رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا أحد يختلف على أن ارتفاع عدد السكان في مصر شهد قفزات كبيرة، هذا ليس الآن فقط، بل لعله الآن أقل لانخفاض الزواج بسبب العوائق الاقتصادية، بسبب الارتفاع المجنون في أسعار كل شيء. فلا عادت الشقة الصغيرة بعشرات الآلاف، ولا عاد أثاث البيت متاحا بسعر طبيعي، والكلام في هذا كثير. ارتفاع عدد السكان بدأ في القفز مع حقبة السبعينات مع ارتفاع شعارات الإسلام السياسي بأن كل مولود يأتي برزقه، اختفت هذه الشعارات لكن ظلت المواليد في ارتفاع، ماذا فعلت الدولة أو الحكام في الأمر؟ حتى إعلانات تنظيم الأسرة تقريبا انتهت، لكن ليس هذا هو المهم، أعني هل فكرت الدولة في الاستفادة من ذلك؟ في عهد مبارك كان هناك مشروع للتعليم الفني لتدريب الشباب على الأعمال الفنية التي تجد لها مجالا في الخارج، حدث ذلك باتفاق مع دول أوروبية لكن المشروع توقف بعد سنوات، منذ عشر سنوات لم نسمع عن أي محاولة للاستفادة من زيادة السكان، كتبنا كثيرا عن ضرورة إنشاء مدن في صحراء مصر الواسعة، محاطة بمصانع صغيرة وأرض زراعية، ومنحها للشباب ليتركوا المدن الرئيسية لكن لم يحدث، رأينا أبراجا عالية تقام في مناطق مثل العلمين يسكنها الأغنياء شهرا أو شهرين في العام. رأينا الساحل الشمالي لمصر يمتلئ بالقرى السياحية لقضاء الوقت في الصيف، ولم نر مزارع أو مصانع وبيوتا يعيش فيها الشباب، رأينا منشآت سكنية «كومباوندات» تصل فيها أسعار الشقق إلى السماء، وغير متاحة حتى للطبقة الوسطى، باختصار رأينا البلد يفتح ذراعيه للأغنياء. ارتفعت أعداد التلاميذ في المدارس العامة ليتجاوز عدد الفصل الواحد الثمانين تلميذا، ولم نر مدارس جديدة، وصل الأمر أخيرا تقريبا إلى إخلاء المدارس فصار التعليم عن بعد من البيوت، المهم أن حكاية ارتفاع عدد السكان قفزت في الأيام الأخيرة مع ارتفاع درجة الحرارة، فرأينا مسؤولين من الوزراء يقولون إنها سبب ارتفاع درجة الحرارة في البلاد، بل أعلن مجلس الوزراء أن التصحر والجفاف سببهما تزايد أعداد السكان بشكل يزيد الطلب على الموارد، ويسبب ضغطا مفرطا على الأراضي إلى حد التدهور. وطبعا الموارد هنا يقصد بها المياه، دون إشارة إلى ما يحدث وسيزداد بسبب سد النهضة، وأيضا من الموارد الكهرباء دون إشارة إلى فشل توفيرها، رغم المشاريع التي عرفنا بها من محطات توليد كهرباء، انتهى أمرها إلى افتقاد المواد البترولية التي يتم بها تشغيلها. طبعا جاء ذلك في مواجهة الحملة الكبيرة على الدولة بسبب قطع الأشجار في كل مكان، أعرف جيدا أن تغيرا في المناخ شمل العالم كله بسبب تغيرات طبيعية، وبسبب التلوث الناجم عن مشروعات صناعية وغيره، لكن لم أعرف أبدا أن دولة أو نظام حكم يضيف إلى ذلك قطع الأشجار، لم تجد الحكومة ردا مقنعا واحدا على انتقاد مذابح الأشجار، بل تغافلت كل الانتقادات التي ملأت السوشيال ميديا، مع الصور الفاضحة لميادين وحدائق وشوارع وأراض تم قطع أشجارها التاريخية، لم تجد الدولة ما تقوله غير أن زيادة أعداد السكان هي السبب، كأن السكان جميعا يعيشون في شقة واحدة أو بيت واحد مثلا. أيقظ هذا التبرير التافه لارتفاع الحرارة موضوع زيادة السكان، والسؤال الذي لم نجد إجابة عليه أبدا، كيف فشلت الدولة في الاستفادة من هذه الزيادة، ولم يعد أمامها غير لوم الشعب، وكما قال أحد الأصدقاء على تويتر «ما يضربونا بالنووي ويرتاحوا» وأضيف أنا لم يبقَ غير إعلان الإخصاء لكل الرجال.
861
| 20 يونيو 2024
كثيرا ما أقرأ على صفحات السوشيال ميديا آراء تعبر عن رغبات البعض في إلغاء معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، أو على الأقل تغيير بعض بنودها ليتم السماح للنظام المصري الحاكم بالتدخل أكثر في المعابر إلى غزة مثلا، لضمان وصول المساعدات دون أي تقصير، أو مراجعة من جهة العدو الصهيوني. ورغم الأهمية الكبيرة لذلك، سأتحدث عن كامب ديفيد من زاوية أخرى. لقد كنت من الجيل الذي عارض الاتفاقية عام 1978 ثم اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 وما أكثر المظاهرات التي خرجنا فيها ضدها، كما كنت عضوا في لجنة الدفاع عن الثقافة القومية التي أنشأها حزب التجمع نهاية السبعينيات، وكانت لجنة جبهوية تضم المثقفين من كل الاتجاهات وليس أعضاء الحزب فقط. نالني ما نال غيري من سجن، لكن لوقت قليل مع عدد كبير من المثقفين، وكان ذلك قَدَر كل عام مع بداية السنة الجديدة. عادة قديمة من أيام عبد الناصر. استقرت كامب ديفيد ورأى البعض فيما بعد، أنها كانت الطريق الوحيد لمصر، خاصة مع ضعف وتفكك الاتحاد السوفييتي وتصدر أمريكا للمشهد السياسي، ولم يعد هناك ما كان معروفا بالحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية. لكن السؤال هل أتت كامب ديفيد بنتائج إيجابية لحياة المصريين؟ على الجبهة الوطنية ضمنت مصر عدم الاعتداء من إسرائيل، وعدم نشوب حرب أخرى، فماذا فعلت النظم الحاكمة في داخل مصر؟ بدأ السادات سياسة التفريط في المكاسب الاجتماعية والاقتصادية من مصانع وتعليم مجاني وصحة مجانية وما تشاء. لقد قال السادات كلمة لا تُنسى وهي أن «من لن يغتني في عصري لن يغتني». تصور البسطاء أن الفرصة ستكون للجميع، لكنها صارت لكبار الحزب الوطني الحاكم. استمر الأمر مع حسني مبارك، مع استثناءات طبعا لرجال أعمال حقيقيين أقاموا أعمالهم بجهدهم بعيدا عن الحزب الحاكم. المهم أن النظام الحاكم ضمن أنه لن يدخل في مغامرات بالحرب مع إسرائيل، وتفرغ لإفراغ البلاد من عوامل نموها التي مهما اختلفنا فيها كانت تحدث. بل كان من أهم أسباب حرب 1967 والتدبير لها، إيقاف النظام الحاكم عن الخطة الصناعية التي كانت تتسع كل يوم، حتى تم بناء ألف مصنع جديد في الخطة الخمسية الأولى 1961- 1965. نظرة بسيطة للتراجع في الحياة الاقتصادية وغيرها، تجعل أي شخص يفكر كيف قد تم ضمان السلام مع إسرائيل، يحدث هذا التراجع في الحياة المصرية اقتصاديا وصحيا مثلا؟ النظام الحاكم يحمِّل الشعب المسؤولية في كل الإخفاقات الاقتصادية، مرة لازدياد النسل، ومرة لأنه شعب مسرف في استخدام المياه والكهرباء، وغير ذلك حتى في الطعام، فيقال اكتفوا بوجبة واحدة! والشعب لم يقم بمشروعات الكهرباء لتتعثر، بل قام بها النظام الحاكم مثلا، ولم يستمر في بيع المصانع ليتم هدمها. الشعب لا يحكم ولا يقرر أي شيء، ومجلس الشعب في أغلبيته شبه معين لا يختلف مع النظام في شيء. أي لا يوجد من يمثل الشعب تمثيلا كاملا، بعد أن تم إضعاف الأحزاب القديمة والجديدة، وقبضة الحكم تزداد قوة على كل شيء. وهنا يأتي السؤال، لقد تم ضمان السلام مع العدو، وانتهى شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.. فهل كانت كامب ديفيد سببا في السياسة الخاطئة اجتماعيا أو اقتصاديا؟ مضت سنوات طويلة على المعاهدة، وأي بنود سرية فيها صارت متاحة، ولم يُنشر ما يشي بذلك، فلماذا ونحن في أمان يحدث كل هذا الخطأ؟ ومن المستفيد من هذه السياسات الخاطئة؟
843
| 13 يونيو 2024
أحمد زين واحد من أبرز الكتاب اليمنيين الآن. له خمس روايات سابقة عن هذه الرواية ذات العنوان المثير «رماية ليلية»، والصادرة عن دار المتوسط بميلانو بإيطاليا هذا العام، كما صدرت روايته السابقة «فاكهة للغربان» عن نفس الدار من قبل، وله مجموعتان قصصيتان. يعيش ويعمل في المملكة السعودية في مجلة الفيصل. جذبني لقراءة الرواية معرفتي السابقة بأعماله، لكن أيضا شكل الرواية المغامر في تتابع الفصول، سواء بضمير الغائب أو ضمير المتكلم، هذا يحتاج مهارة فنية تجدها عند أحمد زين فلا تتشتت. تتعدد الشخصيات لكن بقليل من التأمل فهذا حال اليمن. التشظي الذي يتفرق في أماكن كثيرة بعد ما جرى في اليمن منذ أكثر من عشر سنوات، فتنازعت القوى التي يرى كل منها أنه الأولى بالحكم. عسكريون مهزومون أو سياسيون متكسبون أو إعلاميون من النساء أو الرجال. شخصيات الرواية متفرقة أكثرها في المملكة العربية السعودية، وما بين العمل في الإعلام والحياة في فندق فاخر ترى اليمن موزعا مشتتا رغم أن الرواية تضمهم. الرواية هي المكان الضائع فلقد ضاقت بهم اليمن. الصراع القاتل في اليمن الذي يعكس انتماءات مختلفة دينية أو قبلية تعلو على ما هو وطني، وكل يرى الحق معه رغم أنهم تركوا خلفهم بؤسا رهيبا في حياة أهل اليمن لا يغيب عن الرواية. لغة أحمد زين محملة بالدلائل والإثارة والترقب تتحرك بمشاعر شخصياتها وبالقارئ الذي كلما ابتعد عن محور واحد واضح للعمل، يجد أنه في قلب اليمن الضائع. البناء الفني للرواية يعكس مهارة أحمد زين، فكما أنه مهم جدا الوقوف عند موضوع الرواية، فمهم جدا الوقوف عند كيف كتب أحمد زين رواية تتعدد فيها اللغات، ومهما ابتعدت الشخوص أو بدت غير متوافقة مع بعضها، تعكس حالة أمة وزمن. الوقوف عند كل شخصية على حدة وتفسير سلوكها أنثى أو ذكرا، تلعب فيه المكونات الثقافية والأمل الضائع، أو اليقين من تحقيق الأحلام لكن بلغات مختلفة، وتصوير يكاد يكون سينمائيا للأحداث الصغيرة والكبيرة. أنت مع أحمد زين تقرأ وترى. مونتاج تعدد الفصول وتتابعها متضادة أو مكملة لبعضها قدرة سينمائية بارعة. الصورة السينمائية حاضرة بقوة في الحكي فالكتابة مع أسئلتها، كاميرا بارعة للمكان في السعودية أو اليمن. ليست معرفتي السابقة بأحمد زين إنسانا وكاتبا هي سبب قراءتي للرواية وإكمالها، لكن شغفي بمساحة الحرية التي يتيحها أحمد زين لنفسه في تشكيل بناء روائي مختلف. من السهل جدا أن ترى الفارق بين تصوير الشخصيات ورغباتهم وصبواتهم، لكن تعددها وقدرة الكاتب على الإمساك بروح هذا التعدد، درس للنقد الأدبي يجعله يبحث عن طرق جديدة للحكي، وكيف تتحقق بعيدا عن النظريات السائدة عن الكتابة. النظريات النقدية هو بنت الكتابة، وليست الكتابة ابنة الفهم النقدي إلا في بدايات الكاتب. هنا مع أحمد زين حين تسأل كيف صارت الرواية محفلا للغات وطرق السرد، تنسى السؤال أيضا مع متعة الصورة، وتستمر في القراءة بشغف كبير. أنت هنا موضوعا مع اليمن وآلامه وأحلامه الضائعة، والطرق المختلفة لتحقيقها بين السخرية والتقدير، لكن مع قفزة في البناء الفني المغامر. من السهل جدا أن أقول إنك ترى اليمن بعيون الأشقياء والأوفياء، لكن الأهم أنك ترى كاتبا يقيم متحفا للغات والمشاعر يضمها جميعا حلم ضائع قد يعود يوما. رماية ليلية ليست مجرد عنوان عابر، بل هي عمل يحاول أن يحقق النور وسط الظلام، حتى لو لم يبق معك غير متعة الفن، ونسيت الطموح والآلام.
1170
| 06 يونيو 2024
ثلاث كوارث كبرى في يومين. * الأولى هي الاعتداء بالغارات على مخيمات اللاجئين في رفح من قبل الصهاينة يوم الأحد الماضي السادس والعشرين من مايو الجاري. المخيمات التي نزح إليها من أمروهم بالنزوح من غزة، فمات العشرات حرقا وأصيب الآلاف. يحدث هذا رغم قرارات محكمة العدل الدولية بإدانة نتن ياهو دراكيولا العصر الحديث. ولا يتعظ الصهاينة باستمرار الفلسطينيين في المقاومة، ولا استمرار الاحتجاجات في العالم علي ما يفعلونه من مذابح لأهل غزة، ولا اعتراف ثلاث دول أوروبية هي أسبانيا وإيرلندا والنرويج بدولة فلسطين. يستمر الصهاينة في ممارسة مرضهم النفسي بإزاحة محارق هتلر وأوروبا لهم على الفلسطينيين! * الثانية هي استشهاد جندي مصري على حدود رفح المصرية صباح اليوم التالي الإثنين، في قتال قيل إنه بين الصهاينة والجنود الفلسطينيين، وقيل إنه بين الصهاينة والجنود المصريين. قيل أيضا إن الذين استشهدوا اثنان، ضابط وجندي مصريان، لكن موقع «ما تصدقش» نشر اسم الجندي الشهيد وهو عبد الله رمضان، وكتيبته وموقعه على الحدود المصرية. * الثالثة جاءت في مساء اليوم نفسه الإثنين، وهو حكم محكمة جنح الاستئناف بتأييد الحكم السابق بالحبس سنة مع الأشغال، على أحمد الطنطاوي البرلماني السابق، الذي حاول استكمال التوكيلات الخاصة للترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة نهاية العام الماضي، فأغلقت أبواب مكاتب التسجيل بالشهر العقاري أمام مريديه، وطبعا لم يعطه أعضاء مجلس الشعب أي توكيلات كما أعطوا لغيره. صدر الحكم عليه وعلى مدير حملته محمد أبو الديار وواحد وعشرين من أعضاء الحملة. الحكم جاء من محكمة الاستئناف، وهذا يعني أنه نافذ حتى يتم النقض وهم في السجون. كلنا نعرف أنه حين عجز أحمد الطنطاوي عن تحقيق العدد المطلوب من التوكيلات له من مكاتب الشهر العقاري، بسبب منع مريديه الذي رأيناه جميعا، لجأ إلى الحراك الشعبي، وهي عمل توكيلات غير رسمية من الناس في الشوارع، وكان واضحا أن ما يفعله وحملته ليس إلا وسيلة ضغط لتحريك الماء الراكد، وفتح أبواب مكاتب الشهر العقاري المغلقة، لكن تم اعتبار هذا الحراك السياسي عملا غير قانوني، وترتب عليه الحكم في أول درجة، ثم تأكيده في محكمة الاستئناف. لقد حدث ذلك من قبل في مصر بعد الحرب العالمية الأولى عام 1919 حين رفضت إنجلترا سفر سعد زغلول ورفاقه ممثلين للشعب المصري إلى مؤتمر باريس لحق تقرير المصير، وتم القبض على سعد ورفاقه ونفيهم إلى مالطة، فاشتعلت ثورة 1919 وقام الشعب بعمل التوكيلات في الشوارع لسعد ورفاقه كوفد رسمي يمثل مصر والمصريين، مما جعل إنجلترا تعيد سعد ورفاقه من المنفى، ويسافرون إلى باريس للعمل لتحقيق الاستقلال.. كانت التوكيلات وسيلة ضغط كبرى على الاستعمار البريطاني وتفجرت الثورة، ولم يكن أحمد الطنطاوي يطمح لأكثر من ضغط فيتم فتح مكاتب الشهر العقاري. *** ثلاثة أحزان إضافية لما حولنا، جعلتني أتساءل ألا يوجد ما يدعو إلى الفرح في هذه البلاد. ثلاث ضربات في يومين جعلتنا ننسى ما فعله جمهور النادي الأهلي في نهائي أبطال أفريقيا مع الترجي التونسي يوم السبت، حين هتفت جماهير النادي بالنصر لفلسطين، ووقفوا بظهرهم في اتجاه الممثل محمد رمضان الذي جاء يفتتح المباراة بالغناء، وقد أخذوا شكل حنظلة الفلسطيني في رسوم ناجي العلي. *** ثلاث ضربات الأولى سيكون لها مردودها بين شباب العالم، بينما نحن في حالة حصار من النظم السياسية، والثانية لا نعرف ماذا سيحدث بعدها، وكيف سيأتي حق شهيدنا، أما الثالثة فهي تثير أسئلة مثل هل هناك أمل في أي حوار وطني؟
852
| 30 مايو 2024
كلما حاولت الابتعاد عن الأخطاء أو الخطايا التي تحدث حولي قفزت إليّ مئات المقالات التي كتبتها في حياتي وغيري عن التناقض البشع بين شعار تشجيع القطاع الخاص وبيع ممتلكات الدولة التي هي في الأساس ملك للشعب، فالدولة التي يتردد لفظها تعبيرا عن الحكام ليست هي الدولة في العرف السياسي. في العرف السياسي الدولة شعب وأرض ونظام حاكم، والنظام الحاكم يتغير ويبقى الشعب والأرض. لكن هكذا شاءت الأحاديث والأفعال، فكل شيء ملك للدولة يعني ملكا للنظام الحاكم، لا علاقة للشعب به. تشجيع القطاع الخاص يعني تركه للقيام بأعماله لا التضييق عليه، ولا بإعطائه ممتلكات الشعب يا سادة! آخر المستجدات المؤلمة هو إعلان نية تأجير المستشفيات العامة - أكثر من مائتي مستشفى- التي أقامتها نظم الحكم السابقة منذ العهد الملكي لخدمة الشعب، تماما كالمدارس العامة التي كان طه حسين أهم من نادي بانتشارها هي والجامعات، ولم يكن أبدا مع التعليم الخاص الذي بدأ في الانتشار منذ أيام السادات، ومعه المستشفيات الخاصة التي لا يقدر عليها إلا الأغنياء. عبر العشر سنين السابقة لم نسمع عن مستشفى ولا مدرسة عامة جديدة، لكن سمعنا عن العديد الخاص. الآن يقولون إنهم سيقومون بتأجير المستشفيات العامة للقطاع الخاص. طبعا كالعادة يقولون إن هذا لن يؤثر في تكلفة العلاج أو زيادتها، لكن ما تعودناه أنهم بعد أن يعهدوا بالممتلكات العامة للقطاع الخاص، يتم اهمالها أو هدمها، وحدث ذلك في المصانع والأمثلة كثيرة. منذ عشر سنوات قدم رجال الأعمال اقتراحا بدفع خمسة بالمائة إضافية للضرائب، لكن ليس نقدا للحكومة، وإنما في هيئة مشروعات، وكتبت أنا طالبا من الحكومة أن تتركهم يبنون مدارس ومستشفيات، لكن الذي حدث أن الدولة ألغت اقتراح رجال الأعمال كأنما تريد الخمسة بالمائة نقدا لا مشروعات. لم تقل السبب لكن أي سبب آخر يمكن أن يكون، وقد قرر رجال الأعمال مساعدة الدولة فترفض!. المجتمع الأهلي هو صانع النهضة منذ بدأت مصر نهضتها الحديثة، فكان الباشوات ورجال المال كانوا يبنون المدارس ويعهدون بها إلى وزارة المعارف، أو المستشفيات ويعهدون بها إلى وزارة الصحة. راجع تاريخ المدارس لتعرف من بناها أو المستشفيات، وكيف عهدوا بها للوزارة المختصة ولم يديروها لحسابهم. حتى جمعية دينية قديمة مثل العروة الوثقى التي أنشأها محمد عبده مع جمال الدين الأفغاني واستمرت بعدهما، أهدت عشرات المدارس إلى وزارة المعارف حملت عنوان مدرسة العروة الوثقى ولم تديرها الجمعية. لم يعد ذلك يحدث بعد أن أمسكت الدولة المركزية في يدها كل شيء إلا في إعلانات عن تبرعات لبعض المستشفيات القليلة التي أنشاها المجتمع الاهلي وليس الحكومة أيضا، لكن ليس بالزخم القديم. للأسف الدولة المركزية ترى الأرض وما عليها ملكها، تتصرف فيها لتحل أزمتها المالية دون أن تفكر كيف حدثت هذه الأزمة بسبب مشروعات لا عائد منها على الشعب فهي ليست مصانع مثلا. صرنا نسمع كل يوم عن بيع أراضٍ وعقارات ملك للدولة – الشعب من فضلك – لكن وصل الأمر إلى الحديث عن تأجير المستشفيات العامة التي لم تزداد، وصارت متخمة بالمرضى، وصار الحصول على سرير فيها أمرا شاقا لقلة أعدادها قياسا على عدد المرضى من الشعب. يريدون تأجيرها وأي عاقل يعرف أنها ستتحول إلى فنادق غالية، وقد يتم تقليل عدد الأطباء والممرضين توفيرا على المستأجر. أيتها الدولة التي تحمل الاسم الخطأ، لا قيمة لشعب ولا قيامة لدولة دون علاج وتعليم بالمجان. راجعوا تاريخ النهضة المصرية وتعلموا، أو انظروا في العالم حولكم.
858
| 23 مايو 2024
كل من درس تاريخ العمارة في مصر يرى كيف تقلبت بين العمارة الإسلامية والفاطمية والمملوكية والعثمانية، ثم العمارة البحر متوسطية مع العصر الحديث، أو مزيج من هذا كله. عرفت مصر مهندسين وفنانين ومفكرين من كل الملل والأجناس، فكما كان هناك علي مبارك كان هناك ماريو روسي الإيطالي وحديثا الدكتور محمد عوض وعائلة محمد عوض التي كان لها دور كبير في العمارة في الإسكندرية. أسماء كثيرة لا يتسع لها المقال عرفتها الإسكندرية والقاهرة وغيرها من البلاد المصرية، وكتب كثيرة كتبت عنهم، لكن الدرس الذي تخرج به من القراءة عنهم وعن إنجازاتهم في العمارة، هو أن العمارة بنت المكان والتاريخ. بنوا قصورا للباشوات والأغنياء وبنوا مساجد شهيرة في مصر مثل مسجد عمر مكرم ومسجد المرسي أبو العباس ومسجد القائد إبراهيم ومسجد الرفاعي على سبيل المثال، أو أعادوا بناءها، وكذلك فنادق لا تزال موجودة مثل فندق سيسيل أو متروبول في الإسكندرية في منطقة محطة الرمل أو غيرها في القاهرة والأقصر وأسوان. الأمر نفسه بالنسبة للعمارات والبيوت، بل والمدافن لكثير من الحكام والمشاهير. كان هناك قانون يحكم عمليات البناء عبر العصور، يمنع أن يشغل البناء مساحة تعتدي على الفراغ حوله أو خلفه، فعلى الشواطئ مثلا كنت لا تجد عمارة أو مبنى يرتفع عن ستة طوابق، فالهواء والماء ليس لسكانها فقط، بل لمن حولهم وخلفهم رغم أن طريق الكورنيش أمامه متسع ولا نهاية للبحر. صار القانون معروفا على نطاق واسع بأن لا يرتفع المبنى عن مرة ونصف عرض الشارع، فالشارع الذي يكون عرضه عشرة أمتار لا ترتفع العمارة عن خمسة عشر مترا، وهكذا في كل الشوارع. لن أتحدث عما جرى من فساد ضرب بهذا القانون عرض الحائط، فصارت العمارات ترتفع إلى عشرة أو خمسة عشر طابقا في شوارع عرضها ستة وعشرة أمتار. صارت هي العشوائيات الحقيقية، وليست عشوائيات المناطق الفقيرة فقط. سأتحدث عما قرأته من تطوير سيحدث في المناطق حول مسجد السلطان حسن ومسجد الرفاعي. مسجد السلطان حسن، بناه السلطان الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون في القرن الثامن الهجري خلال حكم المماليك البحرية لمصر. مسجد الرفاعي بُني منذ نحو مائة وخمسين عاما. بنته خوشيار هانم أم الخديوي إسماعيل وبه دفنت وأسرة الخديوي، وبه دفن أيضا السلطان حسين وزوجته والملك فؤاد الأول والملك فاروق. حولهما أو قريبا منهما مساجد أثرية أخرى مثل مسجد جوهر اللالا، أو مسجد محمد علي بالقلعة وغيرهما. المسجدان علامتان فارقتان في تاريخ العمارة، وما دمت سمعت عن تطوير ما حولهما بمساعدة من قبل طائفة البهرة وسلطانها الذي زار مصر، فكل ما أرجوه أن لا يدخل التطوير إلى المسجدين فيكون سببا في ضياع الملامح المعمارية في الأسقف والجدران والمئذنة والقباب مثلا، فنجد أنفسنا كما حدث في تطوير مسجد أبو العباس المرسي بالإسكندرية، حين طمس المقاولون زخارف في جزء كبير من سقف المسجد بالمحارة والأسمنت، فأوقفت المحافظة الأعمال بعد الضجة التي أثيرت. وكما حدث في مئذنة وقبة مسجد الحسين التي تم تشويهما بالطلاء. لست مهتما أن تكون طائفة البهرة متحملة التكلفة في التطوير، ففي مصر لا نفرق بين شيعة وسنة، لكن الخوف هو من المقاولين الذين لا يعرفون معنى الثقافة، فيخفون معالم أثرية كثيرة بالأسمنت أو المحارة أو غيرها فتثور الدنيا. في مصر علماء ومهندسون وهيئات للحفاظ على التراث أتمنى أن يوكل لها الأمر منذ البداية ولا تتكرر الأخطاء.
921
| 16 مايو 2024
في عالم الثقافة ما زلت أحتفظ بعقلي. أقرأ كتبا مهمة بقدر ما تتيح لي الظروف، ولا أتأخر عن الإشارة إليها أو الكتابة عنها، وأشعر أحيانا بالتقصير لأني لا أستطيع، وهذا طبيعي جدا، أن أقرأ كل ما يصدر من كتب عظيمة. أنشر ما أكتبه على صفحتي في الفيسبوك أو تويتر من باب الحفظ لها، فأغلب العابرين على السوشيال ميديا ليس لديهم الوقت الكافي، بينما يقفون كثيرا عند التغريدات قليلة الكلمات. هذا طبيعي فالسوشيال ميديا بنت عصر السرعة، وتظل المقالات وقراءتها للذين لديهم الوقت، ولمن ينشغلون بالقضايا الحقيقية، قد يبدون فيها رأيا يثريها حتى ولو بالاختلاف. لكن في السوشيال ميديا ظاهرة هي «الترند». وهو ما يأخذ القارئ أو المشاهد إذا كان الأمر يتعلق ببعض الصور، إلى اتجاه يزدحم بالحاضرين أو المحتفلين، فيسعد صاحب الترند بالكم الكبير وغير العادي ممن يعلقون على كلامه، ويصدق أن ما يراه اهتمام حقيقي، وليس زفة مثل زفة المولد، لا يبقى منها لدى المحتفلين ما يصنع ثقافة حقيقية. الترند قد يشهد انتقادات كثيرة جدا أيضا، ولا يعلم من ينتقد أن صاحب الترند يريد ذلك، فلقد صار في مركز الحدث. مركزا للتفاهة ستدخل في النسيان بعد دقائق. كنت دائما بعيدا عن هذه الظاهرة وما أسهلها. لم أفكر أن أفعلها، ولم أساهم حتى بالتعليق على إحداها، فهي بالونة طائرة تنفجر ولا يخرج منها غير الهواء لدقائق، بينما الهواء الحقيقي حولنا في القضايا الكبرى. لا ألوم من يساهم في الترند، فليس كل الناس ولا كل الأعمار على طريقة واحدة في الحياة، فالذين يقرأون القصص البوليسية مثلا أضعاف من يقرأون الأدب الحقيقي. في الأيام الأخيرة انفجرت السوشيال ميديا بترند سببه سؤال ليوسف زيدان للمفكر السوري فراس السواح، وهو صاحب أعمال عظيمة في تاريخ الأديان والميثولوجيا. كان السؤال في ندوة أقامتها مؤسسة جديدة تسمي نفسها «تكوين» مهمتها تجديد الفكر الديني كما يقولون. بدأوا ندواتهم بلقاء مع مفكر يستحق القراءة والاحتفاء، لكن تبدد اللقاء بسبب «الترند» التافه. ما شاع على الميديا سؤال من يوسف زيدان لفراس السواح هل أنت أفضل أم طه حسين، وإجابة الرجل أنه هو ويوسف زيدان أفضل. انفجرت الميديا بالانتقاد وبصفة خاصة ليوسف زيدان وأعماله مقارنة بطه حسين. المئات دافعوا عن طه حسين وهو يستحق كل ذلك عملا وفكرا، والحديث عنه يحتاج الى مقالات وكتب. اعتذر الاثنان عما حدث وكيف كان الأمر دعابة، وقال السواح إن زيدان ورطه بالسؤال. لكن صار الأمر « ترند» بدا لي مقصودا من صاحب السؤال، فأضاع الندوة وأضاع ما قدمه فراس السواح من أفكار. صار التجديد الديني على الهامش وشاعت الكوميديا والمسخرة. ومن ثم أقول لكم إن هذه بداية منذرة - لا أقول مبشرة من فضلك- بقيمة ما ستقدمه هذه المؤسسة التي لا أتوقع لها دور في التجديد بل لها دور في الترند! ولا أعتقد سيخيب ظني. بعيدا عن ذلك كله أحب أن أضحك مع تعليق واحدة من أجمل من يعلقون على الأحوال الثقافية، هي نجوان ماهر عامر التى تعمل في صفحة « مكتبة وهبان» وهي من أجمل الصفحات الثقافية، والتي لم يعجبها طبعا ما فعله زيدان، قائلة بعد إعلان لشخص آخر تكوين مؤسسة مقابلة لدحض مؤسسة تكوين. قالت نجوان ماهر مع صورة للرئيس السادات «تم تدشين مؤسسات ثقافية في ست ساعات» ولن أزيد من تعليقاتها التي تستحق مقالا ربما أكتبه يوما من فرط الفهم والجمال.
2604
| 09 مايو 2024
بين اليهود والفلسطينيين هناك عالمان. عالم الوهم في التوراة والتلمود من حكايات أسطورية صنع به اليهود لهم تاريخا ودولة فيما بعد، حين اتحدت السياسة الأوروبية في الخلاص منهم، على حساب الشعب الفلسطيني الحقيقي صاحب الأرض. قدمت السينما العالمية كثيرا من الأفلام عن هذه الأساطير لعالم الوهم، مما قد يجعل الإنسان غير المثقف أو غير الواعي بالتاريخ، يعتقد أنها حقيقة. لم يكن ذلك لإغراء هذه الحكايات فقط، لكن لأن السينما العالمية تسيطر عليها أموال رجال الأعمال من اليهود، الذين عرفوا ما لاقوه في أوروبا من عنت وظلم عبر السنين، فقرروا أن يكونوا رجال المال ورجال الصحافة والإعلام والسينما. أي المؤثرين في العالم. صنعت هوليود أفلاما مثل الخروج ويعقوب وقصة داوود وسدوم وعمورة وبن هور وسالومي وغيرها، وأفلاما أيضا من العهد الجديد أو الإنجيل عن المسيح ومريم العذراء. لاحظ قلة الأفلام عن الإسلام والمسلمين في السينما العالمية. ليس لأننا نرفض تصوير الأنبياء والصحابة، فهذه الأفلام ليست صناعة عربية، وربما لا تجد فيما استوحي من مسيرة الإسلام في السينما العالمية غير فيلم «الرسالة» لمصطفى العقاد. طبعا لدينا أفلام مصرية وعربية عن ذلك ومسلسلات شهيرة، لكنها نادرا ما تخرج إلى العالم. على المستوى الحقيقي لم يكن اليهود محبوبين في العالم، وصورتهم في الآداب العالمية هي صورة المرابين والمتآمرين وتجار البشر، ورغم أن هذه الصورة انحسرت بعد تدشين دولة إسرائيل، إلا أن احتمال عودتها قائم بعد ما جرى ويجري في غزة. الفن عادة مغرم بما هو غير عادي، وحكايات التوراة والتلمود تدخل في ذلك مما لا يوجد عليه أي أثر حقيقي في فلسطين. جاء الإسلام في وقت عُرفت فيه الكتابة بعيدا عن الجدران، وكانت تتم بالمداد على الجلد وأخشاب النخيل حتى ظهر الورق من البردي أو غيره، ومن ثم ففرصة الوجود في التاريخ ليست في حاجة إلى خيال يخترعونه عن الرسول الكريم أو الصحابة، ففتوحاتهم وبطولاتهم وهزائمهم أيضا يمكن كتابتها في الوقت نفسه، وتوفرت مع دول الخلافة الإسلامية الكتب والمخطوطات التي مهما كان الخيال في قصصها، فالقارئ يفصل بين الخيال والحكايات الشعبية من جهة، وبين الحقائق في التاريخ من جهة أخرى. مع ظهور الإسلام تجد الحقائق التاريخية. وقع العالم الغربي في أبشع مغالطة فأقام من خرافات بني إسرائيل عالما حقيقيا على حساب أصحاب العالم الحقيقي. وكل قادة اسرائيل والصهيونية العالمية يعرفون أنهم يبنون حقيقة على وهم، فاستخدام الدين هو أسرع حصان لبلوغ الهدف، فما بالك وحكاياتهم المصبوغة بالدين لا يعقلها عاقل. هل يقبل عاقل لعنة سيدنا نوح لابنه حام لأنه رآه نائما انكشفت عورته فلم يغطها، بينما غطاه ابنه سام فعظمه نوح هو وذريته، ونذر حام بالضياع هو ونسله من بعده. هل يقبل عاقل القصة أصلا؟ وهل يمكن أن تكون هذه القصة الخرافية برهانا على حق الصهاينة أو حتى اليهود في دولة بلا كنعانيين أو فلسطينيين. لقد ترك لنا الفلسطينيون تاريخا من الشعر والأدب والفن التشكيلي والسينما لا يزال بيننا ولن يتوقفوا عنه، ويزداد عدد الكتاب والفنانين الفلسطينيين الآن وسيزداد إبداعهم رغم المجازر، بل وبسببها أيضا، وستظل حقاق التطهير العرقي الذي يقوم به الصهاينة لا يمكن الخلاف عليها في الدنيا، ويكفي ما يحدث في العالم الآن من احتجاجات على ذلك، وهي احتجاجات تدخل بالعالم إلى مرحلة جديدة من السياسة سنراها في السنوات القادمة. أولها خسارات سيحققها اليمين المتطرف الذي يحكم كثيرا من هذه الدول. عالم الوهم زائل..
924
| 02 مايو 2024
أحب ما تفعله بعض دور النشر من ندوات أو مؤتمرات، لا يعني هذا أني لا أحب ما تفعله وزارة الثقافة، الفارق أن ما تفعله وزارة الثقافة هو دورها، أما ما تفعله بعض دور النشر فهو إضافة لدورها في طباعة وترويج الكتب، ويؤكد أن المجتمع الأهلي يمكن أن يقوم بدور رائع في الثقافة. في السنوات الأخيرة أجلت وزارة الثقافة المصرية مؤتمرين شديدي الأهمية كانا يقامان كل عام بالتناوب أحدهما عن الرواية العربية والثاني عن الشعر العربي، والحجة أن الوزارة لا تملك الميزانية الكافية. طبعا أصدق الحجة، لكن اندهش من مجلس الوزراء الذي لا شك يعرف ذلك ولا يزيد من ميزانية الوزارة حتى لا تفقد علامة من أهم علاماتها. سأبتعد عن الأمر وأتحدث عن هذا الملتقى التي أقامته دار نشر صفصافة لصاحبها الكاتب محمد البعلي. هو الملتقى السادس. أهميته ليست من كونه مؤتمرا ثقافيا فقط، لكن من حضور لعدد من الكتاب من أوروبا وأمريكا، فضلا عن العالم العربي. عنوان الملتقى هذا العام هو المدينة والذاكرة، تشرفت باختياري رئيسا شرفيا له، وكما هو واضح من المصطلح فالإعداد واختيار المشاركين هو جهد دار نشر صفصافة. اختاروا كتابا من الخارج مثل أنريكي شنايدر من البرازيل وكريستين أوتين من هولندا وسالار أبدو من الولايات المتحدة وإياكي كابي من جورجيا، ومن العالم العربي أسماء مهمة مثل إبراهيم نصر الله وابتسام أبو سعدة وزينات أبو شاويش ومحمود جودة والأربعة فلسطينيين، ومثل فهد الهندال من الكويت ورشا عمران من سوريا. من مصر أسماء رائعة كثيرة من أدباء وشعراء ونقاد ومترجمين، والظريف أن الكاتبات والشاعرات كن الأكثر عددا. ما أعجبني أنه في نفس التوقيت أقامت مكتبة تنمية مؤتمرا ثقافيا بالاتفاق مع الجامعة الأمريكية. البعض تصور أن هذا سيكون له أثر سلبي على كل منهما، لكن الصور على السوشيال ميديا توضح الزحام والإقبال الرائع على الاثنين، رغم أن مهرجان تنمية بالتعاون مع الجامعة الأمريكية التي في ميدان التحرير، أي قريب من الكثيرين، وملتقى صفصافة في منطقة الحسين بقبة الغوري وهي الأبعد. قبة الغوري تم افتتاحها أيام الوزير الفنان فاروق حسني، وهي من آثار السلطان قانصوة الغوري أحد سلاطين المماليك وترعاها الهيئة العامة لقصور الثقافة، التابعة لوزارة الثقافة نفسها أحد الرعاة للملتقى، ودائما تقدم له أحد القصور القديمة في منطقة الحسين. مجمل الحوار كان عن المدينة والذاكرة وكل من تحدث تقريبا كان حديثه عن كيف ألهمته المدينة عمله الروائي. المدن على طول التاريخ ملهمة للكتاب، ويزيد إلهامها حين تتعرض لما يمكن أن يشوهها ويضيع علاماتها، أو حين تصبح المدينة القديمة مثل حلم ضائع. كانت هذه مداخلتي عن الإسكندرية ملهمتي في رواياتي وعن القاهرة التي عشت فيها بدءا من السبعينيات وألهمتني بدورها. كيف كان الاتساع والحدائق ووجود السينمات والمسارح والجاليات الأجنبية حتى نهاية الخمسينيات يجعل من الإسكندرية أو القاهرة مدينة عالمية. تحملت الطريق من بيتي البعيد إلى المكان، وحاولت أن أغمض عيني عما جرى في القاهرة من تشوهات، وخاصة في مناطق مثل القلعة أو شوارع مثل شارع محمد علي أو شارع الأزهر الذي كان لابد من العبور منه وفقا للـ» جي بي إس « وكان هذا أصعب ما في الطريق أو الملتقى. قلت لنفسي لأرتاح إن المشكلة في الـ» جي بي إس « قليل الذوق، لكن الطرق جميلة رغم معرفتي بما جرى ويجري من تشوهات بالقاهرة، وبصفة خاصة في أحيائها القديمة وحتى مقابرها.
531
| 25 أبريل 2024
للتاريخ وجهان. وجه مع سيرة الزعماء والحكام، ووجه مع سيرة البشر العاديين، أو من نال منهم حظا من العلم والشجاعة لأن يقتحم عالم الزعماء والحكام بالمعارضة أو حتى بالاتفاق! في مدارسنا يقف التعليم عند سيرة الزعماء والحكام منذ مصر القديمة فقط. لكن خارج التعليم ظهر كتّاب يؤرخون للناس مثل أحمد بهاء الدين ومحمود السعدني ومحمد أنيس وصلاح عيسى وعماد أبو غازي ومحمد أبو الغار وغيرهم، والحديث عن كتبهم كبير. أكثر ما يأتي في كتب المدارس عن الزعماء والحكام يأتي عن حروبهم وخاصة التي انتصروا فيها. لكن قليلا ما تتم الكتابة عن أخطائهم التي كانت تصل إلى الخطايا في بعض الأحيان مع الشعوب التي يحكمونها. هناك مظهران لذاكرة التاريخ الرسمي أو المقرر في المدارس. مظهر فيما تركه الحكام وراءهم من آثار تتجلى في المباني والمعابد ثم الكنائس والمساجد والمدارس والأسبلة – جمع سبيل للمياه- والقلاع غيرها، ومظهر في الحروب التي دخلوها دفاعا عن الوطن أو غزوا لغيره من البلاد. الحياة مع هذه الذاكرة ممتعة خاصة مع الآثار، لأنك تقف تتأمل أشكال البناء سعيدا بما فيها من زخرفة أو أسقف أو نوافذ ومشربيات، أو آيات قرآنية بالخط العربي. ويصل بك الأمر حين يكون بالمبنى ضريح للحاكم أن تصلي عليه واقفا، أو تقرأ له الفاتحة، ولا تذكر أبدا أي أخطاء أو خطايا له. النسيان يجعلك في محراب الرضا. الذاكرة المهملة في التعليم، والتي تأتي بالمعرفة والقراءة الحقيقية، توقظ فيك ما هو أوسع من الحكام، وهو حب الوطن. الحروب حتى لو انتهت بالهزائم هي من أكثر ما يوقظ حب الوطن عند الشعوب. تعيش في الوطن راضيا أو حانقا لكن حين يتعرض لهجوم من عدو، تستيقظ الذاكرة بحب الوطن. هذا يفسر لك كيف فشلت الدول الاستعمارية في البقاء في البلاد التي احتلتها، واضطرت إلى الخروج مهما طال الزمن. بعد احتلال الانجليز لمصر عام 1882 ارتفعت الذاكرة في الفضاء بشعار مصر للمصريين، ولم يكن مقصودا به الجاليات الأجنبية أو العربية التي لجأت إلى مصر وساهمت في نهضتها كما قد يتصور بعض السذج، لكنه شعار كان في مواجهة الاحتلال. يمكن أن يعيش الإنجليز بيننا كمواطنين، لكن كمحتلين أو ناهبي ثروات فليس ممكنا، ومن هنا جاءت النهضة في الصناعة والزراعة والتعليم وغيرها. حتى في سنوات حكم أحزاب الأقلية التي كانت موالية بدرجات للإنجليز او العائلة المالكة، كانت النهضة على أشدها. الأمر نفسه حدث مع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وحدث مع هزيمة 1967. سيقول قائل مع حرب 1973 ورغم أننا استعدنا سيناء حدث العكس، وكان السلام مع إسرائيل فرصة لضياع الانجازات في الصناعة والتعليم وغيرها. كيف حقا كنا مع الهزائم نقيم وطنا، وصرنا مع النصر نبدد مقدرات الوطن وإمكاناته ؟ سأقول له هذا لم يكن من الشعب على إجماله، ولا حتى من صفوته الفكرية التي لقي الكثيرون منها العنت والسجن أيضا، لكن هذا كان سياسة للدولة والحكم والحكام ومن والاهم، لا زلنا ندفع ثمنها. ابتعد عن مصر لأقول أن ما تفعله اسرائيل في غزة من حرب جائرة أيقظ الذاكرة بفلسطين أرض العرب لا الصهاينة، ولابد يوما أن يتجسد بالوطن الحقيقي. الصهاينة مهما طال الزمن مصيرهم إلى الشتات الذي جاءوا منه، ولابد أن هذا الشتات كامن في اللاشعور ومصدر رعبهم، فلم يكن لهم يوما وطن يعودون إليه، كما عاد المحتلون من الإنجليز وغيرهم، وكل ما قيل في كتبهم عن الوطن خرافات.
2862
| 18 أبريل 2024
مع كل عيد لا يفارقني ما قاله المتنبي في قصيدته الشهيرة: «عيد بأية حال عدت يا عيد... بما مضى أم بأمرِ فيك تجديد» «أما الأحبة فالبيداء دونهم.. فليت دونك بيداً دونها بيد» طبعا تتداعى ذكريات الأعياد التي يمكن أن تملأ كتابا كاملا لمن هم في عمري. الآن ليس بيننا وبين الأحباء بيداء ولا بيد. لقد أصبح العالم هاتفا نقالا ترى فيه من تشاء من الأحباء، مهما ابتعد عن البلاد وعاش في الغربة، هو أو أنت، فتفوز بكثير من الصبر. صار البعد الحقيقي هو في مفارقة الحياة نفسها. لكن هذا الفراق أكثر من غيره يمكن تقبله، باعتبار أن هذه إرادة الله، وإن كان الكثيرون من الأحباء يلحقون بأحبائهم بسرعة من فرط الألم، خاصة من عاشوا معا سنينا طويلة عامرة السعاد والهناء. لكن لأنه العيد، ابدأ في التمني لكل الناس حياة أفضل، ولغزة يوما قريبا نرى فيه إسرائيل تعاني تفسخها من الداخل، وتُفتح أبواب الحساب لمن قاموا من حكامها بهذه الإبادة الجماعية للفلسطينيين، الذين اعتبرهم القاتل نتنياهو قبائل العماليق، وهي القبائل التي تصدت لليهود في فلسطين بعد خروجهم من مصر، في رؤية التوراة التي لا أثر لهم منها في مصر أصلا. هي جانب يتعلق بالإيمان لا العقل، أزادوا فيه، وصنعوا أساطيرهم سنوات السبي البابلي لهم. رغبتي ككاتب كثيرا ما تدفعني أن أبتعد عما حولي، باحثا عن السلام النفسي لبعض الوقت، ليس هروبا من أي مسؤولية. تذكرت قصيدة المتنبي التي تشجعني على الدخول إلى المشاعر الإنسانية العظيمة. لكن ما حولي يقفز إليَّ كل ساعة، مع حديث الناس في جلساتهم، ومع كل رغبة أو حركة. بعيدا عن غزة والقضية الفلسطينية التي صارت جرح أصحاب الضمائر في العالم، فحول الناس كثير مما يدفع للحيرة والأسى في حياتهم اليومية في مصر. فمهما ابتعد الإنسان عن السياسة، لن يستطيع أن يعيش مضربا مثلا عن الطعام، الذي هو أبسط المطالب، تأخذك أسعاره للتفكير، هل هذه القفزات الفلكية طبيعية. لقد صارت الألف جنيه في قيمة الخمسة جنيهات منذ خمسين سنة، وفي قيمة العشرة جنيهات منذ ثلاثين سنة. أخشى أن يحسبني أحد مغاليا حين أقول، إنه حتى منتصف السبعينيات، كنت تستطيع أن تدخل مطعما فاخرا، تأكل ربع كيلو كباب، وتدفع خمسة وعشرين قرشا. لو فعلت ذلك الآن في أقل مطعم ستدفع مائتين وخمسين جنيها. لن أحدثك عن بقية الأطعمة فلن يتسع المقال. لكن أدهشني إعلان بعض المحلات عن استعدادها لبيع كعك العيد بالقسط، لمن لا يستطيع دفع الثمن الذي وصل لمائة وخمسة وسبعين جنيها للكيلو جرام. تذكرت مظاهراتنا في يناير عام 1977 حين كنا نهتف «سيد مرعي يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه» والحقيقة أنه كان بخمسة وسبعين قرشا، لكنا جعلناه بجنيه لزوم القافية في النداء. سيد مرعي كان وقتها رئيسا لمجلس الشعب. زيادة الأسعار القائمة الآن حدثت بالتدريج طبعا، لكنها قفزت في العشر سنين الماضية قفزتها الكبرى. ليس لي غير الاعتذار للمتنبي، فلقد أخذتني الأحوال إلى السياسة بعيدا عن المشاعر الإنسانية العظيمة في قصيدته. ما ذكرته يطرح السؤال الغائب: أليست هذه الزيادة الجنونية في الأسعار دافعا للمواطن العادي لأن يتحدث في السياسة. الحصار قائم على الأحزاب والنقابات، لكن المواطن العادي يجد فرصة للحديث في السياسة لا يمكن محاصرتها، وأخشى أن تكون الفوضى هي تجلياتها. لا يكفي أبدا رضا من يروجون للنظام الحاكم. علامات السخط أكبر، لمن شاء أن يعرف أين تقف البلاد.
1674
| 11 أبريل 2024
«رأى أمامه فضاء واسعا. لا طيور في السماء والأشجار كلها مخلوعة من جذورها ممددة فوق الأرض. لكنه كان يمشي وتزداد قوته. قابلته فتاة صغيرة. - من أنتِ أيتها الجميلة؟ - لا أعرف. ومن أنت أيها الجميل؟ - لا أعرف. هل تذكرين من أين أتيتِ؟ - لا. هل تذكر أنتَ؟ - لا. - وماذا سنفعل؟ ليس أمامنا إلا أن نعيش معا. - - أين وكيف؟ - نبني عشا من فروع الأشجار نعيش فيه، وننجب البشر من جديد. - هؤلاء الذين كانوا معنا من قبل؟ - ماذا يمكن أن نفعل غير ذلك؟ - يمكن أن تمضي في طريقك وأنا في طريقي، لا نريد قصصا للحب تكتبها الدموع» في أشهر الكورونا التي أرجو أن لا تعود، كانت عزلتي في البيت مثل غيري، فصرت أكتب نفحات من العزلة، وكان من بينها ما قدمت به المقال. ذكرني بها الفيسبوك منذ أيام فتأملتها وتساءلت. هل هي قصص الحب فقط كتبتها الدموع، أم هي قصص البشرية كلها بين حروب وموت ودمار؟ لم يبق من أعمال البشر غير الفنون والآداب والاختراعات العلمية. أي ما يفيد الروح والعقل، لكن ما يفيد الجسد من طمع أو الحكومات من شره، يمضي كله هباء. لن أذكركم بما فعلت الإمبراطوريات القديمة، ولا في العصر الحديث، من غزوات لم يبق منها مثل ما بقي من كتابات الإنسان عن الآلهة والعدل في الدنيا ويوم الحساب. تخيل أنت لو لم يكتب المصريون القدماء أو البابليون أو غيرهم، قصص الآلهة، ثم بعد ذلك حين جاءت ديانات التوحيد من السماء وكتبها البشر في أوراقهم، هل كنا سنعرف شيئا عن الأديان؟ كثيرون جدا ممكن كتبوا عن العدل في هذا من مفكرين وأدباء، تم قتلهم من الحكام الجائرين في الغرب والشرق سواء. فإذا ساد الظلم فاعرف أنه ليس من الأديان، لكن ممن يفسرونها من شيوخ السلطان الذين لم يخلُ منهم التاريخ في كل الأديان. الإنسان الذي دوَّن الأديان دوّنها بفطريتها إذا جاز التعبير، لكن ما جرى من تفسير واختلاف وصل لتبرير الظلم، هو من صنع الساسة والسياسة ومن يمشي في ركبهم. إذن ليست قصص الحب فقط تكتبها الدموع، لكنها قصة البشر الذين وهم يبحثون عن المدينة الفاضلة، ظهر من بينهم من يفسدها بأطماعه وقوته. لماذا إذن هاتفني الحب فقط مع الدموع ذلك اليوم؟ بقليل من التفكير أدركت اختلاف الدموع. في قصص الحب التي تنتهي بالفراق، تتجسد التراجيديا التي تجعل الشاعر يخاطب الأرض التي مشت عليها حبيبته، والمنازل الخاوية بعد غيابها، وتستطيع أن ترجع إلى قصص الحب العذري العربية لقيس وليلي وجميل وبثينة وعنتر وعبلة وغيرهم. أو قصص الحب في الغرب مثل قصة الفارس لانسيلوت فارس الملك آرثر في بريطانيا، وقصة حبه لجوينيفر زوجة الملك وغيرها كثير. هل كنت حين كتبت ذلك بعيدا عما يحث حولي في العالم. لم يحدث يوما. عشت أعرف واستقر في روحي أن طريق البشرية لن ينتهي من سوءاته، لكن أبشع الجرائم تمضي هباء مهما كلفتنا من دموع، بل تذهب بها الدموع وهنا الاختلاف. قصص الحب وحدها تملأ الفضاء مهما مر بها من آلام، ولو تزوج الرجل الذي قابل الفتاة وحدهما كما كتبت في عزلتي وأنجبا بشرا، سيعود التاريخ بوجهيه. الجشع من ناحية والحب من ناحية. سيدفع المجرمون ثمن جشعهم، وتذهب الدموع بالجرائم، ويبقي المحبون على قمة الحكايات يبنون بدموعهم ماتهدم من بيوت وحدائق، ويعيدون أجمل الذكريات.
1734
| 04 أبريل 2024
مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...
1428
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...
1233
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية...
972
| 16 مايو 2026
تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...
744
| 17 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...
738
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...
627
| 21 مايو 2026
أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...
609
| 20 مايو 2026
خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...
579
| 18 مايو 2026
تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن...
567
| 17 مايو 2026
قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب...
564
| 17 مايو 2026
يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...
537
| 19 مايو 2026
منذ بدايات انتشار الإنترنت في العالم العربي، استُخدمت...
534
| 18 مايو 2026
مساحة إعلانية