رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في لحظة فارقة على مسرح الأوسكار عام ١٩٧٣، اعتلت امرأة من الهنود الحمر السكان الأصليين للولايات المتحدة المسرح نيابة عن مارلون براندو الفائز بجائزة أفضل ممثل، ورفعت يدها بصرامة حاسمة رافضة لمس التمثال الذهبي. كان اعتذارها عن استلام الجائزة وإلقاؤها كلمة لم تتجاوز ستين ثانية احتجاجاً صريحاً على تشويه الدراما الغربية لهويتهم، وتضامناً مع انتفاضة "ووندد ني" ضد الفساد والتهميش ونقض المعاهدات. شكل ذلك المشهد إعلاناً مبكراً عن عمق الأزمة البنيوية بين المركزية الغربية و"التطرف" المدمى بالصمت. إن للتطرف اليميني جذوراً دينية منتمية للدين النصراني عبر التاريخ الأوروبي وتاريخ الاحتلال العابر للقارات؛ حيث لم يكن "التطرف" وليد المصادفة، بل نتاج مركزية ترى الآخر الغريب تهديداً لهويتها. في هذا الفضاء المتوتر، يجد المهاجر نفسه محاصراً بسياسات باعتباره من الأقليات؛ تُحول وجوده إلى ورقة ابتزاز سياسي تُشْهَرُ في صندوق الاقتراع لتغذية فزاعة "الاستبدال العظيم" وتبرير عسكرة الحدود. وبينما يُتهم المهاجر باستنزاف الرعاية، تتبدى ازدواجية المنظومة الغربية في تراتبية عنصرية تجعل التحريض على المسلمين مجرد "حرية تعبير"، في حين تُساق القوانين لحماية المركز وتجريم من يمس ثوابته، ليُراد للمغترب أن يظل سواعد بناء صامتة في الهامش. ولم تقف آثار هذا التطرف عند الجيل الأول، بل رسمت ملامح أزمة هوية مركّبة لدى الجيل الثاني من المهاجرين؛ إذ يجدون أنفسهم معلقين في مساحة برزخيه بين مجتمعات غربية تطالبهم بالاندماج وتُبقيهم في خانة "الآخر" عبر التهميش البنيوي، وموروث يمني يفصلهم عنه ضغط الثقافة الحاكمة. تتجلى هذه التناقضات في "تغرّب مزدوج" يفرض على الشاب المهاجر صراعاً يومياً في الفضاء العام لإثبات ولائه، وفي الفضاء الخاص لحفظ جذوره من الذوبان. وتكتمل صورة هذه الطرفية عندما تُفكك أدوات الإعلام الغربي؛ إذ يقول الصحفي والمناظر مهدي حسن في إحدى مواجهاته الشهيرة: «إن مشكلتكم ليست مع سلوك المهاجر أو المسلم، بل مع وجوده ذاته، حيث يُطالب دائماً بإثبات براءته من تهمة لم يرتكبها». يضع هذا التصريح أصْبعَهُ على جرح العقيدة العنصرية؛ حيث يمتد الفكر الفوقي لشبكات مثل "الـ KKK" ليتحول اليوم إلى إرهاب أبيض عكسي تُغذيه خطابات الكراهية. تُوظف هذه الازدواجية الأخلاقية لتسييس المفاهيم وتجريد المهاجر اليمني من غطائه الحقوقي، ليجد نفسه محاصراً في الهامش ومكشوفاً أمام شحنٍ يميني يرى في وجوده تهديداً وجودياً يجب استئصاله. إن اليد التي رفعتها ابنة السكان الأصليين على مسرح الأوسكار رادعةً المركزية الغربية عام ١٩٧٣، والصوت الذي أطلقه جيمس بالدوين في مناظرة كامبريدج كاشفاً زيف الهامش، هما الذروة التي تُعري أزمة المهاجر اليمني اليوم في الشتات. وبينما يصرّ اليمين المتطرف على إبقاء الغريب في طوق الابتزاز والتهميش، يظل المخرج الحضاري متمثلاً في إعادة الاعتبار للقيم الإنسانية الجامعة؛ قيمٍ تجلت أنصع صورها في روح "وثيقة المدينة المنورة"، حيث يُعامل الوافد كشريكٍ في التنمية والإخاء لا كـ "آخر" في الطرف. إن معركة المهاجر اليمني ليست معركة صمود على أطراف الغرب فحسب، بل هي رحلة استعادة صوته وحقه الأصيل في الكرامة، والانتساب إلى حضارةٍ ترفع الإنسان لمقامه لا لعرقه أو هامشه. وفي مقابل نماذج التطرف هذه والتهميش في الغرب باسم الرأس مالية المتوحشة والتي تعتبر الإنسان موردا ماديا بحتا، يُقدم واقع التعايش بين المجتمعات الإسلامية عموماً والمواطنين والمقيمين في قطر خصوصاً نموذجاً حضارياً مستلهماً من روح "وثيقة المدينة المنورة" في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. فلئن أرست الصحيفة النبوية مفهوم "الأمة الواحدة" والقائمة على المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين وعدالة الحقوق والواجبات، فإن المجتمع القطري يعيد تمثل هذه الروح عبر احتضان المقيمين كشركاء تنمية وأصحاب فضلٍ وعطاء، لتتحول علاقة الأرض بالوافد من مجرد عقد عملٍ إلى عقد تعايشٍ وإخاءٍ إنساني يحفظ الكرامة ويُعلي قيم العدل والتكافل الاجتماعي والأخلاقي في المجتمع.
150
| 13 سبتمبر 2026
من أمجاد الأندلس التاريخية من موسى بن نصير وطارق بن زياد، الذي سُمي المضيق باسمه والمحكوم بريطانياً عبر صخرته بين المغرب وإسبانيا، ومن أبيات غزل الهوى في "جادك الغيث"، إلى "ابك كالنساء ملكاً مضاعاً" حين وقفت والدة آخر سلاطين الأندلس مطلة على غرناطة بعدما سلّم الملك للملكين الكاثوليكيين (الملكة إيزابيلا الأولى - ملكة قشتالة، والملك فرديناند - ملك أراغون)، ولا أدري أكانت تنعيه أم تهجوه! إسبانيا ليست الأندلس بالتأكيد، وهل تناسى الغربُ من وضع اللبنة الأولى لعصر نهضته وعلومه الحديثة؛ من "عباس بن فرناس" ملهم عصر الطيران من السماء إلى الفضاء، و"أبي القاسم الزهراوي" أب الطب والجراحة الحديثة وغيرهم الكثير؟ ولكن إسبانيا ليست الأندلس بالتأكيد! فهل استقلاليتها التي تبيّن معالم مواقفها اليوم خاصة في ملفات الشرق والغرب وليدة الصدفة؟ إنها ثمرة مسار شاق استطاعت فيه دولةٌ أنهكتها الحروب الأهلية والاستقطاب الأيديولوجي، واستُغلت هشاشتها الاقتصادية طويلاً من القوى العظمى، أن تبني بالمرونة والمؤسسية تجربةً سياسية قادرة على خوض التحديات الجيوسياسية دون التفريط في استقرارها الداخلي. لم يولد العقل السياسي الإسباني من فراغ، فما أشبه الأمس بالبارحة؛ فشبه الجزيرة الإيبيرية التي تقاسمت مع البرتغال يوماً صدارة احتلال العالم، وتحديداً ما يسمى بـ "العالم الجديد" في الأمريكتين، تحولت في القرن العشرين من صانعة للإمبراطوريات إلى ساحة تنازع واستقطاب حاد بين الشرق والغرب. وفي الحرب الأهلية (١٩٣٦- ١٩٣٩)، تجسد التدخل الشرقي الإلحادي في الدعم السوفيتي المباشر لـ "الجبهة الشعبية" برئاسة خوان نجرين، الذي اتفقت التيارات اليسارية والشيوعية تنظيمياً على قيادته بدفع من موسكو. وقد أعادت التصفيات والمجازر الدموية لهذا المعسكر إلى أذهان الإسبان دموية محاكم التفتيش ذات تاريخ التطرف الديني بعد ما كان مثالا يحتذى به لتسامح الأديان في العصر الأندلسي؛ حيث التقى المشهدان في إحصاء دمر الحياة الإنسانية وحصد مئات الآلاف من الضحايا بين إرهاب فكري قديم وإرهاب أيديولوجي حديث. وهي الذريعة التي اقتنصها الجنرال فرانكو ليمنح نفسه القوة التشريعية والسلطة المطلقة كـ "حامٍ للهوية الكاثوليكية"، جاعلاً التاج الملكي مجرد صورة شكلية مؤجلة. وهنا تتجلى الحقيقة المؤلمة لسكان شبه الجزيرة الإيبيرية: كيف تحول أصحاب الإمبراطورية العظمى أمس إلى "ضحايا وبيادق" لصراعات القوى الكبرى على أراضيهم؟ وهي تجربة مريرة صنعت لدى مدريد المعاصرة عقيدة المرونة والمؤسسية لتجنب الوقوف مجدداً تحت رحمة أي هيمنة خارجية. لم يكن خروج إسبانيا من جلباب الديكتاتورية الفرانكوية، المدعومة تاريخياً من محاور التطرف الأوروبي الغربي كالجمهوريات الفاشية والنازية في إيطاليا "موسوليني" وألمانيا "هتلر" وبرتغال "سالازار"، وسط تواطؤ وحياد غربي من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة تابع للمصلحة، مجرد انتقال عادي للسلطة، بل كان إعادة هيكلة جذرية لمؤسسات الدولة لتفادي تكرار مآسي الماضي. فقد نجحت البلاد عبر "دستور ١٩٧٨" في تحويل عقيدة المؤسسة العسكرية من جيش مسيس يمارس الانقلابات والوصاية الدينية، إلى قوة احترافية تخضع بالكامل للشرعية المدنية والدستورية. بالتوازي مع ذلك، أُعيدت صياغة العرش الملكي؛ فبعد أن أراد فرانكو تركه مكبلاً بوفائه لنظامه، تحولت الملكية إلى نظام برلماني دستوري محايد يُشكل صمام أمان لوحدة البلاد ضد الاستقطاب الأيديولوجي والانفصالي. وتتجلى هذه المرونة اليوم في الإعداد المكثف لولية العهد، الأميرة ليونور، التي تخضع لتأهيل عسكري ثلاثي (بري وبحري وجوي) وأكاديمي متطور، لتقديم نموذج لـ "الملكية الشفافة" التي تتجاوز أخطاء العقود الماضية وتخاطب أجيالاً جديدة لم تعش ويلات الحرب الأهلية، ضامنةً بذلك استدامة التاج كمظلة جامعة للجميع. تتجلى ثمرة هذه "المرونة المؤسسية" اليوم في الدبلوماسية الإسبانية الجريئة، التي لم تتردد في اتخاذ موقف تاريخي صريح بالاعتراف بالدولة الفلسطينية ومواجهة التجاوزات الإسرائيلية في غزة، متجاوزةً الضغوط الغربية ومبتعدةً عن الارتهان للخطاب الصهيوني. يكتمل هذا الاستقلال السياسي بإدارة براغماتية متوازنة مع جوارها العربي؛ فتؤمن مدريد أمنها بين شريان الطاقة مع الجزائر الشقيقة والشراكة الأمنية والديموغرافية الوثيقة مع المغرب. وهنا تكمن الفائدة الإستراتيجية للجمهور العربي، ولدول الخليج العربي على وجه الخصوص التي تواجه تحديات صعبة من الناحية الإستراتيجية الدولية؛ إذ تقدم التجربة الإسبانية نموذجاً حياً لكيفية استثمار نجاح النظام "الملكي" كصمام أمان للاستقرار في وجه التحديات الدولية، وتحويل التحديات التاريخية إلى مرونة تنموية وبناء شراكات اقتصادية وسياسية متزنة مع التكتلات العالمية. إن مدريد اليوم تبرهن لشركائها في الخليج والعالم العربي أن تسيير الدولة الحديثة لا يتطلب الارتهان للقطبية الواحدة، بل يرتكز على مؤسسات محلية صلبة، وسيادة مرنة يحترمها الشرق والغرب.
285
| 06 سبتمبر 2026
في عالمنا اليوم، يتم تشكيل الواقع الدولي على صدى طبول الحروب الباردة والساخنة، ولا يبدو أن الأمر بين واشنطن وبكين مجرد تصارع اقتصادي على السيطرة على موارد العالم، أو صراع تقني على رقائق أشباه الموصلات. إنها في عمقها مواجهة حتمية بين نظامين أو فكرتين تحكمان استراتيجية عقول صناع القرار في كلا البلدين. ولفهم ما يجري خلف الكواليس في البيت الأبيض وقصر الشعب ببكين، علينا أن ننزع مجهر التحليل السياسي الآني، ونرتدي عباءة الفلسفة التاريخية؛ حيث يتواجه الفيلسوف الصيني القديم "صون تزو" مع المفكر الإيطالي "نيكولو ميكافيلي" على رقعة الشطرنج العالمية. يتمثل إرث "صون تزو" وكتابه الخالد "فن الحرب" في امتداد الفكر السياسي الصيني للشأن الدولي، إذ إن لهذه المدرسة في إدارة الحروب تأثيرات كبيرة؛ حيث تُعتبر الحرب ضرورة قصوى يُتجنب ما أمكن من عواقبها، وتُعد "أعظم درجات المهارة هي كسر مقاومة العدو دون قتال". إن الاستراتيجية الصينية تقوم على الصبر الطويل، وبناء النفوذ الهادئ، وتطويق الخصم عبر شبكات المصالح الاقتصادية والمبادرات الجيوسياسية مثل "الحزام والطريق"، دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة. إنه منطق "الماء" الذي ينحت الصخر بالتدفق المستمر والصمت المهيب، منتظراً اللحظة التي تتآكل فيها قوة الخصم ذاتياً. في الجانب الآخر، يتربص النسر الأمريكي من علو شاهق فوق قمة العالم متسلحاً بالمدرسة "الميكافيلية"؛ تلك الفلسفة السياسية الغربية التي تمنح الأولوية المطلقة للقوة الصارمة، والردع العسكري، والمبادرة الهجومية الحاسمة. في واشنطن، الغاية تبرر الوسيلة، والحفاظ على الهيمنة العالمية يتطلب استعراضاً مستمراً للعضلات، وفرض العقوبات، وتشكيل الأحلاف العسكرية السريعة، واعتماد مبدأ "الضربة الاستباقية". إنها استراتيجية "الأسد" الذي يفرض هيبته بالزئير والمخالب، حيث يُقاس النجاح بمدى القدرة على إخضاع الآخرين وفرض الإرادة بأسلوب مباشر وفوري. هذا التباين الصارخ يفسر الكثير من السلوكيات السياسية التي نشهدها اليوم. فبينما تتحرك أمريكا باندفاع وسرعة، محاولةً حسم الملفات بـ "النقاط الفورية" وضمن دورات انتخابية قصيرة تفرضها طبيعة نظامها السياسي، تتحرك الصين بـ "النَفَس الطويل"، ناظرةً إلى العقود القادمة وليس إلى العناوين الإخبارية لصباح الغد. الاستفزازات الأمريكية في بحر الصين الجنوبي تقابلها بكين بـ "صبر استراتيجي" مدروس، ليس عجزاً، بل رغبة في استنزاف طاقة الخصم واستدراجه إلى مربع التعب والإنهاك الاستراتيجي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه وسط هذا الاشتباك الفكري: أي المنطقين سينتصر في النهاية؟ هل ينجح منطق القوة والردع الميكافيلي في كسر الصعود الصيني عبر محاصرته قبل اكتماله؟ أم أن حكمة "صون تزو" ستثبت مجدداً أن النفس الطويل وبناء القوة الذاتية الهادئة هما الكفيلان بوراثة العرش العالمي دون خوض معركة كبرى قد تحرق الجميع؟ المؤكد أن العالم العربي يقف اليوم في منطقة الوسط بين هاتين القوتين، وهو ما يفرض على العواصم العربية ألا تكتفي بموقع المتفرج. إن فهم الفلسفة الكامنة وراء قرارات الدول الكبرى هو الخطوة الأولى لبناء استراتيجية عربية مستقلة، ترفض أن تكون مجرد ساحة لتصفية الحسابات أو بيدقاً في رقعة شطرنج الآخرين. لقد علمتنا الجغرافيا، وأكد التاريخ، أن القوة دون حكمة تنتهي بالانتحار، وأن الحكمة دون قوة تظل عاجزة. وفي الصراع الراهن، قد لا يكون الفوز حليف الأقوى عسكرياً، بل حليف الأقدر على قراءة التاريخ واستشراف المستقبل بنظرة لا تغفل السلاح، لكنها تؤمن أولاً بالدهاء الاستراتيجي.
414
| 30 أغسطس 2026
في زمن أصبحت فيه الشاشات الزجاجية نافذتنا الرئيسية واليومية على العالم، نجد أنفسنا معرضين لسيل متدفق لا ينقطع من الصور والمظاهر التي تفيض بالنجاح والأناقة والاطمئنان. نرقب السيارة الحديثة المنسابة في الشوارع، ونشاهد الصور المبهرة للمنازل الأنيقة، ونتابع لقطات السفر والرحلات، إلى جانب الابتسامات العريضة التي تعلو الوجوه في كل مناسبة. غير أن المنطق الإنساني والحقيقة الواقعية يؤكدان زاوية جوهرية غالباً ما يغفل عنها العقل الجمعي في زحام المظاهر: نحن في حقيقة الأمر لا نرى سوى «نصف الصورة». إن الظاهرة الإنسانية المتمثلة في مقارنة الذات بالآخرين ليست وليدة اللحظة، إلا أن العصر الحديث وآلياته البصرية المتقدمة ضاعفا من تأثيرها النفسي والاجتماعي بشكل غير مسبوق. يميل الأفراد بصورة طبيعية وعفوية إلى استعراض الجوانب المضيئة، واللحظات التتويجية، والمحطات السعيدة من حياتهم، في حين تُطوى كواليس التعب والمكابدة بعيداً عن أعين الناس. ومن هنا ينشأ التضليل النفسي؛ إذ ينظر المتابع إلى النتيجة النهائية الباهرة دون أن يتأمل في المسار المعقد والمجهد الذي سبقها، أو الالتزامات اللاحقة التي تفرضها تلك النتيجة. إذا تأملنا التفاصيل الدقيقة للمظاهر اليومية التي تحيط بنا، سنجد أن كل إنجاز أو اقتناء يحمل في طياته وجهاً آخر لا يظهر للعيان بسهولة. ترى السيارة الفارهة، لكنك لا ترى الأقساط الشهرية الثقيلة التي تكبل صاحبها، ولا الضغوط العملية القاسية التي يتحملها لأجل الوفاء بها. ترى المنزل الشامخ بأركانه والديكورات المتقنة، ولا ترى سنوات العناء والجهد والادخار الصارم التي استُنزفت في سبيل بنائه. ترى النجاح المشهود والمكانة المرموقة، وتغفل تماماً عن محطات السقوط والتخبط، والتجارب العاثرة، والليالي الساهرة التي خلت من الأمان النفسي قبل الوصول إلى تلك اللحظة. ولعل الأبعاد النفسية والاجتماعية هي الأكثر خفاءً وتأثيراً في هذا السياق المتسارع. نحن نرى الضحكة الصافية والمحيّا البشوش في المجالس العامة أو عبر منصات التواصل، ولا نعلم ما يدور خلف الكواليس وما يحدث حين تُغلق الأبواب وتصمت الأصوات؛ حيث قد تحل الحيرة أو مشاعر الوحدة العميقة. ترى الأموال والوفرة الظاهرة، ولا ترى المسؤوليات الجسيمة والالتزامات العائلية والمهنية القاسية التي ترافق تلك الثروة. ترى الشغف بالسفر والتنقل الدائم بين العواصم، ولا ترى مرارة الغربة وشعور الاغتراب الفكري والنفسي عن الأهل والوطن. بل إن ذلك الهدوء والاتزان الساكن الذي يظهره البعض، ليس في كثير من الأحيان إلا حصيلة معارك ضارية خاضوها في طيات أنفسهم حتى تمكنوا من الانتصار على أزماتهم. إن تحقيق الاستقرار النفسي والرضا الذاتي يتطلب إدراكاً واعياً وعميقاً بأن الحياة تقوم على توازن متكافئ بين التضحيات والمكاسب، وأن لكل مظهر براق ظلاً خفياً يوازيه في الحجم والأثر. إن استيعاب حقيقة أن ما ينكشف لنا من حياة الآخرين هو مجرد جزء مجتزأ اختارته الظروف أو الأفراد لإظهاره، وأن الثمن الحقيقي ينفرد بدفعه صاحبه وحده، يحرر الإنسان من طاقة الحسد المنهكة واستنزاف الذات في المقارنات غير العادلة. في النهاية، ليس الوعي بمفهوم «نصف الصورة» دعوة للتشكيك في سعادة الآخرين أو التلذذ بتوقع آلامهم، بل هو مدخل حقيقي لبناء سلام داخلي متين. إنه تذكير واع يتيح لكل فرد التضامن مع رحلته الخاصة، ومراعاة ظروفه الشخصية، واستيعاب أن الحقيقة الإنسانية لا تكتمل إلا بقبول المشهد بكامل أبعاده؛ بذروته وقاعه، بظاهره المعلن وباطنه الخفي.
252
| 23 أغسطس 2026
فلسطين.. أرض يبدو أهلها كأنهم رهينة لقرارات صُنّاع التاريخ، تحاصرهم جغرافية الحاضر، وتتوارى عنهم ساعة الخلاص الموعودة في المستقبل. هي قضية مرتهنة طويلاً لأروقة القرار السياسي، غير أن المعضلة التاريخية تظل تبحث عن نهايتها الحتمية. من رحم هذا الواقع المعقد، جاءت حادثة صغيرة في تفاصيلها، كبيرة في دلالاتها؛ ففي أحد فروع مطعم ‹برغر كينغ› بالولايات المتحدة، دخل المغني المنتمي للكيان الصهيوني، ‹رامي فاينشتاين›، لطلب الطعام. وحين سألته الموظفة ‹أريانا› بعفوية عن أصله، أجاب بأنه من ‹إسرائيل›، ولم يكتفِ بذلك، بل استعرض بوقاحة قلادةً تحمل ‹نجمة داود› أخرجها مستفزاً من خلف قميصه. لترد عليه بكلمة واحدة اختصرت ضمير الحق العادل «الحرية لفلسطين!». إن واقع فلسطين اليوم ليدمي القلب حيث هذا الانقسام الشديد بين الأطراف الفلسطينية والتباينات العربية للقضية وحتى العالمية مما يجعل البوصلة الفلسطينية تدور في منحنيات لا نهائية للحل. ولم تكن الحدود الجغرافية والسياسية لأرض فلسطين يوماً كما هي وفق إرادة أبنائها عبر التاريخ القديم والحديث، إلا أن تأثيرها البالغ يظل حاضراً في مصير القضية من كل منظور. وإذا أردنا تأصيل التاريخ الفلسطيني انطلاقاً من أواخر العصور الحديثة حسب تقاسيم المؤرخين، فإن أبعاد القضية تتسع وتزداد تعقيداً. ولتبسيط هذا الامتداد التاريخي العميق، لا بد من وضعه في إطاره الطبيعي المتمثل في انتمائه للرقعة العربية، وبطبيعة الحال للأمة الإسلامية برمتها، رغم ما ألقته التقاطعات الفكرية والسياسية بظلالها الثقيلة على مسار القضية. من هنا، يصبح التركيز منصبًّا على محطات العصر الحديث، لا سيما القرنين التاسع عشر والعشرين، اللذين يمثلان الحجر الأساس في صياغة الكثير من السردية الفكرية المعاصرة لفلسطين. بالعودة إلى جذور الانتماء، نجد أن فلسطين في العهود العباسية والأيوبية والمملوكية، وصولاً إلى العهد العثماني، قد شكلت حجر الزاوية في ذاكرة التاريخ الفلسطيني. يظل نقطة مفصلية في صلب السردية المعاصرة، لا سيما مع تصاعد الممارسات الاحتلالية للدول التي لم تستهدف فلسطين وحدها، بل طالت جسد الأمة الإسلامية برمتها وخوصواً العرب تحديداً. غير أن العهد العثماني و»الثورة العربية الكبرى» عام ١٩١٦ تظل هي المحطة الزلزالية التي أرست قواعد الواقع السياسي الراهن، وإن تباينت حولها القراءات والتأويلات. فمنذ تلك اللحظة التاريخية، انقسم الموقف الفلسطيني إلى تيارين متناقضين، تحولا بمرور العقود من محاولات التأييد الحذر إلى تجرع مرارة الصدمة، والانكسار التاريخي الذي لا نزال نستشعر ندوبه في واقعنا اليوم. لقد تحركت الحركات السياسية الفلسطينية المبكرة في أواخر سنوات احتضار العهد العثماني، مدفوعةً بأزمات ميدانية ومعيشية خانقة؛ تمثلت في سياسات ‹التتريك› الرامية لطمس الهوية العربية، والتجنيد القسري المعروف بـ ‹السفربرلك›، ناهيك عن المجاعات والإعدامات الدموية الظالمة التي نفذها جمال باشا. هذا الواقع المأساوي دفع النخب الفلسطينية والعربية للانحياز نحو ‹الثورة العربية الكبرى› عام ١٩١٦، طمعاً في التحرر والاستقلال وإقامة دولتهم الموحدة في كنف الاستقلال العربي، مستلهمين روح التاريخ والكرامة ومتطلعين لاستعادة أمجاد الأمة. غير أن هذا الحلم العارم اصطدم بخديعة احتلالية كبرى تمثلت في اتفاقية ‹سايكس بيكو› عام ١٩١٦ التي قسمت المشرق العربي، تلتها الكارثة الأكبر بصدور ‹وعد بلفور› المشؤوم ٢ نوفمبر عام ١٩١٧ القاضي بإقامة وطن قومي لليهود. وقد تزامن ذلك مع دخول القوات البريطانية واحتلال فلسطين، ليعلن الجنرال ‹اللنبي› لحظة دخول القدس مقولته الشهيرة التي كشفت وجه الصراع الحقيقي: «الآن انتهت الحروب الصليبية»! وفي الجانب المقابل؛ لم تكتفِ بريطانيا بإصدار الوعود، بل تحولت في ظل ‹انتدابها› المزعوم إلى مهندس فعلي لبناء نواة الكيان الصهيوني عبر ثلاث محطات أساسية: بدأت الأولى بإرساء البنية السياسية والإدارية عام ١٩٢٠ عبر تعيين أول مندوب سامٍ، المدعو ‹هربرت صموئيل›، الصهيوني البريطاني المتحمس الذي وضع تشريعات سلب الأرض. وتلتها المحطة الثانية بتشكيل ‹الوكالة اليهودية› والإدارة الذاتية لتكون حكومة ظل ترسخ قبضة المستوطنين على الجغرافيا الفلسطينية. ولم تتوقف عند هذا الحد، بل توجت ذلك بالتأسيس والدعم العسكري المباشر للعصابات الصهيونية مثل «الهاجانة «و»البلماخ»، والتي أدت وظيفتها الدموية في قمع المقاومة الفلسطينية، وصولاً إلى إعلان قيام كيان الاحتلال عام ١٩٤٨ على أنقاض النكبة. يبقى هناك لغز تاريخي مرتبط بالقضية الفلسطينية! وما كان قيام هذا الكيان على أشلاء الواقع ليأتي مصادفةً، بل نبت من رحم عهر المؤامرة الصهيونية منذ مؤتمر عام ١٨٩٧، مروراً باعتراف الاتحاد السوفيتي في السابع عشر من مايو عام ١٩٤٨بعد ثلاثة أيام فقط من إعلان الكيان، وصولاً إلى تبنيه من قبل العم سام، بعد أن انتقل قسراً من ملجأ المجرمين والرعاع البريطاني لتكون ولاية الولايات الأمريكية في الشرق الأوسط. قال تعالى: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} الإسراء ٤.
288
| 16 أغسطس 2026
منذ قديم الأزمان، وحكايات الأساطير والخوف الدفين تنتاب البحارة عند قدومهم قديماً للندب من هذا الباب البحري؛ إذ تُرجع الروايات التاريخية والشعبية سبب تسميته إلى أهوال الأمواج العاتية لبحر العرب المشترك مع المحيط الهندي والتي لطالما ابتلعت السفن، محولةً عبوره إلى مغامرة محفوفة بالموت، أو نسبةً إلى «الدمع» حيث السفن التي تقطعت بها السبل، أو القصص التاريخية لزلزال عظيم شق قارتي آسيا وأفريقيا. لم يكن هذا الممر المائي مجرد مسار بحري عادي، بل كان عبر العصور شرياناً حضارياً؛ فقد استُخدم المضيق فيما قبل التاريخ كجسر ضحل لعبور الهجرات البشرية الأولى من إفريقيا إلى شبه الجزيرة العربية وبقية آسيا، وتنافست عليه الإمبراطوريات القديمة والحديثة، من الفراعنة والرومان إلى القوى الاحتلالية الكبرى، حيث سعى البرتغاليون للسيطرة على مداخل البحر الأحمر وباب المندب للتحكم بطرق التجارة الآسيوية ومنع التجارة الإسلامية. كما احتلت بريطانيا مدينة عدن عام ١٨٣٩، ثم سيطرت على جزيرة ميون (بريم) الاستراتيجية في قلب المضيق عام ١٨٥٧ لتأمين طريق مستعمراتها في الهند بعد افتتاح قناة السويس عام ١٨٦٩. لا تقتصر أهمية المضيق على إرثه فحسب، بل تمتد لتتجسد في واقعه المعاصر الذي ارتبط طويلاً بتحديات أمن البحار؛ فقد برزت أزمة القراصنة قبالة السواحل الصومالية واليمنية كواحدة من أبرز التهديدات التي استهدفت هذا الممر الحيوي، مما دفع المجتمع الدولي إلى حشد أساطيله العسكرية تحت مظلة التحالفات الدولية لحماية خطوط الملاحة. ومن رحم تلك الأزمات الأمنية يعيد التاريخ نفسه، ليتحول المضيق والضفة المقابلة له -التي تضم اليمن، جيبوتي، إريتريا، وإقليم أرض الصومال - (شمال الصومال) إلى مسرح استراتيجي للتنافس الدولي والإقليمي على إنشاء القواعد العسكرية وتأمين موطئ قدم دائم. وفي هذا السياق الجيوسياسي المحتدم، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥ رسمياً الاعتراف بإقليم أرض الصومال (صومالي لاند) دولة مستقلة ذات سيادة، ليصبح الكيان الإسرائيلي أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة منذ إعلان الإقليم انفصاله ذاتياً عام ١٩٩١. وقد أدت هذه التشابكات الدولية إلى إعادة صياغة التحالفات السياسية؛ إذ تحول المضيق إلى ساحة صراع نفوذ وأوراق ضغط تستخدمها القوى الكبرى لحماية أمنها المائي وقنوات إمدادها. أما على الصعيد الاقتصادي العالمي، فيشكل المضيق الشريان النابض الذي تترابط عبره التجارة وناقلات الطاقة بين الشرق والغرب. بيد أن تعارض المصالح الدولية، وتصاعد التوترات الأمنية والعسكرية الحديثة، بات يهدد حرية الملاحة ويدفع حركة الشحن العالمية نحو مسارات بديلة باهظة التكلفة، ليبقى باب المندب الحلقة الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط لصراع النفوذ الدولي بعد أزمة مضيق هرمز التي لم تحل حتى الآن؛ فهذان المضيقان يشكلان معاً حلقة الوصل الحساسة التي تعتمد عليها موازين القوة الاقتصادية للعالم بأسره. وخلف هذا الصراع الجيوسياسي المعقد وصراع النفوذ الإقليمي، يدفع الشعب اليمني وحده الفاتورة الأثقل من أزمات معيشية خانقة، وتدهور مأساوي للبنية التحتية، وانقسام مجتمعي عميق. فهذا التشظي الداخلي واستمرار توظيف الورقة اليمنية في الصراعات الخارجية لا يؤديان فقط إلى إطالة أمد معاناة الملايين، بل يحولان الممر الاستراتيجي لورقة مساومة دولية، مما يجعل أي استقرار مستدام مرهوناً برفع الغطاء الخارجي عن أطراف الصراع، وإعلاء مصلحة الدولة الوطنية الجامعة فوق أي اعتبار حزبي أو طائفي أو مناطقي. ورغم قتامة المشهد اليمني وعمق الانقسامات، لم تتوقف الجهود الإقليمية والدولية- وخصوصاً دولتي الحبيبة قطر التي لم تدخر جهداً في رأب الصدع وإيجاد نافذة أمل تنهي مأساة الاقتتال- إذ تكللت تلك المحاولات الحثيثة، ولا سيما الوساطات الإقليمية والمبادرات الدبلوماسية المستمرة التي قادتها المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، بفتح قنوات حوار، وتثبيت هدن إنسانية، وتبادل للأسرى والمعتقلين، وتخفيف حدة التوتر العسكري على بعض الجبهات. وحين نتأمل حدث الوحدة اليمنية في ٢٢ مايو ١٩٩٠، ندرك أن إنجازها التاريخي لم يكن وليد صدفة سياسية عابرة، بل نتاجاً خالصاً لأصل الحكمة اليمانية التي تجلت حين أدرك أبناء الوطن مصلحتهم العليا من خلال لغة الحوار والتنازل المتبادل لأطراف النزاع، شريطة الاتفاق على منع التدخل الخارجي من أي طرف كان إلا بما يخدم مصلحة الوطن وسيادته.
465
| 09 أغسطس 2026
حين يتأمل العقل النقدي المشهد الاستراتيجي للشرق الأوسط، يصطدم بأكبر مأزق فكري يعاني منه الوعي الجمعي العربي: السقوط في فخ «الاستقطاب المزدوج»، وهي مغالطة منطقية تُعرف (بـ التفرع الأسود والأبيض) أو (الاحتكام إلى التطرف)، وتقوم على اختزال خيارات معقدة في قطبين لا ثالث لهما، حيث يُصوَّر أي موقف نقدي على أنه ولاء للطرف المعاكس. وهنا تتقاطع أجندات التمدد الإقليمي لطهران مع مشروع الاحتلال الإسرائيلي في تمزيق نسيج الفكر العربي. فمنذ ضربتي الكيان وإيران خلال العام الفائت على دولتي الحبيبة قطر، تغير المشهد الذي يبدو راسخاً في وعي المشاهد العربي. والمثير للدهشة والأسف ليس فقط فداحة الاعتداءات الإيرانية المتكررة على سيادة العواصم العربية، بل ذلك «التعاطف الوهمي» والانحراف الوجداني الذي تسقطه قطاعات واسعة من الجمهور على حروب طهران بالوكالة وأتباعها، تحت غطاء دعم القضية الفلسطينية. عندما ترى الأنباء عن التقارير أو التصريحات الرسمية من قبل الجمهورية الإيرانية على طاولة المفاوضات الرسمية المباشرة التي تجري مع الولايات المتحدة أو الأطراف الدولية كـ (محادثات مسقط وجنيف وإسلام آباد وغيرها) فلن تجد أي مداولات أو حديث عن ملف غزة! وظلت الترتيبات السياسية والأمنية تدار عبر مسارات الوسطاء (مثل مصر وقطر وتركيا والمبعوثين الأمميين والأمريكيين ضمن خطط السلام الخاصة بالقطاع) فيما ظل ذراع المقاومة الفلسطينية حماس وإيران تتعاملان وفق تقاطعات استراتيجية وعقائدية أوسع دون أن تكون غزة بنداً تفاوضياً رسمياً تُديره طهران نيابة عن الفصائل في مباحثاتها المباشرة مع الخصوم الدوليين. إن إحدى أكبر خدع العصر الحديث هي نجاح آلة الدعاية الإيرانية في توظيف مظلومية الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته كـ «صك غفران» لتمرير مشروع هيمنة استيطاني لا يقل خطورة عن المشروع الصهيوني. لقد وقع قطاع من الجمهور العربي في شباك «المقاربة العاطفية المأزومة»؛ فبات يبرر التدخلات الإيرانية أو يقف على حياد مريب أمام اعتداءاتها، توهماً بأنها تشكل جبهة ممانعة حقيقية. هذا التعاطف الأعمى يتجاهل حقيقة تاريخية ساطعة: أن دماء الشعوب العربية واستقرار دولها كانا دائماً «سُلعة تفاوض» رخيصة في أسواق المساومة الإقليمية والدولية التي تديرها طهران لخدمة مصالحها الخاصة لا تحريراً لفلسطين. الحقيقة المرة التي يجب أن يوجهها الشارع العربي هي أنك تواجه وحشين أو ماردين مدعومين من قبل الأحزاب الدولية الشرقية (كروسيا والصين) والتي تمثل الدعم لإيران أو الأحزاب الدولية الغربية (كالاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية) والتي تمثل الدعم للكيان الصهيوني المسمى إسرائيل. فالاستيطان والاحتلال فكرة لا تتجزأ بشكل المحتل أو جنسه أو عرقه أو عقيدته، فهي حروب الوكالة لمصالح الأحزاب في هذا العالم. وأن الوكيل الإيراني في المنطقة لا يعمل لتحرير الأراضي المحتلة، بل لتثبيت قواعد نفوذ على أنقاض الدول العربية المتداعية. إن الجمع بين رفض أطماع الكيان الإسرائيلي ورفض الأطماع الإيرانية ليس ترفاً فكرياً، بل هو عين العقل السياسي والشرط الأساسي لاستعادة السيادة وحماية الوعي من السقوط في فخ الجهل الطوعي الأيديولوجي.إننا أمام خيارين أحلاهما مر! فبناء على هذا المشهد الدولي الصعب تجبر دولنا العربية عبر خيارات للتحالفات الدولية الصعبة. خصوصاً وشح القدرة الذاتية للدول العربية على الاستقلال عن الهيمنة الدولية ناهيك عن المنافسة مع تلك الأقطاب. فاستعادة البوصلة الحقيقية تبدأ بإسقاط الأقنعة عن كل مشاريع الهيمنة؛ ففلسطين الأبيّة لا يحررها خبث المصالح الدولية، والأوطان العربية لا تحصّنها سياسات الحياد الانتقائي أو التغاضي عن المعتدلين بسلاح الإفك عن وحدة مصير هذه الأمة. وحين يدرك الجمهور هذا الزيف. يعلم أن دولنا العربية لم تستقل إلا بمقاومة ودحر المحتل بعقيدة صافية لله عز وجل.
348
| 02 أغسطس 2026
لماذا يفضل العقل (الوهم المريح) على (الحقيقة المزعجة) يا ترى؟ يعد خداع الذات آلية دفاعية نفسية يلجأ إليها العقل للهروب من «التنافر المعرفي» والحقائق القاسية، مفضلاً الوهم المريح على الألم. وبدلاً من مواجهة الحقيقة، يختلق العقل تبريرات لا واعية لتجنب الشعور بالذنب، مما يتطلب وعياً ذاتياً لكسر هذا النمط. هذه الحيلة النفسية الخفية ليست مجرد سلوك عابر، بل هي ظاهرة علمية رصدها علماء النفس ليفهموا كيف يمكن للإنسان أن يكذب على نفسه ويصدق كذبته تماماً. دولار واحد يصنع الفارق! في عام 1959، قام عالم النفس الشهير «ليون فيستينجر» بتجربة غريبة؛ حيث طُلب من متطوعين القيام بمهمة غاية في الملل لساعات طويلة. بعد انتهائهم، طُلب منهم الكذب على المتطوعين الجدد وإخبارهم بأن المهمة ممتعة ومحمسة للغاية. قسّم الباحث المشاركين إلى مجموعتين: الأولى تقاضت 20 دولاراً مقابل الكذب، والثانية تقاضت دولاراً واحداً فقط. النتيجة صدمت الأوساط العلمية حينها؛ أصحاب العشرين دولاراً اعترفوا لاحقاً في التقييم السري بأن المهمة كانت تافهة ومملة، بينما أصرّ أصحاب الدولار الواحد وبشدة على أن المهمة كانت ممتعة ومفيدة حقاً! لم يكونوا يكذبون على الباحثين في النهاية، بل كانوا قد كذبوا على أنفسهم وصدقوا الكذبة بالكامل. فما هي هذه سيكولوجية؟ يكمن تفسير هذه الظاهرة في التنافر المعرفي. حيث يحدث هذا التنافر عندما يعيش الإنسان صراعاً داخلياً بين فكرتين متناقضتين، أو بين معتقداته وسلوكه الفعلي. فعندما تؤمن بأنك (شخص صادق) ولكنك تضطر للكذب، ينشأ داخل عقلك توتر نفسي حاد ومزعج جداً. أصحاب العشرين دولاراً وجدوا مبرراً خارجياً كافياً لتهدئة هذا التوتر؛ فالمال كان كافياً لتبرير السلوك. أما أصحاب الدولار الواحد، فلم يجدوا مبرراً مادياً مقنعاً يغفر لهم الكذب، وهنا تدخل العقل الباطن بذكاء لحمايتهم من الشعور بالذنب، فقام بتعديل قناعاتهم الداخلية لتتماشى مع سلوكهم، حتى أقنعهم بأنهم لم يكذبوا أصلاً وأن التجربة كانت ممتعة بالفعل. آليات الهروب في حياتنا اليومية، حيث نحن نكذب على أنفسنا يومياً بصور مختلفة؛ نستمر في علاقات مؤذية ونيأس من إصلاحها، فنقنع أنفسنا بأن الطرف الآخر «سيتغير قريباً». ونشتري أشياء باهظة الثمن لا نحتاجها، فنبرر ذلك بأنها «استثمار ضروري للمستقبل». حتى المدخن الذي يعلم يقيناً أضرار التدخين، تجده يخترع كذبة مريحة مثل «جدي عاش حتى التسعين وهو يدخن» ليهرب من واقع التنافر المعرفي بين علمه بالضرر واستمراره في العادة. إن العقل البشري يميل بطبيعته لتجنب الاعتراف بالخطأ طلباً للراحة والاستقرار المزيّف. فما السبيل من التحرر من فخ الوهم؟ وهي عبر الخطوة الأولى للعلاج، ألا وهي الوعي الذاتي. يجب أن ندرك أن عقولنا تمارس علينا هذه الحيل النفسية لحمايتنا من الإحراج الخفي. عندما تجد نفسك تبرر سلوكاً خاطئاً أو تدافع عن قرار تشعر في عمقك بأنه غير صائب، توقف فوراً واسأل نفسك بشجاعة: «هل أنا أدافع عن الحقيقة، أم أحاول فقط حماية كبريائي؟». الصدق مع الذات قد يكون مؤلماً ومكلفاً في البداية، ولكنه يظل الضمانة الوحيدة لعيش حياة حقيقية ونفسية صحية. وكما قال الفيلسوف الروسي فيودور دوستويفسكي يوماً: «إن المرء الذي يكذب على نفسه ويستمع إلى كذبته، يصل إلى درجة يصبح معها عاجزاً عن تمييز الحقيقة في داخله أو فيمن حوله.
384
| 26 يوليو 2026
فجعت الأمة بوقع نبأ وفاة حضرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله وغفر له. وإننا إذ نصبر أنفسنا بهذا المصاب، فلا نقول إلا ما يرضي ربنا بقوله {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} البقرة ١٥٦. وحين يتأمل المرء في هذا الصرح الوطني الشامخ ببنيانه المرصوص، يتساءل بذهول: كيف أُقيمت هذه الأركان؟ وما سرُّ ذلك الأساس المتين الذي مكن دولةً صغيرة المساحة، قليلة السكان، من أن تغدو كبيرة التأثير، عابرة للقارات؟ هنا تحضرني حكمة الشاعر: تُعَيِّرُنا أَنّا قَليلٌ عَديدُنا ... فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ. ولا أرى في مسيرة الثلاثة عقود الماضية حتى يومنا هذا، مَن تجسدت فيه سمات ‹سيد الكرام› كحضور الشيخ حمد؛ فهو الذي لم يكتفِ ببناء دولة، بل صاغ أمة. ولم تكن مسيرةُ الفقيدِ محصورةً في نطاقٍ جغرافيّ، بل تجاوزت الحدودَ لتطالَ آلامَ الشعوبِ وتطلعاتِهم في عالمنا الإسلامي. لقد جعلَ من العملِ الإنسانيّ مؤسسةً راسخةً لا تعرفُ الانكفاء، فأنشأ الصروحَ التي حملت اسمَه كشواهدَ على رؤيةٍ تؤمن بأنَّ الاستثمارَ في الإنسانِ هو أسمى درجاتِ العطاء. فمن ‹جامعة حمد بن خليفة› التي باتت منارةً للعلومِ والبحثِ الرصين، إلى ‹مدينة حمد› ومجمعاتها السكنيةِ والتعليميةِ التي احتضنت المنكوبين، وصولاً إلى مستشفيات التأهيلِ ومراكزِ العونِ الإغاثي، تجلى نهجُه في نقلِ المجتمعاتِ من ضيقِ الحاجةِ إلى رحابِ التمكين. لقد كان يرى في مساعدةِ الملهوفِ واجباً أخلاقيّاً وضرورةً تاريخيّة، فظلّت مشاريعُه ومبادراتُه في الترجمةِ والتعليمِ والإغاثةِ جسراً ممتداً من الخيرِ، يربطُ بين طموحِ الدولةِ وبين آمالِ الأمةِ في نهضةٍ تنهضُ بالإنسانِ وتصونُ كرامتَه. وفي صميم هذا الإرث الحضاري، كان الإعلامُ حاضراً كأداةٍ استراتيجيةٍ للتنويرِ والتعريف؛ فقد أطلق الفقيدُ قناة ‹الجزيرة›، التي لم تكن مجردَ قناةٍ إخبارية، بل صرحاً إعلامياً عالمياً كسرَ احتكارَ الروايةِ الواحدة في عالمٍ كانت سياسته التحريرية مركزةً من اتجاهٍ واحد، وأعادَ صياغةَ حضورِ قطر على الخريطةِ الدولية. لقد كان هذا المنبرُ بمثابةِ الجسرِ الذي عبرت من خلاله الدولةُ إلى وجدانِ العالم، فحولها من فاعلٍ محليٍّ إلى لاعبٍ أساسيٍّ يؤثرُ في صُنعِ الأحداثِ ويُعَرِّفُ بها كدولةٍ صاحبةِ رسالةٍ وقوةٍ ناعمةٍ فاعلة. فمن خلالِ الجرأةِ في الطرحِ والمصداقيةِ في التغطية، استطاع هذا الإعلامُ أن يفرضَ اسمَ قطر في قلبِ الأحداثِ العالميّة، محولاً إياها إلى منصةٍ دوليةٍ للحوارِ الحر، ومؤكداً أنَّ الكلمةَ الحرّةَ هي الركيزةُ التي استندت إليها الدولةُ لتُعرِّفَ العالمَ بهويتها، وطموحاتها، وقدرتها على التأثيرِ في مجرياتِ التاريخِ الحديث. ولم يكتفِ الفقيدُ بالتنميةِ الداخلية، بل انطلقَ بالدولةِ نحو العالميةِ عبرَ استضافةِ الأحداثِ الكبرى التي جعلت من قطر وجهةً للقرارِ والتميز؛ فمن استضافةِ ‹كأس العالم للشباب ١٩٩٥ التي كانت أولى خطواتِ البروز، إلى الإبهارِ التنظيميِّ في ‹أسياد ٢٠٠٦ التي أثبتت للعالمِ قدرةَ الإنسانِ العربيِّ على الإنجاز، وصولاً إلى الحضورِ المؤثرِ في المنتدياتِ الاقتصاديةِ والسياسيةِ العالمية كمؤتمر ‹دافوس› وغيره من المحافلِ الدولية. لم تكن هذه المحطاتُ مجردَ فعالياتٍ عابرة، بل كانت مساراً استراتيجياً تُوِّجَ بالنجاحِ التاريخيِّ في تنظيمِ ‹كأس العالم›، ليعلنَ للعالمِ أجمعَ أنَّ قطر، بفضلِ رؤيةِ سمو الأمير الوالد الشيخ حمد رحمه الله، حيث لم تعدْ مجردَ نقطةٍ على الخريطة، بل صارت مركزاً ثقيلاً يلتقي فيه العالمُ ليتشاورَ في الاقتصاد، ويتبادلَ الخبراتِ في السياسة، ويتنافسَ بسلامٍ في الرياضة، مؤكداً للعالمِ أنَّ الطموحَ لا سقفَ له حينما يُقترنُ بالإرادةِ والتخطيط. وعلى الصعيد الداخلي، أرسى الفقيد دعائم الدولة الحديثة بتطوير الدستور الدائم، ليؤكد أنَّ نهضةَ البلاد تستندُ إلى مؤسساتٍ دستوريةٍ وقانونيةٍ متينة. هذا الالتزامُ بالنهجِ القويمِ انعكسَ على الساحةِ الدوليةِ؛ حيثُ جعلَ من قطر وسيطاً سياسياً موثوقاً لا يملّ من السعيِ لترسيخِ السلامِ العالميّ. لقد كانت مدرسةُ الأمير الوالد في الحكمِ قائمةً على مبادئَ لا تتزحزح؛ فقد كان يوصي دائماً بـ ‹الثباتِ على الأصول، وقولِ الحقِ مهما كلّفت الظروف›، مؤمناً بأنَّ قوةَ الموقفِ تنبعُ من نقاءِ المبدأ. ولتكتملَ الصورةُ التي يمتزجُ فيها السياسيُّ بالروحيّ، شُيّد ‹جامعُ الإمام محمد بن عبد الوهاب› ليكون منارةً شاهقةً تعكسُ هويةَ الدولةِ الإسلاميةِ الأصيلة، ورمزاً يربطُ بين عراقةِ التراثِ وطموحِ الحاضر، لتظلَّ قطرُ دائماً صوتاً للحقِ، وواحةً للسلامِ، وحارساً للقيم. رحلَ قائدُ الأمة رحمه الله وغفر له ووسع منزله، لكنَّ أثرَهُ فينا ممتدٌّ لا يغيب؛ فقد تركَ أمانةً ثقيلةً صانها التاريخُ، ونهجاً قوياً رسمَ ملامحَ الطريق. واليوم، نرى هذا المجدَ يتجلّى في قيادةِ حضرةِ صاحبِ السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الذي يواصلُ مسيرةَ البناءِ والعزة، حاملاً لواءَ الأمةِ نحو آفاقٍ أسمى؛ فكان حقاً خيرَ خلفٍ لخيرِ سلف.
387
| 19 يوليو 2026
لم تكن مواجهة أتلانتا في ثمن نهائي مونديال ٢٠٢٦ –عفواً «بلاتر».. قصدي السيد «إنفانتينو»– مجرد مباراة عابرة انقضت بصافرة فرنسية منحازة، بل كانت زلزالاً كشف بوضوح عن الوجه الآخر لمؤسسة تتدثر بشعارات الروح الرياضية، بينما تدار غرفها المظلمة بعقليّة الشركات الاستثمارية الطامعة. عندما خسر المنتخب المصري أمام الأرجنتين بنتيجة ٣-٢ بعد مباراة درامية لا تمت للعدالة التحكيمية بصلة، لم تخسر مصر هيبتها بخروجها بشرف، بل سقطت ورقة التوت الأخيرة عن عورة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، لتظهر اللعبة الشعبية الأولى في العالم كمسرحية هزلية؛ كُتبت فصولها لحماية مصالح الأرجنتين وصيانة عقود الرعاية المليونية لأصحاب النفوذ. لم يكن الانحياز مجرد خطأ تقديري للحكم، بل بدا كأنه استحقاقٌ مدفوع الأجر، في مشهدٍ يعيد للأذهان تلك التسريبات التي كشفت عن لقاءاتٍ جمعت وزراء إسرائيليين بالرئيس الأرجنتيني، حيث لم تكن أجندة اللقاءات تدور حول الاستثمار أو السياسة التقليدية، بل تجاوزت ذلك إلى ‹هوس› غير مبرر بضرورة تتويج الأرجنتين بالكأس الرابعة. وكأن كرة القدم لم تعد ميداناً للمنافسة الشريفة، بل تحولت إلى ‹بروتوكول› سياسي يكتب فيه المسؤولون سيناريوهات البطولات في الغرف المغلقة، ليجد المشجع العربي نفسه أمام عبثٍ مُمنهج، يُحوّل فيه الفيفا حلم الملايين إلى أداة لخدمة صفقاتهم الدولية، ضاربين بعرض الحائط مشاعر الشعوب التي لا تزال تصدق كذبة «العدالة الرياضية». في المقابل، لم يكن صدفةً أن يتحول مدرب المنتخب المصري إلى هدفٍ مباشر لهذا الانتقام المؤسسي، فقد كانت ‹خطيئته› الكبرى أنه تجرأ على رفع العلم الفلسطيني عقب التأهل، متحدياً بذلك صمت الفيفا المريب عن مآسي الإنسانية. وبينما أغمضت أذرع الفيفا التحقيقية أعينها عن شعارات العنصرية الصريحة ورموز الكراهية التي استُخدمت في المدرجات - رغم أن ‹شبك الذراعين› ورموز التفوق العرقي محظورة قانوناً بنصوصٍ صريحة في ميثاق الأخلاق - سارعت الماكينة نفسها لتكيل التهم وتدبر المكائد للمدرب الذي انحاز لضميره الإنساني. لقد سقطت الأقنعة هنا بشكلٍ أشد فجاجة؛ إذ أثبتت المؤسسة أن قوانينها ليست سوى سوطٍ مسلط على رقاب الرافضين، ومظلة واقية للمتنفذين، لتصبح ‹الروح الرياضية› مجرد شعارٍ فارغ يُنتزع من القاموس حين يتعارض مع أجنداتهم السياسية الملوثة. حتى أن رئيس ولاية نيويورك كان يتهكم على الحادثة بأن مصر سرقت. كإشارة على الفضيحة التحكيمية التي حدثت. ناهيك عن ما حدث من قبل من منع الحكم الصومالي وتحقيق رغبة الرئيس الأمريكي برفع العقوبة عن اللاعب الحاصل على البطاقة الحمراء. لم يكن رد فعل رئيس الفيفا برفع العلم المصري في المباراة اللاحقة سوى محاولة مفضوحة لترميم واجهةٍ تهشمت تحت أقدام الحقيقة؛ حركة استعراضية باردة لم تخدع أحداً، خاصةً حين نقارنها بلقاءاته المريبة التي دارت في الغرف المغلقة بعيداً عن أعين الإعلام. لقد ظن أن قطعة قماش ملونة يمكنها أن تمسح آثار ‹مجزرة تحكيمية› مكتملة الأركان، متناسياً أن ذاكرة الشعوب لا تُشترى بالبروتوكولات الزائفة. ومع ذلك، وبفعل الضغط الدولي الذي قاده خبراء اللعبة ومشاهيرها، الذين رفضوا السكوت عن هذا العبث، وجد الفيفا نفسه مضطراً لاتخاذ خطوة ‹تجميلية› بإقالة الحكم المعني، بعد شكوى الاتحاد المصري الرسمية التي وثقت الانتهاكات بدقة. إن سقوط ورقة التوت لم يكشف فقط عورة الفيفا، بل وضعنا أمام حقيقة صادمة: أن ‹المنصة› التي كنا نظنها ساحةً للعدالة، باتت منصةً للإعدام الطموحٍ لكل منتخب يبذل جهده بشكل شريف..
705
| 12 يوليو 2026
لم يكن الفقد مجرد رحيل شخص، بل كان أشبه بانطفاء سراجٍ وهَّاجٍ كان يضيء عتمة الأيام، وبدءِ تسرب برودة الحزن إلى جدران بيتٍ اعتاد دفء الحضور. في تلك اللحظة التي يغادر فيها أحد الوالدين الحياة، يشعر المرء فجأةً بأن السماء قد أطبقت على الأرض، وأن دفة بابٍ من أبواب الجنة قد أُغلق؛ ذلك الباب الذي كان مشرعاً بالبر والرضا. وحين يرحلان، يدرك الإنسان عمق الحقيقة النبوية التي رواها أبو الدرداء رضي الله عنه، حين قال النبي ﷺ: «الوالِدُ أوسَطُ أبوابِ الجنَّةِ، فإنْ شِئتَ فأَضِعْ ذلك البابَ، أوِ احْفَظْهُ». إن غياب هذا الباب يترك المرء في مواجهة العالم بقلبٍ يكتشف، لأول مرة، المعنى الحقيقي لليتم أمام قسوة اختبارات الدنيا. لم تعد تفاصيل المكان كما كانت؛ فالكرسي الذي كان يشغل حيزاً من الفراغ، وتلك الزاوية التي كانت تفيضُ حكمةً وتوجيهاً، تحولت إلى شواهد صامتة تروي حكاية الغياب. في غمرة هذا الصمت، يكتشف المرء أن الحماية التي كان يظنها مكتسبة، كانت في الحقيقة ممتدة من قلبٍ يحرسه الحب، وأن غياب هذا الوجود يعني انتزاع الدرع الخفي الذي كان يمتص صدمات الأيام. لم يعد البيت مجرد جدران وأثاث، بل صار مستودعاً لذكرياتٍ تتزاحم في المخيلة، حيث كل زاوية تستحضر دعوةً صادقة، أو ابتسامةً عابرة كانت تمنح الحياة معناها. إن الفقد هنا لا يعني فقط غياب الجسد، بل يعني فقدان بوصلةٍ كانت تضبط إيقاع الأيام، وتحدد وجهة السير نحو الطمأنينة وسط ضجيج عالمٍ لا يتوقف عن الضياع. وعلى الرغم من انغلاق هذا الباب، إلا أن الوفاء يظل جسراً ممتداً لا يعرف الانقطاع. إن الفقد الحقيقي لا يكمن في الرحيل، بل في نسيان القيم التي غرسها الراحلون في أرواحنا. لذا، يصبح البر بعد الوفاة أسمى تجليات الامتنان؛ إذ يتحول الأبناء إلى امتدادٍ لرسالة والديهم، يحملون إرثهم الأخلاقي ومشاعل الحكمة التي أنارت دروبهم، ويترجمونها في أعمالٍ نافعة تخدم المجتمع وتُبقي ذكراهم حيةً لا تأفل. إننا، وإن ودعنا أجسادهم، نتمسك بأثرهم الذي لا يغيب، مؤمنين بأن الباب الذي أُغلق دنيوياً، قد فُتحت بسببه أبوابٌ من الأجر والعمل الصالح؛ فبإمكان المرء التنويع في القربات من وقفٍ ودعاء وحج وعمرة وغيرها من سبل الخير. فكأنهم برحيلهم قد علمونا درساً أخيراً في كيفية الارتقاء بالروح نحو خلودٍ لا يعرف الفناء: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} الإسراء ٢٤.
804
| 05 يوليو 2026
ببالغ الأسى والحزن، تلقيت نبأ حادث مصنع «برزان» للغاز في مدينة رأس لفان. خالص العزاء لأهالي المتوفين، وصادق المواساة للمصابين وذويهم، سائلين المولى أن يحفظ بلادنا من كل سوء. لقد وقع الحادث في لحظات من الهدوء، إذ كنت أتابع مباراة إيران وبلجيكا ضمن منافسات كأس العالم الحالية، حين فُتح باب منزلي فجأة دون سابق إنذار. سارعت لاستطلاع الأمر، ظناً مني أن الرياح قد تكون السبب، لكن السكون كان يلف المكان، مما أثار استغرابي الشديد؛ لأدرك بعد لحظات من خلال وسائل الإعلام وقوع الحادثة. وفي هذا السياق، أكد سعادة المهندس سعد بن شريدة الكعبي، وزير الدولة لشؤون الطاقة، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لـ «قطر للطاقة»، في البيان الرسمي أن الحادثة ليست عملاً تخريبياً. إن هذا التأكيد يضعنا أمام حقيقة راسخة؛ فدولة قطر كانت ولا تزال بلاد الأمن والسلامة، ليس على مستوى المنطقة فحسب، بل على مستوى العالم، بفضل شفافيتها العالية ومنظومتها الأمنية والمهنية المتماسكة. إن هذه الفاجعة، بكل ما تعنيه من ألم، لا تحجب شمس الحقيقة الثابتة؛ وهي أن بلادي الحبيبة قطر قد أسست منظومة أمن وسلامة مهنية تضاهي أكبر الدول على مستوى العالم، بل وتتفوق عليها في كثير من الأحيان. فعلى سبيل المثال؛ تصدرت الدولة المركز الأول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لعام ٢٠٢٦م مؤشر السلام العالمي. كما صنفت باستمرار ضمن المراكز الثلاثة الأول كأكثر الدول أمناً في موسوعة «نامبيو»، بالإضافة للالتزام الصارم للرقابة على التزام المشاريع الوطنية الكبرى بمعايير السلامة والمهنية في جميع مؤسسات الطاقة والهيئات الأخرى كهيئة الأشغال العامة «أشغال» على سبيل المثال لا على سبيل الحصر. إننا لا نبني نهضتنا على الصدفة، بل على الالتزام الصارم بمعايير مثل (ايزو ٤٥٠٠١) وتشريعات (الأوشا) الدولية، مدعومةً بفرق تفتيش وطنية تستخدم أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد المخاطر وتجنبها. إن تميزنا في هذه المقاييس العالمية، التي تُشيد بها منظمة العمل الدولية والمنظمات المتخصصة، هو ما يجعل من منشآتنا الحيوية، رغم تعرضها لمثل هذه العوارض البشرية، بيئات عمل تُدار بأعلى درجات المهنية والشفافية. إننا في قطر نؤمن بأن الحكمة الحقيقية لا تكمن في غياب الأخطاء، بل في شجاعة الاعتراف بها والتعلم من دروسها. إن أي عارض يواجهنا ليس سوى جرس إنذار يدعونا لمزيد من المراجعة والتدقيق، ليصبح درساً إضافياً يُضاف إلى رصيد خبراتنا المتراكمة. فمثال حوادث سابقة نتج عنها تطوير السياسات العامة كرخص ومتطلبات الدفاع المدني. إن تفاؤلنا بالمستقبل يظل نابعاً من ثقتنا المطلقة بأن قيادتنا وشعبنا يضعون «الإنسان» دائماً في قلب القرار، وأننا سنمضي قدماً مسترشدين بقيمنا الأصيلة ومعاييرنا العالمية، لنحوّل كل تحدٍ إلى لبنة جديدة في بناء وطن يزداد يوماً بعد يوم أماناً واستقراراً. وليظل اسم قطر دائماً مقترناً بالرفعة، والتقدم، والنموذج الذي لا يرضى إلا بالامتياز العالمي. في الختام، يظل سجل دولة قطر الحافل بالإنجازات والأمان شاهداً على أننا نمضي على الطريق الصحيح. إن قيمنا العربية والإسلامية ستظل هي البوصلة والقيود الموجهة لعملنا، ننهل من التكنولوجيا العالمية، لكننا نؤصلها بروح وطنية تحمي الإنسان، وتصون المكتسبات، وتعدُ الأجيال القادمة بوطن لا يعرف المستحيل، ويبقى دائماً ملاذاً آمناً لكل من يعيش على أرضه. قال تعالى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} البقرة ٢١٦.
576
| 28 يونيو 2026
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو...
5241
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ...
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات...
2631
| 08 سبتمبر 2026
■أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن...
2148
| 14 سبتمبر 2026
ألا إن أعظم الفقد فقد الأم، ولن يسد...
1014
| 10 سبتمبر 2026
خلال عملي في أجهزة الرقابة المالية، أدركت أن...
996
| 09 سبتمبر 2026
استوقفني مشهد تربويّ جليل لثلاثة أطفال يركضون في...
987
| 11 سبتمبر 2026
وما وراء جدران الفصول يقف إنساناً عظيماً تُبنى...
828
| 09 سبتمبر 2026
- العمل بمعناه الإنساني أوسع كثيراً من الوظيفة...
825
| 07 سبتمبر 2026
لا أعرف إن كان قد مرّ عليكم هذا...
747
| 08 سبتمبر 2026
على الرغم من تميز الهيئة العامة للتقاعد من...
684
| 11 سبتمبر 2026
بين المجمعات التجارية الكثيرة المنتشرة، يبرز أحد المجمعات...
660
| 07 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية