رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نتنياهو الديكتاتور واحتكار القرار

بما أن دولة الاحتلال هي رأس الحربة للمشروع الغربي الإمبريالي في المنطقة، فقد ظلت هذه الدولة اللقيطة تعمل على رسم صورة ذهنية تُظهر أنها قطعة من الغرب خاصة في النظام الديمقراطي، حتى صار العرب أنفسهم يشيدون بالديمقراطية وارتفاع سقف الحريات في الداخل الإسرائيلي. هناك مظاهر شكلية ربما هي من عززت هذه الصورة الذهنية عن دولة الاحتلال من الداخل، فرئيس الوزراء مثلا يمثل أمام القضاء، والصحف تنتقده بلا تعريض وبلا مواربة، والشعب يتظاهر ضد النظام. لكن الحرب على غزة، قد نسفت هذه الصورة عن الكيان الإسرائيلي، وظهرت خلالها حقيقة احتكار رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو للصواب والأحادية في اتخاذ القرار، غير عابئ بالجماهير الإسرائيلية ولا بالمعارضة ولا حتى بالقيادات العسكرية والأمنية. لم تفلح المظاهرات المتتابعة في الداخل الإسرائيلي في الضغط على نتنياهو لإبرام صفقة مع المقاومة الفلسطينية لاستعادة بقية الأسرى المحتجزين في غزة، بل يمضي نتنياهو في اتجاه استئناف الحرب معرقلًا كل جولات المفاوضات، حتى مع المرونة التي أبداها مفاوضو المقاومة الفلسطينية. يمضي نتنياهو رغما عن شعبه في شن الهجمات الوحشية التي تعرض حياة الأسرى للخطر، على الرغم من مقتل بعضهم بالفعل خلال الغارات الإسرائيلية، وقد بات أن مقتل جميع الأسرى أمنية غير معلنة لنتنياهو، تزيل الضغط من على كاهله. ومن أجل السيطرة التامة على المؤسسة العسكرية وإخضاعها لتوجهاته السياسية، أقال وزير دفاعه يوآف غالانت، والذي تمتع بشخصية استقلالية لدرجة أنه جنّد 7000 من الحريديم دون علم نتنياهو، وهو الملف الذي يحارب نتنياهو دائما لعدم المساس به، تقربًا لليمين المتشدد، فكانت إقالة غالانت الذي يعارض رئيس الوزراء في سياساته في الحرب على غزة هي بمثابة إفساح الطريق للسيطرة على الجيش، والذي نصّب على رأسه يسرائيل كاتس، لأنه يتصف بالقابلية للخضوع والتكيف مع الرؤى السياسية لنتنياهو. وقبل طوفان الأقصى، أحدث نتنياهو انقلابا على مؤسسة القضاء في فبراير/شباط 2003، وإقالة عناصر قضائية ضمن تحركات يهدف من خلالها إلى إقالة رئيس الشاباك السابق رونين بار وإحباط التحقيق مع رجال مكتب نتنياهو، وإتاحة الفرصة أمام نتنياهو للتهرب من المحاكمة. وجاء مؤخرًا قرار احتلال غزة الذي صوّت عليه المجلس الوزاري المصغر لنتنياهو والمعروف بـ الكابينت، ليضع النقاط على الحروف في شأن وصف هذا الرجل بالديكتاتورية الذي استحقه عن جدارة. فعلى الرغم من رفض الجيش والأجهزة الأمنية لهذا المشروع الذي حذروا من أنه سوف يكون فخًا استراتيجيا لإسرائيل، وأنه يعرض حياة الأسرى والجنود أيضا للخطر الجسيم، وعلى الرغم من رفض المعارضة والشارع الإسرائيلي كذلك للمشروع نظرًا لمخاطره، إلا أن نتنياهو لا يعبأ بالآراء المخالفة وشرع في التجهيز لاحتلال غزة. يعوّل نتنياهو على أمرين في ممارساته الديكتاتورية واتباعه مبدأ حكم الفرد والذهاب برأيه إلى احتلال غزة، الأول هو اليمين المتشدد المحيط به الذي يتفق معه في توجهاته المتطرفة، فنتنياهو لا يعبأ سوى بهذه الثلة المتشددة التي تسيطر على أغلبية الكنيست، فعندما عارض رئيس الأركان إيال زامير مخطط الاحتلال بشدة، انبرى اليمين المتشدد للرد: «إذا لم يعجبه فليستقل» هكذا بكل بساطة، من لا تعجبه سياسات نتنياهو التي تخرج من صلب توجهات اليمين فليقدم استقالته. الأمر الثاني الذي يعوّل عليه، هو المظلة الأمريكية التي تغطي على جرائمه، وتعرف كيف تمنحه الوقت الكافي لإمضائها، وتقف حجر عثرة أمام الإدانات الدولية لنتنياهو، والذي تروّج أبواقه الإعلامية لأن ترامب يدعم المشروع الجديد، ليأتي ترامب منسجمًا تماما مع إرادة نتنياهو، ويصرح حول احتلال غزة بقوله: «لا يمكنني قول شيء بشأن احتلال غزة، والأمر يعود لإسرائيل»، هكذا بكل ببساطة، فكيف لا ينفرد نتنياهو برأيه؟ نتنياهو في حالة سعار لتغيير وجه الشرق الأوسط وإنهاء ملف القضية الفلسطينية، ولن تردعه هذه الإدانات الدولية التي لا تقدم ولا تؤخر شيئا، فليست هناك إرادة دولية حقيقية لعزل دولة الاحتلال.

444

| 10 أغسطس 2025

منهجية الاحتلال في صناعة الجوع بغزة

في تقرير صادر عن خمس من وكالات الأمم المتحدة من بينها الفاو واليونيسف قبل أيام، تبين أن أكثر من نصف سكان قطاع غزة يصنفون ضمن المرحلة الخامسة بصفة «كارثية»، وهي أعلى درجات التصنيف، وتتوزع بقية السكان على مرحلتين: طارئة وأزمة، بما يعد أسوأ وضع غذائي تم تسجيله منذ اعتماد هذا التصنيف العالمي. المجاعات لا تنشأ من فراغ ولا تحدث من العدم، وهكذا شأن الحال التي وصل إليها أهل غزة، فقد تم تجويعهم عبر سياسة ممنهجة للكيان الصهيوني. اعتمدت هذه المنهجية على أمرين أساسيين: المسار الأول: تجفيف منابع الحصول على الطعام من داخل القطاع. وتم ذلك للاحتلال من خلال اتباع سياسة الأرض المحروقة، حيث دأب الكيان الصهيوني منذ ما يقارب العامين على القصف والتدمير الشامل للقطاع، ومنه تدمير القطاع الزراعي سواء عن طريق الصواريخ والقذائف أو عن طريق أرتال الدبابات والقطع العسكرية المتوغلة التي أفسدت الأراضي الزراعية، فبلغ مجموع من تم تدميره من القطاع الزراعي أكثر من 90%، بينما تواجه المساحات الضئيلة المتبقية، تحديات ضخمة، كمنع وصول المزارعين لأراضيهم، ومنع إدخال المستلزمات الزراعية التي ارتفعت كلفتها بشكل مهول، وعدم توفر المياه اللازمة للزراعة بسبب الدمار الذي لحق بالقطاع. كما عمد الاحتلال إلى استبعاد قطاع الصيد الذي كانت ينتج سنويا 4600 طن من الأسماك، فتم تدمير 98% منه بما في ذلك تدمير ميناء غزة ومئات قوارب الصيد، وأصبح الصيادين هدفا للطائرات والزوارق الإسرائيلية، وبذلك حُرم سكان القطاع من مصدر رئيسي للغذاء. وأما الثروة الحيوانية، فقد تعرضت للدمار الكامل، بما يشمل قطاعات الدواجن والأبقار والأغنام والحليب والبيض، عن طريق القصف الهجمي، وكذلك عن طريق نقص الأعلاف وارتفاع كلفتها، إضافة إلى تدمير قطاع الزراعة الذي يعد رافدا أساسيا للثروة الحيوانية. المسار الثاني: قطع الطريق على المساعدات الخارجية. من خلال إحكام الحصار على غزة وإغلاق المعابر التي تكدّست خلفها آلاف الشاحنات التي يمكن أن تغيث سكان القطاع بالطعام والماء النظيف والأدوية والمستلزمات الطبية. وأما المساعدات فقد حصرها الاحتلال بالتواطؤ مع أمريكا في مؤسسة غزة الإغاثية المشبوهة، والتي أصبحت مصائد للموت، إذ يستهدف الاحتلال منتظري المساعدات في النقاط المحدودة الموزعة في الجنوب، فأصبح الحصول على كيس من الطحين مغامرة اضطرارية قد تكلف المواطن حياته. وحتى يُجمّل الاحتلال وجهه القبيح، ويخفف من حدة غضب العالم الناقم على سياسته في تجويع غزة، فقد سمح ببعض عمليات الإنزال الجوي للمساعدات، أخذت صفة الرمزية. وأقول أخذت صفة الرمزية، لأنها لم تحدث تأثيرًا يذكر في حياة الناس، ذلك لأنها محدودة للغاية إذ أنها وفق تقارير لم تتجاوز حمولة خمس شاحنات. والأدهى والأمر، أن هذه المساعدات عن طريق الإنزال الجوي، يسقط بعضها في البحر أو داخل المناطق التي تسيطر عليها قوات الاحتلال، بما يجعل الحصول عليها صعبا أو مستحيلا، والأخطر من ذلك، أن بعضها يسقط على خيام النازحين ويعرض حياتهم للخطر. وأما المساعدات التي سمح الاحتلال بدخولها برًا مؤخرًا، فهي كذلك محدودة للغاية، وهي على محدوديتها يتم توقيفها عند مناطق شديدة الخطورة ينتشر فيها قناصة الاحتلال الذين يستهدفون سكان القطاع، كما أنها عرضة للانتهاب من قبل قطاع الطرق واللصوص الذين رأوا أن السلاح يجعلهم آخر من تطالهم المجاعة. الاحتلال لا يريد إنهاء هذه المجاعة، ولو كانت له نية لإدخال المساعدات، لسمح لآلاف الشاحنات المتكدسة خلف المعابر بالدخول على الرغم من أن الإنزال الجوي كلفته عالية، أعلى بمائة مرة من كلفة المساعدات البرية وفقا للأونروا. يهدف الاحتلال من تجويع أهل غزة، إلى الضغط على المقاومة للقبول بالاستسلام وتسليم الأسرى بلا شرط، ويعلم أن في عرقلة جولات المفاوضات إطالة لأمد التجويع ومن ثم مزيد من الضغط. كما يهدف بالتجويع إلى إحداث انهيار اجتماعي شامل يؤدي للفوضى والعنف الداخلي في مجتمع طالما كان شوكة في حلقوم الصهاينة، وكذلك التأثير الدائم على الصحة النفسية والعقلية والجسدية لأطفال غزة حتى لا يكونوا عناصر مقاومة في المستقبل. فلا بديل عن الضغط المتواصل رسميا وشعبيا لإدخال المساعدات الكافية لإنقاذ القطاع، وعدم رهنها بنتائج المفاوضات، قبل أن يسقط مزيد من القتلى جوعًا.

609

| 03 أغسطس 2025

هل تحتاج غزة إلى الكلمة؟

كتبتُ في الأسبوع المنصرم مقالا عن المجاعة التي ضربت غزة نتيجة الحصار والعدوان الإسرائيلي على القطاع وتعسفه في منع دخول المساعدات، وشبّهتُ الوضع المأزوم في غزة والجوع الذي يفتك بأهلها، بالشدة المستنصرية التي حدثت في مصر إبان العصر الفاطمي. بعض الغيورين انتقدوا المقال باعتبار أنه مجرد كلام لا يسمن ولا يغني من جوع، وأن غزة لا تحتاج إلى الكلام، بل إلى العمل، فمن ثم تفجّرت لدي الرغبة لأن أتناول وجهة النظر هذه بشيء من التفصيل والإيضاح، ليس ردًا على النقد، ولكن لأنها موضوع جدير بالتناول والمناقشة، ومن الأهمية بمكان، خاصة بعد طول أمد الأزمة. مع ندرة أو انعدام الحلول العملية لدى الشعوب العربية والإسلامية، كان من الطبيعي أن تسود حالة من الإحباط العام الذي يخلفه الشعور بالعجز عن نصرة أهلنا في غزة، ما أدى إلى انزواء البعض بعيدًا عن الأحداث، وخفوت جذوة الحماس التي اشتعلت في النفوس منذ بدء العدوان الإسرائيلي. هذا بالضبط ما يريده العدو الإسرائيلي، أن نيأس من تداول وتناول القضية، ونهوّن من شأن الكلمة التي تقال في أحداث ومعاناة غزة. ولئن كانت الحلول العملية هي الأصل الذي ندور حوله ونبحث في آلياته ووسائله، لكن الكلمة لها دور هام لا ينبغي التقليل منه. الكلمة هي التي كوّنت الرأي العام العالمي الرافض للعدوان الإسرائيلي على غزة. الكلمة هي التي كشفت عن زيف مظلومية الاحتلال الذي كان يروج بمساعدة الإعلام الغربي لأنه يعيش بين بيئة عربية وحشية. الكلمة هي التي عرفت العالم أن معاداة الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي الغاشم، لا يعني مناصبة اليهود العداء كما يروج الصهاينة. الكلمة هي أشعرت – ولا زالت- أهل غزة بأن هناك إخوانا لهم يفتك بهم الحزن والقهر والعجز عن نصرتهم وإنقاذهم. الكلمة هي التي أوجدت ذلك الزخم الذي دفع باتجاه إدخال بعض المساعدات وإن كانت يسيرة في ظل تواطؤ الاحتلال والأمريكان على تجويع أهل غزة. الكلمة هي التي جعلت الناس تفكر في حلول عملية، حتى أنه قد برز مؤخرا أسلوب مبتكر لتقديم المساعدات الإنسانية إلى أهل القطاع عن طريق المدن الساحلية، من خلال تعبئة الزجاجات البلاستيكية بالبقول والحبوب من عدس وأرز ونحوهما، وقذفها في البحر، أملًا في أن يدفعها التيار إلى سواحل غزة فيقتاتها الناس. وهي وإن كانت وسيلة غير مضمونة، لكنها تعبر عن تفاعل الجماهير وحرصهم على إيجاد الحلول العملية لدعم سكان غزة. الكلمة والاستمرار في الحديث عن غزة وأزمتها، توصل رسالة إلى أعوان ورعاة الاحتلال بمدى الاحتقان الذي وصلت إليه الجماهير العربية والإسلامية، وهذا يحمل نُذَر الانفجار الذي تخشاه القوى الإمبريالية الغربية. الكلمة تُبقي قضية غزة والقضية الفلسطينية مشتعلة، لتظل قضية مركزية لدى كل عربي ومسلم. الكلمة تجعلنا نحافظ على إنسانيتنا لئلا نعيش هذا الانفصال النكد بين حياتنا الخاصة وبين أزمات الأمة الطاحنة. الكلمة يُقاس من خلالها الرأي العام العربي والإسلامي تجاه أحداث غزة، لأنها معبرة عن توجهات الشعوب، وهو ما يحتل أهمية لا يستهان بها لدى صناع القرار في الداخل والخارج. وأخيرًا، الكلمة إعذار إلى الله، إذ لا يملك الكثيرون غيرها، فلئن قُيدت اليد، فلا أقل من كلمة مكتوبة أو منطوقة، تكون جُهد المقل. ولا يُفهم من هذه الكلمات أنها دعوة للانخراط في الكلام والتنظير واعتباره هو الشأن الأعظم، ولا يفهم منها أنها دعوة للرضا بالاقتصار على الكلمة، ولكن المراد عدم التقليل من شأن الحديث الدائم عن قضية غزة، وغلق الباب أمام القعود والانعزال عن التفاعل معها بحجة عدم وجود حلول عملية في نصرة ودعم سكان القطاع المنكوب.

351

| 27 يوليو 2025

الشدّة المستنصرية المعاصرة

يذكر المؤرخون أن امرأة من القاهرة في زمن الخليفة الفاطمي المستنصر حين جفت مياه النيل، أخذت عقدًا لها قيمته ألف دينار، واشترت به جِوال دقيق، فأعطته من يحميها من اللصوص، فلما وصلت إلى دارها أخذته منهم، فتكاثر عليه الناس وانتهبوه، فأخذت هي أيضا مع الناس ملء كفيها، ثم عجنته وخبزته فصار قُرصة، فأخذتها إلى قصر الخليفة وهي تنادي بأعلى صوتها: «يا أهل القاهرة، ادعوا لمولانا المستنصر الذي أسعد الله الناس بأيامه، وأعاد عليهم بركات حسن نظره، حتى حصلت على هذه القرصة بألف دينار». إنه أحد المشاهد التاريخية المؤلمة، في حقبة يذهل لها العقل البشري، وهي ما عرف بالشدة المستنصرية في القرن الخامس الهجري، إذ انحسر منسوب النيل، وخربت المحاصيل، وجاع أهل مصر حتى مات ثلثهم، وبيعت الدور من أجل الحصول على الدقيق، وأكل الناس القطط والكلاب، والأشد بشاعة من ذلك أنه سجلت في هذه الحقبة حوادث عن أكل لحوم البشر. من الطبيعي أن أستحضر هذه المحنة ونحن نعاين في عصر الإنترنت والصورة الحية، تلك المجاعة التي ضربت قطاع غزة المنكوب، والذي – مع طول أمد الدمار والقتل والحصار- لم يعد يسأل متى تنتهي الحرب؟، وإنما يسأل: متى أحصل على رغيف الخبز؟. صدق أو لا تصدق، صارت أول عبارة يتواصل بها الناس في غزة: «هل أكلت شيئًا اليوم»، ففي البداية كانت الجماهير الغفيرة تقف بالساعات في طوابير للحصول على بعض المعلبات والأغذية التي تدخل عن طريق المساعدات الإغاثية، ويتزاحمون على التكيّات التي كانت توفر لهم بعض الطعام الذي يسد الرمق. لكن مع طول أمد الحصار، ومع تعسّف الاحتلال وتآمره مع سادة البيت الأبيض، تم غلق جميع المعابر، واستبعاد كل المنظمات الإغاثية المعنية بتوزيع الطعام على سكان القطاع، واعتماد مؤسسة غزة المشبوهة التابعة لأمريكا كجهة وحيدة في توزيع المساعدات الهشة، وتركزها في نقاط محدودة في الجنوب، لدفع سكان الشمال إلى النزوح وإلا الموت جوعًا، وكانت الطامة الكبرى أن العدو الإسرائيلي الغاشم يطلق النار على من ينتظرون المساعدات، ما دفع الناس إلى المغامرة بحياتهم من أجل الحصول على كيس من الطحين. لقد بلغ الجوع من أهل غزة مبلغا غير مسبوق، أقصى أمانيهم الحصول على كيس من الطحين لإعداد الخبز، الخبز وحده، فقد نسي الناس شكل اللحم والخضراوات والفاكهة. تذكرت الشدة المستنصرية لتشابه بعض الوقائع والأحداث في غزة التي ضربتها المجاعة، فالناس يتساقطون من الجوع قتلى، وأكلوا ورق الشجر، ولم يعد هناك طحين إلا الشيء النادر، وإن وُجد بيع بأسعار خيالية لا يستطيعها عامة الشعب. الصحفي الفلسطيني بشير أبو شعر، عرض الكاميرا التي تعد رأس مال عمله، للبيع مقابل كيس من الطحين من أجل أن يطعم أطفاله. أكل الناس في غزة أعلاف الدواب بطحنها وخبزها كبديل عن الطحين، لكنها سرعان ما نفدت. إبان الشدة المستنصرية أكل الناس القطط والكلاب، لكن الوضع في غزة أشد وطأة، فالحيوانات ذاتها شاركت سكان غزة الجوع، وشاركتهم الموت جوعًا، إذ تنتشر في الطرقات جثث الحيوانات النافقة التي لم تجد ما يسد رمقها، وأما من بقي منها على قيد الحياة، فإنها تقتات على الحيوانات الميتة، والأدهى والأمر أنها تنهش جثامين متحللة لفلسطينيين استشهدوا نتيجة القصف الوحشي ولم يوار التراب أجسادهم كما أفاد شهود العيان. الأطفال والرضع يموتون، وأثداء الأمهات فارغة من فرط الجوع، والبطون تظل خاوية بالثلاثة والأربعة أيام حتى أصاب الناس الوهن والأنيميا الحادة وتدهور الجهاز المناعي، حتى المياه ليست صالحة للشرب، ما ترتب عليه ظهور أمراض لا حصر لها. غزة مقبلة على شدة مستنصرية معاصرة بحذافيرها، إن لم نتحرك لإنقاذ أهلها من الجوع والقتل والدمار. املأوا الآفاق بأحاديثكم عن المجاعة في غزة، لا تكلوا ولا تملوا، لعلها تكتسب زخمًا يحرك الدماء المتجمدة في القرار العربي للضغط باتجاه إدخال المساعدات اللازمة لإنقاذ أهل غزة. من العار أن ينخفض سقف طموحاتنا إلى إطعام الجوعى وإنقاذهم من المجاعة لا وقف الحرب، لكن ما باليد حيلة وقد صار الموت قصفًا أحب إليهم من الموت جوعًا، في ظل التآمر الدولي والخذلان العربي.

978

| 20 يوليو 2025

ذكرى مذبحة سربرنيتسا.. الجرح الذي لا يندمل

«لن يتكرر ذلك أبدًا»، شعار تبناه المجتمع الدولي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي أودت بحياة عشرات الملايين من البشر، لمنع تكرار جرائم الإبادة، بيد أنه كان مجرد شعار زائف أضيف إلى ركام هائل من الشعارات الجوفاء على هامش ضمير هذا المجتمع المنافق. فبين عامي 1992-1995، أباد الصرب ما يزيد على 300 ألف من مسلمي البوسنة والهرسك على مسمع ومرأى من العالم، كانت جرائم إبادة جماعية على الهوية صمت إزاءها الغرب مانعًا الدول الإسلامية من التدخل، ولم تتدخل أمريكا والناتو إلا بعد تهيئة الأوضاع لضمان منع قيام كيان إسلامي في أوروبا. جرائم الصرب ضد مسلمي البوسنة لم تتوقف خلال هذه الحرب، لكن تأتي مذبحة سربرنيتسا التي حلت ذكراها الثلاثون أبرز هذه المذابح الجماعية، والتي ذبح فيها الصرب ثمانية آلاف من مسلمي البوسنة أمام أنظار – بل بتواطؤ- القوات الأممية التي كلفت بحماية المنطقة. الأمم المتحدة حددت 11 يوليو ليكون اليوم العالمي لتذكر مذبحة سربرنيتسا، ولم تفلح ثلاثون عاما مضت على المجزرة في غلق هذا الجرح النازف في جسد البوسنة، فلا يزال أهلها إلى اليوم يلملمون عظام ذويهم ممن تم تحديد هويتهم لدفنهم في مقبرة بوتوتشاري، وبعضهم لم يجد من فقيده سوى قطعة من العظم، يدفنها بعد سنوات من البحث والتنقيب منتظرًا أن يضم إليها البقية، فالصرب لم يكتفوا بذبحهم ودفنهم في مقابر جماعية، بل نقلوا الجثث أكثر من مرة وقاموا بتفريقها بين عدة مقابر لإخفاء معالم الجريمة، فهناك أكثر من ألف من ضحايا المجزرة لا يزالون مفقودين. جرح سربرنيتسا لم يبرأ، وآثار الحرب المدمرة باقية إلى اليوم، منذ أن تم توقيع اتفاق دايتون الجائر، الذي قسم أرض البوسنة إلى دولة للصرب تتمتع بالحكم الذاتي، ودولة أخرى لمسلمي البوسنة والكروات، ليس لأهلها سيادة على دولتهم، حيث تقبع سلطة الحكم النهائي في أيدي زمرة من السياسيين الغربيين، فهي عبارة عن سلطة احتلال أوروبية تشبه الاحتلال البريطاني لشبه القارة الهندية. في أحد فصول الكوميديا السوداء للمجتمع الدولي ومنظماته الكرتونية، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في ذكرى المذبحة من تصاعد خطاب الكراهية، موضحا أن هذا اليوم ليس فقط لإحياء الذكرى، بل هو أيضا يوم للتنبّه واتخاذ الإجراءات، ورصد إشارات التحذير المبكرة والتدخل قبل اندلاع العنف، وأنه علينا احترام القانون الدولي، والدفاع عن حقوق الإنسان، وصون كرامة الجميع، والسعي للسلام والمصالحة. أفلا يخبر أحدهم الأمين العام للأمم المتحدة، أن سربرنيتسا يعاد استنساخها في غزة، ما معنى هذه التصريحات التي وكأنها تخاطب عالما آخر ليس فيه تلك الإبادة الجماعية التي يتعرض لها سكان غزة منذ ما يقارب العامين. المجتمع الدولي الذي تعاطف مع ضحايا الهولوكوست، يقف اليوم متفرجًا وهو يشاهد المتاجرين بالهولوكوست الذين ابتزوا به العالم، وهم يحرقون أهل غزة. لم يتدخل الغرب وعلى رأسه أمريكا يومًا في قضايا الأمة العربية والإسلامية إلا إذا حركته مصالحه. في حرب البوسنة لم تتدخل أمريكا والناتو إلا بعد ثلاث سنوات من الكارثة، أرادت أمريكا إضعاف مسلمي البوسنة حتى لا يكون هناك نواة لكيان إسلامي مستقل في أوروبا يمكن أن يتحالف مع تركيا مستنهضا الذاكرة العثمانية في البلقان. ولأن الصرب مدعومون من روسيا، فقد أرادت أمريكا وأعوانها تهيئة الأمور طيلة هذه السنوات بإنهاك القوى المتصارعة لتضمن القبول بالإملاءات الأمريكية بما يحقق مصلحة منع قيام كيان إسلامي في أوروبا، والتصدي للنفوذ الروسي في آن واحد. واليوم تمر المجازر اليومية التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي بحق سكان غزة أمام الغرب الذي لا يحرك ساكنا، ويكتفي بالدعوة إلى المفاوضات والتهدئة، ويحمل المقاومة الفلسطينية المسؤولية عن استمرار القتال، لأن مصلحة أمريكا في وجود وتمدد هذا الكيان اللقيط في المنطقة كرأس حربة للإمبريالية الغربية لرعاية مصالحها في المنطقة وقطع الصلة بين الأمة بشقيها الأفريقي والآسيوي ومنع قيام أي وحدة عربية أو إسلامية، لذلك التعويل على الغرب في حل قضايانا هو رهان خاسر، ستكرر معه سربرنيتسا في كل موضع من جسد هذه الأمة.

435

| 13 يوليو 2025

الهوية البصرية السورية... عقد وطني بين الحكومة والشعب

إذا عرضت على أي شخص صورة لعلامة تجارية تحمل شعار التفاحة بلون أسود أو رمادي وسألته عنها، سوف يجيبك فورًا أن هذا الشعار يمثل شركة آبل رائدة صناعة الهواتف الذكية. التعرف السريع والمباشر على هذا الشعار ونسبته، يحدث بتأثير ما يعرف بالهوية البصرية، وهي الواجهة المرئية للشركة، والتي ترسخ العلامة التجارية في ذهن الجمهور. طَيًّا لصفحة الماضي الأليم، وإيذانًا ببداية عهد جديد تكون فيه سوريا للسوريين، أطلقت حكومة الشرع خلال احتفالية بقصر الشعب بدمشق هوية بصرية جديدة، تعبر عن سوريا الجديدة، هوية بصرية تعزز الانتماء الوطني وتصهر الدولة مع الشعب لا بالقسر والقهر، وإنما بعقد وطني جديد قائم على التلاحم والتكاتف. الشعار الجديد الذي يظهر فيه طائر العقاب الذهبي ذو الصلة الوطيدة بتاريخ سوريا القديم، يعلوه ثلاث نجوم، يحمل دلالات عدم الانقطاع عن الماضي والتطلع إلى المستقبل بمفاهيم جديدة مختلفة. الثلاث نجوم التي تمثل الشعب حاضرة في الشعار الجديد كدلالة على تحريرها من عهد النظام البائد، وتعلو طائر العقاب الذي يرمز إلى الدولة، إلا أن ذلك العقاب الذهبي يظهر بوضعية لا هي على هيئة الدفاع ولا هي على هيئة الهجوم، في إشارة إلى التوازن واحتضان هذا الشعب، ينسدل منه خمس ريشات تمثل كل منها إحدى المناطق الجغرافية الكبرى، ويتكون كل جناح من جناحيه من سبع ريشات تمثل مجموع محافظات سوريا. وكما هو واضح، ترتكز هذه البصرية السورية الجديدة بما تحمله من رمزيات ودلالات، على صيغة جديدة للعلاقة بين الدولة والشعب، تمثل عقدا وطنيا جامعا، قائما على استيعاب كل الأطياف في سوريا على اختلاف المشارب، لتكون سوريا للسوريين. تعبر الهوية البصرية الجديدة عن مواجهة سوريا لأحد التحديات الضخمة وهو استهدافها بالتقسيم، فهو يعبر وفقا لتصريحات الرئيس أحمد الشرع عن سوريا لا تقبل التجزئة ولا التقسيم، الواحدة الموحدة، وتعكس التنوع الثقافي والعرقي. الهوية البصرية الجديدة، ليست مجرد تجديد شكلي في شعار الدولة، بل هي إعلان القطيعة مع مضامين وآثار الحقبة السابقة، التي حكمت فيها أقلية متسلطة شعبا كبيرا متنوعا بالحديد والنار ولم يشعر فيها السوريون بأن سوريا لهم، واستقبال لعهد جديد تحتضن فيه الدولة ذلك الشعب بكل تنوعه الثقافي والعرقي. ومن محاسن هذا الشعار أن الثلاث نقاط التي تمثل الشعب المُحرَّر، تعلو طائر العقاب، تمثيلا لحقيقة أن الشعب أولا، وأن الحكومة أو القيادة ليست مالكة لهذا الشعب، وإنما هي حاضنة وموكلة وموظفة لصالح رعاية هذا الشعب وتحقيق أحلامه وطموحاته. تضافرت تصريحات القيادة السورية ووسائل الإعلام الوطنية للتفسير الدقيق لمضمون الشعار، ليترسخ في نفوس الجماهير المضامين التي يراد توصيلها من قبل القيادة، ليدرك السوريون الغايات التي يلتقون عليها، وتتضح في أذهانهم معالم الفترة المقبلة، تجمع قلوبهم على تحقيق اللُّحمة الوطنية والوقوف أمام مؤامرات تقسيم سوريا. جاء توقيت إطلاق الهوية البصرية الجديدة مناسبا، في ظل محاولات تجزئة هذا البلد الشقيق الذي عانى الأمرّين، كما أنه يأتي مع شعور المواطن السوري ببدايات التغيير، سواء على صعيد الأحوال المعيشية والاستقرار النوعي، أو على صعيد العلاقات الخارجية المستقرة التي أقامتها الدولة الجديدة عربيًا وإقليميا ودوليا، بما يعزز لدى المواطن أن حكومته تعمل بجدية على تحقيق وتلبية طموحات الشعب السوري وفقا لما ترمز إليه الهوية البصرية السورية الجديدة، ولن تبقى هذه المضامين حبيسة الشعار، وإنما ستتحول إلى واقع يلمسه المواطن السوري.

762

| 06 يوليو 2025

مصائد الموت في غزة

يرى بعض العلماء أن ذاكرة السمك لا تتجاوز ثلاث ثوان، لذا يظل يقبل على التهام الطُعم كلما أُلقي إليه دون إدراك لمكامن الخطر، فمن ثمّ يُوصف من ينسى سريعا بأنه صاحب ذاكرة سمكية. في غزة وحدها، يقطع المواطن المسافات البعيدة سيرًا على الأقدام، باتجاه نقاط توزيع الطعام المحدودة، أملًا في الحصول على ما يسد الرمق، يفعل وهو بكامل لياقة ذاكرته التي سجلت مشاهد القصف الإسرائيلي المتكرر لمنتظري المساعدات. لم يحمل الغزاوي ذاكرة سمكية، وليس مُغيَّب الإدراك عن مواطن الخطر، بل يتجه إلى نقاط التوزيع وهو يقلب بصره بين أكياس الطحين، وبين السماء التي يحذر أن تطل منها إحدى طائرات الغدر لتجهز عليه وهو يُمنّي نفسه بدخول بيته بوجبة تشبع البطون الخاوية إلى حين. ليس هناك أشد فتكا بالإنسان من الجوع، ولذا عندما رتب علماء النفس الحاجات الإنسانية جعلوا على رأسها الحاجات الفسيولوجية من طعام وشراب لأنها تتعلق بغريزة حب البقاء، وقدموها على الحاجة إلى الأمان، لذا لا تأخذنا الدهشة ونحن نرى سكان القطاع المنكوب وهم يغامرون بحياتهم من أجل الغذاء، فالمعادلة الوحيدة في هذا الشأن: موتٌ محقق بدون الغذاء، واحتمال النجاة بالحياة والطعام حال المغامرة. أما وإننا بمنأى عن مثل هذه المعاناة، فإننا لا ندرك بشاعة هذه المشاهد، التي يختار فيها المواطن الغزاوي بين الموت جوعًا والموت قصفًا. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أطلق إحدى أبرز فكاهات العصر، عندما قال: «الناس يموتون في غزة ولا أحد يقدم المساعدة لسكان القطاع، بينما نفعل نحن». هي فكاهة، هكذا اعتبرتها، بل هي كوميديا سوداء يكون فيها الضحك حتى البكاء، خليط من الحقيقة المبتورة والتدليس والسخرية. «الناس يموتون في غزة»، نعم هم يموتون بصواريخكم وقنابلكم يا سيادة الرئيس التي أغدقتم بها على الاحتلال الصهيوني، ويموتون جوعًا بمباركتكم لهذا الحصار المفروض على القطاع. «ولا أحد يقدم المساعدة لسكان القطاع»، نعم صدقت يا سيد البيت الأبيض، لا أحد يقدم المساعدات والفضل يعود إليكم، فبينما تتفاخرون وتتباهون بأنكم أوقفتم الحرب الإيرانية الإسرائيلية التي أرعبت العالم وجعلته على شفا الدمار، ضننتم على أهل غزة بدخول المساعدات التي تكدست على المعابر لإنقاذ الجوعى، استجابة لطفلكم المدلل، فهل كنتم تعجزون عن الضغط على الاحتلال في السماح للمدنيين الذين لم يمسكوا بندقية ولم يطلقوا رصاصة بأن يسدوا الرمق لكي يعيشوا؟ «بينما نحن نفعل»، نعم هذا هو الاستثناء، أنت وحدك أيها الرئيس من يفعل، أمريكا وحدها هي من تقدم المساعدات، ولنكن أكثر دقة في تعبيرنا: تنصبون مصائد الموت. آلية المساعدات الوحيدة التي سمحت بها أمريكا وفرضتها قسرًا، جاءت عن طريق مؤسسة غزة الإنسانية المشبوهة، والتي حذر أجيث سونغاي ممثل مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في غزة، من أنها تفتقد للإنصاف والحياد والاستقلالية وتنطوي على إذلال يفاقم معاناة الفلسطينيين. لكن نقاط التوزيع التابعة لهذه المؤسسة، أضحت مصائد قاتلة للغزاويين، فعلى مدى شهر كامل من بدء عمل هذه المؤسسة، يتعرض السكان الذين ينتظرون توزيع المساعدات إلى القصف الإسرائيلي الوحشي على مرأى ومسمع من العالم – وترامب أيضا- لتخييرهم بين الموت جوعًا أو الموت بالصواريخ، ثم يتفاخر الرئيس الأمريكي بأن بلاده وحدها من تقدم المساعدات لسكان غزة. الشركة الأمريكية المخولة بتوزيع المساعدات، لا تكتفي بأنها نقاط محدودة تجبر السكان على قطع المسافات الطويلة للحصول على ما يسد الرمق، ولا تكتفي بأنها وسيلة استدراج يومي لقتل أهل غزة بالقصف الإسرائيلي، فقد أضافت إلى مهامها الإجرامية مهمة العبث القذر في النسيج المجتمعي والصحة العقلية والنفسية للسكان، إذ تم توثيق العثور على أقراص مخدرة من نوع «أوكسيكودون» داخل أكياس الطحين التي توزع على أهل غزة، ما ينذر بلون جديد من ألوان المعاناة الكارثية التي يواجهها القطاع تعد امتدادا لجريمة الإبادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال ضد غزة. سحقا لهذا العالم الذي لا يستطيع اتخاذ قرار عملي بإنقاذ أهل غزة من الموت جوعًا، لكننا لن نفرط في إدانة الغرب والشرق على جريمة الصمت، فأول من يدان هم الذين يرفعون شعار الإسلام والعروبة وجلسوا على مقاعد المتفرجين.

1485

| 29 يونيو 2025

لكي لا ننسى.. هكذا تعامل الإعلام الغربي مع الحرب على غزة

أظهرت الحرب على غزة مدى الانحراف الذي ضرب الإعلام الصهيوني والغربي في التعامل مع القضية الفلسطينية، حيث تضافرت المنابر الإعلامية للكيان الإسرائيلي وحلفائه من الغرب في تبني الرواية الإسرائيلية بشكل فجّ. تبنت وسائل الإعلام الغربية الروايات الإسرائيلية، بدءًا بأكذوبة قطع المقاومة رؤوس الأطفال الإسرائيليين، وهو ما سارعت بنقله عن الإعلام الإسرائيلي، صحيفتا «ديلي ميل» و»التايمز» البريطانيتان، وكتبت الأخيرة في صدر صفحتها الأولى «حماس تذبح حناجر الرضع».ومرورًا بأكذوبة اغتصاب القاصرات الإسرائيليات، وهو ما تبين للعالم كذبه، وبتبني الرواية الإسرائيلية في اتهام المقاومة بضرب مستشفى المعمداني، وهو ما تبين زيفه أيضا، وانتهاء بمزاعم وجود قيادات حماس والأسرى الإسرائيليين في مستشفى الشفاء، فكان ذريعة للاقتحام الصهيوني للمستشفى، والذي لم يسفر عن اكتشاف أي أثر للأنفاق أو قيادات المقاومة، وإزاء انكشاف زيف هذه الروايات، اضطر الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي تبناها ورددها، إلى التراجع عن الادعاء بأنه شاهد بنفسه أدلة عليها.وبهدف التعمية على حقيقة أن طوفان الأقصى كان حقا مشروعا لصاحب الأرض ضد المحتل الذي أوشك على المرحلة النهائية لتهويد الأقصى، عمل الإعلام الغربي على وصف طوفان الأقصى بأنه هجوم إرهابي غير مبرر، متجاهلا قرابة الثمانين عاما من الاحتلال والاستبداد الصهيوني، بينما صوّر العمليات الإسرائيلية في إبادة قطاع غزة بأنها دفاع عن النفس. وفي البرامج التي بثتها وسائل الإعلام الغربية، ظهر حرص مقدمي البرامج على إدانة المقاومة، ويلحون على الضيف في الإدانة، بينما لا يطلبون من الجانب الإسرائيلي على القنوات ذاتها إدانة عمليات القتل للمدنيين في غزة. كل ذلك بهدف خلق صورة ذهنية عن الأحداث في فلسطين مغايرة للواقع، ولصالح العدو الإسرائيلي. كشفت هذه الأحداث عن تضييقات شديدة قام بها الإعلام الغربي ضد كل من يتعاطف مع غزة، فعلى سبيل المثال: تعرضت النائبة الأمريكية الفلسطينية الأصل رشيدة طليب إلى التشهير من قِبل شبكة سي إن إن، ومواقع يهودية أمريكية أخرى منها موقع «جويش انسايدر»، ونسبوا لها تصريحات لم تقل بها، من ذلك تصريح مكذوب عليها بأن «دانا نيسل» المدعية العامة لولاية ميشيغان تلاحق المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين في جامعة ميشيغان لأنها يهودية»، مع أنها لم تقل ذلك. كما تخلّت صحيفة «الجارديان» البريطانية عن رسام الكاريكاتير الشهير «ستيف بيل» بعد عمله معها لمدة 40 عامًا، بعد رسمه لكاريكاتير اعتبرته الصحيفة مسيئًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو». والأمثلة كثيرة. عملت القنوات الألمانية الداعمة للاحتلال كذلك على شيطنة الفلسطينيين، خاصة مجموعة «أكسل شبرينغر»، والتي تملك وسائل إعلامية عدة، من بينها محطة «فيلت» التلفزيونية، والتي عنونت لتغطيتها أحداث غزة بـ «حرب إسرائيل ضد الإرهاب»، وهي القناة نفسها التي نشرت في أحد البرامج مزاعم حول صانع المحتوى صالح الجعفراوي، أنه مجرد ممثل يتلاعب بالأحداث استجداء للعواطف. وفي السياق نفسه، شيطنت صحيفة بيلد الألمانية مظاهرة شارك فيها الآلاف دعما لغزة، فاستبدلت شعار (إسرائيل تقصف وألمانيا تموّل) الذي رفعه المتظاهرون، بعنوان آخر مضلل وهو (اقصفوا إسرائيل) ووضعت كذلك عنوانا جانبيا للخبر يقول: (8500 مشارك في مسيرة كارهة لليهود في برلين) وذلك على الرغم من أن المظاهرة شارك فيها يهود رافضون للعدوان على غزة. ومن مظاهر الكذب والتضليل والخداع التي ظهرت في تغطية الإعلام الغربي لأحداث غزة لخلق صورة ذهنية مغلوطة عما يحدث في القطاع، الفيديو الذي يظهر مخرج قناة «سي إن إن» الأمريكية يوجه مراسلة القناة في غزة والمصور عبر الهاتف بأن يتظاهرا بأنهما تعرضا لصواريخ حماس، وهذه فضيحة مدوية تضرب ادعاءات نزاهة الإعلام الغربي في الصميم. كما عمدت وسائل إعلام غربية إلى حذف التهديدات العلنية التي أطلقها قادة الاحتلال بإبادة غزة، مثل ما فعلت وكالة أسوشيتد برس الأمريكية. ويكفي في بيان تزييف الإعلام الغربي للحقائق وانحيازه للإسرائيليين، أن هناك أكثر من 750 صحفيا من وسائل إعلام غربية، قد وقعوا على خطاب مفتوح يدين قتل الاحتلال للصحفيين في غزة، وينتقد التغطية الإعلامية الغربية المنحازة. يومًا بعد يوم، يثبت لنا الغرب أن الكيان الإسرائيلي ما هو إلا رأس حربة في المشروع الإمبريالي الغربي في المنطقة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

927

| 22 يونيو 2025

رصيد الفطرة

الإسلام هو دين الفطرة السليمة، فكل تعاليمه وتشريعاته تتسق مع ما تنشده النفس البشرية من راحة وقرار، لأن الذي شرّع للإنسان هو الله العليم الخبير، الذي يعلم ما يلائم البشر ويصلحهم. ومتى خرج الإنسان عن إطار الفطرة السليمة، كان الشقاء حليفه، فالمرأة الغربية التي نازعت الرجل في مهامه ونافسته في ميادينه التي أهّله لها تكوينه البشري، أضحت أشقى النساء، لأنها خرجت من حيّز ما يلائمها إلى حيز ما لا يلائمها كأنثى، فالمساواة المطلقة بين الجنسين تأباها الفطرة، وقوانين المادة قائمة على التباين. فيما يتعلق بالشذوذ الجنسي مثلا، فشلت كل المحاولات الغربية في ربط الشذوذ بالتكوين البشري والزعم بوجود كود جيني في الإنسان مسؤول عن الشذوذ، وانتهى أصحاب الدراسات أنفسهم لنفي التوصل إلى وجود علاقة بين الشذوذ وبين الجينات، لكنهم أرادوا التهوين من شأن هذا الخلل الذي تأباه فطرة الله التي فطر الناس عليها، هذا الخلل الذي جعل المثليين يعيشون حياة غير مستقرة لأنهم خالفوا الفطرة السليمة. هناك نتاج إنساني من أقوال وآراء وحكم ومفاهيم في عدة حضارات مختلفة، استفادت منه الإنسانية أيما استفادة، يراها المسلم وكأنها خرجت من تعاليم الإسلام، وما ذلك إلا لأنها كانت نتيجة لذلك الرصيد من الفطرة السليمة لدى هؤلاء المفكرين والمصلحين والحكماء. كتاب «دع القلق وابدأ الحياة» لمؤلفه ديل كارنيجي، من أشهر الكتب الغربية التي تم تعريبها واستفادت منه جماهير غفيرة، فهو درّة تاج علوم التنمية البشرية وفن إدارة الذات، هذا الكتاب من حيث محتواه الثري يتفق من وجوه لا حصر لها مع ما جاءت به نصوص الوحيين، ما حدا بالمفكر الإسلامي محمد الغزالي رحمه الله، أن يعزم رد الكتاب إلى أصوله الإسلامية، بتصنيف كتاب من أجلّ ما كتب بعنوان «جدد حياتك»، الذي كتبه على طريقة كتاب كارنيجي، وأظهر هذا التوافق بين ما كتبه كارنيجي من رصيد الفطرة السليمة، وما جاء في نصوص وتعاليم ديننا الحنيف، فجاء الكتاب متضمنا مقارنة بين تعاليم الإسلام التي وصلت إلينا، وبين أصدق ما جادت به قرائح الغرب في النفس الإنسانية عندما خرجت من رصيد الفطرة. هذا الرصيد من الفطرة، يصلح أن يكون جسرًا للتلاقي والتفاهم مع الآخر، فكل من له رصيد من الفطرة السليمة حتى وإن اختلفت هويته، هو الأقرب لبناء علاقة إنسانية جدية إيجابية مثمرة، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أدرك أهمية رصيد الفطرة، إذ إنه وجّه بعض أصحابه للهجرة إلى الحبشة، وكانت علّة الاختيار: «إن بأرض الحبشة ملكا لا يُظلم أحد عنده»، رغم أنه كان ملكا نصرانيا. وعندما أراد دخول مكة بعد رحلة الطائف، دخل في جوار رجل مشرك وهو المطعم بن عدي، على الرغم من أنه من أهل مكة الذين يناصبون الدعوة الإسلامية العداء، كل ذلك استثمارا لرصيد الفطرة السليمة لدى هؤلاء. وكلما كان الآخر له نصيب وافر من رصيد الفطرة، كان الأقرب للتفاعل مع رسالة الإسلام واعتناقها، أو على الأقل الالتقاء على صيغة تقارب إنسانية مشتركة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

696

| 15 يونيو 2025

التربية الأخلاقية في الحج

تحتل الأخلاق مكانة سامية في التشريع الإسلامي، ولذلك ارتبطت ارتباطا وثيقا بالعبادات، إذ أن الجانب التعبدي يسهم بقوة في ترسيخ وتحسين الأخلاق التي دعت إليها الفطرة وقررتها الشريعة. ومن تلك العبادات التي تُكسِب المسلم جميل الأخلاق، عبادة الحج، والتي هي الركن الخامس من أركان الإسلام، والفريضة التي ارتبطت فرضيتها بالقدرة المادية والجسدية. في الحج تهذيب للنفس وغرس لفضيلة التواضع والتخلص من مظاهر الكبر والتعاظم والتفاخر، ففي هذا الجمع الغفير، يتساوى الغني والفقير، والقوي والضعيف، فكلهم يقفون في صعيد واحد، ويؤدون مناسك واحدة، ويلبسون ملابس واحدة لا مجال فيها للفخر والخيلاء وإظهار الترف، يتدافعون ويتزاحمون كأنهم لا أنساب ولا تفاضل ولا رتب بينهم. إنها المواطن التي يشعر فيها المرء أنه هو ذلك الإنسان الذي أتى إلى الدنيا خاليا ويخرج منها خاليا إلا من عمله، إذ هو يتوافق مع من حوله في ارتداء ملابس غير مفصلة، فأنى له أن يظهر غناه وقوته وسلطته وجاهه والكل في تلك المواطن سواء، فيتحقق المقصد الأسمى من قوله تعالى {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]. الحج يُكسب المرء فضيلة الصبر، فأعمال الحج المتعددة التي تأتي على ترتيب معين، بها من المشقة ما الله به عليم، من طواف وسعي ورمي للجمرات، والتنقل ما بين الحرم ومَنى ومزدلفة وعرفة، كل ذلك فترة الإحرام التي يمنع فيها الحاج من أمور معينة كانت شيئا معتادا في حياته، كالتطيب وتقليم الأظافر وقص الشعر والوطء. فمن ثم يتعود المسلم في فترة الحج فضيلة الصبر، خاصة وأنه يقوم بأعمال قد لا تظهر له الحكمة من تشريعها، لكنه يوقن بأنها لا تنفك عن أوامر الله تعالى ونواهيه، فيفعل وينتهي استجابة لأمر الله العلي الحكيم. ومن الأخلاق التي يكتسبها المسلم أثناء أعمال الحج، التسامح والتغافل والعفو والحلم، ففي الحج يجتمع الناس من كل لون وجنس، مع اختلاف طبائعهم وأفهامهم وعاداتهم، ومن ثم يتعرض الحاج إلى ما يستفزه ويستنفر غضبه، لكنه يعلم في الوقت ذاته أنه مأمور بترك الشحناء والخصام واللغو والجدال في الحج، ليعود من الحج المبرور كما ولدته أمه، فهو يضع نصب عينيه قول الله تعالى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197]. وكذلك يضع نصب عينيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)، فمن ثم يجد الدافع قويا لأن يكبح جماح نفسه، ويتغافل عن مضايقات الآخرين، ويحلم عليهم ويعفو عنهم ابتغاء مرضاة الله، بل ويترك الجدال معهم حتى في الحوارات والنقاشات وحتى في علاقات البيع والشراء. وفي الحج يتأدب المسلم حتى مع الكائنات غير العاقلة، فهو يقبل الحجر أو يشير إليه، ويمتنع عن قطع الأشجار، ولا يروع الطير، ولا يصطاد في الحرم. إنها أمور تجعل الإنسان يدرك أنه جزء من المنظومة الكونية، وأنه مطالب بالتناغم معها لا بالقطيعة عنها أو تغافلها، ففي الكون مخلوقات غيره تسبح الله وتعبده، ولها مكانتها وشأنها وخصائصها التي يجب احترامها. إن من شأن التفكر في ذلك والتفاعل معه، أن يعتاد المسلم مراعاة البيئة من حوله، فيرحم الحيوان وكل ذوات الأرواح ويحسن إليها، وينمو لديه احترام المخلوقات التي لم تخلق عبثا، وينظر إليها بنظرة جديدة من خلال ما اعتاده في الحج. وفي الحج يكتسب الإنسان صفة الاعتدال والتوسط في النفقة، ويستجيب للوصية القرآنية {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]. ذلك لأن الحاج غالبا يعيش أجواء روحانية تخلصه من حب المبالغة في الترف، فينشغل بالذكر والعبادة وأداء ما أوجبه الله من أعمال الحج، كما أن وجود أعداد غفيرة من البسطاء والفقراء تجعل الحاج غالبا مترفعا عن المبالغة في النفقة صيانة لمشاعر الآخرين.

447

| 08 يونيو 2025

منهج الرافعي في تحسين أسلوب الكتابة وقوة الإنشاء

تحتل الرغبة في التمكن من الكتابة بأسلوب قوي بليغ، مكانة كبيرة لدى قطاع كبير من الشباب، خاصة في ظل وجود مواقع التواصل الاجتماعي التي هي ساحة مفتوحة تستوعب كل ما تجود به قريحة المرء، ومنصة مجانية لطرح أفكاره. وكثير من الناس قد تكون لديهم الأفكار والمضامين حاضرة في الوجدان، لكنهم لا يستطيعون التعبير عنها بما يناسب قوتها. وربما لم يتيسر كذلك لكثير من راغبي الخوض في مجال الكتابة أن يتدربوا على يد المتخصصين، لتحسين أسلوب الكتابة وقوة الإنشاء وحسن البيان. إلا أنني خلال مطالعتي لكتاب «رسائل الرافعي» الذي صنّفه الأستاذ محمود أبو رية، أبرز تلاميذ الأديب مصطفى صادق الرافعي، عثرت فيه على نصيحة ذهبية للأديب بذَلها خلال المراسلات بينه وبين تلميذه. هذه النصيحة عبارة عن تدريب عملي على الصياغة والإنشاء لبلوغ المراد، فأحببت أن أنشرها ها هنا لينتفع بها كل من يسعى لتحسين أسلوبه في الكتابة. يقول الرافعي في الرسالة بعد أن أوصى بالتزام مطالعة بعض كتب الأدب المعروفة: «اقرأ القطعة من الكلام مرارًا وتكرارًا، ثم تدبرها وقلب تراكيبها، ثم احذف منها عبارة أو كلمة، وضع من عندك ما يسد سدها ولا يقصر عنها واجتهد في ذلك، فإن استقام لك الأمر، فترق إلى درجة أخرى، وهي أن تعارض القطعة نفسها بقطعة تكتبها في معناها وبمثل أسلوبها، فإن جاءت قطعتك ضعيفة، فخذ في غيرها ثم غيرها، حتى تأتي قريبا من الأصل أو مثله». إذن، هذا التدريب العملي الذي اقترحه الرافعي، ذو مرحلتين: المرحلة الأولى: يمكن تسميتها بمرحلة المحاكاة، فيقرأ يوميا في أحد الكتب الأدبية التي تتسم بالأسلوب البليغ حوالي نصف ساعة بتركيز واهتمام، ثم ينتقي منه قطعة يعيد قراءتها ويتأملها، ثم يحذف منها كلمة أو بعض كلمات، ويضع مكانها بديلا من عنده يؤدي نفس معنى الكلمة، وهذا بلا شك يتأتى ويسهل بالحرص على كثرة المطالعة، التي تثري حصيلته اللغوية وتكسبه تعدد المفردات المعبرة عن المعنى الواحد. المرحلة الثانية: هي مرحلة المعارضة، وهي مرحلة تعظم فيها روح التحدي لدى المتدرب، لأنه سيجد نفسه في مباراة شرسة مع مؤلف الكتاب، وفيها يعارض القطعة بقطعة من عنده، وذلك يتطلب هضم معاني القطعة الأصلية لاستيلاد أفكار محددة، يكتب المتدرب في ظلالها، محاولًا أن يرقى أسلوبه لقوة أسلوب المؤلف قدر الإمكان، مع الوصية بالتأني وعدم ترك التدريب إلا عندما يحصل المتدرب على نتيجة مرضية، ويرى من عمله أنه اقترب أو ساوى قوة القطعة الأصلية، لذلك قد يتطلب الأمر تكرار المحاولة للحصول على النتيجة المطلوبة. وأضيف هنا أنه يمكن للمتدرب خوض المرحلتين في التدريب الواحد، بحيث يقطع المرحلتين بالترتيب في القطعة الواحدة في نفس التدريب، فيبدأ بالمحاكاة ثم المعارضة. ويمكن كذلك أن يفصل بين المرحلتين بمدى زمني طويل، بأن يحدد فترة ما ولتكن شهرين أو ثلاثة أشهر يتدرب فيها على المرحلة الأولى فقط وهي المحاكاة، ثم بعد إتمام هذه المدة ينتقل إلى المرحلة الثانية. الطريق الأول أنجع، والثاني أيسر، فليتخير كلٌّ ما يناسبه، فإذا لازم المتدرب هذا الأمر بصبر ومثابرة وإقبال، فإنه يرجى له في خلال عام واحد أن يبلغ فيه مبلغا عظيما. وننبه هنا إلا أن التدريب وحده غير كاف، فلابد من رافد وزاد للمتدرب، فكلما اقترن التدريب بكثرة المطالعة، كلما اختصر المتدرب المسافات، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1647

| 01 يونيو 2025

هذه صفية

كثيرًا ما تختلط المفاهيم لدى المرء، فيتمثّل المغلوط منها وهو يحسب أنه يحسن صنعا، كأن يرى الشجاعة تعريض نفسه للمخاطر، ويرى الإسراف في الترف سخاءً، ويرى التشدد ورعًا. ومن مسالك الفهم التي يحدث فيها اللبس، أن لا يعبأ المرء بأن يكون في مرمى التهم التي هو بريء منها، ولا يدفع عن نفسه سوء ظن الآخرين، معللا ذلك بالثقة في النفس، فطالما أنه يثق في نفسه ونزاهتها فلا يضره نظرة الآخرين إليه، مهما كانت مدفوعة بسوء الفهم والالتباس. وهذا المسلك مردّه إما إلى ضعف الإدراك وقلة الفهم، أو يكون ناتجا عن مسحة من الكبر يتلبس بها المرء، تجعله يترفع عن ابتعاده عن مواطن التهمة أو تبرئة ساحته أمام الناس، فيؤثِر أن يُساء به الظن على أن يوضح للآخرين ويدفع عن نفسه التهمة. ولا ريب أنه مسلك مجانب للصواب، فالآخرون لا يطلعون على النوايا والمقاصد، ويحكمون على الظاهر بما تراه الأعين وتسمعه الآذان، فإذا وضع المرء نفسه موضع الريبة ولم يسع إلى دفعها أو تبرئة ساحته، فإنه قد يسقط من أعين الناس بغير وجه حق، وربما تناقلوا شأنه فيما بينهم، ويتحاملون عليه بقلوبهم إن لم يكن بأفعالهم، فيفتح بذلك بابا للشرور وهو يظن أنه يحسن صنعا، ولذلك يقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء به الظن». فعلى المرء ألا يعرض نفسه ابتداء لموضع التهمة، فإن تعرض للاتهام بغير وجه حق فعليه أن يبين للناس حتى لا يقعوا في عرضه ونزاهته. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فبينما كان معتكفا في مسجده، أتته زوجته أم المؤمنين صفية بنت حيي رضي الله عنها تزوره ليلا، فقام معها ليوصلها إلى منزلها، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرعا في مشيتهما، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (على رسلكما) أي: امشيا على هيئتكما ولا تسرعا، (إنها صفية بنت حيي). هنا قال الرجلان: «سبحان الله يا رسول الله»، أي كيف لنا أن نظن بك غير الخير وأنت رسول الله وصفوة عباده، فبيّن لهم العلة من البيان: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا). لم يركن النبي صلى الله عليه وسلم إلى علو قدره وتزكية ربه إياه بأنه على خلق عظيم، بل أوضح وبيّن، مُعلمًا أمته كيف يتصرف العبد في مثل هذا الموطن. ينبغي على الإنسان أن يتحرز مما يسبب التهمة، وأن يدفع ما يلحقه من اتهامات، لئلا يُظن به ظن السوء وهو منه براء. ويتأكد هذا المسلك في حق من يقتدي به الناس ويتبعونه أو يقعون في نطاق تأثيره، من علماء وأعيان ومسؤولين، وإلا غابت القدوة العملية بين الناس، ولذلك قال العالم الجليل ابن دقيق العيد في هذا الشأن: «وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يُقتدى بهم»، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

702

| 25 مايو 2025

alsharq
الشمال يتألق وأم صلال يتراجع

عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله...

2127

| 04 فبراير 2026

alsharq
فريدريك ما زال حياً

حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م،...

945

| 04 فبراير 2026

alsharq
هل قتل «السور» روح «الفريج»؟

امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على...

711

| 04 فبراير 2026

alsharq
التغيير المقبل في إيران

لا يمكن فهم التوتر الإيراني–الأمريكي بمعزل عن التحول...

675

| 01 فبراير 2026

alsharq
تعاون إقليمي من أجل ضمان الاستقرار

انطلاقا من حرصها على أمن واستقرار المنطقة وازدهارها،...

639

| 04 فبراير 2026

alsharq
قطر والسعودية ركيزة للاستقرار الإقليمي

تعكس الزيارات المتبادلة بين دولة قطر والمملكة العربية...

600

| 05 فبراير 2026

alsharq
حين تغيرت الحياة.. وصارت المرأة ترى نفسها أولًا

أحيانًا لا نحتاج إلى دراسات أو أرقام لندرك...

585

| 03 فبراير 2026

alsharq
في خاطري شيء ودي أقوله

- تعودنا في هذا الوطن المعطاء عندما تهطل...

531

| 02 فبراير 2026

alsharq
الشخصيات الصعبة في العمل

في بيئات العمل المتنوعة، نصادف شخصيات مختلفة في...

513

| 01 فبراير 2026

alsharq
مبادرة لدعم التعليم الجامعي لذوي الدخل المحدود

وجد عشرات الطلاب الجامعيين أنفسهم في مأزق بعد...

513

| 02 فبراير 2026

alsharq
هل نعرف هذا المصطلح؟

ليست كل إشكالية في قطاع التدريب ناتجة عن...

471

| 03 فبراير 2026

alsharq
قطاع الغاز.. هل يسقط في فخ «سيناريو النفط والفحم»؟

يُردّد المحللون الاقتصاديون مقولة إن «الأرقام لا تكذب»،...

417

| 03 فبراير 2026

أخبار محلية