رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الوحشية البشرية

قال تعالى: { أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ } (١٢٥) الصافات. من هو «بعل» الذي ذكره الخالق في محكم تنزيله؟! هو صنم كانوا يعبدونه في أرض لبنان، وتحديداً في مدينة «بعلبك» والتي أطلقت عليه. وهو بلغة أهل اليمن رباً، وقيل إنها امرأة كانت تعبد تدعى «بعل» وكل ذلك في مختلف تفاسير القرآن. ولكن في أغرب التفاسير أنه كان شيطاناً يدخل في جوف الصنم ويتكلم بالضلال فيضل الناس. يُصور عادة على شكل تمثال برونزي ضخم بجسد إنسان ورأس ثور، ويداه ممدودتان للأمام لاستقبال الأطفال الذين يُلقون في النار المشتعلة داخله. ولكن ترتبط المصادر التاريخية بأن عبادة الإله «بعل» في حضارات كنعان وقرطاج تضمنت طقوس التضحية بالأطفال «المولخ» وهو مصطلح فينيقي بمعنى تقديم التضحية البشرية كفدية! او كقرابين بشرية لاسترضاء الآلهة، وهو ما تؤكده اكتشافات «التوفيت» في جامعة أكسفورد. أدانت الديانات السماوية هذه الممارسات بشدة، معتبرة إياها ذروة الوثنية، لترى استمرارية الوحشية البشرية كما انتشر في وسائل الإعلام المختلفة عن الانتهاكات في «جزيرة إبستين». حيث كانت الحضارات القديمة تقدم الأطفال قرابين للإله «بعل» طلباً للنفوذ، وكيف يرى المحللون أن هذا الفكر «الطقسي» لم يختفِ، بل تحول إلى شبكات سرية حديثة تستغل الضعفاء في الخفاء. من الغريب الإشاعات والتشابه العجيب الغريب بين شعار قناة مشهورة للأطفال مع شكل الجزيرة المشؤومة التضاريسي ومبنى يقال عنه إنه معبد لطقوس «مولوخ» أو « بعل»! تُشير القراءات السوسيولوجيا لشبكات النفوذ المغلقة إلى وجود هياكل وسلطات ومنظمات سرية معقدة تعمل بشكل غير مرئي في بعض الأحيان. هذه الشبكات، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، قد تمارس نفوذاً كبيراً على مجريات الأمور في المجتمع بشكل عابر للقارات. ويرى باحثون في ظاهرة هذه الشبكات أن فهم آلياتها وكيفية عملها يعد أمراً بالغ الأهمية لتحليل القوى الفاعلة في المشهد المعاصر. في الحضارات الكنعانية والفينيقية، لم يكن «الكهنة» مجرد رجال دين، بل كانوا يُعتبرون سحرة ووسطاء يمتلكون «قوة الكلمة» والطقس. التوسل الطقسي العنيف: إحداث جروح في الجسد لجذب انتباه الإله كما ورد في قصص الصراع بين أنبياء التوحيد وكهنة بعل! كما في نصوص أوغاريت القديمة، يظهر «بعل» نفسه في صراع مع قوى الفوضى، وهذا الربط جعل من بعل «سيد القوى الخارقة» في نظر أتباعه. وبعد زوال العبادات القديمة، انتقل اسم «بعل» إلى كتب السحر الأسود في العصور الوسطى وعصر النهضة: في كتاب «جوويتيا» ، يُصنف « بايل» كأول الملوك في الجحيم، ويُزعم أنه يمنح الساحر القدرة على التخفي والحكمة. هنا تحول «الإله» القديم إلى «كيان شيطاني» يستحضره السحرة في طقوسهم السرية للحصول على القوة أو المعرفة المحرمة. وهذا الأمر يحصل حتى مع السحرة في العصر الحالي. الرابط الأكثر «ظلامية» والذي يُستخدم غالباً في المقالات الاستقصائية هو «سحر الدم». يُعتقد أن السحرة الذين يعبدون كيانات مرتبطة ببعل أو مولوخ يؤمنون بأن التضحية» سواء كانت حيوانية أو غيرها في المعتقدات المتطرفة. وهي «محرك سحري» يطلق طاقة هائلة تمكنهم من تحقيق مآربهم أو إرضاء القوى التي يستحضرونها. ومن الأمور العجيبة أيضاً ارتباط «بعل» بالهندسة المعمارية والمسلات والأعمدة التي كان شكلها يرمز لشكل مشين، باعتبار ارتباطه بألوهية الخصوبة! وكل هذه الارتباطات تنظر في سياق نظريات المؤامرة في النهاية، ولكن اليس القرآن في سياقه يحذر من تآمر الشيطان على الإنسان؟! في خلاصة الأمر؛ تعد العلاقة بين التنظيمات والشبكات السرية التي قد تتورط في أنشطة غير قانونية وبين أجهزة الاستخبارات والأمن العالمية والعصابات المنظمة « المافيات» واحدة من أكثر الزوايا تعقيداً في كثير من الأحيان، قد يتم التغاضي عن أنشطة أفراد نافذين (مثل قضية إبستين) لأنهم يعملون كـ «مصادر معلومات» أو «وسطاء» لأجهزة أمنية عابرة للقارات. وهذا النفوذ يمنحهم نوعاً من الحصانة غير الرسمية، حيث تُعتبر حمايتهم «مصلحة أمن قومي»، مما يسمح لجرائمهم بالاستمرار لسنوات خلف ستار الكواليس. تُشير التحليلات السياسية إلى أن بعض التنظيمات السرية قد تستخدم «الاعتداءات» أو «الأنشطة غير القانونية» كوسيلة لجمع مواد ابتزاز كالمصطلح الروسي: «كمبرمات» ضد شخصيات قوية. هذا يفسر لماذا قد تتردد بعض الأجهزة في كشف هذه الشبكات؛ خوفاً من الفضائح التي قد تطال شخصيات رفيعة المستوى، مما يخلق حالة من «التواطؤ الصمتي». ارتبطت بعض الأجهزة الاستخباراتية بشبكات غير قانونية لتأمين تمويل خارج الميزانية للعمليات السرية. هذه العلاقة النفعية تخلق بيئة تحمي الشبكات الإجرامية من الملاحقة القانونية العادية، وتجعل الوصول إلى الحقيقة يتطلب اختراق طبقات سميكة من «الأسرار السيادية» وفي نهاية المطاف ينتهي دورهم وتحترق البطاقة الأخيرة، ويصبحون عامل تهديد فيوجب التخلص منهم. وهكذا أغلقت قضية « ابستين» بانتحاره داخل السجن!.

525

| 08 فبراير 2026

فخ البقاء على قيد الحياة

أنت لست فاشلاً، أنت "مُدار": خوارزمية "تحسين الأجور" لطالما تربينا على معادلة اقتصادية بسيطة ومريحة للأعصاب: "اعمل بجد، ستحصل على راتب جيد، وستعيش حياة كريمة". كانت هذه الفرضية هي العمود الفقري لما يُسمى بالطبقة الوسطى المزدهرة؛ تلك الطبقة التي تمتلك فائضاً من الدخل يسمح لها بشراء المنازل، السيارات، ودعم عجلة الاقتصاد ككل. كان فوز العامل يعني فوز المؤسسة او الشركة. ولكن، يبدو أن تلك الأيام قد ولت، وحل محلها واقع "ديستوبي" جديد أي المدينة الفاسدة! وهو دقيق رياضياً، وقاسٍ إنسانيًا في عالم العولمة الذي نعيشه. ما كشفه هذا العصر الذي انتشرت فيها هذه الظاهرة منذ بداية القرن المضي، يزيح الستار عن حقيقة مرعبة تدور في أروقة مجالس إدارات الشركات الكبرى التي تدير عجلة الاقتصاد في العالم. لم يعد الأمر يتعلق بالازدهار المشترك، بل تحول إلى ما يُطلق عليه مصطلح تقني بارد “تحسين الأجور". وهو مصطلح مهذب لاستراتيجية وحشية تهدف إلى تحديد الحد الأدنى الدقيق الذي يمكن دفعه للموظف ليبقى على قيد الحياة، دون أن يمتلك القدرة أبداً على الهروب والاستقلالية المالية منه! الأمر ليس عشوائياً، ولا هو سوء طالع يلاحقك في مسيرتك المهنية. إنها "دقة رياضية". لقد أجرت الشركات العابرة للقارات حساباتها وأدركت الحقيقة التالية: إذا دفعت لك القليل جداً، ستنهار وتستقيل. وإذا دفعت لك الكثير، ستشعر بالأمان، وتدخر، وربما تستثمر، مما يمنحك القوة لتقول "لا"، أو لتنافس، أو لتستقيل وتؤسس عملك الخاص. وهي قد عادت المؤسسات في منطقتنا كذلك! لذا، يكمن الحل في المنطقة الرمادية القاتلة: "منطقة التوتر". الهدف هو إبقاؤك في حالة دائمة من الاعتمادية. راتب يكفي بالكاد لدفع الإيجار، لكنه لا يكفي لامتلاك منزل. يكفي لشراء الطعام، لكنه لا يسمح بالاستثمار. يكفي لضمان حضورك للعمل في اليوم التالي، لكنه لا يكفي لتشعر بالحرية في المغادرة. إنها هندسة مالية تهدف لجعلك تعيش "من راتب إلى راتب"، حيث تفصلك كارثة طارئة واحدة فقط عن الانهيار المالي التام. في نظر الرأسمالية الحديثة – كما يتصورها منشؤها – أنت لست إنساناً لك أحلام وطموحات؛ أنت "مورد" كما تحفظت في مقال سابق على مصطلح الموارد البشرية. والهدف من أي مورد هو استخراج أقصى قيمة ممكنة منه بأقل تكلفة ممكنة. الراحة تولد الاستقلال، والاستقلال هو عدو الشركات التي تحتاج إلى تروس مطيعة في آلاتها العملاقة. إن الشعور بالإرهاق المستمر، والقلق من الفواتير، والإحساس بأنك تركض في مكانك رغم كل جهودك، ليس دليلاً على فشلك الشخصي. هذه هي النقطة الأكثر أهمية التي يجب أن ندركها. النظام مصمم ليعمل بهذه الطريقة. أنت لا تفشل في إدارة حياتك؛ بل يتم "إدارتك" ببراعة لتبقى في هذا المربع بالتحديد أو بصيغة أخرى القفص الذهبي. إن الخطوة الأولى للتحرر من هذا الفخ ليست بالضرورة العمل بجدية أكبر داخل نفس النظام الذي صمم لاستنزافك، بل في الوعي بأن اللعبة قد تغيرت قواعدها. عندما تدرك أن "تحسين الأجور" هو سقف زجاجي وضع عمداً فوق رأسك، تتغير نظرتك للأمور. في الختام، قد تكون الحقيقة مؤلمة: إن المؤسسات والشركات الكبرى في هذا العالم لا تراك كشريك في النجاح، بل كبند تكلفة يجب ضبطه عند حافة الانهيار ولا يتجاوزها. لذا، حين تشعر بالضيق المالي رغم كدحك، تذكر: أنت لست فاشلاً، أنت فقط تخضع لعملية "إدارة" دقيقة. إن كسر خوارزمية "تحسين الأجور" والتحرر من التبعية الوظيفية ليس مجرد طوق نجاة فردي، بل هو ركيزة أساسية في بناء مستقبلنا الوطني. هنا في قطر، نحن نعيش في ظل اقتصاد متسارع النمو يسعى حثيثاً نحو التنويع بعيداً عن الاعتماد الكلي على الموارد التقليدية. إن رؤية قطر الوطنية 2030 لا تُبنى بسواعد الموظفين المكتفين بالحد الأدنى من البقاء فحسب، بل تُبنى بعقول المبتكرين وجرأة رواد الأعمال. الدولة اليوم توفر بيئة خصبة وحاضنات أعمال غير مسبوقة لتشجيع القطاع الخاص والشركات الصغيرة والمتوسطة. الانتقال من عقلية "البحث عن وظيفة آمنة" إلى عقلية "خلق الفرص والتجارة" هو ما سيصنع الفارق الحقيقي. إن اقتصادنا المحلي بحاجة إلى منتجين، ومصنعين، ومبتكرين يضيفون قيمة حقيقية للناتج المحلي، لا مجرد أرقام في كشوف رواتب الشركات العالمية. لا تكتفِ بأن تكون "مورداً" يُدار؛ بل كن أنت صانع القرار، والمحرك لعجلة التنمية التي نطمح إليها جميعاً.

402

| 01 فبراير 2026

الفرصة الثانية

بين إشراقة الأمل وعزيمة الاستمرار، حتمية إعطاء الفرص بأنها ليست مجرد حلم بل استحقاق يجب أن يترسخ في فكر الناس جميعاً. ومن قلب بلادي الحضارية الحبيبة، حيث تعانق معالم نتاج الحضارة عنان السماء، وتبقى شاهدةً على طموح لا يعرف المستحيل، ندرك أن النجاح في قطر لم يكن يوماً وليد المصادفة، بل هو نتاج فلسفة "المحاولة والتكرار". ومن هذا المنطلق، أكتب لكم اليوم عن مفهوم غالباً ما يساء فهمه أو يُنظر إليه بعين الوجل ألا وهي "الفرصة الثانية". كثيراً ما نبحث عن نماذج للنجاح، لكننا ننسى أن أعظم المعلمين هو "الخطأ". ومن هنا نكتب اليوم عن مفهوم الفرصة الثانية؛ حيث إنه ليس خيارا ترفيا، بل ضرورة وجودية ومنهج حياة يبدأ من أبسط المسائل الحسابية ليصل إلى أسمى المعاني الإيمانية. كلنا، بلا استثناء، نخطئ، وكلنا نتوق لتلك "اليد الحانية" التي تمتد إلينا في لحظة الانكسار لتقول. "حاول مرة أخرى". أن نكون مفاتيح للخير مغاليق للشر يعني بالضرورة ألا نكون قضاة على نوايا الناس، بل أعواناً لهم على الشيطان وظروف الحياة. إن الحياة ليست ساحة للإقصاء؛ فنحن مسلمون بالفطرة، والفطرة السليمة تأبى أن ترى الإنسان يُنبذ لمجرد أنه تعثر في خطوة. الفرصة الثانية هي الوقود الذي يحول الإنسان من شخص "منبوذ" إلى شخص "ممتن" يقدم للمجتمع أضعاف ما فقده في عثرته. إن مجتمعنا القائم على قيم الإسلام السمحة يدرك أن مبدأ "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" هو القاعدة الذهبية للإصلاح الاجتماعي. إن الإسلام بمعناه العميق جاء ليحررنا من فكرة "الإقصاء" أو "الإلقاء في الجحيم" لمجرد عثرة. تأملوا معي طالب العلم وهو يواجه مسألة رياضية معقدة. إن المحاولة الأولى، وما يتبعها من تعثر، هي في الحقيقة "الخاطرة الأولى" التي تشتبك معها عقولنا لفهم كنية الأشياء. في الرياضيات، لا يمكن أن تصل إلى الحل الصحيح إلا إذا مررت بسلسلة من الافتراضات الخاطئة. الفشل هنا ليس عجزاً، بل هو جزء من خوارزمية التعلم؛ فكل محاولة خاطئة هي في الواقع تضييق لنطاق البحث عن الصواب. إذا أقصينا الفاشلين من المحاولة الأولى، فنحن عملياً نغلق أبواب العبقرية. فالذكاء لا يولد من الإجابات الجاهزة، بل من رحم الصبر على "الخطأ" حتى ينبثق منه نور الفهم. فلم نولد من بطون امهاتنا ونحن نعلم ماهية وطرق عمل الحياة! إن أولى قواعد التنمية البشرية التي يجب أن نرسخها في أذهاننا هو أن الفشل ليس "نهاية الطريق"، بل هو "لوحة إرشادية" تخبرك بأن المسار يحتاج إلى تعديل. إن اليأس هو العدو الحقيقي الوحيد، لأنه القوة الوحيدة القادرة على إيقاف عجلة الزمن في حياتك. أما العثرات، فهي مجرد دروس مدفوعة الثمن تمنحك الحكمة التي لا تُدرس في الجامعات. تذكر دائماً أن أعظم قصص النجاح التي نحتفي بها اليوم وفي كل يوم، تبدأ من لحظة انكسار قوبلت بقرار شجاع: "سأحاول مرة أخرى". حيث النجاح بعد التعثر، وهو ليس ضرباً من الحظ، بل هو عملية منهجية تتطلب أدوات محددة. بدلاً من جلد الذات، اسأل نفسك: "ماذا تعلمت؟". الفرصة الثانية تبدأ بوعي جديد يختلف عن الوعي الذي تسبب في الإخفاق الأول. تحطيم قيود كـ “كلام الناس": في مجتمعاتنا، قد يخشى البعض من نظرة المجتمع للفشل. لكن الحقيقة هي أن المجتمع لا يحترم المتوقفين، ولكن ينحني إجلالاً لمن نهض بعد السقوط. القدرة على التكيف مع المعطيات الجديدة هي مفتاح العبور. إذا أُغلق باب، فمن الحكمة ألا تقضي وقتك في البكاء أمامه، بل ابحث عن النافذة التي فُتحت بجانبه. ختامًا؛ نحن بحاجة اليوم إلى ثقافة "الرحمة مع الفاشلين". إن أسوأ ما قد يواجه المرء هو نظرة المجتمع التي تحرمه من العودة، بينما الأصل في العقاب هو الإصلاح لا الانتقام. حين نغلق الأبواب أمام من أخطأ، فنحن ندفعه نحو اليأس، واليأس هو منبت الشرور. إن الشر الحقيقي يبدأ حين يقتنع الإنسان أنه "محروم" من فرصة التغيير، فيتحول من لبنة بناء إلى معول هدم. لنكف عن الظن السيئ، ولنفتح مساحات أرحب للعائدين من دوامة الفشل.

348

| 25 يناير 2026

الإدارة المريضة

إن فن تحطيم الكفاءات في كل زمان ومكان، ولا يكون إلا من الإدارة المريضة التي لا تطردك فحسب؛ بل هي أذكى من ذلك بكثير. فإن الطرد قرار قانوني قد يتبعه محاسبة، لكنها تفضل «التطفيش» الممنهج. حيث إنها تكافئ الفاشل وتدني منها المداهن، حتى يغدو الاجتهاد تهمة تطارد المخلص، فيتحول المتميز إلى منبوذ لأنه كشف عجز المحيطين به في هذه البيئة. ويصبح الإنجاز خطراً يهدد استقرار الفاشلين، لذا يتم عزل المبدع حتى يشعر بالغربة في وطنه ومكتبه. فيسجن بالإجراءات والقوانين المتقلبة لكي تضمن هذه الإدارة صمتك للأبد، وهي لا تمنعك من الاعتراض، بل تغرقك في الإجراءات والحجج بعطل البيروقراطية، كي تتعب وتستنزف طاقتك قبل أن تصل إلى مرحلة الاعتراض. ومن مكرها أنها تُبدل القوانين كل صباح؛ لا بهدف التطوير، بل ليبقى «الخوف» هو الثابت الوحيد. عندما لا يعرف الموظف ما له وما عليه نتيجة تبدل اللوائح، يصبح مرتهناً لمزاج المدير، ويتحول القانون من مسطرة للعدالة إلى سوط للترهيب. يقدس الكرسي ويهان الإنسان في أروقة هذه الإدارة المريضة، هناك صنم يُعبد يسمى «المنصب». فالإدارة هنا تُقدس الكرسي وتُهين الإنسان بابتسامة رسمية باردة. المدير لا يراك شريكاً في النجاح، بل مجرد «ترس» يمكن استبداله. هنا، يُقتل التواصل الحقيقي ويُدفن الرأي الآخر، حيث يتحوّل الصمت إلى فضيلة، والسؤال إلى جريمة تمس هيبة القيادة. سياسة التساوي والموت البطيء أخطر ما يواجه الموظف هو شعوره بانعدام العدالة. عندما تُساوي الإدارة بين من يحترق عملاً ومن يتفرّج، فإنها ترسل رسالة واضحة: الجهد لا قيمة له. هنا، يدرك الجميع أن البرود هو النجاة، فتتحول المؤسسة إلى هيكل بارد يسكنه «موظفون موتى» يؤدون الحد الأدنى من العمل للبقاء فقط. وعندما تطالب بحقك، لا تواجهك بالرفض القاطع، بل بمقصلة «التسويف». هي تؤجل حقوقك بلا إنكار، وتعدك بالفرج في كل اجتماع، وتراوغ بكلمات معسولة حتى تموت الرغبة في نفسك، ويتحول الطموح إلى رماد. في الخاتمة؛ فإن حتمية التغيير لهذه الإدارة المريضة هو العائق الأول أمام أي رؤية وطنية طموحة. وهي الفيروس الذي ينخر في جسد المؤسسات، وعلاجها لا يكون بالمسكنات أو تغيير الوجوه، بل ببناء ثقافة مؤسسية تضع «الإنسان» فوق الكرسي، والأداء فوق الولاء الضيق. إن الإدارة المريضة لا تقتلك دفعة واحدة، بل هي تدربك يومياً على الاستسلام حتى تُوقع عليه بنفسك، هي لا تكسر قلمك، لكنها تجعلك تكتب به خطابات الوداع لشغفك.

729

| 18 يناير 2026

الفكر الأصولي

إن العودة إلى «الأصل» في جوهر البحوث العلمية، هي بحث عن الصدق والمصداقية. ففي علم اهل الحديث، نعتمد على «السند» وعلم الرجال» لضمان أن الفكرة لم تُشوه أو تدلس. هذه هو الفكر الإيجابي واليقيني بحذافيره، حيث الرجوع للأصل وهي التي تحفظ هوية الأمم. لكن المعضلة تبدأ عندما يتحول العقل من منبع للاستنارة إلى قيد للعقل، وهنا تشوه الراديكالية. في الفكر الأصولي الأصيل، يُعتبر تقديم النقل على العقل قمة المصداقية المنهجية. فالنقل (الوحي أو النص الصحيح بسنده) يمثل «الحقيقة المطلقة» المنزهة عن الهوى البشري، بينما العقل، رغم شرفه، يظل محدوداً بظروف الزمان، والمكان، والقصور البشري. قال تعالى: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } الجاثية ٢٣. تكمن المزية الكبرى للفكر الأصولي في كونه «صمام أمان للهوية». في زمن العولمة الزاحفة التي تحاول صهر الثقافات في قالب واحد، يأتي الفكر الأصولي ليعيد الاعتبار لـ «الأصل»، مانحاً الشعوب درعاً يحميها من «الاستلاب الثقافي» و»تغريب المناهج». إن التمسك بالأصول يعني الحفاظ على اللغة والسند الأخلاقي الذي بدونه تصبح الأمة بلا ذاكرة. تقديم النقل لا يعني «إلغاء العقل»، بل يعني تحديد وظيفته. العقل في هذا المنهج هو «مجتهد في الفهم» و»بارع في القياس»، لكنه لا يملك حق معارضة «النص القطعي»من الناحية المنهجية، يقدم الفكر الأصولي نموذجاً فريداً في «المصداقية». فاعتماده على «علم الرجال» والتدقيق في «السند» هو في جوهره أرقى أنواع البحث العلمي؛ إذ يرفض أخذ المعلومات من مصادر مجهولة أو مشكوك في نزاهتها. هذه «الأصولية» هي التي تحفظ الحقائق من التزييف، وتمنع «كذب» الأيديولوجيات العابرة من اختراق الوعي الجمعي. كما يوفر الفكر الأصولي «الاستقرار النفسي والاجتماعي». في عالم «ما بعد الحقيقة» حيث تتغير القيم الأخلاقية بسرعة مربكة، يقدم الرجوع للأصل «ثوابت» صلبة تمنح الإنسان شعوراً بالمعنى والانتماء. إن «إيجابية» هذا الفكر تظهر في قدرته على بناء مجتمعات متماسكة تعتز بـ أصالتها وتستمد منها القوة لمواجهة تحديات الحاضر دون ذوبان. ينظر العقل الغربي الليبرالي إلى الأصولية (خاصة الإسلامية) بوصفها نقيضاً للحداثة. في مخايلهم، أن «الأصل» يمثل الماضي المظلم، و»العقل» يمثل المستقبل المشرق. من هنا ينطلق الغرب في محاولاته لتغيير المناهج التعليمية في الشرق؛ لزحزحة قناعة الشعوب بأن «النقل أولى من العقل». هم يرون في هذا المبدأ عائقاً أمام «التحديث» (الذي هو في الحقيقة «تغريب»). إن القول بأن اليقين العلمي يُبنى على الفكر الأصولي هو قول يرتكز على حقيقة أن العلم لا يبدأ من الفراغ. العلم الذي لا «أصل» له هو علم مضطرب لا مصداقية له.في الفيزياء والكيمياء، نحن نمارس «أصولية علمية» بامتياز. اليقين في العلم يُبنى على ثوابت (بـ المُسلمات أو البديهيات) لا تقبل الجدل،. هي حجر الزاوية في بناء أي نظام فكري أو علمي، وهي الرابط الجوهري الذي يجمع بين «الفكر الأصولي» والعلوم التجريبية. قوانين المادة والحركة والرياضيات هي «أصول» العلم. في المعمل، لا نُصدق أي نتيجة إلا إذا كانت تمتلك «سنداً» من التجربة المتكررة والبرهان القاطع. هذا هو «علم الرجال» في المختبر؛ حيث نتحقق من نزاهة الأدوات ودقة الملاحظة (المصداقية). أخيراً، الفكر الأصولي يمثل «المقاومة الثقافية» ضد الاستعمار الحديث. فمن خلال الاعتزاز بالمرجعية (سواء كانت دينية كالسلفية في صفائها، أو فكرية قومية)، تمتلك الشعوب القدرة على رفض التبعية العمياء للغرب. إنها عودة للذات ترفض أن يكون «الآخر» هو المرجع الوحيد للحقيقة، مما يفتح الباب لنهضة حقيقية تنبت من التربة الوطنية وتتغذى من جذورها العميقة.

315

| 11 يناير 2026

تنافسية سلاسل الإمداد اللوجستية العالمية

تعيش خريطة التجارة العالمية اليوم حالة من إعادة الضبط الكبرى، حيث لم تعد سلاسل الإمداد مجرد خطوط لنقل البضائع، بل تحولت إلى سلاح استراتيجي وأداة للضغط السياسي في صراع القوى العظمى. حيث تراقب المنطقة هذا التحول بعين فاحصة، فمنطقة الخليج العربي ليست مجرد خزان للطاقة، بل هي حلقة الوصل الأخطر في هذا السباق المحموم بين الشرق والغرب. في المفهوم الاقتصادي الحديث، لا تعد سلاسل الإمداد مجرد وسيلة لنقل البضائع، بل هي العمود الفقري الذي يربط العالم ببعضه. وهو نظام شبكي متكامل ويربط ويضم كافة الأفراد، المنظمات، الموارد، الأنشطة، والتقنيات المعنية بتحويل المواد الخام إلى منتج نهائي وتسليمه للمستهلك. تعتبر الجغرافيا السياسية للمضايق، شريان الحياة للعالم. وهي تحت تهديد التحديات السياسية والاقتصادية بشكل مستمر. حيث تظل المضايق الاستراتيجية هي نقاط الاختناق التي تحكم قبضتها على الاقتصاد العالمي. إن أي اضطراب في مضيق هرمز أو باب المندب يعني ارتباكاً فورياً في تدفقات الطاقة والسلع. وما نشهده اليوم من أحداث في اليمن ليس مجرد صراع إقليمي، بل هو تهديد مباشر لأمن الملاحة الاقتصادي في البحر الأحمر، مما يجبر السفن على الدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما يرفع التكاليف ويؤجج التضخم العالمي. إنها حروب الموارد الاقتصادية والتحالفات الدولية للمصالح. لقد أعادت الحرب الروسية الأوكرانية تعريف مفاهيم الأمن الغذائي وأمن الطاقة، مما دفع القوى الكبرى للبحث عن بدائل مستقرة. وفي هذا السياق، تبرز دول الخليج كشريك لا غنى عنه للغرب الساعي لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، وللشرق (الصين) المتعطش للموارد لتغذية آلة إنتاجه الصناعية. وفي الطرف الآخر من العالم، تظل فنزويلا رغم أزماتها رقماً صعباً في معادلة النفط، حيث يتأرجح استقرار إمداداتها بين العقوبات الأمريكية والحاجة الدولية للنفط الثقيل، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد للمنافسة العالمية على الموارد. ليعيد تساؤل التنافسية القطبية لمن يحكم قبضته على العالم بنظام دولي جديد على نظام دولي متهالك تحت تهديد الحروب الدولية. ليأتي دور الحزام والطريق مقابل الممرات البديلة. وهي استراتيجية دولية أطلقتها الصين عام ٢٠١٣ عُرفت سابقاً بـ «حزام واحد، طريق واحد»، وتهدف إلى إحياء طريق الحرير القديم لربط الصين بالعالم عبر شبكة ضخمة من الموانئ، والسكك الحديدية، والطرق، والمطارات، ومشاريع الطاقة. ويتجلى ذلك بوضوح من خلال الصراع الأمريكي الصيني بوضوح من خلال هذه المبادرة. حيث تسعى بكين من خلالها لربط القارات ببعضها عبر شبكة من الموانئ والسكك الحديدية التي تمر بالضرورة عبر منطقتنا. وفي المقابل، تبرز تحالفات إقليمية ودولية مدعومة من واشنطن لخلق ممرات بديلة تعيد موازين القوى. وفي المقابل برزت «نيودلهي» الهند كلاعب لا يمكن تجاوزه في إعادة هندسة سلاسل الإمداد العالمية. لم تعد الهند مجرد سوق ضخمة، بل تحولت إلى بديل استراتيجي مدعوم من الغرب لكسر الهيمنة الصينية على الممرات البحرية والبرية. في حين تستثمر الصين في ميناء جوادر بباكستان، ردت الهند بالاستثمار في ميناء تشابهار الإيراني لتأمين وصولها إلى وسط آسيا وأوروبا بعيداً عن السيطرة الباكستانية أو الصينية. هذا التنافس يحول المحيط الهندي إلى ساحة «شطرنج» كبرى، حيث تسعى الهند لفرض ما يسميه المحللون «مبدأ مونرو الهندي» لضمان أمن الملاحة في مجالها الحيوي. أما في شرق آسيا، فإن العلاقات المعقدة بين كوريا واليابان والصين تمثل قلب الصناعة التكنولوجية العالمية. أي توتر في هذا المثلث، سواء بسبب الخلافات التاريخية أو النزاعات الحدودية، يضرب سلاسل توريد أشباه الموصلات والإلكترونيات في مقتل، وهو ما ينعكس مباشرة على وتيرة التحول الرقمي في الخليج. إن دول الخليج لم تعد تكتفي بدور المتفرج، بل بدأت في بناء تحالفاتها الخاصة وتنويع شراكاتها بين واشنطن وبكين وموسكو. نحن اليوم في قلب معادلة «السلم والحرب»، حيث تسعى دول المنطقة لضمان تدفق التجارة عبر استثمارات ضخمة في البنية التحتية اللوجستية والموانئ الذكية، لتكون صمام أمان في وجه التقلبات السياسية الدولية. خلاصة القول؛ إن سلاسل الإمداد العالمية تمر اليوم عبر حقل من الألغام الجيوسياسية. وبينما تتصارع الأقطاب على النفوذ، يظل الرهان الخليجي قائماً على استثمار الموقع الاستراتيجي وتحويل التحديات إلى فرص لاستدامة النمو الاقتصادي، بعيداً عن سياسة المحاور الضيقة.

303

| 04 يناير 2026

العلاقة العابرة

استوقفتني قصة عابرة للمغني السابق البريطاني الشهير المعروف بـ "ستيفنز" الذي غير اسمه بعد اسلامه الى يوسف. وقد أثرت فيه قصة النبي يوسف في القرآن، وكان السبب المباشر لإسلامه أهدى له أخوه نسخة من القرآن الكريم، وقد أثرت فيه "سورة يوسف" بشكل خاص، مما أكد له أنها ليست من صنع البشر، وكان سببا في اسلامه. في احدى المقابلات الصحفية سئل ستيفنز سؤالاً استفزازياً: كيف تقبل تعدد الزوجات بعد دخولك الإسلام وانت انسان غربي متحضر؟ فرد بكلمة جعلت العالم في صمت! " سؤالك موجه لنسخة قديمة من زمن لم أكن فيه مسلماً. هل تعلم أنني لا أعرف عدد النساء اللواتي عرفتهن قبل الإسلام! بل ربما لا أعرف حتى عدد أولادي منهن! لماذا لم تسألني هذا السؤال في تلك الأيام؟!" حل الصمت على المكان ثم أكمل بهدوء المؤمن الثابت الحكيم. " اليوم أنا مسلم، ولي زوجة واحدة فقط، ولا نية لي أن أتزوج ثانية. الإسلام لم يفرض التعدد، ولكنه اباحه بشروط قاسية: العدل، والمسؤولية، ورعاية الأسرة. فهل هذا ما يخيفكم؟ ثم سأل سؤال صفعة للسائل: أم أن ما لا يقلقكم هو العالم المتحضر الذي يفاخر بالعلاقات العابرة؟ بأطفال لا يعرفون آباءهم، وآباء يموتون دون أن يعرفوا أبناءهم؟! أيهم أصلح للبشرية؟ رجل يتزوج أربعاً وتحمل مسؤوليتهن؟ ام آلاف العلاقات بلا عقد، بلا أخلاق بلا أثر، سوى الضياع؟!" كانت صفعة حضارية خالدة أيقظت العقول من غفلتها. في ظل الهرولة التقنية التي صبغت ملامح العصر، طفت على سطح المجتمعات العربية والإسلامية ظاهرة ما يُعرف في الأدبيات الغربية بـ "العلاقات العابرة ". فإن هذه العلاقات التي تتسم بضعف الالتزام وقصر الأمد، حتى باتت تطرح تساؤلات عميقة ومقلقة حول مآلات الروابط الإنسانية في ظل العولمة والغزو الثقافي التي لا تعترف بالحدود أو الخصوصيات القيمية الدينية. كما أن الظروف الاقتصادية قد تفاقم من تزايد تلك العلاقات. سواء في حالة الفقر او الغنى، فسهولة العلاقات العابرة للغني تجعله يفسق ويبحث عن اشباع شهوته وصعوبة الزواج تكون ذريعة للفقير كذلك. فإن من الناحية الاجتماعية، تفكك الأواصر واستلاب المودة، تمثل العلاقات العابرة تمرداً غير معلن على مؤسسة الزواج التقليدية والروابط الأسرية المتينة. إن خطورة هذه العلاقات تكمن في تحويل الإنسان من "كائن اجتماعي" يسعى للاستقرار وبناء أسرة، إلى "كائن استهلاكي" يبحث عن إشباع لحظي واحتياجات عاطفية أو جسدية مؤقتة. تؤدي هذه الظاهرة إلى ما يسميه علماء الاجتماع "سيولة الروابط"؛ حيث يصبح الانفصال أسهل من المواجهة، والهروب من المسؤولية سمة بارزة. هذا النمط من العلاقات يورث حالة من "الاغتراب النفسي"، إذ يجد الفرد نفسه في دائرة مفرغة من اللقاءات التي لا تترك أثراً سوى الفراغ العاطفي، مما يضعف النسيج المجتمعي الذي يقوم في أساسه على الثقة والالتزام طويل الأمد. كما أن انتشار هذه الظاهرة يساهم في تأخير سن الزواج أو العزوف عنه، مما يهدد التوازن الديموغرافي والاستقرار النفسي للأجيال الصاعدة. حيث تعيش المجتمعات الإسلامية صراعاً فكرياً بين "المرجعية الدينية" التي تعلي من شأن الميثاق الغليظ، وبين "ثقافة الوافد الغريب" التي تروج للحرية الفردية المطلقة. ففي الإسلام، لا يُنظر إلى العلاقة بين الرجل والمرأة كمجرد عقد مدني أو تلاقٍ عابر، بل هي منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات، وسكن روحي قائم على "المودة والرحمة". إن الثقافة الإسلامية تضع ضوابط صارمة تهدف لحماية كرامة الإنسان، وبالأخص المرأة، من الابتذال أو التحول إلى سلعة في سوق العلاقات المؤقتة. العلاقات العابرة، بهذا المعنى، تصادم المفهوم الإسلامي لـ "العفة" و"الحياء" و"المسؤولية الاجتماعية". فالإسلام يربط العلاقة بالبناء (الأسرة)، بينما تقوم العلاقات العابرة على الهدم " الاستمتاع دون تبعات ". علاوة على ذلك، فإن الانفتاح الرقمي عبر تطبيقات التعارف قد خلق "ثقافة التوافر الدائم"، مما أفقد العلاقات قدسيتها وخصوصيتها. هذا التداخل الثقافي أدى إلى نوع من "الارتباك القيمي" لدى الشباب، الذين يجدون أنفسهم ممزقين بين الفطرة السليمة التي تطلب الاستقرار، وضغوط ثقافية تدفع نحو التجريب العبثي. إن مواجهة تمدد العلاقات العابرة لا تبدأ بالمنع الزجري فحسب، بل بإعادة إحياء القيم الأصيلة التي تجعل من العلاقة بين الرجل والمرأة مشروعاً لبناء حضارة لا مجرد لحظة عابرة. إننا بحاجة إلى خطاب اجتماعي وتربوي يجدد الاعتبار لمفهوم "الالتزام بمسؤولية الأسرة " بوصفه أعلى درجات الأخلاق، ويؤكد أن السعادة الحقيقية هي تلك التي تنمو في ظل الاستقرار والالتزام وفق المبادئ الإسلامية، بعيداً عن أوهام العلاقات التي تولد لتموت في ليلتها. إن الحفاظ على "الميثاق الغليظ" هو الحصن الأخير لمجتمعاتنا.

522

| 28 ديسمبر 2025

الظروف الطوارئ 

عاصرتُ في حياتي تحولات كبرى وأزمات عصفت بدول ومجتمعات، أجدني اليوم مدفوعاً لكتابة هذا المقال ليس من باب الرصد الإخباري، بل من باب التشريح القيمي لما نسميه "الظروف الطارئة". إنها تلك اللحظات التي يسقط فيها القناع عن الوجه الحقيقي للبشر والنظم على حد سواء. حين تتحول أخلاقيات المأزق والأزمات إلى سلاح للإذلال والتمكين. في قاموس الحياة، يُعرف "الظرف الطارئ" بأنه ما يخرج عن إرادة الإنسان وقدرته على التوقع، وهو في جوهره "قدر الله" الذي نؤمن به. لكن المشكلة لا تكمن في القدر، بل في "التعذر بالقدر". هنا يبرز الفيصل الأخلاقي بين الصدق والكذب؛ فبينما يواجه النبلاء طوارئ الحياة بشجاعة الاعتذار الصادق والبحث عن الحلول، يتخذها البعض "شماعة" للتنصل من الالتزامات، محولين الأقدار إلى وسيلة للمراوغة والخداع. هناك قاعدة فقهية وحقوقية أستعملها دائماً، والتي تقول: "الطارئ يعامل معاملة الطارئ" هي نبراس للشفافية في موضوعناً فعلاً، تهدف لرفع الحرج عن الناس. لكننا نرى اليوم تشوهاً في تطبيقها؛ حيث يتم "تأبيد" الحالة الطارئة لذريعة التجاوزات. وهنا نستحضر مفهوم "ابن السبيل" بمفهومه المعاصر؛ فهو ليس فقط المنقطع في سفره، بل هو كل من وجد نفسه في مهب ريح طارئة (اقتصادية أو سياسية) جردته من حمايته. التعامل مع هؤلاء هو الاختبار الحقيقي لمروءة المجتمعات. أما الوجه الأكثر قتامة في مشهد الطوارئ، فهو الاستغلال. إن استغلال الظروف الطارئة للضغط على أصحابها مادياً ونفسياً هو "خيانة إنسانية" مكتملة الأركان. عندما يتحول اضطرار الإنسان إلى فرصة للمساومة، أو وسيلة للانتقام والإذلال، فنحن أمام "براغماتية متوحشة" لا تعرف ديناً ولا قانوناً. إن محاولة كسر إرادة الشخص وهو في حالة ضعف طارئة هي أدنى مراتب الخصومة. ولا يتوقف هذا السلوك عند حدود الأفراد؛ بل يمتد ليتجاوز الحدود الجغرافية والدولية. لقد شهدنا كيف تُوظف الأزمات "العابرة للحدود" كأدوات للسيطرة والتمكين. تُفرض الإملاءات السياسية تحت غطاء المساعدات الإنسانية، وتُخترق سيادة الدول بحجة إدارة "الطارئ". إنها محاولة لتحويل الأزمة من عائق مؤقت إلى وسيلة دائمة للهيمنة، حيث تُبنى إمبراطوريات "التمكين" على أنقاض احتياجات الآخرين المنكوبين. إن الظروف الطارئة، مهما بلغت قسوتها، هي حالة استثنائية يجب أن تنتهي بالعودة إلى الأصل الثقافي للأمة. وإن المراهنة على كسر كرامة الإنسان أو سيادة الأوطان وقت الشدة هي مراهنة خاسرة تاريخياً. فالطارئ يزول، والضيق يتسع، لكن الوجع الذي تتركه محاولات الإذلال والانتقام يبقى وشماً في ذاكرة الشعوب، لا تمحوه السنين. في الختام، نخلص إلى أن الظروف الطارئة - بكل تعقيداتها ومآسيها - ليست إلا محطات اختبار كبرى للضمير الإنساني والعدالة. فمن اتخذ من أقدار الله مطية للتنصل من واجباته، أو جعل من حاجة الناس وسيلة للإذلال والتمكين والسيطرة، فقد خسر رهانه الأخلاقي أمام التاريخ وأمام خالقه. إن الأزمات، مهما طال أمدها، تظل حالات استثنائية ستنجلي يوماً ما، ولن يبقى منها سوى سجل المواقف؛ فإما سجلٌ من النبل والتكاتف، أو سجلٌ من الانتهازية والجور. لذا، يجب أن تظل كرامة الإنسان أسمى من أي ظرف، وسيادة الأوطان أرفع من أي استغلال، مستلهمين الصبر واليقين من قول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} سورة البقرة ١٥٥.

321

| 21 ديسمبر 2025

العقد الاجتماعي

«بكم تعلو ومنكم تنتظر» كلمات تكتب بماء الذهب من سمو الأمير حفظه الله تعالى وسدد خطاه ووفقه لكل خير. فهي أي دولة قطر تعلو بكل رجل وامرأة مهما كان دورهما ومسؤوليتهما اتجاه وطنيهما. في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، لا تحتفل قطر بتاريخها المجيد فحسب، بل تجدد عهدها المتبادل الذي قامت عليه هذه الدولة العصرية. فشعار اليوم الوطني الذي دشنه سمو الأمير، إنما هو ملهم في جوهره لكل الأجيال، وهو التعبير الأسمى والأكثر وضوحاً عن مفهوم العقد الاجتماعي؛ ذلك الاتفاق الضمني العميق الذي يربط القائد بالمواطن. إنه اعتراف متبادل بأن رفعة الوطن لا تتحقق إلا بالجهد المشترك. وهو هذا العقد الذي نتعهد بتجديده، وأركانه هي الركيزة الأساسية التي تعزز صمودنا وازدهارنا وبقاءنا. ولكن ما هو العقد الاجتماعي؟ في أبسط تعريفاته، فإن العقد الاجتماعي هو ذلك الاتفاق الضمني وغير المكتوب الذي يشكل أساس أي مجتمع مستقر. إنه ليس وثيقة ذات توقيع، بل هو قبول متبادل يبين الالتزامات المطلوبة من الحقوق والواجبات. ينص مضمون هذا العقد على أن يتنازل أفراد المجتمع طواعية عن حرياتهم الفردية المطلقة لصالح سلطة حاكمة موحدة أي الدولة. هذا التنازل لا يعتبر خسارة، بل هو استثمار؛ فمقابله تلتزم الدولة بتوفير الأمن والحماية، وإقامة العدالة، وتقديم الخدمات العامة اللازمة لاستدامة الحياة الكريمة. فلسفياً، بحث فيه مفكرون كبار مثل جون لوك وجان جاك روسو، الذين رأوا فيه الآلية الضرورية للانتقال من «حالة الطبيعة» إلى المجتمع المنظم، مما يضمن الشرعية للاستقرار والتنمية. قال تعالى {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} الأنفال ٤٦. لم يكن العقد الاجتماعي في دولتي الحبيبة حبراً على ورق، بل هو حقيقة معاشة منذ نشأتها على يد المؤسس الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني، والتي يكمل مسيرتها سموه. وهي تجسيد للمسؤولية المتبادلة التي أشار إليها الشعار الأميري. والذي تنبع أهمية هذا العقد من كونه المصدر الأساسي لـلعدالة الاجتماعية بين الدولة والمجتمع، مما يضمن الاستقرار العام داخل الدولة. ويحصّن الدولة ذاتياً بين أجهزة الأمن والمجتمع. حيث أن المبدأ الأساسي للعقد هو أن الأفراد يتنازلون عن حقهم في تطبيق العدالة بأيديهم “حالة الطبيعة والفوضى» لصالح مؤسسة مركزية واحدة عبر مؤسسات الدولة. وهذا النقل للسلطة يمنع الثأر والاشتباكات الفردية والجماعية، ويحول دون العودة إلى حالة النزاع كما وصفها هوبز. أما الفوائد المستفادة، فهي متعددة الأوجه وتلامس حياة كل مواطن ومقيم. فالأمن والرفاهية مرتبطان، ويتجسد التزام الدولة بتوفير الرفاه الاقتصادي وتتبلور نهضتها منذ ظهور مشتقات الطاقة خلال العقد الماضي وحتى الآن. واستثمار الثروات الطبيعية لخدمة الأجيال الحالية والمستقبلية. هذا الالتزام يعزز الشعور بالأمان الاجتماعي والاقتصادي. التنمية الشاملة: يوجب العقد على الجميع المساهمة الإيجابية في البناء. هنا، نجد رؤية قطر الوطنية 2030 كوثيقة تنفيذية لهذا العقد؛ فهي خطة عمل تهدف إلى تحقيق التنمية البشرية، والاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية. فهذه الرؤية هي دليل على وفاء القيادة بوعدها نحو مستقبل مزدهر ومستدام. حيث تبقى شواهد هذه النهضة عبر الأحداث الدولية كالمؤتمرات السياسية والاقتصادية والاحداث الرياضية كأس العرب وغيرها شاهدة على مظاهر الازدهار والنهضة بأعلى المقاييس العالمية. كما أن الهوية الوطنية والإسلامية والعربية ثابتة رغم كل الصعوبات والمتغيرات. والتكافل والتضامن مع الأمة حاضر وبقوة منذ التأسيس وحتى الآن. يرسخ العقد الاجتماعي قيم الانتماء والوحدة الوطنية، ويدعم نموذج التكافل الاجتماعي المتأصل في الثقافة القطرية، حيث الواجبات والحقوق متساوية أمام القانون لضمان العدالة الاجتماعية. إن هذا التوازن بين التزام القيادة وولاء ومشاركة المواطن والمقيم هو سر الصمود وازدهار دولتنا العزيزة حفظها الله. إن الاحتفال باليوم الوطني، في الثامن عشر من ديسمبر، يتجاوز كونه مجرد ذكرى تاريخية؛ إنه المحطة السنوية والفرصة المتجددة لتأكيد الولاء وقوة هذا العقد الاجتماعي الذي أرساه المؤسس، الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، على أسس العدل والوحدة. عندما نتأمل في شعار «بكم تعلو ومنكم ننتظر» ندرك أن استمرار العقد يتطلب منا جميعاً استلهام روح المؤسس في الحفاظ على هذا الإرث الثمين. فالمواطنة ليست مجرد حقوق تُمنح، بل هي مسؤولية تجاه المجتمع والدولة. في الختام، يظل العقد الاجتماعي هو الضامن الأقوى لمستقبلنا. ولضمان ازدهار قطر، يجب علينا أن نحمل على عاتقنا واجب توريث هذا العهد المتين للأجيال القادمة، ليظلوا هم القوة الدافعة التي «بها تعلو» راية الوطن، ويستمر هذا التلاحم الفريد بين القيادة والشعب، عاماً بعد عام. شكراً سمو الأمير.

507

| 14 ديسمبر 2025

فن التعامل مع المخالفين

إن المخالفة تعتبر جزءا لا يتجزأ من طبيعة الكون والحياة. بل دليلٌ يدل على وجود الحق، ويفرق ويفصل بين الحق والباطل. وقد يكون أول شعور لصاحب الحق مع المخالف، أنه يرد العقوبة للمخالف من خلال التشهير إن كان امام الحاضرين أو اعتباره نقداً هداماً عند سوء فهم المخالف، وذلك لسوء ظن النوايا عند الحديث. ولكن التعامل الفعّال مع المخالف لا يكون من مبدأ تطبيق الحساب؛ بل يتعلق بالنقد البناء، والاحتواء العاطفي الذكي، والتحويل الإيجابي للقناعة والفكر والمعتقد. بدلاً من البدء بنقاط الخلاف، ابدأ بنقاط الالتقاء الإنسانية والوطنية والدينية الأساسية. ومثال ذلك ذكّر المخالف بالقيم التي يتفق عليها الجميع، مثل مصلحة الوطن، أو الحفاظ على النسيج الاجتماعي، أو حرمة الدماء، أو المبادئ الأخلاقية العامة. عند مواجهة المخالف، سواء كان موظفًا في مؤسستك، أو طالبًا في فصلك، أو حتى ضيفاً في مجلسك، أو إن كان فرداً مفاوضاً من دولة أخرى شقيقة او صديقة او حتى عدوة، فإن أول وأهم أداة لديك هي هدوؤك. فالغضب يُفقِدك السيطرة ويُصعِّد الموقف. امنح نفسك لحظة قبل الرد. هذا الصمت القصير هو خط الدفاع الأول عن حكمة القرار. لا تقاطع. دع المخالف يعرض وجهة نظره بالكامل. قد تكون دوافعه واضحة جدًا في طريقة شرحه. عندما يشعر أنه مسموع، تقل حدة دفاعه وتفتح الأبواب على مصراعيها للحوار البنّاء. فيجب علينا انتقاد الفعل، لا الفاعل. فقل: «هذا الإجراء غير مقبول»، ولا تقل: «أنت شخص غير مسؤول». فهذا يمنح الشخص فرصة للاعتراف بالخطأ دون الشعور بالإهانة الشخصية. فوضوح القاعدة وعدالة التطبيق، هي التي تجعل الناس يتقبلون التصحيح. خصوصاً إذا شعروا أن القاعدة التي خرقوها كانت واضحة سلفًا وأن التطبيق عادل وموحد. فيجب عليك الوصول الى حالة جدلية تخلق بيئة حوار لا رمادية، ويتأكد الجميع من خلالها من أن معرفة هدف الخلاف بالضبط والدقة الكافية، ليتم التفريق بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول. فعند الغموض يتولد التبرير. والتدرج في الحديث والإجراء، حيث لا تبدأ بأقصى أنواع الردود او ردود الفعل. بل ابدأ بالتنبيه اللفظي، ثم الإنذار الكتابي، ثم الإجراءات الأشد. وهذا هو التدرج المطلوب، والذي يُظهر أن الهدف هو التصحيح وليس الانتقام. إن التوثيق أهم أسس العدالة، فكل تسجيل لكل مخالفة وكل إجراء اتُّخذ. فإنه يحميك من اتهامات التحيز. ويُضفي طابعًا احترافيًا على العملية بأكملها سواء في حديث خلال لقاء او اجتماع او أي اجراء رسمي مكتوب. قال تعالى في أطول آياته {فَاكْتُبُوهُ} البقرة ٢٨٢. فكثير من المخالفين يجحدون الحقيقة، او يتأولون الحديث بعد ما قيل وقال. فـ»وعد الحر دينٌ عليه». إن التركيز مع المخالف يجب أن يكون على تصحيح الهدف الأسمى، وليس محاسبة الماضي، بل ضمان حاضر خالٍ من المخالفة. وذلك حتى نفتح الباب للمخالف للعودة بكرامة إلى الحق. عندما يُظهر المخالف إشارة بالتغيير، قدِّم له الدعم والثناء. فالتعزيز الإيجابي لسلوك العودة إلى المسار، له قوة أكبر بكثير من التخويف من جزاء العاقبة. إن التعامل مع المخالف هو قيادة بحد ذاتها. فهي فرصة لترسيخ القيم، لا لتصفية الحسابات. فالحوار بالحكمة والهدوء، سيجد أن أكثر المخالفين عنادًا يمكن تحويلهم إلى عنصر بنّاء وفعّال بالرغم من مخالفتهم. فيجب أن يكون الرد من جهات الاختصاص الموثوقة والرسمية، وباستخدام الحجة الدامغة والمنطقية الصحيحة، بعيدًا عن لغة الانفعال. فالتعامل مع المخالف في القضايا الدينية والسياسية يمثل قمة التحديات في هذا الصدد، لأنه يتعامل مع الهوية والمعتقدات الراسخة، وهي مناطق حساسة تثير العواطف والجمود الفكري. فيجب التمييز بين الخطاب والضرر، وهو الجوهر الذي يفرق بين حرية الرأي والتعبير، فإذا كان المخالف يعرض رأيًا مختلفًا أو تفسيرًا مغايرًا، فالتعامل الأمثل هو المناظرة الهادئة والعرض المنطقي للحجج المضادة في المكان والوقت الصحيح، لا القمع. في هذه الحالة، ففي الخلاف يأتي إثراء المعرفة. ولكن ليس كل ما يُعَلم يقال، فكثير من القول يثير الفتن. إن إظهار مبدأ أن القانون يسري على الجميع بالتساوي مع الموالي والمخالف، وهو أقوى رسالة لزرع الثقة وتقويض أسس المخالفة القائمة على الشعور بالتمييز. اما إذا تجاوز المخالف الحدود إلى التحريض على الكراهية، أو العنف المادي، أو الإخلال بأمن المجتمع وسلامته، فهنا يجب تفعيل الإجراءات القانونية والإدارية بحزم، لأن الأمر لم يعد يتعلق بالرأي بل بالسلامة العامة للمجتمع والدولة. اللهم اجعل هذا البلد آمناً وسائر بلاد المسلمين.

330

| 07 ديسمبر 2025

التقليد ليس سيئاً!

هل فكرتم يوماً أحبابي القراء، فيما كان هناك شيء ليس مقلداً بالكلية؟ فليس هناك شيء يأتي من العدم، فالعدم من الناحية المنطقية لن يعطي شيئاً. فعرفت البشرية حساب الأرقام مع غياب الصفر. ولم يكن هناك رمز يمثل «لا شيء»، فكانت الأنظمة تفتقر إلى مفهوم القيمة المكانية، ولم تكن الأرقام السالبة موجودة. ولم يُخترع الصفر في وقت واحد، ولكنه تطور عبر الحضارات. استخدم البابليون رمزًا للفراغ حوالي عام 300 قبل الميلاد، بينما يعود أول استخدام للهند للصفر كعدد مستقل في النظام الحسابي إلى نحو القرن الخامس قبل الميلاد. ثم انتقل هذا المفهوم إلى العالم الإسلامي، حيث طوره العالم الخوارزمي في القرن التاسع الميلادي ليصبح رمزًا دائريًا له قيمة عددية، وهو ما مهد الطريق لانتقاله إلى أوروبا وانتشاره. فليس هناك أصلي على الاطلاق، إذ لا بد من تقليد لمقلد من قبل. فالبدعة المطلقة للخالق من العدم ولا يكون المخلوق إلا مقلد. فالتقليد هو حجر الأساس الذي بنى الإبداع. قد يبدو التقليد للوهلة الأولى، نقيضًا للإبداع والابتكار. في عالمنا اليوم، تكون للأصالة والتفرد قيمة لا تنازعها قيمة، ويُنظر إلى التقليد بعين الريبة، كونه دليلًا على الكسل الفكري أو العجز عن الخلق. لكن هذا التقييم، رغم جاذبيته، يفتقر إلى فهم عميق لدور التقليد كقوة دافعة، لا مُعطّلة، للتقدم الاقتصادي والفكري. إن النظر بتمعن يكشف أن الإبداع ليس ظاهرة مطلقة، بل هو دائمًا بناءٌ متراكم على أساس من التقليد المحكم. فالتقليد ركيزة اقتصادية. حيث يُعد التقليد أداة بالغة الأهمية لزيادة الكفاءة والنمو. فلا يجب على المؤسسة او الشركة او الدولة أن تعيد اختراع العجلة! عندما تعتمد الشركات الناشئة أو الأسواق الجديدة على نموذج عمل أو تقنية جديدة أثبتت نجاحها فإنها انما اعتمدت على مبدأ التقليد، فهي تختصر دورة طويلة ومكلفة من التجربة والخطأ. هذا ما يسميه الاقتصاديون «اقتصاديات التابع السريع». فهو يخفض المخاطر والتكاليف. فالتقليد يقلل بشكل كبير من التكاليف المرتبطة بالبحث والتطوير الفاشل، وهو تبنٍ رشيد للخبرة المُحكمة. ومن فوائد التقليد؛ تسريع الانتشار، حيث يضمن انتشار الابتكارات الناجحة بسرعة عبر الأسواق، مما يزيد من الإنتاجية الكلية للمجتمع والدولة. فالصين تحكم العالم اقتصادياً من سيادة الابتكار والإبداع من مبدأ التقليد. ولا تظن عزيزي القارئ أن الولايات المتحدة سادة العالم من حيث النهج الإمبريالي إلا بعد وراثته من الإمبراطورية البريطانية ومن قبلها الفرنسية. ولم يكن عصر النهضة إلا بعد تقليد العلو الإسلامي من بعد النهضة في الأندلس. فالتقليد طريقة متبعة عبر الأمم والعصور. فتصنيع سفينة شحن للغاز الطبيعي أو إدارة فرع لمصنع للطائرات العالمية لا يعد فشلًا إن أصبح حقيقة داخل بلدنا الحبيب. فالتقليد يجب أن يصبح ضرورة فكرية ورؤية وطنية. أما على الصعيد الفكري، فإن فكرة الإبداع المطلق هي مجرد وهم. لا يوجد مفكر أو فيلسوف أو فنان بدأ من فراغ تام. الإبداع هو دائمًا حوار نقدي مع ما سبقه؛ وهو محاولة لحل مشكلة تركها التقليد القديم، أو تفكيك وتركيب للأفكار الموروثة بطريقة جديدة. فمن حيث التعليم واللغة، فإن أبسط أشكال المعرفة، كالتعلم واكتساب اللغة، تبدأ بالتقليد. نحن نقلد الأصوات، ثم القواعد، ثم نبدأ بتكوين جملنا الأصلية. فالتقليد هنا هو المدخل إلى الإبداع. والتراكم المعرفي: التاريخ الفكري للبشرية هو سلسلة متصلة. تقليد أفكار أفلاطون، أو نيوتن، أو آدم سميث، لا يعني نسخها أعمى، بل يعني فهمها واستيعابها، وهذا الاستيعاب هو الذي يُمكّن المفكر التالي من تجاوزها أو بنائها. الإبداع الحقيقي لا يرفض التراث، بل يهضمه ويُحوله. فلا أصالة بدون تقليد، وإنما الأصالة أتت مع مرور الوقت، والناس أعطت الأصالة قمتها بناءً على الحاجة. فحتى أكثر الأعمال والتحف الفنية أصالة تستمد قواعدها وجمالياتها من مدارس وتقاليد سابقة. فالمخطوطات الأثرية تبني على قيمة محتواها ورغبة مورديها، والروائيون يستعيرون هياكل السرد المتوارثة مما سبقوهم. فالأصالة تكمن في التنويع البارع على أطر التقاليد الإنسانية المتوارثة منذ بدأ الخلق، وليست تأليفا عقليا ملهما من صمت مطلق. فلقد علم الخالق أبا البشرية جمعاء آدم عليه السلام أسماء كل شيءٍ في الحياة. قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} البقرة ٣١.

483

| 30 نوفمبر 2025

الجيل ياء «Z»

لابد أن جرى على مسامعكم من أحد الفتية أو الفتيات اليوم، أو من خلال ما يسمى بالجيل «زد z” أو بتسمية أخرى الـ» زومرز» Zoomers والذي يمتد ما بين ١٩٩٧ إلى ٢٠١٢. وجاءت التسمية بعد استنفاد جيل الحرف واي Y ، فكان طبيعياً أن تنتقل التسمية إلى الحرف Z زد وهذا هو الجيل الذي يعتبر المواطن الرقمي الأصيل. حيث نشأوا بالكامل في عالم الإنترنت، والهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي. يتميزون بالسرعة في معالجة المعلومات، والتعبير عن الذات ببراعة عبر المنصات الرقمية، والعملية، كما أنهم الأكثر تنوعاً عرقياً وثقافياً في التاريخ. إن التقسيم الحديث للأجيال هو بالأساس ظاهرة غربية، بدأت مع مطلع القرن العشرين، لكنها اكتسبت شهرتها الواسعة مع تحديد جيل “مولودي الانفجار السكاني Baby “Boomers والذي كان ما بين ١٩٤٦ إلى ١٩٦٤م ولكن من الذي صنف الأجيال بهذه الطريقة؟ يعود تحديد الأمر في القرن العشرين وأتت تسميات الأجيال من الولايات المتحدة، ينسب غالبًا إلى المنظرين «نيل هاو وويليام شتراوس»، من خلال دراستهما “الأجيال” التي نُشرت عام 1991 والتي أطلقا فيها على الجيل الذي خاض الحرب العالمية الثانية اسم “جيل جي آي” (Government Issue). لكن اسم “الجيل الأعظم” شاع بعد إصدار توم بروكاو كتابًا يحمل نفس الاسم. يعتبر ابن خلدون أب علم الاجتماع، وهو اول من صنف وربط الأجيال عبر التاريخ. ولكن تصنيفه ثلاثياً وكان رأسياً، أي ما يعرف «بقاعدة الأجيال الثلاثة» حيث يكون الجيل الأول جيل المؤسسين والقوة «جيل البداوة»، والجيل الثاني جيل بداية الاستقرار والمحافظة « جيل التحضر الأول»، والجيل الثالث جيل الترف والانحلال « جيل الانغماس في التحضر». إن تصنيف ابن خلدون ليس مجرد رؤية تاريخية قديمة، بل هو عدسة لتحليل المجتمعات الحديثة. إنه يذكرنا بأن قوة الأمة لا تُقاس بثروتها المادية أو تطورها التقني فحسب وهو ما قد يراه جيل Z اليوم، بل بقوة الروابط الاجتماعية والأخلاقية التي تربط أفرادها. ولكن دعوني أعزائي القراء؛ نستعرض بعض هذه سمات هذه الأجيال حسب تصنيفها وتسمياتها وأهم ما يميزها. جيل «مولودي الانفجار السكاني» Baby Boomers والذي سُمي بهذا الاسم نتيجة الزيادة الهائلة في المواليد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وهذا الجيل نشأ في فترة ازدهار اقتصادي ورفاه نسبي في الغرب. واما « الجيلX» يمتد تقريباً ما بين ١٩٦٥م وإلى ١٩٨٠م. وكانت التسمية بالأساس فيها من الغموض الذي يبدو مقصوداً ويشير إلى جيل «المجهول» أو «غير مُحدد» الهوية، حيث جاء بعد الازدهار الكبير للجيل الذي سبقه. وقد اكتسبت التسمية شعبية بعد رواية تحمل هذا الاسم. يتميز هذا الجيل بالاعتماد على الذات، والمرونة، والتشكيك في الثوابت وهم أول من عاصروا الثورة الرقمية المبكرة. أما «جيل Y» او ما يسمى بالميلينيالز Millennials» وهو الجيل الحالي الذي اصبح في سن الرشد. ويمتد ما بين الأعوام ١٩٨١ إلى العام ١٩٩٦م. واكثر ما يميز هذا الجيل هو التأقلم الفوري مع التغيير والتقنيات الحديثة والطارئة، ويسعون الى التوازن بين الحياة والعمل، ولهم حس عال بالقضايا الاجتماعية والعالمية. وأما جيل عنوان المقال؛ فلهم تسمية أخرى «الـزومرز Zoomers» وامتدادهم الزمني ما بين ١٩٩٧ إلى العام ٢٠١٢م. فهم يتميزون بالسرعة في معالجة المعلومات، والتعبير عن الذات ببراعة عبر المنصات الرقمية، والعملية، كما أنهم الأكثر تنوعاً في التاريخ. وختاماً الجيل «الفا Alpha Generation» وبدايته من العام ٢٠١٣ وما بعده. وهو أول جيل يتم تسميته باستخدام الأبجدية اليونانية، في إشارة إلى بداية دورة جديدة بعد استنفاد اللاتينية. إنهم أطفال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي و«الإنترنت المحيط». وهو الجيل الذي يتوقع له أن يكون الأكثر تعليماً وتأثراً بالتغييرات التي قد تحدث في العالم في المستقبل القريب. في النهاية؛ قد يظن البعض أن مع انتشار الانحلال الأخلاقي بين الناس وحول العالم حتى أصبحت الفطرة السليمة امراً بعيداً مع الانغماس اكثر في العالم المعلوماتي والمرئي. إن الأجيال ستواجه عالماً كارثياً شديد السواد مع ما نسمعه عن ظلال الحروب والقتل والإبادات الجماعية حول العالم. ولكن لم يأت جيل بني إسرائيل المسلم الصالح الذي فتح القدس إلى من بعد تيه قوم موسى بعد أربعين سنة، كما قال تعالى {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } المائدة ٢٦.

540

| 23 نوفمبر 2025

alsharq
من المسؤول؟ (2)

حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية،...

3852

| 29 أبريل 2026

alsharq
قمة الخليج من إدارة الأزمات إلى صناعة التوازن الإقليمي والدولي

في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن...

1476

| 30 أبريل 2026

alsharq
بين الضحكة والسكوت

في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات...

1023

| 29 أبريل 2026

alsharq
حين ينكسر الزجاج.. من علمنا أن القرب يعني الأمان؟

ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل...

762

| 03 مايو 2026

alsharq
هندسة العدالة الرقمية

على ضوء التطور المتسارع الذي تشهده مؤسساتنا الوطنية،...

678

| 30 أبريل 2026

alsharq
في زمن الأزمات ... من يكتب ولماذا؟

ليست الصحف مجرد صفحات تُطوى مع نهاية اليوم،...

648

| 28 أبريل 2026

alsharq
الحلقة المفقودة بمنظومة الخدمات في قطر

يتصل المواطن بالوزارة فيُحال إلى جهة أخرى، يتصل...

645

| 28 أبريل 2026

alsharq
السوربون تنسحب من التصنيفات.. بداية ثورة أكاديمية

في خطوة غير مسبوقة في عالم التعليم العالي،...

633

| 30 أبريل 2026

alsharq
سياسة قطرية دفاعية لحماية الشعب وتحقيق السلام

جميع السياسات القطرية تنطلق من مبدأ أساسي يؤمن...

618

| 30 أبريل 2026

alsharq
الطاسة ضايعة

لكل منظومة هيكل تنظيمي يحدد الأدوار والمسؤوليات والصلاحيات...

528

| 29 أبريل 2026

alsharq
الاعتداءات الإيرانية على الخليج والصهيونية على غزة وجهان لعملة واحدة

يقول الأكاديمي الكويتي الدكتور فيصل أبو صليب على...

486

| 28 أبريل 2026

alsharq
مَنْ يسقط حقّ الجار كيف يعيش في سلام؟!

حقّ الجار ركيزة اجتماعيّة أساسيّة من أجل التّعايش...

438

| 01 مايو 2026

أخبار محلية