رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد شهر يكون قد مضى عام على عملية طوفان الأقصى التي تمت في السابع من أكتوبر العام الماضي. والسؤال هل حققت الصهيوينة هدفها من الرد على طوفان الأقصى. أي حرب بين الدول تستمر لعام كامل في مكان محدود ولا تنتهي لنتيجة، فهذا أوضح دليل على الفشل. كم ألفا استشهدوا في غزة من الأطفال والرجال والنساء؟ أكثر من أربعين ألفا. كم جريحا في غزة؟ ما يقترب من مائة ألف. كم بيتا تهدم وكم مستشفى وكم منطقة لجوء. آلاف. كم من الأسلحة استخدمتها إسرائيل وما هي أنواعها. آلاف من الصواريخ وهجوم الطائرات والطائرات المسيرة وغيرها، واستيراد الأسلحة لا ينقطع من دول مثل الولايات المتحدة. ما هو السر في هذا الفشل؟ صمود أهل غزة وحماس وكتائب القسام. إسرائيل قامت على أسطورة أرض الميعاد فلماذا ننسى أسطورة الإمبراطور هيرودس الأول الذي أمر بقتل كل الأطفال في بيت لحم تحاشيا لظهور المسيح، فجاء المسيح من مريم العذراء وهربت به إلى مصر. الأسطورة تتكرر لأن معناها عابر للزمن. إذا كانت لدى الصهاينة أساطير فلدينا. فالأطفال قادمون رغم عشرات الآلاف من الشهداء منهم بيد الصهاينة. هذه ليست أرض الميعاد التي اختلقها الصهاينة في سبيهم البابلي، لكنها ارض الميعاد مع الحق. والحق هو أن الفلسطينيين هم السكان الأصليون. نتنياهو الذي يحكم بصيغة الديكتاتور يعيش في الوهم لأن السؤال البسيط جدا ماذا كسب غير دمار يمكن إعادته، وقتل شهداء سيأتي غيرهم بالملايين مع الزمن. نتنياهو يعرف أنه في اليوم الذي سيتوقف فيه عن الحرب لأي سبب ستبدأ محاكمته في دولته العابرة رغم ما يبدو عليها من استقرار. إنه استقرار الوهم. نتنياهو ومن يناصرونه يحفرون نهاية اسرائيل التي كانت تبدو بعيدة، والتي نرى أبسط ملامحها في هجرة مئات الآلاف من الصهاينة من إسرائيل، فضلا عن المظاهرات ضده، لأن ما يفعله حتى الآن لم ينتهِ بالإفراج عما بقي من الأسرى لدى كتائب القسام. لا يستطيعون الوصول إلى اتفاق لأنه يخاتل لتستمر الإبادة الجماعية. لا يستطيعون الوصول إلى يحيى السنوار قائد حماس الآن، ويندمون أنهم أفرجوا عنه يوما. الأسرى من الصهاينة الآن صاروا في مقدمة مشهد ضحايا الغارات الإسرائيلية. مواقع تبحث اسرائيل عنها وتهاجمها ولا تعرف أين أسراها. يتهمون حماس كأنها التى شنت الغارة أو الهجوم. أي عاقل ينظر إلى ما تستمر الصهيونية في ارتكابه من إبادة جماعية سيسأل أين غاب العقل. وكيف مضى العام دون نتيجة غير خراب يمكن إعادته، وبشر سيولدون ومعهم الذاكرة لن تنسى. يتوسع نتنياهو ويهاجم بجيشه الأجير الضفة الغربية وبعض مستوطناتها ليقول أنا هنا. يذكرني بفيلم شيء من الخوف حين كان الفنان أحمد توفيق يهتف: « أنا عتريس. أنا بلوة مسيحة. انتم ما بتخافوش مني ليه» بعد أن أصابه الجنون. لكن يبدو نتنياهو ممثلا فاشلا يريد أن يظل يلعب دورا عبثيا، كأن المجتمع الإسرائيلي سينتظر ذلك كله، وكأن العالم لن تتغير فيه مواقف بعض الدول، ناهيك عن المظاهرات التي بدأت تعود إلى العالم مع بدء الدراسة في الجامعات الأوروبية والأمريكية، ونشاهدها كل يوم على السوشيال ميديا التي لا تخفي شيئا، رغم ما تنفقه إسرائيل علي بعض المواقع مثل الفيسبوك وانستجرام وغيرها، من أموال لترويج الأكاذيب وإخفاء الحقائق. نتنياهو في أزمة نفسية رغم ما يفعله، وما يفعله هو إصرار الفاشل على الفشل. مجنون يقود إسرائيل إلى نهايتها مهما تأخرت.
912
| 05 سبتمبر 2024
كل يوم نسمع عن حلول للأزمة الاقتصادية وآخرها بيع أصول الدولة، هذا البيع ليس جديدا، فمنذ منتصف السبعينيات حين بدأ الرئيس السادات ما أسماه بالانفتاح الاقتصادي، بدأ بيع شركات ومصانع الدولة وما بقي منها قليل جدا، حتى أن النظر ذهب إلى المباني القديمة التي بدأ التفكير في بيعها أيضا فضلا عن الشواطئ. كذلك ظهر التعليم الخاص والجامعات الخاصة والمستشفيات الخاصة. ومن ثم تقفز الأسئلة مثل، هل فتْح الباب للتعليم الخاص كان لابد أن يواكبه إهمال التعليم العام الذي كان يوما مجانيا للشعب. والأمر نفسه في المستشفيات العامة التي يعاني الكثير منها من الإهمال ونسمع أنه بدأ التفكير في بيعها. هل أتت سياسة وجود صناديق يسمونها سيادية بها تقريبا ما يعادل نصف ميزانية الدولة الرسمية بفائدة ما على الشعب. صناديق من اسمها باعتبارها سيادية لا تخضع للنقاش ولا للرقابة كما تخضع ميزانية الدولة الرسمية. استطاعت الدولة المصرية حماية سلطتها بعد عام 2013 بقانونين هما قانون التظاهر وقانون الحبس الاحتياطي. تم تحريم المظاهرات، وتم زيادة مدة الحبس الاحتياطي إلى عامين يتم خلالهما التجديد في كل مرة يعرض على المحكمة، ثم بعد انتهاء العامين تتم إعادة تدوير المتهم في قضية جديدة لا تختلف عن القديمة، فمحورها الاتصال بجماعة إرهابية وهو موجود في السجن لدى السلطات الحاكمة! طبعا هناك من يتم الإفراج عنهم بين حين وآخر، لكن كل الإحصائيات تقول إن من يتم القبض عليهم عددهم يفوق كثيرا جدا من يتم الإفراج عنهم. أكثر من يتم حبسهم احتياطيا هم من كتاب الرأي مثل المهندس يحيى حسين عبد الهادي والكاتب محمد سعد خطاب وفنان الكاريكاتير أشرف عمر والأسماء كثيرة، وأخيرا تم القبض على عدد من العمال في مصنع وبريات في مدينة سمنود لأنهم اعتصموا في مكان عملهم يطالبون بتحقيق الحد الأدنى للرواتب الذي قرره رئيس الجمهورية نفسه من قبل، ومن قبلهم عدد من الشباب رفعوا لافتات تأييد لفلسطين، وكل ذلك وغيره تحت شعار تنفيذ قانون التظاهر الذي يمنعها تماما. أخيرا قرأنا أن رئيس الجمهورية أمر بتحويل مقترح جماعة الحوار الوطني بإعادة النظر في قانون الحبس الاحتياطي إلى مجلس الشعب، ليكون متسقا مع الدستور ويؤكد حقوق المعتقل. بالمناسبة لعشر سنوات الآن نقرأ أنه لا يوجد معتقلون في مصر، فالاعتقال مصطلح قديم يتم فيه القبض على الضحية دون قانون، أما قانون الحبس الاحتياطي فهو ينفي كلمة الاعتقال، فما يحدث يتم وفقا لقانون رسمي!. الأصل في العامين أن تتم مناقشة القضية والحكم فيها خلالهما وليس مرورهما دون حكم. كان الأمر قديما عدة أشهر يتم فيها الحكم ولا يتم تدوير المتهم، لكن اختيار عامين كان حتى يلتقط النظام الحاكم أنفاسه بعيدا عن أي معارضة، فعامان ليسا بالأمر القليل. كان القانونان، التظاهر والحبس المفتوح، من أهم الأعمال لتفريغ ثورة يناير من قوتها، وقد حدث. هل سيكون في القانون الجديد إن تم تعديله، ما يجعل القضاء يحكم ولا ينتظر نهاية العامين أو المدة الجديدة إذا حدثت. دون ذلك لا معنى لأي تغيير. على أيّ حال أعود إلى مثال واحد مما وصلنا إليه وهي أنه بعد عشر سنوات صارت البلاد تقترض من البنك الدولي لتدفع له فوائد تأخرها في تسديد الدين وليس الدين نفسه. ألا يعني هذا أنه آن الأوان بالاعتراف بأن كل ما مضى كان خطأ ولابد من طريق آخر معاكس لهذا الطريق تماما؟.
1089
| 29 أغسطس 2024
الصدفة جعلتني أشاهد في التلفزيون فيلمين تم فيهما ذكر المليون جنيه كآخر ما يطمح إليه الفرد. الفيلم الأول وهو فيلم «مليون جنيه» تمثيل نعيمة عاكف وكوكبة رائعة من الممثلين. محبتي لنعيمة عاكف تجعلني أجلس أمامها حتى الآن إذا عرفت بعرض فيلم لها. الفيلم كوميدي من إخراج زوجها حسين فوزي عام 1953 يترك فيه كبير العائلة مليون جنيه للورثة على تعددهم. غيرت المليون جنيه حياة الورثة ودراما وكوميديا ليس مجالها هنا، لكن ما فعله المليون جنيه بعد توزيعها عليهم جعلهم أغنياء يصرفون ببذخ وحفلات وغير ذلك. بعد يومين وبالصدفة أيضا رأيت فيلم «اللص» لفاروق الفيشاوي ونجلاء فتحي الذي أخرجه سعد عرفة عام 1990. الصراع على المليون جنيه وكيف فاز بها اللص فاروق الفيشاوي، وماذا فعل بها من بذخ على العشرات من الناس والعائلات. الفارق أربعون سنة تقريبا بين الفيلمين. تذكرت حال المليون جنيه الآن في مصر. صارت الشقة في حي شعبي تصل إلى خمسة ملايين. وفي الإسكان الاقتصادي للدولة تتجاوز المليونين. أما في الكامباوندات فتصل إلى عشرة ملايين، وكما افتخر رئيس الوزراء ففي مدينة العلمين الجديدة يصل سعر الشقة التي مساحتها تسعون مترا إلى ثلاثة عشر مليون جنيه، وهو كما قال سعر مناسب جدا للطبقة المتوسطة. عن أي طبقة متوسطة يتحدث رئيس الوزراء؟ لا أحد يعرف. شهدت الطبقة الوسطى والفقيرة خروجا كبيرا من مصر في منتصف السبعينات إلى دول الخليج العربي، وعادت لتشتري الشقق التي لا يزيد سعرها في الثمانينات عن خمسة عشر ألف جنيه. ارتفعت الأسعار شيئا فشيا لكنها حتى عام 2013 لم يكن الميلون جنيه ضمن حسابات أسعار الشقق إلا نادرا. انهيار سعر الجنيه أدى إلى ارتفاع أسعار مواد البناء حقا، لكن ليس لكي يحدث هذا الجنون. وكما تفعل الحكومة يفعل القطاع الخاص. لم لا؟ صارت أسعار الشقق لا يحكمها أي منطق، وفي كل يوم نسمع عن شاليهات في الساحل الشمالي مثلا يصل سعرها إلى سبعين مليون جنيه تباع في دقائق. هذا البيع في دقائق يجعل الحكومة تتصور أن الشعب قادر، ولا تسأل نفسها عن مرتبات العاملين وهل يمكن أن تساعد في ذلك. حتى السفر إلى الخليج لم يعد بكثافة الماضي ولا يصل إلى خمسة بالمائة منه. لو سألت الدولة نفسها ستعرف أن هذه الأموال إما أجنبية لأشقاء عرب أو لمصريين لا تتجاوز نسبتهم خمسة عشرة بالمائة من الشعب. فيلم نعيمة عاكف أضحكني وفيلم فاروق الفيشاوي حرك في السؤال عن الجنيه الذي انخفض إلى درجة أنه لم يعد موجودا. تذكرت المشروعات الأيقونية كما يُقال التي تقوم بها الدولة في مدن جديدة مثل العاصمة الإدارية، وآخرها مشروع بناء برج أيقوني جديد كما ذكر الدكتور محمد أبو الغار على صفحته في الفيسبوك نقلا عن مجلة النيوز ويك، بتكلفة بليون دولار- أي مليار- يرتفع إلى خمسين طابقا. العاصمة التي تم بناء أيقونات فيها مثل البرج الأيقوني المعادل لبرج دبي والجامع الأيقوني والكنيسة الأيقونية وغير ذلك ولا تزال خالية إلا من موظفين يذهبون إلى أعمالهم ويعودون. ما جرى للجنيه المصري قصة قد أكتبها أتخيله فيها يجلس بالليل وحده في الميادين يبكي وكلما سأله أحد لماذا تبكي يا حاج؟ يقول بهدلتوني وقللتم قيمتي بين العملات الأجنبية ببناء الكباري والمدن الخالية، وبعتم المصانع، وصار الشحاذ إذا أعطيته جنيها يلقيه في وجهك، أنا الذي كنت يوما أساوي ثلاثة دولارات يا مصريين!.
1101
| 22 أغسطس 2024
لا أحد في مصر شاهد فيلم «الملحد» ورغم ذلك فالسوشيال ميديا امتلأت بالانتقادات والشتائم له ولصناعه، وكان من أثرها منع عرض الفيلم الذي كان مقررا في منتصف هذا الشهر بعد أن تم تأجيل العرض عدة أشهر. لا أحد يعرف السبب الحقيقي لمنع العرض، ومن يعرفون السبب لا يقولونه صراحة، وأقصد بهم صناع الفيلم نفسه. ربما لديهم أمل أن تعود الأمور إلى نصابها ويتم عرض الفيلم. سبب المنع لن يكون الرقابة على المصنفات الفنية لأنها وافقت، ولا بد كان لها ملاحظات على السيناريو والتنفيذ التزم بها صناع الفيلم. نحن هنا في قلب مغالطة عجيبة تسببت فيها السوشيال ميديا. لا أحد ينكر قوة تأثيرها على صناع القرار، لكن أن يكون القرار استجابة لنقد أو انتقاد لشيء لم يره أحد، فهو أمر عجيب. أنا لا أعرف ما الذي لا يعجب من انتقدوا الفيلم وصناعه، ما داموا لم يروا الفيلم. هي ضجة بحثا عن انتصار على شيء وهمي، فمنع فيلم أو الموافقة حتى عليه لن يعدل حال البلاد. والأهم الذي يتغافل عنه كل من دعوا لمنع الفيلم، هو أن الرقابة على الأفلام والمسلسلات لا توافق أبدا على فيلم فيه انتقاد للنظام السياسي، فهل ستوافق على فيلم يمجد الإلحاد مثلا. أبسط تفكير في أحوال الرقابة على الأفلام قبل وبعد تنفيذها، يجعلنا نقول إنه وهو يناقش أزمة الإلحاد لن توافق الرقابة عليه إلا إذا ظهر الملحد طائشا أو غبيا غير مدرك معنى ما يدعي، ولابد سينهزم ممن حوله من أسرته أو أصدقائه. قالت بعض الصحف والمواقع إن مخرج الفيلم الشاب محمد العدل، كتب «بوست» على صفحته قال فيه إن المنع ليس حلا، وهذا حقيقي. لأن المنع هنا جاء بعد الموافقة والإعلان عن موعد العرض. فضلا عن أنه - تاريخيا- منع أي كتاب أو فيلم أو لوحة فنية ليس حلا طبعا لتقدم المجتمع، فما أكثر الكتب التي تم حرقها في التاريخ، وما أكثر الكتّاب الذين عرفتهم السجون أو تم قتلهم، لكنهم عاشوا أكثر من قاتليهم، وعاشت كتبهم. أضف إلى ذلك أن المنع هنا مضحك لأنه استجابة لانتقادات على السوشيال ميديا لفيلم لم يشاهده من انتقده كما قلت. ربما رأى البعض أن مناقشة قضية الإلحاد في فيلم أمر سيئ. لكن ما الرأي في البرامج التي تتحدث كثيرا عن الملحدين كأنهم في مصر ظاهرة حقيقية. أجل. في الإعلام أحاديث كثيرة عن الملحدين الذين لا يذكرهم أحد ولا ينتبه إليهم، فيكون للإعلام الذي يتصور أنه يدافع عن الدين، دور في إظهار القضية التى في رأيي تحتاج دراسات فلسفية صعبة لا أحاديث تليفزيونية، وأنا على يقين إيماني بأن الملحدين ينتهي أكثرهم نهايات بشعة، لأنهم لا يفكرون في سند من الله في أوقات محنتهم، ولا يجدون حتى مساندة نفسيه بعبارة مثل «حسبي الله ونعم الوكيل». تاريخ الملحدين يقول لنا ذلك. كثيرون منهم انتحروا حين أحسوا بعجزهم عن التوافق مع العالم، لذلك لا أقف كثيرا عند هذه القضية، لأني أعرف أنها قضية فلسفية صعبة، وليست كلمات على السوشيال ميديا، ولا صرخات في البرامج الإعلامية. هل سيعتبر معارضو الفيلم حديثي موافقة عليه؟ أرجو ألا ينسوا أن من وافق عليه هي الرقابة على المصنفات الفنية. وكما قلت لن توافق أبدا على انتصار الملحد، ولا شيوع أفكاره، فلماذا كل هذا الضجيج؟ ألا يدرك الغاضبون أن الفيلم هكذا ستعرفه مواقع السوشيال ميديا قريبا وسيكون الأكثر مشاهدة؟.
1179
| 15 أغسطس 2024
بالصدفة انتهيت قبل أن أكتب هذا المقال من مراجعة كتاب لي قيد النشر، يجمع عددا من مقالاتي ودراساتي. منذ أربع سنوات حين داهمني المرض وقطعت رحلة طويلة مع العلاج، فكرت أن أجمع مقالاتي في كتب حتى لا تضيع إذا شاء الله ورحلت عن الدنيا، وبالطبع لن تجد من يستطيع أن يجمعها كلها. رغم ذلك اخترت القليل حتى الآن فالرحلة طويلة. فضلا عن أني لا أتوقف عن القراءة، ومن ثم أنشغل بكتب للآخرين من الكتاب. بالطبع لا أستطيع أن أتابع كل ما يصدر من كتب عظيمة، لكني بقدر ما أستطيع أقرأ ما أصل إليه منها. في كل مرة أجمع بعض مقالاتي لا أفكر فيما كتبته أنا من قضايا وموضوعات في الأدب أو الفلسفة أو السياسة أو الفنون، لكن أنشغل بالأسماء التي كتبت عنها، وأتساءل كيف لوطن عامر بهذه الأسماء يعاني من كبوات ثقافية واجتماعية وسياسية لا يبدو في الأفق أن هناك حلولا لها. أتوقف عند الأسماء التي قرأت أعمالها ويعاودني السؤال، كيف لا يكون بينهم من له الرأي عند النظام الحاكم. لماذا يغلق الدائرة على الوزراء حتى لو تغيروا في الحكم منذ عام 2014 الذي ارتفعت فيه الشعارات عن مستقبل رائع ثم انتهى الأمر بما حولنا من أزمات. ليس في الاقتصاد فقط لكن في فنون كالسينما مثلا صار إنتاجنا خمسة عشر فيلما معظمها يدور حول العصابات وتعدد الزوجات، بينما كنا يوما ننتج سبعين وثمانين فيلما، وكانت مصر تسمى هوليود الشرق. لقد حققت السينما تقاربا بين الشعوب العربية والمصريين أكثر مما حققته السياسة، التي رفعت لواء القومية العربية، بينما ثار الخلاف كبيرا بين مصر وغيرها من الدول العربية. كيف كانت الكتب رخيصة الثمن يستطيع من يشاء أن يشتريها دون تكلفة ترهقه. حتى في قلب نظام مبارك رغم الأزمات السياسية في الحكم، كان هناك مشروع القراءة للجميع يطبع من الكتاب ما بين عشرين وثلاثين ألف نسخة لا يزيد سعر النسخة التي تتجاوز صفحاتها أربعمائة صفحة عن ثلاثة جنيهات، وما هو أقل في عدد الصفحات كان سعر النسخة لا يتجاوز جنيها ونصفا. كانت وزارات كالتربية والتعليم والتعليم العالي والشباب تساهم في دعم طباعة الكتب، وتقتني عددا كبيرا منها تضعه في مكتباتها. الآن صارت وزارة الثقافة وحدها هي من تطبع ولا دعم من وزارات أخرى، ومن ثم لا تتجاوز نسخ الكتاب في المشروع نفسه الثلاثة آلاف نسخة وطبعا بسعر أعلى مما سبق. أما الكتب خارج هذا المشروع، فحَدِّث ولا حرج عن الأسعار التي تصل أحيانا إلى خمسمائة جنيه بسبب انهيار العملة المصرية أمام الدولار، والورق وأدوات الطباعة في أغلبها مستورد. كيف لا يعود تعاون الوزارات من جديد. هل لابد من رعاية شخصية كبيرة في الحكم، وهل بدونهم لا توجد ثقافة؟ أشياء كثيرة يمكن أن أقولها لكن أعود إلى الأسماء العظيمة التي أقرأ لها وكيف يستطيعون إيجاد ألف حل لكل مشكلة في أيّ مجال لكن لا أحد يهتم، وتظل دائرة الحكم ومستشاريه ضيقة يبررون فشل إنجازهم بتقصير الشعب نفسه كأنه هو الحاكم. وهكذا يعود السؤال الذي يرهقني مع كل كتاب أقوم بإعداده للنشر، وأقرأ فيه ما كتبته عن غيري وكتاباتهم، هو لماذا تكتب وكل هذه الإنجازات الفكرية وأصحابها لا يعرفها الحكام ومستشاروهم؟ لماذا لا يدركون أن هناك طرقا أخرى غير ما أغرقوا فيها البلد. أحاول أن أتمسك بالأمل. لكن السؤال يقف أمامي معلقا في فضاء الغرفة.
930
| 08 أغسطس 2024
حين رسم الإنسان القديم على حوائط الكهوف رسوما لحيوانات شرسة لم يكن ذلك لحبه لها، لكن كان اتقاء لشرها، ومن هنا جاء السحر، فالساحر يقول دائما أحضروا لي شيئا من أثره، يقصد الذي سيسحره. وسواء آمنا بالسحر أم لا فهذه ظاهرة بين البشر وإن قلّت فلم تعد المجتمعات كلها بدائية. على الجانب الآخر جاء الفن معبرا عن آمال الناس في عالم أفضل. قبل الأديان السماوية أدرك قدماء المصريين أن هناك يوما للحساب فصنعوا المسلات التي تنتهي إلى السماء دلالة على رحلة الصعود، وكذلك كانت الأهرامات. الأمر نفسه حدث في أوروبا. فبلاد مثل اليونان أو إيطاليا أو غيرهما بها في المعابد القديمة رسوم وتماثيل، من حكايات ابتدعها الإنسان عن الآلهة التي لم تخل في مخيلتهم من الصراع بينها أيضا، تماما كما راج عن صراع بين أوزوريس وسِت في مصر مثلا. الأساطير القديمة كلها من صنع الإنسان في محاولة منه للتواؤم مع هذا العالم الواسع غير محدد البدايات والنهايات، فضلا عن مشكلة العدل الذي لم يكن دائما يتحقق كاملا، فوجد الإنسان في يوم الحساب غاية تريحه من ظلم الدنيا، وحين ترسخ يوم الحساب بنزول الديانات السماوية صار المؤمن إذا ضاقت به الأرض من الظلم يقول "حسبي الله ونعم الوكيل " ويجد في ذلك راحة، فمهما بلغ الطاغية من القوة فهناك يوم للحساب. بعيدا عن الفن كان الشعر، وبه جاءت القصص القديمة كلها والملاحم. لم يكن فن الرواية قد استقر أو ظهر بعد. كان الشعر وكان المسرح شعرا وكانت الملاحم إنتاجا شعريا أكثر مما هي نثرية. هذه الفنون كلها بعثت على راحة الإنسان وحين شاعت جعلت من يراها أو يقرأها إنسانا سويا، ولم تكن يوما وراء الثورات في العالم. الثورات كلها حدثت نتيجة تغير المجتمعات. فالثورة الفرنسية جاءت رد فعل للعصر الإقطاعي، والثورة الشيوعية جاءت رد فعل للنظام الرأسمالي وهكذا. هذه الثورات وغيرها عبر التاريخ، فهم من تملكوا الحكم بعدها الفنون والشعر والرواية والمسرح بالخطأ، فهما سياسيا، واعتبروها سبب الثورات تجاهلا للسبب الرئيسي وهو الظلم الاجتماعي وعدم المساواة. كثير من النُظم بعد الثورات أحرقت الكتب. حتى في العصر الإقطاعي في أوروبا أحرقوا كتبا للفلاسفة، وبعد أن سقطت الأندلس أحرق من طردوا العرب كتبا كثيرة، وفي العصر الحديث أحرق هتلر آلاف الكتب وهجر ألمانيا كثير من الكتّاب والسينمائيين والروائيين. الأمر نفسه حدث في إيطاليا الفاشية وفى الاتحاد السوفييتي الشيوعي، لكن انتهت هذه البلاد إلى الانهيار كما حدث في ألمانيا وإيطاليا مع الحرب العالمية الثانية، والاتحاد السوفييتي تفكك بدءا من التسعينيات لأسباب منها حرب أفغانستان التي كانت بلا جدوى، ومنها أن مميزات الحياة كانت تذهب لأعضاء الحزب أو قياداته، لا للشعب على الإجمال. حدث في الصين في الستينيات ما سُمي بالثورة الثقافية من قبِل الزعيم ماوتسي تونج ضد ما أسموه بقايا البورجوازية، لكن الصين الآن نصف نشاطها الاقتصادي في يد الدولة والنصف الآخر في يد القطاع الخاص، وهذا التطور أحد أسباب نجاحها. لماذا أقول هذا الكلام الآن؟ للتأكيد على أنه لا معنى للخوف من الفنون والآداب فهي لا تغير العالم. هي تصنع إنسانا سويّا، والإنسان السوي هو الأصل في تطور المجتمعات. كذلك لأنه في مصر حدثت هجمة كبيرة على ديوان شعر لناشط سياسي هو أحمد دومة، ولم يتركوا الفرصة حتى لنقاد الأدب، وتجاهلوا درس التاريخ، أن الكتب الممنوعة تبقى وتنتشر أكثر ويذهب من منعها.
1329
| 01 أغسطس 2024
منذ يومين كان الثالث والعشرون من يوليو وهو عيد الثورة كما تعودنا، أو كما تعود جيلي ممن عاشوا تلك الأيام. يرتفع في الفضاء العام التي صارت تتيحه السوشيال ميديا سؤال هل كانت ثورة حقا أم كانت انقلابا عسكريا. كنت طفلا حين قامت الحركة المباركة أو الثورة ولم أعرف منها إلا ما رأيته ولم يكن سيئا، ثم جاء ما عرفته شابا بعد هزيمة 1967 وكان مرعبا. دخلت المدرسة في سبتمبر عام 1952 نفسه وكانت المدارس الحكومية هي المنتشرة، ولم تكن هناك مدارس خاصة إلا ما ندر. كانت المدارس مراكز ثقافية أكثر منها تعليمية وبها جماعات للفن والموسيقي والرياضة والأدب والرحلات وغير ذلك، ولم يكن هذا من صنع يوليو، لكن من تراث الفترة الملكية. حضرت العدوان الثلاثي على مصر بسبب تأميم قناة السويس ورأيت البلاد كلها محتشدة وراء قرار عبد الناصر في التأميم. أقول البلاد كلها وليس المصريين فقط، بل كذلك الجاليات الأجنبية التي كانت في مصر، حتى إن اليونانيين في الإسكندرية مثلا شكلوا فريقا منهم للذهاب إلى بورسعيد للمقاومة. كنا نعيش بين الإذاعة المصرية الموجهة وبين صحف ثلاث هي الأخبار والأهرام والجمهورية وأضيفت إليها جريدة المساء، ولا شيء يصل إلى مصر من الخارج، وكل الإذاعات الأجنبية عليها تشويش لا يصل إليها أحد إلا بصعوبة كبيرة. رأيت مع بداية الستينيات المصانع الجديدة تتم إقامتها والمدارس والمستشفيات وكانت الخطة الخمسية الأولى لبناء ألف مصنع حقيقية، وكنت سببا خفيا لجر مصر إلى الحرب والهزيمة عام 1967. كانت المصانع والمدارس والمستشفيات تكفي الأغلبية أن لا يتحدثوا في السياسة ويبدون في رضا تام عن سياسة النظام. تغير الحال بعد الهزيمة وصار يتم تهريب صحف وكتب من الخارج وعرف جيلي الشاب ذلك الوقت لأول مرة كيف كانت المعتقلات في مصر قائمة بشكل بشع للمخالفين في الرأي من أهل اليسار أو اليمين. عرفنا أن المشكلة الكبرى هي أن حركة يوليو وهي تقدم المشروعات والتعليم والصحة كانت نظاما شموليا ديكتاتوريا يقوم على فكر الزعيم الأوحد. حين جاء السادات كانت بداية الضربة القوية لإنجازات يوليو نفسها، فهو بطريقة الزعيم الأوحد راح بشكل مضاد يمسح كل الانجازات السابقة. استمر الأمر ولم يبق من يوليو غير فكرة الزعيم الأوحد. أدركت مثلا أن الجاليات الأجنبية التي تم إخراجها من مصر بحجة تمصير الاقتصاد مرة، ثم التأميم مرة أخرى، لم يكن وراءها فكر اقتصادي، لكن رغبة الزعيم أن لا يكون هناك فكر آخر غير فكره. أن المظاهرات التي كانت تخرج تأييدا للزعيم من المصانع كانت مدفوعة الأجر للعمال مقدما وبدا ذلك عام 1954 ضد من كانوا من رجال الثورة أنفسهم يريدون عودة الجيش إلى ثكناته بعيدا عن السياسة مثل محمد نجيب وخالد محيي الدين وعودة الأحزاب من جديد. جاءت المعلومات من كل الدنيا لجيلي بعد هزيمة 1967 وهو أن ذلك الزمن كان عصر الانقلابات الذي بدأ مع حسني الزعيم في سوريا عام 1949 وتتالى بعد يوليو في بلاد مثل العراق واليمن وليبيا والسودان، وأن أكبر كارثة وقعت بمصر هي إيقاف طريق الليبرالية الصاعد بعد ثورة 1919. ما فعله السادات من إعادة الأحزاب واستمر حتى الآن هو أشكال صورية، فلا أحد يستطيع الخروج عن مركزية الدولة، ومن ثم فالجدل حول يوليو هل كانت ثورة أم انقلابا ينتهي بأنها كانت انقلابا بدليل أن كل انجازاتها في الصناعة مثلا انتهت بفكرة الزعيم الأوحد نفسها!
879
| 25 يوليو 2024
تاريخ الفلسفة هو تاريخ فهم العالم. الفيزيقي، أو الطبيعي، الذي نعيشه، والميتافيزيقي الذي لا نراه أو «ما وراء الطبيعة». لم يكن الفلاسفة وهم يفكرون مجبرين، لكن كانوا يضعون أسسا للتفكير الإنساني اختلفت بينهم، ويطول فيها الكلام. هكذا صارت الفلسفة عونا لكل الباحثين في شتى المجالات، وعونا في طرق الحكم، ولكل المبدعين أيضا في الفنون بكل تجلياتها البصرية أو اللغوية. لم تكن الفلسفة بعيدة عن فهم الاقتصاد وكيف يمكن تفعيل الأفكار المختلفة لبناء الحياة. أخذ الاقتصاد أشكالا عبر التاريخ ووجد من يقدم التبرير الفلسفي لها، سواء في عصور الاستعباد أو العصور الإقطاعية أو الرأسمالية أو الشيوعية أو الرأسمالية الجديدة بأشكالها المتوحشة. مشكلة الحكم في مصر الآن أنك لا تستطيع أن تضعه بين أي من أشكال الاقتصاد. في الفترة ما قبل 1952 كانت الرأسمالية تحت شعار النهضة والحرية تبني نفسها، فالمجتمع الأهلي هو الذي أقام المصانع والمدارس والمستشفيات والجامعات والسينما والمسرح والمجلات الأدبية والثقافية رغم أي عيوب يمكن ترديدها، فلا يوجد نظام كامل وإلا توقفت البشرية، فسعي البشرية دائما هو البحث عن الأفضل. بعد انقلاب يوليو صار الشعار هو الإشتراكية، فأممت الحكومة كل الإنجازات السابقة وصارت دولة مركزية. قلت مساحة الحرية وانفتحت المعتقلات، في نفس الوقت الذي أقامت فيه الدولة المركزية أكثر من ألف مصنع جديد ومدارس ومستشفيات كثيرة. كانت هناك فلسفة رغم عيوبها ظهرت بشكلها المقنع لمن لم ينشغل بالسياسة أيام عبد الناصر إذ رأى المصانع والمدارس والمستشفيات يتم بناؤها، وغطى شعار الاشتراكية على مركزية الدولة. مع السبعينيات وسياسة الرئيس السادات عاد الحديث عن الحرية وتشجيع القطاع الخاص ولا أحد ضد ذلك، لكن الذي حدث أن الدولة المركزية ظلت تمسك في يدها كل شيئ وبدأت مرحلة معاكسة وهي بيع المصانع، ولا يعني تشجيع القطاع الخاص أبدا بيع المصانع لأن من اشتروها في الأغلب هدموها وتحولت إلى بنايات وعمارات وهي الثقافة الأسرع ربحا. ظل النظام مركزيا من ناحية ومشجعا للقطاع الخاص بشكل صوري فلم يكن للتشجيع معنى إلا بيع أصول الدولة من المصانع. استمر الأمر سنوات مبارك وزاد الأمر سوءا أن المركزية الجديدة وهي تبيع المصانع فتحت الطريق واسعا للمستشفيات والمدارس والجامعات الخاصة فتدهور التعليم والعلاج العام وتراجعت أحوال البلاد أكثر. كان الحديث عن تشجيع القطاع الخاص هو الفلسفة في النظام الاقتصادي رغم أنها فلسفة خادعة. هذا لا يزال في مصر حتى الآن، بيع ما تبقى من المصانع مستمر، ووصل إلى الشواطئ وإلى المباني القديمة ذات الطراز الأوربي التي تم تأميمها في الستينيات وصارت ملكا للدولة. لم نعد نسمع كلمة تشجيع القطاع الخاص التي كانت مبررا للبيع من قبل، لكن صرنا نسمع عبارة بيع أصول الدولة لتسديد ديونها. هذه الديون التي جاءت بسبب مشاريع غير منتجة مثل الطرق والكباري بالمئات أو بناء عاصمة جديدة. ووضع الدولة رهينة للبنك الدولي وقروضه التي لا تذهب أبدا إلى مشروعات منتجة. لا هو يوافق ولا النظام الحاكم يريد. رغم أخطاء الفترات السابقة، فالآن لا توجد لا فلسفة حقيقية مثل أيام عبد الناصر وشعار الإشتراكية، ولا فلسفة خادعة مثل أيام السادات ومبارك، لكن يوجد صراحة بأن مصر مديونة ديونا كبيرة، لكن لا صراحة في سبب هذه الديون. كيف لا يتعظ أحد مما سبق، وما هي الفلسفة التي وراء هذا الاقتصاد حتي لو كانت خادعة. لا فلسفة ولا عِلم في الاقتصاد وكيف تزدهر البلاد.
420
| 18 يوليو 2024
هذا عنوان رواية صغيرة صدرت هذا العام عن الدار المصرية اللبنانية. كتبتها الكاتبة والإعلامية ريم نجمي. لريم رواية سابقة هي « تشريح الرغبة» وهي أيضا شاعرة ومترجمة وإعلامية في قناة دويتش فيلا حيث تعيش في ألمانيا مع زوجها المترجم العظيم سمير جريس. هي أصلا مغربية ووالدها هو الشاعر والروائي الكبير حسن نجمي، ووالدتها هي الشاعرة والروائية عائشة البصري. ليس هذا هو ما دفعني لقراءة الرواية، لكن روح المغامرة الواضحة من العنوان. ممكن أن نعرف من هي فراو ميركل، لكن من هو عشيقها السري، وهل نحن أمام رواية أم أحداث حقيقية. تقرأ الرواية بلا توقف من لغة السرد التي تتنوع بين شخصيات الرواية. يونس الخطيب وأبوه الطبيب وفراو ميركل أو أنجيلا ميركل رئيسة وزراء ألمانيا السابقة، وآية خطيبة يونس كما أراد أهلهما منذ طفولتهما. يونس الخطيب الشاب الذي لا يزال يدرس في الجامعة، لم يجد رعاية طيبة في طفولته من أبيه اللاجئ من سوريا والذي صار مشرفا على المركز الإسلامي الذي يُعني بالإخوان المسلمين، ولا من أمه الألمانية التي صارت منقبة وتحمل اسم فاطمة. الضرب والتأنيب أصاباه بالمرض النفسي وحاولا علاجه. نضج لكنه فجأة يجد حبيبة عمره في خياله وهي أنجيلا ميركل، ولا يحب زوجها الذي يراه لا يستحقها ويكتب الكثير في ذلك. تفاصيل متناثرة لحالة المهاجرين والإرهابيين حتى من الألمان، وحضور لما حدث ويحدث في سوريا من النظام الحاكم في إبادته للمعارضين. حياة أنجيلا ميركل السياسية وحياتها مع زوجها، وغير ذلك كثير يتناثر بين الرواية بشكل متقن، فيكون سببا وخلفية للأحداث التي ساعدت هذا الشاب أن يجد ملاذه في حبيبة وهمية. يتابع أنجيلا ميركل في أعمالها وفي أسفارها ويعرف حتى أشياء يرثي لها مثل الفوبيا التي تصيبها من الكلاب. يكتب الرسائل إلى أنجيلا ميركل ويتصور أنها وصلتها، وأنها فيما تفعله في الحياة ترد عليه، ويحاول اقتحام بيتها، فيتم نقله إلى مستشفي للأمراض العقلية. يصف لنا المستشفى وكل ما حوله بعقل ناضج وكامل لكنه متيم بإنجيلا ميركل، فتؤكد الكاتبة على ما يعانيه من شيزوفرينيا. يخرج من المستشفى بعد مدة ليست بالقصيرة فيسرق مسدسا من والده، ويذهب محاولا اغتيالها. وصل نضجه وهو يخمن الرقم السري للخزانة التي بها المسدس، أنه تاريخ نشأة جماعة الإخوان المسلمين في مصر ويجده صحيحا. يطلق عليه الحرس رصاصتين تصيبانه ويتم نقله إلى المستشفي للعلاج ثم مرة أخرى إلى المصحة العقلية. جميل جدا أنك وأنت تنهي الرواية وعرفت ما آل إليه يونس وخطوبته، وندم والده على مافعله معه وغير ذلك، تكون عرفت الكثير جدا من الأمور السياسية وغيرها، لكن فتنة الرواية هي من تعدد الأصوات واختلاف رؤيتها مع يونس أو اتفاقها. هنا يساهم شكل الرواية في مصداقيتها بين ضمير الغائب في الحكي وضمير المتكلم. إن شكل أي رواية وتعدد لغات شخصياتها هو ما يجذبني فالموضوعات كثيرة، لكن كيف ينسج منها الكاتب عملا حافلا بالمعاني الغائبة الناتجة من تتابع الفصول أو تغيرها أو تناقضها، هو الأمر المغري في أي كتابة أدبية، فالفن ليس حكيا دون شكل. في هذه الرواية القصيرة تنجح ريم نجمي ببراعة في تقديم هذا البناء. إن الصفحات القليلة مثلا من تعليقات الصحف على ما تفعله أنجيلا ميركل في الحياة السياسية، تجعلك تكاد تصدق أن الرواية حقيقية. تبدو الرواية بسيطة لأن وراءها جهدا رائعا في البناء، ونجحت ريم نجمى في هذه الرحلة الفنية التي تستحق الاحتفاء.
1608
| 11 يوليو 2024
جاء يوم الثلاثين من يونيو، ومثل كل عام انفجرت صفحات السوشيال ميديا بالجدل حول ذلك اليوم، وظهرت الإدانات والدفاعات. حتى ظهور اعتذارات من بعض من أيدوا ذلك اليوم، وهو أمر يتكرر كل عام، لم يسلم أصحابه من الإدانة. هذا الجدل يمضي كالعادة الى الفضاء لكنه يعكس انقساما لا أدري إلى متى يستمر، وقد مضت إحدى عشرة سنة على ذلك اليوم. لا ألوم أحدا ولن أدخل في الجدل ولن أكرر حتى أن الثلاثين من يونيو غير الثالث من يوليو. في كل الأحوال وبشيء من الموضوعية لا يمكن النظر إلى ذلك اليوم دون زمنه، فهو لم يهبط من السماء. مهم أن نتذكر قبل الإدانات أمرا شديد الأهمية، وهو أنه في العامين التاليين لثورة يناير، كانت روح الثورة في كل الأجيال، ومن ثم كان سلوك الكثير من أيقوناتها متسقا مع هذه الروح. أعطيكم مثلا واحدا يفسر ما أقول وهو عندما صارت الانتخابات عام 2012 بين أحمد شفيق ومحمد مرسي، ذهب الكثير من الشباب إلى محمد مرسي بروح الثورة التي أعلنت رفضها للحكم العسكري، وكان شعارهم مع محمد مرسي، أن الشارع موجود يمكن الخروج عليه إذا ابتعد عن روح الثورة، ولقد حدث فلم تتوقف المعارضات لسياسة الإخوان المسلمين. ضاعت أصوات المقاطعين والمبطلين لصوتهم في تلك الانتخابات باعتبار أنه لا فرق بين حكم عسكري وحكم ديني. لقد كانت الثلاثين من يونيو هي تجلي للروح العام رغم قلة كانت ضدها، فالأغلبية لم تكن تدري مَن وراءها، إلا ما يرونه بأعينهم من تشجيع بعض السياسيين ورجال الأعمال في أعمال بسيطة مثل طبع استمارة تمرد وتوزيعها، ولا يعرف الكثيرون مثلا ما اعتبروه مؤامرة. لكن بعد ذلك جرى ما جرى من وأد روح ثورة يناير. لقد حدث هذا بطريقة نعرفها كلنا، أقلها أنه خلال العام من الحكم الانتقالي بعد الثالث من يوليو، ظهرت قوانين مضادة لروح وأهداف الثورة، ومضادة لكل تقدم، مثل قانون الحبس المفتوح الذي يصل إلى عامين وقانون التظاهر، حتى صار الحكم عسكريا في كل تجلياته من الاقتصاد إلى غيره. من ظل مخلصا لثورة يناير من الشباب أو الكبار صارت القوانين الجديدة طريقه إلى السجن، فانطفأت روح الثورة وصارت الآن صرخات على السوشيال ميديا، فحتى الأحزاب التي نشأت مع الثورة تم إفراغها من قوتها بالحصار. ما أقوله ليس رأيا لكنه واقع الحال. وأعود إلى سؤالي عن الجدل السنوي وعدم جدواه. بالطبع السوشيال ميديا تساعد على ذلك فهي المتنفس الباقي، لكن ألا تكفي عشر سنوات. أعرف أن الإدانات ستمضي مثل كل عام، ويبقى الحال على ماهو عليه مادامت النفوس قد ارتاحت. لكن هل ارتفاع الإدانات سيساهم في أي حل إيجابي، أم النظر إلى ما حولنا هو الأجدى؟ أكرر أهمية عبارة النظر إلى ما حولنا. لم تعد روح الثورة موجودة عند الأغلبية، ولم يعد «الشارع لنا « كما كان الشعار وقتها. إدانات كل عام هي حالة من الراحة النفسية، لكن كيف حقا لا ينظر الجميع حولهم؟ أعرف أن كلمة ثورة صارت عند الأغلبية تثير الشفقة وعدم الالتفات، وأقصد هنا ثورة يناير التي يروج النظام مقولة أنها سبب فيما نحن فيه من خسارات، بينما هي لم تحكم. حين تفشل الثورات تحتاج الأمم إلى أعوام طويلة تتجاوز عشرات السنين لتعود إلى قوتها، والمهم هو أن تنظر حولك، فالإدانات مريحة نفسيا لكنها لا تتقدم بأصحابها ولا بالبلاد.
516
| 04 يوليو 2024
ليس لأننا لا نستطيع أن نتظاهر ضد الاحتلال الصهيوني، فكل أنظمتنا تمنع التظاهر، وحتى ما كان يحدث أمام نقابة الصحفيين في مصر قلّ هذه الأيام. سامحينا يا غزة لأننا نبدو وقد نسينا ما يحدث من مذابح مستمرة للكبار والأطفال، ومجاعات لشعبك العظيم. الحقيقة أننا لم ننس. حقا لم تعد تغريداتنا عما يحدث لشعبك وأرضك على السوشيال ميديا بكثافة الشهور الأولى، لكن ليس لأننا تعودنا، كما تعود الصهاينة، على المذابح فيكم، ولا كما تعودت الدول المساندة للصهاينة. للأسف صرنا في مصر التي كانت يوما مفتاح الأمل للأمة العربية، مشغولين بالحياة بشكل لا يتوقعه بشر. لن أتحدث عن الغلاء، ولا عن المعتقلين، ولا عن حرية الصحافة الضائعة، لكن سأتحدث عن شيء واحد آخر فقط، وربما شيئين أو ثلاثة. الأول هو أننا صرنا نعاني من قطع الكهرباء ساعات طويلة كل يوم، يزيدون فيها وتتكرر، بحيث يبدو أنه حتى في هذا القطع، لانظام ولا مواعيد، لكن شخصا أو أشخاصا يلعبون، فيقطعون الكهرباء كلما فكروا أن يتركوا العمل ويذهبون إلى المقهى! تغريدات الناس على السوشيال ميديا من جميع أنحاء البلاد عن قطع الكهرباء مؤلمة، حوادث موت لبعض من كانوا في المصاعد وقطعت الكهرباء والمصعد معلق. ورغم أنها أحداث قليلة، لكن في النهاية فموت واحد بلا سبب ولا عدو واضح، لا يقل عن موت الجميع. كذلك في خراب كثير من الأجهزة المنزلية التي صارت غالية الثمن، كأن الدولة تعمل لصالح تجار هذه الاجهزة من ثلاجات أو غسالات أو غيرها. الأهم هو عدم إدراك الحكومة لشيء بديهي، وهو أن قطع الكهرباء يوقف مصانع، ويمنع محلات ومولات من البيع، ويوقف من يعملون من بيوتهم، وهذا كله يساهم في قلة الانتاج في البلاد، ويفاقم من الأزمة الاقتصادية التي يقترضون من أجلها المليارات، ولا أحد يعرف لها نهاية. كيف غاب هذا عن قاطعي الكهرباء الذين يتشدقون أنهم يعملون من أجل اقتصاد مصر. كيف لا يدرك أحد من الحكام أن مجموع ساعات التوقف عن العمل في مصر، هو من أكبر أسباب الفشل الاقتصادي. بل يزيدون من ساعات قطع الكهرباء الآن، ولا نسمع منهم إلا اعتذارا لا معنى له. كيف صار اللوم الذي نسمعه من الحكومة ورجالها للشعب في كل شيء، سياسة. فمع عيد الأضحى يخرج من يقول ان المصريين استهلكوا ثلاثمائة ألف طن بصل من أجل «الفتّة». طبعا ناله من النقد والسخرية الكثير، فالفتّة لا تتم بالبصل بل بالثوم. ولو تحقق كلامه يكون نصيب كل فرد ثلاثة كيلو جرامات من البصل، فكيف تكون أنفاس الناس ورائحتها وهم يتجمعون في العيد في البيوت وغيرها! حضرته جعل رائحة الشعب «وحشة» ولا يدري! ما الذي جعله يقول هذا الكلام الفارغ؟ سياسة لوم الشعب السائدة. لكن الشيء الثالث شديد الإيلام، والذي لا إجابة عليه غير لوم الناس، فهو بخصوص موت أكثر من ستمائة مصري في مكة وقت الحج من الحر. كانوا في أغلبهم ضحايا شركات سياحية لا علاقة لها بطريق الحج المشروع. عرفنا ذلك، لكن ألم تكن الدولة تعرف ماذا تفعل هذه الشركات؟ هل كان هذا هو العام الأول في السفر بهذه الطريقة؟ هم يذهبون كل عام. عدد الموتى الكبير هو الذي أظهر المشكلة، فمن ترك هذه الشركات تفعل ذلك من البداية؟ وهل يكفي قلة حيلة الناس التي تفرح، لأن الضحايا من عائلاتهم ماتوا في بلد الرسول الكريم، لعدم إعلان الحداد حتى ليوم واحد على الأرواح المسكينة؟.
990
| 27 يونيو 2024
لا أحد يختلف على أن ارتفاع عدد السكان في مصر شهد قفزات كبيرة، هذا ليس الآن فقط، بل لعله الآن أقل لانخفاض الزواج بسبب العوائق الاقتصادية، بسبب الارتفاع المجنون في أسعار كل شيء. فلا عادت الشقة الصغيرة بعشرات الآلاف، ولا عاد أثاث البيت متاحا بسعر طبيعي، والكلام في هذا كثير. ارتفاع عدد السكان بدأ في القفز مع حقبة السبعينات مع ارتفاع شعارات الإسلام السياسي بأن كل مولود يأتي برزقه، اختفت هذه الشعارات لكن ظلت المواليد في ارتفاع، ماذا فعلت الدولة أو الحكام في الأمر؟ حتى إعلانات تنظيم الأسرة تقريبا انتهت، لكن ليس هذا هو المهم، أعني هل فكرت الدولة في الاستفادة من ذلك؟ في عهد مبارك كان هناك مشروع للتعليم الفني لتدريب الشباب على الأعمال الفنية التي تجد لها مجالا في الخارج، حدث ذلك باتفاق مع دول أوروبية لكن المشروع توقف بعد سنوات، منذ عشر سنوات لم نسمع عن أي محاولة للاستفادة من زيادة السكان، كتبنا كثيرا عن ضرورة إنشاء مدن في صحراء مصر الواسعة، محاطة بمصانع صغيرة وأرض زراعية، ومنحها للشباب ليتركوا المدن الرئيسية لكن لم يحدث، رأينا أبراجا عالية تقام في مناطق مثل العلمين يسكنها الأغنياء شهرا أو شهرين في العام. رأينا الساحل الشمالي لمصر يمتلئ بالقرى السياحية لقضاء الوقت في الصيف، ولم نر مزارع أو مصانع وبيوتا يعيش فيها الشباب، رأينا منشآت سكنية «كومباوندات» تصل فيها أسعار الشقق إلى السماء، وغير متاحة حتى للطبقة الوسطى، باختصار رأينا البلد يفتح ذراعيه للأغنياء. ارتفعت أعداد التلاميذ في المدارس العامة ليتجاوز عدد الفصل الواحد الثمانين تلميذا، ولم نر مدارس جديدة، وصل الأمر أخيرا تقريبا إلى إخلاء المدارس فصار التعليم عن بعد من البيوت، المهم أن حكاية ارتفاع عدد السكان قفزت في الأيام الأخيرة مع ارتفاع درجة الحرارة، فرأينا مسؤولين من الوزراء يقولون إنها سبب ارتفاع درجة الحرارة في البلاد، بل أعلن مجلس الوزراء أن التصحر والجفاف سببهما تزايد أعداد السكان بشكل يزيد الطلب على الموارد، ويسبب ضغطا مفرطا على الأراضي إلى حد التدهور. وطبعا الموارد هنا يقصد بها المياه، دون إشارة إلى ما يحدث وسيزداد بسبب سد النهضة، وأيضا من الموارد الكهرباء دون إشارة إلى فشل توفيرها، رغم المشاريع التي عرفنا بها من محطات توليد كهرباء، انتهى أمرها إلى افتقاد المواد البترولية التي يتم بها تشغيلها. طبعا جاء ذلك في مواجهة الحملة الكبيرة على الدولة بسبب قطع الأشجار في كل مكان، أعرف جيدا أن تغيرا في المناخ شمل العالم كله بسبب تغيرات طبيعية، وبسبب التلوث الناجم عن مشروعات صناعية وغيره، لكن لم أعرف أبدا أن دولة أو نظام حكم يضيف إلى ذلك قطع الأشجار، لم تجد الحكومة ردا مقنعا واحدا على انتقاد مذابح الأشجار، بل تغافلت كل الانتقادات التي ملأت السوشيال ميديا، مع الصور الفاضحة لميادين وحدائق وشوارع وأراض تم قطع أشجارها التاريخية، لم تجد الدولة ما تقوله غير أن زيادة أعداد السكان هي السبب، كأن السكان جميعا يعيشون في شقة واحدة أو بيت واحد مثلا. أيقظ هذا التبرير التافه لارتفاع الحرارة موضوع زيادة السكان، والسؤال الذي لم نجد إجابة عليه أبدا، كيف فشلت الدولة في الاستفادة من هذه الزيادة، ولم يعد أمامها غير لوم الشعب، وكما قال أحد الأصدقاء على تويتر «ما يضربونا بالنووي ويرتاحوا» وأضيف أنا لم يبقَ غير إعلان الإخصاء لكل الرجال.
774
| 20 يونيو 2024
مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...
8427
| 23 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...
1509
| 25 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...
735
| 26 فبراير 2026
تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل...
729
| 20 فبراير 2026
جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...
693
| 25 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...
684
| 20 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...
621
| 27 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تطورًا مستمرًا في أدواته وأنظمته،...
606
| 24 فبراير 2026
استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت...
600
| 24 فبراير 2026
كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...
594
| 22 فبراير 2026
لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها...
555
| 23 فبراير 2026
لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن...
513
| 22 فبراير 2026
مساحة إعلانية