رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

في مجلس الخُزامى... وجدتُ قلبي إحسان الفقيه

كمن انتقل بغتةً من صخب الحياة وإيقاعها المحموم إلى جزيرة نائية لا تسمع فيها سوى أنفاس السكون الساحرة، دُعيتُ إلى محاضرة في مجلس الدكتورة نورة آل حنزاب، فالتقيتُ هناك بقلبي الذي تشعب في أودية الحياة، وجدته في تلك الأجواء الإيمانية التي تكتنفها السكينة في عصر غلب عليه طغيان المادة والتنكر لمتطلبات الروح. في هذا المكان، سكبت تلك السيدة على الأرواح مما حباها الله عن حقوق الأُخوّة والحب في الله، ليدرك السامع كم هو عظيم هذا الدين الذي أولى تلك الروابط أهمية قصوى، تنعكس على لحمة المجتمع المسلم فيكون كما أراده الله: بنيان مرصوص. أكدت المحُاضِرة على انطلاق قضية الحب في الله والبغض في الله، من كوْن المسلم يحب ما يحبه الله ورسوله، ويبغض ما يبغضه الله ورسوله، وفي هذا استكمال للإيمان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. استشهدتْ على فضل الحب في الله والتآخي في الله بحشد من النصوص التي تأخذ بتلابيب المرء إلى الدار الآخرة، كحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، فذكر منهم: (رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه). عَرّجت د. نورة على أهم الصفات التي ينبغي تحريها فيمن يصاحب المرء، كالتقوى وحسن الخلق والعقل والتزام تعاليم الكتاب والسنة، وتلك هي الأخوة الخاصة، بينما تتضمن الأخوة العامة محبة جميع أهل الإيمان بشكل عام. أسهبت المحاضِرة في بيان حقوق الأخوة، في زمن ضاعت فيه الحقوق وفرقت بين الناس المطامع والاغترار بزخرف الحياة الدنيا، فمن ذلك أن يكون الأخ في عون أخيه وقضاء حاجاته، وألا يطلق فيه اللسان بغيبة أو بهتان، وأن يكتم أسراره ولا يتطلع للبحث عنها، ويتلطف في نصحه، ويدعوه بأحب الأسماء إليه، ويعفو عن زلاته، ويستر عيوبه، ويدعو له ولذريته، وغيرها من فضائل الأعمال التي تعمق أواصر الأخوة والمحبة.من المؤكد أن هذه السطور لن تستوعب التعليق على تلك المحاضرة الماتعة فاكتفيت بالإشارة إلى بعض ما جاء في سياقها. هذا الموضوع ليس غريبًا على الذاكرة، فكثيرا ما مرت عيناي على مضمونه خلال المطالعة، بيد أن الكلمات عندما تجري على لسان وهب جهده للحق والخير وخرجت من قلب ينبض بالحق والخير (نحسب صاحبته كذلك والله حسيبها ولا نزكيها على الله)، فهذا شأن آخر. هذا شأن الكلمة التي تحدث أحد الأدباء عن خلودها بثلاث عوامل: «اتصلت بالحق والخير، وكان لها من قوانين الله في خلقه سند، ومن إلهامه لعباده مدد». ومما جذب انتباهي وإعجابي، تلك المزاوجة التي رأيتها في إطار العمل النسوي في قطر، بين التطوير والتثقيف والسعي لامتلاك أدوات العصر، وبين الاهتمام بالبناء الروحي، من خلال صروح علمية وتعليمية ضخمة تقوم عليها وترعاها وتعمل تحت مظلتها نساء قطريات، يبذلن في رفعة بلادهن تحت ظلال مرجعيتهن الإسلامية الجامعة، فكأنها رسالة عملية للمفتونات ببريق الحضارة الغربية: التقدم والرقي والازدهار هو ثمرة للتمسك بتعاليم الدين الذي يحض ويأمر بالأخذ بأسباب القوة والحضارة، وأن التدين ليس مرادفًا للظلامية ولا التخلف ولا الرجعية. لا يفوتني في هذا المقام سوى بذل الشكر للدكتورة نورة، ليس فقط على محاضرتها الثرية، وإنما على جهودها المتدفقة لربط الأرض بالسماء، وتعضيد علاقة المجتمع القطري بمرجعيته الدينية، فهي أول قطرية تُنشئ مركزًا للعناية بالقرآن وعلومه وهو مركز آل حنزاب، ورسالته كما يعرف نفسه مؤسسة تعليمية تسعى إلى نهضة الأمة من خلال تقديم خدمات تعليم القرآن والثقافة الإسلامية ومهارات القرن الواحد والعشرين للأطفال والنساء على مستوى العالم، وريادة تتمثل في رأس مال فكري واع ومناهج عصرية ونظم متطورة. ويسعى المركز ضمن رؤيته لـ 2030 لتخريج مليون حافظة للقرآن الكريم. ولا عجب فالسيدة نورة أكاديمية وناشطة اجتماعية وصاحبة رؤية ورسالة قيمية وأخلاقية، وأسست كذلك أكاديمية نون، للعناية بالجيل الجديد وترسيخ الهوية الإسلامية، وهي ممثلة لبلدها في محافل دولية، ولها باع في نصرة القضية الفلسطينية. هذا الاحتكاك بقطاع العمل النسائي بقطر، جعلني أستبشر بأن المرأة القطرية على الطريق الصحيح، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

954

| 05 يوليو 2024

إلى من تخطى الخمسين لا تقل فات الأوان

يقولون إن العمر مجرد رقم، لكنني أراها مقولة تُطَيبُ بها خواطر من تقدموا في العمر، ربما كان الصواب أن العمر محطات، ولكل محطة سمات وملامح ونقاط قوة ومواطن ضعف. صاحبي الذي تخطى الخمسين يمعن النظر كثيرًا في شيبته، وتؤرقه المقارنة بين حالته الصحية قديمًا وبين وقته الراهن، وتنتابه حسرة خفية ممزوجة بالسعادة حين يناديه الأحفاد: «جدّي، جدّو»، لقد كبر الرجل، ويرى أن ما يستقبله من عمرٍ لن يكون بقدر ما مضى، إذن فقد فات الأوان، فدع الدنيا للأجيال الشابة، وانزو أنت في بقعة سلام مع الحياة بعيدا عن معتركاتها، تنتظر حسن الختام. صاحبي الخمسيني أدار وجهه عن حقائق هامة تتعلق بمرحلته العمرية، فهو يغفل أو يتغافل عن نقطة تفوق لصالحه، وهي الخبرات المتراكمة التي تدحرجت ككرة الثلج عبر عقود، خبرات في الحياة يتطلع الصبيان والشباب إلى حيازة مثلها. صاحبي الخمسيني يغفل أو يتغافل عن حالة الثبات والرُّسُوّ الانفعالي التي يتمتع بها في هذه السن، والتي لا يستغني عنها وسطه المحيط، وتجعله يرى ما لا يراه الآخرون، ويحكم قبضته على زمام الحكمة. صاحبي الخمسيني يغفل أو يتغافل عن حقيقة أنه صار في نظرته إلى الحياة أكثر واقعية وموضوعية، وأبعد عن مرمى الهفوات والإغراق في الأحلام الوردية. والأهم من ذلك، أن صاحبي الخمسيني يدير وجهه عن حقيقة كوْن السن ليست حائلا بينه وبين الإنجاز والتعلم والتعليم والتأثير والغدو والرواح في مواجهة الحياة، فكثير من العظماء كان أعظم بذلهم بعدما تخطوا الخمسين من أعمارهم. النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الثالثة والخمسين هاجر إلى المدينة وقام بتأسيس أعظم وأرقى مجتمع عرفته البشرية. يوسف بن تاشفين أقوى حكام دولة المرابطين في المغرب الأقصى، قاد وهو التاسعة والسبعين معركة الزلاقة الفاصلة، التي غيرت تاريخ الأندلس، ومددت حكم المسلمين فيها أربعة قرون.أسد الصحراء عمر المختار، قاد كفاح الشعب الليبي ضد المحتل الإيطالي منذ كان في الثالثة والخمسين على مدى عشرين سنة. وعن الذين طلبوا العلم بعد الخمسين فحدث ولا حرج، فهذا الإمام الثقة صالح بن كيسان مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، طلب العلم وهو في السبعين وصار من العلماء البارزين. وزر بن حبيش الإمام القدوة مقرئ الكوفة مع السلمي، طلب العلم وهو في الستين من عمره. والإمام ابن الجوزي طلب علم القراءات وهو في التسعين من عمره. هؤلاء عاشوا على نهج: «من المحبرة إلى المقبرة». الإنجازات على مختلف نوعياتها لا ترتبط بعمر، ونستون تشرشل المصنف كأعظم الشخصيات البريطانية، قاد تحت شعار «لن نستسلم أبدًا» انتصار بلاده على جيوش هتلر بعدما تخطى الستين. كولونيل ساندرز صاحب سلسلة مطاعم كنتاكي الشهيرة، تقاعد من وظيفته بعد سن الستين، وأسس أول مطعم دجاج كنتاكي الذي تميز بالخلطة السرية وانتشرت سلسلة المطاعم في جميع أنحاء العالم. الأمريكية سيلفيا وينستوك، تخلت عن وظيفتها كمعلمة في رياض الأطفال بعدما بلغت الثانية والخمسين وانغمست في صناعة الكعك، وبرعت في ابتكار هيئات الكعك لدرجة أن الكعكة الواحدة ربما بلغ تحضيرها أسبوعا كاملا، وأصبح مشاهير العالم من عملائها منهم الرئيس الأمريكي السابق ترامب. العديد من الكتاب بدأوا الكتابة والتأليف بعدما تخطوا الخمسين، منهم ألكسندر ماكال أصدر كتابه الأول بعدما تجاوز الخمسين، وريتشارد آدامز الذي نشر روايته الأولى بعدما تجاوز الثالثة والخمسين. صديقي الخمسيني، انتبه، فطالما يدق قلبك وتتردد أنفاسك فأنت لها، العالم بين يديك، لا تستسلم لفكرة التقدم في العمر، استثمر كل دقيقة من عمرك لتحصل علمًا أو تبذله، أو تطور من قدراتك وتكتسب مهارات جديدة، أو تفتح لنفسك مسارًا جديدًا للبذل والعطاء. خض غمار الحياة بروح شاب لا تشيخ، ودونك حديث النبي صلى الله عليه وسلم «إن قامتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةً، فإن استطاعَ أن لا تقومَ حتى يغرِسَها فليغرِسْها»، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

3915

| 28 يونيو 2024

التساهل في التكفير ليس من منهج أهل السنة

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا). تحذير شديدٌ أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم وصار دستورًا للأمة في الحكم على الناس وعلمًا على منهج أهل السنة، فهم يحتاطون في التكفير أشد ما يكون، فليس إيمان الناس وصفًا يلبسه البعض على البشر وينزعونه عنهم كلما أرادوا. ما من ملةٍ إلا وتجد فيها من يجري أحكام الكفر على الناس، حتى ترى مذاهبها وطوائفها يكفر بعضها بعضا، الإسلام كذلك يتناول دوائر الإيمان والكفر، وليس التكفير يسيء إلى المنهج في العموم، إنما التطرف في إطلاق أحكام الكفر والحيدة بها عما قررته الشريعة هو ما ينبغي إنكاره. نعترف كمسلمين أن هناك من أبناء الأمة وجماعاتها من زلت أقدامهم في هذا الباب، لكنه لا يُحكم على الإسلام من خلال مسلك أتباعه، لأن منهم المتمسك بدينه ومنهم المفرط، منهم العالم بتعاليم شريعته ومنهم الجاهل بها، فلا ينبغي محاسبة المنهج القويم بما يفعله أهله. أهل السنة يحتاطون في تكفير الشخص بعينه، ولا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بما يصدر عنهم من فعل الكفر أو قوله دون النظر إلى شروط التكفير وانتفاء موانعه، فهم يطلقون التكفير على العموم، كقولهم: من سب الدين فهو كافر، أو من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر، أو من أنكر معلومًا من الدين بالضرورة فهو كافر، وأما في الحكم على الشخص بعينه إن أتى بقول الكفر أو فعله فلا يُكفر حتى يتم التحقق من توافر شروط وانتفاء موانع، فلا يكون جاهلًا أو مكرهًا أو مُتأولا.. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «القول قد يكون كفراً، فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها». لقد التزم أهل السنة هذا المنهج في الحكم على الآخرين حتى وإن ناصبوهم العداء، وهو ما فعله الإمام أحمد مع من قال بقول المعتزلة بأن القرآن مخلوق وامتحنوا الناس عليه بسيف السلطان، ولاقى أحمد بسببهم الأذى أعوامًا، ومع ذلك لم يكفرهم الإمام لعلمه أنهم متأولون مخطئون. ذلكم هو منهج أهل السنة في الحكم على الناس، يحتاطون في تكفير المعين، فلا يكفرون ابتداءً بذنب ما لم يستحله فاعله، فإن أتى بفعل الكفر أو قوله لم يحكموا عليه بالكفر حتى تنتفي عوارض الأهلية، لأن التكفير عندهم ليس هدفًا ومطلبًا، ولا يفعلون إلا إذا أقيمت الحجة على أصحابها عملًا بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإذا عرف ذلك بطلت دعاوى المبطلين الذين يحاسبون الإسلام على من أساؤوا إليه بالتكفير بغير وجه حق، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1806

| 21 يونيو 2024

طوفان الأقصى والتهديد الوجودي للاحتلال

يقول العالم الموسوعي الراحل عبد الوهاب المسيري: «الصهيونية حركة قامت باقتلاع مئات الألوف من اليهود من أوطانهم، ونقلتهم إلى أرض معادية داخل مجتمعات تُكن لهم البغض. ولذا، لجأت الصهيونية للعقيدة اليهودية لتحل مشكلة المعنى للمادة البشرية المنقولة». فدولة الاحتلال قامت على الإحلال والتبديل والتهجير والاستيطان، عندما أدخلت الصهيونية على اليهودية فكرة جديدة على التاريخ اليهودي، وهي القومية اليهودية، وقامت باقتلاع اليهود من مجتمعاتهم التي نبتوا فيها بشكل طبيعي، إلى أرض لها سكانها وتاريخهم وثقافتهم، كما انتزعتهم من لغاتهم التي كانوا يعيشون بها إلى اللغة العبرية التي كانت قد اندثرت معالمها منذ القرن الأول الميلادي، إضافة إلى أن فكرة إقامة وطن قومي في فلسطين بالأساس تواجه معارضة من المتدينين، الذين يؤمنون بأن شتات اليهود إرادة إلهية لا يجوز مخالفتها، ومن ثم يرفضون أن يكون لليهود دولة تجمعهم. ومن أجل هذه العوامل الصعبة ارتدت الصهيونية عباءة اليهودية، وجمعت اليهود على الفكرة المركزية الدينية وهي أرض المعاد، وفكرة أخرى محفزة وهي أرض اللبن والعسل، أي خيرات فلسطين والمستقبل الواعد للمهاجرين اليهود في رغد العيش. الوجود الإسرائيلي في فلسطين مرتبط بالكثافة السكانية اليهودية لأن قوميتهم المزعومة بالأساس قومية بلا أرض، ومن ثم كان أشد ما يؤرق الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، هو خطر الهجرة العكسية، والتي تزداد خطورتها في الأجيال الحالية التي لم تشهد الكيان في طور التكوين، ولم تتشبع بالأفكار الصهيونية في مهدها، فهي أجيال كل ما يهمها رفاهية العيش والأمان والاستقرار، ولذلك يهرع المستوطنون إلى الهجرة مع نشوب الأزمات. وتعد المقاومة الفلسطينية أبرز أسباب هجرة الصهاينة من فلسطين إلى بلاد المنشأ في أوروبا وغيرها، وجاءت معركة طوفان الأقصى التي انطلقت منذ أكثر من ثمانية أشهر، لتعزز من مخاوف الاحتلال أمام هذا الخطر الوجودي الذي يتهدده، حيث زادت الهجرة العكسية بشكل حاد، بعد إخلاء المستوطنات حول غلاف غزة من المستوطنين، واستهداف صواريخ المقاومة المدن الإسرائيلية بما فيها تل أبيب. في نهاية العام قبل الماضي وصل عدد الإسرائيليين الذين غادروا فلسطين المحتلة إلى 900 ألف، وبعد طوفان الأقصى هاجر مئات الآلاف، ففي الساعات الأولى للمعركة هاجر 140 ألفا، ثم ارتفع العدد إلى حوالي ربع مليون مهاجر، وأخذ العدد في الزيادة، وذلك في مجتمع لا يتعدى سكانه اليهود سبعة ملايين بعد استثناء المواطنين العرب في مدن الاحتلال. يعقد الأمر لدى الاحتلال أن هناك مئات الآلاف من الشباب الذين كانوا قد غادروا خلال طوفان الأقصى، مطلوبون للتجنيد ويرفضون العودة، رغم الحاجة الماسة إليهم بسبب تصاعد أعداد قتلى ومصابي الجيش الإسرائيلي في الحرب على غزة. لم تؤثر معركة طوفان الأقصى على الكيان الإسرائيلي من جهة الهجرة العكسية فحسب، بل وقفت حجر عثرة أمام الدعايات الإسرائيلية التي ترغب اليهود بدول العالم للقدوم إلى دولة الاحتلال، وبذلك فقدت حكومة الاحتلال رافدًا مهمًا لتعويض الهجرة العكسية وتجنب الخطر الديمغرافي الناشئ بسبب تزايد مواليد الشعب الفلسطيني خلافًا للإسرائيليين. مع طول أمد المعركة، يتناقص عدد الإسرائيليين ما بين قتلى ومصابين في الحروب، ومغادرين بالهجرات العكسية، ويترتب عليه زيادة اعتماد الجيش الإسرائيلي على القوات الاحتياطية، ما يؤثر على الاقتصاد الإسرائيلي بشكل قوي. المعارك لا يألم لها أهل غزة فحسب، بل عدوها الإسرائيلي كذلك يألم، ومع استمرار الصمود من الشعب والمقاومة، تزداد مخاوف الاحتلال من هذا التهديد الوجودي، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2028

| 14 يونيو 2024

رابطة المرأة القطرية..ليست «شنطة» ولا «ماركة»

حاولوا إقناعنا أن المرأة لن تثبت ذاتها إلا بتحدي الرجال في ملاعبهم، وأنَّ تَحفُّظها يحرمها إطلاق طاقتها في العطاء، ويمنعها المشاركة في البذل والبناء، وفي هذا الاتجاه سار قطار التغريب مُحمّلًا بتلك الفكرة كإحدى مُسَلَّمات العصر. لم يدر في خلدي في أيّامي الأولى في قطر، أنني سوف أعاين ما ينسف تلك الحتمية، وأرى بأمّ عيني وجودًا نسائيًا فاعلا تحرّر من كل هذه الأوهام، ووقف بثبات أمام ترهات الإلزام بما لا يلزم، نساءٌ دققنَ صدورهن: «ها نحن ذا» وأحدثن فرقا حقيقيا تفخر به امرأة تبحث عن أمثالهن وصُحبتهنّ في مضارب أهل الإسلام والعرب. دُعيتُ على قدرٍ إلى محاضرة نظمتها رابطة المرأة القطرية، وما بين دخولي وخروجي لم تكف نسائم البشريات، إذ كنت في مجتمع نسائي يجسد غاية لطالما استشرفتها ولطالما تراءت لي على جناح أمنياتي: أن أرى مجتمعًا نسائيًا محافظًا مُعتدّا بجذوره وأصول دينه وبعاداته وتقاليده وما كانت عليه الجدّات المتوجسات من رياح قد ترفع طرف الثوب الثقيل أو تحمل أصواتهُنّ المُهدّجة بالذكر وبالصلاة على النبي؛ إلى مجالس الرجال.. تجمّع نسائيّ يعمل كخلية نحل من أجل الإصلاح والنهوض، بعيدًا عن سطوة المد التغريبي وطوفان الأفكار الوافدة الدخيلة، ودون الحاجة للتمحور حول الذات الأنثوية واعتبار العلاقة مع الرجل علاقة تنافسية أو إقصائية على مبدأ إما نحن أو هم. إن سجلت في تلك السطور مشاهداتي عن سمت هؤلاء النسوة، فإن أول ما جذب انتباهي كونهن من المُتمكّنات ماديا وعلميا وفكريا ووظيفيا بل ومن بنات القبائل العريقة ومن اللاتي لم يُقعدهن ثراؤهن المعنوي والمادي عن السعي إلى معالي الأمور. يصفهن أصحاب النظرة الضيقة السطحية بأنهن «شنطة وماركة»، والوصف تجاوزهنّ أيضا وامتدّ ليشمل بنات وزوجات أهل السلطة والمال في دول الخليج عموما، نعم لديهن حقائب مرتفعة الأثمان ويرتدين الماركات الغالية وروائح بيوتهنّ تشرح الصدر، لكنها نصف الحقيقة، والنصف الآخر الذي تكتمل به الحقيقة، أن هؤلاء النسوة اللاتي يمثلن صفوة المجتمع ذوات همم عالية وطاقة حقيقية واضحة على البذل وفعل الخيرات بل وبعيدا عن التباهي والتفاخر وفلاشات الكاميرات، يغلب عليهن حب الدين والعبادة، والتفاعل مع قضايا الأمة عموما، رأيت نساء يجلسن بعد الصلاة للذكر والدعاء، رأيت الدموع تسيل على وجناتهن لموقف سمعنه عن بذل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أو لموقف مات فيه أحد الصالحين في سبيل كلمة حق. نعم إن كان ولا بُدّ، فهُنّ «شنطة وماركة» مُتنعمات يُحببن الحياة وما أُوتينَ من فضل الله، لكنهن أهل خير وبذل وعطاء بل وإيثار، فلا أراني أصفهن إلا بما وصف به النبي صلى الله عليه وسلم: (نِعم المال الصالح للمرء الصالح). جذب انتباهي حماسهن وحرصهن على فتح مسارات موضوعية للعمل الإصلاحي والخيري والتوعوي، إضافة إلى التنوع ما بين مسارات تخدم المجتمع القطري بشكل خاص، وقضايا الأمة وجراحها وأزماتها بشكل عام وعلى رأسها القضية الفلسطينية. دفعني ذلك اللقاء للبحث والقراءة عن أنشطة الرابطة، فألفيتها أنموذجًا يُحتذى به في الأوساط النسائية، هي رابطة ثقافية اجتماعية أهلية غير حكومية تعتمد على الجهود الذاتية، فهي لا تكلف الدولة شيئًا، تهدف إلى التواصل مع الروابط العربية والأجنبية داخل قطر وتعريفها بالثقافة الإسلامية والعادات القطرية، وتعمل على تفعيل دور المرأة القطرية في مجتمعها وجعلها عنصرًا إيجابيا، وترصد السلبيات والأزمات المجتمعية لتسهم في علاجها. تعمل الرابطة من خلال لجان متعددة المهام، بصورة شمولية تتضمن التثقيف وتنمية المهارات والتوعية وغيرها، وعدم إهمال الجوانب الحياتية، وتعمل على استيعاب طاقات القطريات وتوظيفها في مسارات فاعلة تتناسب مع قدراتهن. من خلال هذه الرابطة، انطلقت حملة «أظهر احترامك»، بهدف دعوة المقيمين في قطر لاحترام تعاليم الدين الإسلامي والثقافة القطرية، والتوعوية بملابس الاحتشام، وكان لها إبان كأس العالم الذي أقيم في قطر 2022 أنشطة بارزة في التعريف بالتراث من خلال المؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا». وانطلاقا من اعتمادها مبدأ التلاقح الثقافي للتعريف بالتراث والقيم القطرية، تستضيف الرابطة عقيلات السفراء في قطر، وقد كان له أثر إيجابي كبير، حيث أسهم في تعريف الوافدات الأجنبيات بطبيعة المجتمع القطري وقيمه وكيفية التعامل مع أفراده وعاداتهم وتقاليدهم. ومن الأنشطة التي قامت بها الرابطة تجاه العدوان على غزة بعيدًا عن التنظير والشعارات التي لا تسمن من جوع، تنظيم مبادرة «شدوا بعضكم» مع نساء غزة المتواجدات في قطر والمُرافقات لبعض الجرحى من نساء وأطفال، وتعليمهن مهارات الحاسب الآلي والجرافيك والخياطة والعديد من المهارات التي تسهم في بنائهن مع توفير الأدوات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف. في النهاية أجدني لم أكتب شيئا بحق الرابطة لضيق المقام، لكن يسعني في ذلك مقامات أخرى، غير أنني أتوجه بالشكر للقائمين على الرابطة لهذه الدعوة الكريمة التي وُجّهت إلي، والتي خفّفت عني الكثير من توجّس البداية في بلد أحببته ودافعتُ عنه من قلبي قبل قرار الإقامة فيه بسنوات طويلة، لأدرك أن نساءنا المُتميزات -بفضل الله- لا زلن بخير، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1533

| 07 يونيو 2024

البيت الأبيض وخطوطه الحمراء

عام 2012 أدلى الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بتصريح حول الأزمة السورية قال فيه: «أوضحنا لنظام الأسد ولباقي اللاعبين على الأرض، أن الخط الأحمر بالنسبة لنا هو مشاهدتنا لنقل أو استخدام الأسلحة الكيميائية». بعد عام واحد من تلك اللهجة الحازمة، قامت قوات النظام السوري بشن الهجوم الكيميائي الأوسع في سوريا، عندما استخدمت غاز الأعصاب ضد الغوطة، وقتل أكثر من 1400 شخص معظمهم كانوا نائمين، ولم يتحرك الرئيس الأمريكي بما يمليه الخط الأحمر الذي قام بوضعه. وفي مارس الماضي أكد الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن، أن الاجتياح الإسرائيلي لرفح خط أحمر، إلا أن هذا الخط الأحمر قد تجاوزته قوات الاحتلال بتلك المجزرة البشعة في مخيمات النازحين في رفح الأحد الماضي، والتي راح ضحيتها العشرات وأصيب خلالها المئات، وشوهدت الجثث المحترقة وأجساد الأطفال بلا رؤوس. تساءل العالم: أين الخط الأحمر الذي وضعه بايدن؟ هنالك كانت الإجابة واضحة من قبل البيت الأبيض، أن إسرائيل لم تتجاوز الخطوط الحمراء، نعم هذا ما أكده منسق الاتصالات الاستراتيجية بمجلس الأمن القومي الأمريكي جون كيربي، والذي نفى أن الإسرائيليين تجاوزوا الخطوط الحمراء وبالتالي لا يستدعي ذلك تغيير سياسات واشنطن تجاه تل أبيب. حجته في هذا التبرير أن الحدث لم يصل بعد إلى مستوى عملية كبيرة، فلم يرهم يدخلون بوحدات كبيرة من القوات في أرتال وتشكيلات ضد أهداف متعددة على الأرض، ومصدر تأكيده هي الرواية الإسرائيلية، هكذا أبلغوه. وهكذا نجح الاحتلال في التعامل مع هذه الخطوط الحمراء بكل أريحية، كيف لا وأن بايدن عندما وضع الخطوط الحمراء وضع أيضًا الخطوط الخضراء للاحتلال عندما أكد أنه لن يتخلى عن إسرائيل. قد فهمنا إذن، أن الاحتلال عندما يدفع بالنازحين إلى مناطق أسماها بالآمنة، ثم يقوم بحرقهم أحياء في خيامهم التي لا تكفي لحمايتهم من الحر أو البرد، قد فهمنا أنه بذلك لم يتجاوز الخطوط الحمراء. فهمنا أن القصف الذي لا يتوقف عن تدمير المنازل التي تؤوي المدنيين وهدمها على رؤوس قاطنيها، لا يعد تجاوزا للخطوط الحمراء. هل ينتظر سادة البيت الأبيض أن يُقتل كل حي ويُنسف كل منزل وتُحرق كل خيمة في قطاع غزة وتُباد فيها كل معالم الحياة، ثم يقولون حينها أن الجيش الإسرائيلي تجاوز الخط الأحمر؟ لقد بات من الواضح أن الخطوط الحمراء التي تضعها أمريكا هي عملية استنساخية لقيمها المهترئة عن العدل والسلام والحرية والتعايش الإنساني إلى آخر القائمة من الشعارات الجوفاء. بات من الواضح أن الخطوط الحمراء لا وجود لها في الأصل، طالما أنها لا تمس مصالح الأمريكان، بل تضعها أحيانا ومعها طريقة الالتفاف عليها كما فعل الاحتلال، أو كما سُمح له. الخطوط الحمراء التي تضعها أمريكا، تعبر عن سياسة الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير التي ينتهجها البيت الأبيض. وفي القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ليس هناك على الحقيقة خطوط حمراء لدى الولايات المتحدة سوى ما يتعلق بأمن دولة الاحتلال ووجودها، هذا هو الخط الأحمر لا غير. لعلنا نفيق وندرك أن التعويل على التدخل الأمريكي لإنهاء العدوان على قطاع غزة، ضرب من الوهم، وانتظار لمرور الجمل في سَمِّ الخِياط، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1224

| 31 مايو 2024

ما عنيتُه بـ "صراع الجنرالات" في السودان

قبل أسبوعين نشرت هنا مقالًا بعنوان "لولوة الخاطر.. قطرية تكشف زيف شعارات الغرب حول حقوق المرأة"، من جملة ما تضمنه المقال كان جهود الوزيرة القطرية في العمل الإغاثي بالسودان، وقلت نصًا عن دولة السودان: "الغرب لا يراها على الخارطة، ولم يلق بالا للمرأة السودانية التي تُسلب شرفها ومالها وذويها، وتركها فريسة لصراع الجنرالات". على إثر ذلك، أرسل لي أحد الأشقاء السودانيين التابعين لجهات رسمية اعتراضًا على مصطلح "صراع الجنرالات"، بأنني قد جانبني الصواب في توصيف حالة الحرب، وأتبعوا هذا الاعتراض بتوصيفهم للحرب بأن طرفيها هما الدولة السودانية ومليشيات الدعم المتمردة. وأختصر الرد على الأشقاء من خلال تلك السطور: من المتعارف عليه أن توجهات الكاتب لا تؤخذ من سطر أو بعض سطر من كلامه، بل ينبغي تتبع كتاباته وضم بعضها إلى بعض لكي يتم معرفة توجهاته على بينة وبصيرة، فما من صاحب قلم لم يخنه لفظه، ولا يسلم كاتب من أن يُفهم كلامه على غير مراده. فاستخدامي عبارة "صراع الجنرالات" لا تحمل المعنى الذي فهمه بعض الأشقاء من كونه صراعًا شخصيًا بين رجلين عسكريين يسعى كل منهما لتحقيق أطماعه ونفوذه من خلال ذلك الصراع، ولم يتضمن مقالي ما يفيد بأنني أضع الجانبين على قدم المساواة. فكتاباتي حول الأزمة في السودان سواء في المواقع والصحف أو على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، تتضمن هجومًا لاذعًا على قوات الدعم السريع، التي تضم المرتزقة الأفارقة، وترتكب الجرائم البشعة بحق الشعب السوداني من قتل وتهجير واغتصاب للنساء ونهب للأموال وإشاعة الفوضى. لكنني عنيت بصراع الجنرالات، أنه صراع بين جهات عسكرية، بين البرهان الذي يقود الجيش السوداني، وبين حميدتي الذي هو شئنا أم أبينا رجل عسكري، فعلى الرغم من أنه بالأصل من خارج المؤسسة العسكرية، إلا أن مليشياته استعان بها البشير في دارفور وأضفى عليها الشرعية بتسميتها قوات الدعم السريع، وفق مرسوم رئاسي صدر في 2013م، ثم برز على المسرح السياسي، وتم تعيينه نائبا للبرهان في المجلس العسكري، ثم عضوًا في مجلس السيادة الانتقالي، فهل بعد ذلك أكون مخطئة في وصفه بأنه شخصية عسكرية؟! فهذا ما عنيته بصراع الجنرالات، أنه صراع بين قوتين عسكريتين، فلا أرى أنه تعبير يثير هذا القدر من الحساسية حول توصيف الصراع، خاصة وأنني - كما أسلفت- أهاجم مليشيات الدعم السريع التي تعيث في أرض السودان فسادًا، بينما لم أتعرض بسطر واحد للجيش السوداني، باستثناء انتقادي إياه في أمور أخرى، كضعف التسليح، وضعف الأداء الإعلامي والدبلوماسي الحكومي، مقابل التحركات السياسية والدبلوماسية التي يقوم بها حميدتي باتجاه الدول الإفريقية لدعم موقفه. وعند حديثي عن المقاومة الشعبية التي نشأت لحماية الشعب من بطش قوات الدعم، أكدت على ضرورة أن يستثمر الجيش السوداني هذا الحديث بالرعاية الكاملة للمقاومة والإشراف على تسليحها، بحيث تكون لديه قاعدة بيانات بالأسماء وقطع الأسلحة، وتوعية القبائل والأهالي بأنها حالة خاصة اضطرارية، وأن مصلحة الدولة تحتم تسليم السلاح بعد انتهاء الحرب وتوثيق هذا الاتفاق مع القبائل، منعًا للفوضى. وحتى أكون صادقة، أنا بالأساس ضد حكم العسكر في أي دولة، لكن في الحالة السودانية أنظر بشكل شخصي إلى الجيش السوداني على أنه يمثل الدولة حاليا ضد أخطار قوات الدعم الممولة خارجيًا، وأن هذه الحكومة هي التي يعول عليها في تحقيق طموحات الشعب في الانتقال إلى حكم مدني، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ehssanfakih@gmail.com

1215

| 24 مايو 2024

تكامل الأجيال لا صراع الأجيال

كم نحن مأزومون في تناول المصطلحات الجديدة، كثيرًا ما نتلقفها ونمررها دون إدراك لمغزاها، وبلا تحرير لمعناها، فتغدو كأنما هي مُسلَّمة أو شيء قطعي. من هذه المصطلحات المعاصرة التي راجت بيننا دون إدراك حتى لتأثيرها الاجتماعي، مصطلح «صراع الأجيال»، وهو مفهوم يعزز من فكرة أن لكل جيل سمات وخصائص تجعله في حال مفاصلة شعورية عن الجيل السابق عليه، فالأبناء يتهمون الآباء بأنهم أسارى الماضي ولم يتكيفوا مع التطورات الحادثة ومن ثم لا يفهمون الحياة، ويريدون أن يفرضوا رؤاهم وتصوراتهم على جيل أكثر انفتاحًا. بينما الآباء يتهمون الأبناء بأنهم مارقون عن الإطار القيمي السليم الذي نشأ الآباء عليه لا يحملون مقومات الصمود التي كانت لآبائهم، بعيدون عن الجدية متهورون متسرعون يهتمون بالشكليات لا المضامين. ولقد عززت الدراما العربية مع الأسف فكرة صراع الأجيال، ومن هذه الأعمال الذي تناولتها مسلسل عرض في منتصف التسعينيات بعنوان «لن أعيش في جلباب أبي»، وكما هو واضح من عنوانه، أنه يحمل فكرة متمردة من الجيل الحالي على السابق، وكثيرًا ما تطل هذه الأعمال بفكرة أن الآباء لا يفهمون أبناءهم حتى أصبح مبررًا للانحراف. أعترف بأن هذا الاختلاف موجود، لكنه تجاهل حقيقة أنها ليست قاعدة مطردة، ولا يعبر عن أوضاع عامة، فهناك كثير من الحالات يكون هناك تفاهم وتقدير لطبيعة الاختلاف، والنظر إليه على أنه سياق تكاملي، يستفيد الأبناء من خبرات الآباء، ويفسح الآباء للأبناء المجال لإكمال المسيرة لأنهم أكثر تفاعلا مع التطورات الحادثة في شتى المجالات. لكن الخلل قد وقع في جعل مدلول هذا المصطلح أمرًا حتمي الوجود، وهذا مكمن الخطر، إذ إن تعامل المجتمع معه على هذا النحو، يكرس للشقاق والصدام والعمى عن رؤية المشتركات بين الأجيال والأرضيات التي يمكن الالتقاء والبناء عليها، فمثلا وفقا لهذا المفهوم يترجم كل طرف سلوك الآخر المخالف على خلفية وجود صراع بشكل نمطي، أي أنه عرض لداء مستوطن، بدلًا من أن يتجه إلى تفسير هذا السلوك من خلال ما يكتنفه من عوامل آنية نفسية أو اجتماعية. لا شك أن هناك خلافا بين القديم والجديد، بين السابق واللاحق، بين الآباء والأبناء، لكن هذا شأن الحياة والأحياء في العموم، وقد تجد التوأمين قد ولدا في توقيت واحد وهيئة واحدة، وبينهما في اختلاف الشخصية كما اختلاف المشرقين. الواقع يشهد أن هناك دولًا وشركات وكيانات اقتصادية ضخمة، تكاملت فيها الأجيال، جيل يسلم جيلًا، يعطيه عصارة خبراته والأصول الثابتة للمجال، ثم يقول: انطلق، هذا أوانك، هذا عصرك، أنت رجل هذه المرحلة، أنت الأقدر على مواكبة التطورات، ولا شك أن هناك خلافًا في الرؤى بين تلك الأجيال، لكن الاختلاف شيء والصراع شيء آخر، الاختلاف يمكن تذويبه أو تلافيه أو الوصول إلى نقطة التقاء وحل وسط، أما الصراع فهو شيء آخر يعبر عن نظرة إقصائية وقناعة بأن الآخر لا يصلح، عليه أن يلتزم الصمت. يتعين علينا ألا نسلم لكل مصطلح وافد أو جديد دون أن نعين مدلولاته وحقيقته، فرب كلمة شائعة أو مثل سائر يستبطن معاني تمثل خطورة على سلامة المجتمع واستقراره ونحن لا ندري، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1581

| 17 مايو 2024

لولوة الخاطر.. قطرية تكشف زيف شعارات الغرب حول حقوق المرأة

«رمتْني بدائها وانسلّت»، مثل عربي سائر، يُشهَر في كل من يرمي الآخرين بعيبٍ هو فيه، وإنه في إطار الأفراد لأيسر حالًا، لكن الطامة الكبرى أن ترفع دول ومجتمعات وأممٌ شعاراتٍ جوفاء لا محل لها من الواقع، ثم تتعامل مع هذه الشعارات النظرية على أنها حقيقة لا ريب فيها، والأدهى أنها تفرض على الآخرين أن يقتنعوا بأنها تمثل ذروة القيم.ما أشبه غزة بسورة التوبة الفاضحة التي كشفت النفاق، فكذلك هذه الأرض ميزت لنا الصديق من العدو، والصادق من الكاذب. القنابل والصواريخ أُسقطت من طائرات الاحتلال على القطاع، وهناك في أرض رعاة الاحتلال أسقطت شعارات حقوق المرأة التي تترنم بها بلاد الحرية، فعن أي حقوق للمرأة يتحدثون، وهناك عشرة آلاف امرأة من غزة مسفوك دمها بهذا العدوان بخلاف آلاف من المفقودات؟! عشرة آلاف امرأة، كم منهن كانت أمًا تركت صغارها لنصيبهم من الكَبَدِ والخوف والمعاناة؟ كم منهن تركت أبوين كانت لهما متكأً وتجرعا بفقدها أبشع شعور يمكن أن يعتمل في صدر بشر، فليس هناك أثقل على المرء من نعش فلذة كبده. قُتلت الأم والابنة والزوجة والأخت تحت رعاية كاملة للغرب الذي يحاسبنا على ملفات حقوق المرأة، بل لنا أن نقول ماذا فعلت هذه الشعارات الغربية حول حقوق المرأة، بينما المرأة الفلسطينية لا تستطيع أن تنال حقها في الحياة من مأكل ومشرب ومسكن ومأمن، في ظل تدفق السلاح والدعم السياسي واللوجستي من أمريكا وحلفائها إلى الكيان الغاشم. إنها شعارات براقة حول حقوق المرأة، تهاوت في الجامعات الأمريكية، بمجرد أن خرجت المرأة الأمريكية تعبر عن رأيها وتندد بالدعم الأمريكي للصهاينة، مخالفة توجهات سادة الإمبريالية وحلفاء بني صهيون، فلا مانع حينها أن تعتقل الفتاة، أو تضرب بالهراوات، أو تطرح أرضًا، ولا عزاء لحقوق المرأة. هؤلاء أنفسهم، هم الذين ينددون بملف حقوق المرأة في قطر، ويحاولون الضغط على الدولة للتماهي في هذا الملف مع النظير الغربي الذي هو في الأصل مشوش وغائب الملامح في هذا المجال.لكنَّ هذا البلد الذي هاجموه بملف حقوق العاملين قبل المونديال الأخير لحرمانه من استضافة الحدث العالمي، جاء رده بشكل عملي، لم يقتصر فقط على إظهار نظافة اليد في ملف حقوق المرأة، بل نزع قناع حقوق المرأة الذي يرتديه الغرب، وكشف زيف شعاراته.امرأة قطرية واحدة، استطاعت أن تفعل، إنها لولوة الخاطر، وزيرة التعاون الدولي في الخارجية القطرية، وظيفتها وزير، بدرجة إنسان. كانت هناك في غزة حين غاب عنها أصحاب الشعارات، أول مسؤول رسمي على وجه هذه الأرض تطأ أقدامه القطاع في ذروة الحرب، لم تحمل معها المساعدات الإنسانية والمشاريع الإغاثية إلى الأشقاء فحسب، بل حملت الوجدان القطري معها، حملت المبادئ الحقيقية للإنسانية لا الشعارات البراقة التي تنطوي على فراغ وخواء. كانت هناك في غزة، تشد على يد الأرامل والثكالى، تشيد بالصمود، وتنقل للعالم صورة للمأساة غير المسبوقة، وتندد بازدواجية المعايير لدى المجتمع الدولي. ولم تكن غزة هي محطتها الوحيدة، فدولة السودان التي يبدو أن الغرب لا يراها على الخارطة، ولم يلق بالا للمرأة السودانية التي يُسلب شرفها ومالها وذووها، وتركها فريسة لصراع الجنرالات، كانت لولوة الخاطر هناك في السودان، تقود جسرًا جويًا إغاثيًا إلى البلد المنكوب الذي يعاني أهله الجوع والخوف ومتاعب النزوح. كانت هناك في السودان، غوثًا للأشقاء، ولتذكر العالم بالحال والمقال، بهذا البلد المنسي الذي تجاهله المترنمون بحقوق الإنسان. بل كانت حاضرة في أزمة المتضررين من الحرب الروسية الأوكرانية، تُربت على يد المرأة الأوكرانية، بعملية لم الشمل، التي جمعت عددا من الأطفال الأوكرانيين بأمهاتهم وعائلاتهم في أوكرانيا، وسهلت استضافة هؤلاء الأطفال وذويهم في مقر سفارة قطر في موسكو ثم نقلتهم إلى وجهتهم النهائية لضمان سلامتهم وراحتهم والتأكد من احتياجاتهم. لقد غدت تلك المرأة ذات الملامح الفياضة بالخير والسماحة، أيقونة في رعاية حقوق المرأة والإنسان بصفة عامة، وتحركت كأنها رد عملي على المزايدين على بلادها في ملف حقوق المرأة، ووضعت الشعارات الغربية الجوفاء حول هذه القضايا في مأزق، فلله درّها من امرأة فاقت الرجال وجعلت التأنيث لاسم الشمس مفخرةً، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1875

| 10 مايو 2024

تلك عاقبة الصمود

سأل أحدهُم الفارسَ العربي الشهير عنترة بن شداد عن سر شجاعته وقدرته على هزيمة الرجال، فقال عنترة للرجل: «ضع إصبعك في فمي، وخذ إصبعي في فمك، فعض كلٌّ منهما على إصبع صاحبه، فصاح الرجل من الألم، فترك عنترة إصبعه قائلا: «بهذا غلبت الأبطال» أي بالصبر والصمود والاحتمال. احتمال الضربات والصمود أمامها يوهن كيد العدو، وهذا ما حدث تمامًا في المعارك الدائرة بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي، معركة عض الأصابع، التي نجحت فيها المقاومة في الصمود إلى الآن رغم البون الشاسع بين القوتين من جهة العدد والعتاد لصالح الكيان الإسرائيلي. صمود المقاومة حتى الآن واستبسالها في شن حرب العصابات، أدى إلى طول أمد الحرب، والذي قاد بدوره إلى عدة نتائج على الأرض. أولاها: تفكك الداخل الإسرائيلي على صعيد مجلس الحرب وقادته، إذ إن الجيش الإسرائيلي حتى الآن لم يحقق نصرًا على الأرض يمكن أن يسمى نصرًا، فكل إنجازاته هي ضرب المدنيين وتدمير البيوت والبنى التحتية للقطاع، لذلك يتدافع الجنرالات الاتهامات بالوقوف خلف هذا الإخفاق، إلى درجة تقديم البعض الاستقالة من الجيش، إضافة إلى المعارضة التي تنتظر سقوط نتنياهو وتلعب على هذا الإخفاق. ثانيًا: الاحتجاجات التي لا تنقطع من قبل الجماهير، اعتراضا على أسلوب إدارة نتنياهو لملف قضية الأسرى الإسرائيليين في غزة، ويطالب الشارع الإسرائيلي الثائر بإقالة الحكومة التي لم يعد يثق بها، وينادي بعدم عرقلة اتفاقيات تبادل الأسرى مع المقاومة الفلسطينية. ثالثا: تدويل قضية فلسطين وجعلها همًا عالميًا، بعد أن ظهرت وحشية الاحتلال وبانت أكذوبة المحيط العربي المعادي لليهود، كما أدى إلى انتفاضة الجامعات الأمريكية تنديدا بالدعم الأمريكي للاحتلال، وتبعتها على إثر ذلك الجامعات الأوروبية، ما يدل على تهاوي الصهيونية ودخولها في عزلة دولية على مستوى الشعوب على الأقل. هذه النتائج لم نكن لنشهدها إلا في ظل صمود المقاومة وحاضنتها الشعبية، هذا الصمود الذي ينبني على قاعدة مهمة في الصراع مع أهل الشر، هي قوله تعالى {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104]. فعدوك يألم كما تألم، تلحق به الخسائر كما تلحق بك، لكن مع فارق جوهري، وهو البعد الإيماني وعدالة القضية، فأهل الحق يرتبطون بالجزاء الأخروي ويرجون مثوبة ربهم على ثباتهم وصمودهم من أجل نصرة الحق والدفاع عن المقدسات والأرض والأعراض. هذا ما انتهجته المقاومة في معركة عض الأصابع، تتحمل الألم حتى يصرخ عدوها، ويتجلى ذلك أكثر ما يتجلى في عبقرية التفاوض التي ظهرت بها حركة حماس، وصبرها على تحقيق شروطها، ما يعطي موقفها قوة، أدت إلى تنازل تدريجي جزئي من قبل الاحتلال، والذي يقع الآن في ورطة كبيرة، فهو يريد أن يحرز نصرًا عسكريًا يعيد له هيبته، لكن بأس المقاومة وحسن إدارتها لملف الأسرى يعرقلانه ويضعانه في مواجهة الشعب الإسرائيلي. تلك عاقبة الصمود، لابد وأن تعقبه مكاسب، فهكذا تورد الإبل، وهكذا تسترد الحقوق، لا عن طريق مفاوضات الخنوع وسلام الحملان، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2214

| 03 مايو 2024

الصهيونية العارية

تدثرت الحركة الصهيونية منذ نشأتها برداء اليهودية لدفع اليهود إلى الاستيطان في فلسطين تحت شعار أرض المعاد، على الرغم من أن أساطين الصهيونية كانوا علمانيين إلحاديين. وإلى اليوم لا يتخلى الكيان الصهيوني عن هذا الرداء، لأن التخلي عنه بمثابة تهديد وجودي لهذه الدولة اللقيطة، ولذا لم تنفك عرى ثنائية السياسة والدين داخل دولة الاحتلال. إضافة إلى ذلك، فإن الاحتلال الصهيوني يتخذ من الدين ورقة تهديد لكل من يتصدى لسياساته تحت مظلة معاداة السامية، وليس أدل على ذلك من خطاب نتنياهو العدائي للحراك الطلابي داخل الجامعات الأمريكية تنديدا بالمجازر التي يرتكبها الاحتلال بحق قطاع غزة، حيث استخدم هذه الورقة مجددا، واتهم الطلاب بمعاداة السامية. ولطالما جاهدت الأقلام لتعزيز فكرة الفصل بين الصهيونية واليهودية، لكن الضوضاء الصهيونية عالية قامت بالتشويش على هذه الفكرة، فمعركتنا كأمة عربية وإسلامية مع الكيان ليس باعتبار الديانة اليهودية، وإلا فهناك في معظم البلدان العربية أقليات يهودية تعيش في سلام مع بقية مكونات المجتمعات، ولم يحاسبها أحد بما يرتكبه الكيان الإسرائيلي من جرائم، إنما معركتنا مع هؤلاء المحتلين الذين اغتصبوا الأرض وقمعوا أهلها. لكن الحرب على غزة، قد كفت الجميع شأن البيان، وخلعت عن الصهيونية رداءها اليهودي على مرأى ومسمع من العالم أجمع. ظهر الحراك الجاد لشرائح اليهود المتدينين التي تندد بالجرائم الإسرائيلية وتتبرأ منها، فمن صميم معتقدات هذه الفئة أنه لا يجوز وفقا للشريعة اليهودية أن تقوم لليهود دولة تجمعهم، لأنهم قد كُتب عليها الشتات في الأرض، وأي محاولة لتجميعهم في دولة واحدة بالقوة إنما هو معارضة للإرادة الإلهية. ومن الجماعات التي تمثل هذه التوجه، حركة ناطوري كارتا، وهي حركة دينية يهودية مناهضة للصهيونية، نشأت في فلسطين المحتلة وعارضت قيام دولة صهيونية، ويقدر عدد عناصرها بعشرات الآلاف، أكثرهم يعيش في نيويورك. كذلك، الجرائم الإسرائيلية التي يشاهدها كل بيت في العالم، دحضت المظلوميات الإسرائيلية التي تروج لأن العرب يضطهدون الشعب اليهودي. هذه المظلوميات قد انطلت على شعوب العالم في السابق قبل ثورة تكنولوجيا الإعلام وتحول العالم إلى قرية صغيرة بتعبير المنظّر الإعلامي الكندي مارشال ماكلوهان، خلافًا لما عليه العالم اليوم، فالجماهير صارت ترى بوضوح من هو الجزار ومن هو الضحية. لم يعد الإعلام الصهيوني القائم على الدعايات المزيفة والإشاعات والتنميط، قادرا على تجاوز وعي الشعوب، ولم يعد خطابه الديماغوجي - الذي يصور الصراع على أنه عداء العرب والمسلمين لليهود- ذا تأثير في العالم الذي كشف حجم وحشية هذا الكيان الذي لا يعرف سوى النهب والسلب والقتل والتدمير. لقد أصبحت الصهيونية عارية من اليهودية، وتلك فرصة تاريخية لنا لتعزيز فكرة الفصل بين الصهيونية واليهودية التي استغل الصهاينة الدمج بينهما، وهذا من شأنه أن يزيد من عزلة هذا الكيان المحتل عالميًا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1149

| 26 أبريل 2024

تزكية النفس على منهاج النبوة

لا شك أن تزكية النفس هي طريق الفلاح، وقد أقسم الله تعالى في سورة الشمس على أن الفلاح يترتب على تزكيتها {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7- 8]. وقد اتخذ بعض الزهاد والعلماء طريقًا للتزكية يقوم على مبدأ التخلي قبل التحلي، بمعنى أن يستجمع العبد همته على التخلص من الأمراض والآفات، حتى يكون مؤهلًا لقبول غرس الإيمان وسلوك طريق التعبد لله رب العالمين. لكن هذا المسلك يحمل قدرًا كبيرا من العنت، فهو يجعل العبد واقفًا عند وضعية تنقية الحشائش الضارة دون الاهتمام بري الزرع والاهتمام بنموه. بل هو أبعد ما يكون عن القابلية للتطبيق لأنه يفترض في النفس البشرية أنها تثبت على حال، أو أنها تقف عند خطوتها الأخيرة بلا تراجع، فكيف يعرف العبد أنه تخلص بالأساس من الآفات والأمراض؟! وأما منهج التزكية الأقرب والأكثر اتباعا وسيرا على الهدي النبوي، فهو الذي يقوم على الاهتمام بالبناء الإيماني أو التحلية، مع التخلية أثناء الطريق، فيسير إلى ربه بالطاعة، فإذا ما اعترضه شيء في الطريق أو آفة قطعها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «النَّفْسُ مِثْلُ الْبَاطُوسِ - وَهُوَ جُبُّ الْقَذَرِ - كُلَّمَا نَبَشْتَهُ ظَهَرَ وَخَرَجَ. وَلَكِنْ إِنْ أَمْكَنَكَ أَنْ تَسْقَفَ عَلَيْهِ، وَتَعْبُرَهُ وَتَجُوزَهُ، فَافْعَلْ، وَلَا تَشْتَغِلْ بِنَبْشِهِ. فَإِنَّكَ لَنْ تَصِلَ إِلَى قَرَارِهِ. وَكُلَّمَا نَبَشْتَ شَيْئًا ظَهَرَ غَيْرُهُ». وهذا المنهج في التزكية يرتكز على حقيقة أن الطاعة تبني الإيمان، وكلما علا هذا الصرح واشتد، اقتلع الآفات ودواعي الشرور وأسقطها، حيث إن نور الطاعة يبدد ظلام المعصية، لذا يقول ابن القيم رحمه الله: (أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفا لا يحصيه إلا الله تعالى فمن الناس: من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس ومنهم: من نورها في قلبه كالكوكب الدري ومنهم: من نورها في قلبه كالمشعل العظيم، وآخر: كالسراج المضيء وآخر كالسراج الضعيف. ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بايمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علما وعملا ومعرفة وحالا، وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد: أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة ولا ذنبا إلا أحرقه). هذا المنهج في التزكية مستقى من النصوص النبوية الصحيحة التي تعالج الآفات بإعلاء البناء الإيماني، وهو ما نستشفه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رجلا أصاب من امرأة يعني ما دون الفاحشة فلا أدري ما بلغ غير أنه دون الزنا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزل الله ( أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) فقال يا رسول الله ألي هذه؟ قال: لمن أخذ بها). في المقابل يراعي المنهج الثاني - المستقى من النصوص النبوية - طبيعة النفس البشرية التي يعتريها الفتور والملل، وينسجم مع المنهج النبوي في التيسير على الأنام، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1449

| 19 أبريل 2024

alsharq
قمة جماهيرية منتظرة

حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي...

1662

| 28 ديسمبر 2025

alsharq
الملاعب تشتعل عربياً

تستضيف المملكة المغربية نهائيات كأس الأمم الإفريقية في...

1116

| 26 ديسمبر 2025

alsharq
حين يتقدم الطب.. من يحمي المريض؟

أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة...

816

| 29 ديسمبر 2025

alsharq
قد تفضحنا.. ورقة منديل

كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك...

558

| 31 ديسمبر 2025

alsharq
معجم الدوحة التاريخي للغة العربية… مشروع لغوي قطري يضيء دروب اللغة والهوية

منذ القدم، شكّلت اللغة العربية روح الحضارة العربية...

546

| 26 ديسمبر 2025

alsharq
أول محامية في العالم بمتلازمة داون: إنجاز يدعونا لتغيير نظرتنا للتعليم

صنعت التاريخ واعتلت قمة المجد كأول محامية معتمدة...

519

| 26 ديسمبر 2025

alsharq
أين المسؤول؟

أين المسؤول؟ سؤال يتصدر المشهد الإداري ويحرج الإدارة...

501

| 29 ديسمبر 2025

alsharq
صفحة جديدة

لا تمثّل نهاية العام مجرد انتقال زمني، بل...

453

| 31 ديسمبر 2025

alsharq
الإفتاء الشرعي وفوضى العصر

شكّلت دار الإفتاء ركنًا أساسيًا في المجتمعات الإسلامية،...

429

| 28 ديسمبر 2025

alsharq
الكلمات الجارحة في العمل قد تفقدك فريقك

في بيئة العمل، لا شيء يُبنى بالكلمة بقدر...

429

| 01 يناير 2026

alsharq
مسيرة النظافة.. شكراً وزارة البلدية

شهدت الدوحة في ختام شهر ديسمبر ٢٠٢٥م فعاليات...

423

| 26 ديسمبر 2025

alsharq
اللون يسأل والذاكرة تجيب.. قراءة في لوحات سعاد السالم

ليس هذا معرضًا يُطالَب فيه المتلقي بأن يفهم...

423

| 30 ديسمبر 2025

أخبار محلية