رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خمسة وخمسون عامًا مضت على جريمة حرق المسجد الأقصى، التي نفذها يهودي متطرف يوم 21 آب/أغسطس 1969م، فتضرر المسجد بشكل كبير، حيث أتت النار على واجهاته وسقفه وسجاده وأثاثه ومصاحفه، وامتدت إلى مسجد عمر، وطال الحريق ثلاثة أروقة من أصل سبعة، وسقط جزء من السقف، واحترقت 74 نافذة خشبية، وكذلك المنبر التاريخي الذي أحضره صلاح الدين من حلب بعد تحرير القدس من أيدي الصليبيين، والعديد من الأضرار الأخرى. حينها قطعت الحكومة الإسرائيلية المياه عن محيط المسجد وتلكأت في إرسال سيارات الإطفاء، في ظل استخدام أهل القدس الوسائل البدائية لإطفائه إلى أن جاءت سيارات الإطفاء من بيت لحم والخليل ومناطق من الضفة، ثم زعم الاحتلال أن الحريق ناتج عن تماس كهربائي، وبعد أن أثبت الفلسطينيون أنه بفعل فاعل وألقت الحكومة الإسرائيلية القبض على منفذها، ادعت بعدها أن الفاعل معتوه ثم أطلقت سراحه. كان الحادث جللًا، حتى أن رئيسة وزراء الاحتلال حينها غولدا مائير قالت: «عندما حُرق الأقصى لم أنم تلك الليلة، واعتقدت أن إسرائيل ستُسحق، لكن عندما حلَّ الصباح أدركت أن العرب في سبات عميق». كان الحادث حلقة من سلسلة الجرائم الصهيونية بحق الأقصى لطمس معالمه وهويته، والتوطئة للحلم الصهيوني المنشود وهو هدم الأقصى وبناء الهيكل المزعوم. وفي الوقت الراهن ازدادت محاولات تهويد الأقصى بشدة وتعالت المطالبات بهدمه وبناء الهيكل، بما يفرض علينا التساؤل: هل من الممكن بالفعل أن يتم هدم المسجد الأقصى؟ وهل هدمه ممتنع قدَرًا؟ كثير من الناس يتعامل مع هذه المسألة بشيء من الاطمئنان، باعتبار أن الأقصى أولى القبلتين ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، وخصته الشريعة مع المسجد الحرام ومسجد الرسول بمزيد فضل عن سائر المساجد على الأرض، فبالتالي سوف يحميه الله. هؤلاء يستحضرون دائما مقولة عبدالمطلب جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم «للبيت رب يحميه» والتي قالها أمام أبرهة الذي غزا مكة لهدم كعبتها، فحدثت المعجزة التي تضمنت هلاك هذا الجيش بحجارة السجيل التي ألقتها الطير الأبابيل كما جاء في القصة التي أوردها القرآن الكريم. مقولة عبدالمطلب لم تكن وحيًا، ومعجزة حماية المسجد الحرام كانت لتمهيد بزوغ شمس الرسالة المحمدية، وليس فيها دلالة على أن هدم الكعبة ممتنع قدرًا، فليس هناك نص قرآني أو نبوي ينفي احتمالية هدم الكعبة في وقت من الأوقات، فالله تعالى لم يتعهد بحفظها كما تعهد بحفظ القرآن الكريم من التحريف. بل قد هدمت الكعبة مرتين بعد الإسلام، مرة عندما هدمها عبدالله بن الزبير بعدما احترقت في عهد يزيد، ثم أعاد ابن الزبير بناءها، والمرة الثانية عندما دخل الحجاج مكة فهدمها وأعاد بناءها على النحو الذي كان قبل بناء عبدالله بن الزبير. كما جاءت الأحاديث النبوية الصحيحة بأن الكعبة سوف يتم تخريبها في آخر الزمان، فدل على أن هدم الكعبة غير ممتنع قدرًا في أي زمن من الأزمان حتى وإن أعيد بناؤها. الأمر نفسه يقال في الأقصى، ليس هناك من نص نبوي أو قرآني يخبرنا بامتناع هدمه أو تخريبه. وقد يعترض البعض على هذا بأن المسجد يتعلق بأحكام شرعية كاختصاصه مع الحرمين بشد الرحال وزيادة أجر الصلاة فيه عن غيره، فالجواب أن هدمه لا يبطل خصائصه، فالأرض التي عليها البناء مقدسة سواء كان البناء موجودا أو غير موجود، والله تعالى سماه مسجدا في سورة الإسراء على الرغم من أنه كان وقت الرحلة المباركة ساحة لم يكن بها البناء المعروف الذي نعرفه. كما أنه ظل في أيدي الصليبيين قرابة قرن من الزمان لا يرفع فيه أذان، وعلى الرغم من ذلك لم تنتف خصوصيته. أردت طرح هذه القضية حتى لا يركن البعض إلى فضائل الأقصى ومكانته الدينية اعتقادًا منهم بأنه معصوم من الهدم، وأنه بالضرورة سوف تحدث معجزة ربانية لحمايته على غرار الطير الأبابيل، وبناء على ذلك ينبغي رفع درجة الانتباه واليقظة تجاه المخططات الصهيونية لتهويد الأقصى وهدمه، وإذكاء الحمية لنصرته والدفاع عنه، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1632
| 23 أغسطس 2024
إن احترام روح الإنسان لهو من تعظيم خالقه سبحانه، وتعد تفاصيل الجنائز من غسل وتكفين ودفن تؤكد على هذا المعنى، ولذا قام النبي صلى الله عليه وسلم عند مرور جنازة لرجل يهودي، فلما سئل عن ذلك قال: (أليست نفسًا)؟ لكننا قد ابتُلينا ببعض المنتسبين إلى العلم، لا يقيمون للموت وزنًا ولا يراعون له حُرمة، وفجروا في خصومة الأموات كما فعلوا مع الأحياء. هؤلاء المنتسبون إلى العلم، صدعوا الرؤوس بشيطنة المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس، ورشقوها بالتهم جزافًا بغير علم ولا برهان، سوى أن الحركة تنتسب فكريا لجماعة الإخوان المسلمين. تفاقم الأمر لدى هذه الطائفة، وبلغ عداؤهم للمقاومة أن أصدروا فتاواهم بمنع الترحّم على الشهيد بإذن الله إسماعيل هنية والذي ارتقى على يد الصهاينة في طهران. شيخ من هذه الفئة يُخطّئ من يترحم على هنية علانية في المجالس، ويُوجب عليه أن يبين مساوئه وأخطاءه ويحذر الناس منه، لكن هذا الملقب بالشيخ، يجيز التقية التي يعيبونها على الإمامية، فيقول يجوز أن نترحم عليه إذا اقتضت المصلحة مثل امتصاص غضب الناس إذا لم نترحم عليه، ولكن يشترط أن يعيد الكرة ويبين فساده وأخطاءه، وعلل ذلك بقوله إن الترحم عليه يهون عند الناس أمر إفساده، وهكذا أصبح إسماعيل هنية لدى هؤلاء القوم لا يستحق أن نترحم عليه مثله مثل المشركين الذين قال فيهم الله تعالى {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}. هذه الفتاوى الصادمة من المنتسبين إلى العلم، جعلتني أتساءل في غضب: على أي الأدلة الشرعية استند هذا الشيخ في تقرير عدم جواز الترحم على إسماعيل هنية؟ فمن المعلوم أن النهي عن الاستغفار للمشركين، أما المؤمنون فهم كما يقول الإمام ابن القيم: «لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين». فسؤالي هنا للشيخ: هل تعتبر إسماعيل هنية من المؤمنين؟ أم من المشركين؟ أم أنك تتوقف في الحكم عليه؟ فإن حكمتَ له بالإيمان فمعنى هذا جواز الترحم عليه بالاتفاق، خلافا لما أفتيتَ به. وإن حكمت بكفره فقد أتيت ببهتان عظيم، وكفرت مسلما يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ولم ينكر معلوما من الدين بالضرورة، ولم يجحد أي ركن من أركان الإيمان، ومن ثم فقد اتبعتَ نهج الدواعش والتكفيريين. وإن توقفتَ في الحكم عليه، فقد أتيت ببدعة أخرى وشابهت جماعات التوقف والتبين في منهجها الضال، والذي لطالما حاربتموه وحذرتم الناس منه. فاختر لنفسك أيها الشيخ من هذه الثلاث. ودعونا نساير الشيخ في دعواه بأن إسماعيل هنية صاحب بدع ومساوئ، ونتساءل: هل منع الإسلام الترحّم على أهل البدعة؟ الجواب أنه يجوز الترحم على صاحب البدعة ما لم تكن بدعة مخرجة من الملة، وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: كل مسلم لم يُعلم أنه منافق جاز الاستغفار له والصلاة عليه، وإن كان فيه بدعة أو فسق». هذا من جهة الرد العلمي على ذلك المنتسب للعلم، وعلى صعيد الواقع، لنا أن نطلق حمم غضبنا في وجه هذا الرجل متسائلين: ماذا فعل إسماعيل هنية المناضل المجاهد رجل القرآن حتى تمنع الترحّم عليه؟ تمنع الترحم عليه لأنه يقاوم عدوا محتلا يعلم القاصي والداني أن مشروعه لا يقتصر على فلسطين وحدها وأن هدفه دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات؟ تمنع الترحم عليه لأنه يريد استرداد حق شعبه في أرضه ويطرد منها الصائل الجائر؟ تمنع الترحم عليه لأنه رفض الركوع لغير الله ولم يسر في ركب المطبعين بائعي القضية؟ هات لنا بينة وقرينة تدين الرجل، إن كنت بنيت فتواك على تلقيه الدعم من إيران فاسأل نفسك لم فعل؟ أليس بعد أن أغلقت في وجهه الأبواب العربية؟ وإن ادعيت أنه تسبب في قتل الأبرياء في غزة بمعركة طوفان الأقصى، فأنت مع الأسف تدين الضحية لا الجاني، ولا تعرف معنى الشرف والحرية، فالذي قتل الأبرياء هو الذي قتلهم منذ أن احتل أرضهم، وإلى الله المشتكى، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
3378
| 16 أغسطس 2024
يواجه الوجود الإسلامي في بلاد الغرب تحديات عدة، أبرزها الحفاظ على الهوية الدينية، ويعظم هذا التحدي في الأجيال اللاحقة التي تلي الجيل الأول من المهاجرين، فهذا الجيل الأول يحمل معه منظومات التصورات والقيم والأخلاقيات التي استقاها في مجتمعه الإسلامي ومن ثم لا تتأثر هويته بشكل كبير خاصة في نطاق العقائد والتصورات.لكن الخطر على الهوية يزداد ويتفاقم في نطاق الجيل الثاني وما يليه، وهو ما ينذر بالتأثير على أوضاع المسلمين مستقبلا، تتمثل هذه الإشكالية في فقدان هذه الأجيال الشعور بالانتماء للدين، ويصبح الدين بالنسبة لهم وصفًا لا منهجًا، فلا يكترث كثير من أبناء هذه الأجيال بالشعائر التعبدية، ويتضح ذلك في ترك الصلاة وترك ارتداء الحجاب، وإقامة علاقات بين الجنسين خارج إطار الزواج، وتناول المسكرات. ولئن كان ذلك لا يعني فقدانًا كاملًا للهوية الدينية، لكنه تعبير عن اتساع رقعة الانحراف الذي ينذر بتلاشي هذه الهوية على المدى البعيد. وأما عن أسباب ضعف الهوية الدينية لدى هذه الأجيال، فنستطيع إجمالها في ثلاثة أسباب، السبب الأول يرجع إلى الأسرة المهاجرة ذاتها، وهو استجابة الأسرة لإيقاع الحياة السريع الصاخب في الغرب والانشغال بسببه عن تربية الأبناء التربية الإسلامية الصحيحة التي تضمن الحفاظ على هويتهم، ويعظم هذا الخطر في حال زواج المهاجر من أجنبية تخالفه في العقيدة، ما يؤدي إلى تهميش الدين في حياة أبنائه منها. وأما السبب الثاني فإنه يعود إلى البيئة المحيطة التي تهيمن عليها العلمانية والتحرر بمفهومه الغربي الليبرالي، فلا شك أن هذه البيئة الضاغطة تترك أثرًا بالغًا على هذه الأجيال، خاصة في ظل غياب دور الأسرة عن التوجيه والإرشاد والمراقبة بفعل الانخراط في الواقع الصاخب كما أسلفنا. والسبب الثالث هو ظاهرة الإسلاموفوبيا وتنامي رفض المجتمعات الغربية للوجود الإسلامي، وهو ما يمثل ضغطًا نفسيًا وفكريًا وثقافيًا على تلك الأجيال، التي يتماهى بعض أبنائها مع الحياة الغربية فرارًا من هذه العزلة المضروبة عليهم من المجتمع العلماني. ومن أجل الحفاظ على الهوية الدينية لهذه الأجيال في الغرب، يستلزم أن تتضافر جهود عدة جهات، الجهة الأولى: هي الأسرة لا شك، فإن المسؤولية الكبرى في هذا الشأن تقع على عاتقها، إذ ينبغي أن توفر الأسرة بيئة داخلية تقدس القيم الدينية وتطبق تعاليم الدين لتغرس في الأبناء العقيدة والتصورات الصحيحة والمنظومة الأخلاقية التي ينبغي أن يكونوا عليها إضافة إلى الشعائر التعبدية والتمسك بها. والجهة الثانية المنوط بها العمل لتعزيز الهوية الدينية لدى هذه الأجيال هي المساجد والمراكز الإسلامية في دول الغرب، فهي توفر لهم بيئة خاصة مصغرة ومحضنا تربويا يزيل عنهم الشعور بوحشة الاغتراب، إذ يجد الأبناء في هذه المؤسسة أعوانًا على امتثال تعاليم الدين، إضافة إلى أنها تكون صمام أمان بكون هذه المحاضن ملاذًا للرد على كل الشبهات التي تدور في نفوس الناشئة أو تُنثر أمامهم في المجتمعات الغربية خاصة فيما يتعلق بالشبهات حول العقيدة. الجهة الثالثة التي يقع على كاهلها مسؤولية تعزيز الهوية الدينية لدى هذه الأجيال، هي المؤسسات التعليمية الخاصة التي يمكن أن يلتحق بها الأبناء، من خلال مناهجها التي تنسجم مع التعاليم الدينية وتعززها ولا تخرج عن أطرها، وتغرس الأخلاق والقيم الدينية في نفوس الطلاب المسلمين، يستطيعون أن يواجهوا بها الأخطار التي تتهدد هويتهم. وأما الجهة الرابعة فهي المجموعات والرابطات والجروبات على مواقع التواصل الاجتماعي التي يمكن أن يرتبط بها الشباب في الغرب، وتمثل منابر توجيه لهذه الأجيال، وتقدم إجابات حضارية واعية عن أسئلتهم في البيئة الغربية التي لديها حساسية من الوجود الإسلامي، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1578
| 09 أغسطس 2024
كثيرًا ما كان يردد «نحن مشاريع شهادة»، عاش حياته مجاهدًا مناضلًا، تنبئك أحواله بأن هذا الرجل لم يكن سوى شهيد يمشي على الأرض. تبوأ عدة مناصب قيادية في حركة أقضت مضاجع الصهاينة وأعوانهم، لكنه مع ذلك كان ابن المخيم والحارة والشارع، يرتدي الدشداشة ويجلس بها أمام دار بيته، ويلعب الكرة مع الشباب، ويؤم المصلين فيبكي ويبكيهم، ويمشي في حاجة جيرانه ويتفقد أحوالهم. هنيئًا لأبي العبد إسماعيل هنية الشهادة، نحسبه قد نالها ولا نزكيه على الله، بعد عقود من البذل والعطاء، ولئن كان قد فارق الدنيا، فإنه قد فارق حياة النصَب والمعاناة والظلم إلى دار السلام بإذن الله تعالى، في الحياة الأبدية التي كان يتحدث عنها معلمه وقائده الشيخ أحمد ياسين رحمه الله: «هذه الدنيا فانية، نحن نريد الحياة الأبدية». سيظل أبو العبد حيًا بسيرته الطيبة، حيًا بأفعاله وأقواله من أجل نصرة الحق ونصرة القضية، ونحسبه قد أدى ما عليه ووفى. لطالما تعرض هنية للظلم والأقاويل الباطلة التي نالت منه، لكنه لم يكن يرد على خصومه بالكلمات الرنانة، بل كان واقعه وأحواله تنبئ عنه وتبرئ ساحته، وكم أطلقوا فيه الألسنة وادعوا أنه أخرج عائلته من غزة ويعيشون في فنادق الدوحة في الوقت الذي يموت الآلاف من شعب غزة، لكن أبى الله إلا أن يدحض افتراءاتهم بعد أن كانت تزف إليه أنباء استشهاد أبنائه وأحفاده وعائلته جملة وفرادى على مرأى ومسمع العالمين، حتى بلغ من فقدهم من عائلته ستين شهيدًا، وهو صابر محتسب، يردد: إن دماءهم ليست بأغلى من دماء غيرهم من الفلسطينيين. وها هو بموته على يد الصهاينة يرد على فئام من القوم زعموا أنه تاجر حروب يخدم العدو الصهيوني، فها هو العدو الصهيوني يغتاله، لتبطل ادعاءات المفترين الذين روجوا أن هذا المجاهد المناضل أداة صهيونية. لم يمت أبو العبد، إنما مات أولئك الذين فاقوا الصهاينة في الشماتة والاحتفاء بموته، وكأن الذي قتل لا يربطهم بهم دين ولا تربطهم به عروبة، فلا للدين امتثلوا ولا للعروبة صانوا ولا للإنسانية انتسبوا، فهؤلاء مآلهم إلى مزابل التاريخ عندما يجيء الحق ويزهق الباطل. مات أولئك الذين أظهروا في موت هنية مدى عدائهم للقضية الفلسطينية التي تكشف خيانتهم وتبعيتهم وهرولتهم خلف التطبيع، متجاهلين أن المقاومة الفلسطينية قد نابت عن الأمة في معركة مصيرية والتصدي لخطر جسيم يحيق بالأمة كلها لا فلسطين وحدها. هؤلاء الشامتون في موت هنية لن يفرحوا طويلًا، فالمقاومة ليست أشخاصًا، إنما هي فكرة، والأفكار لا تموت. عندما استشهد المؤسس الشيخ أحمد ياسين رحمه الله وفرح بذلك أصحاب الضمائر الميتة، لم تزدد المقاومة إلا بأسًا وشدة، وعلى الدرب ارتقى الكثيرون، كلما استشهد قائد برز عشرة، وبين استشهاد ياسين واستشهاد هنية عقدان من الزمن تطورت فيهما المقاومة تنظيمًا وتسليحًا وكفاءة بما أذهل العالم بأسره. وكما قال الإمام أحمد لخصومه «بيننا وبينكم الجنائز»، نأمل أن نعيش لكي نرى جنائز هؤلاء الشامتين وكيف تتعامل الأمة مع أحداث موتهم، أما هنية فقد تدفقت الجماهير في العديد من المدن العربية والإسلامية لأداء صلاة الغائب على فقيد الأمة، وقامت مظاهرات عدة تنديدًا باغتياله، وتهافت الناس على مواقع التواصل الاجتماعي لبث كلماته وخطبه وتصريحاته وتلاوته في الصلاة، كل هذا يحدث قبل أن يوضع جثمانه في قبره، فحتى وقت كتابة هذه السطور ينتظر أهل قطر الكرام وصول جثمانه للصلاة عليه في مسجد محمد بن عبد الوهاب بالدوحة، فهي الأرض التي استقبلته وأكرمته حيًا، ها هي تستقبله وتكرمه ميتًا. رحمك الله أبا العبد وتقبلك في الشهداء، وجعل موتك نورًا ونارًا، نورًا للمناضلين المخلصين، ونارا على الطغاة المجرمين، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
2607
| 02 أغسطس 2024
قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم عن اليهود {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } [آل عمران: 75]. لقد بلغ عظم شأن الأمانة أنها أنصفت اليهود على الرغم مما ارتكبوه بحق الأنبياء، وذلك حين شهد القرآن لبعضهم بأداء الأمانة رغم كفرهم وجحودهم، لذا كان الرموز وأهل الصدارة وأصحاب التaوجيه في المجتمع والذين يتخذهم الناس قدوات لهم، هم أولى الناس بالتخلّق بهذا الخُلق القويم، وأحوج الناس إلى التحلّي بالأمانة، لأنها ترفع صاحبها، وتمنحه المصداقية، وتؤلف قلب الجماهير تجاهه وتجاه فكرته. وإنك لترى في قصة موسى عليه السلام كيف رفعته الأمانة وأنصفته بعد فراره إلى مدين من بطش فرعون، وقرّبته من أهل الصلاح، ونال بها دعمهم وتأييدهم، وذلك حين سقى لفتاتين كان أبوهما شيخا كبيرا، ولا يسقيان حتى يصدر الرعاء، فعادت إليه إحداهما تُبلغه أن أباها يدعوه ليجزيه على صنيعه، فبعد أن تحدث إليه وقص عليه قصته {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، قال ابن عباس وغيره: «لَمَّا قَالَتْ: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ} قَالَ لَهَا أَبُوهَا: وَمَا عِلْمُكِ بِذَلِكَ؟ قَالَتْ: إِنَّهُ رَفَعَ الصَّخْرَةَ الَّتِي لَا يَطِيقُ حَمْلَهَا إِلَّا عَشَرَةُ رِجَالٍ، وَإِنَّهُ لَمَّا جِئْتُ مَعَهُ تقدمتُ أمامهُ، فَقَالَ لِي: كُونِي مِنْ وَرَائِي، فَإِذَا اجْتَنَبْتُ الطَّرِيقَ فَاحْذِفِي بِحَصَاةٍ أَعْلَمُ بِهَا كَيْفَ الطَّرِيقُ لِأَهتدى إِلَيْهِ». والنبي صلى الله عليه وسلم كانت الأمانة صفته ولقبه بين الناس حتى قبل البعثة، وقد جاء فيما رواه أحمد عن السائب بن عبد الله في قصة إعادة بناء الكعبة قبل البعثة: «فبنينا حتى بلغنا موضع الحجر ولا يرى الحجر أحد فإذا هو وسط أحجارنا مثل رأس الرجل يكاد يتراءى منه وجه الرجل. فقال بطن من قريش: نحن نضعه. وقال آخرون: نحن نضعه. فقالوا: اجعلوا بينكم حكما. فقالوا: أول رجل يطلع من الفج فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتاكم الأمين. فقالوا له فوضعه في ثوب ثم دعا بطونهم فرفعوا نواحيه [معه] فوضعه هو صلى الله عليه وسلم». لذلك وجد مشركو مكة صعوبة بالغة في تخوين النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبه، نظرا لأنه قد اشتهر بين الناس بالأمانة حتى مع خصومه، وقد ورد في أحداث الهجرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر عليا رضي الله عنه أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس. إن القلم ليجد نفسه مدفوعًا إلى طرق هذا الموضوع نظرًا لأن بعض المتصدرين للشأن العام ويوجهون الجماهير، قد نأوا بأنفسهم عن خُلق الأمانة، وأصبحوا مثالا سيئًا في القدوة. فالرمز الذي يستخدم مكانته في الصدارة لتحقيق منافع شخصية على حساب الآخرين ليس أمينًا. والرمز الذي يتهاون في الوفاء بوعوده ومواعيده مع الناس ليس أمينا. والرمز الذي يعيش بشخصيتين بين الناس ويخالف فعله قوله ليس أمينا. والرمز الذي يجعل من محاضراته ومؤلفاته بوقًا للأنظمة الجائرة والترويج لسياساتها الظالمة ليس أمينا. والرمز الذي يحث الناس على الصبر على الظلم الاجتماعي دون أن يشير إلى حقوق الناس ويطالب بها ليس أمينًا. والرمز الذي يفشي أسرار الناس التي اؤتمن عليها ويكشف عوراتهم ليس أمينًا. إنما الأمانة صفة الأنبياء وأصحاب الدعوات، ولذا قال هرقل ملك الروم في حواره مع أبي سفيان بن حرب قبل إسلامه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم: «سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَزَعَمْتَ: «أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاَةِ، وَالصِّدْقِ، وَالعَفَافِ، وَالوَفَاءِ بِالعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ»، قَالَ: وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ» رواه البخاري. فحري بكل من جعله الله في موقع الصدارة والقدوة أن يكون له قسط وافر من هذا الخُلق، ليكون زادا له في مسيرته بين الأنام ويوم يلقى ربه، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1158
| 26 يوليو 2024
لقد بات من المقطوع به أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يقطع الطريق على أية مفاوضات مع حركة حماس من شأنها الوقف النهائي لإطلاق النار. حماس أبدت مرونة في مقترحات الوسطاء، إلا أن نتنياهو يتمسك بموقفه الرافض لوقف القتال بشكل نهائي، فهو يريد إبرام صفقة تبادل الأسرى ووقفا مؤقتا للحرب، يضمن له استئناف القتال مرة أخرى ضد المقاومة، وكما هو واضح شرط تعجيزي. نتنياهو قد صرح بأنه سوف يستمر بالضغط العسكري على حماس، زاعمًا أنها مع استمرار الضغط أبدت مرونة وقدمت تنازلات، بما يعني أنه يطمع من خلال استمرار العمليات العسكرية أن ترضخ حماس لكامل شروطه. قطعًا الضغط الذي يعنيه نتنياهو ليس إلحاق الهزائم بالمقاومة، فجيشه يشكو علنًا عدم كفاية الدبابات والمعدات العسكرية للحرب بسبب تدمير نسبة كبيرة منها على يد المقاومة، كما أن العمليات الموثقة ضد القوات الإسرائيلية التي تنشرها حماس والفصائل المقاومة وتتابع سقوط الجنود الإسرائيليين ينفي كون نتنياهو يحقق انتصاراته التي يدعيها على حماس. أضف إلى ذلك أن استمرار المقاومة في عملها بنفس الكفاءة والكثافة في استخدام الأسلحة والقذائف واستمرارها في التصنيع المحلي، يجعل من العسير تصديق الرواية الإسرائيلية بإضعاف شبه كامل لقدرات وتسليح المقاومة. لكن الضغط الذي يعنيه نتنياهو هو استمرار قصف المدنيين ودك المنازل وحرق خيام النازحين بمن فيها ولو في المناطق الآمنة، هذا هو الضغط الذي يعنيه نتنياهو الفاشل، فهو يستمر في تدمير غزة ليضغط الداخل الفلسطيني والمحيط العربي على حماس بتحميلها المسؤولية عن الدمار الذي لحق بالقطاع. نتنياهو يدرك أن المقاومة قدمت الحد الأدنى مما يمكن القبول به إزاء مقترحات التفاوض، لرفع المعاناة الجسيمة على سكان القطاع، وأنها سوف تستمر في رفضها شروط نتنياهو المجحفة، التي بموجبها سوف يعاود القتال بعد هدنة مؤقتة يحرر فيها الأسرى الإسرائيليين. «بيبي» كما يطلقون على رئيس الوزراء في الداخل الإسرائيلي، يرغب في استمرار الحرب إلى أن تصير غزة لا تصلح للحياة مرة أخرى، وإلى أن تفنى المقاومة الفلسطينية عن بكرة أبيها، وذلك على الرغم من المعارضة الإسرائيلية والضغوط التي تمارسها الجماهير الإسرائيلية ضد الحكومة لقبول صفقة تبادل الأسرى. هذا السفاح لا يعبأ بالأسرى الذين قتل عدد كبير منهم أثناء عمليات القصف على القطاع، وأجزم أنه ودّ لو قتل كل الأسرى حتى يتخلص من ورقة الضغط هذه وإن أدى للاصطدام مع الجماهير الإسرائيلية الغاضبة. أكثر ما يعول عليه نتنياهو في المضي قدمًا في الحرب متجاوزًا مقترحات التفاوض، هو قوة اليمين المتطرف في حكومته الائتلافية، والذين يرفضون حل الدولتين رفضًا قطعيًا، ويرفضون وقف إطلاق النار حتى القضاء الكامل على المقاومة، لدرجة إطلاق التهديد بإسقاط نتنياهو حال استجابته للمفاوضات. وبعد أن لاح في الأفق اقتراب عودة ترامب إلى البيت الأبيض خاصة بعد ازدياد شعبيته عقب محاولة اغتياله، بدأ نتنياهو في إعادة تمتين العلاقات مع المرشح الجمهوري، والذي يؤيد استمرار الحرب الإسرائيلية على حماس، على الرغم من اعتزامه العمل على وقف الحرب في أوكرانيا إذ يرى أن روسيا لا تمثل تهديدا للولايات المتحدة الأمريكية. ويعول نتنياهو على الرجل الذي نقل في السابق سفارة بلاده إلى تل أبيب، والذي اتهم كذلك الرئيس الحالي بالضعف أمام حركة حماس، فيما يترجم أنه (أي ترامب) سوف يتخذ مواقف أكثر صرامة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لصالح الكيان المحتل. تأسيسا على ذلك، يمكن القول أنه لا يُتوقع نجاح المفاوضات ولا عقد صفقة لإطلاق النار، ليس هذا ضربًا من التشاؤم، لكنها الحقيقة التي تؤكد عليها مواقف الإرهابي الصهيوني الذي يقف في ظهره يمين متطرف يسعى لدولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
939
| 19 يوليو 2024
كمن انتقل بغتةً من صخب الحياة وإيقاعها المحموم إلى جزيرة نائية لا تسمع فيها سوى أنفاس السكون الساحرة، دُعيتُ إلى محاضرة في مجلس الدكتورة نورة آل حنزاب، فالتقيتُ هناك بقلبي الذي تشعب في أودية الحياة، وجدته في تلك الأجواء الإيمانية التي تكتنفها السكينة في عصر غلب عليه طغيان المادة والتنكر لمتطلبات الروح. في هذا المكان، سكبت تلك السيدة على الأرواح مما حباها الله عن حقوق الأُخوّة والحب في الله، ليدرك السامع كم هو عظيم هذا الدين الذي أولى تلك الروابط أهمية قصوى، تنعكس على لحمة المجتمع المسلم فيكون كما أراده الله: بنيان مرصوص. أكدت المحُاضِرة على انطلاق قضية الحب في الله والبغض في الله، من كوْن المسلم يحب ما يحبه الله ورسوله، ويبغض ما يبغضه الله ورسوله، وفي هذا استكمال للإيمان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. استشهدتْ على فضل الحب في الله والتآخي في الله بحشد من النصوص التي تأخذ بتلابيب المرء إلى الدار الآخرة، كحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، فذكر منهم: (رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه). عَرّجت د. نورة على أهم الصفات التي ينبغي تحريها فيمن يصاحب المرء، كالتقوى وحسن الخلق والعقل والتزام تعاليم الكتاب والسنة، وتلك هي الأخوة الخاصة، بينما تتضمن الأخوة العامة محبة جميع أهل الإيمان بشكل عام. أسهبت المحاضِرة في بيان حقوق الأخوة، في زمن ضاعت فيه الحقوق وفرقت بين الناس المطامع والاغترار بزخرف الحياة الدنيا، فمن ذلك أن يكون الأخ في عون أخيه وقضاء حاجاته، وألا يطلق فيه اللسان بغيبة أو بهتان، وأن يكتم أسراره ولا يتطلع للبحث عنها، ويتلطف في نصحه، ويدعوه بأحب الأسماء إليه، ويعفو عن زلاته، ويستر عيوبه، ويدعو له ولذريته، وغيرها من فضائل الأعمال التي تعمق أواصر الأخوة والمحبة.من المؤكد أن هذه السطور لن تستوعب التعليق على تلك المحاضرة الماتعة فاكتفيت بالإشارة إلى بعض ما جاء في سياقها. هذا الموضوع ليس غريبًا على الذاكرة، فكثيرا ما مرت عيناي على مضمونه خلال المطالعة، بيد أن الكلمات عندما تجري على لسان وهب جهده للحق والخير وخرجت من قلب ينبض بالحق والخير (نحسب صاحبته كذلك والله حسيبها ولا نزكيها على الله)، فهذا شأن آخر. هذا شأن الكلمة التي تحدث أحد الأدباء عن خلودها بثلاث عوامل: «اتصلت بالحق والخير، وكان لها من قوانين الله في خلقه سند، ومن إلهامه لعباده مدد». ومما جذب انتباهي وإعجابي، تلك المزاوجة التي رأيتها في إطار العمل النسوي في قطر، بين التطوير والتثقيف والسعي لامتلاك أدوات العصر، وبين الاهتمام بالبناء الروحي، من خلال صروح علمية وتعليمية ضخمة تقوم عليها وترعاها وتعمل تحت مظلتها نساء قطريات، يبذلن في رفعة بلادهن تحت ظلال مرجعيتهن الإسلامية الجامعة، فكأنها رسالة عملية للمفتونات ببريق الحضارة الغربية: التقدم والرقي والازدهار هو ثمرة للتمسك بتعاليم الدين الذي يحض ويأمر بالأخذ بأسباب القوة والحضارة، وأن التدين ليس مرادفًا للظلامية ولا التخلف ولا الرجعية. لا يفوتني في هذا المقام سوى بذل الشكر للدكتورة نورة، ليس فقط على محاضرتها الثرية، وإنما على جهودها المتدفقة لربط الأرض بالسماء، وتعضيد علاقة المجتمع القطري بمرجعيته الدينية، فهي أول قطرية تُنشئ مركزًا للعناية بالقرآن وعلومه وهو مركز آل حنزاب، ورسالته كما يعرف نفسه مؤسسة تعليمية تسعى إلى نهضة الأمة من خلال تقديم خدمات تعليم القرآن والثقافة الإسلامية ومهارات القرن الواحد والعشرين للأطفال والنساء على مستوى العالم، وريادة تتمثل في رأس مال فكري واع ومناهج عصرية ونظم متطورة. ويسعى المركز ضمن رؤيته لـ 2030 لتخريج مليون حافظة للقرآن الكريم. ولا عجب فالسيدة نورة أكاديمية وناشطة اجتماعية وصاحبة رؤية ورسالة قيمية وأخلاقية، وأسست كذلك أكاديمية نون، للعناية بالجيل الجديد وترسيخ الهوية الإسلامية، وهي ممثلة لبلدها في محافل دولية، ولها باع في نصرة القضية الفلسطينية. هذا الاحتكاك بقطاع العمل النسائي بقطر، جعلني أستبشر بأن المرأة القطرية على الطريق الصحيح، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1101
| 05 يوليو 2024
يقولون إن العمر مجرد رقم، لكنني أراها مقولة تُطَيبُ بها خواطر من تقدموا في العمر، ربما كان الصواب أن العمر محطات، ولكل محطة سمات وملامح ونقاط قوة ومواطن ضعف. صاحبي الذي تخطى الخمسين يمعن النظر كثيرًا في شيبته، وتؤرقه المقارنة بين حالته الصحية قديمًا وبين وقته الراهن، وتنتابه حسرة خفية ممزوجة بالسعادة حين يناديه الأحفاد: «جدّي، جدّو»، لقد كبر الرجل، ويرى أن ما يستقبله من عمرٍ لن يكون بقدر ما مضى، إذن فقد فات الأوان، فدع الدنيا للأجيال الشابة، وانزو أنت في بقعة سلام مع الحياة بعيدا عن معتركاتها، تنتظر حسن الختام. صاحبي الخمسيني أدار وجهه عن حقائق هامة تتعلق بمرحلته العمرية، فهو يغفل أو يتغافل عن نقطة تفوق لصالحه، وهي الخبرات المتراكمة التي تدحرجت ككرة الثلج عبر عقود، خبرات في الحياة يتطلع الصبيان والشباب إلى حيازة مثلها. صاحبي الخمسيني يغفل أو يتغافل عن حالة الثبات والرُّسُوّ الانفعالي التي يتمتع بها في هذه السن، والتي لا يستغني عنها وسطه المحيط، وتجعله يرى ما لا يراه الآخرون، ويحكم قبضته على زمام الحكمة. صاحبي الخمسيني يغفل أو يتغافل عن حقيقة أنه صار في نظرته إلى الحياة أكثر واقعية وموضوعية، وأبعد عن مرمى الهفوات والإغراق في الأحلام الوردية. والأهم من ذلك، أن صاحبي الخمسيني يدير وجهه عن حقيقة كوْن السن ليست حائلا بينه وبين الإنجاز والتعلم والتعليم والتأثير والغدو والرواح في مواجهة الحياة، فكثير من العظماء كان أعظم بذلهم بعدما تخطوا الخمسين من أعمارهم. النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الثالثة والخمسين هاجر إلى المدينة وقام بتأسيس أعظم وأرقى مجتمع عرفته البشرية. يوسف بن تاشفين أقوى حكام دولة المرابطين في المغرب الأقصى، قاد وهو التاسعة والسبعين معركة الزلاقة الفاصلة، التي غيرت تاريخ الأندلس، ومددت حكم المسلمين فيها أربعة قرون.أسد الصحراء عمر المختار، قاد كفاح الشعب الليبي ضد المحتل الإيطالي منذ كان في الثالثة والخمسين على مدى عشرين سنة. وعن الذين طلبوا العلم بعد الخمسين فحدث ولا حرج، فهذا الإمام الثقة صالح بن كيسان مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، طلب العلم وهو في السبعين وصار من العلماء البارزين. وزر بن حبيش الإمام القدوة مقرئ الكوفة مع السلمي، طلب العلم وهو في الستين من عمره. والإمام ابن الجوزي طلب علم القراءات وهو في التسعين من عمره. هؤلاء عاشوا على نهج: «من المحبرة إلى المقبرة». الإنجازات على مختلف نوعياتها لا ترتبط بعمر، ونستون تشرشل المصنف كأعظم الشخصيات البريطانية، قاد تحت شعار «لن نستسلم أبدًا» انتصار بلاده على جيوش هتلر بعدما تخطى الستين. كولونيل ساندرز صاحب سلسلة مطاعم كنتاكي الشهيرة، تقاعد من وظيفته بعد سن الستين، وأسس أول مطعم دجاج كنتاكي الذي تميز بالخلطة السرية وانتشرت سلسلة المطاعم في جميع أنحاء العالم. الأمريكية سيلفيا وينستوك، تخلت عن وظيفتها كمعلمة في رياض الأطفال بعدما بلغت الثانية والخمسين وانغمست في صناعة الكعك، وبرعت في ابتكار هيئات الكعك لدرجة أن الكعكة الواحدة ربما بلغ تحضيرها أسبوعا كاملا، وأصبح مشاهير العالم من عملائها منهم الرئيس الأمريكي السابق ترامب. العديد من الكتاب بدأوا الكتابة والتأليف بعدما تخطوا الخمسين، منهم ألكسندر ماكال أصدر كتابه الأول بعدما تجاوز الخمسين، وريتشارد آدامز الذي نشر روايته الأولى بعدما تجاوز الثالثة والخمسين. صديقي الخمسيني، انتبه، فطالما يدق قلبك وتتردد أنفاسك فأنت لها، العالم بين يديك، لا تستسلم لفكرة التقدم في العمر، استثمر كل دقيقة من عمرك لتحصل علمًا أو تبذله، أو تطور من قدراتك وتكتسب مهارات جديدة، أو تفتح لنفسك مسارًا جديدًا للبذل والعطاء. خض غمار الحياة بروح شاب لا تشيخ، ودونك حديث النبي صلى الله عليه وسلم «إن قامتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةً، فإن استطاعَ أن لا تقومَ حتى يغرِسَها فليغرِسْها»، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
4200
| 28 يونيو 2024
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا). تحذير شديدٌ أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم وصار دستورًا للأمة في الحكم على الناس وعلمًا على منهج أهل السنة، فهم يحتاطون في التكفير أشد ما يكون، فليس إيمان الناس وصفًا يلبسه البعض على البشر وينزعونه عنهم كلما أرادوا. ما من ملةٍ إلا وتجد فيها من يجري أحكام الكفر على الناس، حتى ترى مذاهبها وطوائفها يكفر بعضها بعضا، الإسلام كذلك يتناول دوائر الإيمان والكفر، وليس التكفير يسيء إلى المنهج في العموم، إنما التطرف في إطلاق أحكام الكفر والحيدة بها عما قررته الشريعة هو ما ينبغي إنكاره. نعترف كمسلمين أن هناك من أبناء الأمة وجماعاتها من زلت أقدامهم في هذا الباب، لكنه لا يُحكم على الإسلام من خلال مسلك أتباعه، لأن منهم المتمسك بدينه ومنهم المفرط، منهم العالم بتعاليم شريعته ومنهم الجاهل بها، فلا ينبغي محاسبة المنهج القويم بما يفعله أهله. أهل السنة يحتاطون في تكفير الشخص بعينه، ولا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بما يصدر عنهم من فعل الكفر أو قوله دون النظر إلى شروط التكفير وانتفاء موانعه، فهم يطلقون التكفير على العموم، كقولهم: من سب الدين فهو كافر، أو من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر، أو من أنكر معلومًا من الدين بالضرورة فهو كافر، وأما في الحكم على الشخص بعينه إن أتى بقول الكفر أو فعله فلا يُكفر حتى يتم التحقق من توافر شروط وانتفاء موانع، فلا يكون جاهلًا أو مكرهًا أو مُتأولا.. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «القول قد يكون كفراً، فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها». لقد التزم أهل السنة هذا المنهج في الحكم على الآخرين حتى وإن ناصبوهم العداء، وهو ما فعله الإمام أحمد مع من قال بقول المعتزلة بأن القرآن مخلوق وامتحنوا الناس عليه بسيف السلطان، ولاقى أحمد بسببهم الأذى أعوامًا، ومع ذلك لم يكفرهم الإمام لعلمه أنهم متأولون مخطئون. ذلكم هو منهج أهل السنة في الحكم على الناس، يحتاطون في تكفير المعين، فلا يكفرون ابتداءً بذنب ما لم يستحله فاعله، فإن أتى بفعل الكفر أو قوله لم يحكموا عليه بالكفر حتى تنتفي عوارض الأهلية، لأن التكفير عندهم ليس هدفًا ومطلبًا، ولا يفعلون إلا إذا أقيمت الحجة على أصحابها عملًا بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإذا عرف ذلك بطلت دعاوى المبطلين الذين يحاسبون الإسلام على من أساؤوا إليه بالتكفير بغير وجه حق، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1971
| 21 يونيو 2024
يقول العالم الموسوعي الراحل عبد الوهاب المسيري: «الصهيونية حركة قامت باقتلاع مئات الألوف من اليهود من أوطانهم، ونقلتهم إلى أرض معادية داخل مجتمعات تُكن لهم البغض. ولذا، لجأت الصهيونية للعقيدة اليهودية لتحل مشكلة المعنى للمادة البشرية المنقولة». فدولة الاحتلال قامت على الإحلال والتبديل والتهجير والاستيطان، عندما أدخلت الصهيونية على اليهودية فكرة جديدة على التاريخ اليهودي، وهي القومية اليهودية، وقامت باقتلاع اليهود من مجتمعاتهم التي نبتوا فيها بشكل طبيعي، إلى أرض لها سكانها وتاريخهم وثقافتهم، كما انتزعتهم من لغاتهم التي كانوا يعيشون بها إلى اللغة العبرية التي كانت قد اندثرت معالمها منذ القرن الأول الميلادي، إضافة إلى أن فكرة إقامة وطن قومي في فلسطين بالأساس تواجه معارضة من المتدينين، الذين يؤمنون بأن شتات اليهود إرادة إلهية لا يجوز مخالفتها، ومن ثم يرفضون أن يكون لليهود دولة تجمعهم. ومن أجل هذه العوامل الصعبة ارتدت الصهيونية عباءة اليهودية، وجمعت اليهود على الفكرة المركزية الدينية وهي أرض المعاد، وفكرة أخرى محفزة وهي أرض اللبن والعسل، أي خيرات فلسطين والمستقبل الواعد للمهاجرين اليهود في رغد العيش. الوجود الإسرائيلي في فلسطين مرتبط بالكثافة السكانية اليهودية لأن قوميتهم المزعومة بالأساس قومية بلا أرض، ومن ثم كان أشد ما يؤرق الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، هو خطر الهجرة العكسية، والتي تزداد خطورتها في الأجيال الحالية التي لم تشهد الكيان في طور التكوين، ولم تتشبع بالأفكار الصهيونية في مهدها، فهي أجيال كل ما يهمها رفاهية العيش والأمان والاستقرار، ولذلك يهرع المستوطنون إلى الهجرة مع نشوب الأزمات. وتعد المقاومة الفلسطينية أبرز أسباب هجرة الصهاينة من فلسطين إلى بلاد المنشأ في أوروبا وغيرها، وجاءت معركة طوفان الأقصى التي انطلقت منذ أكثر من ثمانية أشهر، لتعزز من مخاوف الاحتلال أمام هذا الخطر الوجودي الذي يتهدده، حيث زادت الهجرة العكسية بشكل حاد، بعد إخلاء المستوطنات حول غلاف غزة من المستوطنين، واستهداف صواريخ المقاومة المدن الإسرائيلية بما فيها تل أبيب. في نهاية العام قبل الماضي وصل عدد الإسرائيليين الذين غادروا فلسطين المحتلة إلى 900 ألف، وبعد طوفان الأقصى هاجر مئات الآلاف، ففي الساعات الأولى للمعركة هاجر 140 ألفا، ثم ارتفع العدد إلى حوالي ربع مليون مهاجر، وأخذ العدد في الزيادة، وذلك في مجتمع لا يتعدى سكانه اليهود سبعة ملايين بعد استثناء المواطنين العرب في مدن الاحتلال. يعقد الأمر لدى الاحتلال أن هناك مئات الآلاف من الشباب الذين كانوا قد غادروا خلال طوفان الأقصى، مطلوبون للتجنيد ويرفضون العودة، رغم الحاجة الماسة إليهم بسبب تصاعد أعداد قتلى ومصابي الجيش الإسرائيلي في الحرب على غزة. لم تؤثر معركة طوفان الأقصى على الكيان الإسرائيلي من جهة الهجرة العكسية فحسب، بل وقفت حجر عثرة أمام الدعايات الإسرائيلية التي ترغب اليهود بدول العالم للقدوم إلى دولة الاحتلال، وبذلك فقدت حكومة الاحتلال رافدًا مهمًا لتعويض الهجرة العكسية وتجنب الخطر الديمغرافي الناشئ بسبب تزايد مواليد الشعب الفلسطيني خلافًا للإسرائيليين. مع طول أمد المعركة، يتناقص عدد الإسرائيليين ما بين قتلى ومصابين في الحروب، ومغادرين بالهجرات العكسية، ويترتب عليه زيادة اعتماد الجيش الإسرائيلي على القوات الاحتياطية، ما يؤثر على الاقتصاد الإسرائيلي بشكل قوي. المعارك لا يألم لها أهل غزة فحسب، بل عدوها الإسرائيلي كذلك يألم، ومع استمرار الصمود من الشعب والمقاومة، تزداد مخاوف الاحتلال من هذا التهديد الوجودي، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
2154
| 14 يونيو 2024
حاولوا إقناعنا أن المرأة لن تثبت ذاتها إلا بتحدي الرجال في ملاعبهم، وأنَّ تَحفُّظها يحرمها إطلاق طاقتها في العطاء، ويمنعها المشاركة في البذل والبناء، وفي هذا الاتجاه سار قطار التغريب مُحمّلًا بتلك الفكرة كإحدى مُسَلَّمات العصر. لم يدر في خلدي في أيّامي الأولى في قطر، أنني سوف أعاين ما ينسف تلك الحتمية، وأرى بأمّ عيني وجودًا نسائيًا فاعلا تحرّر من كل هذه الأوهام، ووقف بثبات أمام ترهات الإلزام بما لا يلزم، نساءٌ دققنَ صدورهن: «ها نحن ذا» وأحدثن فرقا حقيقيا تفخر به امرأة تبحث عن أمثالهن وصُحبتهنّ في مضارب أهل الإسلام والعرب. دُعيتُ على قدرٍ إلى محاضرة نظمتها رابطة المرأة القطرية، وما بين دخولي وخروجي لم تكف نسائم البشريات، إذ كنت في مجتمع نسائي يجسد غاية لطالما استشرفتها ولطالما تراءت لي على جناح أمنياتي: أن أرى مجتمعًا نسائيًا محافظًا مُعتدّا بجذوره وأصول دينه وبعاداته وتقاليده وما كانت عليه الجدّات المتوجسات من رياح قد ترفع طرف الثوب الثقيل أو تحمل أصواتهُنّ المُهدّجة بالذكر وبالصلاة على النبي؛ إلى مجالس الرجال.. تجمّع نسائيّ يعمل كخلية نحل من أجل الإصلاح والنهوض، بعيدًا عن سطوة المد التغريبي وطوفان الأفكار الوافدة الدخيلة، ودون الحاجة للتمحور حول الذات الأنثوية واعتبار العلاقة مع الرجل علاقة تنافسية أو إقصائية على مبدأ إما نحن أو هم. إن سجلت في تلك السطور مشاهداتي عن سمت هؤلاء النسوة، فإن أول ما جذب انتباهي كونهن من المُتمكّنات ماديا وعلميا وفكريا ووظيفيا بل ومن بنات القبائل العريقة ومن اللاتي لم يُقعدهن ثراؤهن المعنوي والمادي عن السعي إلى معالي الأمور. يصفهن أصحاب النظرة الضيقة السطحية بأنهن «شنطة وماركة»، والوصف تجاوزهنّ أيضا وامتدّ ليشمل بنات وزوجات أهل السلطة والمال في دول الخليج عموما، نعم لديهن حقائب مرتفعة الأثمان ويرتدين الماركات الغالية وروائح بيوتهنّ تشرح الصدر، لكنها نصف الحقيقة، والنصف الآخر الذي تكتمل به الحقيقة، أن هؤلاء النسوة اللاتي يمثلن صفوة المجتمع ذوات همم عالية وطاقة حقيقية واضحة على البذل وفعل الخيرات بل وبعيدا عن التباهي والتفاخر وفلاشات الكاميرات، يغلب عليهن حب الدين والعبادة، والتفاعل مع قضايا الأمة عموما، رأيت نساء يجلسن بعد الصلاة للذكر والدعاء، رأيت الدموع تسيل على وجناتهن لموقف سمعنه عن بذل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أو لموقف مات فيه أحد الصالحين في سبيل كلمة حق. نعم إن كان ولا بُدّ، فهُنّ «شنطة وماركة» مُتنعمات يُحببن الحياة وما أُوتينَ من فضل الله، لكنهن أهل خير وبذل وعطاء بل وإيثار، فلا أراني أصفهن إلا بما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم: (نِعم المال الصالح للمرء الصالح). جذب انتباهي حماسهن وحرصهن على فتح مسارات موضوعية للعمل الإصلاحي والخيري والتوعوي، إضافة إلى التنوع ما بين مسارات تخدم المجتمع القطري بشكل خاص، وقضايا الأمة وجراحها وأزماتها بشكل عام وعلى رأسها القضية الفلسطينية. دفعني ذلك اللقاء للبحث والقراءة عن أنشطة الرابطة، فألفيتها أنموذجًا يُحتذى به في الأوساط النسائية، هي رابطة ثقافية اجتماعية أهلية غير حكومية تعتمد على الجهود الذاتية، فهي لا تكلف الدولة شيئًا، تهدف إلى التواصل مع الروابط العربية والأجنبية داخل قطر وتعريفها بالثقافة الإسلامية والعادات القطرية، وتعمل على تفعيل دور المرأة القطرية في مجتمعها وجعلها عنصرًا إيجابيا، وترصد السلبيات والأزمات المجتمعية لتسهم في علاجها. تعمل الرابطة من خلال لجان متعددة المهام، بصورة شمولية تتضمن التثقيف وتنمية المهارات والتوعية وغيرها، وعدم إهمال الجوانب الحياتية، وتعمل على استيعاب طاقات القطريات وتوظيفها في مسارات فاعلة تتناسب مع قدراتهن. من خلال هذه الرابطة، انطلقت حملة «أظهر احترامك»، بهدف دعوة المقيمين في قطر لاحترام تعاليم الدين الإسلامي والثقافة القطرية، والتوعوية بملابس الاحتشام، وكان لها إبان كأس العالم الذي أقيم في قطر 2022 أنشطة بارزة في التعريف بالتراث من خلال المؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا». وانطلاقا من اعتمادها مبدأ التلاقح الثقافي للتعريف بالتراث والقيم القطرية، تستضيف الرابطة عقيلات السفراء في قطر، وقد كان له أثر إيجابي كبير، حيث أسهم في تعريف الوافدات الأجنبيات بطبيعة المجتمع القطري وقيمه وكيفية التعامل مع أفراده وعاداتهم وتقاليدهم. ومن الأنشطة التي قامت بها الرابطة تجاه العدوان على غزة بعيدًا عن التنظير والشعارات التي لا تسمن من جوع، تنظيم مبادرة «شدوا بعضكم» مع نساء غزة المتواجدات في قطر والمُرافقات لبعض الجرحى من نساء وأطفال، وتعليمهن مهارات الحاسب الآلي والجرافيك والخياطة والعديد من المهارات التي تسهم في بنائهن مع توفير الأدوات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف. في النهاية أجدني لم أكتب شيئا بحق الرابطة لضيق المقام، لكن يسعني في ذلك مقامات أخرى، غير أنني أتوجه بالشكر للقائمين على الرابطة لهذه الدعوة الكريمة التي وُجّهت إلي، والتي خفّفت عني الكثير من توجّس البداية في بلد أحببته ودافعتُ عنه من قلبي قبل قرار الإقامة فيه بسنوات طويلة، لأدرك أن نساءنا المُتميزات -بفضل الله- لا زلن بخير، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1683
| 07 يونيو 2024
عام 2012 أدلى الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بتصريح حول الأزمة السورية قال فيه: «أوضحنا لنظام الأسد ولباقي اللاعبين على الأرض، أن الخط الأحمر بالنسبة لنا هو مشاهدتنا لنقل أو استخدام الأسلحة الكيميائية». بعد عام واحد من تلك اللهجة الحازمة، قامت قوات النظام السوري بشن الهجوم الكيميائي الأوسع في سوريا، عندما استخدمت غاز الأعصاب ضد الغوطة، وقتل أكثر من 1400 شخص معظمهم كانوا نائمين، ولم يتحرك الرئيس الأمريكي بما يمليه الخط الأحمر الذي قام بوضعه. وفي مارس الماضي أكد الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن، أن الاجتياح الإسرائيلي لرفح خط أحمر، إلا أن هذا الخط الأحمر قد تجاوزته قوات الاحتلال بتلك المجزرة البشعة في مخيمات النازحين في رفح الأحد الماضي، والتي راح ضحيتها العشرات وأصيب خلالها المئات، وشوهدت الجثث المحترقة وأجساد الأطفال بلا رؤوس. تساءل العالم: أين الخط الأحمر الذي وضعه بايدن؟ هنالك كانت الإجابة واضحة من قبل البيت الأبيض، أن إسرائيل لم تتجاوز الخطوط الحمراء، نعم هذا ما أكده منسق الاتصالات الاستراتيجية بمجلس الأمن القومي الأمريكي جون كيربي، والذي نفى أن الإسرائيليين تجاوزوا الخطوط الحمراء وبالتالي لا يستدعي ذلك تغيير سياسات واشنطن تجاه تل أبيب. حجته في هذا التبرير أن الحدث لم يصل بعد إلى مستوى عملية كبيرة، فلم يرهم يدخلون بوحدات كبيرة من القوات في أرتال وتشكيلات ضد أهداف متعددة على الأرض، ومصدر تأكيده هي الرواية الإسرائيلية، هكذا أبلغوه. وهكذا نجح الاحتلال في التعامل مع هذه الخطوط الحمراء بكل أريحية، كيف لا وأن بايدن عندما وضع الخطوط الحمراء وضع أيضًا الخطوط الخضراء للاحتلال عندما أكد أنه لن يتخلى عن إسرائيل. قد فهمنا إذن، أن الاحتلال عندما يدفع بالنازحين إلى مناطق أسماها بالآمنة، ثم يقوم بحرقهم أحياء في خيامهم التي لا تكفي لحمايتهم من الحر أو البرد، قد فهمنا أنه بذلك لم يتجاوز الخطوط الحمراء. فهمنا أن القصف الذي لا يتوقف عن تدمير المنازل التي تؤوي المدنيين وهدمها على رؤوس قاطنيها، لا يعد تجاوزا للخطوط الحمراء. هل ينتظر سادة البيت الأبيض أن يُقتل كل حي ويُنسف كل منزل وتُحرق كل خيمة في قطاع غزة وتُباد فيها كل معالم الحياة، ثم يقولون حينها أن الجيش الإسرائيلي تجاوز الخط الأحمر؟ لقد بات من الواضح أن الخطوط الحمراء التي تضعها أمريكا هي عملية استنساخية لقيمها المهترئة عن العدل والسلام والحرية والتعايش الإنساني إلى آخر القائمة من الشعارات الجوفاء. بات من الواضح أن الخطوط الحمراء لا وجود لها في الأصل، طالما أنها لا تمس مصالح الأمريكان، بل تضعها أحيانا ومعها طريقة الالتفاف عليها كما فعل الاحتلال، أو كما سُمح له. الخطوط الحمراء التي تضعها أمريكا، تعبر عن سياسة الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير التي ينتهجها البيت الأبيض. وفي القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ليس هناك على الحقيقة خطوط حمراء لدى الولايات المتحدة سوى ما يتعلق بأمن دولة الاحتلال ووجودها، هذا هو الخط الأحمر لا غير. لعلنا نفيق وندرك أن التعويل على التدخل الأمريكي لإنهاء العدوان على قطاع غزة، ضرب من الوهم، وانتظار لمرور الجمل في سَمِّ الخِياط، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
1323
| 31 مايو 2024
مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...
4512
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...
4044
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم...
2040
| 05 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...
894
| 11 مايو 2026
لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم،...
783
| 05 مايو 2026
تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...
774
| 07 مايو 2026
شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...
756
| 07 مايو 2026
منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...
723
| 08 مايو 2026
اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...
576
| 09 مايو 2026
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في...
567
| 07 مايو 2026
في عصر يتسم بالسيولة الرقمية والتسارع المذهل، وجد...
465
| 06 مايو 2026
زيارة سريعة لعدد من المرضى في أي مستشفى،...
444
| 07 مايو 2026
مساحة إعلانية