رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ببغاوات الثقافة

هناك إشكالية واضحة لدى بعض مثقفي العرب في التعامل مع الثقافات الغربية، وذلك عندما يقومون بدور الببغاوات ويعملون على استنساخ تلك الثقافات لتصبح صبغة في مجتمعاتهم، دون مراعاة الفروق الجوهرية بين المجتمعات واختلاف التربة التي خرجت منها تلك الثقافات والمناخ الذي تشكلت فيه. تنبعث هذه الأزمة الفكرية من كون هذه الفئة تجهل خصائص ومقومات مجتمعاتها العربية والإسلامية من ناحية، ومن ناحية أخرى هي فئة مختطفة ببريق الحضارة الغربية شديدة التأثر بها، شديدة الحرص على تقليد الغرب الذي صارت له الغلبة والقوة، وهي حالة تحدث عنها عالم الاجتماع العربي ابن خلدون، عندما ذهب إلى أن المغلوب مولعٌ أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال في من غلبها. وحديثي هنا حتمًا ليس على موافقة الغرب والسير على خطاه في مجال التقدم العلمي والاختراعات والتكنولوجيا، فهو أمر إيجابي بلا شك، فليت هؤلاء المثقفين كانت هذه قضيتهم، ولكن حديثي عن المنظومة القيمية التي يراد استيرادها من الغرب، تحت سطوة الوهم بأن بلاد الغرب بنت تقدمها العلمي على هذه القيم وانطلقت منها. ببغاوات الثقافة انشغلوا بدراسة الحضارة الغربية ومسارها الاجتماعي والتاريخي، وغرقوا في كتب سارتر وروسو ونيتشه، وبعضهم أو كثير منهم نال دراسات من جامعات السربون وهارفارد، وظنوا أن ذلك كفيل بتحديد البوصلة الهوياتية للمجتمع، لكنهم قد أغفلوا حقيقة هامة، أنه كان لزامًا عليهم التعمق في دراسة مجتمعاتهم ومكوناتها الثقافية والحضارية أيضًا. فكرة إقصاء الدين مثلًا لدى هذه الطبقة من المثقفين العرب، قد ارتبطت في حسهم بالتقدم من خلال تتبعهم لمسار الحضارة الغربية والحلقة التي انتهى عندها الحكم الثيوقراطي في أوروبا، وبداية عصر الازدهار والتقدم، فكانت فكرة الثورة على الدين ملهمة لهؤلاء المثقفين العرب في استيرادها إلى مجتمعاتهم من أجل الوصول إلى نفس النتيجة. ببغاوات الثقافة انتزعوا تلك الحالة من سياقها التاريخي والاجتماعي من أجل استنساخها وجعْلها صبغة لمجتمعاتهم العربية والإسلامية، فكانت النتيجة: مزيد من الانحطاط والتخلف والتبعية، فلم يؤد العمل نفسه إلى ذات النتيجة، والسبب بسيط، وهو ذلك التباين بين البيئتين، فكانوا أشبه بمن أعجبته البذور فآثر غرسها في تربة لا تصلح لها، ثم جلس ينتظر الثمار. لم يكن الدين مصدر التخلف في الأمة العربية والإسلامية، بل التاريخ له دلالته في أن أزهى عصور الأمة ارتبطت بقوة الدين، لأنه دين يعلي من شأن العلم والتطور والأخذ بأسباب القوة والحضارة، ولذلك أحدث العرب المسلمون نهضة علمية استفاد منها الغرب أيما استفادة، باعتراف المنصفين من الكتاب الغربيين أمثال جوستاف لوبون خاصة في كتابه حضارة العرب. هناك فرق واضح بين مسار طبقة المفكرين والمثقفين الغربيين الذين ساروا في الاتجاه الإقصائي للدين، ونظرائهم من أهل الفكر والثقافة لدى العرب، فمفكرو ومثقفو أوروبا ساروا في هذا الاتجاه على أساس ملامح وأحوال وتاريخ مجتمعاتهم والظروف التي مرت بها، فانطلقوا من دراسة مجتمعاتهم وحاجاتها الراهنة، أما طبقة المثقفين والمفكرين العرب الذين ساروا في نفس الاتجاه، فقد مضوا فيه بدافع التقليد، فاقتبسوا التجربة على الرغم من شذوذها وغرابتها عن سمات وخصائص المجتمعات العربية والإسلامية. إن هذا المنحى في التقليد الأعمى يقدح في وصف المثقف ويسلبه هذه السمة، فمن المفترض أن ذلك المثقف الذي تضلع بالمعرفة يكتسب ملكة نقدية تمكنه من غربلة مفردات ومخرجات الحضارات الأخرى مهما كانت براقة، فلا ينبغي أن يكون بوابة للاختراق الفكري والقيمي والأخلاقي. إن مسؤولية المثقف ليست في أن يكون ببغاءً ثقافيًا يستبدل ثقافة مجتمعه بثقافة مجتمع آخر، أو يستبدل هويته بهوية أخرى، إنما هو مسؤول عن دراسة مجتمعه والوقوف على العوامل الحقيقية لتخلفه أو انحطاطه، وإيجاد مسارات تصحيحية للمجتمع تنطلق من الهوية الثقافية لا تتنكر لها. مهمته تعزيز الهوية لا الثورة عليها أو العبث بها، والوقوف أمام الاجتياح الحضاري الذي يتعرض له مجتمعه، لا أن يكون جسرًا لعبور الغزو الفكري والقيمي.

540

| 16 مايو 2026

طغيان المحتوى الترفيهي وأثره على وعي المجتمع

نُقل عن الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قوله: "إني لأبغض الرجل فارغا لا في عمل دنيا ولا في عمل الآخرة"، ذلك لأن المرء يحتاج إلى ما يصلح دنياه ويصلح آخرته، لذلك كان حري بالإنسان ألا تخرج أعماله في عمره القصير عما فيه صلاح الدارين. وطبيعة البشر كالماء الراكد، يأسن، فيحتاج إلى ما يجري همته ويجدد نشاطه، لذلك كان الترويح عن النفس مطلبًا شرعيًا، به تستأنف الروح مسيرتها في طريق الجد. لكن في هذا العصر بإيقاعه السريع الصاخب، تجاوز الإنسان هذا الحد بكثير، فطغى الترفيه والترويح على الجد والعزم، ولا أدل على ذلك من المحتوى المرئي الذي يتعرض له المرء ليلًا ونهارًا، والذي يحتل الترفيه معظم مساحته إن لم يكن جميعها. وأخص بالذكر هنا عالم مواقع التواصل الاجتماعي، فطغيان الجانب الترفيهي بارز فيه بوضوح، مقاطع كوميدية ساخرة، مقاطع مثيرة، وأخرى قصص عن عالم الجن والشياطين، من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي، أخبار المشاهير من أهل الفن والرياضة تتعلق بحياتهم العامة والخاصة، مقاطع تصور يوميات البيوت، والقائمة لا تنتهي. هذه الظاهرة لا ينبغي النظر إليها على أنها تغير عابر في أذواق الجماهير، بل هي تحول اجتماعي وثقافي جذري، تترتب عليه آثار ضارة بالوعي الجمعي، وعلى تشكيل الأجيال الناشئة وطريقة تفكيرهم وترتيب أولوياتهم في الحياة، والدخول في حالة يرثى لها من التسطيح الفكري. طغيان المحتوى الترفيهي خاصة على التواصل الاجتماعي، يأكل من وعي الجماهير، إذ إنه يأتي على حساب الثقافة والمعرفة وتغذية الفكر، فالأولوية أصبحت لاستهلاك المحتوى الترفيهي، فمن ثم لا يعبأ بالمحتويات المعرفية والثقافية سوى أهل التخصص وقلة من الجماهير. ومع حالة الاستيلاء والاستحواذ التي مارسها عالم الرقمنة على النفس البشرية، غدا أكثر الناس لا يفارقون هواتفهم حتى أثناء طعامهم ومجالسهم العائلية، وتمضي بهم الساعات وهم يشاهدون هذا المحتوى الترفيهي الجاذب الذي يسحر عقولهم. فالخطورة هنا لا تكمن في الترفيه، وإنما إلى تحوله إلى مركز للحياة الاجتماعية والثقافية، وبديل عن المعرفة والتفكير، وهذا بدوره يمثل خطرًا عامًا على المجتمع ككل، فالمجتمعات التي يكون أفرادها على هذه الشاكلة تكون أكثر عرضة للشائعات والتلاعب الفكري. البيئة الرقمية التي تدفع نحو الاستهلاك للمحتوى الترفيهي السريع، أفقدت كثيرًا من الناس قدرتهم على التركيز في المقالات والأخبار والتقارير والأبحاث المكتوبة، حيث اعتادوا الانتقال المتتابع بين الصور والمقاطع. وتبرز هنا مشكلة أخرى متعلقة بإدمان المحتوى الترفيهي، وهي تراجع الحس اللغوي والثقافي، بسبب اللغة المختصرة المشوهة المليئة بالمصطلحات العامية المستحدثة والرموز المتدفقة على ألسنة الناس، مقابل تراجع الاهتمام باللغة السليمة والأسلوب الرصين. وأشد مخاطر طغيان المحتوى الترفيهي، هو صناعة ذلك الهوس بالثراء السريع من خلال صناعة المحتوى، والتي لم تعد مجرد هواية يمارسها البعض للتسلية وتحقيق بعض المرح، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية تعيد تشكيل أحلام جيل كامل، وتغير مفهوم النجاح الذي كان يرتبط بالخبرة والعلم والإنجاز والمكانة الثقافية، فأصبح النجاح مرتبطا بعدد المشاهدات والإعلانات، وتقلصت أحلام هذا الجيل، بل تبدلت، من استهداف الشهادات العلمية والوظائف السامية، إلى تحقيق الشهرة بصناعة المحتوى الترفيهي، فهو يستطيع أن يصبح نجمًا ثريًا في أيام أو شهور، فما الذي يجعله يعلق أحلامه بما ينتظر بعد عشرات السنين من الكد والتعب. وفي سبيل ركوب (التريند) والشهرة وتحقيق الثراء السريع من خلال المحتوى الترفيهي، اختلت منظومة القيم، حيث أصبح البعض مستعدين للتخلي عن خصوصياتهم، فيقومون بتصوير تفاصيل يومياتهم من أجل زيادة التفاعل، فيستغل صانع المحتوى أسرته، ويقوم بعمل مشاهد تمثيلية داخل الأسرة بهدف الإثارة أو إضحاك الناس، وقد يتخلى شيخ مسن وقور عن وقاره ويرضى أن يظهر أمام الناس كالمهرج، والأدهى والأمر، أن بعض من ضاعت مروءتهم يرضون بتصوير زوجاتهم وهن في أبهى صورة، لخدمة المحتوى. التوعية بخطورة طغيان المحتوى الرقمي ضرورة قصوى، والنخب الثقافية والمنابر الإعلامية لها دور كبير في هذه التوعية، لكن الدور الأكبر يقع على عاتق الأسرة، في تعديل مسار الأجيال الصاعدة في الطبيعة الاستهلاكية للمحتوى، ففي النهاية الترفيه مطلوب، لكن المجتمع الذي يجعل الترفيه مركز وجوده هو مجتمع آيل للسقوط.

627

| 09 مايو 2026

التشجير ضرورة بيئية.. هكذا اهتمت به الشريعة

من الخطأ البيّن اختزال فائدة التشجير والتخضير في الشكل الجمالي والتعبير عن التحضر والتمدّن، فوجود الأشجار والنباتات ضمن ما يعرف بالبيئة الحيوية، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالجوانب الحياتية المباشرة للناس، والحفاظ على التوازن البيئي. "شينرين- يوكا" هو عنوان أحد التوجهات الصحية الشائعة في دولتي اليابان وكوريا الجنوبية، وهو يعني: السباحة في الغابة، دلالة على أهمية ودور القرب من الأشجار في تعزيز الصحة النفسية للإنسان. وفي إحدى الدراسات المنشورة في دورية "جاما نتوورك أوبن" أجراها باحثون في جامعة بنسلفانيا الأمريكية، ظهر أن تحسين شكل المناطق المقفرة بزراعة الأشجار والحشائش يمكن أن يحد من الشعور العام بالاكتئاب، وتحسين الصحة النفسية للمجتمعات. ولا يمكن حصر الدراسات العلمية والبيئية التي تؤكد على أن التشجير والتخضير يحافظ على التوازن المناخي بمواجهة أخطار التصحر والاحتباس الحراري أو الاحترار العالمي، وهو الارتفاع التدريجي والمستمر في درجة الحرارة نتيجة زيادة ثاني أكسيد الكربون بسبب الأنشطة البشرية، فتأتي فائدة التشجير والتخضير لتلطيف الأجواء وتقليل غاز ثاني أكسيد الكربون وزيادة نسبة الأوكسجين. أضف إلى ذلك الثمرات الاقتصادية للتشجير والتخضير، من خلق فرص عمل في المشاريع المتعلقة بالتشجير، وتعزيز السياحة البيئية، وتعزيز الاقتصاد العقاري، وغيره. وبينما تتلاحق المؤتمرات البيئية والمناخية للتأكيد على أهمية التشجير والتخضير، ومناقشة أدوات ووسائل تنمية الوعي الحضاري للشعوب بأهميته، نجد ذلك المنهج الإسلامي يطل علينا منذ ما يقارب قرنًا ونصف قرن من الزمان، بتناول فريد لأهمية التشجير والتخضير، ليغدو الحفاظ عليه سلوكًا دائمًا منهجيًا في حياة الناس. لقد ربط التشريع بين هذه الضرورة البيئية ومهمة الاستخلاف في الأرض، والتي تقتضي الإعمار وإصلاح الأرض بمن عليها وإحكام مصالح الدنيا والدين معًا، وجعل التشجير والتخضير أمرًا تعبديًا مرتبطًا بالثواب والعقاب في الآخرة، ومن ثم أصبح الاهتمام به عبادة لله تتعلق بأوامر ونواهٍ. ومن يتأمل حديث (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة؛ فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها)، سيجد نفسه واقفًا لا محالة على العلة التعبدية لهذا الغرس، إذ أن غرس فسيلة النخل الذي ستقوم على إثره الساعة لن ينتفع به كائن حي، ولكن لأنه أمر تعبدي يتعلق بالأجر والمثوبة كان الأمر به، ولأنه من مهام الاستخلاف في الأرض كان الالتزام بهذه المهمة حتى آخر لحظات الحياة. ففي جانب الترغيب والحث على التشجير والتخضير يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علم علما أو أجرى نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته) فذكر ها هنا: غرس نخلًا، فجعله مما يدر على صاحبه الأجر حتى بعد انقضاء أجله. وفي باب الترهيب، جعل رب العالمين قطع الأشجار والنباتات لغير مصلحة للعباد من قبيل الإفساد في الأرض {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } [البقرة: 205]. فلذا كان المستقر لدى القرون المفضلة الحفاظ على الأشجار والنخيل والزروع والثمار، وعدم التعرض لها إلا لما فيه مصالح العباد، ونجد في وصايا الغزو أمرًا مباشرًا من خليفة المسلمين أبي بكر الصديق لقائد جيشه: "ولا تخربوا عمرانا، ولا تقطعوا شجرة إلا لنفع، ولا تعقرن بهيمة إلا لنفع، ولا تحرقن نخلا، ولا تغرقنه". قطعًا الإسلام ليس بحاجة إلى إبراز عظمة تشريعاته حتى أبين طرفًا منها في هذه السطور، لكن الغرض من هذه الكلمات، هو تعزيز أهمية التشجير والتخضير لدى الجماهير، فعندما يتخطى في حسّهم كونه شكلًا جماليًا حضاريًا إلى كونه أمرًا تعبديًا يقربهم من الله، فهو أدعى إلى أن يحتل مساحة واسعة من اهتماماتهم، ويغدو الاهتمام به من الجميع سواء من المسؤولين أو من العامة، أمرًا يجمع لهم بين خيري الدنيا والآخرة.

468

| 02 مايو 2026

آفة الشخصنة في الحوار

من آفات هذا العصر الذي تفشت فيه الأمراض الاجتماعية، أن المعارك لم تعد تُخاض حول الأفكار بقدر ما تُخاض حول الأشخاص، فيبدأ الأمر بنقاش حول قضية في مجال ما، سياسي، أو فكري، أو ثقافي، ثم يحدث الانزلاق السريع إلى مهاجمة النوايا والنيل من السمعة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه الشخصنة. الشخصنة ببساطة شديدة، هي القفز من نقد الفكرة إلى نقد صاحبها، فبدلا من مقارعة الحجة بالحجة، يعمد أحدهم إلى الطعن في نية الآخر أو أخلاقه أو خلفيته الثقافية أو ربما طريقة تعبيره وحديثه، فيتحول الحوار من ميدان بحث عن الحقيقة، إلى ساحة صراع. مكمن الخطورة في الشخصنة، أن صاحبها يجد في نفسه مبررًا لها، إذ يظن أن تقييم الفكرة يستلزم تقييم صاحبها، وهذا الخلط خطأ فادح، فالفكرة ينبغي أن تُقيم بمعزل عن صاحبها، وإلا فتح الباب أمام الفوضى المعرفية. تتضاعف هذه الإشكالية بسبب بعض العوامل الثقافية والاجتماعية، فالمجتمعات التي تقوى فيها فكرة التعصب بكل أشكاله قبلي ومذهبي ونحوه، فإن البيئة غالبا ما تقرأ الأفكار من خلال أصحابها، ويكون الانتماء أقوى من الحجة، والولاء فوق الحقيقة، فإذا كان المتحدث منهم يتم التسامح مع أخطائه وتبريرها، وإذا لم يكن منهم يتم رفض أفكاره جملة حتى قبل الاستماع إليه. تفاقمت هذه الظاهرة في عصر الرقمنة، فوسائل التواصل الاجتماعي بطبيعتها السريعة والمختزلة تشجع على ردود فعل عاطفية تطغى على التفكير المتأني، فيكفي أن يبدي شخص ما رأيًا مغايرًا للمألوف، حتى تنهال التعليقات التي تهاجم شخصه ولا تناقش فكرته، وغالبا ما يتم استخدام الألفاظ الجارحة، واستدعاء مواقف سابقة، ويتم حمل كلماته على أسوأ المحامل. يميل البعض إلى الشخصنة بسبب الخوف على القناعات السابقة، فيجد صاحب هذا المنحى في الأفكار المخالفة له تهديدا لقناعته، فيكون الأسهل لديه مهاجمة الشخص، فهذا لا يتطلب عمقًا تحليليًا، وإنما إطلاق حكم سريع. وقد يلجأ البعض إلى الشخصنة والهجوم على الآخر دون نقد فكرته، لأنها تمنحه شعورًا زائفًا بالتفوق على خصمه، فيرى أنه بالصراخ والضجيج قد أسكت الخصم وكشف ضعفه، لكنه في حقيقة الأمر لم يتفوق، وإنما هرب من مواجهة الأفكار. وقد يتجه إليها كإجراء دفاعي عن هويته الفكرية، فيلجأ إلى تقويض مصداقية الآخر بدلا من التعامل معه بالحجة خوفا من الاعتراف بأن هذا الطرف على حق أو لديه ما هو جدير بنقاشه. هذه الظاهرة خطيرة إلى حد بعيد، فهي تغلق باب المعرفة، وذلك عندما ينحي أحد الطرفين أو كلاهما استعداده للاستماع والمراجعة، فتتحول ساحة الحوار إلى بيئة طاردة للعقول الجادة وتخسر الساحة فرصة تبادل الأفكار وتطويرها. الشخصنة في الحوار تضعف الثقة في الخطاب العام، وذلك عندما تتحول باستمرار إلى صراعات شخصية، وتستبدل الحجج بالشعارات والتحليلات بالانفعالات، فحينئذ يفقد المتابعون إيمانهم بجدوى الحوار، ويستصحبون صدى هذا العبث في كل حوار يتابعونه ويتوقعونا نتيجته مسبقا. مخاطر الشخصنة ليست بمعزل عن الإطار العام، فهي تعيق التقدم الفكري والاجتماعي، حيث إن المجتمعات التي لا تستطيع إدارة خلافاتها بشكل عقلاني بعيدًا عن الشخصنة، تكون عاجزة عن اتخاذ قرارات رشيدة في واقعها، وتبقى في حالة جمود فكري. أول خطوة على طريق مواجهة هذه الآفة هي الوعي بها وبعدم جدواها، وإدراك أن مهاجمة الآخر لا تثبت خطأ أفكاره، كما أن الدفاع عن شخص لا يثبت صحة أفكاره. وهنا يأتي دور المؤسسات التعليمية والمحاضن التربوية والمنابر الإعلامية، في تعويد الناس التفكير النقدي، حتى يتم إعادة الاعتبار لقيمة الحجة وبناء النقاش على الأدلة والمنطق. كما أن هذه المؤسسات منوط بها تعزيز فكرة الفصل بين الشخص والفكرة، فقد تختلف مع الشخص مع الاعتراف بما صح لديه من نقاط ومسائل، وهذه علامة نضج فكري وليست ضعفا. وإننا بهذا الصدد نحتاج إلى أن يقدم المثقفون والنخب نموذجا للحوار البناء القائم على الحجة ومناقشة الفكرة، لترى الجماهير أن الحوار ليس ساحة معركة، وإنما عملية بحث مشتركة للوصول إلى الحقيقة، لكن الملاحظ أن البرامج والنقاشات التي تتم على الهواء بعيدة عن هذا المنحى، لذلك لن يقدم هذا النموذج سوى شخصيات تستشعر المسؤولية، ولن تعدم الأمة أمثالهم حتمًا.

759

| 19 أبريل 2026

آفة التسويف..

كما أن أخطر عدو للإنسان هو ذلك العدو الذي يلبس ثوب الصديق، فإن أخطر الأفكار عليه تلك التي تتسلل إليه في صورة التعقل والتريث بينما هي في حقيقتها عين العجز، ومن بينها وأخطرها فكرة التسويف وإرجاء الأعمال والمهام لوقت آخر يكون أكثر مناسبة. قديمًا كانوا يقولون: "أنذرتكم سوف سوف"، ذلك لأن التسويف آفة هادئة لا تحدث جلبة، تعمل في الخفاء لتنخر في إرادة المرء وعزيمته، ولا تزال به حتى تجعله كتلة من نوايا مؤجلة وأحلام معلقة. الخطر كل الخطر، أن يكون التسويف ليس مجرد عارض طارئ، بل أن يكون نمطًا في التفكير يتجذر في النفس، ويتغذى على مخاوف الإنسان من الإقدام، ويستمد قوته من وهم انتظار الوقت المناسب، وهنا مكمن المأساة، فذلك الوقت غالبا لا يأتي، لأن التأجيل هنا ليس بناء على دراسة وتدقيق وحسابات واقعية، وإنما هو هروب مُقَنَّع من مواجهة الواقع والتعاطي معه، وما يستثقله الإنسان في يومه لن يكون خفيفا على كاهله غدًا، ولذا يقول الإمام أبو حامد الغزالي: "المسوف المسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم، هو معه غدًا، وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخًا". المتعلق بأذيال "سوف"، لا يؤجل العمل فحسب، بل يؤجل نضجه ونجاحه وسعادته، ولا يزال به التسويف يومًا بعد يومًا حتى يجد نفسه في محطته الأخيرة دون أن يدرك شيئًا من أحلامه. وليس بالضرورة أن يكون التسويف وليد الكسل والركون والدعة، بل هو في بعض أو كثير من الأحيان وليد الخوف من الفشل أو من النقد أو مما يترتب على النجاح ذاته. ومن مظاهر الزحف الناعم لفكرة التسويف، توهم الإنسان ضرورة توافر كل الظروف المثالية والأدوات الكاملة حتى يشرع في العمل، وهذا خطأ بيّن، فالظروف إنما تكتمل بالعمل نفسه والشروع فيه بالمتاح من الإمكانات والأدوات، بل العمل هو السبيل إلى إيجاد المكملات مع مرور الوقت. وربما أخطر أضرار التسويف، أنه يفسد علاقة المرء بالزمن، فيصبح الزمن لديه مساحة للاستنزاف وليس موردًا يتم استثماره والانتفاع به، فالمسوّف إنما يبدد الأيام في التأجيل والانتظار، ومع ذلك تراه إذا ضاق الوقت يندفع اندفاعًا مضطربًا إلى العمل، لا يحقق نتائج مرضية، فيضيع على نفسه تلك الفسحة التي كان بمقدوره أن يبدأ فيها العمل في روية وتؤدة واتزان. وعندما تتسع رقعة هذه الآفة في المجتمع، فإن ذلك المجتمع قد يفقد تدريجيًا قدرته على المبادرة، فتصبح الأعمال والمشروعات الإصلاحية رهينة التسويف، فتتراكم المشكلات، ويغدو الإصلاح بعدها أكثر كلفة وأشد صعوبة، وهكذا يتحول التسويف من سلوك فردي سلبي إلى مرض اجتماعي. مواجهة آفة التسويف تبدأ بمواجهة شجاعة للنفس ومصارحة شفافة معها، يواجه المرء نفسه بأوجه القصور لديه، والإلحاح عليها بالسؤال: لماذا التسويف؟ ويستحضر حقيقة أن اليوم الذي يمر على الإنسان يذهب ببعضه ويقربه إلى منيّته. وهنا يأتي دور الفعل الصغير الذي يكسر دائرة التسويف، فالتسويف لن يُهزم بالأماني والنوايا، وإنما بحركة أو خطوة ولو صغيرة حتى وإن تكلّف الإنسان قبولها وأرغم نفسها عليه وأتاها كرهًا، فالبداية في حد ذاتها بداية انتصار واسترداد لزمام النفس، علمًا بأن متعة الإنجاز لها ما بعدها، فهي تستنهض شغف الإنسان بتحقيق هذه اللذة مرات ومرات حتى يصبح الإنجاز وكسر التسويف عادة يعلن بعدها انتصاره في كل مرة. وإن من الخديعة الكبرى أن يستعين الإنسان على "سوف" بـ "سوف" أخرى، فيؤجل محاولات كسر التسويف، بل التحرر من هذا القيد مسألة قرار آني، فيكون الآن هو الوقت المناسب، وليس الغد أو الغد الذي يليه، فالحياة تُعاش في حاضرها لا في الوعود المستقبلية التي قد لا يسمح بها العمر ويضيق لها الوقت. وعندما يتحرر المرء من أسر التسويف، ويتذوق لذة الإنجاز والمبادرة والمسارعة، يدرك أن الوقت المناسب الذي كان ينشده لم يكن يومًا بعيدًا عنه كما توهّم، وإنما كان الوقت المناسب دائما في داخله ينتظر منه أن يوقظه.

4209

| 11 أبريل 2026

القشرة اللامعة.. وهم المعرفة السطحية

في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل ربما أصبح الإفراط في توفرها هو التحدي الحقيقي. وبيان ذلك، أنه يمكن للمرء بضغطة زر أن يمثل أمام بصره آلاف المقالات والبحوث، ويشاهد مئات المقاطع المرئية، ويستمع خلال دقائق معدودة إلى حشد من الآراء في مسألة واحدة، إذ أسهمت البيئة الرقمية الحديثة والمحتوى السريع في تشجيع استهلاك المعرفة في شكلها الأسهل. بيْد أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج وعيًا أعمق، بل أفرز ما يمكن أن نسميه بوهم المعرفة السطحية، حيث يظن مستخدم الشبكة العنكبوتية أنه أوغل في الثقافة والمعرفة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يمتلك سوى قشرة رقيقة من الفهم، قشرة لامعة. خطورة هذا الوهم أنه لا يقوم على الجهل الصريح الذي يمكن معالجته، وإنما على فكرة الإحساس الزائف بالمعرفة، فهو يتحدث بثقة كمن ألمَّ بأطراف الموضوع أو القضية، ويصدر حولها أحكامًا، مستندًا في ذلك إلى سياق مبتور أو فهم غير مكتمل أو آراء شاذة، فيحدث لديه الخلط بين الاطلاع والفهم، وبين المعرفة والاستيعاب، فتتكون قناعاته الهشة التي تبدو صلبة في ظاهرها لكنها تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي. ولئن كان الجاهل يمكن أن يزيل جهله بالتعلم عندما يعترف بجهله، فإن هذا المتعالم مدعي الثقافة على يقين من أنه يعلم، فمن ثم لا حاجة به إلى التعلم. يبرز هذا الوهم بوضوح في النقاشات العامة التي تتناول قضايا حيوية بثقة مفرطة وتستخدم خلالها مصطلحات قد لا يدرك قائلها أو كاتبها معناها الكامل ولا مغزاها ولا مدلولها لدى أهل الاختصاص، ومع تكرار الاستخدام، يتعزز الإحساس بالمعرفة، رغم غياب الفهم الحقيقي. الإعلام يسهم أحيانا في تعزيز هذا النمط وتكريس السطحية، عبر تقديم تحليلات مختزلة خاطفة تفتقر إلى العمق، وبدورها تميل المنصات الثقافية إلى تفضيل المحتوى الخفيف الذي يركز على اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ولو أتى الطرح على حساب الجودة. ينتج عن هذا الوهم، ضعف القدرة على التفكير النقدي، فصاحب القشرة اللامعة الذي يتوهم الإحاطة والمعرفة والثقافة يكون أقل استعدادا للنقد الذاتي والمراجعة، بل يميل دائما لتعزيز قناعاته دون الاستماع إلى الآراء المختلفة، فيتحول الحوار إلى تبادل مواقف جاهزة وينأى عن كونه عملية بحث مشتركة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. كما تكمن خطورة وهم المعرفة السطحية في أنها تسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، فحين يتشارك أسارى المعلومة السريعة أي محتوى دون التحقق منه، والذي قد يكون مغلوطا أو مجتزءًا من سياقه، فحينئذ يسهمون في تضليل الآخرين، ومع سرعة انتشار المعلومات يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، خاصة إذا كان مرتبطا بقناعات راسخة. لكن الحل ليس في رفض ونبذ المعلومة السريعة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فهذا الفضاء يتيح فرصا هائلة للتعلم والانفتاح والارتقاء، لكن المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك السريع للمعلومات، إلى التفاعل الواعي والفهم العميق. ويبدأ هذا التوجه من إدراك المرء لحقيقة معرفته، والإيمان بأهمية التخصص واللجوء إلى المتخصصين في الميادين المختلفة، ولا يعني هذا على الإطلاق التخلي عن التفكير وإعمال العقل، بل يعني ممارسة النشاط الثقافي والمعرفي بشكل أكثر نضجا. كما ينبغي للمحاضن العلمية والثقافية تعزيز مهارات التفكير النقدي القائم على طرح الأسئلة وتحليل المعلومات والتمييز بين المصادر، والانتقال من التلقين إلى تنمية القدرة على الفهم والتحليل. إضافة إلى ذلك، يجدر تشجيع القراءات المتأنية الطويلة التي تتيح للإنسان فرصة التفاعل مع الأفكار وفهم سياقاتها، والربط بينها، ويساعد على ذلك إعادة الارتباط بالكتاب، والذي تراجعت أهميته بشكل نسبي أمام الوسائط الرقمية. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من الاستهلاك العشوائي، والاتجاه إلى اختيار مصادر موثوقة للحصول على المعلومة، وعدم التسرع في إبداء الرأي خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب فهما أعمق.

3906

| 05 أبريل 2026

لماذا غابت الأسطورة عن الأدب الإسلامي؟

كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية في الأدب الغربي؛ إذ نشأت غالبًا من تصورات وثنية تحاول تفسير الكون عبر صراعات الآلهة وتدخلها في حياة البشر. فمن هرقليز ورأس ميدوسا وعقب أخيل، مرورًا بقصص الخالدين والمستذئبين ومصاصي الدماء، إلى الأبطال الخارقين الذين يقارعون الكائنات الفضائية، والقائمة لا تنتهي. وللشرق كذلك منها نصيب وافر، فإيزيس وأوزريس في مصر الفرعونية وجلجاميش في العراق القديم الذي ثلثاه إله وثلثه بشر، وجارودا في الهند ذلك الكائن ملك الطيور نصفه إنسان والنصف الآخر صقر، وآديري أرض الموتى في ماليزيا، وغيرها الكثير، يتجلى فيها حضور الخيال بوصفه أداة لفهم العالم أو الهروب منه. هذا التراث الأسطوري، بما يحمله من خرافات حول النجوم والأرقام والتعاويذ والقوى الخارقة، دفع بعض أبناء الأمة إلى التساؤل: لماذا خلا التراث الإسلامي من هذا اللون الأدبي؟ ربما السؤال الأجدر بالطرح هو: لماذا لم يُقبل المسلمون في عصور الترجمة الزاهرة على نقل هذه الأساطير كما فعلوا مع علوم الفلسفة والطب والرياضيات؟ الحقيقة أن هذه الأساطير كانت في جوهرها محاولة لملء فراغ نفسي ومعرفي لدى الشعوب التي نشأت فيها، نتيجة غياب تصور واضح لعلاقة الإنسان بالكون، ومن هنا لم يكن غريبًا أن تتسلل هذه النزعة حتى إلى الفكر العلمي الغربي، كما ظهر عند فرويد الذي استند إلى أسطورة أوديب في بناء نظرياته حول النفس البشرية. في المقابل، لم يلتفت العقل الإسلامي إلى هذه الأساطير، لأنه كان مشبعًا برؤية واضحة ومتماسكة للكون والإنسان، فقد قدم الإسلام تفسيرًا متوازنًا للوجود، ينسجم مع العقل، ويمنع الوقوع في الحيرة أمام الغيبيات. المنهج الإسلامي ضبط هذا المجال ومنع الانزلاق في متاهات الميتافيزيقا، فبيّن حقيقة الملائكة والجن، وحدد طبيعة النجوم والكواكب، مؤكدًا أنها لا تملك نفعًا ولا ضرًا، ولا علاقة لها بمصائر البشر. كما حارب الإسلام الخرافات المرتبطة بالمرض والعلاج، وأبطل الطقوس الكهنوتية التي كانت تعزو الأمراض إلى الأرواح الشريرة، وأرسى مبدأ واضحًا: أن لكل داء دواء إلا الموت. ويتجلى هذا التصحيح في موقف النبي عند كسوف الشمس يوم وفاة ابنه إبراهيم، حيث قال: (إن أهل الجاهلية كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله به عباده). بهذا المنهج، وجّه الإسلام الإنسان إلى التأمل في الكون بعقلية علمية، مما مهّد لقيام المنهج التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الحديثة. لذلك، اتسم الأدب الإسلامي، خاصة في عصور ازدهاره، بالواقعية، واعتمد على نقل الأحداث وتوثيقها، حتى اشتهر بأسلوب العنعنة. وحتى القصص الرمزية، كالحوارات بين الحيوانات، لم تكن تهدف إلى ترسيخ الوهم، بل إلى تقريب المعاني والعِبر، مع وضوح أنها مجرد وسائل تعليمية. إن ابتعاد المسلمين عن الأسطورة لم يكن نقصًا، بل كان نتيجة طبيعية لقيمهم التي قامت على الشجاعة والكرامة والعمل، لا على الهروب من الواقع، فترى أشعارهم تعبر عن هذه الروح، فعلى سبيل المثال يقول الإمام الشافعي: ما حكّ جلدَك مثلُ ظُفرك....فتول أنت جميعَ أمرك من هنا، فإن خلو التراث الإسلامي من الخرافات يُعد ميزة لا عيبًا، ولم تظهر النزعة إلى تقليد الأساطير إلا في فترات الضعف، حين فقدت الأمة توازنها، وبدأت تبحث عن بدائل خيالية تعوض الفراغ النفسي. ومع ارتكاز صناعة السينما العالمية والأدب الغربي على الأسطورة والخرافة والشخصيات الخيالية، ومحاولات محاكاة هذا النمط في العالم العربي والإسلامي عن طريق الدراما والقصة والرواية، ازداد تعلق الأجيال بالخيال على حساب الواقع، رغم ما يحمله ذلك من آثار تربوية وثقافية وخيمة. في المقابل، يزخر التاريخ الإسلامي بقصص حقيقية وشخصيات ملهمة، لكنها تحتاج إلى إعادة تقديم في قالب أدبي جذاب يجمع بين التشويق والرسالة. وليست هذه السطور رفضًا لأدب الخيال العلمي والأساطير بشكل مطلق، بل هي إشارة إلى ضرورة التوازن بين الواقع والخيال، فنحن لسنا بحاجة اليوم إلى استنساخ الأساطير، بل إلى إنتاج أدب هادف يعبر عن القيم، ويكون وسيلة للبناء لا للهروب، فالأدب الحقيقي ليس الذي يغرق في الوهم، بل الذي يضيء الطريق أمام الإنسان ليعيش واقعه بوعيٍ وإرادة.

3684

| 30 مارس 2026

ما وراء إغلاق الأقصى... هل نعي الخطر؟

ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.

4734

| 22 مارس 2026

لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟

«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»، قالها الحارث بن عباد لبني شيبان عندما طلبوا منه الانضمام إلى صفوفهم في حربهم مع التغلبيين فيما عُرف بحرب البسوس، فصارت مثلًا سائرا بين العرب لمن ينأى عن إقحام نفسه في نزاع لا مصلحة له في خوضه. وما لدول الخليج من ناقة ولا جمل في الصراع الدائر بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، وليس لها مصلحة في التخندق مع أحد الطرفين ضد الآخر، ومع ذلك تصطلي أرضها بالصواريخ الإيرانية التي تستهدفها بدعوى ضرب الأهداف الأمريكية في دول الخليج. قبل اندلاع الحرب اتجهت دول الخليج لإعادة صياغة العلاقات مع إيران بشكل إيجابي، وإقامة علاقات هادئة مبنية على تبادل المصالح وحسن الجوار، لكن ما إن تفجر الصراع حتى بادرت إيران إلى توجيه صواريخها صوب دول الخليج التي لم تنطلق طائرة واحدة من القواعد الأمريكية الموجودة على أرضها. وعلى الرغم من أن الرئيس الإيراني أعرب عن اعتذاره لدول الخليج، إلا أن الهجمات الصاروخية لا تزال تُشن إلى زمن كتابة هذه السطور. الاستهداف الإيراني لدول الخليج على خلفية الحرب غير مبرر، فهي ليست وحدها من تضم أراضيها قواعد أمريكية، فوفقا لتقرير صدر عن خدمة أبحاث الكونغرس في يوليو/تموز 2024، فإن الجيش الأمريكي يستخدم ما يزيد على 128 منشأة عسكرية في 51 دولة، وكثير منها يقع في المدى الصاروخي الإيراني، فلماذا تصر إيران على استهداف دول الخليج بشكل أساسي؟ الذي يظهر أن إيران تسعى إلى تحقيق أكثر من هدف باستهدافها دول الخليج: الأول: هو إحداث اضطراب في أسواق الطاقة العالمية والتي تمثل دول الخليج أحد أهم روافد الطاقة التي تصل لمختلف دول العالم، وذلك بهدف دفع دول العالم للضغط على أمريكا وإسرائيل في إيقاف الحرب. الثاني: محاولة إجبار دول الخليج على التخندق مع إيران في الصراع الدائم على طريقة «من لم يكن معنا فهو ضدنا» والتي أرساها جورج بوش الابن قبيل غزو العراق. ثالثا: ضرب اقتصاد دول الخليج والتي تربطها علاقات إيجابية بالولايات المتحدة. على الجانب المقابل، تسعى إسرائيل وأمريكا إلى دفع دول الخليج لتكون طرفا مباشرًا في الصراع، حتى تتحمل هذه الدول كلفة الحرب مع إيران، وتصبح حربًا إقليمية واسعة تتورط فيها دول الخليج. يراد لدول الخليج الانخراط في حرب ضد إيران تضعف موارد البلدين، وتنشّط في الوقت ذاته سوق السلاح الغربي والذي حتما سيدفع دول الخليج إلى طرق أبوابه لتغطية متطلبات الحرب، والأهم من ذلك هدم الأسس التي شكلت النهضة الخليجية، وهي الاندماج في الاقتصاد العالمي والاستقرار الاقتصادي، ما جعلها مراكز عالمية للتجارة والمال والاستثمار. دول الخليج حتى هذه اللحظة تدير الأزمة باقتدار، وتلتزم ضبط النفس والدفاع عن أراضيها ضد الصواريخ الإيرانية وهو حقها المشروع قطعًا، وتعزيز السبل الدبلوماسية لإنهاء الحرب، فهي تعلم يقينا أنه يراد لها الانخراط في الحرب لتكون إحدى أدوات تغيير خارطة الشرق الأوسط التي يعمل عليها نتنياهو وحلفاؤه، والتي تكون فيها الهيمنة المطلقة في المنطقة لدولة الاحتلال، تمهيدًا لترجمة حلم دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، والذي لم يعد حديثًا مقصورًا على التجمعات الدينية، بل صار الساسة يصرحون به على الرغم من أنه بمثابة إعلان حرب على الدول العربية. ضبط النفس ليس ضعفًا، بل هو فهم لقواعد اللعبة، وصبر إستراتيجي يحفظ لدول الخليج قدرتها على التأثير في بيئتها الإقليمية، وتجنُّب الانصياع لما تفرضه أطراف أخرى من مسار الصراع. المخاوف تزداد حول احتمال طول أمد الحرب، والذي حتما سيزيد من الضغوط على دول الخليج التي تلتزم ضبط النفس، فلا يُدرى إلى أي مدى ستصمد هذه السياسة، فنرجو ألا تصل الأمور إلى ما وصل إليه الحارث بن عباد، والذي أنشد بعد قتل التغلبيين ولده رغم اعتزال الحرب: قَد تَجَنَّبتُ وائِلاً كَي يُفيقوا فَأَبَت تَغلِبٌ عَلَيَّ اِعتِزالي

1047

| 15 مارس 2026

إلى من ينتظرون الفرد المخلص

سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.

8775

| 08 مارس 2026

كبسولة لتقوية الإرادة

أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.

3069

| 01 مارس 2026

هكذا يصنع الصيام مجتمعاً مترابطاً

لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن أثره يتجاوز حدود العبادة الخاصة للفرد، ليصبح فعلا اجتماعيًا له أثر بالغ في صناعة مجتمع أكثر تماسكًا وترابطًا، في ظل تسارع إيقاع الحياة وتآكل الروابط الإنسانية تحت سطوة المادة والاستهلاك والفردانية. يتحول الصيام في رمضان من مجرد فريضة إلى فعل اجتماعي عن طريق توليفة من السلوكيات والممارسات التي تتكثف في الشهر الفضيل، إذ أن الجوع في تلك الفريضة يتحول إلى لغة مشتركة توحد القلوب قبل الأجساد، ويغدو ذلك الحرمان من الطعام والشراب طاقة اجتماعية تربط هذا النسيج في المجتمع الواحد. في الصيام يظهر بُعد المساواة الإنسانية، فمن طلوع الفجر إلى غروب الشمس تتساوى بطون الأغنياء والفقراء، الأقوياء والضعفاء، كل منهم يمر بذات التجربة على مدار اليوم، ومن ثم يخلق الصيام مساحة مشتركة من المشاعر، تذكر الأغنياء بعوز المحتاجين. من خلال الطاقة الروحية التي تنبعث من الصيام، لا تبقى تلك المشاعر المشتركة مجرد إحساس عابر، بل تترجم إلى واقع عملي من العطاء، وما ذلك إلا لتلك اليقظة التي يحدثها الصيام، فتجعل صاحبها أكثر استعدادًا للإنفاق على المحتاجين وسد احتياجاتهم، فتتحول هذه الفريضة إلى فعل اجتماعي وتصبح التجربة الذاتية مسؤولية اجتماعية. وقد أجاد أمير الشعراء أحمد شوقي التحليق حول هذا المعنى بقوله عن الصيام: «حرمان مشروع وتأديب بالجوع وخشوع وخضوع، ظاهره المشقة، وباطنه الرحمة، يستثير الشفقة ويحض على الصدقة، يكسر الكبر، ويعلم الصبر، حتى إذا جاع من تعود الشبع، وحرم المترف ألوان المتع، عرف الحرمان كيف يقع، وألم الجوع إذا لذع». نتيجة لهذه المساحة الإنسانية المشتركة يصبح الفقير وجهًا حاضرًا في الوعي الجمعي لا مجرد رقم في إحصائية تعداد السكان. تتحول هذه الفريضة إلى فعل اجتماعي من خلال الاستعادة القوية لمركزية الأسرة، فتتحول مائدة الإفطار والسحور إلى لحظة يومية جامعة للشتات الذي يعتري الأسرة بسبب الانشغال في الأعمال والممارسات الحياتية المختلفة، بما يحقق الترابط بين أفراد الأسرة الواحدة، فكأنه محطة تستعيد فيها كثير من الأُسر أفرادها الشاردين. وفي هذه الأجواء لا يكون طبق الأسرة مجرد كاسر للصيام، بل طقس اجتماعي يرمم ما تصدع في النفوس خلال العام، ويطوي تلك المسافات النفسية التي تنشأ بسبب تجاذبات الحياة وصخبها المستمر، فعلى المائدة يتبادلون الأحاديث، ويتشاركون الأدعية، ويعبر كل منهم عن شعوره، وتصبح النفوس أكثر دعة وأقل استعدادا للخلاف. وفي تلك الأجواء الأسرية التي تدين للصيام بطقسها الفريد طيلة الشهر، تنفتح أمام الصغار الأبواب المبكرة لفهم معنى الانضباط والمسؤولية بالمشاركة في الصيام ولو لساعات محدودة، وتتحول الأسرة إلى حاضنة اجتماعية بمعنى الكلمة عندما تسهم في دعم وتحفيز أطفالها على الصيام الذي يمثل اختبارا هاما في ضبط النفس. ويتحول الصيام من فريضة إلى فعل اجتماعي بتلك الآثار الجمة التي تمتد إلى السلوك الأخلاقي العام، فالصيام ترويض للنفس وكبح جماحها عن الغضب، وتعزيز قيمة ضبط اللسان والجوارح عن أذى الآخرين. هذا السلوكيات الممتدة إلى السلوك الأخلاقي العام تنعكس على المناخ الاجتماعي ككل، فتنخفض حدة التوترات ويزداد الميل إلى التسامح والتغافل، في البيت أو في أماكن العمل أو في الحي، نعم لا يكون هذا التحول كاملًا ولا يأخذ صفة الاستمرارية، لكنه يصلح كمؤشر على إمكانية بناء سلوك اجتماعي قائم على الاحترام المتبادل. هذا التدريب اليومي على مدى شهر رمضان، يمنح المجتمع فرصة لإعادة تقييم الأنماط التفاعلية السائدة، وحين يكون الدافع الديني والأخلاقي متواجدًا، ينجح الأفراد في تهذيب سلوكياتهم، وتكون النتيجة النهائية بيئة اجتماعية مستقرة. وأخيرًا، الصيام لا ينحصر أثره في حدود المجتمع الواحد، فهو يتحول من فريضة إلى فعل اجتماعي عابر للحدود، إذ يخلق حالة من التضامن بين الشعوب المسلمة في زمن التغريب والعولمة، عندما يستشعر كل منهم في بقاع الأرض أن أخاه في دولة أخرى أو قارة أخرى يشاركه ذات السلوك، ولذا نرى في هذا الشهر الفضيل تدفق المساعدات التي تتخطى الحواجز الجغرافية، وتكتظ مواقع التواصل الاجتماعي بالتهنئة بمقدم هذا الشهر، يبعث بها الناس من كل حدب وصوب، ومن مختلف البقاع، لتعبر عن مفهوم أمة الجسد الواحد.

705

| 22 فبراير 2026

alsharq
رواتب لربات البيوت

في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...

1431

| 18 مايو 2026

alsharq
طافك رمضان؟ تفضل

في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...

1245

| 19 مايو 2026

alsharq
مراسيل التوش

تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية...

972

| 16 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

837

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

759

| 21 مايو 2026

alsharq
العلاقات التركية - الجزائرية من الماضي إلى الحاضر

تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...

744

| 17 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

609

| 20 مايو 2026

alsharq
الصحة والفراغ.. ثروات متاحة

خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...

579

| 18 مايو 2026

alsharq
قطر تعزز الشراكات الدولية

تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن...

570

| 17 مايو 2026

alsharq
توطين الصناعة من قيود الممرات

قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب...

567

| 17 مايو 2026

alsharq
"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ

يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...

543

| 19 مايو 2026

alsharq
المنازعات الإيجارية

أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...

543

| 20 مايو 2026

أخبار محلية