رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تختلف المنظومة الأخلاقية في الإسلام عن غيرها من المنظومات الأخلاقية الخاضعة لنسبية القيم، والتي يضعها المجتمع وفقا لاستحسانه ضمن العقد الاجتماعي، ويضع بنفسه معاييرها ومحدداتها، ثم يتنكر لها إذا تعارضت مع مصالح الزمرة المتنفّذة. منظومة الأخلاق التي جاء بها الإسلام ربانية المصدر، فهي أخلاق تنسجم مع فطرة الله التي فطر الناس عليها، وفي نفس الوقت مستمدة من التشريع الرباني، سواء ما أثبته التشريع ابتداءً، أو ما أقرّه من الأخلاق التي تعارف عليها الناس ووافقت التشريع. ولأنها ربانية المصدر، فلم يتركها الشارع لعادات الناس وذائقتهم واستحسانهم العقلي، فالعادات والعقل لا يصلحان لوضع ملامح الإطار الأخلاقي، نظرا لتغيرهما واختلافهما من بيئة لأخرى، ومن إنسان لآخر، وكما يقول الدكتور محمد العبدة: العادات قد تعمي الضمير الداخلي، والعقل قد يسخر نفسه لخدمة الغرائز البهيمية». ولأنها ربانية المصدر قد حدد الكتاب والسنة ملامحها، فهي تتسم بالثبات، لا تدور في فلك المصالح الجزئية الضيقة لكل فئة ما أو دولة ما، وميزانها لا يتغير بتغير الأشخاص ولا الأزمنة ولا الأمكنة ولا حتى بتغير العقائد والملل. خلق العدل في المنظومة الأخلاقية الإسلامية مثلا، هو قيمة ثابتة حتى مع الخصم والمخالف، فقد أنصف اليهود مع شدة عداوتهم للمؤمنين، ولم يجحف ما يظهر من شمائل خيرٍ فيهم، ويكفي أن القرآن شهد لبعضهم بأنهم أمناء {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75]. ويقول عن ملكة سبأ التي استشارت قومها بشأن الرد على رسالة نبي الله سليمان {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل: 34]. جاء في تفسير ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما: قَالَتْ بِلْقِيسُ: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً}، قَالَ الرَّبَّ، عَزَّ وَجَلَّ {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}. فهذه المرأة مع كونها تعبد الشمس من دون الله، قد صدّق القرآن حديثها عندما صدقت فيه. وألزم الإسلام باتباع خلق العدل مهما كانوا بعيدين ومهما ناصبونا العداء كما قال الله تعالى، وأكد على ضرورة اتباع العدل وعدم التنكر له بسبب عداوتهم {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]. لقد أرسى النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ خضوع الجميع بلا استثناء للقانون الرباني، عندما قال (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)، وهي صورة فريدة في إقامة العدل بين الناس. ولقد أفاض التاريخ الإسلامي بيانه بشأن تمثّل قيمة العدل واقعا في حياة المسلمين مع أصحاب الملل الأخرى، فيحكي ابن كثير واقعة عظيمة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عندما سقط درعه وأخذه رجل نصراني فتخاصما إلى القاضي شريح، يقول ابن كثير في البداية والنهاية: «ثم قال (أي علي): هَذَا الدِّرْعُ دِرْعِي وَلَمْ أَبِعْ وَلَمْ أَهَبْ. فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلنَّصْرَانِيِّ: مَا تَقَولُ فِيمَا يَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: مَا الدِّرْعُ إِلَّا دِرْعِي، وَمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدِي بِكَاذِبٍ. فَالْتَفَتَ شُرَيْحٌ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ مِنْ بَيِّنَةٍ ؟ فَضَحِكَ عَلِيٌّ وَقَالَ: أَصَابَ شُرَيْحٌ، مَا لِي بَيِّنَةٌ. فَقَضَى بِهَا شُرَيْحٌ لِلنَّصْرَانِيِّ. قَالَ: فَأَخْذُهَا النَّصْرَانِيُّ، وَمَشَى خُطًى ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ أَحْكَامُ الْأَنْبِيَاءِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَدَّمَنِي إِلَى قَاضِيهِ، وَقَاضِيهِ يَقْضِي عَلَيْهِ ! أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدِّرْعُ وَاللَّهِ دِرْعُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اتَّبَعْتُ الْجَيْشَ وَأَنْتَ مُنْطَلِقٌ إِلَى صِفِّينَ فَخَرَجَتْ مِنْ بَعِيرِكَ الْأَوْرَقِ. فَقَالَ: أَمَا إِذْ أَسْلَمْتَ فَهِيَ لَكَ. وَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسٍ». إنما نسلط الضوء على هذا الخلق، تبيانا لعظمة البناء الأخلاقي في الإسلام، ليكون المسلم معتزا بدينه، وهو يعلم طبيعة المنهج الإسلامي، وأن ما يظهر به بعض المسلمين من أخلاق الظلم والجور، لا يعبر عن المنهج، وإنما كان غرقهم في الظلم ناتجا عن بعدهم عن ذلك المنهج، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
921
| 01 نوفمبر 2024
العبد منذ أن جاء إلى هذه الدنيا في سفر إلى ربه تعالى، كلما مر عليه يوم اقترب وقت وصوله إلى محطة الآخرة، يقول الحسن البصري: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يومٌ ذهب بعضك». فأما الذين تنكّبوا عن الصراط السوي، فإنهم يسيرون إلى دار الشقاء تسوقهم الشياطين إلى هذا الطريق كما قال الله تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا } [مريم: 83].قال ابن كثير: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تُغْوِيهِمْ إِغْوَاءً. وأما السائرون إلى الله وجنّاته، فأولئك قال الله تبارك وتعالى عنهم: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]. ثلاثتهم من أهل التوحيد والإيمان، ومآلهم إلى جنات النعيم، إلا أنهم متفاوتون في حمل الزاد، كما أنهم متفاوتون في سرعة المسير إلى رب العالمين، وها هو ابن القيم رحمه الله يُحلّق حول أقسام السائرين إلى ربهم فيقول: «فالظالم لنفسه مقصر في الزاد غير آخذ منه ما يبلغه المنزل لا في قدره ولا في صفته، بل مفرط في زاده الذي ينبغي له أن يتزوده، ومع ذلك فهو متزود ما يتأَذى به في طريقه، ويجد غب أذاه إذا وصل المنزل بحسب ما تزود من ذلك المؤذي الضار». والمقتصد اقتصر من الزاد على ما يبلغه، ولم يشدَّ مع ذلك أحمال التجارة الرابحة، ولم يتزود ما يضره، فهو سالم غانم لكن فاتته المتاجر الرابحة وأنواع المكاسب الفاخرة. والسابق بالخيرات همه في تحصيل الأَرباح وشد أَحمال التجارات لعلمه بمقدار الربح الحاصل، فيرى خسراناً أن يدخر شيئاً مما بيده ولا يتجر به، فيجد ربحه يوم يغتبط التجار بأَرباح تجاراتهم». ويلزم المسافر إلى ربه تعالى قيامه بحق العبودية التي جاء من أجلها إلى الحياة {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فإنه لم يُخلق عبثًا {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]. ولا يحسبنّ العبد أن عمله كفيلٌ بإدخاله الجنة، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ). فمهما أتى العبد من الأعمال الصالحة فإنه لا يستحق بها الجنة، إنما هي سبب لنيل رحمة الله تبارك وتعالى، وهذا هو سبيل جمع العلماء بين الحديث وبين الآية الكريمة {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف: 72]، وهو ما يجليه ابن تيمية إذ يقول: «{ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فَهَذِهِ بَاءُ السَّبَبِ أَيْ: بِسَبَبِ أَعْمَالِكُمْ وَاَلَّذِي نَفَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاءُ الْمُقَابَلَةِ كَمَا يُقَالُ: اشْتَرَيْت هَذَا بِهَذَا أَيْ: لَيْسَ الْعَمَلُ عِوَضًا وَثَمَنًا كَافِيًا فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ عَفْوِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ فَبِعَفْوِهِ يَمْحُو السَّيِّئَاتِ وَبِرَحْمَتِهِ يَأْتِي بِالْخَيْرَاتِ وَبِفَضْلِهِ يُضَاعِفُ الْبَرَكَاتِ». فلا يغتر العبد بعمله، فإنه لن يوفي حق الله تعالى، بل إن ملائكته المقربين الذين لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، يقولون يوم القيامة عندما يوضع الميزان والصراط: (سبحانك ما عبدناك حق عبادتك). فلن يؤدي المرء حق ربه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أن رجلا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرما في مرضاة الله تعالى لحقره يوم القيامة). العمل سبب لنيل رحمة الله ومغفرته، ولو عاملنا سبحانه بعدله دون رحمته لهلكنا جميعًا، فقد آتانا من النعم ما لا نستطيعه إحصاءً وعدًّا، فعلى السائر إلى الله تعالى أن يجتهد في طاعة ربه وهو يرجو رحمته ويخاف عذابه، يثق في ربه لا في عمله، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون..
567
| 25 أكتوبر 2024
مما اتفقت عليه كلمة أهل السنة أن الإيمان قول وعمل، ويقصد بالقول: قول القلب بالتصديق وقول اللسان، ويقصد بالعمل: عمل القلب من الإخلاص والنية الصالحة والحب والخوف والرجاء وغيرها من العبادات القلبية، وعمل الجوارح المعروف. وأصل الإيمان في القلب وأعمال الجوارح ثمرة له ودليل عليه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : «فأصل الإيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد، وما كان في القلب فلابد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه، ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجِب إيمان القلب ومقتضاه وهي تصديقٌ لما في القلب». كان أهل القرون المفضلة يركزون على تلك الحقيقة التي أرساها الدين، أن الإيمان قول وعمل، وأن أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان، كما قال الله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة لن تضيع كما قال ابن كثير وغيره من المفسرين، فسمى الصلاة التي هي من أعمال الجوارح إيمانًا، وهو ما دل عليه الحديث (الإيمان بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان). وهذه حقيقة ينبغي الانتباه إليها، فليست العقيدة الإسلامية مجموعة من التصورات النظرية التي يختزنها العبد في أرشيف الذاكرة دون أن يكون لها صدى في واقعه وآثار على جوارحه وسلوكه، فالعقيدة الصحيحة هي التي تترجم إلى عمل ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة. الارتباط بين العقيدة والعمل ينبغي أن يكون أصلًا من أصول الدعوة والتربية الإسلامية، يستصحبها الدعاة في حركاتهم وسكناتهم وبرامجهم الدعوية والتربوية، فليست العقيدة حزمة من المعلومات النظرية التي تصيغ تصورات الإنسان عن الله والكون، إنما هي عقيدة حية، تحيي القلوب والأبدان للتحرك صوب تحقيق العبودية لله تبارك وتعالى وإعمار هذا الكون بمنهج الله. ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على هذا الربط، فعندما جاءه رجلٌ يسأله عن الساعة، قال له: (وما أعددت لها)؟، فوجّه السائل إلى ما ينفعه من الأعمال الصالحة التي تنفعه إذا قامت الساعة ووقف بين يدي الله للحساب، خاصة وأن علم الساعة من مفاتيح الغيب التي لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل. فالمطلوب من الدعاة الربط دائما بين الكلام عن العقيدة وبين التوجيه للسلوك العملي، ويلاحظ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤية الله تعالى يوم القيامة أنه لم يكتف بتقرير الرؤية، لكنه وجّه معها إلى العلم بمقتضى هذا العلم فقال «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا»، ثم قرأ {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130]، فحوّل الحديث عن مسائل العقيدة وهي رؤية الله إلى برنامج عملي وهو الصلاة. ولما زفّ النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه البشارة بأن سبعين ألفا من أمته يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، أرشدهم إلى ما يُنال به ذلك الفضل العظيم من الأعمال الصالحة، ولم يتركهم أسارى التمنِّي، فبين صفاتهم بقوله (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون). لقد انعكس هذا المسلك النبوي على سلوك صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان التركيز على العمل لا الاكتفاء بالعلم النظري في مسائل التوحيد، يخبرهم نبيهم صلى الله عليه وسلم (ينزل ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له) فآمنوا وصدقوا، ولم يصرفوا تركيزهم في ما لا طائل من السؤال عنه ولا سبيل إلى إدراكه، فلم يسألوا عن كيفية النزول، وإنما اتجهت همتهم لإطالة القيام بالليل والناس نيام، والاستغفار في الأسحار. فحريّ بالدعاة أن يعلموا الناس العقيدة بحيويتها الدافعة إلى العمل لا الاقتصار على حشد المعلومات، فإنما الإيمان قول وعمل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
660
| 18 أكتوبر 2024
قال الله تبارك وتعالى {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت: 30-31]. آيات تختصر الطريق إلى الفوز بمحمود العاقبة ورضوان الله والجنة {قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}، ذلكم هو السبيل لا غيره. قالوا ربنا الله، والرب هو السيد المطاع المالك المدبر والفاعل المطلق في الكون، فهو مدبر أمر الخلائق جميعها بالإحياء والإماتة والرزق وتسيير شؤون الحياة وسائر حركات هذا الكون، فما من شيء إلا بإذنه وأمره. ولما كان هذا هو شأن الربوبية، فقول العبد (ربي الله) تحمل في معناها التوجه إليه وحده بالعبادة وإفراده بصنوفها وتوحيد الوجهة إليه، فمن ذا يستحق أن يعبد سوى ذلك الخالق المدبر القائم على كل نفس بما كسبت، وذلك هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فلا معبود بحق سواه. فليس الفائز في هذا الطريق من اعترف مجرد الاعتراف بربوبية الله، فإن هذه الحقيقة لم ينكرها سوى قلة قليلة من البشر، حتى إن فرعون وملأه أيقنوا بها {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } [النمل: 14]. لكن لفظة (ربنا) تتضمن التوحيد بأسره علما وإقرارا وعملا، فليست مجرد تصور ومعرفة نظرية، وإنما عقيدة حيوية تدفع إلى العمل وتنعكس آثارها على نشاطات الجوارح، ولذا ارتبطت في الآية بمدلولها (الاستقامة)، ومن ثم لم تكن تعريفات الصحابة لأهل هذه الآية متضاربة، فالذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا هم «الذين لم يشركوا بالله شيئا..فلم يلتفتوا إلى إله غيره» كما قال الصديق أبو بكر. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: تَلَا عُمَرُ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ: «اسْتَقَامُوا لِلَّهِ بِطَاعَتِهِ، وَلَمْ يَرُوغُوا رَوَغَانَ الثَّعَالِبِ»، وَقَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثُمَّ أَخْلَصُوا الْعَمَلَ لِلَّهِ. وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثُمَّ أَدَّوُا الْفَرَائِضَ، وبمثله قال ابن عباس رضي الله عنهما: {قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِهِ. وإنها لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم الجامعة، تلخص أمر ديانة العبد، فعَن سُفْيَان بن عبد الله الثَّقَفِيّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ وَفِي رِوَايَةٍ: غَيْرَكَ قَالَ: (قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّه ثمَّ اسْتَقِم) رَوَاهُ مُسلم. ومن بعد الامتثال لمقتضيات قول (ربنا الله) والاستقامة على أمره، يبدأ الحصاد من ساعة إقبال الموت، إذ {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ}، يتكرر نزولها على العبد بالبشارة، نقل القاسمي في تفسيره عن القاشاني قوله: «وإنما تنزلت الملائكة عليهم للمناسبة الحقيقية بينهم في التوحيد الحقيقي، والإيمان اليقيني، والعمل الثابت على منهاج الحق والاستقامة في الطريقة إليه. غير ناكثين في عزيمة، ولا منحرفين عن وجهة، ولا زائغين في عمل. كما ناسبت نفوس المحجوبين من أهل الرذائل الشياطين، بالجواهر المظلمة والأعمال الخبيثة. فتنزلت عليهم». وعندما تتنزل الملائكة على العبد في هذا المقام فإنها تحمل عدة بشريات: فأولاها {أَلا تَخَافُوا} على ما يستقبل من أمركم، وثانيتها {وَلا تَحْزَنُوا} على ما مضى، فنفوا عنهم المكروه الماضي والمستقبل. ثم جاءت البشارة الثالثة التي تتضمن الفوز العظيم {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} فقد حق وعد الله تبارك وتعالى، وأوجبها لعباده الصالحين الذين آمنوا بذلك الوعد {جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا } [مريم: 61]. ومعها بشارة رابعة في مرافقة الملائكة إياهم إلى الجنان، فكما كانوا أولياء وقرناء للعبد في الدنيا يحثونه على الخير ويحفظونه بأمر الله ويدعون له ويجاهدون معه ويدافعون عنه، فإنهم يرافقونه في قبره ولدى بعثه وعند حسابه إلى أن يدخل الجنة، وحتى في الجنة لا ينفكون عن مرافقته، فذلك حصاد قول العبد (ربنا الله) واستقامته على أمره، نسأل الله تعالى أن نكون من أهل هذا الفضل والمقام، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1023
| 04 أكتوبر 2024
لقد كانت مسائل الاعتقاد في القرون المفضلة تُستقى وتُثبت من خلال الوحي المتمثل في الكتاب والسنة، لا يتجاوزهما المسلمون إلى غيرهما، فإنما يقوم الإسلام على الاتباع والاستسلام لله، فإن ثبت الخبر من السماء فحينئذٍ يكون اليقين والتسليم ولا تكون هناك حاجة للجدل واقتناع العقل عند توهّم التعارض، بل يتهم العبد عقله بالقصور وعدم الإدراك، لا أن يتهم الخبر، مع أن العقيدة بالأساس لا تتعارض مع العقل، فأكمل العقول أكثرها فهمًا للحجج والبراهين التي اشتمل عليها الكتاب والسنة، فالأخبار في الإسلام ليست مجرد روايات تروى بدون برهان. ولما قامت الفتوحات، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، واحتك المسلمون بالفلسفات المختلفة شرقًا وغربًا، تأثر بها بعضهم كالجعد بن درهم الذي أنكر صفات الله، وتلميذه الجهم بن صفوان مؤسس فرقة الجهمية الضالة. ومع توسع المعتزلة في الانفتاح على تلك الفلسفات وضعوا علم الكلام القائم على إثبات العقائد الدينية بالرأي والعقل لا النص، وزاد من تغلغل ذلك الاتجاه حركة الترجمة في عهد المأمون العباسي، فاستجلب كتب الفلسفة واعتنق القول بخلق القرآن، فاستخدم المتكلمون بصفة عامة أساليب الفلاسفة اليونانيين في الجدل والمناظرة. نعم إن هذا الأسلوب قد يجدي في مناظرة الملحدين الذين لا يعترفون بوجود الخالق، فتقام عليهم الحجة بالعقل والرأي كما كان يفعل الإمام أبو حنيفة وغيره مع الملاحدة، أما أن تكون وسيلة لإثبات العقائد لدى المسلمين وجعلها منهجا في هذا الباب، فهذا من الضلال المبين، لأنها ببساطة شديدة تُخضع عالم الغيب لعالم الشهادة، حيث يستخدم أهل الكلام مصطلحات عن الذات والصفات الإلهية توضع للأمور المشاهدة مثل الجوهر والعرض والكيفية. كما أنها تجعل المسلمات العقائدية موضع جدل وشك، مثل قضية إثبات وجود الله التي لا شك فيها، فيأتي هؤلاء المتكلمون ليثبتوا ما استقر في فطرة الناس من وجود صانع للكون، بفرضيات وجدليات تفتح الباب أمام الملاحدة ليشككوا في ذلك، خاصة إذا كانت حجة أهل الكلام غير قوية، فيجد أهل الإلحاد ردا عليها فيؤخذ المنهج الإسلامي بخطأ أتباعه. لقد فتح هذا المسلك الباب أمام ادعاءات تعارض العقل مع النقل، مع أن العقل الصريح لا يتعارض مع النقل الصحيح، فردوا أحاديث ثابتة متفق على صحتها في الأمة، بدعوى أنها تخالف العقل، وتحولت العقيدة بذلك إلى جدل وقضايا عقلية عارية عن الفائدة الإيمانية . إنه لمن الخزي أن لا يزال في الأمة من يتبع نهج الفلاسفة والمتكلمين في إثبات العقائد، في الوقت الذي تهاوت فيه الفلسفات اليونانية في الغرب، والتي أسقط العلم كثيرا منها، وأصبح أساطين الفلسفة مجرد شخصيات تاريخية. إن هذا العقل البشري قاصر على إدراك بعض ما يثبته هو بالعلم، فكيف يستطيع الإحاطة بالغيبيات وإدراكها، كما أن العقول متفاوتة في الفهم والإدراك، وليست معصومة من الزلل، فكيف يتم إثبات العقائد من خلالها؟ الوحي المتمثل في الكتاب والسنة وحده من يثبت مسائل الاعتقاد لأنه معصوم، فإن أخبرنا أن الله ينزل إلى السماء الدنيا آمنا وصدقنا، فإن سُئلنا عن كيفية النزول قلنا كما قال الإمام مالك وغيره: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»، فإن كنا لم نر الذات الإلهية، فكيف يمكن إدراك كيفية النزول ؟! العقل تُفهم به النصوص، وتُدرك من خلاله آيات الله في الكون ، أما أن يُجعل وسيلة لإثبات العقيدة ومعيارا لقبول التشريع، فهذا عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1428
| 27 سبتمبر 2024
«ربُّنا ربُّ قلوب»، عبارةٌ حُرِّفت عن معناها الصحيح وغدت تمثل مهربًا من النقد وتأنيب الضمير، وشماعة تُعلَّق عليها الأخطاء، ومنطقًا لتبرير العجز والكسل والغفلة عن اتباع أوامر الله تعالى والتخلف عن العمل بأحكام الشريعة. لا خلاف على كوْن القلب هو سيد الجوارح ومليكها، وهو محل الهداية والضلالة، والبصيرة والعمى {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]. ولا خلاف كذلك في أن القلب هو كلمة سر النجاة يوم القيامة {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء: 88-89]. ونقرّ كذلك بأن القلب وما وقر فيه من إيمان وتقوى هو معيار التفاضل في الأعمال بين الناس، فربما أتى الرجلان بنفس العمل، وبينهما في الأجر كما بين السماء والأرض، بذلك الشيء الذي يستقر في القلوب من الإيمان بالله والإخلاص له، كتلك البغي التي حدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم، دخلت الجنة بسقيا كلب كما جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا). وحول ذلك المفهوم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية «فَهَذِهِ سَقَتِ الْكَلْبَ بِإِيمَانٍ خَالِصٍ كَانَ فِي قَلْبِهَا فَغُفِرَ لَهَا، وَإِلَّا فَلَيْسَ كُلُّ بَغِيٍّ سَقَتْ كَلْبًا يُغْفَرْ لَهَا». نقر بذلك ونعترف، ولكن هذا القلب لابد لصلاحه من برهان، وبرهانه الأعمال الصالحة التي تترجم صلاح القلب، فكما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُله أَلا وَهِي الْقلب) متفق عليه. وعلى هذا فلا يعد القلب صالحا إلا إذا كانت الأعمال تشهد له، فليس الإيمان والتقوى مجرد دعوى، قال الحسن البصري «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن بما وقر في القلب وصدقه العمل». لقد لبّس الشيطان على الناس أمر دينهم، وسوّل لهم أنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما ذهب المرجئة الذين حادوا عن المنهج الحق الذي كان عليه الناس في عهد النبوة والقرون المفضلة، فعزلوا أعمال الجوارح عن القلوب، وصار العامة يرددون بغير بصيرة ولا هدى: «ربنا رب قلوب»، ونسبوا إلى قلوبهم العمار بينما أعمالهم خراب. وتراهم يقولون إن الله تعالى لا ينظر إلى صورهم ولا أموالهم ولكن ينظر إلى قلوبهم، ويغضون الطرف عما جاء في تتمة المعنى الوارد في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ). ذلك لأن الجوارح تصدق القلب أو تكذبه، فلا يمكن لقلب أن يكون سليما صحيحا إلا كانت الجوارح تصدق ذلك، ومن يدعي أن قلبه عامرٌ بمحبة الله والإيمان به وهو مُصرّ على معصيته بعيد عن طاعته، فليعلم أنه مغرور قد غرّه بالله الغرور، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
999
| 20 سبتمبر 2024
يعد الفوز العريض الذي حققه حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن خلال الانتخابات البرلمانية قبل أيام، صدمة كبيرة للكيان الإسرائيلي الذي لم يكد يفيق من أصداء عملية معبر الكرامة الاستشهادية التي نفذها الأردني ماهر الجازي وأدت إلى مقتل ثلاثة إسرائيليين، حتى تلقى نبأ فوز الإسلاميين بـ 32 مقعدًا وهو ما يزيد عن ضعف التوقعات التي سبقت الانتخابات. يأتي فوز الإسلاميين في الأردن بأكبر كتلة نيابية في تاريخ مشاركتهم، بعد أن ساد ما يشبه اليقين في جميع الأوساط السياسية بأن الإسلام السياسي لن تقوم له قائمة، وأنه لن يقف مرة أخرى في صدارة المشاهد السياسية في أي من الدول العربية بعد إجهاض الربيع العربي. الحدث تفتق عنه الخوض في قضايا شتى، ما بين قائل بأن الأردن يواجه الضغط الصهيوني بورقة الإسلاميين، وقائل بأن الفوز دلالة على تغلغل التيار الإسلامي في المجتمع، وقائل بأن السبب هو بحث الشعب عن بديل لمواجهة أزماته الاقتصادية. وبصرف النظر عن كل ما سبق، يهمني في هذا المقام تسليط الضوء على علاقة فوز الإسلاميين في الأردن بعملية طوفان الأقصى والأحداث في غزة. المتابع للحالة الأردنية يرصد بوضوح أن حزب جبهة العمل الإسلامي وهو الذراع السياسية للإخوان المسلمين، منذ اندلاع معركة طوفان الأقصى وهو يقود الحراك في الشارع الأردني دعما لغزة والقضية الفلسطينية، وكان حراكه سببا من الأسباب الرئيسية في تغذية الوعي الجماهيري وإبقائه متّقدًا تجاه الأحداث في غزة. لذلك لا أبالغ إن قلت بأن طوفان الأقصى هو من رجّح كفة الإسلاميين في هذا الاستحقاق الانتخابي، فقد جاء هذا الفوز تعبيرًا عن مركزية القضية الفلسطينية لدى الجماهير الأردنية، والتي اندفعت لدعم أكثر القوى في الأردن دعمًا واهتمامًا بالقضية الفلسطينية. الذين ذهبوا للتصويت لصالح هذا التيار، معظمهم يرى في ذلك دعمًا لخيار المقاومة الفلسطينية، إذ يرى ذلك الارتباط بين الطرفين فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. وزاد من هذه الرغبة الشعبية في دعم التيار الإسلامي، أن الجماهير الأردنية تدرك بوضوح التهديدات الصهيونية التي تحيق بأمن الأردن في ظل تولي اليمين المتطرف قيادة الكيان الإسرائيلي، كالتصعيد الإسرائيلي في الضفة وما له من انعكاسات على الأمن الأردني والتغيير السكاني بتهجير الفلسطينيين، وذلك يعني في حس الناخبين أن الدفاع عن فلسطين من صميم الدفاع عن الأردن. كنت وما زلت على قناعة بأن معركة طوفان الأقصى هي تأريخ لحقبة جديدة، وأننا سوف نشهد العديد من التغيرات والتحولات الإقليمية والدولية، وشيئا فشيئا يرفع الطوفان الغطاء عن الصورة الحقيقية لما يحدث في منطقة الشرق الأوسط، ولا أرى سوى أن هذه المعركة وإن طالت هي البداية الحقيقية لتفكيك وزوال هذا الكيان الغاصب، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1968
| 13 سبتمبر 2024
تسارع إيقاع الحياة بشكل صاخب، وطغت المادية على البشر بشكل مخيف، وفي غمرة التعاطي مع هذا اللون القاسي من الحياة، ننشغل عن الحقيقة الكبرى التي أجمع عليها كل الأحياء، مهما اختلفت مللهم وتوجهاتهم، إنها حقيقة الموت التي لا مناص عن تذكّرها والتفكّر بها. اقتضت الحكمة الإلهية خفاء موعد الموت عن العباد، فلو أن الإنسان يعلم أجله لعاش مهمومًا ينتظر الموت، ولتعطلت الحياة ولم يقم الناس بمهمة الاستخلاف في الأرض وإعمار الكون بطاعة الله تعالى. ولو أن العبد يعلم تحديدًا وقت موته، لهون ذلك لديه أمر المخالفة والعصيان وشجعه على التفريط طيلة العمر، حتى إذا اقترب الأجل تاب وأصلح باعتبار أن الأعمال بالخواتيم، وقطعًا هذا منافٍ للغاية من الخلق {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}. ورغم أن الموت أقرب غائب يُنتظر، ورغم أن كل ما هو آت قريب، إلا أن هناك رسائل ربانية تأتي العبد وتنذره بدنو أجله، وتذكره باقتراب الموت لتنتشله من غفلته. فأول هذه الرسائل مداهمة الموت لمن حولنا، فكم من حبيب أو قريب أو جار أو صديق، كان يضحك معنا ملء فيه، يرسم في مخيلته معالم مستقبله ويبرم للغد موعدًا ولا يعلم أن أكفانه قد نسجت. وقد كان الصالحون من هذه الأمة يعتبرون بالجنازات، ويدركون أنها آجالٌ قد انقضت تذكِّر بآجال على الأثر، فكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا رأى جنازة قال: «امض ونحن على أثرك». ومرت بالحسن البصري رحمه الله جنازة فقال: «يا لها موعظة ما أبلغها وأسرع نسيانها، يا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة، ثم قال: يا غفلة شاملة للقوم كأنهم يرونها في النوم ميت غد يدفن ميت اليوم». وأخص من ذلك موت أهل الدار من الوالدين أو الإخوة أو الأبناء أو الزوج، فما من أهل بيت إلا وفجعوا في حبيبهم، وهي لعمر الله أبلغ رسالة وأبين إنذار. ومن هذه الرسائل المرض الذي يعتري الإنسان، فلو أن بناءً قديمًا تصدّعت جدرانه وتشققت حوائطه فيكون ذلك إيذانًا بسقوطه، ومن ثم يفطن أهل الدار لضرورة ترميمه وإصلاحه قبل أن يخر عليهم السقف من فوقهم. فهكذا المرض، ينذر الله به عباده ليستعدوا ويتوبوا قبل الممات، وها هو الحسن يقول: «من لم يمت فجأة مرض فجأة، فاتقوا الله واحذروا مفاجأة ربكم». ولما دخل الناس يعودون محمد بن واسع في مرض موته أسدى إليهم نصيحة مودع، فقال: « يا إخوتي يا إخوتاه هبوني وإياكم سألنا الله الرجعة فأعطاكموها ومنعنيها، فلا تخسروا أنفسكم». وهذا الزاحف الأبيض الذي يحتل شعر الإنسان ولحيته، لهو من أوضح تلك الرسائل، فالشيب يدل على كبر الإنسان وسرعة دنوه من أجله، فيذكر الإنسان بما استدبر، ويأخذ بتلابيب قلبه إلى ما يستقبل، فيحاسب نفسه على ما مضى، ويجدد العهد مع الله فيما هو آت. قال الله تعالى {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ}، وفي معنى النذير يقول ابن كثير: «روي عن ابن عباس، وعِكْرِمَة، وأبي جعفر الباقر، وقتادة، وسفيان بن عُيَيْنَة أنهم قالوا: يعني: الشيب». لما حضرت معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: أقعدوني. فأقعدوه فجعل يذكر الله تعالى ويسبحه ويقدسه ثم قال: الآن تذكر ربك يا معاوية بعد الانحطام والانهدام؟ ألا كان ذلك وغصن الشباب نضير ريان؟ وبكى حتى علا بكاؤه ثم قال: يا رب ارحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي، اللهم أقل العثرة، واغفر الزلة، وجد بحلمك على من لم يرج غيرك، ولا وثق بأحد سواك». يا خاضب الشيب بالحناء تستره...سل المليك له سترًا من النارِ لن يرحل الشيب عن دار ألمّ بها...حتى يرحل عنها صاحب الدارِ البدار البدار قبل الموت، والاستعداد ليوم الرحيل، فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل، وأوصي نفسي وإياكم بوصية النبي صلى الله عليه وسلم (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) رواه البخاري. نسأل الله تعالى أن يتوفنا على الإيمان، وأن يجعل الموت راحة لنا من كل شر، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1788
| 06 سبتمبر 2024
كلمة «رجل» قد انسابت في نهر تراثنا الإسلامي والعربي محملة بأسمى المعاني، ولم يذكرها القرآن الكريم إلا وهي متصلة بفضائل الأخلاق والأعمال. ذكرها القرآن في معرض الحديث عن الطهارة بكامل ما تعنيه الكلمة من طهارة الباطن والظاهر {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا}. وفي معرض الحديث عن التعلق ببيوت الله وأداء فرائضه وذكره وإيثار مرضاته {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ}. وفي معرض الحديث عن البذل والعمل للدين {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}. وفي معرض الحديث عن الحزم وشدة العزم {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ}. لكن الأمة قد ابتليت بشراذم ينتسبون إلى الرجولة زورًا، ليس لهم نصيب منها إلا ما استوطن في أفهامهم العقيمة، من الفحولة وطول الشوارب وخشونة الصوت وسلاطة اللسان ومد اليد بالأذى. بعض هؤلاء الأشباه، يبحثون عن مغامرات يثبتون فيها رجولتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، فيقذفون النساء بحروفهم من وراء حجاب، فما أيسر أن يضرب أحدهم مفاتيح لوحته ويقذف عرض امرأة، ويتهمها في أخلاقها ونزاهتها، لا لشيء إلا لأن كلماتها لم توافق هواه. عجز أن يكون له دور في الحياة العملية كالرجال، فلم يجد سوى العنتريات التي يطلقها في عالم الحروف، ويحصي جولاته التي ظن أنه ربحها في رشق النساء بقاذورات منطقه، فهو المفلس العاجز الذي لا يملك من أدوات الخصومة إلا النيل من أعراض النساء. إن للرجولة أصولًا وقواعد، ودلالات من المروءة والشهامة ونبل الأخلاق، لن يغني عنها شاربٌ ترعى عليه الصقور، أو صوت جهوري ترتعد له فرائص أنثاه المسكينة. على أشباه الرجال أن يبحروا في سير العظماء والنبلاء، حتى يتعلموا معاني الرجولة، ويدركوا كيف يتعامل الرجال مع النساء. قتلتني شهامة كليم الله موسى مع الفتاتين، أكرمهما القوي الأمين، وأبت نفسه الشريفة أن يحبسهما الضعف عن جلب الماء {فسقا لهما ثم تولى إلى الظل}. يعلم أن الرجل الحر ما كان له أن يخدش حياء امرأة ويطلق عينيه في تفاصيلها، لا كأشباه الرجال، الذين يعمد الواحد منهم إلى البحث والتنقيب، حتى إذا ما وجد شاردة من القول، أتى بها متهلل الأسارير، ثم يلوي عنق الكلمات، أو يبترها من سياقها، ويغرق في النزع، ويدق عليها الطبول، ويظن أنه قد ظفر بمن كتبتها. يقولون إن معاملة النساء فن، وأنا أقول إن معاملة النساء شهامة ومروءة ونبل أخلاق، فما كان بالرجل من يجرح امرأة، وما كان بالرجل من يطأ لها على جرح، وما أكرم النساء إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم. أرثي لحال أشباه الرجال، وأنا أصغي سمعي لنبرة عنترة في زمن الجاهلية: وأغضّ طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها تبا لمدنية رقدت في قعرها القيم، وضلت في أرضها الشهامة والمروءة، وشطنت عن موارد الأخلاق الزلال. أبكي على زمن كانت تزحف فيه الجموع من أجل قلب امرأة ألم به الحزن، نعم، ها هو الحاجب المنصور قد رجع إلى قرطبة بعد الغزو، ليوافق صلاة عيد الأضحى، والناس يهللون ويكبرون في مصلاهم، وقبل أن ينزل من على صهوة فرسه، اعترضته امرأة عجوز تقول بقلب قد أتى عليه الكمد: يا منصور كل الناس مسرور إلا أنا. قال المنصور: وما ذاك؟ قالت: ولدى أسير عند الصليبيين فى حصن رباح، فلم ينزل الرجل من على جواده، ونادى في جيشه ألا تلامس أقدامهم الغبراء حتى يطلقوا أسرى المسلمين. كل ذلك من أجل قلب امرأة، ألا بُعدًا للمتجردين من المروءة، الذين لا يحسنون سوى كسر قلوب النساء، ورحم الله الإمام الشافعي إذ قال: «والله لو كان الماء البارد ينقص من مروءتي لشربته حارًا». لكم يحزنني غفلة «فرس» لا تعلم أن صاحبها لا يملك أيا من ملامح الفروسية، وأن ذلك المختال فوق ظهرها ما هو إلا صفر في دفتر الرجال، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1764
| 30 أغسطس 2024
خمسة وخمسون عامًا مضت على جريمة حرق المسجد الأقصى، التي نفذها يهودي متطرف يوم 21 آب/أغسطس 1969م، فتضرر المسجد بشكل كبير، حيث أتت النار على واجهاته وسقفه وسجاده وأثاثه ومصاحفه، وامتدت إلى مسجد عمر، وطال الحريق ثلاثة أروقة من أصل سبعة، وسقط جزء من السقف، واحترقت 74 نافذة خشبية، وكذلك المنبر التاريخي الذي أحضره صلاح الدين من حلب بعد تحرير القدس من أيدي الصليبيين، والعديد من الأضرار الأخرى. حينها قطعت الحكومة الإسرائيلية المياه عن محيط المسجد وتلكأت في إرسال سيارات الإطفاء، في ظل استخدام أهل القدس الوسائل البدائية لإطفائه إلى أن جاءت سيارات الإطفاء من بيت لحم والخليل ومناطق من الضفة، ثم زعم الاحتلال أن الحريق ناتج عن تماس كهربائي، وبعد أن أثبت الفلسطينيون أنه بفعل فاعل وألقت الحكومة الإسرائيلية القبض على منفذها، ادعت بعدها أن الفاعل معتوه ثم أطلقت سراحه. كان الحادث جللًا، حتى أن رئيسة وزراء الاحتلال حينها غولدا مائير قالت: «عندما حُرق الأقصى لم أنم تلك الليلة، واعتقدت أن إسرائيل ستُسحق، لكن عندما حلَّ الصباح أدركت أن العرب في سبات عميق». كان الحادث حلقة من سلسلة الجرائم الصهيونية بحق الأقصى لطمس معالمه وهويته، والتوطئة للحلم الصهيوني المنشود وهو هدم الأقصى وبناء الهيكل المزعوم. وفي الوقت الراهن ازدادت محاولات تهويد الأقصى بشدة وتعالت المطالبات بهدمه وبناء الهيكل، بما يفرض علينا التساؤل: هل من الممكن بالفعل أن يتم هدم المسجد الأقصى؟ وهل هدمه ممتنع قدَرًا؟ كثير من الناس يتعامل مع هذه المسألة بشيء من الاطمئنان، باعتبار أن الأقصى أولى القبلتين ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، وخصته الشريعة مع المسجد الحرام ومسجد الرسول بمزيد فضل عن سائر المساجد على الأرض، فبالتالي سوف يحميه الله. هؤلاء يستحضرون دائما مقولة عبدالمطلب جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم «للبيت رب يحميه» والتي قالها أمام أبرهة الذي غزا مكة لهدم كعبتها، فحدثت المعجزة التي تضمنت هلاك هذا الجيش بحجارة السجيل التي ألقتها الطير الأبابيل كما جاء في القصة التي أوردها القرآن الكريم. مقولة عبدالمطلب لم تكن وحيًا، ومعجزة حماية المسجد الحرام كانت لتمهيد بزوغ شمس الرسالة المحمدية، وليس فيها دلالة على أن هدم الكعبة ممتنع قدرًا، فليس هناك نص قرآني أو نبوي ينفي احتمالية هدم الكعبة في وقت من الأوقات، فالله تعالى لم يتعهد بحفظها كما تعهد بحفظ القرآن الكريم من التحريف. بل قد هدمت الكعبة مرتين بعد الإسلام، مرة عندما هدمها عبدالله بن الزبير بعدما احترقت في عهد يزيد، ثم أعاد ابن الزبير بناءها، والمرة الثانية عندما دخل الحجاج مكة فهدمها وأعاد بناءها على النحو الذي كان قبل بناء عبدالله بن الزبير. كما جاءت الأحاديث النبوية الصحيحة بأن الكعبة سوف يتم تخريبها في آخر الزمان، فدل على أن هدم الكعبة غير ممتنع قدرًا في أي زمن من الأزمان حتى وإن أعيد بناؤها. الأمر نفسه يقال في الأقصى، ليس هناك من نص نبوي أو قرآني يخبرنا بامتناع هدمه أو تخريبه. وقد يعترض البعض على هذا بأن المسجد يتعلق بأحكام شرعية كاختصاصه مع الحرمين بشد الرحال وزيادة أجر الصلاة فيه عن غيره، فالجواب أن هدمه لا يبطل خصائصه، فالأرض التي عليها البناء مقدسة سواء كان البناء موجودا أو غير موجود، والله تعالى سماه مسجدا في سورة الإسراء على الرغم من أنه كان وقت الرحلة المباركة ساحة لم يكن بها البناء المعروف الذي نعرفه. كما أنه ظل في أيدي الصليبيين قرابة قرن من الزمان لا يرفع فيه أذان، وعلى الرغم من ذلك لم تنتف خصوصيته. أردت طرح هذه القضية حتى لا يركن البعض إلى فضائل الأقصى ومكانته الدينية اعتقادًا منهم بأنه معصوم من الهدم، وأنه بالضرورة سوف تحدث معجزة ربانية لحمايته على غرار الطير الأبابيل، وبناء على ذلك ينبغي رفع درجة الانتباه واليقظة تجاه المخططات الصهيونية لتهويد الأقصى وهدمه، وإذكاء الحمية لنصرته والدفاع عنه، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1542
| 23 أغسطس 2024
إن احترام روح الإنسان لهو من تعظيم خالقه سبحانه، وتعد تفاصيل الجنائز من غسل وتكفين ودفن تؤكد على هذا المعنى، ولذا قام النبي صلى الله عليه وسلم عند مرور جنازة لرجل يهودي، فلما سئل عن ذلك قال: (أليست نفسًا)؟ لكننا قد ابتُلينا ببعض المنتسبين إلى العلم، لا يقيمون للموت وزنًا ولا يراعون له حُرمة، وفجروا في خصومة الأموات كما فعلوا مع الأحياء. هؤلاء المنتسبون إلى العلم، صدعوا الرؤوس بشيطنة المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس، ورشقوها بالتهم جزافًا بغير علم ولا برهان، سوى أن الحركة تنتسب فكريا لجماعة الإخوان المسلمين. تفاقم الأمر لدى هذه الطائفة، وبلغ عداؤهم للمقاومة أن أصدروا فتاواهم بمنع الترحّم على الشهيد بإذن الله إسماعيل هنية والذي ارتقى على يد الصهاينة في طهران. شيخ من هذه الفئة يُخطّئ من يترحم على هنية علانية في المجالس، ويُوجب عليه أن يبين مساوئه وأخطاءه ويحذر الناس منه، لكن هذا الملقب بالشيخ، يجيز التقية التي يعيبونها على الإمامية، فيقول يجوز أن نترحم عليه إذا اقتضت المصلحة مثل امتصاص غضب الناس إذا لم نترحم عليه، ولكن يشترط أن يعيد الكرة ويبين فساده وأخطاءه، وعلل ذلك بقوله إن الترحم عليه يهون عند الناس أمر إفساده، وهكذا أصبح إسماعيل هنية لدى هؤلاء القوم لا يستحق أن نترحم عليه مثله مثل المشركين الذين قال فيهم الله تعالى {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}. هذه الفتاوى الصادمة من المنتسبين إلى العلم، جعلتني أتساءل في غضب: على أي الأدلة الشرعية استند هذا الشيخ في تقرير عدم جواز الترحم على إسماعيل هنية؟ فمن المعلوم أن النهي عن الاستغفار للمشركين، أما المؤمنون فهم كما يقول الإمام ابن القيم: «لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين». فسؤالي هنا للشيخ: هل تعتبر إسماعيل هنية من المؤمنين؟ أم من المشركين؟ أم أنك تتوقف في الحكم عليه؟ فإن حكمتَ له بالإيمان فمعنى هذا جواز الترحم عليه بالاتفاق، خلافا لما أفتيتَ به. وإن حكمت بكفره فقد أتيت ببهتان عظيم، وكفرت مسلما يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ولم ينكر معلوما من الدين بالضرورة، ولم يجحد أي ركن من أركان الإيمان، ومن ثم فقد اتبعتَ نهج الدواعش والتكفيريين. وإن توقفتَ في الحكم عليه، فقد أتيت ببدعة أخرى وشابهت جماعات التوقف والتبين في منهجها الضال، والذي لطالما حاربتموه وحذرتم الناس منه. فاختر لنفسك أيها الشيخ من هذه الثلاث. ودعونا نساير الشيخ في دعواه بأن إسماعيل هنية صاحب بدع ومساوئ، ونتساءل: هل منع الإسلام الترحّم على أهل البدعة؟ الجواب أنه يجوز الترحم على صاحب البدعة ما لم تكن بدعة مخرجة من الملة، وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: كل مسلم لم يُعلم أنه منافق جاز الاستغفار له والصلاة عليه، وإن كان فيه بدعة أو فسق». هذا من جهة الرد العلمي على ذلك المنتسب للعلم، وعلى صعيد الواقع، لنا أن نطلق حمم غضبنا في وجه هذا الرجل متسائلين: ماذا فعل إسماعيل هنية المناضل المجاهد رجل القرآن حتى تمنع الترحّم عليه؟ تمنع الترحم عليه لأنه يقاوم عدوا محتلا يعلم القاصي والداني أن مشروعه لا يقتصر على فلسطين وحدها وأن هدفه دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات؟ تمنع الترحم عليه لأنه يريد استرداد حق شعبه في أرضه ويطرد منها الصائل الجائر؟ تمنع الترحم عليه لأنه رفض الركوع لغير الله ولم يسر في ركب المطبعين بائعي القضية؟ هات لنا بينة وقرينة تدين الرجل، إن كنت بنيت فتواك على تلقيه الدعم من إيران فاسأل نفسك لم فعل؟ أليس بعد أن أغلقت في وجهه الأبواب العربية؟ وإن ادعيت أنه تسبب في قتل الأبرياء في غزة بمعركة طوفان الأقصى، فأنت مع الأسف تدين الضحية لا الجاني، ولا تعرف معنى الشرف والحرية، فالذي قتل الأبرياء هو الذي قتلهم منذ أن احتل أرضهم، وإلى الله المشتكى، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
3255
| 16 أغسطس 2024
يواجه الوجود الإسلامي في بلاد الغرب تحديات عدة، أبرزها الحفاظ على الهوية الدينية، ويعظم هذا التحدي في الأجيال اللاحقة التي تلي الجيل الأول من المهاجرين، فهذا الجيل الأول يحمل معه منظومات التصورات والقيم والأخلاقيات التي استقاها في مجتمعه الإسلامي ومن ثم لا تتأثر هويته بشكل كبير خاصة في نطاق العقائد والتصورات.لكن الخطر على الهوية يزداد ويتفاقم في نطاق الجيل الثاني وما يليه، وهو ما ينذر بالتأثير على أوضاع المسلمين مستقبلا، تتمثل هذه الإشكالية في فقدان هذه الأجيال الشعور بالانتماء للدين، ويصبح الدين بالنسبة لهم وصفًا لا منهجًا، فلا يكترث كثير من أبناء هذه الأجيال بالشعائر التعبدية، ويتضح ذلك في ترك الصلاة وترك ارتداء الحجاب، وإقامة علاقات بين الجنسين خارج إطار الزواج، وتناول المسكرات. ولئن كان ذلك لا يعني فقدانًا كاملًا للهوية الدينية، لكنه تعبير عن اتساع رقعة الانحراف الذي ينذر بتلاشي هذه الهوية على المدى البعيد. وأما عن أسباب ضعف الهوية الدينية لدى هذه الأجيال، فنستطيع إجمالها في ثلاثة أسباب، السبب الأول يرجع إلى الأسرة المهاجرة ذاتها، وهو استجابة الأسرة لإيقاع الحياة السريع الصاخب في الغرب والانشغال بسببه عن تربية الأبناء التربية الإسلامية الصحيحة التي تضمن الحفاظ على هويتهم، ويعظم هذا الخطر في حال زواج المهاجر من أجنبية تخالفه في العقيدة، ما يؤدي إلى تهميش الدين في حياة أبنائه منها. وأما السبب الثاني فإنه يعود إلى البيئة المحيطة التي تهيمن عليها العلمانية والتحرر بمفهومه الغربي الليبرالي، فلا شك أن هذه البيئة الضاغطة تترك أثرًا بالغًا على هذه الأجيال، خاصة في ظل غياب دور الأسرة عن التوجيه والإرشاد والمراقبة بفعل الانخراط في الواقع الصاخب كما أسلفنا. والسبب الثالث هو ظاهرة الإسلاموفوبيا وتنامي رفض المجتمعات الغربية للوجود الإسلامي، وهو ما يمثل ضغطًا نفسيًا وفكريًا وثقافيًا على تلك الأجيال، التي يتماهى بعض أبنائها مع الحياة الغربية فرارًا من هذه العزلة المضروبة عليهم من المجتمع العلماني. ومن أجل الحفاظ على الهوية الدينية لهذه الأجيال في الغرب، يستلزم أن تتضافر جهود عدة جهات، الجهة الأولى: هي الأسرة لا شك، فإن المسؤولية الكبرى في هذا الشأن تقع على عاتقها، إذ ينبغي أن توفر الأسرة بيئة داخلية تقدس القيم الدينية وتطبق تعاليم الدين لتغرس في الأبناء العقيدة والتصورات الصحيحة والمنظومة الأخلاقية التي ينبغي أن يكونوا عليها إضافة إلى الشعائر التعبدية والتمسك بها. والجهة الثانية المنوط بها العمل لتعزيز الهوية الدينية لدى هذه الأجيال هي المساجد والمراكز الإسلامية في دول الغرب، فهي توفر لهم بيئة خاصة مصغرة ومحضنا تربويا يزيل عنهم الشعور بوحشة الاغتراب، إذ يجد الأبناء في هذه المؤسسة أعوانًا على امتثال تعاليم الدين، إضافة إلى أنها تكون صمام أمان بكون هذه المحاضن ملاذًا للرد على كل الشبهات التي تدور في نفوس الناشئة أو تُنثر أمامهم في المجتمعات الغربية خاصة فيما يتعلق بالشبهات حول العقيدة. الجهة الثالثة التي يقع على كاهلها مسؤولية تعزيز الهوية الدينية لدى هذه الأجيال، هي المؤسسات التعليمية الخاصة التي يمكن أن يلتحق بها الأبناء، من خلال مناهجها التي تنسجم مع التعاليم الدينية وتعززها ولا تخرج عن أطرها، وتغرس الأخلاق والقيم الدينية في نفوس الطلاب المسلمين، يستطيعون أن يواجهوا بها الأخطار التي تتهدد هويتهم. وأما الجهة الرابعة فهي المجموعات والرابطات والجروبات على مواقع التواصل الاجتماعي التي يمكن أن يرتبط بها الشباب في الغرب، وتمثل منابر توجيه لهذه الأجيال، وتقدم إجابات حضارية واعية عن أسئلتهم في البيئة الغربية التي لديها حساسية من الوجود الإسلامي، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1392
| 09 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...
1725
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري...
1437
| 16 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...
840
| 13 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...
723
| 15 يناير 2026
في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...
684
| 14 يناير 2026
لا تأتي القناعات الكبرى دائماً من التقارير الرسمية...
678
| 16 يناير 2026
ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس...
645
| 15 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...
630
| 12 يناير 2026
في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...
576
| 15 يناير 2026
تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...
576
| 12 يناير 2026
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...
561
| 14 يناير 2026
احتفل مركز قطر للمال بمرور عشرين عاماً على...
540
| 18 يناير 2026
مساحة إعلانية