رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

لماذا تكتب؟..

من أكثر الأسئلة التي توجه لي في حواراتي الثقافية، أو توجه إلى غيري من الكتاب، هو لماذا تكتب؟. سؤال قد يفاجئ الكاتب نفسه، لأن إجابته في روحه، أنه منذور للكتابة. يولد الإنسان وفي روحه كل المواهب. الفنون والرياضة والسياسة وحتى القتال، لكنه لا يقرر مبكرا كيف يكون. هي البيئة حوله تجذبه إلى ما يتفق مع روحه أكثر، أو تفتح له المجال. البيئة الصالحة من مدارس وبيوت وحدائق وشواطئ، تستدعي الجمال الكامن في روح أي إنسان، بينما البيئة السيئة تفتح طريق الشرور. هكذا عشت البيئة الصالحة في الإسكندرية في الخمسينيات والستينيات. كان أبي متدينا يجمعنا حوله كل ليلة ونحن أطفال يحكي لنا قصص الأنبياء في القرآن الكريم. كذلك يحكي لنا من التراث العربي حكايات أبي زيد الهلالي وغيرها. تزامَلت معه المدرسة التي كان فيها جماعات للموسيقى والفن التشكيلي والمسرح ومكتبة نقرأ بها ساعتين في الأسبوع. فقفزت الحكايات تريد أن أكتبها. تماما مثل الحكايات التي أقرأها في مكتبة المدرسة أو أسمعها من أبي. أو مثل الأفلام الأجنبية والمصرية التي كنت أشاهدها في السينما التي عرفت الطريق إليها في الخامسة من عمري، وأقرأ على الإعلان اسم الرواية أو الملحمة المأخوذ عنها الفيلم. أو المقاهي التي أمرّ عليها فأرى من الجاليات الأجنبية من يقرأ صحيفة بالإنجليزية أو الفرنسية أو الأرمينية أو الإيطالية فأعرف كيف يتسع العالم. كان هذا تراث الفترة الملكية الذي اختفى شيئا فشيئا بعد انقلاب يوليو 1952. أشياء كثيرة ساهمت في أن أكون كاتبا يطول الحديث عنها. * أعود إلى سؤال لماذا تكتب. كيف وقف بعض الكتاب حائرين أمامه؟ خاصة من يتصورون أن العالم سيتغير بكتاباتهم، رغم أن هناك كتابات أخرى معاكسة قد تجد صدى أكثر في الحياة. أو من يتصورون أنهم راحوا ضحية المتنفذين في الحياة الثقافية أو السياسية. عالم الكتابة مثل كل أنشطة الحياة فيه الصالح والطالح. وفيه من يعرف طريق مختصراً للشهرة بالانتماء إلى أجهزة تفتح له الأبواب، وفيه من يكتفي بما يكتب ويعيش على متعة الكتابة. من يتصورون أن كتاباتهم ستغير العالم قد يصيبهم اليأس مما يحدث حولهم. تاريخ انتحار كتاب من العالم كبير. بعيدا عن ذلك أعود إلى ظاهرة تنتشر على صفحات السوشيال ميديا. كثير من المقتطفات من أحاديث لكتاب من العالم، عن لماذا يكتبون. أو أيضا عن الحياة وكيف يجب أن تكون. لا يضايقني ذلك، فمن نذره الله، أو نذرته البيئة التي نشأ فيها للقراءة، يعرف طريق هؤلاء الكتاب وكتبهم الأصلية. وحتى لو لم يعرف القراءة بلغة أجنبية، فحقل الترجمة إلى العربية يتسع الآن بشكل عظيم.. دهشتي تأتي من سؤال لنفسي، لماذا لا يتم الاستشهاد بكتاب مصريين وعرب، وما أكثر من كتبوا سيرتهم ويومياتهم التي فيها أكثر من إجابة عن هذا السؤال. هناك كتب للسيرة الشخصية منذ «الأيام» لطه حسين أو «أنا» لعباس محمود العقاد، حتى تصل إلى صلاح عبد الصبور ورضوى عاشور وغيرهم. كذلك عند كثير من الكتاب العرب مثل نازك الملائكة ومحمود درويش وجبرا إبراهيم جبرا وفاطمة المرنيسي والشيخ سلطان القاسمي وإسماعيل مروة حتى تصل إلى إبراهيم نصر الله وغيره، لكن لا أرى مقتطفات من سيرتهم عن لماذا كتبوا. لست ضد الاستشهاد بالخارج في أي شيء. لكن إذا كان العالم صار صغيرا يقرِّب البعيد، فلماذا لا نلتفت إلى القريب؟ الإجابة عن السؤال لدينا والله كما هي عند الآخرين ولا تختلف كثيرا. بل تتوافق في الكثير من المعاني والأهداف.

402

| 30 أكتوبر 2025

بين الفكر والروح

من الأوقات الصعبة على أيِّ مبدع أن ينتهي من كتابة رواية أو ديوان، وتتوقف الروح لبعض الوقت عن الإبداع، فيجد نفسه مضطرا أن ينظر حوله. الإبداع لا يأتي بالطلب، هو الذي يقفز إلى الوجود حين يشاء، بل ربما يناوئ صاحبه إذا فكر أن يأتي به فلا يأتي. لقد شاءت ظروفي أن تنقسم حياتي بين الإبداع، قصة أو رواية، والكتابة الفكرية، مقالات أو كتب. شيزوفرينيا قسمتها بين الليل والنهار، فأعطيت الليل للإبداع أو الروح، والنهار للفكر. هي رغبتي ألا أخلط بينهما، جعلتني أنجح في ذلك. الرواية أو القصة بالنسبة لي تعني الوحدة مع الليل والموسيقى الكلاسيكية توسع الفضاء حولي. كيف استطعت مع الليل أن أنسى ما شغلني بالنهار في مقال أو دراسة أو تعليقا على حدث سياسي في صفحات السوشيال ميديا. هل هي الإرادة، أم العادة، أم هو اللاشعور يحقق لي ما أريد؟ ليس مُهماً أن أعرف السبب. شاءت الظروف في الأشهر الأخيرة أن أنتهي من رواية قيد النشر. جعل الفراغ الروحي الليل كما النهار انشغالا بما حولي. قرأت هنا مقالا للعزيزة الشاعرة والكاتبة سعدية مفرح عن عصر التفاهة بعنوان «جمهور التفاهة». ليست مشكلة التفاهة فيما تقدم لكن في تغطيتها على ما هو جاد وما أكثره. على يقين أن ما هو جاد على طول التاريخ لا يشغل الجميع، فالبشر ليسوا طبقة واحدة تحكمها ثقافة واحدة. لكن الجاد دائما هو ما يعبر الزمن. لا أحب أن أنشغل بالتفاهة فأعطيها قيمة، لكن مقال سعدية مفرح جعلني أنظر حولي لأرى التفاهة مجسدة في أمر كان يستحق كل احتفاء حقيقي في مصر. أعني به مهرجان الجونة السينمائي. والجونة هي منطقة على البحر الأحمر أقام فيها رجل الأعمال المثقف سميح ساويرس، مؤسس جائزة ساويرس في الآداب والفنون والدراسات والسيرة والسيناريو، مدينة صغيرة يعيش فيها سكانها وبها كل ما تحتاجه المدينة من مدارس أو جامعة أو مستشفى، يقيم بها هذا المهرجان السنوي العالمي للسينما. جاءت الأخبار، وهذه هي الدورة الثامنة للمهرجان، في أغلب المواقع الصحفية عن أزياء الفنانات. وجاءت الصور عنها لتنتشر انتشار النار في الهشيم. صور عن كيف أنقذت فنانة زميلتها حين كاد الفستان يسقط عنها فيظهر جسدها، أو أخرى طَيَّر الهواء الفستان المفتوح من الأمام فأظهر ما تحته، أو إطلالة الفنانات بين الفساتين. شغلت هذه الأحداث التافهة مواقع التواصل الاجتماعي ولا تزال. رغم أن في المهرجان أفلاما عالمية ومصرية تصل إلى حوالي سبعين فيلما، موزعة بين أفلام روائية طويلة وأفلام قصيرة وأفلام تسجيلية، ونشاط ثقافي وندوات، واحتفاء رائع بأعمال يوسف شاهين. من ينقل هذه المشاهد صحفيون يحضرون ويرسلون إلى مواقعهم تغطية للأحداث، لكن المواقع لا تنشر إلا هذه الأخبار التافهة التي يتسع لها فضاء السوشيال ميديا. لا أعرف كيف ينتقون هذه الأخبار إلا استجابة لعصر التفاهة. ولا أعرف ما هي صعوبة أن تدخل المواقع الصحفية على صفحة المهرجان المتوفرة على السوشيال ميديا لتستقي منها أخبارا حقيقية. هكذا جعلتني فترة التوقف عن الإبداع أرى ما حولي من تفاهة. لن يلهيني ذلك عما هو جدير بالقراءة والكتابة مثل غزة، وما يحدث فيها، وربما يعطيني الصبر على ما يحدث في غزة، أنه من الصعب أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، مهما نكست إسرائيل في عهودها. إسرائيل تريد الهروب من المؤتمر الأخير في شرم الشيخ، بتفجير غزة بالخلافات الداخلية. لم تنجح في ذلك من قبل ولن تنجح.

630

| 23 أكتوبر 2025

الجورنيكا.. لا أحد ينام في العالم

تغريني الأحداث وتطورها بشأن غزة أن أكتب فيها، لكني قلت هذه المرة أمشي وراء القلب لا العقل، رغم أن فيما حدث ما يغري العقل كثيرا، فثقتي كبيرة بما أتى به مؤتمر شرم الشيخ الذي حضرته كوكبة رائعة من الزعماء، بعضهم لعب دورا لن ينساه التاريخ مثل قطر ومصر وتركيا، وطبعا أمريكا وغيرها. كثير يمكن قوله عن العلاقة بين أمريكا وإسرائيل الآن، أو أمريكا والدول العربية والإسلامية، أو خطة إعمار غزة وشكل الحكم فيها، لكني أعود أمشي وراء قلبي، فأتذكر اللوحة الجدارية العظيمة «الجورنيكا» لبابلو بيكاسو، الذي كان لي حظ مشاهدتها يوما في أحد المتاحف الإسبانية، والتي قرأت عنها أنها جاءت بعد أن قامت ألمانيا وإيطاليا في أبريل عام 1937 بقصف هذه المدينة الإسبانية في إقليم الباسك، مساندة للقوميين أمام الجمهوريين. ويأخذني قلبي إلى قصيدة لوركا «مدينة بلا نوم» التي يقول فيها: لا أحد ينام في السماء لا أحد ينام في العالم لا أحد لا أحد لقد قيل عن هذه القصيدة إنها تعكس عند لوركا شعورا كبيرا بالوحدة، في عالم يفتقر إلى الراحة والسلام. لكني أذكر أيضا أنها جاءت بعد تدمير مدينة الجورنيكا. وسواء كانت ذاكرتي صحيحة أم لا، فلقد كانت هذه القصيدة هادية لعنوان روايتي «لا أحد ينام في الإسكندرية»، ولقد ذكرت ذلك في هوامشها. والرواية بدون إطالة، عن الإسكندرية تحت الحرب العالمية الثانية، والغارات الألمانية والإيطالية التي تقريبا دمرت المدينة، وجعلتها تكاد تخلو من سكانها. لقد هاجروا إلى المدن والقرى داخل مصر. يأخذني قلبي بعد أن شاهدت بشكل يومي صور الخراب في غزة، وجثث الشهداء من الرجال والنساء والأطفال، وقوافل العائدين من الجنوب إلى الشمال، أو العائدين من سجون إسرائيل، والقصص الرهيبة للأحياء والموتى، إلى الشعور كيف صارت غزة كما صارت الجورنيكا التي خلدها بيكاسو، وصار أهلها لا يعرفون النوم كما حدث مع أهل الجورنيكا أو الإسكندرية. يأخذني قلبي إلى السؤال، كم لوحة فنية سوف يتم رسمها عن الخراب في هذه الأحداث وعن الضحايا؟. كم من المذكرات سيكتبها الذين أفرجت عنهم إسرائيل من سجونها، ووصلوا إلى حوالي ألفين، في مقابل العشرين شخصا الذين أفرجت عنهم حماس؟. مذكرات حين تكتب ستكون معجما كاملا للاعتقال وسجون العدو. كم قصيدة شعر ستأتي عن أهل غزة وصمودهم رغم قلة نومهم، فتكون إضافات رائعة للشعر الفلسطيني الذي جسده شعراء مثل إبراهيم طوقان مرورا بمحمود درويش حتى موسي حوامدة وغيرهم؟. كم رواية ستأتي ولو حتى بدون عنوان مثل لا أحد ينام في غزة، أو لا أحد ينام في جباليا أو خان يونس أو الناصرة أو غيرها؟، تعبر عن هذا الوجع. روايات تضاف إلى رصيد الرواية الفلسطينية من غسان كنفاني إلى باسم خندقجي الذي أمضي في سجون إسرائيل واحدا وعشرين عاما، وفازت روايته بالبوكر العربية وهو في السجن، مرورا بيحيى يخلف وإبراهيم نصر الله وغيرهما. أعرف أن الفيديوهات تملأ العالم عما حدث في غزة، وأنها كانت وراء استيقاظ الأحرار مناصرة لغزة، مما غير في موقف بعض الحكومات الموالية لإسرائيل، لكن مع الزمن يمكن للعدو أن يجد طريقة لإزالة الفيديوهات من المواقع العالمية، بينما سيعجز عن إزالة اللوحات التي يمكن أن تملأ معارض العالم، ولا مذكرات السجون ولا الأشعار التي ستقال في ذلك والروايات، ناهيك عن الأفلام التي يمكن أن تأتي وتفوق عشرات المرات عدد الأفلام التي جاءت عن هتلر واليهود، وهكذا ستظل فلسطين تملأ فضاء العالم.

426

| 16 أكتوبر 2025

في انتظار الأمل

ثلاثة تحولات كبرى حدثت خلال الأسابيع السابقة فيما يخص الصراع العربي الإسرائيلي، الأول هو قرارات القمة العربية الإسلامية التي انعقدت في الدوحة في سبتمبر الماضي بعد الاعتداء الإسرائيلي على الدوحة، فجاء لقاء ترامب ببعض القادة العرب والمسلمين مثل قادة قطر ومصر والسعودية وتركيا والأردن. الثاني هو مبادرة ترامب بمبادئها العشرين التي جاءت في نهاية سبتمبر كرد فعل لقرارات القمة العربية الإسلامية، ومن ثم لقاءاته بالقادة العرب والمسلمين. الثالث هو موافقة حماس المبدئية على مبادرة ترامب التي جعلته ينشرها على صفحته، وجعلت البيت الأبيض ينشرها على موقع «إكس» بما فيها من مصطلحات مثل إيقاف الإبادة الجماعية ومنع التهجير وغيرهما. لقد أعلنت حماس في بيانها موافقتها على الإفراج عن جميع الرهائن الإسرائيليين أحياء وجثامين، مع توفير الظروف الميدانية لعملية التبادل للأسرى، واستعدادها للدخول فوراً من خلال الوسطاء في مفاوضات لمناقشة تفاصيل ذلك. أول مظاهر التحول الثالث هو حضور من يمثل حماس ويمثل إسرائيل يوم الأحد الماضي إلى شرم الشيخ ليتم التفاوض حول خطة العمل. من المهم الإشارة إلى معنى اختيار وفد حماس، من اثنين نجيا من محاولة الاغتيال في الدوحة، وهما خليل الحية وزاهر جبارين، وكذلك اختيار شرم الشيخ للقاء وهي التي كانت يوما تحت الاحتلال الإسرائيلي بعد 1967. جدل كثير ثار حول مبادرة ترامب، من يراها حقيقية ومن يراها خدعة، وإعلان إسرائيل موافقتها عليها رغم استمرارها في الهجوم الجوي والبري على غزة. لكن من المهم الإشارة إلى أن أبرز ما في مبادرة ترامب في نظر الإسرائيليين هو الإفراج عن الأسرى منهم لدى حماس والشعب الإسرائيلي يريد ذلك. وأبرز ما فيها بالنسبة لحماس ولنا نحن العرب والمسلمين هو إيقاف الحرب أو بمعنى أدق إيقاف الإبادة الجماعية لغزة وسكانها. قضية غزة شديدة التعقيد وسيظل الخلاف في الرأي حولها، لكن هناك حقائق كبرى الأفضل ألا تغيب عن أفكارنا. أهم هذه الحقائق أن إسرائيل تزداد عزلتها في العالم، بما يحدث فيه شرقا وغربا من مظاهرات داعمة لغزة، وخطأ إسرائيل الأكبر في القبض على القادمين في أسطول الصمود وترحيلهم. رغم الترحيل إلى بلادهم لا تزال المظاهرات الداعمة لغزة، وقبل ذلك صمود أهل غزة الذي فاق أي تصور، وسيجبر ذلك إسرائيل على تنفيذ بعض المبادئ مثل إيقاف الحرب، ونسيان فكرة تهجير أهل غزة الرافضين بقوة لذلك. بين ذلك كله يعلن ترامب تقديره لدور قطر الكبير في إنهاء الحرب وتنفيذ خطته، وقطر لا تتأخر فليس هذا جديدا عليها، بل هي الوسيط الأكبر في مفاوضات شرم الشيخ وقبلها ومعها مصر، من أجل وضع آلية ميدانية للإفراج عن الأسرى الإسرائيليين وبدء انسحاب إسرائيل، وقد انتهت الجولة الأولى من المفاوضات بنجاح أذهل ترامب. ما سيحدث في الأيام القادمة مهما كان الاختلاف فيه فسيتحقق منه الإفراج عن الرهائن وإيقاف الحرب. غير ذلك من موضوعات مثل من ستكون له القيادة في غزة، فلسطينيون أم شخصيات من الخارج، أمر سيكون الحل فيه في منتصف طريق المفاوضات. المهم أن نظل على دراية بالتغير الذي سيحدث في المجتمع الإسرائيلي بعد الإفراج عن الأسرى لدى غزة موتى أو أحياء. والمهم أن العالم لن يتوقف عن دعم غزة. وحتى لو خرجت حماس من القيادة، فما سيحدث في غزة من إعمار بعد إيقاف الحرب، وانتهاء هذه الحالة التي لم يعرفها العالم من الإبادة أو التجويع لأهلها، سيجعلنا جميعا ندخل مرحلة جديدة من السلام، وللحديث عنها وقت آخر.

819

| 09 أكتوبر 2025

ليلة ويوم في الاتجاه المعاكس

حل يوم الثامن والعشرين من سبتمبر فانفجرت السوشيال ميديا بالحديث عن جمال عبد الناصر في ذكرى وفاته. انقسم الجميع بين فريقين. فريق يلعنه باعتباره سبب الهزائم المتكررة، والآخر يمجد فيه بما أنجزه في الصناعة والتعليم والصحة، وكل منهما يلعن الآخر. مثل كل عام ابتعدت عن ذلك. لكني تذكرت شيئا شخصيا صار له الأثر الكبير في حياتي. الأول ليلة إعلانه تنحيه عن الحكم في التاسع من يونيو 1967. كنت في الحادية والعشرين من عمري، وأمينا للشباب في منظمة الشباب الاشتراكي، بشركة الترسانة البحرية التي أعمل بها بمنطقة الورديان بالإسكندرية. ذهبت إلى قسم الميناء حيث أمانة المنظمة لأستمع إلى الخطاب المرتقب. ما إن أعلن تنحيه حتى انفجرنا جميعا صارخين لا. وجرينا إلى الشارع. وجدت حشودا من البشر تركت بيوتها وتمشي في الاتجاه إلى ميدان المنشية تصرخ «شكرا شكرا يا زكريا.. عبد الناصر ميه الميه» وزكريا هو زكريا محيي الدين الذي أوكل له عبد الناصر الرئاسة. لم تكن الحشود موجهة من الاتحاد الاشتراكي كما يقول الكثيرون. لا أنسى حين أعلن التنحي، أن قال رئيس مكتب المنظمة وهو يمثل الاتحاد الاشتراكي، إنها «ستكون مرحلة جديدة وليس مهما أنه تنحى عن الحكم» فصرخنا أن يصمت، ونزلنا مسرعين. هذا يؤكد أن نزول الناس لم يكن منظما. بل آلاف الناس لم تغير حتى ثيابها فنزلت بملابس البيت. المهم. بعد أن صرت في الشارع تذكرت أني مسؤول الدفاع المدني بالشركة التي أعمل بها. وجدت نفسي آخذ طريقي إلى الشركة، وكل الناس تقابلني قادمة من الاتجاه الآخر في طريقهم إلى ميدان المنشية. مسافة طويلة جدا مشيتها في الاتجاه المعاكس. دخلت شركة الترسانة الواسعة فلم أجد أحدا ولم يأت حتى زملائي. لم أفكر في ترك المكان والذهاب إلى المنشية. جاءت ليلة أخرى عام 1970 كنت فيها في مدينة حلوان بالقاهرة في لقاء حول العمل السياسي. كنت ما زلت في منظمة الشباب. مساء الثامن والعشرين من سبتمبر أعلن السادات وفاة عبد الناصر. حين سطع النهار أخذت طريقي إلى محطة قطار رمسيس لأعود إلى الإسكندرية في انتظار أي تعليمات. وجدت الشوارع كلها حافلة بالحشود. وحين وصلت إلى محطة رمسيس، رأيت القطارات كلها قادمة إلى القاهرة مليئة بالناس حتى فوق أسطحها، ليحضروا جنازته. ركبت القطار المتجه إلى الإسكندرية ولم يكن فيه غيري طول الطريق. أنا فقط والمحصلون أو «الكومسارية». هكذا صرت مرة أخرى أمشي عكس الناس جميعا دون أن اقصد موقفا مضادا منها. بعد ذلك أدركت أنه اللاشعور جعلني أفعل ذلك لما قرأته من كتب كانت تُهرَّب من بيروت عن الاعتقالات في عهده، وأيقنت في روحي أن هزيمة يونيو عام 1967 لم تكن فقط قصورا عسكريا، لكنها كانت عقابا على ذنب عاشت عليه البلاد، وهو الاعتقالات بأعداد رهيبة عبر حكمه. ابتعدت عن الناصرية والتقطني الماركسيون، ثم ابتعدت عنهم بعد خمس سنوات لأسباب أخرى، على رأسها عدم رضائي عن قصصي التي أكتبها، فالتأثر بالماركسية والعمل الحزبي يجعل القصة أشبه بالمقال. أدركت أن الإبداع حرية في كسر المألوف، وليس صندوقا محدد الأضلاع تخرج منه الأفكار. في النهاية كثير مما فعله عبد الناصر في الصناعة أو الصحة أو التعليم عظيم، لكن حكم الفرد هو آفة حارتنا التي تركها خلفه، والتي أضاعت حتى كل ما فعله في ذلك. هذه هي القضية الحقيقية، لكني ما زلت كل عام أتذكر الليلة واليوم، اللذين كان اللاشعور فيهما هاديني إلى الطريق المعاكس.

435

| 02 أكتوبر 2025

روح فلسطين تملأ فضاء العالم

جدل ونقاش كبير على صفحات ومواقع عن الاعترافات المتتالية بدولة فلسطين. بعضها إيجابي يرد ذلك إلى السابع من أكتوبر، وصمود أهل غزة رغم الإبادة الجماعية التي يقوم بها المحتل الإسرائيلي، فضلا عن جهود بعض الدول العربية وأخر تجلياتها المؤتمر العربي الإسلامي في قطر. يمكن جدا أن توافق من يرون أن الأهم من ذلك هو خطوات تقوم بها الدول العربية في مقاطعة المحتل ومسانديه، أو البدء في تحقيق المبادئ الثلاثة المهمة في المؤتمر العربي الإسلامي، التي حملت أرقام الخامس عشر الذي يدعو جميع الدول، إلى كافة التدابير القانونية والفعالة، لمنع إسرائيل من مواصلة أعمالها ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك من فرض العقوبات عليها، وتعليق تزويدها بالأسلحة والذخائر والمواد العسكرية، أو نقلها أو عبورها، ومراجعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية معها. ثم البند السادس عشر بدعوة الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، إلى التنسيق في جهود رامية لتعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة، بالنظر إلى الانتهاكات الواضحة لشروط العضوية. ثم البند الرابع والعشرين بتكليف الدول الأعضاء في نفس المنظمة، الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، باتخاذ جميع التدابير الممكنة، لدعم تنفيذ أوامر القبض الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتاريخ 21 نوفمبر 2024 ضد مرتكبي الجرائم بحق الشعب الفلسطيني، وغير ذلك في هذه البنود الثلاثة. اعترافات رسمية متتالية من دول مختلفة واعترافات في الطريق، ناهيك عن أن عدد الدول المؤيدة لحل الدولتين في الأمم المتحدة ارتفع إلى حوالي 144 من أصل 193 عضوا في الأمم المتحدة. رغم المتشائمين مما جرى في التاريخ منذ 1948 وكيف خرجت إسرائيل عن كل اتفاق دولي تم في الأمم المتحدة، أو بينها وبين الفلسطينيين، فالعالم الآن يختلف. ما قامت به اسرائيل من مذابح وطرد للفلسطينيين قبل وبعد 1948 كان في عالم بعيد عن الشعوب الأخرى يصلها متأخرا. الآن كل شيء في الهاتف النقال، لذلك لا تتوقف المظاهرات في العالم ضد الإبادة الجماعية، ووصلت إلى الفنانين والمثقفين في أمريكا والعالم فضلا عن الشعوب العادية، فنرى كل يوم عشرات الفنانين والفنانات ضد السياسة الأمريكية والإبادة الإسرائيلية، بل ويدعون إلى عدم التعاون مع شركات الإنتاج السينمائي التي تساند إسرائيل. ويفوز فيلم مثل «هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، بجائزة الأسد الفضي في مهرجان البندقية السينمائي، وهو عن الساعات الأخيرة في حياة طفلة فلسطينية، قضتها هي وأسرتها محاصرين في سيارتهم الخاصة، برصاص الجيش الإسرائيلي. وتأتي في الطريق قافلة الصمود عبر البحار، التي سترتكب اسرائيل أكبر جريمة ستشغل العالم حين تتصدي لها، وتمنعها من دخول غزة حين تصل إلى شواطئها. باختصار نحن حقا في عالم كاذب، لكن الأمر خرج بعيدا عن الحكومات التي قد يرى البعض الكثير منها صادقا في موقفه، والقليل منها يتساءل كيف تعترف بريطانيا بدولة فلسطين، وهي صاحبة وعد بلفور عام 1917. والإجابة إن ما يحدث في بريطانيا وراءه ضغوط شعبية. وحتى لوكان ذلك لعبة سياسية من أجل الانتخابات القادمة هناك فلقد حدث، والتراجع عنه أمر صعب. لقد غيرت بريطانيا اسم مقر البعثة الفلسطينية إلى سفارة دولة فلسطين، وارتفع علم فلسطين فوقها. علم فلسطين والكوفية الفلسطينية يملآن الشوارع في العالم. لقد أتى صمود أهل غزة بأكثر مما أتت به الحروب السابقة مع المحتل الغاصب. لن يعود العالم كما كان مهما تجاهلت إسرائيل ما يحدث. ومهما استمرت في إبادة الأجساد، فروح فلسطين تملأ فضاء العالم وتعبر الزمان.

810

| 25 سبتمبر 2025

فتنة الغرب والشرق

في حياتنا لا تزال أفكار وشعارات تشيطن الغرب وتضعه كعدو أبدي لنا. عالمنا العربي يتوسط العالم جغرافيا. شمال أفريقيا من الدول العربية يطل على البحر المتوسط الذي تطل عليه أوروبا، وتستطيع أن تضيف إليه ساحل فلسطين ولبنان وسوريا. بقية العالم العربي في الطريق إلى الهند وآسيا. في مصر كان العصر الحديث بداية للتفاعل مع أوروبا وبصفة خاصة بعد احتلال نابليون بونابرت لمصر عم 1798. جاءت الحملة الفرنسية معها بعدد كبير من العلماء، تركوا خلفهم المجمع العلمي، وكتاب وصف مصر وغيره. بدأت مصر نهضتها الكبيرة في العلم والتعليم والبناء مع محمد علي بعد خروج الحملة الفرنسية. حين سافر رفاعة الطهطاوي مع بعثة من الطلاب للدراسة في فرنسا، كان هو إمام البعثة الذي سيصلي بهم ويحميهم من الاندفاع إلى العلاقات المحرمة التي لا تتناسب مع الإسلام. عاد مفكرًا ليقود النهضة في التعليم وغيره. بعدها وأثناء نفس الزمن امتد النفوذ الأوروبي إلى عالمنا العربي في شكل ما أطلقوا عليه "الاستعمار" وهي كلمة خادعة، فالشعوب والحكومات عرفت طريق التقدم والعمران من قبل، وكانت كلمة الاستعمار لتخفي النهب المنظم لمقدرات الشعوب الاقتصادية. صار الاستقلال هو الهدف السياسي والشكل الوحيد للرفض، لكن غير ذلك كان محل جدل بين المفكرين. بعضهم أراد الابتعاد عن أي تأثر فكري، وبعضهم اعتبر التأثر الفكري ضرورة بما يساهم في النهضة وتطوير الشعوب. رغم وضوح القضية، ظل هناك من يعتبر الغرب هو الشيطان الأكبر. ويرفع شعارات مثل القيم الدينية دون إدراك أنه حين فصل الغرب الدين عن الدولة، لم تنته الديانة المسيحية بكل مذاهبها. بل وصلت إلى وجود أحزاب سياسية لها، لكن في إطار الديمقراطية فلا تعود بالناس إلى العصور الوسطي وصراعات الكنيسة مع العلماء والفلاسفة. الغرب نفسه في نهضته استفاد من الإنجاز العربي والإسلامي في الفكر والثقافة، وكتابات لمفكرين مثل ابن رشد أو ابن خلدون. بل في الأدب حين تمت ترجمة ألف ليلة وليلة إلى الإنجليزية غيرت من شكل الرواية والإبداع في الغرب. حدث أن زرت كثيرا من الدول العربية في الخليج ورأيت المباني العصرية والحدائق مما أتى إلينا من الغرب. حين سافرت إلى المغرب العربي احتوتني الأشجار في الشوارع التي مضى عليها مئات السنين لا يقطعها أحد بحجة أنها ميراث فرانكوفوني. كما صارت اللغات الأوروبية في المدارس والبعثات لا تنقطع من دول الخليج إلى أوروبا وأمريكا للتعليم، ولعلها أكثر من أي بعثات أخرى من العالم العربي. رغم ذلك ما زلت أسمع أو أقرأ أن تاريخنا وقيمنا تمنعنا عن قيم الغرب. الخلاف السياسي الذي لا يزال قائما بين الحكومات وليس الشعوب، يظل ذريعة لرفض مظاهر التقدم في العلم والحياة. كيف؟ أين العقل من هذا. العقل لا يرفض الحرية والإخاء والمساواة ومظاهرها السياسية من ديمقراطية أو تعليم للجميع دون تفرقة، مما كان ولا يزال في الغرب، لكن يمنع ما لا يتماهى مع العقل، مثل التطرف والإرهاب الذي ساهمت وما زالت، حكومة أمريكا في صنعه أو بريطانيا أو حتى إسرائيل. العقل يغرينا أن ننظر إلى المظاهرات التي تملأ الغرب من أجل فلسطين وغزة، وكيف يأتي أسطول الصمود العالمي يحمل فنانين وكتّابا من الغرب عبر البحار من أجل غزة. العقل يجب أن يكون دليلنا لنفرق بين إنجازات الشعوب وإنجازات الحكومات في الغرب. متى نستخدم العقل في هذه المسألة ولا تغرينا الشعارات المستهلكة مثل شيطنة الغرب، أو أن قيمه تتعارض مع أدياننا، ومن ثم نرفض كل تجليات الحضارة.

444

| 18 سبتمبر 2025

إسرائيل تكشف عن وجهها الحقيقي

المتابع لدور قطر القومي يجده متقدما على دور كثير من الدول العربية والأجنبية، سواء في إدخال مساعدات إلى غزة، أو محاولة إيقاف الحرب الدائرة بين إسرائيل وحماس. أو بمعنى أدق، إيقاف الإبادة الجماعية التي تقوم بها إسرائيل لأهل غزة. لقد قدمت قطر وشعبها الكثير للقضية الفلسطينية، وكانت مرفأ لقيادات المقاومة في العلن، وتحمَّلت على مدى كثير من الوقت استفزازات وسوء فهم متواصل، لكنها ظلت على أرضها وقناعاتها، ولقد حدث أن توصلت قطر إلى الهدنة مرتين من قبل، كانت الفرصة فيهما لإدخال المساعدات إلى غزة كبيرة، كما تم فيها الإفراج عن أسرى إسرائيليين لدى حماس. يحدث هذا الاعتداء في وقت ينتظر فيه أهل غزة إيقاف العدوان الذي لا ينتهي عليهم، وينتظر إسرائيليون الإفراج عن الأسري منهم لدى حماس، لكن نتنياهو العنصري الذي يقف على فرضية أسطورية هي إسرائيل من النيل إلى الفرات، يضرب بكل الأحلام الممكنة عرض الحائط. ما الذي حدث بعد هذا الإرهاب من دولة إسرائيل كما وصفه معالي رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري؟ انتفض العالم كله من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، لمساندة قطر والتنديد بالعدوان. بل سارعت دول مناصرة لإسرائيل مثل أمريكا وإنجلترا وفرنسا لإعلان رفض العدوان على قطر. من الصعب أن تجد دولة واحدة صمتت أو أعلنت حيادها. كذلك منظمات أهلية كثيرة عبر العالم. ورغم أن إعلان ترامب رفضه للعدوان يمكن اعتباره نوعا من غسيل الوجه، لكنه حدث. أعلنت إسرائيل أنها استهدفت قيادات حماس. وذكرت أسماء مثل خليل الحيّة أو خالد مشعل أو غيرهم. لكل منهم حقا تاريخ في النضال ضد الصهيونية، لكنهم صاروا يعملون من أجل الهدنة والسلام في الدوحة، إلا أن نتنياهو الذي جعل الكذب رايته لم يتحمل ذلك. إن أسماء الضحايا لهذا العدوان الغادر الذين تعلن قطر عنها يوما بعد يوم، هم الآن في قافلة الشهداء التي لا يدركها نتنياهو، ولا يفهم معنى الاستشهاد لدينا. الشهداء الذين فاقت أعدادهم في غزة السبعين ألفا من الكبار، والعشرين ألفا من الأطفال والنساء، وغيرهم من الصحفيين والطواقم الطبية، غير الجرحى الذين فاقوا المائة ألف. الشهداء هم طريقنا إلى المستقبل، بينما تكشف إسرائيل عن وجهها الحقيقي الذي قد تغيبه السياسة الانتهازية الكاذبة. سنرى خلال الأيام القادمة تطور الموقف القطري الرافض لهذا العمل الإرهابي في أروقة الأمم المتحدة والعالم، وسنرى في إسرائيل انتفاضات ضد نتنياهو الذي ضيَّع فرصة الإفراج عن الأسرى الصهاينة، وستظل قطر وشعبها في موقعهما العالمي والإنساني مع الشعب الفلسطيني، وسنظل نحن والعالم معها..

501

| 11 سبتمبر 2025

الأمل.. الدافع الخفي

كتب الصحفي والشاعر والروائي وائل السمري على صفحته في الفيسبوك، عبارة أخذتني بقوة على لسان بطل روايته «لعبة الخواجة» أدريان دانينوس، ينحاز فيها إلى الأمل. هذه الرواية كانت من أعظم الروايات التي قرأتها هذا العام، وكتبت عنها رغم أنها روايته الأولى بعد دواوين رائعة، وتحقيقات صحفية مغامرة. هي رواية عن يوناني مصري هو أدريان دانينوس كان هو صاحب فكرة بناء السد العالي منذ بدايات القرن العشرين، ولم يتوقف عن ذلك حتى تم بناء السد في عهد عبد الناصر، لكن لم يُذكر اسمه كصاحب للفكرة قط. عثر وائل السمري على وثائق كثيرة عن ذلك تخص أدريان وزمنه، استطاع أن يحولها إلى عمل أدبي رفيع عن الرجل وعصره. أعود إلى العبارة التي أقامت حولي التاريخ الإنساني، وكيف كان ولا يزال الأمل هو الدافع الأكبر للحياة، سواء أقرَّ الإنسان بذلك أم لا. أشعار ملء الفضاء عن الأمل قرأناها، وأغانٍ استمعنا إليها عن أمل الأحباء والعشاق. لكن أيضا أمما وحضارات قامت وتقدمت والأمل يحدوها، رغم كل التفسيرات السياسية لقيام الحضارات واندثارها. اشترك ويشترك في الأمل كل البشر على اختلاف دياناتهم رغم أنه ليس له أنبياء ولا أولياء. القول المعروف بأن الإنسان يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصِّرانه أو يجعلانه مسلما» وتستطيع أن تضيف أو بوذيا أو هندوسيا، قول صحيح، لكن الأمل راية يرفعها الجميع أمامه. حتى النزاعات الدينية بين الأمم وبين أصحاب الدين الواحد، التي جعلت المسيحية تنقسم بين أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت وإنجيليين، وجعلت المسلمين بين سنة وشيعة، ومذاهب مثل الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، كان الأمل يراود أصحابها في رغبتهم في سيادة مذاهبهم أو حروبهم. الأمل خارج التصنيف ولابد أن الخواجة اليوناني أدريان دانينوس كان يعرف ذلك، خاصة إنه أمضى سنوات طويلة حتى تحقق أمله في بناء السد العالي. لكن الذين يرفعون راية الأمل الكاذبة في سرقة أو احتلال بلاد غيرهم، يأتي يوم تنكشف فيه كل أفعالهم ويعودون بخيبتهم، ولا يختلفون عن اللص الذي يأمل في السرقة ويعيش عليها، غير مدرك أنه سيأتي اليوم الذي تقيده فيه جدران السجون. كانت الحروب الصليبية ترفع راية الأمل في احتلال فلسطين، وهي مدركة أن من حاول صلب المسيح أو من شبّهه الله لهم، هم اليهود وليس أهل فلسطين من العرب، فباءت الحملات بالفشل. نجح أمل الأوروبيين في احتلال الأمريكتين ليس لصحة أملهم، لكن لأن السكان الأصليين من الهنود الحمر، كانوا في حالة من الضعف أمام التطور في السلاح الذي وصلت إليه أوروبا. قاوم الهنود الحمر مقاومة كبيرة عظيمة، لكن السينما الأمريكية نجحت في تقديمهم كشعب من البرابرة يستحق الفناء، وإن استيقظ ضميرها ولو متأخرا، فصنعت أفلاما توضح كم كان الهنود الحمر غير ذلك، لكنها كانت أفلاما قليلة مثل فيلم «الأباش» لبيرت لانكستر الذي ظهر عام 1954 وغيره. الآن ترفع إسرائيل راية الأمل الكاذب في أرض الميعاد غير مدركة أن أمل أصحاب الأرض الفلسطينيين والعرب هو الصادق وسيتحقق. تساندها أمريكا وإنجلترا وفرنسا على سبيل المثال، ولا تدرك أمريكا أن الفلسطينيين والعرب ليسوا في حالة الضعف التي كان عليها الهنود الحمر. وكذلك لا تدرك فرنسا ولا إنجلترا أن زمن الاستعمار، وهو المصطلح الذي أخفوا وراءه النهب المنظم للشعوب، قد ولَّى. الأمل ينشده الجميع دون أن يدركوا، لكنه يتحقق للصادقين، ومهما تحقق للكاذبين سيأتي يوم ضياعهم.

459

| 04 سبتمبر 2025

غرفة شهلا العجيلي..

رحلة رائعة أمضيتها مع رواية الكاتبة السورية شهلا العجيلي «غرفة حنا دياب» الصادرة منذ أسابيع عن داريْ ضفاف والثقافة. كنت أعرف أني سأدخل عالما سحريا كما تعودت مع أعمال شهلا السابقة مثل «صيف مع العدو» أو «سماء قريبة من بيتنا» أو غيرها. لن أحدثكم عن الجوائز التي حصلت عليها أو رشحت لها رغم أهميتها، فالجائزة الأكبر هي لنا بهذه الرواية الجديدة. غرفة حنا دياب وعائلته في حلب اختفت مع الزمن وصارت ذكرى فلقد مضت عشرات السنين، وإن ظلت في ذاكرة الباحثين عن تاريخ المدينة وأحوالها عبر الزمان. حنا نفسه الذي أراد بحكاياته أن يمسك بالزمن، ورحلته مع كتاب ألف ليلة وليلة، تأخذنا إلى ألف ليلة أخرى عن حلب بعين شهلا العجيلي، وكأنما أوكل إلى شهلا العجيلي أن تقيم الغرفة الأوسع. تبدو الرواية بداية قد تجعلك تتساءل ما هذا الذي تفعله الكاتبة. لقد اكتشفت الراوية «كندة الأشقر» حين نظرت صدفة إلى هاتف زوجها محمود النقال بعد وفاة أمه وعودتهما إلى البيت، رسائل من الغرام إلى جوار رسائل المواساة. تعتقد أنت كقارئ أنه لصدمتها التي فاقت وفاة حماتها التي هي خالتها، أنك ستدخل في صراع بين الزوجين، لكن تأخذك «كندة» في رحلة طويلة مع حياتها في التعليم لتنتهي من أطروحتها الجامعية ومع حلب، وأن عنوان أول أقسام الفصل الأول «حادثة لا تقبل الصفح» خادع، ففي حياتها السابقة قصة حب كبيرة مع غسان قزاز مهندس الديكور ومرمم الآثار. انتهت حين اكتشفت أنه متزوج من فرنسية تعيش في باريس وأنجب منها، وليسا على اتصال حقا، لكنه ليس لها هي كندة، وهنا يظهر ابن خالتها محمود الذي يتزوجها. حتى تصل إلى ذلك تعيش مع حلب وأسواقها والتعليم في المدارس والجامعة. قصة حبها لغسان بالإضافة إلى دراستها للمكان، كانت سببا في زيارة أسواق عديدة تذكرها بالاسم، ومحلات ومطاعم وغيرها من مصادر البهجة. لماذا حقا تفعل ذلك مع المكان والبيوت والأسواق بتفاصيل مذهلة تجعلها تتجسد بين عينيك. تدرك مع استمرار القراءة أنها لا تجسد الحب فقط، ولا رحلتها السابقة معه، لكن كل شيء سيتغير مع الزمن والحروب والجماعات المسلحة والنظام الحاكم. لا يتوقف الوصف للمكان فقط لكن للشخصيات أيضا بدقة، ومقتل أبيها بين ذلك هو المدرس الجامعي. صديقاتها مثل فرح التي تأنس بها وتشجعها على المضي في قصة حب غسان، أو فاطمة التي تخاوي الجن وترى ما لا يراه غيرها. تأتي بين ذلك سيرة حنا دياب وعائلته التي ضاعت مع السنين، لتصبح حلب كلها هي غرفته التي تعيدها إلينا شهلا العجيلي كما قلت. الأزقة والباعة والصناعات الشعبية ومعارض الفنون والجامعة والمدارس والوقوف عند كثير من المهن بتفاصيل مذهلة. يأخذ الفصل الأول مائة وثلاثين صفحة، وبين قصة الحب مع غسان التي لم تكتمل كأنها تغفر لزوجها، يتجسد العالم حولها في حلب. الفصل الأول كله بضمير المتكلم تحكيه كندة شقرون، وتأتي بينه حكايات لغيرها ممن تعرفهم وتحبهم، ليأتي الفصل الثاني الأكبر بضمير الغائب تحكيه الكاتبة، ويظهر جانب آخر من تاريخ حلب، وصراع الدول القديم مثل إنجلترا وفرنسا متجسدا في صراع القناصل، والارتحال بين حلب وإسطنبول، والأصول غير العربية لبعض الشخصيات، وتظهر فتيات مثل فتوح العارفين وميسر وهيلين والدكتور باتريك الذي يعالج ميسر في المصحة النفسية وغيرهم، لكن الفتيات يسطعن في فضاء الرواية، كأنهن يشاركن كندة في قصص الحب الضائعة. رواية عن روح المكان عبر الزمان تستحق كل احتفاء.

861

| 28 أغسطس 2025

فضاء من الألم والأمل

ذهبت الى عزاء الكاتب الراحل صنع الله إبراهيم في مسجد عمر مكرم يوم السبت الماضي. لن أتحدث عنه ككاتب عظيم له إنجازاته في الرواية والترجمة والنشر وغيرها فما أكثر ما كتب عنه في حياته، ومع المرض والوفاة انهالت المقالات والشهادات الرائعة عنه. لقد لخصته أنا في مقال صغير بأنه كاتب عاش على الاستغناء وهذا يفسر رفضه عام 2003 لجائزة مؤتمر الرواية الدولي الذي كان يقيمه المجلس الأعلى للثقافة في مصر. اتذكر في نهاية التسعينيات وكان مشروع مكتبة الأسرة العظيم يملأ فضاء مصر بما يطبعه من آلاف النسخ من الكتاب بأسعار زهيدة جدا، وكيف أخبرني الدكتور سمير سرحان رئيس هيئة الكتاب منفذة المشروع، أنه يريد أن يطبع إحدى روايات صنع الله فقلت له سيرفض. صنع الله بعيد عن الدولة. سألني عن رقم تليفونه فأعطيته له. اتصل به أمامي يعرض عليه أن ينشر له رواية يختارها ثم أبعد التليفون عن أذنه. قال لي «دا بيشتمني» ابتسمت وقلت له لقد حذرتك. بعدها بسنوات قليلة يوم توزيع جائزة مؤتمر الرواية كنت أقف أمام قاعة دار الأوبرا مع أحد الصحفيين، فرأيت صنع الله قادما داخلا القاعة فاندهشت جدا. توقعت فوزه بالجائزة وتوقعت أن يرفضها. كيف لا يعرفون صنع الله إبراهيم؟! ظللت خارج القاعة. لم يطل الوقت وسمعت تصفيقا مدويا، ورأيت صنع الله خارجا مسرعا والصحفيون خلفه وهو يشير لهم إنه لن يتحدث الآن. لقد حدث ما توقعته ورفض الجائزة. ليس مهما تفاصيل الأمر لكن هكذا عاش. طبعا أعطاه هذا الموقف شهرة كبيرة لا تزال سارية، لكن إنجازه الأدبي لا يقل أبدا عن ذلك، فلقد اختار طريقة الكتابة التسجيلية التي لم تعرفها الرواية العربية من قبل، وحفر فيها طريقا يتجدد مع كل رواية، والحديث عن ذلك أهم من الحديث عن رفض الجائزة. ذهبت إلى العزاء مدركا أني سأقابل أعدادا كبيرة من الأحباء من كل الأجيال وحدث. لست من هواة التصوير فلم أصور نفسي لأنشر الصورة كما يفعل الكثيرون. أعداد كبيرة جدا ممن قابلت من أعظم محبي الوطن في كتاباتهم وعملهم في المسرح أو السينما أو الإبداع الروائي والشعري أو الكتابة الفكرية أو الصحافة. لبعضهم تاريخ أيضا مع المعارضة السياسية والمعتقلات، وهذا طبيعي في عزاء كاتب له تاريخ في المعارضة والسجون. اتسع جامع عمر مكرم بي إلى فضاء الوطن حتى أني كثيرا ما كنت أصافح من يصافحني وأنا شارد عنه. لم أعد أعرف على من حزني. صنع الله إبراهيم أم البلاد. لكنه القرآن الكريم الذي كنت أسمعه أخذني إلى فضاء من الرضا والأمل، وبقيت ساعتين كاملتين لتمتلئ روحي بآيات الذكر الحكيم وسط زحام الناس والأفكار، أملا أن تمضي الحياة رغم آلامها.

552

| 21 أغسطس 2025

«ورد السياج» العابر لكل حصار..

أحب أعمال ليانة بدر منذ أول رواية قرأتها لها، هي كاتبة فلسطينية لها أعمال روائية مهمة مثل «الخيمة البيضاء»، ومن مجموعاتها القصصية «أنا أريد النهار»، وكذلك شاعرة ولها كتب بحثية مثل» تغريدة الشاعر- أثر المكان على الهوية في أعمال محمود درويش» وغيرها، والتي تعيش الآن في رام الله بعد رحلة من الشتات من فلسطين إلى بيروت إلى تونس. منذ أسابيع صدرت لها في مصر رواية بعنوان «ورد السِّياج» عن دار الثقافة الجديدة. أخذني الشغف أن أعرف عن أيْ ورد، وإن كنت أدرك أن السِّياج سيكون الحصار للشعب الفلسطيني. أخذتني الرواية إلى فصولها المتفرقة عبر الزمن، والتي تبدأ بأكتوبر عام 2021 أيام حصار كورونا، الذي فتح الباب للحديث عن الحصار عبر التاريخ في فلسطين والأردن وبيروت حيث مخيمات اللاجئين. تدفق الحديث عن الورد الذي ستدرك أنه النساء. شخصيات مثل هند وعائشة وآمنة وسعدي وسمية وغيرهن، وبينها شخصيات من الرجال مقاتلين وشهداء أو يعملون في الصحافة مثل المصور ماجد. الصحافة في بيروت في السبعينيات التي رغم اتساعها فوراء أكثرها جماعات وأحزاب بين اليمين واليسار، وحال الدول العربية مثل مصر واتفاقية كامب ديفيد وأثر ذلك. قصص الحب الضائع والحب القائم، مما يعطي الرواية طابعها الإنساني. هكذا صار التنقل بين الورد بلغة تجسد ما تحكيه الكاتبة أو ما تحكيه الفتيات، يجعلك لا تترك الرواية من يدك. كيف كان الرجال المؤمنون بالقضية الفلسطينية، يحملون بين الانقسامات الحزبية والدينية، ألقابا صورية في عملهم التنظيمي من ديانات أخرى مقاومة لأيْ تفريق، ومنهم أحمد العشي الذي صار اسمه جورج حداد. تتغير لغة الحكي أحيانا بين ضمير الغائب وضمير المتكلم فيزداد التشويق، لكن نظل مع الورد بين غارات إسرائيل على بيروت، ودمار الشوارع التي جاء ذكر بعضها من قبل مثل شارع الفاكهاني، وتجارب الغائبين في المعارك مثل فادي. يتسع الحوار والذكريات مع ماجد ليحكي لجورج عن زيارته يوما للاتحاد السوفييتي وكيف رأى الحياة على غير ما نعرف عن العدل والمساواة، وزيارته لبيت ماياكوفسكي الذي صار متحفا، وكيف انتهى ماياكوفسكي إلى الموت وقيل إنه انتحر من أجل امرأة، والحقيقة أنه لم يكن متماهيا مع النظام السياسي الجديد رغم احتفاء النظام به، وإقامة تمثال له في موسكو شاهدته أنا يوما في بداية التسعينيات ووقفت أمامه أتطلع إليه. بين ذلك تستمر الإطلالات النسائية مثل أم جلال التي استطاعت إخفاء غيظها من زواج ابنها جلال بآمنة، وكيف تطوعت في العمل بالمستشفى الميداني وتستعيد ذكرياتها منذ أن غُصبوا علي ترك وإخلاء حيفا عام 1948. الملاجئ والمخيمات، وكيف تم في إحداها عرض مسرحي للمخرج روجيه عساف لمسرحية بعنوان « 1936» التي تحكي عن اجبار الفلسطينيين على الخروج عام 1948. ولا مانع من الفرح بشجرة الميلاد حتى يأتي عام 1982 الذي بعده حدث الخروج الكبير من لبنان للفلسطينيين بعد أن دخلت إسرائيل بيروت وحدثت الهدنة لرحيل المقاتلين. أن تخصص ليانة بدر رواية كاملة للورد ليس مجرد تاريخ، لكن إمساك بروح هي باعثة الأمل دائما فينا، ودون عبارة أو جملة مباشرة في الحكايات. بل هي الحياة تتدفق في صور مرئية كأنها لوحات فنية تملأ الفضاء. لا يمكن أن تنتهي من الرواية دون أن تتذكر ما يحدث في غزة الآن، وتتساءل كم هي الورود التي ستطل حكاياتها علينا قريبا، رغم أنف إسرائيل وكل الأنظمة الموالية لها. رواية ليانة بدر شكلا ولغة وموضوعا تستحق كل احتفاء كبقية أعمالها.

600

| 14 أغسطس 2025

alsharq
إبراهيم دياز قتل طموحنا

في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من...

4365

| 20 يناير 2026

alsharq
مرحلة جديدة في قانون الموارد البشرية

التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم...

702

| 20 يناير 2026

alsharq
فلسطين ليست قضيتي

في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف...

666

| 20 يناير 2026

alsharq
إطلالة على مركز قطر للمال بمناسبة الذكرى العشرين لتأسيسه

احتفل مركز قطر للمال بمرور عشرين عاماً على...

609

| 18 يناير 2026

alsharq
الإدارة المريضة

إن فن تحطيم الكفاءات في كل زمان ومكان،...

504

| 18 يناير 2026

alsharq
دعائم البيت الخليجي

المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم...

498

| 21 يناير 2026

alsharq
العمل التطوعي ركيزة تنموية وهويّة وطنية

أضحى العمل التطوعي في دولة قطر جزءاً لا...

441

| 19 يناير 2026

alsharq
يوم التعليم: قوة الشباب في بناء مستقبل التعليم

«التعليم هو حجر الزاوية للتنمية… ولا وجود لأي...

435

| 21 يناير 2026

alsharq
الموناليزا حين تتكلم

عن البصيرة التي ترى ما لا يُقال! بعض...

432

| 19 يناير 2026

alsharq
قسد في سوريا.. نهاية بداية الاستقرار والازدهار

عاش الأكراد والعرب والأتراك في سوريا معًا لأكثر...

420

| 20 يناير 2026

alsharq
خيرُ الناس أنفعُهم للناس.. الإيمان بالقدرات بوصفه ركيزة للدعم المجتمعي

يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم...

417

| 22 يناير 2026

alsharq
ذكرى الإسراء والمعراج.. حين تكلم المكان

لم تكن رحلة الإسراء والمعراج مجرد حادثة مُعجزة...

393

| 18 يناير 2026

أخبار محلية