رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هل نقرأ لنستوعب أم لنتسلى؟

كنت قد تحدثت من قبل عن الرسائل التي يكتبها الأدباء والفنانون والمفكرون لأصدقائهم أو لحبيباتهم وملهماتم، وهي رسائل مشوقة وجميلة، ويمكن أن نسميها فنا أدبيا قائما بذاته، لكني أشرت إلى أن هذا الفن الأدبي يوشك على الانقراض، ربما بسبب طبيعة العصر الذي نحيا في أجوائه، وربما نتيجة لأسباب أخرى متنوعة ومختلفة، وأود الآن أن أشير إلى نقطة لا تتعلق بالأدباء، بقدر ما تتعلق بالقراء أنفسهم. ليست هناك قاعدة واحدة محددة في طريقة قراءة القراء لما يريدون أن يطالعوه، فهناك قراء يحبون أن يستوعبوا ويتأملوا، وهؤلاء لابد أن يتحلوا بالصبر والقدرة على المثابرة، وهناك قراء يجدون في القراءة وسيلة من وسائل التسلية، وهؤلاء لا يهتمون كثيرا بأن يستوعبوا ما اندفعوا لقراءته، وهنا أتوقف عند رسالة تحدد أنواع القراء، وقد كتب الراحل الكبير توفيق الحكيم تلك الرسالة، مصورا عبر سطورها كيف يقرأ ما يود قراءته، ومقارنا بين طريقته المستندة إلى الاستيعاب وطريقة قراءة قارئة متسرعة لا تريد إلا أن تتسلى. في تلك الرسالة التي يضمها كتاب جميل بعنوان زهرة العمر، يتحدث توفيق الحكيم عن الراقصة الفرنسية التي أقامت معه لبعض الوقت في شقته التي كان يستأجرها في باريس، مشيراً إلى الفارق بين طريقة قراءتها للروايات والمسرحيات وطريقته هو في قراءتها، بحيث نستطيع أن نكتشف الفارق بين قراءة الإنسان العادي الذي لا يعنيه فن الرواية أو المسرحية بقدر ما تهمه الحكاية في حد ذاتها، وبين قراءة الكاتب المبدع الذي يريد اكتشاف أسرار الفن الأدبي من خلال النماذج التي يتمهل في قراءتها.يقول توفيق الحكيم لصديقه الفرنسي أندريه: "الواقع أن هذه الراقصة التي تقيم معي كانت سريعة القراءة إلى حد كان يدهشني، إنها تتم قراءة القصة التمثيلية في ساعة واحدة، وأنا الذي أقرأها في يومين أو ثلاثة، ولكن هناك فارقا هائلا بين قراءتي وقراءتها! إنها تقرأ للحكاية في ذاتها.. أما أنا فلا تعنيني حكاية الكاتب، بل يعنيني فنه وسر صناعته وطريقة أسلوبه في البناء وخلق الأشخاص ونسج الجو وإحداث التأثير.. إني أعيد أحيانا قراءة الفصل الواحد، بل الصفحة الواحدة مرات.. لذلك لم تكن قراءة ساشا تصلح أساسا حتى للمناقشة ومبادلة الرأي، وما كنت أجني منها إلا ذلك المصباح المسلط على رأسي والدخان الذي يضيق به صدري في ذلك الهزيع الأخير من الليل.بطبيعة الحال، فإن القارئ المتسرع هو الذي يسيطر عليه الفضول، كما أننا – في أدبنا العربي وفي حياتنا اليومية – نواجه كل إنسان فضولي بالقول الشهير: "لا تتدخل فيما لا يعنيك"، وحول هذا المعنى الذي تختل فيه المقاييس والمعايير يقول صلاح عبد الصبور:قلتم لي.. لا تدسس أنفك فيما يعني جاركلكني أسألكم أن تعطوني أنفيأنفي في مرآتي مجدوع الوجههذا زمن الحق الضائعلا يعرف فيه مقتول من قاتله؟ ولماذا قتله؟!وإذا كان الفارق كبيرا بين الفضول وحب المعرفة، إلا أنني لا أريد أن أظلم القراء المتسرعين، ولا أريد أن أنحاز إلى القراء المتمهلين المتأملين، فللناس فيما يعشقون مذاهب، وأعتقد أن الحياة برحابتها واتساعها تستوعب الجميع، دون إقصاء لأحد أو تمييز لسواه!

907

| 01 مايو 2014

فن أدبي يوشك على الانقراض

الناس جميعا مولعون بحب الاستطلاع، وهذا ما نلمسه بوضوح في حياتنا اليومية، حين نجد اثنين يتهامسان ويومئ كل منهما للآخر برأسه وبإشارة من إحدى يديه، فإننا نحاول أن نعرف شيئا عن سر هذه الهمسات والإيماءات والإشارات، وقد يندفع بعض منا إلى محاولات استراق السمع، وهو أمر أقرب إلى التلصص والتجسس، وليس إلى مجرد حب الاستطلاع، فالفارق ما بين حب الاستطلاع وبين الفضول هو نفس الفارق بين المعدن النفيس والمعدن الخسيس!حب الاستطلاع قد يقود الإنسان إلى اكتشاف شيء مفيد أو ممتع، أما الفضول فيعني أننا نريد اقتحام أعماق الآخرين دون موافقة صريحة أو ضمنية منهم، ولعل الكاتب الوجودي الفرنسي الشهير جان بول سارتر كان يشير إلى هؤلاء الفضوليين بعبارته الشهيرة: الجحيم هو الآخرون، كما أننا – في أدبنا العربي وفي حياتنا اليومية – نواجه كل إنسان فضولي بالقول الشهير: لا تتدخل فيما لا يعنيك.نلاحظ دائما أن هناك إقبالا شديدا على قراءة رسائل المشاهير من الأدباء والفنانين والسياسيين، ومنا من يقول إن هذا الإقبال دليل على حب الاستطلاع الذي لا يسلم منه أي إنسان، بينما يرى آخرون إن الرغبة في الاستمتاع هي الدافع وراء هذا الإقبال، وفي تصوري أن الإقبال على قراءة رسائل المشاهير من السياسيين والفنانين والأدباء له أسباب عديدة مختلفة، وهي تتعدد وتختلف وفقا لاختلاف طبيعة كل إنسان منا عن الآخر، فهناك – مثلا – من يلهثون وراء فضائح المشاهير في صفقات تجارية أو علاقات غرامية يفترض أنها خاصة وسرية، وهناك آخرون يريدون بالفعل أن يستفيدوا من التجارب والآراء المبثوثة في ثنايا هذه الرسائل.وفيما يتعلق بالأدباء والفنانين والمفكرين الذين يتبادلون الرسائل مع سواهم، يهمني أن أفرق بين قسمين، أولهما هو القسم الذي يعرف أفراده أن رسائلهم ستنشر وسيقرأها الناس، وهؤلاء يحرصون على رسم ملامح لهم قد تبدو مثالية ونقية، أما القسم الثاني فإن أفراده لا يعرفون أن رسائلهم الخاصة ستنشر وهم أحياء أو بعد أن يرحلوا عن دنيانا، وهؤلاء يكتبون بتلقائية وببساطة وتتجلى في رسائلهم مظاهر الضعف الإنساني، فقد نجد فيها الغيرة أو الجشع أو التملق أو ما أشبه هذه المظاهر السلبية كلها. ولكي أوضح الأمر بالأمثلة أقول إن الرسائل التي تبادلها كل من الشاعرين الكبيرين محمود درويش وسميح القاسم، وكذلك الرسائل التي تبودلت بين المفكرين المرموقين محمد عابد الجابري وحسن حنفي، كلها رسائل قصد أصحابها أن ينشروها للقراء أجمعين، وبالتالي فإنها تفتقد التلقائية إلى حد ما، أما الرسائل التي كان بدر شاكر السياب يرسلها إلى أدباء وناشرين عرب كثيرين، من بينهم سهيل إدريس وأدونيس وجبرا إبراهيم جبرا فإنه لم يكن يعرف أنها ستنشر في يوم من الأيام، ولهذا كان يطلق فيها العنان لنفسه لكي يكتب ما يشاء عن سواه. ومن الرسائل التي تبدو مشوقة وممتعة رسائل الأدباء إلى حبيباتهم خاصة من الأديبات، فهناك رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، وهي رسائل فياضة بالمحبة وبالغيرة ومختلف ملامح الضعف الإنساني، وهناك رسائل خليل حاوي إلى ديزي الأمير، ورسائل أنور المعداوي إلى فدوى طوقان، ونلاحظ في هذا السياق بالذات أن هذه الرسائل جميعها لم تنشر خلال حياة كل من غسان كنفاني وخليل حاوي وأنور المعداوي، كما أن الردود على هذه الرسائل من جانب كل من غادة السمان وديزي الأمير وفدوى طوقان لم تنشر حتى الآن، وهذا في تقديري راجع إلى طبيعة المرأة الشرقية التي يهمها أن تبرز عواطف الآخرين تجاهها، دون أن تتجرأ على إبراز عواطفها هي تجاه الحبيب.أعترف بأنني واحد من المولعين بقراءة رسائل المشاهير، خصوصا رسائل الأدباء والشعراء، لكني أتصور أن هذا اللون الأدبي الجميل يوشك على الانقراض. لماذا؟ هذا أمر آخر يتطلب موضوعا مستقلا!

783

| 24 أبريل 2014

حين يستجيب العفريت لرغبات الإنسان!

يدرك القارئ لحكاياتنا الشعبية العربية أنه أمام كنوز ثمينة، يظل لها سحرها المتجدد ورونقها الأصيل رغم مرور مئات من السنوات على كتابتها.. ومن هذه الحكايات سيرة الأميرة ذات الهمة وسيرة سيف بن ذي يزن وحكاية الزير سالم وحمزة البهلوان وحكايات ألف ليلة وليلة التي انبهر بسحرها أدباء وشعراء عالميون وتجلى هذا واضحا فيما كتبوه وأبدعوه من الروايات والمسرحيات والقصائد.تتردد في تلك الحكايات بصورة عامة وفي ألف ليلة وليلة بشكل خاص وقائع ومشاهد الخوارق العجيبة والأمور الغريبة، ورغم أن عقولنا البشرية الآن تعرف أن هذه الوقائع والمشاهد أشبه بالأحلام التي لا تتجسد واقعا أبداً إلا أنها في الوقت نفسه تثري الخيال وتضفي على الروح متعة ما بعدها متعة.ومن وقائع ومشاهد الخوارق العجيبة والأمور الغريبة صورة القمقم الذي يتيح لمن يعرف أسراره أن يستدعي العفريت بسهولة حيث يقف أمامه طائعا وهو يقول: شبيك لبيك.. عبدك بين إيديك، وصورة القضيب المنقوش بالطلاسم والذي أدرك سره الصائغ حسن البصري في ألف ليلة وليلة، فعندما وقع في مأزق من المآزق الصعبة التي تعرض لها، فإنه ضرب الأرض بذلك القضيب.. وإذا بالأرض تنشق ويخرج منها سبعة عفاريت، كل عفريت منهم رجلاه في تخوم الأرض ورأسه في السحاب فقبلوا الأرض بين يدي حسن البصري ثلاث مرات وقالوا كلهم بلسان واحد: لبيك يا سيدنا، بأي شيء تأمرنا، إن شئت نيبس لك البحار وننقل لك الجبال من أماكنها.. وبالطبع فإن حسن البصري لم يطلب غير إخراجه من مأزقه الصعب.في كثير من الأحيان يخيل لي أن هذا العفريت هو نفسه العلم الذي توصل إليه الإنسان عبر رحلة الإنسانية نحو الارتقاء والاستكشاف، فالعلم – بمختلف فروعه وميادينه - هو الذي حقق ولا يزال يحقق للإنسانية أشياء عجيبة، لم يكن القدامى من البشر يستطيعون أن يتصوروا أنها يمكن أن تحدث.ومثلما كان العفريت يتحول إلى أداة للشر إذا كان من يتحكم في القمقم إنسانا شريرا، أو يصبح أداة للخير إذا كان من يتحكم فيه إنسانا طيبا محبا للخير، فكذلك العلم فهو في حد ذاته أداة محايدة ومن هنا يستطيع من يتحكم فيه أن يوجهه إلى ما ينفع أو إلى ما يضر، ولعلنا نتذكر في هذا السياق عذاب الضمير الذي ظل يلاحق ألفريد نوبل عندما اخترع البارود فأصبح قتل الإنسان لسواه أسهل بكثير، ولعلنا نتذكر كذلك أن الطيار الأمريكي الذي ألقى القنبلة الذرية فوق هيروشيما اليابانية سنة 1945 قد أصيب بالجنون من هول وبشاعة ما شاهده من الدمار الذي لحق بتلك المدينة، وفي المقابل فإننا نستطيع أن نرصد المنجزات العلمية العديدة التي استغلت لخير البشرية وفائدتها.وقد يتحول التقدم العلمي إلى أداة من أدوات العبودية أو إلى مشعل ضخم ينير للبشرية طريقها في سعيها نحو الحرية، والأمر في الحالتين يتوقف على الإنسان الذي يحمل بين ضلوعه وفي ثنايا عقله خيرا أو شرا، محبة للآخرين أو رغبة في إذلالهم والسطو على ما يملكونه من خيرات وثروات، لأن العلم في حد ذاته – كما قلت – ليس سوى أداة محايدة.لا يستطيع الضعفاء أن يصونوا حقوقهم المادية والمعنوية إلا إذا امتلكوا العلم الذي يحميهم من طيش وبطش الأقوياء إذا تجبروا عليهم، ولهذا فإننا نحن العرب لن نستطيع أن نحقق ما نتمناه لمجتمعاتنا إلا إذا حاولنا أن نكون أقوياء بسلاح العلم، وعلينا أن نتذكر - أولا وأخيرا - أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف!.

3032

| 18 أبريل 2014

العرب وإطلالة الربيع الياباني

كنت قد كتبت عن الباحث الياباني الجاد نوبو أكي نوتو هارا الذي أصدر كتابا صغيرا لكنه بالغ الأهمية، والكتاب بعنوان "العرب- وجهة نظر يابانية"، وقد كتبه مؤلفه بلغتنا العربية التي يتقنها بصورة مذهلة، وكأنه لم يولد في طوكيو، وإنما ولد في بغداد أو دمشق أو القاهرة أو القيروان، والحقيقة أنه استطاع رصد عيوبنا من خلال معايشته العميقة لأوضاعنا العربية وكثرة زياراته للعديد من دولنا العربية في المشرق والمغرب على حد سواء، وقيامه بترجمة روايات عربية متنوعة لكبار كتابنا العرب الذين ارتبط بصداقات مثمرة مع كثيرين منهم.وباعتباري واحدا من أبناء العروبة، فإني توجهت- في خاتمة ما كنت كتبته- بتحية التقدير للباحث الياباني الجاد، لأنه أهدى لنا – نحن العرب- بعض عيوبنا، ومن زاوية أخرى فإني ذكرت أن لي صديقا عربيا حميما عاش في اليابان على امتداد عشر سنوات، وقد تساءلت: هل استطاع هذا الصديق العربي أن يهدي لليابانيين بعض عيوبهم، أم أنه عاش هناك مبهورا ومسحورا بعالمهم؟ لكني لم أتوقف عند هذا الصديق وحده، فقد توافدت على ذهني – بصورة تلقائية- أسماء كثيرين آخرين، أذكر منهم الدبلوماسي القطري المخضرم أحمد بن سيف المعضادي الذي يتقن اللغة اليابانية رغم صعوبة كتابتها ونطقها، وقد أتيح لي أن أسعد بلقائه مرة واحدة في مكتب أخيه الإعلامي القدير الراحل عبد الرحمن بن سيف المعضادي عندما كان رئيسا لتحرير جريدة جلف تايمز، وبكل أسف، فإني لم أستطع التعرف على وجهة نظر أحمد بن سيف المعضادي في اليابان واليابانيين، لأن اللقاء كان سريعا وأشبه ما يكون بالومضة الساحرة العابرة.وممن عاشوا في اليابان ممن أعرفهم الدكتور حسن حنفي والدكتور صبري حافظ الذي صدر له ضمن سلسلة "كتاب الدوحة" كتاب يروي فيه تجربته الإنسانية عندما عاش في اليابان، أما الصديق الكبير الناقد الجاد الدكتور عبد المنعم تليمة، فقد عاش في اليابان على امتداد عشر سنوات، وكنت قد التقيت معه بعد عودته للوطن، وأخبرني أنه يستعد لإصدار كتاب عن الأحداث التي مرت عليه خلال عمله في اليابان، ومن خلال حوار مطول معه أستطيع القول إن عبد المنعم تليمة يمثل الوجه المقابل للباحث الياباني الجاد نوبو أكي نوتو هارا. ومما قاله الصديق الكبير في ثنايا هذا الحوار: رحلت إلى اليابان وعشت هناك عشر سنوات أستاذاً زائراً بجامعة أوساكا للدراسات الأجنبية، وقمت مع المستعربين اليابانيين بنقل خوالد التراث العربي الإسلامي إلى اليابانية: القرآن الكريم، مروج الذهب للمسعودي، مقدمة ابن خلدون، رحلة ابن جبير، ألف ليلة وليلة، وبدائع العرب المحدثين: طه حسين، جبران خليل جبران، نجيب محفوظ، توفيق الحكيم، يوسف إدريس، محمود درويش، صلاح عبد الصبور...إلخ. وأنجزنا الحوار الإسلامي/ البوذي، والحوار العربي/ الياباني، ولا تزال صلتي قوية باليابان، خاصة في حقول الفكر والفن والأدب.منذ عدة أيام، وعبر مكالمة تليفونية مطولة، أخبرني الصديق المثابر مروان معروف رفيق أنه عائد لتوه إلى الدوحة من رحلة سريعة إلى اليابان، لم تستغرق أكثر من أسبوع واحد، وأنه ما زال مبهورا كل الانبهار بحدائق الورود والأزهار التي يتشكل منها- مجتمعة- الربيع الياباني، وبالطبع فإن اليابانيين أجمعين- صغارا وكبارا- يقيمون ما يشبه الكرنفالات ابتهاجا بهذا الربيع الياباني البديع، وعلى الفور قلت له مداعبا: إن الربيع الياباني يختلف بالطبع عن ثورات الربيع العربي عندنا، فهناك فارق هائل بين الإنسان الذي يتأمل بهاء زهرة أو يستنشق رائحتها العطرية المسكرة، وبين الإنسان الذي يبيح له عقله المنغلق أن يقتل أخاه الإنسان لمجرد اختلافه معه في فكرة من الأفكار أو رأي من الآراء!

1637

| 10 أبريل 2014

هذا الياباني استطاع رصد عيوبنا

من خلال حركة المرور في شوارع أية مدينة من مدن العالم نستطيع التعرف على إيقاع الحياة ونستطيع أن نحدد مدى التقدم أو التخلف، كما يمكننا أن نتبين الفوضى من النظام ، لأن حركة المرور أشبه بمرآة كبيرة، تنعكس عليها ملامح الصور وكل التفاصيل والجزئيات، وهي مرآة محايدة ، يبدو المليح فيها مليحا وكذلك حال القبيح، إذ أن هذه المرآة لا تحاول بالطبع أن تخفي القبيح وليست لديها القدرة على تقبيح المليح أو إعطائه حجما يزيد على حجمه الحقيقي، فكل الأشياء تبدو في حجمها دون زيادة أو نقصان .أشعر بالحزن وبالإحباط والخجل كلما أعدت قراءة كتاب صغير لا يزيد عدد صفحاته على 140 صفحة، وهو بعنوان – العرب: وجهة نظر يابانية – أما مؤلفه فهو باحث ياباني جاد، ولد أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم درس اللغة العربية دراسة عميقة وقام بترجمة العديد من الروايات العربية إلى اللغة اليابانية، وممن ترجم رواياتهم نجيب محفوظ ويوسف إدريس وحنا مينة وغسان كنفاني ومحمد شكري، وقام – نوبو أكي نوتو هارا- وهذه هو اسمه بزيارات مطولة إلى عواصم ومدن وقرى عربية، ولم تكن زياراته بقصد السياحة أو اللهو، وإنما كان هدفها التعرف على إيقاع الحياة في مجتمعاتنا العربية .يذكر الباحث الياباني أنه وجد الناس في إحدى العواصم العربية يتبادلون نظرات عدائية كأن كل إنسان منهم عدو أو خصم لسواه، وفي عاصمة عربية أخرى شاهد بعينيه ركاب الباصات وهم يتسلون بتمزيق الكراسي التي يجلسون عليها كأنها ليست ممتلكات عامة لهم جميعا، وحين قام بزيارات لبعض أصدقائه العرب في الشقق الفخمة التي يسكنون فيها وجد النظافة واضحة داخل تلك الشقق كما رأى القاذورات والأوساخ أمام الأبواب وأمام المصاعد الكهربائية دون أن يهتم أحد بإزالتها على الأقل حتى لا تزكم أنفه الروائح الكريهة!ويلاحظ الباحث الياباني ملاحظة جديرة بالتأمل، حيث يقول بالنص: إن الناس في الوطن العربي يخبئون الحقائق التي يعرفونها حق المعرفة، فعلى سبيل المثال زرت شخصيا منطقة تدمر خمس مرات وزرت متحفها ولكنني لم أعرف أن فيها سجنا مشهورا اسمه سجن تدمر، وبالطبع فإني حتى الآن لا أعرف موقع ذلك السجن، لأن الخوف يمنع المواطن العادي من كشف حقائق حياته الملموسة، وهكذا تضيع الحقيقة وتذهب إلى المقابر مع أصحابها!قد يقول بعض منا إن هذا الباحث الياباني إنسان لا يحب العرب، لأنه لا يتحدث ولا يشير إلا إلى نقائصنا وعيوبنا، وهؤلاء لا يريدون أن يتحدثوا عما تراه عيونهم هم ولا يحبون كذلك أن يذكرهم أحد بنقائصهم وعيوبهم، خصوصا إذا كان أجنبيا غريبا عنهم، وهكذا يتحول كل فرد من هؤلاء إلى نعامة تخفي رأسها في الرمال حتى لا يراها الصياد، بينما يبدو جسمها كله أمام عينيه وفي مرمى سهامه أو بندقيته! ويظل هناك من يتألمون ويتحسرون وهم يرون ما يجري أمام عيونهم، لكن هؤلاء المتألمين المتحسرين ليسوا كثيرين ولا أحد يستمع لما يقولون برغم كل ما فيه من إخلاص وصدق، أما الكثيرون منا فإنهم يتفرجون على ما يجري وكأنهم يشاهدون فيلما خياليا تقع أحداثه في كوكب المريخ، وكل هذا نتيجة مباشرة لتراكم مشاعر الإحباط التي تدفعهم للشعور بالعبث وضياع الجدوى، وفي المحصلة النهائية يبدو شعار الجميع: هي فوضى .. وبها نرضى! باعتباري واحدا من أبناء العروبة، لا بد أن أتوجه بتحية التقدير للباحث الياباني الجاد نوبو أكي نوتو هارا، لأنه أهدى لنا – نحن العرب- بعض عيوبنا، ومن زاوية أخرى فإن لي صديقا عربيا حميما عاش في اليابان على امتداد عشر سنوات، فهل استطاع هذا الصديق العربي أن يهدي لليابانيين بعض عيوبهم، أم أنه عاش هناك مبهورا ومسحورا بعالمهم؟ أظن أن هذا السؤال يتطلب إجابة، لكن موعدها ليس الآن.

580

| 02 أبريل 2014

العقاد بين الطفولة والكهولة

رحل عباس محمود العقاد عن عالمنا يوم 12 مارس سنة 1964، وهكذا مرت خمسون سنة على رحيل هذا العملاق العصامي الذي علم نفسه بنفسه، وعلى الرغم من انقضاء نصف قرن بالتمام والكمال فإني ما زلت أتذكر وجوه أساتذتي الجامعيين، وبالتحديد سهير القلماوي وعبد العزيز الأهواني ويوسف خليف، وقد اكتست ملامحهم بحزن عميق، وهم يحدثوننا – نحن طلاب قسم اللغة العربية بآداب القاهرة وقتها – عما قدمه العقاد، وما أثرى به الساحة الثقافية والفكرية العربية من مؤلفات ودراسات عميقة في مجالات متنوعة ومتعددة.لكن السؤال الذي يلح على ذهني الآن هو: هل تتغير نظرة الإنسان إلى الحياة وفقا لمراحل عمره من الطفولة إلى الكهولة والشيخوخة؟.. لا أريد أن أجيب على هذا السؤال إجابة مباشرة، لكني سأعود إلى العقاد، الذي عايشته خلال الستينيات من القرن العشرين الغارب، أثناء المعركة العنيفة حول الشعر الحر، الذي كان يسخر منه ويسميه الشعر السايب، ولهذا لابد أن أقفز الآن عائدا إلى زمان لم أعشه بالطبع، والزمان هو سنة 1921حين أصدر العقاد بالاشتراك مع صديقه الكبير إبراهيم عبد القادر المازني الجزء الأول من كتاب الديوان في الأدب والنقد.كتب النقاد ومؤرخو الأدب كثيرا عن كتاب الديوان وقالوا إن العقاد قد رفع معولا ضخما وحادا لكي يهدم عرش أحمد شوقي، وعلى الرغم من هذا المعول الضخم والحاد، فإن شوقي بويع أميرا للشعراء سنة 1927 أي بعد صدور الديوان بست سنوات، ولكن ينبغي أن نتذكر أن ما كتبه العقاد – برغم حدته وقسوته – كان يمثل مفهوما جديدا في النظرة إلى الشعر العربي، وها هو العقاد يقول موجها كلامه لشوقي: أعلم أيها الشاعر العظيم أن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء لا من يعددها ويحصي أشكالها وألوانها، وأن ليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشيء ماذا يشبه، وإنما مزيته أن يقول ما هو، ويكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به. وليس هم الناس من القصيد أن يتسابقوا في أشواط البصر والسمع، وإنما همهم أن يتعاطفوا ويودع أحسهم وأطبعهم في نفس إخوانه زبدة ما رآه وخلاصة ما استطابه أو كرهه.أعتقد أني قد أجبت على السؤال الذي طرحته بشأن تغير نظرة الإنسان إلى الحياة وفقا لمراحل عمره، فالعقاد الشاب الذي كان مجددا وثائرا على القديم سنة 1921، هو العقاد الكهل الذي أصبح متشبثا بالقديم ومهاجما للجديد سنة 1961.شهدت «أسوان» سنة 1889 ميلاد عباس محمود العقاد الذي تعلم في أحد كتاتيبها ولم يحصل إلا على الشهادة الابتدائية، لكن جهده الفردي في التحصيل والمتابعة تكفل بأن يعرف ويستوعب ما لا يستطيع أن يعرفه أو يستوعبه مئات الحاصلين على درجة الدكتوراه في مختلف فروع المعرفة، وكان الزعيم الوفدي سعد باشا زغلول يحب أن يلقب العقاد بـ كاتب الشرق الجبار، وقد رحل العقاد عن خمس وسبعين سنة، وكان طيلة رحلته مع الكلمة، مثالا ساطعا لاعتداد الكاتب بالكلمة وثقته بنفسه وهو يواجه الحياة بخيرها وشرها، ويبقى أن نتحسر الآن، ونحن نرى الكلمة وقد تحولت إلى بوق أو جعل منها قائلوها أداة للنفاق من أجل الارتزاق.المتمسكون بشرف الكلمة الآن أصبحوا بالفعل نادرين، بعد أن تجاهل كثيرون أن التفكير فريضة إسلامية- عنوان أحد كتب العقاد، وأصبحنا في عصر ، يتداخل خلاله سوء التدبير مع تخدير الجماهير.متى نصحو مما يخدرنا؟.. الجواب عليه الآن عسير.. تحية لروحك أيها العملاق العصامي.. عباس محمود العقاد.

1858

| 27 مارس 2014

لكم لبنانكم.. ولي لبناني

لبنان العربي الجميل هو حقاً فسيفساء، تتمازج فيها ألوان متنوعة شتى، لكن الكارثة تقع إذا جرت محاولات لإلغاء لون ما، أو لإزاحة قطعة من القطع التي تتشكل منها هذه الفسيفساء.. ولبنان - جغرافياً – يشبه امرأة مستلقية على شاطئ البحر، وهذا الوصف ليس من عندي، وإنما هو وصف «موسوعة السياسة» التي أسسها الكاتب الشهيد الدكتور عبدالوهاب الكيالي. أما لبنان – إنسانياً – فإنه يضم أعراقاً متعددة، كما يضم ديانات ومذاهب مختلفة، لكن يتحتم عليها – مجتمعة – أن تتعايش وتتواصل فيما بينها، وإلا وقعت الكارثة.ما أقوله عن لبنان العربي الجميل ليس جديداً، فضلاً عن أن جميع اللبنانيين ممن يتحلون بالإحساس بالمسؤولية تجاه الوطن يعرفونه بصورة دقيقة، وقد نبه جبران خليل جبران – الكاتب المهجري اللبناني الكبير الذي أحببته منذ صباي الباكر - كل أبناء لبنان إلى ضرورة التعايش فيما بينهم، وقبل أن يرحل عن عالمنا في ربيع سنة 1931، كان قد كتب مقالاً أدبياً بديعاً، بعنوان «لكم لبنانكم ولي لبناني» وبين حين وآخر فإني أعود إلى قراءة هذا المقال البديع الذي يقول فيه جبران: لكم لبنانكم ولي لبناني، لكم لبنانكم ومعضلاته، ولي لبناني الجميل بكل ما فيه من الأحلام والأماني.. لبنانكم عقدة سياسية تحاول حلها الأيام، أما لبناني فتلول تتعالى بهيبة وجلال نحو ازرقاق السماء.. لبنانكم مشكلة دولية تتقاذفها الليالي، أما لبناني فأودية هادئة سحرية تتماوج في جنباتها رنات الأجراس وأغاني السواقي.. لبنانكم مربعات شطرنج بين رئيس ديني وقائد جيش، أما لبناني فمعبد أدخله بالروح.. لبنانكم رجلان: رجل يؤدي المكوس ورجل يقبضها، أما لبناني فرجل فرد متكئ على ساعده في ظلال الأرز، وهو منصرف عن كل شيء سوى الله ونور الشمس.كتب جبران خليل جبران مجموعة من الكتب النثرية الرائعة، بعضها كتبه بلغتنا العربية الجليلة والجميلة، وبعض آخر منها كتبه باللغة الإنجليزية، ولعل أشهر كتبه التي كتبها بالإنجليزية أن يكون كتاب النبي الذي تمت ترجمته بعد صدوره إلى الكثير من اللغات العالمية، وقد ترجمه إلى العربية الكاتب الفنان الكبير الدكتور ثروت عكاشة، لكن لجبران ديوانا شعريا وحيدا بعنوان المواكب، وتغني فيروز من هذا الديوان القصيدة التي اشتهرت بعنوان اعطني الناي وغن، ومن القصائد التي أحبها في هذا الديوان قصيدة يصور فيها جبران معاناة الإنسان المرهف الذي يبحث عن عالم مثالي جميل، ليكون ملاذاً له مما يلاقيه من متاعب في عالم الواقع المضطرب، لكن جبران يتوصل في خاتمة قصيدته إلى أن هذا العالم المثالي الجميل لا وجود له إلا في الخيال وحده. هكذا تبدأ القصيدة برغبة الشاعر في الفرار من وطأة ما يعانيه:هو ذا الفجر فقومي ننصرفْعن ديارٍ ما لنا فيها صديقما عسى يرجو نباتٌ يختلفزهرُه عن كل وردٍ وشقيقوجديد القلب أنَّى يأتلفمَعْ قلوب كل ما فيها عتيقويظل جبران على امتداد أبيات قصيدته الجميلة والحزينة يحاول البحث عن الأرض التي يفر إليها، حتى ينقذ روحه المتعطشة إلى الجمال والخير والحق، لكنه يتأكد ويؤكد لنا في النهاية أن هذه الأرض ليست موجودة إلا في الأرواح:لستِ في الشرق ولا الغرب ولافي جنوب الأرض أو نحو الشماللستِ في الجو ولا تحت البحارلستِ في السهل ولا الوعر الحرجأنتِ في الأرواح أنوار ونارأنتِ في صدري فؤاد يختلجكان جبران يعرف جيدا أن وطنه الجميل لبنان هو فسيفساء، وأن على جميع اللبنانيين أن يتعايشوا متصالحين مع أنفسهم ومع سواهم، وإلا وقعت الكارثة، وفي تصوري أن لبنان مرآة مجلوة، تنعكس على صفحتها صور التآخي والمحبة بيننا - نحن العرب - حين نكون أحبابا محبوبين، كما تنعكس عليها أزماتنا ومصائبنا حين تتحكم فينا البغضاء التي لا يستفيد منها سوى الأعداء.

10201

| 13 مارس 2014

السياب وصلاح عبدالصبور ونقائص الحياة

رحل بدر شاكر السياب عن عالمنا يوم 24 ديسمبر سنة 1964 وها قد مرت السنوات متعاقبة، إلى أن أطلت هذه السنة - سنة 2014 – لتصبح سنة مكرسة لهذا الشاعر العظيم الذي أثرى الشعر العربي بعطاء زاخر ومتنوع، وقد أهله هذا العطاء لأن يكون رائدا لحركة الشعر الحر على امتداد الساحة الأدبية العربية، ولو أننا تأملنا تصور شعرائنا الكبار لمفهوم الشعر بصورة عامة، لوجدنا أنهم يرون أن الشعر الناضج العميق هو هذا الذي يبرز النقائص والسلبيات التي تعوق تقدم الحياة في انطلاقتها إلى الأمام، ولعل هذا يتضح من خلال تصور السياب الذي غاب عنا منذ خمسين سنة، ومن خلال تصور رفيقه في حركة الشعر الحر صلاح عبدالصبور. يقول بدر شاكر السياب: لو أردت أن أتمثل الشعر الحديث لما وجدت أقرب إلى صورته من الصورة التي انطبعت في ذهني للقديس يوحنا، وقد افترست عينيه رؤياه وهو يبصر الخطايا السبع تطبق على العالم كأنها أخطبوط هائل.فالشاعر إذن - في تصور السياب – كاشف للحجب والأستار، نافذ ببصيرته إلى الأعماق الخبيئة التي لا تكشف عن نفسها إلا لمن يتحمل المشاق الجسام، وهذا أمر لا يقدر عليه ولا يصبر عليه – بطبيعة الحال – إلا الفنان الجاد الأصيل.. ووفقاً لهذا فإن طبيعة مهمة الشاعر تتركز في تصوره للأشياء قبل أن تتبدى في صورها العادية المألوفة، ومن خلال هذا يحاول الشاعر أن يرى العالم كما هو بالفعل، وإنما كما ينبغي أن يكون عليه، مؤسسا – بهذه الطريقة – مدينته المثالية الفاضلة التي ليس لها نظير في عالم الواقع المألوف الذي يكتنفه الظلام، وتقف في وجه تقدمه المعوقات.. مادية كانت أو معنوية. وبهذا تصبح رسالة الشاعر في الحياة رسالة إيجابية بناءة، تشير إلى النقائص بقصد تجاوزها سواء أجاءت هذه الإشارة بطريق مباشر يشوبه الانفعال الحاد، أو بطريق غير مباشر يغلب عليه التوازن بين الفكر والشعور.واتساقا مع ما قاله السياب، يقول صلاح عبدالصبور في كتابه حياتي في الشعر: لست شاعراً حزيناً، ولكنني شاعر متألم.. وذلك لأن الكون لا يعجبني، ولأنني أحمل بين جوانحي – كما قال شللي – شهوة لإصلاح العالم. وقد اعترف لنا شللي أنه استقى هذا التعبير النبيل الجميل من أحد الفلاسفة الاسكتلنديين، ولعل في ذلك إشارة إلى المعنى الذي سبق أن ألمعت إليه من الصلة بين الشعر والفلسفة. إن شهوة إصلاح العالم هي القوة الدافعة في حياة الفيلسوف والشاعر، لأن كلاً منهما يرى النقص، فلا يحاول أن يخدع عنه نفسه، بل يجهد في أن يرى وسيلة لإصلاحه.والحق أن شعر صلاح عبدالصبور – في مجمله - تبرز فيه شهوة إصلاح العالم التي يحملها صاحبه بين جوانحه، من خلال بحثه الدائب المستمر عن القيم النبيلة، والتي تتمثل عنده أساساً في ثلاث قيم: الصدق، والحرية، والعدالة. ذلك لأنه يعتقد أن هذه الفضائل هي التي تستطيع تشكيل العالم وتنقيته، وأن غيابها معناه ببساطة: انهيار العالم. هذا هو تصور شاعرين كبيرين لطبيعة مهمة الشاعر ومفهوم الشعر. والحق أن بدر شاكر السياب وصلاح عبدالصبور متقاربان في تصور كل منهما لطبيعة مهمة الشاعر، بل إنهما متفقان، لكن هذا التصور لا يرضي النقاد الدونكشوتيين الذين يطالبون الفنان بأن يدفن رأسه في الرمل، وأن يغمض عينيه عن النقائص التي تعوق تقدم الإنسان، وأن يبتسم ابتسامة بلهاء وهو يبصر الخطايا السبع تطبق على العالم كأنها أخطبوط. والحقيقة أن التفاؤل الساذج أمر لا يعرفه الفنان الجاد الذي يدرك عبء الكلمة التي يقولها، ويشعر بفداحة المسؤولية الملقاة عليه.

1742

| 06 مارس 2014

"الوجه والقناع" في الحياة والشعر

يعرف الذين يشاركون في الحفلات التنكرية أن عليهم أن يخفوا شخصياتهم الحقيقية عن الآخرين، بل عن أقرب الناس إليهم.. فقد ترتدي سيدة ثرية ملابس خادمة، وتتقنع بقناع يجعلها في هيئة بائسة زرية، وقد تكون طبيعة إنسانة أخرى طبيعة غائصة في الوحل والثرى، لكنها ترتدي قناعا باهرا وساحرا يجعلها في هيئة من تتعالى إلى النجوم والثريا في السماء، وصاحب القلب الطيب قد يرتدي قناع إنسان شرير، تنبئ ملامحه عن الإجرام المتأصل.. وهكذا.. ولكن في خاتمة تلك الحفلات التنكرية يعود كل إنسان من المشاركين فيها إلى طبيعته المعتادة وشخصيته المألوفة بعد أن يخلع القناع الذي يضعه على وجهه. ومن أجمل القصص القصيرة العالمية في هذا المجال قصة لعملاق هذا الفن – أنطون تشيخوف، والقصة بعنوان "القناع" وهي ضمن قصص المجلد الأول من أعماله الكاملة.هذا بعض ما يحدث في الحفلات التنكرية.أما في الحياة ذاتها، فإن هناك بعض النماذج البشرية التي يطيب لأصحابها – لأسباب متعددة ومختلفة – أن يضعوا أقنعة تغير من طباعهم وسلوكياتهم أو تداري تلك الطباع والسلوكيات.. فهناك من يكره الآخرون في أعماقه ولا يحب أحدا غير نفسه المريضة، لكنه يرتدي أمام الآخرين ممن يجهلون أعماقه الحقيقية، قناع الطيبة والنقاء لكي يخفي به ما في أعماقه الخفية التي لو اتضحت للآخرين لأدركوا أنه أقرب إلى الشيطان.. وهناك من يخدع الآخرين لوقت طويل بفضل براءته في ارتداء قناع الفضيلة والسمو الرقة، بينما هو – في واقع الأمر – إنسان له نزواته وعلاقاته المريبة وتصرفاته القبيحة، ومثل هذا الإنسان يظل أمام الآخرين إنسانا فاضلا وساميا ونقيا، إلى أن يكتشف واحد من الآخرين أو عدد منهم حقيقة هذا الإنسان الذي خدعهم لوقت طويل.يتوقف على سرعة أو بطء اكتشاف حقيقة الإنسان الذي يرتدي قناع الخداع مدى ذكاء ودهاء هذا الإنسان أو مدى تبلده وغبائه، فهناك إنسان يظل يخدع الآخرين سنوات عديدة، وهناك من لا يستطيع أن يخدع الآخرين إلا لفترة قصيرة، وسرعان ما يفتضح أمره وينكشف سره.. وهناك أدباء يتغلغلون في أعماق النفس البشرية، حتى لو كانوا لم يقرأوا أبداً أي كتاب علمي من كتب علم النفس، وهناك من الأدباء من تبدو معرفتهم بالنفس البشرية سطحية.. الطراز الأول من الأدباء يكتشف أعماق الآخرين بسرعة.. أما الطراز الثاني منهم فإنه لا يستطيع أن يكتشف تلك الأعماق، وحتى حين يكتشف فإنه يبدو مندهشا، وتنعكس هذه الدهشة على كتاباته.وفي شعرنا العربي الحديث كتب كثيرون من النقاد، عن ظاهرة الوجه والقناع، وذلك من خلال تحليلهم لقصائد من شعر بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبدالصبور.هؤلاء الشعراء الكبار استخدموا القناع باعتباره أداة فنية موفقة، فقد يتحدثون بضمير المخاطب أو بضمير الغائب عن تجارب ذاتية، سواء كانت شخصيات حقيقية أو أسطورية ليعبروا من خلالها عما يجيش بأعماقهم هم، وعلى سبيل المثال فإن لعبد الوهاب البياتي قصائد عديدة، تبدو وكأنها تصور أعماق المتنبي أو المعري أو عمر الخيام، لكنها – في حقيقة الأمر- تصور أعماق عبدالوهاب البياتي نفسه.وهناك السندباد الذي يبدو في قصائد عديدة من شعر صلاح عبدالصبور، فصلاح عبدالصبور لا يقصد أن يرسم صورا شعرية للسندباد بقدر ما يقصد أن يصور أعماقه هو ولكن من خلال شخصية السندباد، وعلى ضوء هذا اصطلح كثيرون من النقاد على تسمية هذه النماذج الشعرية بأنها الوجه والقناع.

3987

| 27 فبراير 2014

شاعران عالميان بين اليأس والأمل

كما تختلف طبائع الناس فمنهم سوداويون لا يرون بصيص أمل، ومنهم متفائلون بغير حدود، فكذلك تختلف رؤى الشعراء، وأتوقف هنا عند شاعرين عالميين كبيرين، هما ت.س. إليوت و برتولت بريشت، فالواقع أن المدنية الأوروبية الحديثة قد أفزعت ت. س. اليوت.. أفزعته بضجيج آلاتها التي لا تكف عن الحركة، فتفسد بضجيجها التأملات الميتافيزيقية والشطحات الصوفية، وأفزعته بأناسها الذين حشيت رؤوسهم بالقش، فغلبوا المادة على الروح، والمظهر على الجوهر، واندفعوا متزاحمين في شتى مناحي الحياة. يفكر كل منهم في ذاته فحسب، دون أن يشغل نفسه بالآخرين إلا إذا تحققت له من وراء هذا منفعة مادية ملموسة.وبدافع الفزع من المدنية الأوروبية الحديثة الذي اعترى إليوت، فإنه أولاها ظهره، بعد أن صورها في هيئة سهل مقفر لا أمل يرتجى منه، وجلس الشاعر وحيداً على شاطئ الغيب، بعيداً عن السهل المقفر، ينشد الخلاص بالعودة إلى حظيرة الدين، منقباً عن المثل العليا والمبادئ السامية التي كانت سائدة في العصور الخوالي، وحلق الشاعر في آفاق شطحاته الصوفية، بعد أن تصور أن جسر لندن – الذي يمثل المدنية الأوروبية في نظره – قد انهار وشبع انهياراً:على الشط جلست- أصطاد السمك، ومن ورائي السهل المقفر- أرتب أملاكي على الأقل، قبل الرحيل-جسر لندن يهوي، جسر لندن يهوي.. يهوي أما برتولت بريشت، فإنه وإن كان قد فزع – هو الآخر – من مظاهر التفسخ في المدنية الأوروبية الحديثة، إلا أنه لم يولها ظهره مرتداً إلى العصور الخوالي بقيمها ومثلها التي كانت تتفق معها وحدها دون غيرها من العصور؛ لأنه من البديهي أن لكل عصر قيمه ومثله النابعة منه وحده، وإنما حاول بريشت تشخيص العلل والأدواء التي انتابت تلك المدنية، كما أبرز نقائص المجتمع الرأسمالي، مطالباً – في شعره – بتقويضه من أساسه، لكي تزدهر رؤوس الناس بالفكر الحر بدلا ً من أن تظل محشوة بالقش، فيفكر كل فرد منهم – بالتالي – في ذاته وفي الآخرين أيضاً، حيث «يصبح الإنسان صديقاً للإنسان»، وما من شك في أن هذا العالم الجديد لن يطلع فجره إلا إذا قضى على الحقد المتولد من استغلال الإنسان للإنسان، وذلك ما تحققه الثورة ضد الظلم وعدم السكوت عليه.والحق أن حض بريشت للإنسان على الثورة ضد الظلم كان العامل الذي دفع النازية الهتلرية إلى إحراق مسرحياته ودواوينه ضمن ما أحرقته أمام مبنى دار الأوبرا في برلين، الأمر الذي جعل الشاعر «يغير بلداً ببلد أكثر مما يغير حذاء بحذاء» إذ هرب من الإرهاب النازي في ألمانيا وقتها، حيث تنقل في العديد من الدول الأوروبية، وإن لم يفقد إيمانه في أن الإنسان سيتجاوز ذلك الواقع المرهق للأعصاب، متخطياً إياه إلى دنيا جديدة، ولذا نراه يوجه خطابه في ذلك الوقت «إلى الأجيال المقبلة» قائلاً:"أنتم يا من ستظهرون- بعد الطوفان الذي غرقنا فيه- فكروا.. عندما تتحدثون عن ضعفنا- في الزمن الأسود الذي نجوتم منه- كنا نخوض حرب الطبقات- نغير بلداً ببلد.. أكثر ما نغير حذاء بحذاء- يكاد اليأس يقتلنا- حين نرى الظلم أمامنا- ولا نرى أحداً يثور عليه- آه نحن الذين أدرنا أن نمهد الأرض للمحبة- لم نستطع أن يحب بعضنا بعضا- أما أنتم.. فعندما يأتي اليوم الذي يصبح فيه الإنسان صديقاً للإنسان- فاذكرونا.. وسامحونا. إن برتولت بريشت على الرغم من جهامة الزمن الأسود الذي عاش فيه، لم ينكص على عقبيه، كما فعل توماس إستيرنز اليوت، وإنما تطلع إلى عالم جديد.. في زمن مشرق مقبل، يحب الناس فيه بعضهم بعضاً، دون أن ترفع الأحقاد رؤوسها السوداء في قلوبهم.

788

| 20 فبراير 2014

الشعراء أمام أمواج السياسة

تبدو الأمور واضحة ومحددة في ميادين العلوم البحتة، فلا أحد يمكنه أن يختلف مع الآخرين حول 1+1=2 أما في الفنون والآداب فإن الأمور لا تكون واضحة ومحددة بشكل قاطع ودقيق، وعلى سبيل المثال فإن الشعراء يختلفون فيما بينهم حول رسالة الشعر ومهمة الشاعر، حيث تتفاوت الآراء ووجهات النظر بشأن ما ينبغي على الشاعر أن يفعله تجاه قضايا العصر الذي يحيا في إطاره، وهل يجب عليه أن ينغمس في الأحداث السياسية التي تحدث في زمانه، أمأن عليه أن ينأى بنفسه وبشعره عنها حتى لا تتقاذفه أمواج السياسة؟ وحين نتوقف أمام الشاعر الإنجليزي ستيفن سبندر فإننا نراه يؤكد أن الشعر العظيم هو الذي يتأمل العالم والإنسان وقوانينه وأديانه، لكي يتساءل: لماذا تجري الأمور على هذا النحو، بينما كان من الممكن أن تجري على نحو آخر؟ ويقرر ستيفن سبندر– في كتابه الممتع والجميل: الحياة والشاعر- أن رجال الفكر اليساريين كان من واجبهم أن يسألوا الأسئلة بدلاً من أن يقرروا القضايا السياسية، فليست الرغبة في تقرير نظرية من النظريات هي القوة المحررة التي تدفع الكتاب إلى كتابة شعرهم وقصصهم، وإنما الذي يدفعهم إلى ذلك رغبتهم في معرفة طبيعة الحياة وغايتها. وقد قرر الشاعر الإنجليزي هذا الذي قرره بعد أن انفصل عن اليساريين انفصالاً مدوياً تجلى واضحاً في كتاب الإله الذي هوى الذي أصدره بالاشتراك مع بعض الشخصيات الأدبية الأخرى، ولذا فإننا نجده يحاول بصورة جلية أن يبعد الكتاب والفنانين عن خضم السياسة، بحجة أن رغبتهم في معرفة طبيعة الحياة وغايتها هي التي تدفعهم إلى الكتابة فحسب. وفي تصوري أن هذا الدافع لا يتحقق من خلاله إلا طغيان التأملات الميتافيزيقية التجريدية على عالم الشعر، وليست مهمة الشاعر – في هذا العصر بالذات – أن يتأمل العالم تأملاً ميتافيزيقياً مجرداً، دون أن ينطلق إلى هذا التأمل من الأرض الصلبة التي يقف عليها، بكل ما تحمله هذه الأرض من قضايا سياسية واجتماعية. وإلا جاءت تأملات مثل هذا الشاعر تأملات هشة وساذجة. وعلى هذا فإنه من المفيد للشاعر حقاً – في رأيي – أن يتسلح في هذا العصر بأيديولوجية يتبناها عقيدة له، ويبرزها في فنه بصورة ناضجة بالطبع، فهذا التبني لأيديولوجية معينة أياً كانت نوعيتها يعين الشاعر – بلا شك – في استنباط الحلول التي يرتضيها للمشكلات المختلفة التي يواجهها، فضلاً عن أن هذا التبني يعمق رؤيته للواقع، وهذا لا يعني بالضرورة أنه ينبغي على الشاعر أن يكون عبداً لما اعتنق، فقد يضيف بفكره الثاقب عناصر جديدة إلى الأيديولوجية التي يتسلح بها، وقد يحذف منها عناصر منبثقة منها لكنه لا يرتضيها وإن كان هذا يتوقف – أساساً – على مقدرته وإمكانياته الفكرية والفنية التي تتيحها له موهبته وتغذيها دراسته. فشواهد الحال تثبت أن الشعراء الذين لا يتمتعون بمواهب فنية أصيلة هم الذين نجدهم ملتزمين التزاماً حرفياً بتعاليم الأيديولوجيات التي يعتنقونها، لأن هؤلاء الشعراء لا يعانون من الصراعات الداخلية العميقة التي تعتمل في أعماق سواهم من الشعراء المتألقين بين متطلبات الفن، وتعاليم الأيديولوجية. والحق أنه لكي يكون هذا الحل جديداً ومبتكراً، فإننا نفترض – منذ البداية – أن يكون الشاعر على درجة كبيرة من الأصالة الفنية والصدق مع الذات فضلاً عن الاحتكاك الحي والعميق بالواقع، لأن هذا يدفعه أولاً إلى أن يتخلص من تأثير الشعراء الذين كانوا يروون تعطشه الروحي في فجر حياته الفنية حين كان يدور في نطاق جاذبيتهم مقتنعاً بما قدموه من حلول ترضيهم – هم دون غيرهم- وتحقق لهم التوافق والتكامل. وحين يستطيع الشاعر أن يتخلص من هذا التأثير، فإنه يتمرد على عوالم هؤلاء الشعراء، ثم يخوض بعد ذلك – خلال تطوره الدائم فنياً وفكرياً– سلسلة من الصراعات الشاقة مع قيم مجتمعه، فيرفض منها ما يرفض،ويقبل ما يقبل محاولاً بذلك أن يشكل لنفسه ملامح عالمها الخاص المتميز.

852

| 12 فبراير 2014

"أم كلثوم" صوت يتجدد ولا يتبدد

كأنها لم تغب عن عالمنا منذ يوم 3 فبراير سنة 1975، أي منذ تسع وثلاثين سنة، فها هو صوتها الرائع معنا، كأن لم يتغير شيئا.. وها هي أم كلثوم ساطعة الحضور، نسهر معها في ليالينا، ويحفزنا صوتها لبلوغ ما لم يتحقق من أمانينا.. ها هي تغني للفرح يا ليلة العيد آنستينا.. ويستعيد معها العشاق الحزانى قصة الأمس.. حتى إذا عاد الحب للأحباب من بعد غياب تفاجئنا النشوة الغامرة فنتساءل معها ومعهم: جددت حبك ليه؟ الفن الأصيل لا يذهب هباء ولا يتبدد، وإنما يظل على الدوام يتأكد ويتجدد، ولهذا تظل خالدة الصوت أم كلثوم زعيمة لكل عصر، ويظل عشاقها يتزايدون بلا حصر، وإذا كانت قد ولدت في إحدى قرى مصر، فإنها – بالمثابرة والجهد – أصبحت تسكن في قلب كل إنسان عربي صادق الانتماء، والمؤكد بالطبع أن أم كلثوم- فاطمة إبراهيم السيد البلتاجي، قد ولدت في طماي الزهايرة، إحدى قرى الدقهلية، أما سنة ميلادها فهي محل خلاف لم يحسم حتى الآن، يقال إنها ولدت سنة 1898، ويقال بل في سنة 1904، وهناك من يقول إذا صح أن ولادتها صادفت ليلة القدر السابع والعشرين من رمضان وآخر السنة الميلادية معا، فإن السنة التي يتفق فيها هذان اليومان هي سنة 1902، وأيا كان الأمر، فإن أم كلثوم ظلت تؤدي رسالتها في الحياة، إلى أن حان موعد السفر الطويل يوم 3 فبراير سنة 1975، أي منذ تسع وثلاثين سنة، وقد مرت كل تلك السنوات دون أن يشعر بمرورها محبوها وعاشقو صوتها، لأنها – كما قلت – ساطعة الحضور، وليست هناك مناسبات معينة تستدعي منهم أن يستحضروها، فالغائبون هم وحدهم الذين نستحضرهم، أما هي.. فلا.الفنان الأصيل هو الذي يكرس نفسه لخدمة هذه الأصالة.. هذا ما قالته خالدة الصوت، ومما قالته أيضا: إذا أحس الإنسان أنه قمة، وأنه نال وحقق كل ما يريد، فهذا يعني الموت.. يعني النهاية.. وقد طبقت أم كلثوم هذا الذي قالته على نفسها بالدرجة الأولى، والتزمت به في كل موقف من مواقف الحياة والفن.. كان يمكن - مثلا- أن تكتفي ببروفة أو بروفتين لأية أغنية من أغانيها الجديدة، لكنها لم تكن تقنع إلا بعشرات البروفات، رغم كل ما ينجم عن هذا الجهد من إرهاق لها ولمن يعزفون معها، ومع إطلالة كل أغنية جديدة، كانت تبدو كما لو كانت طالبة صغيرة تؤدي امتحانا، وتظل تترقب نتيجته بخوف، لهذا نستطيع القول إن أم كلثوم لم تخلص لشيء في الحياة قدر إخلاصها لفنها، فقد حرمت نفسها من أن تعيش طفولتها وشبابها، كما تعيش أية فتاة شابة، ورغم أنها كانت – في قرارة نفسها – تحب أن تعيش حياتها بصورة طبيعية، فإنها رأت أن هذه الحياة الطبيعية ستشكل عائقا بينها وبين إخلاصها للفن.هل كان الشاعر الرقيق أحمد رامي يحبها من طرف واحد منذ لقائهما الأول سنة 1924؟ لا.. بالطبع.. فالحب كان متبادلا بينهما كما يؤكد كثيرون من العارفين.. إذن ما الذي دفعها لأن ترفض عرض رامي بأن يتزوجها؟.. إنه الإخلاص للفن الذي لم تخلص لسواه، إخلاصها لموهبة رامي من جهة، ولفنها من جهة ثانية، فلقد أدركت – بالعقل المجرد الذي يكبح العاطفة عندما يكون الإنسان قويا وحازما مع نفسه – أن أشواق رامي تجاهها قد تبرد بحكم الألفة الهادئة في ظلال بيت الزوجية، وأنها قد تتسرع في إجراء البروفات، وقد تقدم أعمالا لم يتم التخطيط لها بعناية، ولم تنفذ بإتقان، وقد تتحول إلى أم، وعليها أن ترعى – بحكم الأمومة – أطفالها رعاية فائقة، شأن معظم الأمهات.. لو حدث كل هذا فأين سيكون الإخلاص للفن، بل ربما أين سيكون الفن ذاته؟

1136

| 06 فبراير 2014

alsharq
ملتقى المكتسبات الخليجية.. نحو إعلام خليجي أكثر تأثيرًا

لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...

5724

| 13 مايو 2026

alsharq
مبروك صرت مشهور

ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...

5244

| 12 مايو 2026

alsharq
على جبل الأوليمب.. هل يمكن؟

كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...

1731

| 13 مايو 2026

alsharq
احتكار المعرفة.. التدريب الإداري والمهني

قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...

1146

| 13 مايو 2026

alsharq
هل يجاملنا الذكاء الاصطناعي أكثر مما ينبغي؟

تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...

1086

| 14 مايو 2026

alsharq
اختراعات ليست في محلها

من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...

1047

| 11 مايو 2026

alsharq
الوعي المجتمعي

إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...

759

| 14 مايو 2026

alsharq
الأب.. الرجل الذي لا يغيب

في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...

747

| 13 مايو 2026

alsharq
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟

بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...

702

| 12 مايو 2026

alsharq
مراسيل التوش

تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية...

687

| 16 مايو 2026

alsharq
اصحب كتاباً

يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...

657

| 13 مايو 2026

alsharq
القيم الإسلامية والتنمية المستدامة

أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...

621

| 11 مايو 2026

أخبار محلية