رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

كريم.. بائع الورد

مغترب يحمل في قلبه حبًّا خاصًّا للأزهار، نشأ في بيئة تقدّر الطبيعة والجمال، وكان حلمه أن يفتح متجرًا للورود الطبيعية، يبيع فيها الزهور بكل ألوانها وروائحها، ليضفي لمسة من الحياة على شوارع المدينة الباردة التي لجأ إليها، ورغم وجود العديد من بياعي الورود الطبيعية في نفس المكان إلا أنه لم يُسمح لـ «كريم» بممارسة نفس النشاط حتى لا يتضرر المواطن الغربي من هذا المغترب العربي، فلم يكن أمامه سوى الحصول على ترخيص لبيع الورود الصناعية، تلك المصنوعة من البلاستيك، المتماثلة في مادتها، لكن مختلفة في أشكالها وألوانها. حاول في البداية التعامل مع الأمر كحلٍّ مؤقت، لكنه وجد نفسه مجبرًا على التأقلم بعد أن أتقن فن المهنة الجديدة، فبدأ يسعّر الورود وفقًا لمظهرها، رغم أنها مصنوعة من نفس المادة، فالبعض كان يُباع على أنه “فاخر” كزهرة التوليب والأوركيد مثلًا، والبعض الآخر على أنه “عادي”، رغم أن الفرق كان مجرد اختلاف في التصميم لا في الجوهر، ومع الوقت أدرك أن الناس تقبلوا الفكرة، بل بدأوا يفضلون الورود الصناعية لأنها “لا تموت” ولا تحتاج إلى رعاية، وأدرك أيضًا أن الأشكال القديمة يمكن إعادة تدويرها وإنتاج ورود أخرى منها وعرضها من جديد. ومع ازدهار تجارته إلا أنه لم يستطع تجاهل حقيقة أن الورود التي يبيعها مجرد تماثيل بلاستيكية تُحاكي الجمال دون أن تمتلكه أو تفوح بشذاه. تلك القصة ليست مجرد حكاية بائع زهور، بل هي مرآة تعكس واقعًا اجتماعيًا أوسع، حيث أصبح الشكل الخارجي أكثر أهمية من الجوهر، والمظهر يغلب الحقيقة. في مجتمعات تزدحم فيها الواجهات البراقة، نجد أن “كريم” ليس وحده من اضطر إلى التكيف؛ فالكثيرون أجبروا على تغيير قناعاتهم، التنازل عن مبادئهم، والاندماج في أنظمة لا تمنحهم إلا خيارات محدودة، تمامًا كما فرضت عليه الورود البلاستيكية بدلًا من الطبيعية. ومع مرور الوقت، لم يعد الناس يفرقون بين الزهرة الحقيقية والمزيفة، بل أصبحوا يفضلون ما يدوم أطول، بغض النظر عن كونه بلا حياة. وهكذا، أصبحت حياتنا مليئة بالنماذج المكررة، الوجوه المتشابهة، الأفكار المستنسخة، والأحلام التي فقدت عبيرها الحقيقي، لكنها ظلت تُعرض على الرفوف في أشكال أكثر قبولًا وأكثر انسجامًا مع متطلبات السوق. في هذا السياق، نجد أن القيم الأصيلة تُستبدل بأخرى سطحية، حيث يُقدَّر المظهر على حساب المضمون، والعلاقات الإنسانية أصبحت تعتمد على ما يبدو للعيان، وليس على ما يكمن في القلوب، والأفكار تُقيَّم بمدى شعبيتها وليس بعمقها أو فائدتها، حتى الطموحات والأحلام باتت تُصاغ بما يتوافق مع المعايير السائدة وليس بما يعبر عن الذات الحقيقية. قصة “كريم” تذكرنا بأهمية التمسك بالجوهر، والسعي للحفاظ على القيم الحقيقية في عالم يميل إلى تفضيل الزيف على الأصالة. إنها دعوة للتفكير في اختياراتنا، والتأكد من أننا لا نضحي بما هو حقيقي مقابل ما هو مصطنع وبراق.

1023

| 19 فبراير 2025

الوقاية خير من العلاج

يقول أحد الأصدقاء: عندما كنت رئيسًا تنفيذيًا لإحدى المؤسسات دخل عليَّ ذات يوم موظف وفي يده ملف لأحد أقاربه من الدرجة الأولى، وطلب مني أن أنظر في توظيفه في المؤسسة، على إثر رفضه من لجنة التوظيف لأسباب وجيهة، بدا الرجل متفائلًا جدًا بموافقتي، وبدأ يمدح قريبه ويعدد سجاياه وأنا أنظر إليه، ثم أخذ به الحماس فطلب بأن يتم توظيفه في نفس الوحدة التي يعمل بها وذلك لأنهما يحملان نفس المؤهل والتخصص، وفي ذلك طبعًا مخالفة صريحة للوائح المعمول بها والتي تمنع توظيف الأقارب من الدرجة الأولى في نفس الوحدة الإدارية، ورغم دهشتي من جرأته إلا أنني أكبرت فيه حرصه ومثابرته وعدم استسلامه، عندها سألته قائلًا: "ألا تشعر بالحرج وأنت تزكي قريبك وتحرص على أن يعمل معك في نفس القسم؟"، نظر إليَّ بكل ثقة قائلًا: "أبدًا يا سعادة المدير، فقد قالها من هو خيرٌ مني لمن هو خيرٌ منك، فقد طلب موسى عليه السلام من الله جل وعلا أن يجعل أخاه هارون وزيرًا له حيث قال: (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي)". يقول صاحبي: على الرغم من أن الرجل استخدم الآية في غير موضعها إلا أنه أصابني بالصدمة والذهول لبعض الوقت قبل أن ألملم شتات فكري وأطلب منه الامتثال لقرار اللجنة. ولك أن تتخيل كيف يتعامل ذلك النموذج من الموظفين مع المعاملات التي بين أيديهم، وعلى أي أساس يصنفون أولوياتها وأحقيتها، إن التباين في المفاهيم يؤدي إلى اصطدام حتمي في المقاصد، وفوضى في الإجراءات، وتفشٍّ للفساد، ومن ثم تقويض لنجاعة المؤسسة وخدماتها، ولتفادي ذلك خصوصًا في العمل المؤسسي تبرز الحاجة لتحديد المفاهيم، ولا يكفي للوصول إلى ذلك إصدار اللوائح، ومدونات الإجراءات والسلوك، ومدونة أخلاقيات المهنة، ما لم تتبعها حملة توعوية تصل بتلك المفاهيم إلى الموظفين في أطراف السلم الوظيفي عبر برامج تدريبية وورش عمل محكمة ومصممة بمهنية بعيدةً كل البعد عن الشكلية. وتشير بعض الدراسات التي اطلعت عليها شخصيًا بأن شريحة كبيرة من المخالفات التي قد يرتكبها الموظف العام وتصنف بأنها ممارسات فاسدة هي في الأساس صورة من صور الجهل باللوائح والإجراءات وحدود المسؤولية للفرد، وتلك ثغرة قد يتسلل منها الفساد عبر أطرافٍ أخرى لتحقيق مكاسب غير مشروعة ما لم نعمل على رفع نسبة الوعي ومراقبته بصورة دورية... فالوقاية خير من العلاج.

1041

| 12 فبراير 2025

لا أحب التوست محروقًا

قرر الزوج ان يفاجئ زوجته في ذكرى زواجهما بعمل ما، فقام باعداد الفطور في الصباح الباكر تعبيرا منه عن سعادته بهذه المناسبة، ثم جاء به الى السرير وأيقظ زوجته قائلا «صباح الخير....كل عام وانت بخير» فردت عليه «وانت بخير»، وما أن جاءت عيناها على صينية الفطور حتى أجهشت بالبكاء في حين وقف الزوج مندهشا ومحاولا دون جدوى معرفة سبب بكائها، فلما هدأت قالت بصوت متقطع «كم سنة مرت على زواجنا حتى الان» فقال الزوج «عشرون سنة» فقالت وهي مواصلة البكاء الم تعلم بعد هذه السنين الطويلة انني لا أحب «التوست» المحروق. تلك القصة القصيرة تجسد ما قد يحدث عند غياب مهارة الاتصال ثنائي الاتجاه (Two way communication)، فمن المفترض ان المدير العام في اي مؤسسة سواءً كانت حكومية او شبه حكومية يدرك بانه المسؤول الاول عن اداء هذه المؤسسة، ويجب ان لا يغيب عن ادراكه ايضاً من اين يبدأ دوره واين ينتهي، فالمسؤولية لا تساوي المركزية في اتخاذ القرارات بل تعني توفير المناخ الكفيل بانجاح المهام المناطة بالمؤسسة وتحديد المسؤوليات واعطاء الصلاحيات للادارة الوسطى وتوفير الامكانات في اطار رؤية وسياسة واهداف واضحة لمستقبل هذه المؤسسة. ولكن انتبه يا سعادة المدير العام !! فقد تلعب الادارة الوسطى دورا سلبيا للحفاظ على وضعها ومكتسباتها وذلك بحجب المعلومات او بتلميع تقارير الاداء على حساب المصلحة العامة، وقد يكون على حساب المخلصين من الموظفين في الدرجات الاقل والذين لا يجدون في معظم هيئاتنا ومؤسساتنا قنوات لايصال صوتهم والتحديات التي يواجهونها ومقترحاتهم الى الادارة العليا، وهذه ليست دعوة لايجاد قنوات اتصال غير صحية او مخابراتية بين المدير العام والموظف العام، لا بل دعوة لتعزيز الشفافية وازالة اسوار «البرستيج» البغيضة. قد يكون من المفيد جدًا أن يجتمع المدير العام بالموظفين مرة الى مرتين سنويا على طريقة اليوم المفتوح للتواصل المباشر مع الموظفين ومعرفة حقيقة التحديات التي يواجهونها، أو في إيجاد قناة تمكن الموظف من التواصل المباشر مع القيادة بخصوص اي مشكلة تمس المصلحة العامة او اي فكرة للتطوير قد تكون علامة فارقة في مستقبل المؤسسة. قد يكون استبيان مستوى رضا الموظفين اداة جيدة لجسر الفجوة بين سياسة الادارة العليا وتطلعاتها المبنية على ما يصلها من تقارير مكتوبة «وغير مكتوبة»، من الادارة الوسطى، وواقع الحال كما يعيشه الموظف العام. وقد يحتوي الاستبيان على اسئلة على سبيل المثال لا الحصر مثل: هل انت مستمتع بالعمل لدى هذه المؤسسة؟ هل تشعر بان مسؤولياتك اكبر من طاقتك الانجازية؟ هل انت راضٍ عن ساعات العمل؟ هل تشعر بالتقدير مقابل ما تقوم به من انجاز؟ هل لديك وصف وظيفي ؟ وهل ما تقوم به من عمل يتوافق مع هذا الوصف؟ هل لديك قلق من ان تفقد وظيفتك؟ هل يُنظر بعين الاعتبار لمقترحاتك لتطوير العمل؟ هل انت راضٍ عن مسؤولك المباشر؟ لا شك ان اجراء استبيان من هذا القبيل سيكون له انعكاسات ايجابية على الموظف العام في المقام الاول وستكون نتائجه بمثابة «ترمومتر» للمؤسسة تضع الادارة العليا امام صورة اكثر وضوحا وتعطيها الفرصة لمراجعة سياساتها، ولتكون قراراتها فيما بعد اقرب للواقع واكثر فاعلية وتجد القبول من اعلى الهرم الوظيفي نزولا الى القاعدة، والا ستستمر معاناة الموظف مع ذلك «التوست» المحروق.

2031

| 05 فبراير 2025

متى ترحل؟.. بيدك لا بيد عمر

تتفاوت بيئات العمل سواءً في القطاع الحكومي أو الخاص ما بين الإيجابية منها والسلبية، الجاذبة للموظف الطموح وتلك الطاردة للكوادر الموهوبة، ونتساءل ما الذي ينبغي فعله في أسوأ الأحوال عندما تكون التحديات إدارية لا مالية؟، أحد الزملاء كان يعمل مديرًا في مؤسسة حكومية، ومن المنظرين لثقافة العمل المؤسسي والملتزمين بها، فهو يعرف حدود مسؤولياته وسقف صلاحياته، ويحترم التسلسل الإداري، ورغم إغراءات المنصب والامتيازات التي يحصل عليها من تلك الوظيفة، إلا أنه أصبح في مواجهة مع بيئة عمل غير منضبطة كما ينبغي في العمل المؤسسي، إضافةً إلى أنها بيئة روتينية بلا أي قيمة مضافة، وليست محفزة على بذل المزيد من الجهد، لقد ساءت الأمور إلى درجة أنه قدم استقالته من تلك المؤسسة، وعندما التقيت به بعد أقل من عقد من الزمن من استقالته وسألته عما إذا كان يشعر بالندم على ذلك القرار قال: "إطلاقًا لم أشعر بأي ندم، بل لم أكن لأتخيل بأن استقالتي من عملي سيكون لها كل هذا التأثير على مجرى حياتي، إنني ممتن لتلك الظروف التي وضعتني في خيارات كنت أعتقد أنها صعبة بل مستحيلة، فإما الاستمرار في العمل والتعايش مع تلك التحديات الصعبة والتي بدأت تفقدني الحماس لما أقوم به من عمل، ومن ثم فقد ذلك الإحساس العميق بالرضا والسعادة والإنجاز، أو الاستقالة والبدء من جديد". يقول: "لقد اتخذت قراري بالاستقالة ولم أفكر حينها في العواقب، لقد كنت مجازفًا، نعم أنا لم أفكر حينها ما الذي سأصنعه غدًا، ولكن ما إن أقدمت على تلك الخطوة الجريئة حتى شعرت بقيمة الذات بعد تقديم استقالتي مباشرةً، شعرت بالحرية بالقوة وبأنني قادر على اتخاذ قرارات مصيرية وأن أتحمل تبعاتها، لقد انجلت تلك الغشاوة القابعة على بصيرتي، وذلك الوهم المسيطر على تفكيري، وهم الأمن الوظيفي. نعم قد تكون بحاجة في ظرف ما أن تقرر الرحيل من مكان عملك بدافع ما تؤمن به من مبادئ وأخلاقيات، ومهما كان الثمن المترتب على ذلك الموقف الذي اتخذته فلن يكون أغلى من فقدك لاحترام ذاتك إن لم تتخذ القرار، ولكن إن أخطأت في قراءة الواقع، ولم تستطع استشراف المستقبل، ولم ينبهك حدسك بضرورة الرحيل في الوقت المناسب، ستكون عرضة للبيع في موسم التنزيلات الذي تحدثنا عنه في مقال سابق.

1260

| 29 يناير 2025

حلل يا دويري

بعد أكثر من خمسة عشر شهرًا من العدوان الصهيوني المتواصل على غزة، واستشهاد أكثر من خمسة وأربعين ألف مدني، أغلبهم من النساء والأطفال وكبار السن، وتدمير 70 % من المباني، تضع الحرب أوزارها، وتجثو إسرائيل على الركب وبضغط أمريكي، لتفاوض فصائل المقاومة الفلسطينية المصنفين على قائمة الإرهاب الغربية، تجثو على الركب بعد أن صمدت المقاومة لمدة تزيد على 460 يومًا في حين لم تصمد جيوش أربع دول عربية في حرب 1967 أكثر من ستة أيام، تجثو إسرائيل على الركب بعد أن فشلت في تحقيق أي من أهدافها التي أعلنتها مع بداية العدوان، فقد فشلت في سحق المقاومة، وفي تحرير الرهائن، وفي تهجير سكان القطاع، لم يحقق «النتن» أيًا من أهدافه بعد التوغل البري العنيف والقصف الجوي المتواصل على غزة، ذلك القطاع الذي لا تتجاوز مساحته مزرعة بعض أثرياء العرب. خسرت إسرائيل المعركة وهي تمتلك أكبر ترسانة عسكرية نوعية في الشرق الأوسط، وتساندها أوروبا وأمريكا بالإمدادات العسكرية واللوجستية والاستخباراتية على مدار الساعة، ويتوافد عليها مرتزقة الحروب من كل حدب وصوب، وتمد لها الجسور الجوية بالسلاح والغذاء والدواء، في حين تواجه غزة حصارًا محكمًا لا ينفذ من خلاله أي شيء، حتى تلك المساعدات الإنسانية والإغاثية التي عادةً ما يكون لها حرمتها في الحروب، لم تجد طريقها إلى أهل غزة فضلًا عن السلاح الذي لا يجرؤ أحد أن يفكر لمجرد التفكير بإرساله للمقاومة. خسرت وهي تمتلك جيشًا مدربًا تدريبًا عاليًا على الأسلحة التقنية الحديثة، وأقمارًا صناعية تراقب كل حركة على أرض غزة وتمدها بالصور والتقارير على مدار الساعة، خسرت المعركة وهي تسيطر على الجو والبر والبحر ولم يبقَ للمقاومة إلا العمل من باطن الأرض، فلا سلاح طيران ولا غواصات ولا حاملة طائرات ولا دبابات، كل ما تمتلكه المقاومة هو أسلحة خفيفة وعناصر مدربة تدريبًا متواضعًا، وقد رأينا بعضهم يواجه «الميركافا» حافي القدمين وبلا بزة عسكرية أو درع واقٍ، وعلى الرغم من قلة العدد والعتاد إلا أن قلوب أولئك الأبطال قد ملأها الإيمان بالله ثم بعدالة قضيتهم. خسرت بعد أن جيشت شبكات الإعلام العالمية ومراسليها لتزوير معطيات المعركة وطمس الحقيقة، كما جيشت بعض القنوات العربية الرخيصة والمتصهينين لشيطنة المقاومة وتأليب الشارع العربي عليها، وقد رأينا كيف يتم تصوير المقاطع المضللة للرأي العام من مراسلي كبريات الشبكات الإعلامية التي كانت تدعي النزاهة والموضوعية، فلم تجدِ تلك البروباغندا الإعلامية نفعًا، فسقطت سقوطًا مدويًا وسقطت معها منظومة القيم والأخلاق ومواثيق الإعلام الزائفة. خسرت وهي تمتلك منظومات دفاعية متطورة، ورادارات حديثة ترصد أي تحرك يشكل تهديدا لمواطني الكيان المحتل، وملاجئ تكفي لملايين المستوطنين، في المقابل لا أمان في غزة من أي نوع، فالعدو يستهدف كل شيء يتحرك على وجه الأرض، حتى الدواب لم تسلم من رصاص عناصر الاحتلال. لقد استمرت حرب الإبادة على مرأى ومسمع من المنظمات الدولية، والمؤسسات التنظيرية، ودعاة حقوق الإنسان، وكل ذلك الزيف من دعوات التسامح والعدالة وحقوق الطفل والمرأة وذوي الاحتياجات وقواعد الاشتباك في الحروب، ذلك الزيف الذي ملأ علينا الأفق، وكأننا لا نملك من الحضارة والإرث الإنساني إلا الإرهاب والظلم وأكل الحقوق، استمرت الحرب ولم يحرك أحد ساكنًا عدا الشجب والاستنكار والصراخ. وكما كان صمود غزة العزة، صمدت الدبلوماسية القطرية رغم التحديات والضغوط التي تعرضت لها على مدى الخمسة عشر شهرًا الماضية، ففي الوقت الذي تتفرج فيه قارات العالم السبع على تلك المأساة الإنسانية، كانت الدبلوماسية القطرية تعمل ليل نهار وبكل الوسائل المتاحة لإيقاف الحرب، واليوم نحتفل كما يحتفل أهلنا في غزة بنجاح جهود الدبلوماسية القطرية، وإيقاف تلك المأساة الإنسانية... «وما النصر إلا من عند الله».

3018

| 22 يناير 2025

البيع في زمن التنزيلات

يحرص التجار على الاهتمام بطريقة عرض البضائع لعلمهم أن العرض الجيد يعمل على جذب المزيد من الزبائن مما ينعكس على زيادة المبيعات، إن طريقة العرض المدروسة والاهتمام بالديكور وموقع المتجر إضافة لما يقوم به مسؤول المبيعات من شرح وإقناع، كل ذلك يضيف قيمة للبضاعة ويضفي عليها بريقًا يكون من الصعب على الزبون تجاوزه قبل أن تتم الصفقة. يروي أحد الأصدقاء تجربته مع أحد محلات الملابس المشهورة فيقول: «كنت كلما قصدت ذلك المتجر لشراء حاجة أجد نفسي أشتري أشياء أخرى لم أخطط لها، فقد تعودت أن يستقبلني البائع بابتسامة عريضة ويطلب لي القهوة قبل أن أفصح عن حاجتي، وبعد أن يلبي طلبي يبدأ باستعراض آخر المنتجات ويرغبني بأسلوبه المميز بالشراء فأجد نفسي قد وقعت في شِرَاكِه وأنا مبتسم، ثم أخرج من المتجر أدفع عربتي المليئة بمختلف المشتريات». ويضيف قائلًا: «المفاجأة هي عندما جاءتني رسالة نصية عن التنزيلات الضخمة التي أعلن عنها ذلك المتجر، عندها ذهبت لأغتنم تلك الفرصة فلم أجد من يستقبلني كما تعودت، ولم أجد البضاعة مرتبة كما كانت تعرض من قبل، بل شاهدت نفس البضاعة التي كنت فخورًا باقتنائها ذات يوم ملقاةً بطريقة عشوائية على منضدة عريضة وقد فقدت قيمتها المعنوية بقدر ما فقدت من سعرها، ورأيت نفس البائع جالس في مكتبه دون اكتراث بالزبائن، وكأن لسان حاله يقول «على الزبون أن يحس بالامتنان لتوفير السلعة له بهذه القيمة»، والحقيقة أن موسم التنزيلات فرصة للتاجر أيضًا كي يتخلص من بضاعته القديمة ليتمكن من عرض منتجاته الجديدة، نعم هناك توفير لبعض المال في التنزيلات ولكن في المقابل هناك هدر للاحترام والمهنية والتقدير». إن أسلوب «البيع في موسم التنزيلات» ليس حكرًا على الممارسات التجارية، بل له أوجه متعددة كذلك في الحياة الاجتماعية والسياسية، فقد يمارسه الأفراد تجاه بعضهم البعض في لحظة فارقة من العلاقة، أو تمارسه مؤسسات الدولة تجاه الموظف بعد خدمة طويلة، أو تمارسه المؤسسات الخدمية تجاه الجمهور، وكذلك قد تمارس ذلك الاسلوب الدول عند منعطف سياسي ما تجاه الأفراد والجماعات والدول الأخرى بعد أن ينتفي الغرض من العلاقة. وعلى أقل تقدير قد نلمس روح «البيع في موسم التنزيلات» في تعاطي موظف جهة خدمية مع المراجعين، أو في نظرته لواجباته ومسؤولياته تجاه الجمهور، فيتصرف وكأنه يقدم خدماته بلا مقابل، وقد نلمس ذلك في تصرف المرشحين لعضوية المجالس المختلفة، فنرى التباين الشاسع بين سلوك المرشح أثناء الحملة الانتخابية وسلوكه بعد أن يصل إلى كرسي العضوية حيث تبدأ عملية التنزيلات أو التنازلات عن الوعود الانتخابية.. وقس على ذلك. وختامًا، قد ينسى أولئك الذين ينتظرون «موسم التنزيلات» بفارغ الصبر أن البضاعة التي يسعون لاقتنائها حين ذاك قد فات موسمها وفقدت بريقها ورونقها، وأنهم سيدفعون مقابلها ثمنًا باهظا من الكرامة واحترام الذات.

1323

| 15 يناير 2025

لا تخسر مديرًا جيدًا بجعله قائدًا سيئًا

كثيرا ما يتجادل المهتمون بشؤون الإدارة عن الفرق بين القائد والمدير وحدود الدور الذي يلعبه كل منهما مع العلم ان الفرق بين المهمتين شاسع فليس كل مدير مؤهلا ان يكون قائدًا، ولذلك يتراجع اداء الكثير من المؤسسات عندما يتخذ مجلس الادارة قرارًا بتعيين رئيس للمؤسسة اعتمادًا على سمعته الادارية السابقة دون التأكد من امكانياته القيادية والتي هي اساسًا في نجاح وازدهار المؤسسة. هل امكانيات المدير تكفيه ليتأهل كقائد؟ يقول الدكتور ستيفن كوفي صاحب كتاب العادات السبع: «إن الادارة موجهة لحل المشاكل في حين ان القيادة موجهة لخلق الفرص»، كما يرى بعض المهتمين بشؤون الادارة ان الذي يميز القائد عن المدير هو وجود الرؤية لدى القائد بالإضافة الى اهتمامه ببناء ثقافة المنشأة وسياساتها وقيمها اما المدير فهو المنفذ لأهداف المنشأة والمتابع لتقرير الاداء وقائمة الاولويات وتفاصيل المهمات المناطة بإدارته والتأكد من انجازها في الوقت المناسب. لذا ليس صحيحا ان من ينجح في عمله كمدير سينجح في عمله كقائد، ففي اغلب الاحيان يفشل المدراء الجدد في مهامهم كقادة، حتى لو كانوا مدراء ممتازين، وترجع أسباب ذلك في كثير من الأحيان إلى عدم امتلاكهم المهارات القيادية، إضافة إلى عدم قدرتهم على التخلص من طبيعة عملهم السابق في الدرجات الوظيفية الادنى، سواءً كان مديراً لإدارة او رئيساً لقسم او من كبار الموظفين، فتجد البعض يتعامل مع منصبه الجديد من منظور منصبه القديم لعدم امتلاكه للمهارات المطلوبة والمرونة الكافية والقدرة على التكيف لاستيعاب المهام والمسؤوليات المترتبة على المنصب الجديد، لذا يبدأ بالتركيز على ما تعود على متابعته في منصبه القديم، ويهتم بتفاصيل الامور التي هي من مسؤوليات الموظفين الذين يلونه في الادارة وقد لا يتم او يصعب اكتشاف تخبط المدير مبكرا خصوصا في المؤسسات التي تعاني من انسداد في قنوات المعلومات وتقارير الاداء أو شح في الاجتماعات الدورية مع الادارة العليا لمتابعة مجريات الامور. تقول ليز ويبر – مستشارة القيادة الإستراتيجية: «لا تخسر مديرًا جيدًا بجعله قائدًا سيئًا»، وتضيف قائلةً «إن المدراء الجيدين والقادة الجيدين يشكلون أهمية حيوية لأي منظمة، فكل منهما يساعد المؤسسة على تنفيذ خططها المستقبلية، ومع ذلك، فإن المدراء الجيدين قد لا يكونون بالضرورة قادة جيدين، والقادة الجيدون قد لا يكونون بالضرورة مدراء جيدين».

1275

| 08 يناير 2025

من وحي خليجي 26... لا تسألني لمن الكأس؟

قبل عدة سنوات كنت في زيارة لأحد الأصدقاء الخليجيين، وهو من عشاق كرة القدم، وقد ذاع صيته كأحد أبرز الإداريين في مجال الرياضة، وتصدر النادي الذي يديره قائمة البطولات على مدى أعوام، دار بيننا حديث الأصدقاء عندما يلتقون بعد طول غياب ويتذكرون الأيام الخوالي، صحيح أن الإدارة الرياضية مجال له خصوصيته، إلا أنها تتقاطع مع الإدارة عمومًا في أي مجال من مجالات الحياة، لقد دفعني الفضول والشغف بعلوم الإدارة إلى سؤاله عن سر نجاحه في إدارة فريقه حتى وصل إلى ما وصل إليه، في حين أنه لم يحقق ذات النجاح في إدارته للإدارة التي كان يعمل بها في إحدى وزارات الدولة، ابتسم بكل ثقة والتفت إلي قائلًا: ياصديقي في ملعب كرة القدم أنا أمتلك مساحات كبيرة من الحرية في اتخاذ القرار الذي أراه مناسبًا دون أي تدخل خارجي، وبالتالي أتحمل مسؤولية قراراتي، النجاح في كرة القدم يبدأ بإعطاء صلاحية كاملة لمدير الفريق وينتهي بإختيار اللاعب المناسب في المكان المناسب، أما في العمل الحكومي فإن قواعد اللعبة مختلفة بشكل كبير والملعب مختلف أيضا، لو كانت الأمور تدار في القطاع الحكومي بنفس الطريقة التي تدار بها الأجهزة الرياضية لشهدنا ثورة ونقلة نوعية في أداء القطاعات الحكومية. ثم قال: إن ما يهم القائمين على إدارة الفرق الرياضية هو الفوز والفوز فقط، لأنه الهدف والدافع والمحرك لإدارة النادي الرياضي في جميع قراراتها، فلا مكان في الفريق لغير اللاعب الموهوب المبدع، في المقابل قد يتعرض أي لاعب لعقوبات تصل إلى الفصل من النادي بدون تردد في حال عدم التزامه بالتمرينات الرياضية أو انتهاكه لأخلاقيات اللعب، أو تدني مستواه إلى الحد الذي يؤثر على مكاسب الفريق، ولا يوجد مجال لأي اعتبارات أخرى. وأردف قائلًا: يا صديقي، في عالم الرياضة لا توجد اعتبارات للواسطة أوالمحسوبية في اختيار أعضاء الفريق، فلا يتم اختيار لاعب الهجوم لانه ابن فلان ولا الحارس لانه ابن علاّن، فليس بالضرورة أن اللاعب الموهوب أو المدير الناجح ينجب ابنا ناجحا أو موهوبا، لذلك يجب أن لا يكون النسب والعرق والطائفة معيارًا أبدا في اختيارك لأعضاء فريقك سواء في كرة القدم أو في العمل، ولا معيارًا لإعطاء المسؤولية أو حرمانها، بل يجب أن يكون المعيار هو الكفاءة والأخلاق والولاء لوطنك ومجتمعك، هذا إذا أردت أن يفوز فريقك طبعًا، أما إن أردت اللعب لمجرد اللعب دون تحقيق نتائج فذلك أمرٌ آخر..... انتهى كلامه. لقد كان حديثًا صريحًا وحادًا بعض الشيء، ولكن، اليست المقارنة بين ادارة نادي رياضي وادارة دائرة حكومية مقارنة مجحفة؟، اليس النموذج الرياضي اكثر مرونة؟، اليس القطاع الحكومي مقيدا بلوائح وقوانين وسياج من البيروقراطية؟، مع كل تلك الاعتبارات وغيرها، في المقابل ألا يمكننا كما قدمنا هذا النموذج المشرف في الإدارة الرياضية، وفي أكثر من مناسبة، أن ننقل روح التجربة وبيئتها إلى دهاليز القطاع الحكومي؟!، إذا استطعنا فعل ذلك فلا تسألني... لمن الكأس؟

1410

| 01 يناير 2025

سنة أولى مسؤول

دائمًا ما يكون للبدايات طابعها الخاص وشعورها المميز وتحدياتها الغامضة، فعندما يصبح الفرد على قمة هرم المؤسسة كوزير أو رئيس تنفيذي أو حتى مدير قطاع، وبغض النظر عن كفاءته أو تمكنه من تلك المهمة، يتنامى لديه للوهلة الأولى شعور بالرهبة والخوف من المجهول الذي لا يعرف عنه الكثير في الوقت الذي هو مسؤول عن تحقيق أهدافه وتنفيذ خططه وإبراز إمكانياته لإثبات أنه على قدر المسؤولية التي كُلف بها. قد يحاول البعض القفز على تلك التحديات والمشاعر والخوف من اختلال الصورة الذهنية عنه فيبدأ في التفكير بتحقيق بعض المكاسب السريعة أو ما يسمى بالإنجليزية (Quick wins)، ويتجلى ذلك في إصدار بعض القرارات الشكلية وغير المدروسة، بقصد التعبير عن وجود قيادة جديدة حاسمة، كالتشديد على الالتزام بساعات الدوام الرسمي، أو منع الصحف عن كبار الموظفين أو تقليصها، وأشياء أخرى متعلقة ببعض التفاصيل التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ومن ذلك أيضًا الاستعجال في الظهور الإعلامي في محاولة لقطف ثمار إنجازات المؤسسة ومشاريعها، فيجيرها لحسابه دون أي ذكر للمسؤول السابق أو فريق العمل الذي أنجزها. لا شك أن الأيام الأولى لتولي المنصب حرجة للغاية في تشكيل الصورة الذهنية عن المسؤول لدى الإدارة العليا والمتوسطة في المؤسسة أو الوزارة، وهنا تبرز ضرورة أن يتمتع المسؤول الأول بالحكمة في ترتيب الأولويات، والديناميكية في عملية صنع القرار، وبُعد النظر في رسم إستراتيجية المؤسسة، وحتى يتم إنجاز ذلك بالصورة الصحيحة، يتطلب التريث لحين التعرف على الفريق الذي يعمل معه، وإمكانات الموارد البشرية التي لديه، الدور المنوط بالمؤسسة، وموقعها الحالي من تنفيذ برامجها ومشاريعها وأهدافها الإستراتيجية، وأسباب تعثر بعض البرامج إن وجد ذلك، وكيفية معالجة الانحرافات والتحديات التي تواجه تنفيذ الخطط والمشاريع المختلفة. قد يتطلب التعرف على المؤسسة أو الوزارة بكل أبعادها ونشاطاتها ما يقارب الثلاثة شهور تزيد أو تنقص، عندها يستطيع الوزير، أو الرئيس التنفيذي، أو المدير رسم تصور للمستقبل مبني على معطيات الواقع وأولويات المرحلة، وأنصح دائمًا كل من يستشيرني في هذا المجال أن يجهز عرضا تقديميا من ثلاث شرائح فقط، يعرضه المسؤول الجديد على أعضاء مجلس إدارة المؤسسة أو مجلس الوزراء في حالة الوزير، الشريحة الأولى تبين الوضع الحالي بكل شفافية، وذلك يعطي انطباعًا إيجابيًا لدى المجلس وشعورا بالتمكن من الوضع، والشريحة الثانية تتحدث عما يجب أن يكون عليه الوضع مستقبلًا، وذلك يعزز الشعور لدى الجميع بتبني تلك الأفكار، والشريحة الأخيرة تبرز أهم التحديات التي تواجه المؤسسة في سبيل تنفيذ خططها المستقبلية ومقترحات لمواجهة تلك التحديات، ومن شأن ذلك أن يعزز الدعم المادي والمعنوي للمؤسسة من أصحاب القرار.

1422

| 25 ديسمبر 2024

قطر ليست مجرد وطن

ونحن نعيش هذه الأيام المجيدة، ومع اقتراب اليوم الوطني لدولتنا الحبيبة، قد يتساءل البعض عن دواعي الفرح والابتهاج السنوي بهذه المناسبة!، وعن بعض المفردات التي يكثر تداولها في هذه الأيام كحب الوطن والولاء، فما هو الوطن؟ وكيف ولماذا يكون الولاء له؟، هل الوطن هو الأرض التي ولدت عليها؟ أم هو مكان إقامتك الحالية ورزقك؟ هل هو المجتمع الذي نشأت وترعرعت في كنفه؟ أم هو الدولة التي تحمل جنسيتها حتى لو كنت تعيش مجبرًا في مكان آخر من هذا العالم؟ توجهت بالسؤال عن الوطن إلى أحد تطبيقات «الذكاء الاصطناعي»، فانتظرت طويلًا على غير العادة حتى جاءني هذا الجواب: «الوطن هو المكان الذي يولد فيه الإنسان أو ينتمي إليه، وهو الحيز الجغرافي الذي يحمل تاريخًا وثقافة وقيمًا مشتركة تجمع بين أفراده. الوطن ليس مجرد أرض يعيش عليها الناس، بل هو شعور بالانتماء والهوية المشتركة التي تعبر عن علاقة الإنسان بماضيه ومستقبله». وعندما استعرضت ذلك الجواب الذي يبدو لأول وهلة أنه منطقي جدًّا، لم أجد فيه ما يتسع لأبعاد الوطن الذي نعشقه، أو يصف حقيقته وواقعه الفريد، لقد عجز «الذكاء الاصطناعي» عن أن يقترب من الواقع الذي يعيشه المواطن والمقيم على هذه الأرض. ستجد في هذا العالم المتلاطم الأمواج من يعيش غريبًا وهو في وطنه الأصلي، يحس بالانتماء للأرض والمجتمع وليس للدولة ككيان سياسي، ولا يجد في مواقفها السياسية ما يستحق الفخر أو يعزز الولاء لها حتى لو كان ينعم فيها برغد العيش، وهناك من اضطرته الظروف للعيش خارج وطنه بسبب الظلم والاستبداد، فوجد من يقدر إنسانيته ويراعي شعوره ويكفل حريته، لكنه رغم ذلك يعيش الحنين لوطنه كل يوم ويؤرقه الإحساس بالغربة، فضلًا عن التعرض للممارسات العنصرية أو اضطهاد الأقليات وعدم تقبل الآخر. ولكن، ورغم صغر مساحة قطر إلا أن صدرها يحتضن الجميع، فهنا تعيش أكثر من مائة وثلاثين جنسية مختلفة بأمان ومحبة، هم مغتربون عن أوطانهم ولكنهم لا يعيشون الغربة في قطر، بل يأخذهم الحنين إليها كلما ابتعدوا عنها وكأنهم ولدوا وترعرعوا فيها، فهناك خاصية في المجتمع القطري قد لا تتوفر بنفس القدر في أي مجتمع آخر، وهي القدرة على الاستيعاب والقبول والتعايش السلمي مع الآخر، وقد اتضح ذلك جليًا في الحدث الرياضي الكبير الذي نظمته الدولة في العام 2022م، لقد أبهرنا العالم بسلوكنا وثقافتنا وتفاعلنا الإيجابي مع الجميع دون استثناء. قطر وطن الإنسانية وملاذ المستضعفين وأمان الخائفين وكعبة المضيوم، نتشرف بقيادتها السياسية وبمواقفها المنحازة للإنسانية وللحقوق والحريات رغم التحديات التي تواجهها، كما نتشرف بمؤسساتها التي تعمل على مدار الساعة لتأمين العيش الكريم لكل من يعيش على هذه الأرض الطيبة، نتشرف برجالها المخلصين الذين ساهموا في تشييد أركانها وحافظوا على نهجها وهويتها، نتشرف بشبابها الذين تحملوا المسؤولية ومضوا على عهد الآباء والأجداد وحافظوا على مكتسبات الوطن... لذلك قطر ليست مجرد وطن.

1155

| 11 ديسمبر 2024

الغول والعنقاء والخل الوفي.. وأشياء أخرى

وجد الموظف الجديد أحد الملفات في أدراج مكتبه، يبدو أنه للموظف السابق الذي ترك العمل منذ فترة قصيرة، وقبل أن يرميه في سلة المهملات أراد أن يتأكد بأن محتويات الملف غير مهمة، كان في الملف نسخ من بعض الأوراق والمراسلات المتعلقة باستقالة الموظف السابق، تلك الأوراق أثارت فضول الموظف الجديد فأخذ يتصفحها لعله يجد معلومة مفيدة عن بيئة العمل الجديد وطبيعة العلاقات بين الأفراد. الورقة الأولى كانت نسخة من كتاب الاستقالة جاء فيها: «مديري العزيز... تحية طيبة وبعد، لقد كانت الفترة التي قضيتها معك مليئة بالدروس والمواقف الخصبة بالمعرفة، تلك التجربة الفذة شكلت نقلة نوعية في نمط عملي وطريقة تفكيري، لقد لمست منك النزاهة والحكمة في إدارتك، كنت شفافًا جدًا مع الجميع، وحريصًا جدًا على المصلحة العامة، أنت نعم الرجل المناسب في المكان المناسب، وكما تعلم فإن القاسم المشترك بيننا هو خدمة الوطن وتلبية النداء من أي موقع نجد أنفسنا فيه قادرين على بذل أقصى الجهد والعطاء، ومن هذا المنطلق أتقدم لسعادتكم بطلب استقالتي هذا لأنطلق في فضاء آخر من فضاءات العمل أكتسب معه خبرات جديدة وأنقل معي كل ما تعلمته منك ومن زملائي من مهنية وحرص ومثابرة.... تقبل تحياتي»، وفي الورقة الثانية كان رد المدير على كتاب الاستقالة كما يلي: «أخي العزيز؛ تلقيت ببالغ الأسف طلب استقالتكم من مؤسستنا، لم أكن لأتوقع أن يحدث ذلك يومًا ما، لقد امتلأت مؤسستنا ببصماتك الإبداعية منذ خطواتها الأولى، أعلم بأن مسؤولك المباشر والإخوة في الموارد البشرية لم يألوا جهدًا لثنيك عن هذا القرار ولكن دون جدوى، لقد أبلغت بأنك اتخذت القرار ولا رجعة فيه، ونحن نحترم قرارك لأننا نعرف طريقة تفكيرك، ونعلم جيدًا بأنك درست الخطوة قبل أن تقدم عليها، ولم يتبق لي إلا أن أشكرك على رسالتك الراقية وأتمنى لك التوفيق في عملك الجديد، وأود أن أقول لك بأن الأفكار التي كنت تأتي بها من حين لآخر لتطوير مؤسستنا كانت أبعد من المهمة المطلوبة منك، لقد لمست فيك الشغف بالتطوير والتقدير للمسؤولية، والتعاون مع الزملاء والالتزام بالعمل والحفاظ على السرية، فهنيئًا للمؤسسة التي ستنضم إليها، وإلى لقاء قريب». أغلق الموظف الجديد الملف وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة الرضى على قراره الالتحاق بهذه «المدينة الفاضلة» أعني المؤسسة الفاضلة، وقبل أن يعيد الملف إلى مكانه لاحظ على ظهره تعليقاً بخط اليد كتب فيه: «الغول والعنقاء والخل الوفي... وأشياء أخرى».

2277

| 04 ديسمبر 2024

القواعد الفرعونية في تأصيل العبودية

عندما قدِمَ عديُّ بنُ حاتمٍ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو نصرانيٌّ سمعه يقرأُ هذه الآيةَ: "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" قال: فقلتُ له: إنَّا لسنا نعبدُهم، قال: أليسَ يحرمونَ ما أحلَّ اللهُ فتحرِّمونَه، ويحلُّونَ ما حرَّمَ اللهُ فتحلُّونَه، قال: قلتُ: بلى، قال: فتلك عبادتُهم. لقد قام النهج الفرعوني على قواعد راسخة في وجدان قومه، أصّل لها أصحاب المصالح والمنتفعون بين الناس كقارون، وتبناها رموزه ووزراؤه كهامان، وروج لها المؤثرون والإعلاميون كسحرة فرعون، فكانوا سدًا منيعًا ضد محاولات الإصلاح، وسيفًا مسلطًا على المصلحين، فكانت أولى تلك القواعد هي: إقناع الناس بأن فرعون ملهَم ولا ينطق عن الهوى فقوله الحق ورؤيته الحق وسبيله صراط مستقيم، قال تعالى: "قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ"، فهو يرى في منهجه الحق والرشد وما خالف نهجه فهو الغي والضلال، ويروج السحرة لهذا الإفك المبين بين أفراد المجتمع. بعد ذلك التمهيد تأتي القاعدة الثانية وهي: أن يُعْبَدْ من دون الله، إما عبادة فعلية مباشرة كعبادة الله، تعالى الله، أو كتلك التي جاءت في الحديث الذي تقدم سرده، قال تعالى: "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي"، وهذا إستخفاف فج بعقول القوم، لكن العجيب أنهم ولفسقهم المتأصل في تكوينهم أطاعوه فيما أراد "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ". أما القاعدة الثالثة فهي: حماية الاستبداد بشتى الطرق، ومنها سحق أي مبادرة للإصلاح قال تعالى: "وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه"، ومنها الاستهزاء بدعاة الإصلاح، قال فرعون: "فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ"، ومنها أيضًا التكبر على الحق وعدم الموضوعية ويتجلى ذلك في قوله: "أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ". أما القاعدة الرابعة فهي: إتهام المصلحين بأنهم إنما يريدون تغيير الدين والعبث به قال: "إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ"، تخيّل فرعون يخشى على الدين من موسى عليه السلام، ولكن أي دين؟، ذلك الدين الذي جعل منه إلهًا يعبد من دون الله، الدين الذي يتبع الهوى فيحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله، فكانت العاقبة أن أنجى الله المؤمنين المصلحين وأغرق فرعون وجنوده وهم ينظرون "وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا".

2730

| 27 نوفمبر 2024

alsharq
من المسؤول؟ (3)

بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...

2937

| 06 مايو 2026

alsharq
قمة الخليج من إدارة الأزمات إلى صناعة التوازن الإقليمي والدولي

في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن...

2463

| 30 أبريل 2026

alsharq
لماذا ستخرج قطر من هذه المرحلة أقوى؟

تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية...

2433

| 04 مايو 2026

alsharq
هل تعيش بقيمة مستأجرة؟

كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم...

927

| 05 مايو 2026

alsharq
حين ينكسر الزجاج.. من علمنا أن القرب يعني الأمان؟

ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل...

828

| 03 مايو 2026

alsharq
هندسة العدالة الرقمية

على ضوء التطور المتسارع الذي تشهده مؤسساتنا الوطنية،...

705

| 30 أبريل 2026

alsharq
السوربون تنسحب من التصنيفات.. بداية ثورة أكاديمية

في خطوة غير مسبوقة في عالم التعليم العالي،...

660

| 30 أبريل 2026

alsharq
"شبعانون" أم "متخمون"؟.. حين سرقت "الوفرة" طعم السعادة

لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم،...

642

| 05 مايو 2026

alsharq
سياسة قطرية دفاعية لحماية الشعب وتحقيق السلام

جميع السياسات القطرية تنطلق من مبدأ أساسي يؤمن...

633

| 30 أبريل 2026

alsharq
حديث غزة!!

شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...

540

| 07 مايو 2026

alsharq
العلاقات التركية - الباكستانية في وقت التحولات

تعود العلاقات بين تركيا وباكستان إلى القرن السادس...

513

| 03 مايو 2026

alsharq
امتحانات العطلة الأسبوعية.. أزمة إدارية

يبرز تساؤل جوهري حول لجوء بعض المؤسسات التعليمية...

477

| 04 مايو 2026

أخبار محلية