مالك لماذا لم يخرج معهم، فقال تلك الجملة التي بقيت درسا في الوعي والهدف: «إنما رحلت لأرى مالكًا، لا لأرى الفيل»، ما أشبه اليوم بالأمس؛ فالفيل الذي كان يجر الطلبة خارج المجلس يشبه تماما ما يجرّ الناس في رمضان بعيدا عن الغاية: الترند، المحتوى الهابط الذي يكثف كلما اقترب شهر الصيام، الدراما التي تأخذها فرصة لتتنافس لإلهاء الناس، لكن من يعرف وجهته لا يغادر مجلسه، ومن يعرف ما يريد من الشهر لا تجرّه الفيلة الحديثة مهما عَظم حجمها. إن رمضان ليس صوما عن الطعام والشراب فقط، بل صوم عن التشتيت، عن الاستنزاف، عن الانسياق وراء كل ما يُقدّم على أنه «لازم» و»ضروري» ومن أجواء الشهر، الصوم الحقيقي هو صوم الجوارح عن كل ما يبعد عن الله، وهو محاولة لإعادة ترتيب الأولويات بحيث يعود الزمن إلى قيمته، وكثيرون يشكون في نهاية الشهر من أنه مرّ سريعًا، وكأنهم لم يمسكوا به أصلًا، رغم أنّ الشهر هو نفسه الشهر، والأيام هي نفسها الأيام، لكن امتلاء الوقت بما لا يترك أثرًا يجعل الزمن يتبخر دون أن نشعر. ولذلك كان السلف يقولون إن الحسرة ليست في نهاية رمضان، بل في أن يخرج المرء منه كما دخله. وليس القصد هنا أن نصادر لحظة فرح أو بشر في ظل ما يحيطنا من حروب وظلم، أو نرفض مظاهر الاحتفال، أو نجرّم رغبة الناس في الاستمتاع بجوانب الشهر الاجتماعية، كل تلك الأمور جميلة، لكنها تصبح عبئاً حين تتحول من بهجة إلى انشغال، ومن زينة إلى محور، ومن عادة إلى بديل عن العبادة التي جاء الشهر ليذكّرنا بها، وما أكثر ما نسمع في الأسابيع الأخيرة من تحضيرات ضخمة تستبق رمضان وكأنه مهرجان، بينما الجوهر يبدو وكأنه مؤجل لموعد آخر لا يأتي. وفي النهاية، يبقى كل واحد منا أمام سؤال واحد لا يجيب عنه سواه: كيف أريد أن أعيش هذا الشهر؟ هل أتركه يتشكل وفق ما ترسمه الشاشات والإعلانات والمنصات، أم أصنع له معنى خاصا يشبه حاجتي إلى الاقتراب من الله أكثر من حاجتي إلى الاقتراب مما يلمع؟ هل أريد رمضاناً مزدحماً بالتفاصيل التي تستهلك الوقت، أم رمضاناً أقوم فيه إلى القرآن وأنا أشعر أنني في حضرة معنى لا يُعوَّض؟ هل أتبع الفيلة أم أجلس في مجلس الإمام؟ ليس المطلوب أن نكون مثاليين، ولا أن نعتزل العالم، لكن المطلوب أن نكون واعين؛ أن نعرف أين نقف، وأين نريد أن نصل. ختاما... ومهما قيل، يبقى السؤال الأصدق الذي يستحق أن يُطرح في داخل كل واحد منا: لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم بيننا اليوم، هل سيرضى عن الطريقة التي نستقبل بها رمضان ونقضيه؟ هذا هو السؤال الذي يختصر المسافة كلها، ويعيد المعنى إلى مكانه، ويجعل المرء يدخل الشهر بروح مختلفة، روح تعرف ما تريد، ولا تغادر مجلسها لمجرد أن أحدًا صاح: هناك فيل في الخارج.
252
| 18 فبراير 2026
لم تُسمّ غزة الكاشفة من فراغ، ولم تكن يومًا تفصيلًا عابرًا في سجل هذا العالم المضطرب. غزة هي الرافعة والخافضة، الميزان الذي يفضح أكثر مما يشرح. كل ما يجري حولها يبدو في الظاهر وكأنه يسير عكس هواها: حصار، حرب، خذلان، وصمت دولي ثقيل. لكن ما يحدث في العمق ليس عليها بل معها، لأنها في كل مرة تُجبر العالم على مواجهة تناقضاته كما هي، بلا مساحيق تجميل ولا أقنعة. وقد يكون ملف جزيرة جيفري إبستين نموذجًا فاضحًا لحقيقة الغرب، ليكشف الهوة بين ما تُعلنه حضارة القيم عن نفسها، وما تمارسه فعليًا عندما يُختبر ميزان العدالة والأخلاق. ما كُشف عن جزيرة إبستين وشبكته لا يندرج في خانة انحرافات أخلاقية عادية. نحن نتحدث عن منظومة استغلال جنسي منظّم، اغتصاب قاصرات، اعتداءات ممنهجة، وشبكة استدراج وتواطؤ. شهادات الضحايا والتحقيقات تتحدث عن ممارسات وحشية، إذلال، وتحويل أجساد الأطفال إلى ساحة متعة لنخبة تمتلك المال والنفوذ والعلاقات. هذه ليست جريمة فرد واحد، بل بنية كاملة سمحت بتكرار الجريمة وحمت مرتكبيها وأخّرت وصول الحقيقة إلى العلن. الأبشع في هذه القصة ليس فقط ما جرى في “مسلخ” جزيرة إبستين، بل الطريقة التي جرى بها التعامل معه لاحقًا. بدلاً من أن تتحول القضية إلى لحظة مساءلة أخلاقية وسياسية شاملة وإدانة لا مواربة فيها، أُعيد إدخالها إلى قنوات ضيقة: إجراءات، تنقيح وثائق، حجب أسماء، جدل قانوني طويل حول ما يُنشر وما لا يُنشر. كأن المشكلة ليست في الجريمة نفسها، بل في كيفية إدارتها إعلاميًا وقضائيًا بأقل كلفة ممكنة على صورة النظام ونخبه. المفارقة أن الغرب الذي يتعامل مع فظائع إبستين بوصفها قضية جنائية معقدة تحتاج وقتًا وإجراءات وحذرًا لغويًا، هو نفسه الذي لا يتردد في إطلاق أقسى الأوصاف على مقاومة شعب تحت الاحتلال منذ قرابة 76 عامًا. جرائم اغتصاب الأطفال والتلذذ بإذلالهم لا تُوصَف في الخطاب السياسي الغربي بأنها “إرهاب”، ولا تُقدَّم كمنظومة رعب منظم، أما مقاومة تقاتل في ساحة معركة دفاعًا عن أرضها، فتُختزل في كلمة “إرهاب”، وتصبح مبررًا لاستباحة أراضيها وقتل أبنائها تحت بند “محاربة الإرهاب”، في حين أن ما حدث في جزيرة إبستين يتم التعامل معه بوجهة نظر رسمية محدودة. الفارق هنا ليس في حجم الألم أو بشاعة الفعل، بل في هوية الفاعل وموقعه من ميزان القوة. من ينتمي إلى دائرة النفوذ تُمنَح جرائمه رفاهية الشرح والتحليل والتأطير الإجرائي، ومن يقف خارجها يُجرَّد حتى من حق السرد، ويُقدَّم في صورة واحدة مسطّحة تصلح للاستهلاك السياسي والإعلامي. حق الشعوب في تقرير مصيرها والدفاع عن أرضها مبدأ أكّدته الأمم المتحدة وتجارب تاريخية عديدة، لكن هذا لا يمنح أي طرف حصانة مطلقة، لكنه يوضّح أن مقاومة الاحتلال له سياق سياسي وقانوني خاص لا يمكن تجاوزه ببساطة، ومع ذلك، حين تكون القضية فلسطينية، يُغلق هذا السياق، ويُستبدل بخطاب مترهل، وأحيانا يساوى بين الضحية والجلاد، بدلا من أن ينحاز إلى الضعيف لعدالة قضيته. هنا تظهر غزة بوصفها الكاشفة: تكشف الجانب المظلم من الحضارة الغربية، التي تماطل في محاسبة نخبها، لكنها تتشدد إلى أقصى حد عندما يتعلق الأمر بشعب يطالب بحقه في أرضه وحريته. الأخطر من ذلك أن هذا المنطق لا يبقى حبيس السياسة، بل يُعاد إنتاجه في وعي الجمهور، ليُعاد تشكيل الحسّ الأخلاقي نفسه على مقاس القوة، لا على مقاس العدالة. ملف إبستين، حين يُقرأ من زاوية غزة، لا يعود مجرد قصة سقوط أخلاقي فردي أو شبكة منحرفة، بل يصبح شاهدًا على خلل أعمق في طريقة المحاسبة والإدانة في هذا العالم، عالم يغضّ الطرف طويلًا عن اغتصاب الأطفال حين يكون الفاعلون من علية القوم، لكنه يرفع صوته عاليًا حين يحاول شعب أن يقرر مصيره في أن يحيا حرًا على أرضه. ختاما.. في النهاية، علينا أن نسأل من يملك حق تعريف الجريمة؟ ومن يملك سلطة تحديد من هو المجرم؟ طالما بقي هذا الحق مرهونًا بميزان القوة، سيبقى العالم بوجهه المزيف يحدّثنا عن الفضيلة، بينما يجبرنا على أن نتعايش مع أبشع الفظائع حين تصدر عن «النخب».
201
| 11 فبراير 2026
رسخت الشريعة الإسلامية مبدأً جلياً واضحًا في أنَّ الإنسان مُكرّم، جسده وعِرضه وكرامته خطوط حمراء، والاعتداء عليها جريمة لا تُغتفر، كان الضحية امرأة أو طفلًا أو رجلاً، في الفقه الإسلامي، هتك العرض، واستغلال الضعفاء ليست ممارسات غير أخلاقية فحسب، بل جرائم توجب أشد أنواع العقاب، وتضع الجاني في مواجهة القصاص حماية للمجتمع من هذه الآفات وإحقاقا لمبدأ العدالة. على المقلب الآخر، يقدّم العالم الغربي نفسه اليوم بوصفه الحارس الأكبر لحقوق المرأة والطفل، ويُشيّد منظومة كاملة من القوانين والاتفاقيات والمؤسسات تحت هذا العنوان العريض، بل إن بعض الدول الأوروبية تذهب بعيدًا في التدخل داخل الأسر، إلى حد معاقبة عائلات عربية أو مسلمة بحجة حماية حرية الطفل، إذا ربّت أبناءها على العقيدة أو رفضت تمرير مفاهيم مثل المثلية بوصفها خيارًا طبيعيًا، كما في حالات أثارت جدلًا واسعًا في السويد، هناك، يُعاد تعريف الحماية، وتُستخدم سلطة الدولة لتقويم الأسرة بسحب أطفالها تحت بند إساءة المعاملة!، حتى لو كان ذلك على حساب ثقافتها أو قناعاتها. لكن ماذا يحدث عندما ننتقل من الخطاب إلى الواقع؟ ماذا يحدث عندما ننظر إلى فضيحة جيفري إبستين، لا بوصفها قضية جنائية معزولة، بل كمرآة فاضحة لمنظومة كاملة؟ جيفري إبستين، الملياردير اليهودي الأمريكي صاحب النفوذ والعلاقات الواسعة، لم يكن مجرد منحرف أخلاقيًا كما حاول بعض الإعلام توصيفه، القضية بحسب ما ثبت في التحقيقات والوثائق القضائية وشهادات الضحايا، تتعلّق بشبكة استغلال جنسي لقاصرات استمرت سنوات، واستُخدمت فيها الأموال والنفوذ والاتصالات لحماية الجناة وتسهيل الجريمة، أحد أبرز مسارح هذه الجرائم كانت جزيرته الخاصة في جزر العذراء ، المعروفة باسم Little Saint James، والتي تحوّلت في التقارير الصحفية إلى رمز لانهيار كل الادعاءات عن حماية الطفولة. الفضيحة لم تتوقف عند شخص إبستين نفسه، بل كشفت عن دائرة أوسع من المتنفذين، وأصحاب سلطة ومال، شخصيات يفترض – بحكم مواقعها – أن تكون في صف مكافحة هذه الجرائم لا في صف ممارستها أو التستّر عليها، ومع أن إبستين الذي انتحر في محبسه عام 2019 في ظروف لا تزال مثار جدل، فإن شريكته المقرّبة جيسلين ماكسويل حُكم عليها بالسجن بتهم إغواء القاصرات، والاتجار بالأطفال لممارسات غير أخلاقية، والحنث في اليمين، بملف جنائي ثقيل ومخزٍ. الوثائق التي كُشف عنها لاحقًا – عبر المحاكم وطلبات النشر والضغط الإعلامي – فتحت نافذة على عالم مريب: عالم تُختزل فيه النساء والأطفال إلى سلع، ويُشترى فيه الصمت بالمال، وتُدار فيه الجرائم ببرود إداري يكاد يكون أكثر فظاعة من الجريمة نفسها، عالم يشبه ما كنا نراه في أفلام هوليوود ونظنه خيالًا أو مبالغة درامية، قبل أن نكتشف أن الواقع كان أكثر بشاعة، وأقل رحمة، وأكثر تنظيمًا. ولا يمكن فصل عودة هذه الفضائح إلى الواجهة عن سؤال التوقيت، في السياسة، نادراً ما تكون الصدف بريئة، فتح الملفات بهذا الزخم الإعلامي يطرح تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام ضغط غير مباشر على الإدارة الأمريكية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث يتصاعد الحديث عن خيارات المواجهة أو الردع؟ أم أن ضخ هذا الكم من المواد الصادمة في الفضاء العام يأتي أيضا في سياق إعادة توجيه بوصلة الاهتمام العالمي، في وقت تتكدس فيه الجرائم اليومية في غزة وتخبو قدرتها على احتلال العناوين الأولى؟ فحقيقة معروفة في تاريخ الإعلام والسياسة: ما يُكشف، ومتى يُكشف، وكيف يكشف، أسئلة لا تقل أهمية عن مضمون ما يُكشف نفسه، فإدارة الأجندة الإعلامية جزء من إدارة الصراع، وأحيانا يكون فتح الملفات القديمة وسيلة لتشتيت الرأي العام، وصرف الانتباه عن مآسٍ في بقعة ما في العالم جارية لا تجد من يحميها من النسيان. وهنا سؤال آخر، ماذا لو كان بطل هذه الفضيحة مسلمًا أو عربيًا؟ هل كانت المعالجة الإعلامية ستبقى في حدود قضية جنائية؟ أم كنا سنشهد – كما اعتدنا – تعميمًا ثقافيًا، وشيطنةً للدين الإسلامي «الإسلاموفوبيا»، وربطًا مباشرًا بين الجريمة وهوية الفاعل؟ هل كانت العناوين ستكتفي بإدانة الشخص، أم كانت ستذهب إلى اتهام الإسلام ذاته، والتشكيك في قيمه، وتصويره كدين لا يحمي المرأة ولا الطفل؟ الأرجح أن الإجابة يعرفها كل من تابع كيف تُدار الحملات الإعلامية في مثل هذه الحالات ومن يديرها. وكان سيتم التركيز على المجرم لا على الجريمة!، وما يمثله ثقافياً ودينياً، وكانت ستُستدعى اللغة المشحونة، وتُفتح ملفات الهجرة، وتُقترح سياسات التضييق، وتُرفع الأصوات التي تطالب بالمزيد من المراقبة والعقاب الجماعي، أما هنا، في قضية إبستين، فالنقاش – رغم ضخامته – بقي محكوما بسقف محدد: مساءلة أفراد، بعضهم بأسماء محجوبة، وبعضهم بلا تبعات سياسية كبرى حتى الآن، هذا لا يعني أن الإعلام الغربي صمت بالكامل، ولا أن القضية دُفنت، لكن يعني أن المعيار ليس واحدًا، هناك فرق بين محاسبة شخص، وبين تحويل جريمة إلى أداة لإدانة ثقافة كاملة، وهناك فرق بين خطاب العدالة، وخطاب القوة الذي يختار متى يجعجع بالفضيحة ومتى يهمس بها. الشريعة الإسلامية، التي يُساء تصويرها كثيرا في الإعلام الغربي، في ميزانها، الجريمة جريمة، والضعيف مُقدّم، والعدالة لا تُجزّأ بحسب هُوية الجاني أو مكانته، أما عالم اليوم، فيبدو – للأسف – أنه لا يزال يكيل بمكيالين: مكيال العدالة حين يناسبه، ومكيال القوة حين يريد أن ينجو الأقوياء من الحساب. ختاما.. فضيحة جزيرة إبستين اختبار قاسٍ لصدقية الخطاب العالمي عن حقوق الإنسان، اختبار يؤكد أنَّ المشكلة ليست في نقص القوانين، بل فيمن يملك الشجاعة لتطبيقها على الجميع، بلا استثناء، وبلا حصانة سِياجها رؤوس الأموال قبل السلطة، لنقف أمام عدالة عرجاء وملف جنائي فوق السلطة.
339
| 04 فبراير 2026
في مشهد لا يمكن تصنيفه إلا بوصفه ذروة الانحطاط الأخلاقي، أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، أمس الأول، على نبشٍ وحشي لمقبرة البطش في حي التفاح شرق مدينة غزة، العملية التي استمرت يومين شهدت أعمال نبش واسعة لمئات القبور وتجريفها، حيث تم استخراج جثامين فلسطينيين ونقلها للفحص في معهد الطب العدلي «أبو كبير» للتحقق من هوية «الجيفة» الجندي الإسرائيلي ران غويلي بالاستناد إلى ما نشرته قناة الجزيرة، مما يؤكد أن في غزة لا حصانة لأحد، فالكل مستباح بأمر نتنياهو وولي نعمته، حيث مئات القبور جرى فتحها، ومئات الجثامين أُخرجت وشهدها العالم في مشهد يثقل الأرواح، فالفلسطيني لا راحة له حتى بعد دفنه. نبش القبور لا يمكن تبريره بذريعة استعادة «الجيفة» الإسرائيلي، ما جرى جريمة أخلاقية، وجريمة قانونية، وجريمة سياسية بامتياز. فاحترام الموتى وحرمة القبور مبدأ راسخ في كل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية، بما فيها اتفاقيات جنيف التي تُلزم أطراف النزاع باحترام كرامة الموتى وعدم التمثيل بجثثهم أو العبث بها، لكن الاحتلال مرة أخرى، يتصرف باعتباره فوق القانون، فلا سقف لهمجيته ولا سقف لإجرامه، محميا بالتواطؤ العالمي ضد فلسطين وشعبها. الصور التي خرجت من غزة أمس الأول لمشاهد الحفر والنبش لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لما يجري في غزة منذ أكتوبر 2023 حرب إبادة ممنهجة، استهداف للمدنيين، تدمير للمستشفيات، حصار وتجويع، وحتى الموت لم يعد ملاذًا آمنًا للفلسطيني، هذا السلوك يصف بدقة حالة الانحدار الأخلاقي الذي يعيشه الاحتلال، وينم عن عقلية استعمارية ترى في الفلسطيني، حيا أو ميتا، مجرد وسيلة لتحقيق هدف عسكري أو دعائي. السؤال الأهم، ماذا لو أن من قام بهذا الفعل حركة حماس؟ أو دولة عربية؟ هل كان المجتمع الدولي سيقف مكتوف الأيدي، هل سيلتزم المجتمع الدولي الصمت كما يفعل وفعل في العديد من القضايا التي تكون فيها إسرائيل طرفا؟ بالتأكيد لا، بل كانت الدنيا ستقوم ولن تقعد، كنا سنشهد جلسات طارئة لمجلس الأمن، وإدانات شديدة اللهجة، وعقوبات فورية، وحملات إعلامية عالمية تصف الفعل بـ»البربري» والهمجي، وتُساق فيه مفردات انتهاك القيم الإنسانية، وسيصنف فعلاً إرهابيا، فعلاً يعود بنا إلى العصور الوسطى!. لكن عندما يكون الفاعل هو إسرائيل، تنقلب المعايير رأسا على عقب، يُعاد تعريف الجريمة، وتُخفف اللغة، ويُبحث عن تبريرات، والصمت يكون تبريراً للجريمة، وانحيازا فاضحا، حتى باتت ازدواجية المعايير بنية راسخة في النظام الدولي، حيث تُمنح إسرائيل حصانة أخلاقية وسياسية لا تُمنح لأي طرف آخر. الأخطر من ذلك أن هذا الصمت يبعث برسالة واضحة: الفلسطيني مستباح، حتى في قبره. هذه الرسالة لا تُهدد الفلسطينيين وحدهم، بل تقوض فكرة القانون الدولي ذاته، حين يُسمح لقوة احتلال أو أي قوة أخرى بأن تنبش القبور دون محاسبة، فإن كل الخطاب الغربي عن حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، ما هو إلا خطاب أجوف انتقائي مجرد من المصداقية، سيق لمجتمعاتنا لترهيبها لا لإنصافها. وفي هذا السياق، لا يقتصر الأذى على انتهاك حرمة الموتى، بل يمتد ليطال ذويهم نفسيا ومعنويا، إذ يُترك الأهالي في حالة شك دائم حول مصير رفات أحبتهم ومواقع دفنهم، دون أي معلومة رسمية أو ضمانة، في شكل من أشكال التعذيب النفسي القاسي، وقد دفع ذلك عددا من العائلات إلى مطالبة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتدخل لإعادة دفن الجثامين التي جرى إخراجها، وضمان التعامل معها بكرامة، في مشهد يختصر عمق الانكشاف الإنساني الذي يعيشه المدني الفلسطيني. ويعزز هذا الواقع ما وثقه المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، الذي أشار إلى أن الجيش الإسرائيلي دمر 21 مقبرة من أصل 60 في قطاع غزة خلال العامين الماضيين، وعمل بشكل منهجي على تخريب ونبش المقابر في مختلف المناطق التي نفذ فيها توغلات برية، بما شمل تجريف القبور، واستخراج الرفات، وسحقها بالآليات العسكرية، ما أدى إلى اختلاط الرفات واختفائها، وتضرر القبور المجاورة لمواقع الحفر، كما أن اتساع نطاق فتح القبور واستمرار العمليات في ظل غياب أي جهة فلسطينية أو دولية محايدة، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ما يفتح الباب أمام تجاوز حدود البحث عن جثمان محدد، ويضاعف مخاطر انتهاك حرمة المقابر ورفات الموتى في أي وقت يراه المحتل، بما في ذلك سلب الجثامين أو نقلها أو العبث بها دون أثر قابل للتتبع. في المحصلة، ما حدث من نبش وحشي للقبور ليس حادثاً معزولاً، بل انعكاس صريح لواقع الاحتلال المجرم، الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء، مدفوعا بإفلات دائم من العقابب، إن استمرار الصمت الدولي، أو الاكتفاء ببيانات باهتة، لا يعني فقط التواطؤ مع الجريمة، بل المشاركة في إعادة تعريف الإنسانية وفق المعايير الاستعمارية، حيث تُمنح الكرامة للبعض، وتُسلب بالكامل من البعض الآخر. ختاما... وحتى يُكسر هذا الصمت، ستبقى قبور الفلسطينيين شاهدة، لا على موتهم فقط، بل على فشل المجتمع الدولي في الدفاع عن أبسط ما تبقى من إنسانيته.
369
| 28 يناير 2026
لطالما كان الشتاء، بكل طقوسه الثقيلة ورائحة المطر، مادة للشعراء كي يتغنوا به ويمدحوا دفئه المخبأ في حضور المحبوب، غير أن شتاء غزة هذا العام كسر القواعد الشعرية كلها. هنا لم يعد المطر عنواناً للخصب ولا الريح حاملة للبشائر، بل صار البرد نفسه طرفاً في الحرب، شريكاً غير معلن في القتل، وإن لم يكن السبب المباشر. في قطاع محاصر يعيش أهله على قيد النجاة منذ شهور، تحوّل الشتاء إلى امتحان آخر تُسهم فيه السياسة والحصار ومنع وصول المأوى في تحويل الليالي إلى فخاخ موت بطيء. منذ أكتوبر 2023، تآكلت البنية السكنية للقطاع حتى لم يعد هناك بيت بمعناه التقليدي، وأصبح أكثر من 1.9 مليون فلسطيني بلا سقف دائم، مضطرين للعيش في مدارس مكتظة أو خيام أو هياكل صفيح ضعيفة تتحمل أقل عاصفة. ومع بداية الشتاء القارس، بدا واضحاً أن المشكلة لم تكن فقط في غياب المأكل والماء والدواء، بل في غياب الدفء. فالخيمة لا تصمد أمام عاصفة، ولا تمنع تسرب المياه، ولا تحفظ حرارة جسد طفل ولا شيخ ولا امرأة، ومع كل ليلة باردة تتفاقم المخاطر بشكل غير مسبوق، ويشعر السكان بأن الشتاء أصبح عدوهم المباشر بعد القصف والحصار والجوع. ضاعفت الأزمة منع الاحتلال دخول الكرفانات والمساكن المؤقتة، وهو ما أكده مقرر الأمم المتحدة الخاص بالحق في السكن اللائق، الدكتور بالاكريشنان راجاغوبال، الذي حذّر من أن «نقص المأوى والحماية من البرد يُضاعف معاناة السكان بشكل حاد، ويعرض الأطفال وكبار السن لمخاطر مباشرة على حياتهم»، مؤكداً أن هذه القيود «تشكل عامل وفاة إضافياً في ظل الظروف الحالية». هذه المأساة ليست مجرد سرد إنساني، بل واقع موثَّق بالأرقام: فقد أفادت وزارة الصحة الفلسطينية في يناير 2026 بأن 24 شخصاً على الأقل توفوا بسبب البرد منذ بداية الشتاء، بينهم 21 طفلاً، بينما سجلت المراكز الطبية زيادة كبيرة في حالات الالتهاب الرئوي والتهابات أخرى مرتبطة بالبرد والرطوبة، بعض هذه الوفيات كانت ناجمة عن انخفاض حرارة الجسم نتيجة الخيام المبتلة والبرودة المستمرة، فيما اضطر آلاف المرضى المزمنين إلى مواجهة الليالي دون تدفئة، ما فاقم من حالتهم الصحية. الأرقام لا توضح فقط حجم المأساة، بل تكشف فشل استجابة الإغاثة. منظمات إنسانية، بينها المجلس النرويجي للاجئين، قالت إن نحو 4,000 وحدة من الكرفانات التي يمكن أن توفر مأوى آمناً لم تُسمح بدخولها، وهو ما ترك آلاف الأسر في مواجهة مباشرة مع البرد القارس. ووفق تقديرات الأمم المتحدة، أكثر من 235 ألف شخص تأثروا مباشرة بتضرر خيامهم أو عدم توفر مأوى مناسب، فيما أشارت المنظمات الحقوقية إلى أن استمرار المنع سيؤدي إلى زيادة وفيات الأطفال وكبار السن مع كل موجة برد جديدة. كل ذلك يضع المدنيين أمام واقع مؤلم: البقاء تحت السماء الممطرة أو مواجهة الموت البطيء داخل خيمة لا تمنح أي حماية، وتزداد صعوبة العيش مع قلة الوقود وانقطاع الكهرباء، بحيث يصبح كل مساء اختباراً للبقاء على قيد الحياة. الشهادات الميدانية تضع القارئ في قلب المشهد. في خان يونس، روى رجل خمسيني نازح كيف اقتلعت الرياح العاتية خيمتهم، مضيفاً: “لم يعد يكفينا أن ننجو من القصف، الآن علينا أن ننجو من البرد أيضاً”. في رفح، تحدثت أم لثلاثة أطفال عن معاناتهم داخل خيمة مبتلة بالكامل، قائلة: “نحاول تغطيتهم بكل ما نملك من ملابس وبطانيات، لكن الحرارة منخفضة بشكل لا يطاق، وأشعر أن الشتاء يسرق حياتهم”. وفي مخيم جباليا، شوهد أطفال يجلسون حول نيران صغيرة يحاولون بها تدفئة أنفسهم بينما المطر يهطل بغزارة فوق رؤوسهم، مشهد يعكس مدى ضعف الإمكانيات وقلّة حيلة المنظمات أمام نازية الاحتلال، مع تزايد القلق من إصابات متكررة بالأمراض الشتوية. الشتاء في غزة امتحان للبقاء، حيث الخيمة ليست رفاهية بل سلاح حياة. مع منع الكرفانات، تتحول الليالي الباردة إلى حصاد حقيقي للأرواح، والأطفال والرُّضَّع هم الأكثر عُرضة للخطر. هذه الحقائق توثّقها منظمات حقوق الإنسان التي تشدد على ضرورة رفع القيود فوراً لضمان الحد الأدنى من مأوى آمن، معتبرة أن أي تقاعس إضافي سيضاعف عدد الوفيات ويزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع. وبهذا يصبح الشتاء عاملًا قاتلاً مضاعفًا، حيث يُضاف إلى القصف والحصار والجوع عامل جديد يُسلب فيه السكان حقهم الأساسي في الحياة. ختاما… الواقع يفرض على المجتمع الدولي الضغط لإيجاد حلول عاجلة: إدخال الكرفانات والمساكن الجاهزة، توفير الوقود ومواد التدفئة، وتأمين مأوى مؤقت يحمي المدنيين من برودة الشتاء القارس، فالأرقام تقول إن الشتاء ليس السبب المباشر للوفيات، لكنه أصبح شريكاً في قتل المدنيين، ومع كل ليلة باردة تتضاعف معاناة الأطفال والنساء وكبار السن الذين لا يجدون مأوى يحميهم من البرد، ويصبح من واجب العالم، وبالأخص الجهات الإنسانية والدولية، التدخل العاجل لإنقاذ ما تبقى من غزة وأهلها.
249
| 21 يناير 2026
قبل ثلاثين عاما، كان الطبيب المصري محمد عبد الغني قاسم عمر ـ من مدينة الزقازيق في محافظة الشرقية بمصر ـ على موعد مع حياة أخرى، فقد استطاع أن يحصل على عقد عمل مغر في المملكة العربية السعودية للعمل بأكبر المستشفيات كطبيب استشاري، كان العقد بالنسبة له بابا واسعا للخلاص من ضيق العيش وتأمين مستقبل كريم لأسرته وأبنائه الثلاثة، حلم بسيط ومشروع: أن يعود يوما إلى بلده وقد ترك أبناءه واقفين على أقدامهم دون حاجة. ما كان الرجل يعلم أن عقد العمل ذاته سيصبح بعد عقود سيفا مسلطا على رقبته، وكابوسا يقض مضجعه، وأنَّ رياح الغربة التي ظن أنه سيبحر عبرها إلى برّ الأمان، ستعيده إلى الشاطئ مكسورا ومهددا ومجردا من أكثر ما حاول أن يبنيه: أسرتهُ. القصة هنا لا تبدأ من الطائرة التي أقلته إلى الخليج، بل من اللحظة التي قرر فيها العودة إلى مسقط رأسه بعد ثلاثين عاما من العمل المتواصل، حين أعلن لأبنائه عبر اتصال هاتفي أنه سيعود أخيرا إليهم ليستريح، إلا أنه لمس رد فعل مناقض لتوقعاته، مغترب عاش حياته كي يعود، فبدل أن يُستقبل بكلمات الامتنان لصنيعه على مدار سنوات الغربة، واجهه ابنه الأكبر بنبرة صوت حادة، وبأسلوب لم يعتده من ابنه العاطل عن العمل، الذي يعتمد هو وأسرته على أموال والده، وتهديدات قانونية، وبالتحريض المباشر بالسجن من ابنته الكبرى، التي وصفها الأب في أحد مناشداته بـ «رأس الأفعى»، مذكّرا كيف كانت عاقة بوالدتها قبل وفاتها. بعد هذا الإعلان، اكتشف الطبيب أن ابنه الأكبر استغل التوكيل العام الذي منحه إياه طوال السنوات لإدارة أملاكه، وباع حوالي عشر وحدات سكنية دون أن يحوّل جنيها واحدا إلى والده، في سياق خيانة مكتملة الأركان، إذ تتجسد فيها كل علامات العقوق: الإنكار، الجحود، استغلال السلطة، والتعدي على الروابط الأسرية بكل وقاحة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تفاقمت الأزمة بتحريض الابنة الكبرى، التي أدت دورها في التهديد بسجن والدها، ما جعله عالقا في بلد الاغتراب نفسه، بلا قدرة على العودة إلى مصر لتسوية أموره أو حماية نفسه، حتى أصيب الأب بنزيف دماغي نتيجة الصدمة النفسية الشديدة، وهو احتمال لا يستغربه أحد بعد ما مر به من صدمة عاطفية ومالية في وقت واحد. القصة تكشف أكثر من زاوية اجتماعية من وجهة نظري، أولا.. غياب الأب التربوي في حياة الأبناء، على الرغم من حضوره المالي، غاب الحضور اليومي الذي يصنع الاحترام والامتنان، فالوقت المشترك، النقاشات، الاحتكاك، والقدوة اليومية أهم بكثير من المال وحده في بناء القيم لاسيما في حال غاب دور الأم التربوي، ثانيا.. الاستحقاق بدل الامتنان: الأبناء الذين تربوا على فكرة أن كل ما يقدمه الأب واجب مفترض لا يُشكر عليه، يتحول العطاء لديهم إلى حق مكتسب، ما يجعل العقوق سلوكا لا إراديا عند أول تجربة تمكِّن الأبناء من امتلاك قوة مالية أو قانونية، ثالثا.. هناك البعد النفسي للقسوة الأسرية، فالتعامل مع والد كريم وغياب الرادع الأخلاقي يؤدي إلى شعور بالانفصال عن الفطرة، حيث يُنظر إلى الوالد كمصدر دائم للمال، لا ككائن يحتاج إلى الاحترام والاعتراف بحقوقه وبره. أما البعد القانوني، فالتوكيل العام أعطى للابن سُلطة التصرف في الأملاك، وأصبح أداة للاستيلاء المشروع قانونيا، والقانون لا يحمي «المغفلين»، ولا يحمي القيم الأخلاقية شفاهة، لأن القانون يتعامل مع أوراق ثبوتية وعقود لا مع المشاعر، لتتصادم العدالة القانونية مع العدالة الإنسانية. وقد يكون البعد الديني في هذه القصة هو الأهم، فحتى لو حاول البعض تبرير العقوق بردّه إلى غياب الأب أو تقصيره التربوي، فإن الدين لا يسمح بذلك، الإسلام أمر بالإحسان للوالدين في كل الأحوال، حتى إذا كان الوالدان مقصرين أو مختلفين عقائديا، فالقرآن واضح وصريح، لقوله تعالى «وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا» [لقمان: 15]. فبر الوالدين واجب لا محالة طالما لم يكن في معصية الخالق. قصة الطبيب محمد عبد الغني قاسم عمر ليست خلافا عائليا عابرا، بل جرس إنذار ومرآة تعكس دواخل البعض ممن يحيون في مجتمعاتنا وهم منسلخون عن قيمهم الإنسانية ومبادئهم الدينية، حيث تتحول الروابط الأسرية إلى حسابات مالية، ويغيب الاحترام عمن بذلوا أعمارهم آباء وأمهات ليؤمنوا حياة كريمة لأبنائهم ولتنشئتهم التنشئة السليمة. ختاما... العقوق ليس ممارسة، بل هو جنوح إلى اللا أخلاق من قبل الأبناء، وإلى التخفف من مبادئ الشريعة الإسلامية التي أكدت صراحة على بر الوالدين ولم تترك الأمر لاجتهاد الفقهاء، فقال الله تعالى في محكم تنزيله «وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا» [الإسراء: 23]. وهذا ليس مجرد وصية أخلاقية، بل حكم حاسم يوضح لكل ابن وابنة أن الإحسان للوالدين واجب ثابت، والعقوق لا يبرره تقصير الوالدين.
354
| 14 يناير 2026
داخل جرارٍ زراعيٍّ متآكلٍ بات خارج الخدمة، تعيش المسنّة الفلسطينية فاطمة أبو سعادة مع من تبقى من عائلتها في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، يحيطها الفقر والمرض معًا. فالجرار الزراعي تحوّل إلى مأوى قسري، وسقفٍ تستظل به من عراء الحاجة، وخطّ الدفاع الأخير أمام برد الشتاء وغبار الركام. الحاجة فاطمة، التي تعاني الربو منذ سنوات، لم يعد جسدها يحتمل هذا الهواء الثقيل المشبع بالدخان والعفن والرطوبة، ومع غياب الأدوية وأجهزة الاستنشاق، لجأ ابنها إلى وسيلة لا تخطر على بال أحد، إذ اتخذ من منفاخٍ مخصص لنفخ عجلات السيارات وسيلةً، علّها تسعف والدته المسنّة، محاولةً منه لتخفيف معاناتها. يضغط به الهواء عبر خرطوم، علّه يمنح صدر أمه نفسًا إضافيًا، يؤخّر اختناقًا صار روتينًا يوميًا في ظل تداعي النظام الصحي جراء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. في هذه الصورة، نستطيع أن نتخيّل المشهد الصحي في غزة، الذي دفع بأهلها إلى اللجوء لأدوات بدائية قد تكون الوسيلة الأخيرة لمنحهم حقهم البديهي في الحياة. ما تعانيه الحاجة فاطمة أبو سعادة ليس حالة فردية معزولة، بل تجسيد صارخ لحرب غير معلنة تُدار بأدوات مختلفة؛ حرب تستهدف الحق في العلاج، وتُفرغ مفهوم وقف إطلاق النار من مضمونه، وتحوّله إلى توقفٍ شكلي مقابل استمرار الحصار، ليموت الغزي موتًا بطيئًا. فبينما وُقّعت اتفاقيات بوجود ضامنين دوليين تلزم الاحتلال بفتح المعابر، وتأمين تدفّق المساعدات، وضمان دخول الأدوية والمستلزمات الطبية، تواصل إسرائيل التملّص من التزاماتها، عبر قيود مشددة، وتأخيرات ممنهجة، وشروط تعجيزية تجعل من وصول العلاج مسألة حظٍّ لا حق، مرهونة بمزاج المحتل وحكومته النازية. الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة في قطاع غزة ومنظمة الصحة العالمية تكشف حجم الكارثة؛ فأكثر من 90% من المنشآت الصحية في القطاع تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، فيما خرجت غالبية المستشفيات عن الخدمة، ولم يبقَ منها سوى عدد محدود يعمل بقدرات شديدة التواضع. فمن أصل ستةٍ وثلاثين مستشفى، يعمل أقل من نصفها بشكلٍ جزئي، وسط نقصٍ حاد في الوقود، الأمر الذي يفاقم الأزمة الإنسانية ويهدد بانهيار ما تبقى من الخدمات الأساسية، فضلًا عن نقص الأدوية والأجهزة الطبية الأساسية، والكوادر الطبية. كما أن مراكز الرعاية الصحية الأولية، التي تُعد خط الدفاع الأول للمرضى، أصبحت تعمل بأقل من نصف طاقتها، وبعضها أُغلق بالكامل، ما حرم مئات الآلاف من المرضى من المتابعة الدورية والعلاج الأساسي. وتشير وزارة الصحة في قطاع غزة إلى نفاد أكثر من ثلث الأدوية الأساسية، ونقصٍ حاد في المستهلكات الطبية الحيوية، بما فيها تلك المستخدمة في الطوارئ والعناية المركزة. فما يواجهه مرضى غزة لا يقتصر على نوع واحد من الأمراض؛ فالمعاناة تشمل المرضى جميعًا، من مرضى السرطان، ومرضى القلب، ومرضى الفشل الكلوي، فضلًا عن مرضى الأمراض غير الانتقالية من ضغط وسكري وأمراض تنفسية، التي تتطلب علاجًا مستمرًا ونظامًا صحيًا مستقرًا ومهيّأً لعلاج هذه الحالات، غير أن النظام الصحي المنهار بات شريكًا في حرب الإبادة، عن غير قصد. والصورة داخل المستشفيات القليلة المتبقية لا تقل سوداوية عن الوضع الصحي العام، فالاكتظاظ يتجاوز القدرة الاستيعابية، والأسرّة غير كافية، والأطباء يعملون في ظروف استثنائية، بين انقطاع الكهرباء، وشح الوقود، ونقص الأدوات، واتخاذ قرارات قاسية حول أولوية العلاج. مرضى السرطان والفشل الكلوي وأمراض القلب يدفعون الثمن الأعلى، إذ توفي المئات بسبب تعذّر تلقي العلاج أو منعهم من السفر، فيما يُترك آلاف آخرون لمضاعفات بطيئة، لا تُحتسب في بيانات القصف، لكنها لا تقل فتكاً. في قطاع غزة، لم يعد الموت مرهونًا بقصف منشأة سكنية، أو استهداف مقر نزوح، أو مدرسة إيواء؛ فالموت أضحى الشيء الوحيد المضمون. لم يعد مرهونًا بالصاروخ فقط، بل بقرار المحتل الذي يُغلق معبرًا، أو يعرقل دخول شاحنة دواء، أو يقلّص كمية وقود، غاية وقف جهاز تنفّس، أو تعطيل حضّانة خدج، أو إلغاء عملية جراحية، ومع كل حديث عن تهدئة أو اتفاق، تتكرر المفارقة ذاتها الورق يَعِد، والواقع يخنق. قصة الحاجة فاطمة أبو سعادة واحدة من آلاف القصص التي تكشف جوهر المشهد الصحي في القطاع: إنسان يُقاوم بأدوات بدائية، ونظام صحي يُستنزف عمدًا، ومجتمع دولي يراقب ويوثّق المأساة بالأرقام والتصريحات دون حل جذري، فالجرار الزراعي الذي تسكنه الحاجة فاطمة لا يدينها ولا عائلتها، بل يدين المجتمع الدولي الذي تخلى عن مسؤولياته، ويؤكد أن الاتفاقيات الدولية والمعاهدات تُداس ببساطير الاحتلال يوميًا، في مشهد يكشف أن الفلسطيني يحيا بحقوق مسلوبة، حتى من حقه في «التنفّس». ختامًا.. إن استمرار الاحتلال في تقييد المساعدات، وتلاعبه بتنفيذ بنود اتفاق وقف الحرب، يعني أن الحرب في غزة لم تتوقف، بل باتت مستترة، توقفت بالصورة التي اعتادها من يعيش خارج القطاع، لكنها لا تزال تُمارَس على الغزي بصورة مختلفة، تتجسد في إغلاق المعابر، وتضييق الخناق على المساعدات الإغاثية الأساسية والضرورية للبقاء. فالاحتلال اليوم يمارس طقسا نازيا أكثر شراسة، مستخدماً كل السبل الممكنة لقطع الحياة عن غزة.
345
| 07 يناير 2026
اليوم نمرّر آخر ورقة في أجندة التقويم الميلادي لعام 2025، ومع سقوط الورقة الأخيرة، ينشغل كثيرون بترتيب أمنياتهم وصناعة ما يُعرف بالـ Vision Board؛ لوحات يكتب عليها الأهداف والطموحات والأحلام المؤجلة، وكأن العام الجديد مساحة بيضاء قابلة للتخطيط وإعادة المحاولة، هذه رفاهية يملكها من يضمن الغد، ومن يستطيع أن يحلم دون أن يخشى البقاء. لكن التقويم لا يعمل بالمنطق ذاته في فلسطين، هنا، لا تُقاس الأعوام بما يُنجز، بل بما يُحتمل، ولا تبدأ السنة بسؤال: ماذا نريد أن نحقق؟ بل بسؤال: ماذا بقي لنا؟ فلسطين تدخل كل عام جديد مثقلة بأعوام متراكمة من الحروب المتوالية، وبكومة من الأحزان، وبالكثير من القهر والجوع والعطش والبرد والخوف وأضعافهم خذلان، وكأنها تعيش خارج الزمن العالمي، في استثناء دائم من الأمل. ففي قطاع غزة، لا يحمل العام الجديد معنى البداية، أكثر من مليوني إنسان يدخلون عاماً آخر وسط دمار واسع، وانهيار شبه كامل لمقومات الحياة، وفق تقارير الأمم المتحدة، يعاني جميع سكان القطاع من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يواجه مئات الآلاف خطر المجاعة الفعلية، الجوع هنا لم يعد جوعا، بل تجويع مع سبق الإصرار والترصد، سياسة ينتهجها محتل فاشي نازي، وواقع يومي يطال الأطفال قبل غيرهم. أكثر من نصف العائلات لا تحصل إلا على وجبة واحدة غير مكتملة في اليوم، إن وُجدت، ومع تدمير الأراضي الزراعية، وتعطيل سلاسل الإمداد، وإغلاق المعابر، بات الغذاء أداة ضغط في غزة لإجبار أهلها على الهجرة طواعية، فاليوم في غزة لا يُقاس بعدد الساعات، بل بعدد ساعات الجوع والعطش التي لا تميز بين رضيع في المهد وبين طفل وبين شيخ كبير، فالجوع واحد والمعاناة واحدة والموت في غزة واحد. وإلى جانب الجوع، يبرز العطش كوجه آخر للمأساة، فغالبية السكان لا يحصلون على الحد الأدنى من المياه الصالحة للشرب، ما يتوفر في كثير من المناطق لا يتجاوز بضع لترات للفرد يوميًا، وهي كمية لا تكفي للحياة، ولا للصحة، ولا للكرامة. هذا الشح انعكس مباشرة على انتشار الأمراض، وسوء التغذية، وتدهور الوضع الصحي، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن. ومع دخول فصل الشتاء، تتخذ المأساة بعداً أشد قسوة، الأمطار التي يفترض أن تكون موسم خير، تحوّلت في غزة إلى عامل تهديد بل لعامل يفضي بالموت المحقق، أحياء كاملة غرقت بمياه الأمطار المختلطة بالصرف الصحي، وخيام مؤقتة لم تصمد أمام الرياح والبرد، فيما بات آلاف الفلسطينيين بلا مأوى فعلي يحميهم من قسوة الطقس، ورغم النداءات الإنسانية المتكررة، لا يزال إدخال الكرفانات والمساكن المؤقتة يواجه قيوداً مشددة، ما فاقم الأزمة مع كل منخفض جوي، هذا الواقع جعل الأطفال وكبار السن الفئة الأكثر عرضة للخطر، حيث سُجّلت حالات وفاة نتيجة البرد القارس والغرق، في ظل غياب وسائل التدفئة، ونقص الأغطية، وانعدام بنية تصريف المياه، في غزة لا يموت الناس بالقصف وحده، بل بردا، وغرقًا..أيضاً. الشتاء هنا لا يُقاس بدرجات الحرارة، بل بعدد الخيام التي جرفتها السيول، وعدد العائلات التي قضت ليلها في العراء، وعدد الأجساد الصغيرة التي لم تحتمل البرد والرطوبة، ومع استمرار منع حلول الإيواء العاجلة، يتحول كل منخفض جوي إلى تهديد مباشر للحياة، وكأن الطبيعة نفسها أُضيفت إلى أدوات العقاب الجماعي. وإذا ما تحدثنا عن الضفة الغربية، لا يبدو المشهد أقل قتامة، العام الجديد يُستقبل بمزيد من الاقتحامات، والاعتقالات، وهدم المنازل، وتوسّع استيطاني لا يعترف بتقويم ولا بقانون، عائلات تستفيق على هدير جرافات الاحتلال وهي تهدم منازل الفلسطينيين على رؤوسهم، وتصادر أراضيهم، وتـسر شبابهم وشيبانهم ولا تتورع في أسر أطفالهم بلا تهمة واضحة، وبلا أفق ينبئ بالخلاص. القدس عاصمة «فلسطيننا» الأبدية، فتدخل عاماً جديداً مثقلة بسياسات التضييق والتهويد، حيث تُفرض قيود على العبادة والحركة، وتُسن قوانين تستهدف الوجود الفلسطيني ذاته، مدينة يُفترض أن تكون رمزًا للسلام، لكنها تحوّلت إلى ساحة صراع يومي على الهُوية والبقاء، فضلا عن تكرار اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى تحت حماية مشددة من شرطة الاحتلال، وبإيعاز وتحريض مباشر من وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، في محاولة لفرض وقائع جديدة تمس الوضع التاريخي والقانوني، كان آخرها يوم الأول من أمس وأدوا خلالها طقوسا تلمودية علنية رافقها جولات استفزازية رافقها غناء وتصفيق. وسط هذا كله، يواصل العالم رفع شعارات حقوق الإنسان، بينما تُترك فلسطين خارج هذا الخطاب، بيانات قلق، ومواقف رمادية، وصمت طويل أمام معاناة موثقة، ازدواجية المعايير لم تعد خفية، بل حقيقة يومية يدفع ثمنها المدنيون، ومع ذلك، لا يدخل الفلسطيني العام الجديد منكسرا بالكامل، فوسط الركام، ما زالت الحياة تُقاوم، عائلات تتقاسم القليل، وأمهات يحاولن حماية أطفالهن من البرد قبل الجوع، وشعب يصرّ على البقاء، لا لأنه واثق بعدالة العالم، بل لثقته بالله، ولأنه لم يتخلَّ يوما عن حقه في هذه الأرض. ختاما.. وهكذا، بينما يطوي العالم صفحة 2025 ويستعد لعام جديد مليء بالأمنيات، تبقى فلسطين خارج التقويم، تحصي أيامها بالوجع، وتكتب تاريخها بالصبر، انتظارا لعام لا يكون كغيره من أعوام، عام تحت سماء الحرية، بلا قهر وبلا جوع ولا عطش ولا شهادات موت تزيد عن شهادات الميلاد.
306
| 31 ديسمبر 2025
كان محتضنًا ابنته ليحميها من البرد القارس، كما اعتاد في هكذا أحوال، كان يحاول أن يصنع من جسده مدفأة لها، يتوسل لأي ذرة دفء أن تسري من بين أضلاعه نحو جسدها النحيل، كان يفرك كفّيه ببعضهما علّ احتكاكهما ينتج حرارةً، ثم يلفّ بهما كفّي ابنته الصغيرة ذات الأشهر الستة، بعد أن نفدت حلول الأرض كلّها في إيجاد دفء داخل خيمته الممزّقة التي اقتلعها المطر وشرّد مَن بقي تحتها، تمامًا كما يريد المحتل أن يقتلع الغزيين من أرضٍ ارتوت بدماء أبنائها الشرفاء، ونسائها الماجدات، وشيوخها الكرام. كان يحاول بكل ما تبقّى له من قوة أن يحافظ على آخر ما تبقى من عائلته التي مزّقت الحرب أوصالها، لكنه فوجئ بأن محاولاته المستميتة لحمايتها لم تُجدِ نفعًا، فهدأت أنفاسها شيئًا فشيئًا، وكأنها تستسلم لإرادة الطقس القارس، بدأ يهزّها برعب، يناديها بصوتٍ متقطّع: «بابا… قومي، قومي يا با»، محاولًا أن يعيد الروح إلى جسدها الذي بدأ يتحوّل إلى قطعة جليد يابس. وعندما أدرك الحقيقة، صرخ من أعماقه: «يا الله»، صرخةً اختلط فيها الظلم بالعجز، والمرارة بالانهيار، اتهم الدنيا كلها باللاعدالة، واستغاث بآخر أنفاسها علّها تعود إليه ولو لحظة. هذا المشهد ليس بداية فيلم، ولا مقدّمة رواية تنافس على الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر»، ولا مشهدًا مفبركًا لرفع مشاهدات إحدى المنصات!، هو مشهد حقيقي من قلب المعاناة التي يعيشها الغزيون يوميا، مشهد اختزله عقلي المثخن بالمشاهد الموجعة، وربما كان أقلّها قسوةً رغم فداحته، لكنه إنسانيا بامتياز، فقد عرَّى أمةً بأكملها، وأسقط عنها آخر ورقة توتٍ كانت تغطي تخاذلها، هو مشهد واحد ضمن آلاف المشاهد التي كان ضحيتها الفلسطيني أينما كان، والغزيّ الذي حاول أن يصدّق أنّ للمحتل عهدًا ومواثيق، رغم أن التجربة الطويلة تقول العكس، فالإنسان الفلسطيني يتعامل مع الاحتلال بكتاب مفتوح، فيما يتعامل العالم مع الاحتلال بحسن نية لا يستحقها، وحدسٍ يأتي غالبًا في غير محلّه. وفي مواجهة هذا الواقع القاتم، أطلق مؤثرون وسم #أدخلوا_الكرفانات_ إلى_غزة كصرخة في واد، علَّها أن تحيي الضمائر التي تنعم في سباتها، وتعكس الحاجة الإنسانية العاجلة، وتذكّر بأن البرد دون مأوى فعله كفعل الرصاص بل أشد وطأة فهو الذي يقتل ببطء، الوسم أعاد تسليط الضوء على فجوة ضخمة في توفير الملاجئ والمأوى المؤقت، إذ تُقدّر الحاجة الفعلية بما يقارب 60,000 كرفان و200,000 خيمة لإيواء العائلات التي دُمّرت منازلها، وفق تقارير محلية ومنظمات إنسانية. ومع ذلك، لم يدخل إلى غزة سوى عدد محدود جدا من الكرفانات، وهي وحدات غالبا مخصصة لمؤسسات دولية، فيما تبقى الغالبية العظمى من الناس بلا مأوى يليق بانتمائهم إلى النوع البشري. وتشير بيانات الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة إلى فجوة مرعبة بين الاحتياج والمتوفر، فبينما يحتاج أكثر من 1.3 مليون شخص إلى مواد إيواء عاجلة، لم تتم تلبية سوى نسبة صغيرة للغاية من هذا الاحتياج، هذا النقص الفادح يعرض المدنيين، ولا سيما الأطفال والرضّع وكبار السن، لخطر مباشر من البرد، ومضاعفات الأمراض، والموت البطيء داخل خيام لا تقاوم الرياح ولا المطر، وفي موجات الطقس القاسية التي ضربت القطاع، سجّلت منظمات إنسانية عشرات الوفيات بسبب البرد وحده. ولم يتوقف البؤس عند حدود المأوى، فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، لا يزال 945 ألف شخص بحاجة إلى مساعدات شتوية ضرورية، كما أكدت منظمة الهجرة الدولية (IOM) أن الأطفال الرضّع وكبار السن هم الأكثر عرضة للوفاة المبكرة نتيجة البرودة ونقص التدفئة، وقد وثّقت وكالات الإغاثة وفاة سبعة رضّع على الأقل خلال هذا الشتاء بسبب غياب المأوى المناسب. أما الجوع، فهو رفيق البرد، وخصمه الأصعب. فوفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية ومنظمة الصحة العالمية (WHO)، تجاوزت الوفيات الناتجة عن سوء التغذية والمجاعة 460 شخصًا، بينهم 154 طفلًا. وبينما يدخل بعض الغذاء منذ وقف إطلاق النار، يبقى 1.6 مليون فلسطيني في حالة انعدام أمن غذائي، ما يجعل البقاء نفسه معركة يومية. وما يزيد المشهد قسوة أنّ هذا الواقع لم يعد يثير ضجة كما كان يفعل في بدايات الحرب، الاعتياد قتل الحسّ الإنساني لدى كثيرين، وباتت الصور التي كانت تُبكي العالم تمرّ اليوم مرورًا عابرًا في خوارزميات المنصّات، لكن داخل غزة، لا شيء عابرا؛ فكل خيمة تحمل حكاية، وكل أسرة لديها شهيد أو جائع أو طفل أو رضيع قضى برداً، كثير من العائلات باتت بلا مأوى بكل ما تحمل الكلمة من معنى، هذا التآكل البطيء للكرامة الإنسانية هو الوجه الآخر للحرب التي يحياها الغزيون رغم الاتفاقيات والهدن!، وهو ما يجعل توفير الكرفانات والاحتياجات الرئيسية أكثر من مجرد مطلب إغاثي، بل مطلب حياة. ختاما هذه الفجوة بين الاحتياجات والواقع لا تكشف فقط قصور الاستجابة الإنسانية، بل تفضح حجم ضعفنا واعتيادنا على المشهد،رغم أنَّ وسم #أدخلوا_الكرفانات_إلى_غزة هو بمثابة نداء حياة؛ وتذكير بأن كل يوم تأخير يعني روحًا ستزهق مع كل تقاعس عن تلبية نداء الاستغاثة هذا.
231
| 24 ديسمبر 2025
في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، تستعيد دولة قطر لحظة مفصلية في تاريخها الحديث؛ ففي 18 ديسمبر 1878 تولّى المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني الحكم، ليبدأ عهد توحيد البلاد تحت قيادة واحدة، وترسيخ ملامح الدولة الحديثة. كان هذا التاريخ نقطة الانطلاق لمشروع تأسيسي واضح المعالم، صاغ الهُوية الوطنية، ورسّخ قيم الاستقلال والسيادة، ومهّد لمسيرة الدولة بثبات وثقة، بعد أن جاء امتدادًا لأول اعتراف دولي بالدولة القطرية المستقلة عبر اتفاقية 1868 التي وقّعها الشيخ محمد بن ثاني مع السلطات البريطانية في الخليج، والتي اعترف بموجبها بسيادة قطر. وحين ننظر إلى قطر في بدايات نشأتها، نجد دولة صغيرة في جغرافيتها، كبيرة في إرادتها. ففي زمن المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، كانت التحديات وجودية: تثبيت أركان الدولة، حماية الاستقلال، وبناء مجتمع متماسك في محيط إقليمي معقّد. وقد استطاع المؤسس، بحكمة القائد وبُعد نظره، أن يرسخ قواعد الدولة على قيم السيادة والكرامة والشورى والالتفاف حول القرار الوطني. لم تكن تلك القيم شعارات، بل أسسًا صلبة صمدت أمام التحولات. فإذا ما قارنَّا بين قطر الأمس وقطر اليوم، فلن تكون المقارنة على مستوى الإمكانات فحسب، بل في نوعية الدور؛ فالدولة التي كانت تسعى لتأمين بقائها، أصبحت اليوم لاعبا استراتيجيا مؤثرا في محيطها الإقليمي والدولي. ولم يكن هذا التحول مفاجئا، بل نتاج رؤية طويلة الأمد بذر المؤسس بذورها، عندما ركز على تعزيز الداخل، وتكريس أهمية الإنسان والاستثمار فيه، قبل الانفتاح على العالم ومد جسور العلاقات الدبلوماسية. ومع مطلع الألفية الجديدة، دخلت دولة قطر مرحلة جديدة من البناء المؤسسي قاد شرارتها صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حيث توسعت الاستثمارات في التعليم والصحة والبنية التحتية والاقتصاد، غير أن النقلة الأبرز تجلت في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، الذي قاد الدولة في مرحلة اتسمت بتحديات متسارعة إقليميا ودوليا، وحوّل تلك التحديات إلى فرص لإعادة تعريف الدور القطري، فمنذ تولي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، مقاليد الحكم، ضخ سموه حراكا واضحا في مفاصل الدولة، قائما على الديناميكية وسرعة القرار والرهان على الكفاءات الوطنية. فقد شهدت دولة قطر في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، تسارعاً في مشاريع التنمية، وتكريساً لاقتصاد متنوع يستند إلى المعرفة والاستدامة، ويضع الإنسان في صلب الأولويات. لم تعد التنمية مفهوما نظريا، بل ممارسة يومية انعكست في جودة الخدمات، وتطوير التشريعات، وتمكين الشباب. وعلى المستوى السياسي، برزت قطر كدولة ذات صوت مستقل لا يساوم على قراره ولا يتخلى عن مبادئه، فلعبت أدوارًا محورية في الوساطة وحل النزاعات، وقدمت نموذجًا لدبلوماسية نشطة ومتوازنة وإنسانية، جعلت منها طرفًا مشهودًا له بالحياد وموثوقًا في ملفات معقدة. ولم يكن هذا الحضور بعيدًا عن الداخل، بل تعبيرًا عن دولة واثقة من استقرارها وتماسك جبهتها الوطنية. أما اقتصادياً، فقد تجاوزت قطر مرحلة الاعتماد الأحادي، واتجهت نحو تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار والصناعات المعرفية. ورغم الأزمات العالمية، أثبت الاقتصاد القطري مرونته وقدرته على التكيف، مدعومًا بسياسات مالية حصيفة ورؤية واضحة للمستقبل. واجتماعياً، حافظت الدولة على توازن دقيق بين التحديث والحفاظ على الهوية، فالانفتاح لم يكن على حساب القيم، والتطوير لم يأتِ على حساب التماسك المجتمعي. وهنا تتجلى مرة أخرى روح المؤسس التي ترى في المجتمع المتماسك حجر الأساس لأي نهضة حقيقية. وقبل الختام علينا أن نعرِّج على شعار اليوم الوطني لهذا العام "بكم تعلو ومنكم ننتظر"، شعار لا يُقرأ بمعزل عن منظومة الحكم التي تُدار بها البلاد، بل باعتباره تجسيدًا لعلاقة تقوم على الثقة والمسؤولية المشتركة بين القيادة والشعب؛ فالدولة التي وفرت البيئة والاستقرار والفرص، تنتظر من مواطنيها المشاركة الفاعلة والإبداع والالتزام. والعلو هنا ليس موقعًا جغرافيًا أو تصنيفًا دوليًا، بل مستوى وعي ونضج تجربة وقدرة على الاستمرار، وتقديم الغالي والنفيس لتبقى راية قطر عالية خفّاقة. ختاماً... وفي كل ثامن عشر من ديسمبر، تعلن قطر استمرارية مشروعها الوطني، وتبرهن للقاصي والداني أن مستقبلها يُكتب بإرادة أبنائها، فالدول لا تُقاس بحجمها الجغرافي، بل بصلابة رؤيتها، وبحكمة قيادتها، وولاء شعبها، ومنذ التأسيس وحتى اليوم، أثبتت قطر أن الثبات على المبادئ والانحياز للإنسان هو الطريق الأصدق لبناء دولة تستحق مكانها بين الأمم.
297
| 17 ديسمبر 2025
مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...
3069
| 08 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار...
2481
| 04 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...
2454
| 09 مارس 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر...
1059
| 04 مارس 2026
-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...
780
| 07 مارس 2026
في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم...
654
| 05 مارس 2026
وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...
642
| 10 مارس 2026
رسالتي هذا الأسبوع من حوار القلم إلى الرجل...
636
| 05 مارس 2026
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة...
603
| 04 مارس 2026
عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...
540
| 09 مارس 2026
حين ننظر إلى الخريطة السياسية عند قراءتنا للتاريخ...
525
| 04 مارس 2026
إلى من نحب… إلى الذين يسكنون القلب ولو...
519
| 06 مارس 2026
مساحة إعلانية