رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم نعد نمر بالأشياء كما كنا، تلك الطرق التي كانت تأخذنا إلى مكان ما، كانت تمنحنا شيئًا أيضًا؛ حكايةً، أو لقاءً، أو وجهًا لا ننساه، أو موقفًا صغيرًا يبقى معنا سنوات طويلة دون أن نعرف لماذا بقي، كان الطريق قديمًا أبطأ، نعم، لكنه كان يمنحنا وقتًا لنرى، نرى المدن، والناس، والوجوه، ونسمع حكايات لا نعرف أننا كنا نبحث عنها، وكانت الأحساء واحدة من تلك الأماكن التي لم تكن مجرد مدينة نعبرها، بل كان شيئًا ما يحدث لنا ونحن نعبرها. كان علينا أن ندخلها، وأن نمر بسوقها، وربما نتوقف فيها دون أن نخطط لذلك، ثم نبحث عن طريقنا إلى الجهة الأخرى، كنا أحيانًا نضيع، وما أجمل أن تضيع في مكان يعرف أهله الطريق جيدًا، كنت تسأل أحدهم عن الاتجاه، فيعطيك أكثر مما طلبت؛ يدلك على الجادة، وربما دعاك إلى بيته، أو أهدى إليك شيئًا من عنده، وهكذا كان الضياع أحيانًا يقود إلى معرفة، والسؤال يفتح بابًا، والباب يفتح مجلسًا، والمجلس قد يفتح علاقة تستمر سنوات، فربما تعود في العام التالي، فتبحث عن صاحب دكان تحدثت إليه في رحلتك السابقة، أو عن رجل التقيته مصادفةً في مسجد، وقد لا تتذكر حتى كيف بدأ الحديث بينكما، لكنك تتذكر وجهه، وتعود تبحث عنه، وربما يصبح مرورك موسمًا ينتظره، كما ينتظر الربيع. ربما تمر الأيام وتنسى الطريق، وتنسى المسافة، وحتى تفاصيل الرحلة، لكنك لا تنسى القلوب البيضاء، وجهًا استقبلك بإبتسامة، أو يدًا امتدت إليك، أو شيئًا أهداك إياه رجل لم تكن تعرفه قبل دقائق، كانت الأماكن يومها لا تُقاس بما تختصره من المسافة، بل بما تضيفه إلى الحكاية، ولهذا بقيت تلك الواحة في الذاكرة، لم تبقَ لأننا كنا نمر بها فحسب، بل لأننا كنا نترك فيها شيئًا منا، ونعود منها بشيء لا نعرف قيمته إلا بعد أن يمضي الزمن. ثم تغيّر الطريق، ظهر طريق ساحلي أسرع، وأكثر اختصارًا، لا يمر بها، بدا الأمر وكأنه انتصار للوقت، لم نعد بحاجة إلى دخول المدينة، ولا إلى السؤال عن الطريق، ولا إلى التوقف في السوق، ولا إلى البحث عن مطعم نتناول فيه الغداء، الطريق واضح، والوجهة محددة، والخرائط في الهاتف تعرف ما لا نعرفه، وصلنا أسرع، لكن بلا حكاية، فماذا لو كان الذي اختصرناه لم يكن الطريق وحده؟ ماذا لو كنا، ونحن نختصر المسافات، نختصر شيئًا آخر معها؟ كنا نضيع فنلتقي، واليوم نقطع المسافة كلها دون أن ننزل من السيارة، كنا نسأل عن الطريق، فنجد إنسانًا، واليوم نفتح الخريطة، فنجد طريقًا موحشًا، كنا نتوقف لأننا لا نعرف ماذا ينتظرنا بعد المنعطف، فكانت الحياة تفاجئنا، واليوم نعرف الطريق كله قبل أن نبدأه. أصبح بإمكاننا أن نتواصل مع عشرات الأشخاص ونحن في الطريق، دون أن نلتقي بواحد منهم، ونستطيع أن نعرف أين هم، ماذا يفعلون، ماذا أكلوا، وأين ذهبوا، دون أن نجلس معهم على مائدة واحدة، أصبحت الطرق أسرع، وأصبحت الرسائل أسرع، وأصبحت الأخبار أسرع، وأصبح الوصول إلى الناس أسهل من أي وقت مضى، ومع ذلك، يبدو أننا أصبحنا أبعد، ليس أبعد عن الأماكن فقط، بل عن بعضنا، وربما عن أنفسنا أيضًا. لكن ماذا لو لم تكن المشكلة في الطريق الجديد؟ وربما لم تكن المشكلة في التكنولوجيا أيضًا، فلا نستطيع أن نطلب من العالم أن يعود إلى الطرق القديمة، ولا أن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء، لكن علينا أن نسأل أنفسنا: ما الذي افتقدناه ونحن نمضي بهذه السرعة؟ افتقدنا شيئًا لا يعوضه اختصار المسافة، ولا سرعة التكنولوجيا، افتقدنا الصدفة، افتقدنا الدهشة، افتقدنا العفوية التي كانت تجعل للحياة طعمًا آخر، وتحمل إلينا أشياء لم نكن نبحث عنها، افتقدنا الإنسان الذي كنا عليه ونحن نمر بها، وكأننا ونحن نختصر الطريق اختصرنا شيئًا من الإحساس، ربما لهذا بقيت تلك المدينة في الذاكرة، لأنها كانت جزءًا من الحكاية. ولست متأكدًا أنني أتحدث عن الأحساء !!، ربما عن شيء آخر...
1539
| 16 سبتمبر 2026
خلال عملي في أجهزة الرقابة المالية، أدركت أن هدر المال العام لا يأتي دائمًا من الفساد وحده، وإنما بسبب قرار اتخذه من لم يكن مؤهلًا لاتخاذه، أو صلاحية مُنحت لمن لم يكن قادرًا على ممارستها، فالفساد يهدر المال العام عن قصد، أما سوء الإدارة فقد يهدره بحسن نية، ولعل الأخطر من القرار الخاطئ أن تُمنح الصلاحية لمن لا يملك القدرة على استخدامها، ثم يصبح هو نفسه مسؤولًا عن اختيار من يعمل معه، فغير المؤهل لا يعرف بالضرورة أنه غير مؤهل، وقد لا يملك القدرة على التمييز بين صاحب الخبرة وصاحب الادعاء، وبين من يقدم له الحقيقة ومن يقدم له ما يحب أن يسمعه. فيختار من يظنه قادرًا، ويمنحه الصلاحية، ويأتمن من يعتقد أنه جدير بالثقة، بينما يكون معيار الاختيار نفسه غير سليم، وهنا يتحول الخطأ من قرار فردي إلى سلسلة من القرارات، فغير المؤهل يختار غير المناسب، وغير المناسب يمارس صلاحيات واسعة، ثم يختار من تحته، وتتسع الدائرة حتى يصبح الخلل جزءًا من طريقة العمل، وهذه أخطر مراحل المشكلة؛ لأننا لا نعود أمام شخص يحتاج إلى تصحيح، وإنما أمام منظومة بدأت تنتج الخطأ بنفسها. المسؤول الكفء لا يشترط أن يكون أعلم الناس في كل شيء، لكنه يعرف أين تنتهي معرفته، ولذلك يستعين بمن هو أعلم منه، ويستمع إلى من يخالفه، ويضع الاختصاص في يد صاحبه، أما غير المؤهل، فقد يرى في صاحب الكفاءة تهديدًا، وفي الرأي المختلف اعتراضًا، وفي من يقول «لا» شخصًا غير متعاون، ولهذا قد يحيط نفسه بمن يوافقه بدل من يصححه، وبمن يطمئنه بدل من يحذره، وهنا تصبح الأمانة أكبر من مجرد المحافظة على المال. وقد يكون الإنسان مخلصًا في نيته، لكنه يفتقد الخبرة، وقد يكون أمينًا، لكنه لا يملك القدرة على اتخاذ القرار، وقد يريد الخير للمؤسسة، لكنه لا يعرف كيف يحقق هذا الخير، ولهذا فإن حماية المال العام لا تكون فقط بمنع الفاسد من الوصول إليه، وإنما أيضًا بمنع غير الكفء من الوصول إلى مركز اتخاذ القرار، أو منحه صلاحيات تتجاوز قدرته على تحملها، والأمر لا يتعلق بالمال وحده، فالصلاحية حين تُمنح في غير موضعها قد تهدر وقتًا، وتبدد كفاءات، وتقتل مبادرات، وتدفع أصحاب الخبرة إلى الابتعاد، وتترك المؤسسة تدفع ثمن قرارات لم تكن مضطرة إلى دفعه. ولهذا قد تكون الحكمة أحيانًا في أن يعرف الإنسان ما لا يستطيع القيام به، وأن يدرك أن الاعتذار عن مسؤولية لا يحسنها ليس ضعفًا، بل أمانة، فليست كل مسؤولية تناسب كل إنسان، وليس كل ناجح في موقع ما ناجحًا بالضرورة في موقع آخر، وليس كل من يملك الرغبة في القيادة يملك القدرة عليها، وهنا أذكر حديثًا عظيمًا للنبي ﷺ، حين طلب منه أبو ذر رضي الله عنه أن يوليه، فقال له: (يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها). فالقوة التي تحتاجها المسؤولية ليست القوة البدنية، وإنما قوة العلم، والخبرة، والحكمة، والقدرة على اتخاذ القرار، والشجاعة في الاعتراف بحدود الذات، تلك التي وصف بها سيدنا يوسف عليه السلام نفسه عندما قال للملك: (اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) أي حفيظ لما استودعتني، عليم بما وليتني. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمؤسسات هو أن يصبح غير المؤهل هو من يقرر من هو المؤهل، عندها لا يعود الخطأ مجرد قرار، بل يصبح الخطأ هو من يختار، وهو من يقرر، وهو من يمنح الصلاحيات، وعندها فقط نفهم لماذا قال النبي ﷺ: «إنك ضعيف، وإنها أمانة».
1050
| 09 سبتمبر 2026
في الطريق قد يسيء إليك سائق، وفي متجر قد يخطئ بائع، وفي فندق قد يختلف معك موظف الاستقبال، وفي العمل قد تسمع كلمة لا تعجبك أو موقفًا لا يروق لك، وقبل أن تحول الموقف إلى معركة، توقف قليلًا، ليس لتسأل نفسك إن كنت قادرًا على الانتصار، فالقوة وحدها قد تجيب عن هذا السؤال، وإنما لتسأل: هل تستحق هذه المعركة أن تُخاض أصلًا؟، وما الغنيمة التي تريدها من هذه المعركة؟، فليس كل من يملك القدرة على خوض معركة يكون مطالبًا بخوضها، وليس كل من يستطيع الانتصار ينبغي له أن يسعى إليه. لا شك أن لكل معركة غنائمها، منها ما هو منصب، ومنها ما هو نفوذ، ومنها ما هو انتصار للنفس، ومنها ما هو تشفٍ في خصمٍ اختلفنا معه، لكن ماذا لو كانت هذه الغنائم كلها لا تعني لك شيئًا؟ ماذا لو كنت لا تريد منصبًا، ولا تبحث عن نفوذ، ولا تجد لذة في رؤية غيرك يخسر، عندها تصبح المعركة عبئًا لا مكسبًا، واستنزافًا لا إنجازًا. في الحياة العملية قد يجد الإنسان نفسه قادرًا على تحريك ملفات، أو مخاطبة جهات، أو استثمار علاقات، أو كشف ما يملك من حقائق، وقد ينجح في ذلك كله، لكن النجاح في إشعال المعركة لا يعني أن إشعالها هو القرار الصحيح، فالقوة لا تُقاس بما تستطيع أن تفعله، بل بما تختار ألا تفعله. تعلمت أن بعض الانتصارات تحمل في داخلها هزيمة أخلاقية، وأن بعض التراجعات تحفظ للإنسان قيمًا لا يستطيع أي انتصار أن يعوضها، فليس كل حق يُنال بالمواجهة، وليس كل خلاف يُحسم بالتصعيد، وليس كل باب يمكن فتحه يستحق أن نطرقه، والأصعب من الانتصار على الآخرين هو الانتصار على رغبة النفس في الانتقام، فحين يكون الإنسان قادرًا على الإيذاء ثم يعفو، وقادرًا على التصعيد ثم يختار أن يمضي في طريقه، فإنه لا يخسر معركة، بل ينتصر على نفسه. لهذا، لا أؤمن بأن شجاعة الإنسان تُقاس بعدد المعارك التي خاضها، بل بعدد المعارك التي أدرك بحكمته أنها لا تستحق أن تُخاض، فالعاقل لا يسأل: هل أستطيع أن أنتصر؟ وإنما يسأل أولًا: ماذا سأربح إن انتصرت؟ وهل تستحق تلك الغنيمة أن أدفع ثمنها من راحتي، أو وقتي، أو مبادئي. لكن الحكمة أيضًا، لا تعني أن ينسحب الإنسان من كل مواجهة، فهناك معارك لا يملك الشريف أن يتجنبها؛ حين يتعلق الأمر بمبدأ، أو أمانة، أو حق عام، أو ظلم لا يصيبك وحدك، يصبح الصمت تواطؤًا، ويصبح التراجع تخليًا عن مسؤولية لا عن خصومة، فالقضية ليست في كثرة المعارك أو قلتها، وإنما في معيار اختيارها.
978
| 02 سبتمبر 2026
في الحياة المهنية، لا تظهر أخلاق الإنسان عندما تسير الأمور كما يريد، ولا عندما تتفق معه الآراء، وإنما تظهر حين يتحول الاختلاف إلى خلاف، وحين يصبح الطرف الآخر خصمًا في الرأي أو الموقف، فهنا لا يعود الاختبار في قدرتنا على عرض وجهة نظرنا، بل في قدرتنا على أن نختلف دون أن نفقد إنصافنا، وأن نخاصم دون أن نفقد مروءتنا، وأن ندافع عن موقفنا دون أن نحتاج إلى تشويه موقف غيرنا. ولأن الخلاف ليس جديدًا على البشر، فقد عَرف الفرسان في أشد صور الخصومة، معنى أن يتواجه الرجال دون أن تسقط بينهم المروءة، لم يكن الفرسان يُعرفون بشجاعتهم وحدها، بل بمروءتهم ونبل أخلاقهم أيضًا؛ فقد كانوا يتواجهون في ساحات القتال، ويشتد بينهم الصراع، لكنهم كانوا يلتزمون بقواعد لا يتجاوزونها، كانوا يدركون أن النصر لا يبرر الكذب، وأن الخصومة لا تمنحهم حق تشويه الحقيقة، ولذلك بقيت الفروسية، عبر العصور، مرادفةً للشجاعة والنبل معًا. أما في بعض بيئات العمل، فتظهر معركة من نوع آخر، هناك من يملك سلطة التأثير، يوجّه، ويقترح، ويدفع نحو اتخاذ قرار لكنه لا يتحمل مسؤوليته، فإذا نجح القرار، اقترب منه ونسب الفضل لنفسه، وإذا أخفق، ابتعد عنه وألقى تبعاته على من حمل المسؤولية النظامية، والأسوأ من ذلك أن يتحول من صنع القرار أو شارك في صناعته إلى أول من يتبرأ منه، أو أن ينسبه كاملًا إلى شخص غادر المؤسسة ولم يعد حاضرًا ليدافع عن نفسه. ولعل أسهل متهم في أي مؤسسة هو المسؤول السابق، فما إن يغادر، حتى تصبح الأخطاء والقرارات المتراكمة مشروعًا جاهزًا لتعليقها على اسمه، لكن الحقيقة لا تغادر بخروج أصحابها، ولا يعيد أحد كتابة الوقائع لمجرد أن أحد أطرافها لم يعد حاضرًا ليرويها، فالحقائق لا تتبدل بتبدل الروايات. ولا يقتصر ذلك على من يغادرون المؤسسات، بل يظهر أيضًا في بعض اللجان ومجالس الإدارة، فقد يناقش الأعضاء موضوعًا، وتُطرح الآراء، ثم يُتخذ القرار بعد المداولة، فإذا جاءت النتائج على غير المأمول، ظهر من يقول: «لقد كنت أرى غير ذلك»، أو «كنت أتوقع ما حدث»، ولو كان رأيه بهذه القناعة، لكان الأولى أن يطلب إثبات تحفظه في محضر الاجتماع، وأن يتحمل مسؤوليته قبل صدور القرار، لا بعد ظهور نتائجه، أما أن يبقي لنفسه طريقين؛ فإن نجح القرار كان أحد صانعيه، وإن أخفق أصبح أول من يتبرأ منه، وذلك ليس من شجاعة الرأي، وإنما من الحرص على أن يكون رابحًا بأي ثمن. إن التحفظ يُكتب قبل القرار، لا بعد نتائجه، أما الحكمة التي لا تظهر إلا بعد وقوع الخطأ، فلا تحمي مؤسسة، ولا تنصف زملاء، ولا تضيف قيمة، فالشجاعة ليست أن تقول: «لقد توقعت»، بل أن تثبت موقفك قبل أن تعرف النتيجة. لا تنهار المؤسسات بسبب وقوع الأخطاء، فالأخطاء جزء من العمل، لكنها تبدأ في التآكل عندما يصبح الكذب وسيلة لإدارة المسؤولية، وعندما يعتقد البعض أن حماية صورتهم تكون بتشويه صورة غيرهم، عندها يفقد العاملون ثقتهم بعدالة المؤسسة، ويتعلمون أن الحقيقة ليست ما حدث، بل ما يُراد لهم أن يصدقوه. الفارس الحقيقي لا يختبئ خلف توقيع غيره، ولا يهرب من نتائج تأثيره، ولا يبحث عن غائب ليحمله أوزار الحاضر، وإذا اختلف مع زميل أو مسؤول سابق، بقي وفيًا للحقيقة، لأن شرف الخصومة جزء من شرف الإنسان، والفارس الحقيقي أيضًا لا يحتفظ برأي سري ليكشفه بعد الإخفاق، بل يعلنه في وقته، ويتحمل مسؤوليته كما يتحمل غيره مسؤولية القرار الجماعي. قد يستطيع الإنسان أن يكسب جولة بإخفاء الحقيقة أو تبديلها، لكن التاريخ الإداري، كما التاريخ الإنساني، يحتفظ دائمًا بمن تحمل مسؤوليته بشجاعة، وبمن اختار أن يحتمي بالكذب، وبين الاثنين مسافة لا تقاس بالمناصب، بل بالأخلاق. وفي النهاية، لا تصنع المؤسسات الأنظمة وحدها، بل يصنعها رجال ونساء يملكون شجاعة قول الحقيقة، والقدرة على تحمل تبعاتها، حتى عندما لا تكون في صالحهم، فالفروسية ليست أن تنتصر في خصومتك، بل أن تحافظ على مروءتك وأنت تختلف، وأن تتحمل مسؤولية ما صنعت، وألا تنسب إلى غيرك ما كان من صنع يديك، وتلك في نظري، هي أخلاق الفرسان.
870
| 26 أغسطس 2026
تروي الأسطورة أن مدينة طروادة صمدت سنوات أمام الجيوش التي حاصرتها، فلم تستطع الأسوار أن تُهزم بالقوة، حتى جاءها حصان خشبي بدا هدية لا خطر فيها، ففتح أهل المدينة أبوابهم له، وأدخلوه بأيديهم إلى داخل الأسوار، دون أن يدركوا أن ما عجز عن فعله العدو من الخارج، سيفعله من أصبح في الداخل. وفي المؤسسات أيضًا أحصنة طروادة، وإن اختلفت الأشكال والمسميات، فقد يدخل شخص إلى المؤسسة تحت مسمى وظيفي ما، ويُمنح الثقة والصلاحيات والأدوات لأداء مهمة محددة، لكنه يحمل في داخله مشروعًا آخر؛ مصلحة شخصية، أو حسابات قديمة، أو رغبة في بناء نفوذ، أو أجندة لا علاقة لها بالمهمة التي جاء من أجلها، والأخطر أن المسؤول الذي اختاره قد يكون آخر من يعلم. فهو يعتقد أنه يمنحه الأدوات لخدمة المؤسسة، بينما قد تُستخدم الأدوات ذاتها لتحقيق أهداف لم يطلبها، ويظن أنه يدعم موظفًا مخلصًا، بينما يَمنح - من حيث لا يدري - غطاءً رسميًا لتحركات لم يكن ليوافق عليها لو عُرضت عليه بصورتها الحقيقية، وهنا تكمن خطورة حصان طروادة؛ فهو لا يعمل ضد النظام بالضرورة، بل قد يتقن استخدام النظام نفسه، لا يحتاج إلى تجاوز صلاحياته علنًا، ما دام قادرًا على توظيفها في غير غاياتها، فيقرّب هذا ويبعد ذاك، ويضخم واقعة ويتجاهل أخرى، ويختار من المعلومات ما يخدم روايته، حتى تصبح الوظيفة التي أُنشئت لخدمة المؤسسة أداة لخدمة صاحبها. ولا تُكتشف هذه الممارسات بسهولة، لأنها غالبًا ما تختبئ خلف عبارات مألوفة: «مصلحة العمل»، و«توجيهات الإدارة العليا»، و«الحرص على المؤسسة». وكلما زادت ثقة المسؤول بالشخص، أصبح من الصعب التمييز بين ما يريده المسؤول فعلًا، وما يُنفذ باسمه دون أن يكون قد أراده أصلًا، ولذلك فإن الحوكمة الحقيقية لا تكتفي بتحديد الصلاحيات، بل تسأل أيضًا: كيف تُستخدم؟ ولأي غاية؟ ومن المستفيد من القرارات المتكررة؟ وهل ما يُنفذ باسم القيادة يعكس فعلًا إرادتها، أم إرادة من يتحدث باسمها؟ لقد بقي حصان طروادة رمزًا عبر التاريخ، ليس لأنه كان أقوى من أسوار المدينة، بل لأن المدينة منحته ما لم تمنحه لعدوها: الثقة، والدخول، والمكان الآمن داخل الأسوار. وفي الإدارة أيضًا، قد لا تكون المشكلة فيمن يحاول اقتحام المؤسسة من الخارج، بل فيمن فتحنا له الباب، ومنحناه الأدوات، ثم اكتشفنا متأخرين أنه كان يخوض معركة أخرى بأيدينا.
921
| 19 أغسطس 2026
«بعض الفائزين في انتخابات مجالس الإدارات يستعد للانتخابات أشهرًا، لكنه لا يستعد للاجتماع الأول ساعةً واحدة». لعل هذه العبارة تختصر أحد أكبر التحديات التي تواجه الكثير من مجالس الإدارات، فالوصول إلى المقعد أصبح لدى البعض مشروعًا متكاملًا، بينما لا يحظى أداء الرسالة بعد الوصول بالحماس ذاته. وقبل كل انتخابات، تتكرر المشاهد نفسها؛ لقاءات، واتصالات، وبرامج، ووعود، وسعي حثيث لكسب ثقة أعضاء الجمعية العمومية، وهذا حق مشروع، بل هو جزء أصيل من العملية الانتخابية، غير أن السؤال الحقيقي لا يبدأ يوم التصويت، وإنما في اليوم التالي لإعلان النتائج. فعضوية مجلس الإدارة ليست غاية بحد ذاتها، ولا لقبًا اجتماعيًا، وإنما أمانة ومسؤولية تجاه مؤسسة وضع أعضاؤها ثقتهم فيمن اختاروه، لذلك، فإن قيمة عضو المجلس لا تُقاس بعدد الأصوات التي حصل عليها، بل بقدر ما يضيفه من رأي، وما يتحمله من مسؤولية، وما يتركه من أثر. وللأسف، تكشف بعض التجارب عن مفارقة لافتة؛ فهناك من يبذل جهدًا استثنائيًا للوصول إلى المجلس، ثم يبدأ حضوره بالتراجع، وتتكرر أعذاره عن الاجتماعات، أو يحضر من غير استعداد، أو يكتفي بالموافقة على ما يُعرض دون نقاش أو إضافة، وكأن المهمة انتهت بالفوز، لا أنها بدأت به، فالمؤسسة لا تتضرر فقط من غياب العضو، بل قد تتضرر أكثر من حضوره بلا رأي، أو من مشاركته بلا أثر. وقبل أن يسأل المرشح نفسه: كيف أفوز؟ عليه أن يسأل: ماذا سأضيف إذا فزت؟ وما القيمة التي سأقدمها لهذا المجلس؟ وهل سأكون صاحب رأي، ومبادرة، وموقف، أم مجرد اسم يُضاف إلى قائمة الأعضاء؟، أما إذا كان المقعد هو الهدف، واللقب هو الطموح، أو المكافأة هي الدافع، فإن الحماس غالبًا ما ينتهي بانتهاء الانتخابات، فالمؤسسات لا تبحث عمن يشغل المقعد، بل عمن يشغله همُّ المؤسسة، ويؤمن أن القيمة ليست فيما تضيفه العضوية، بل فيما يضيفه هو إليها. إن الفوز بعضوية المجلس يمنحك مقعدًا، لكنه لا يمنحك أثرًا، فالأثر لا تمنحه صناديق الاقتراع، بل تمنحه المواقف، والمؤسسات لا تنهض بالأسماء اللامعة، بل بأعضاء يستعدون لكل اجتماع كما استعدوا للانتخابات، ويؤمنون أن مسؤوليتهم تبدأ بعد إعلان النتائج، لا قبله، وفي النهاية، لا يتذكر التاريخ المؤسسي من فاز بعضوية مجلس الإدارة، ولا عدد الأصوات التي حصل عليها، بل يتذكر من ترك أثرًا.
1008
| 12 أغسطس 2026
في الإدارة، كما في الزراعة، ليس كل من يزرع هو من يحصد، وليس كل من يغرس شجرة يجلس في ظلها، ومع ذلك لا يتردد المزارع الحكيم في غرسها، لأنه يدرك أن قيمة الغرس لا تُقاس بمن ينتفع به أولًا، بل بقدرته على أن يبقى نافعًا بعده. وكذلك هي القيادة، فبعض القادة ينشغلون بتحقيق إنجازات سريعة تُنسب إليهم، بينما ينصرف آخرون إلى عمل أكثر هدوءًا وأبعد أثرًا كبناء الأنظمة، وترسيخ القيم، وصناعة الثقافة المؤسسية، وإطلاق التغيير الذي قد يحتاج إلى وقت حتى يؤتي ثماره. وهذا النوع من العمل لا يجذب الأضواء دائمًا، لأن أثره لا يظهر في يوم أو شهر، بل يتشكل بصمت حتى يصبح جزءًا من هوية المؤسسة، وقد لا يُنسب الفضل إلى من بدأه، لكن ذلك لا ينتقص من قيمته، لأن غايته لم تكن صناعة مجد شخصي، وإنما بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بسرعة نتائجه، بل بقدرته على البقاء، وما يبدو في بدايته تغييرًا محدودًا قد يصبح بعد سنوات ثقافة راسخة، وما يُغرس اليوم في الأنظمة والقيم قد يتحول غدًا إلى سلوك يمارسه الناس دون أن يتذكروا من وضع بذرته الأولى، وتلك في الحقيقة هي علامة النجاح؛ أن تستمر الفكرة بعد صاحبها، وأن تمضي المؤسسة في طريقها لأنها أصبحت تعتمد على مبادئ، لا على أشخاص. ولهذا، لا ينشغل القائد البصير كثيرًا بمن سيقطف الثمار، بقدر ما ينشغل بأن تكون البذور صالحة، وأن تكون الأرض مهيأة، وأن يكون المسار قد بدأ في الاتجاه الصحيح، فهو يدرك أن الزمن شريك في كل إصلاح، وأن بعض الإنجازات تحتاج إلى صبر أكثر مما تحتاج إلى ضجيج. قد تعترض طريق التغيير مقاومة، وقد تتباطأ الخطوات، وقد يحاول البعض إيقاف ما بدأ، لكن الأفكار الصادقة، والأنظمة السليمة، والثقافات المؤسسية الراسخة، تملك قدرة عجيبة على الاستمرار متى وجدت من يتبناها بصدق، ولهذا، فإن أعظم ما يتركه القائد ليس مشروعًا افتتحه، ولا قرارًا وقّعه، ولا منصبًا شغله، بل أثرًا يبقى بعد غيابه؛ يظهر في سلوك الناس، وفي ثقافة المؤسسة، وفي قدرتها على مواصلة الطريق بثقة، وكأن من غرس البذرة لا يزال حاضرًا بينهم. وختامًا: هناك مقولة منسوبة للشاعر التشيلي بابلو نيرودا، تقول: يمكنك أن تدوس الأزهار لكنك لن تؤخر الربيع.
1107
| 05 أغسطس 2026
في كثير من المؤسسات تبدو الأمور واضحة على الورق؛ مجلس إدارة يضع السياسات، وإدارة تنفيذية تنفذ، وتنسق وتضمن انسيابية العمل وفق الأنظمة واللوائح، لكن الواقع العملي يكشف أحياناً عن ظاهرة مختلفة تماماً، وهي اتساع الفجوة بين المسؤولية الرسمية والسلطة الفعلية. خلال سنوات العمل الإداري أدركت أن أكبر المخاطر التي تواجه المؤسسات ليست نقص الموارد ولا ضعف الكفاءات، بل غموض مراكز التأثير واتخاذ القرار، فعندما تصبح السلطة الحقيقية خارج الأطر المؤسسية المعتمدة، تبدأ الحوكمة في التراجع تدريجياً، حتى وإن بقيت جميع النماذج والإجراءات والقرارات قائمة شكلاً. ولا يحدث ذلك عادةً بقرار معلن، بل عبر بناء مراكز نفوذ موازية للهيكل الرسمي، فيظهر أشخاص لا يملكون سلطة نظامية، لكنهم يملكون القدرة على التأثير في مصدر القرار، فيقتربون منه شيئاً فشيئاً، ويحرصون على أن تمر المعلومات عبرهم، وأن تتركز لديهم مفاتيح التواصل، وأن تصبح جميع الملفات الرئيسة رهينة لرأيهم أو موافقتهم، ومع مرور الوقت لا يصبح نفوذهم نابعاً من المنصب، بل من قدرتهم على احتكار الوصول إلى القرار وتوجيهه من وراء الكواليس، بما يضمن استمرار تأثيرهم وتحكمهم بمفاصل المؤسسة ومواردها. وتكمن المشكلة في أن نجاح المؤسسة يُنسب إنجازه للجميع، أما الإخفاق والمساءلة فيبقى مرتبطا بالموقع التنظيمي لا بموقع التأثير الفعلي، وهنا ينشأ وضع غير صحي إدارياً؛ أشخاص يتحملون المسؤولية دون أن يمتلكوا كامل أدوات القرار، وأشخاص يصوغون القرار أو يوجهونه دون أن يتحملوا شيئاً من تبعاته. لذا، ومن واقع التجربة، فإن أول مؤشرات الخلل المؤسسي تظهر عندما تصبح خطوط اتخاذ القرار غير واضحة، أو عندما تتعدد القنوات التي تصدر من خلالها التوجيهات، أو عندما تتراجع أهمية الإجراءات الرسمية أمام العلاقات الشخصية أو مراكز النفوذ غير المعلنة، والأسوأ من ذلك حين تبدأ القيادات والإدارات في تجاوز المسارات النظامية، ليس لأن اللوائح لا تكفي، بل لأن الجميع يدرك أن القرار الحقيقي يصنع في مكان آخر. واللافت أن هذه الظاهرة لا تظهر فجأة، بل تتسلل بهدوء، تبدأ باستثناء صغير هنا، ثم بمعالجة عاجلة هناك، ثم بتوسيع دائرة الاعتماد على شخص أو مجموعة محددة، حتى تتحول مع الوقت إلى نمط عمل دائم، وعندما يحدث ذلك تصبح المؤسسة أكثر اعتماداً على الأشخاص وأقل اعتماداً على الأنظمة، ويصبح بقاء مراكز النفوذ هدفاً بحد ذاته، فتُعاد صياغة الهياكل وتوزيع الاختصاصات، بل واختيار القيادات أحياناً، بما يحافظ على استمرار مصلحة تلك المنظومة لا على تعظيم مصلحة المؤسسة. إن ما يجسد الحوكمة ليس مجموعة اللوائح التي تحفظ في الأدراج، بل وضوح المسؤوليات، وتوازن السلطة مع المساءلة، وشفافية صناعة القرار، ومنع تمركز النفوذ خارج الأطر النظامية، وكلما اتسعت الفجوة بين هذه العناصر تراجعت كفاءة المؤسسة مهما امتلكت من إمكانات. لقد علمتني التجربة أن الإدارة الناجحة لا تقوم على وجود قائد قوي فحسب، بل على وجود مؤسسة قوية تستطيع أن تعمل بكفاءة حتى في غياب الأشخاص، فالمؤسسات تبقى، أما الأشخاص فيغادرون، وما يحفظ الاستمرارية هو قوة النظام لا قوة الأفراد، والولاء للمؤسسة لا لمراكز النفوذ. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مجلس إدارة وكل قيادة تنفيذية على نفسها هو: كيف يُصنع القرار؟ ومن يؤثر فيه؟ وهل من يملك القرار هو نفسه من يتحمل المسؤولية عنه؟
1641
| 29 يوليو 2026
من المشاهد التي تستوقفني كثيرًا في العمل المؤسسي أن بعض المؤسسات تتغير ملامحها بمجرد رحيل قائدها، وكأن سنوات من العمل قد ارتبطت بشخص أكثر مما ارتبطت بمؤسسة، وفي المقابل، هناك مؤسسات تستمر في التقدم بالوتيرة نفسها، وربما بصورة أفضل، رغم تعاقب القيادات عليها. ولسنوات كنت أتساءل: ما الذي يصنع هذا الفرق؟ وهل يكمن في قدرات القادة، أم في حجم الإنجازات التي حققوها، أم أن هناك شيئًا آخر لا يظهر في التقارير ولا تعكسه مؤشرات الأداء؟ ومع مرور الوقت، أدركت أن الفرق لا يكمن في حجم الإنجاز، وإنما في طبيعته، فهناك إنجاز ينتهي أثره بانتهاء صاحبه، وهناك إنجاز يتحول إلى جزء من المؤسسة، فيستمر وينمو ويتطور دون أن يبقى معلقًا باسم من صنعه. وهنا يبدأ الفارق الحقيقي بين الإنجاز والأثر، فالإنجاز قد يحل مشكلة، أو ينجز مشروعًا، أو يحقق هدفًا مرحليًا، وكل ذلك مهم ولا غنى عنه، أما الأثر، فهو أن تصبح المؤسسة بعد ذلك أكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأكثر كفاءة في أداء أعمالها، وأكثر نضجًا في مواجهة تحدياتها، دون أن تعود في كل مرة إلى الشخص الذي بدأ التغيير. ولهذا فإن القائد الذي يترك أثرًا لا يجعل نفسه محور نجاح المؤسسة، بل يعمل بصمت على أن يصبح وجوده أقل ضرورة مع مرور الوقت، فهو يبني نظامًا قبل أن يبني إنجازًا، ويغرس ثقافة قبل أن يطلق مبادرة، ويصنع قيادات قبل أن يصنع انتصارات، لأنه يدرك أن قيمة القيادة لا تُقاس بما يحدث في عهدها فحسب، وإنما بما يستمر بعدها. ولعل هذا هو الاختبار الذي لا تلتفت إليه كثير من المؤسسات، فهي تحتفي بالإنجازات عند إعلانها، لكنها لا تعود بعد سنوات لتسأل: ماذا بقي منها؟ كم قرار تحول إلى ممارسة مستقرة؟ وكم مبادرة أصبحت جزءًا من ثقافة العمل؟ وكم قائدا أعدَّ من يخلفه قبل أن يغادر موقعه؟ فهذه الأسئلة وحدها هي التي تكشف إن كنا أمام إنجاز عابر، أم أمام أثرٍ باقٍ، ولذلك، فإنني لا أرى أن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه القائد على نفسه هو: ماذا أنجزت؟ بل: ماذا سيستمر بعدي؟ لأن الإنجاز قد يلفت الأنظار، أما الأثر فهو الذي يصنع مستقبل المؤسسة بصمت.
750
| 22 يوليو 2026
ماذا يخطُ يراعي اليومَ من كمدٍ إنّ المُصابَ جليلٌ أثقلَ الكَمِدا كيف السبيلُ لنظمٍ يرتقي سببًاكيف السبيلُ لنظمٍ يرتقي سببًا حتى يلامس منك العز والرشدا خان البيانُ حروفًا كنتُ أذخرها للنائبات إذا ما طيرها ورَدا وبتُ أطويَّ أحلامي على أمل ٍ أن يفتحَ اللهُ لي من فيضهِ مددا يا سيدي لا تزال الأرض منكرة والعينُ شاخصةٌ والقلبُ مرتعدا وفي الوجوه التي صادفتها سقمٌ وكنتَ تمسحُ عنها اليأسَ والنَّكَدَا هل غاب حقًا؟ أحقًا غاب والدنا؟ ما غاب كلا وفي الأرجاء منه صدى ما ضرَّ مجدًا إذا وارى الثرى جسدًا فالمجدُ باقٍ ويأبى الدهرُ أن يَبِدا ما ماتَ من أورثَ الأجيالَ مكرمةً ولا توارى إذا أبقى لها عَضُدا تمضي الرجالُ، ويبقى فعلهم مددًا كالنورِ يبقى وإن غابَ الذي وقدا للهِ درُّكَ، كم أحْييتَ من هِمَمٍ وكم غَرَستَ بأطرافِ الحِمى أُسدا ما كنتَ تبني لنفسٍ مجدَها أبدًا لكنْ بنيتَ رِجالًا شَيَّدَت مجدا حتى إذا آنَ عهدٌ قد وعدتَ به أودعتَها ووفاءُ الحرِ ما عهِدا فصارَ فعلكَ درسًا لا نَظيرَ لهُ في أنَّ خيرَ ذوي السلطانِ مَن زَهدا على فِراقِكَ كُلُ الخَلقِ باكيةٌ حتى استوى الغائبُ الناعي ومن شَهدا كَم فاضَ جُودُكَ للراجين من كرمٍ وكم سَبقتَ جواد المحسنينَ مدا يا دافنَ الفقرَ في الدنيا بفيضِ يدٍ هلّا دفنتَ عظيمَ الحزن والكمَدا
738
| 15 يوليو 2026
ليس الخلود أن يطول العمر، بل أن يطول الأثر. فهناك رجال إذا رحلوا لم يتركوا فراغًا في الذاكرة، بل تركوا وطنًا أقوى مما تسلّموه، ومؤسساتٍ أرسخ مما وجدوها، وأملًا يمتد إلى أجيال لم تعاصرهم، لكنها ستعيش على ثمار ما صنعوه. بالأمس ودعت دولة قطر صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله رحمة واسعة، فخيّم الحزن على الوطن، واستعاد القطريون، ومعهم كثير من العرب والمسلمين، سيرة قائد ارتبط اسمه بمرحلة استثنائية في تاريخ الدولة، مرحلة لم تكن مجرد سنوات حكم، بل مشروعًا متكاملًا لبناء وطن، وصناعة مستقبل، وترسيخ حضور دولة آمنت بأن أثرها يجب أن يكون أكبر من مساحتها. لقد قاد الأمير الوالد مرحلة تحول تاريخية في مسيرة قطر الحديثة، واضعًا نصب عينيه أن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن قوة الدولة لا تُقاس بما تملكه من ثروات فحسب، وإنما بما تمتلكه من مؤسسات راسخة، ورؤية بعيدة، وإدارة قادرة على تحويل الطموحات إلى واقع، وفي عهده شهدت قطر نهضة شاملة في البنية التحتية، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والتنمية البشرية، حتى أصبحت نموذجًا تنمويًا يحظى باحترام العالم، ورسخت مكانتها بين الدول المؤثرة في محيطها الإقليمي والدولي. ومن المحطات التي ستظل شاهدة على تلك المرحلة إقرار الدستور الدائم، وترسيخ مؤسسات الدولة الحديثة، وتعزيز العمل المؤسسي، بما أسهم في بناء دولة أكثر رسوخًا وقدرة على مواصلة التنمية بثبات واستقرار، كما شهدت تلك المرحلة توسعًا كبيرًا في الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، فكانت المدينة التعليمية، واستقطاب الجامعات العالمية، رسالة واضحة بأن الثروة الحقيقية للأمم ليست فيما تستخرجه من باطن الأرض، بل فيما تبنيه في عقول أبنائها. ولم يكن الاقتصاد بمعزل عن هذه الرؤية، فقد شهدت قطر في تلك السنوات نهضة غير مسبوقة في صناعة الغاز الطبيعي المسال، وتوسعت في مشاريعها الاستراتيجية، حتى أصبحت واحدة من أبرز القوى الاقتصادية في العالم في هذا القطاع، وهو ما وفر للدولة موارد استثمرت في بناء الإنسان، وتعزيز جودة الحياة، وتنويع الاقتصاد، وإطلاق مشاريع تنموية كبرى ما زالت ثمارها تتجدد حتى اليوم. وعلى الصعيد الدولي، آمن الأمير الوالد بأن الدولة، مهما كان حجمها، تستطيع أن تؤدي دورًا مؤثرًا إذا امتلكت رؤية واضحة، ومصداقية في المواقف، وإرادة في صناعة السلام، لذلك برزت قطر في عهده وسيطًا موثوقًا في عدد من الملفات الإقليمية، وأسهمت في تقريب وجهات النظر، ودعم الحلول السلمية، وإطلاق مبادرات للحوار في أوقات كانت المنطقة بأمسّ الحاجة إلى صوت العقل. كما شهدت تلك المرحلة حضورًا إعلاميًا غير مسبوق، جعل من قطر مركزًا للحوار وتبادل الرأي، وأسهم في إيصال الصوت العربي إلى العالم، وفتح آفاقًا جديدة للنقاش الحر، في تجربة إعلامية تركت أثرها في المشهد العربي لعقود. ولم تغب القضايا العربية والإسلامية عن اهتمامه، فقد ظلت فلسطين في مقدمة الأولويات، واستمرت قطر في دعم الشعب الفلسطيني ومساندة حقوقه المشروعة، كما امتدت يدها إلى العديد من الدول العربية والإسلامية التي واجهت أزمات أو كوارث، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن مسؤولية الأمة لا تقف عند الحدود الجغرافية. أما الجانب الإنساني، فهو من الصفحات المضيئة في تلك المسيرة، فقد ترسخ في عهده حضور قطر في ميادين الإغاثة والعمل الإنساني، حتى أصبحت مؤسساتها الإنسانية والخيرية والتنموية تمد يد العون إلى المنكوبين والمتضررين في مختلف أنحاء العالم، دون تمييز بين دين أو عرق أو لغة، ولم يكن ذلك مجرد استجابة للأزمات، بل نهجًا يعكس قيم المجتمع القطري، ويجسد رسالة الإسلام في الرحمة والتكافل وصون كرامة الإنسان. ومن الإنجازات التي ستبقى علامة فارقة في التاريخ القطري، نجاح الدولة في الحصول على شرف استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022، وهو إنجاز لم يكن رياضيًا فحسب، بل كان إعلانًا عن المكانة التي بلغتها قطر، وعن قدرتها على تنظيم أكبر الأحداث العالمية بكفاءة واقتدار، مقدمةً للعالم صورة مشرقة عن ثقافتها وهويتها وقيمها. ولعل من أعظم ما سيذكره التاريخ للأمير الوالد ذلك القرار الذي اتخذه بإرادته، عندما سلّم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في انتقال سلس ومسؤول للسلطة، قدم نموذجًا حضاريًا نادرًا في منطقتنا، وأكد أن قوة الدول لا تكمن في ارتباطها بالأشخاص، بل في استمرارية مؤسساتها، وثقة قادتها بالمستقبل، وإيمانهم بأن تداول المسؤولية في الوقت المناسب هو أحد مظاهر القيادة الرشيدة. واليوم، ونحن نودع الأمير الوالد، فإننا لا نستحضر سيرة رجل فحسب، بل نستحضر مرحلة كاملة أسهمت في رسم ملامح قطر الحديثة، ورسخت حضورها الإقليمي والدولي، وجعلت منها دولة تجمع بين التنمية، والدبلوماسية، والعمل الإنساني، والاستثمار في الإنسان. رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وجزاه عن وطنه وعن أمته وعن الإنسانية خير الجزاء، وألهم الأسرة الكريمة والشعب القطري الصبر والسلوان. فالرجال يرحلون، لكن الأوطان لا تنسى من صنعوا نهضتها، ولا تغيب عن ذاكرتها أسماء الذين بنوا مؤسساتها، ورفعوا مكانتها، وأورثوا أبناءها الثقة بالمستقبل، وتلك هي السيرة التي لا يطويها الزمن. ويبقى الأثر.
858
| 13 يوليو 2026
في المقال السابق تحدثت عن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه: متى يرحل؟ وقلت إن الرحيل، حين تحين أسبابه، ينبغي أن يكون بكل كرامة، والمقصود هنا الكرامة المهنية لا الشخصية، تلك التي تجعل الإنسان وفيًا لمبادئ مهنته قبل أن يكون وفيًا لمنصبه. فالرحيل لا يصبح موقفًا محترمًا لأنه جاء في الوقت المناسب فحسب، بل لأنه جاء حفاظًا على قيمة لا يجوز التفريط بها، وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن سؤال الرحيل نفسه: ما الكرامة المهنية؟ ومتى يصبح التنازل عنها أصعب من التنازل عن المنصب؟ الكرامة المهنية لا تعني الترفع عن الناس، ولا رفض النقد، ولا التمسك بالرأي لمجرد إثبات الذات، وإنما تعني أن يبقى الإنسان أمينًا للمبادئ التي تقوم عليها مهنته، وأن يمارس مسؤولياته وفق ما يمليه عليه علمه وخبرته وضميره، لا وفق ما تفرضه الضغوط أو الاعتبارات التي لا تمت إلى المهنة بصلة. ولكل مهنة ميثاقها الأخلاقي «code of ethics»، سواء دُوِّن في لوائح رسمية أو استقر عبر الزمن في ضمير أهلها، فالطبيب لا يقبل أن يصف علاجًا يعلم أنه لا يحقق مصلحة المريض، والمهندس لا يوقع على تصميم يدرك أنه يخالف أصول المهنة، والمدقق لا يعتمد حسابات لا يثق بصحتها، والقاضي لا يجعل ميزان العدالة تابعًا لرغبات الآخرين، وفي جميع هذه المهن، لا تنبع قيمة صاحبها من المنصب الذي يشغله، بل من وفائه للمعايير التي تحكم مهنته. ولا تختلف الإدارة عن ذلك لأنها ليست ممارسة للسلطة بقدر ما هي ممارسة لمسؤولية مهنية، ومن يقبل مسؤولية القيادة يقبل معها واجبًا أخلاقيًا يتمثل في أن يبدي رأيه المهني بصدق، وأن يتحمل مسؤوليته وفق الأنظمة، وأن يحافظ على استقلال تقديره المهني، فإذا أصبح الرأي المتخصص تابعًا لاعتبارات غير مهنية، أو غلبت المؤثرات الشخصية على مقتضيات الاختصاص، بدأ التنازل الذي لا تسجله اللوائح، لكنه يترك أثرًا عميقًا في ضمير المهنة وفي ثقة المؤسسة بنفسها. وليس المقصود أن يرحل الإنسان عند أول اختلاف، فالاختلاف جزء طبيعي من أي عمل مؤسسي، بل قد يكون سببًا في نضج القرار وتحسينه، لكن هناك فرقًا بين اختلاف يدور داخل الأطر المهنية ويحترم الاختصاص، وبين واقع يصبح فيه صاحب المسؤولية مطالبًا بأن يتحمل نتائج قرارات لم يشارك في صنعها، أو صنعها غير المختص، أو أن يصمت عن ممارسات يعلم أنها لا تنسجم مع أصول مهنته. إن المنصب يمنح صاحبه صلاحيات، لكنه لا يمنحه الحق في التفريط بـ «أخلاقيات المهنة»، ولذلك فإن الكرامة المهنية ليست موقفًا عاطفيًا، ولا حساسية شخصية، وإنما التزام يحمي المهنة قبل أن يحمي صاحبها، لأن أول تنازل يبدو صغيرًا، لكنه يفتح الباب لتنازلات أكبر، حتى يصبح الاستثناء قاعدة، ويغدو الخلل أمرًا مألوفًا، ولهذا، فإن بعض قرارات الرحيل تجسد الوفاء لرسالة المهنة، والإيمان بأن المنصب يفقد قيمته عندما يصبح ثمن البقاء فيه التخلي عن المبادئ التي منحت ذلك المنصب احترامه. فالوظائف تُمنح بقرار، وقد تنتهي بقرار، أما الكرامة المهنية فلا يحفظها إلا صاحبها، لأنها آخر حدود التنازل.
1320
| 08 يوليو 2026
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس...
39165
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي...
7092
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو...
5367
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ...
4131
| 10 سبتمبر 2026
■أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن...
3030
| 14 سبتمبر 2026
بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر...
2229
| 16 سبتمبر 2026
لم نعد نمر بالأشياء كما كنا، تلك الطرق...
1539
| 16 سبتمبر 2026
ألا إن أعظم الفقد فقد الأم، ولن يسد...
1041
| 10 سبتمبر 2026
استوقفني مشهد تربويّ جليل لثلاثة أطفال يركضون في...
1041
| 11 سبتمبر 2026
عندما نتحدث عن التحديات التي تواجه الأسرة القطرية،...
921
| 15 سبتمبر 2026
في الثالث من سبتمبر الجاري، نظمت مكتبة كتارا...
723
| 10 سبتمبر 2026
على الرغم من تميز الهيئة العامة للتقاعد من...
720
| 11 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل