رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عصر الكيانات اللا دولتية

جددت أحداث السابع من أكتوبر السمة التي طبعت العقود الأخيرة من عالمنا، ألا وهي صبغة عصر الكيانات اللا دولتية، فقد أشغل كيان لا دولتي وهو المجاهدون الأفغان الاتحاد السوفيتي في سبعينيات القرن الماضي وما بعده، وأشغل معه العالم كله، وظل العالم لعقود منشغلاً بذلك اللاعب اللادولتي الذي فرض أجندته وحضوره على العالم كله، فكانت الأجندة العالمية الأولى قضية أفغانستان، وما إن اختفى الاتحاد السوفيتي من على الخريطة، حيث كان للمجاهدين الأفغان دورهم البارز في ذلك الاختفاء، حتى برزت تداعيات هزيمته على ذلك الكيان اللادولتي، فكانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر أيلول، ودور كيان لا دولتي جديد، وهو القاعدة الذي استقوى بكيان لادولتي ثانٍ وهو طالبان التي كانت تحكم أفغانستان يومها، وظل الكيانان اللادولتيان، مالئين الدنيا وشاغلين العالم لفترة ليست قصيرة. وبدون الدخول في تفاصيل ما بعد تلك المرحلة، إن كان من حيث حضور كيانات لا دولتية في العراق، أو في الصومال، وحتى في سوريا ولبنان وغيرها من الدول، فإن الكيان اللا دولتي الحاضر الأكبر اليوم في الساحة الدولية، إنما هو حركة المقاومة الإسلامية حماس، التي فرضت نفسها بعد أحداث السابع من اكتوبر، وجعلت العالم يقف على رجل واحدة، تماماً كما تعهد بذلك المسؤول العسكري لمقاتلي القسام محمد الضيف وهو المبتور الرجل، الذي نقل عنه بأنه ما دمت أقف على رجل واحدة، فإنني سأجعل العالم كله يقف على رجل واحدة أيضاً. الخلل الذي طرأ على هذا العالم في العقود الماضية كان السبب الأكبر في حضور الكيانات اللادولتية، وسيكون هذا الحضور في ازدياد، وتصاعد مع مرور الوقت، إذ إن العلاقة عكسية تماماً بين تنامي الكيانات اللادولتية وتراجع الكيانات الدولتية، خصوصاً مع تخليها عن التزاماتها في إحقاق الحق وفرض العدل، وهو ما نرى غيابه في فلسطين وسوريا والعراق واليمن وغيرها من الدول وعلى مدى عقود، الأمر الذي مكّن الكيانات اللادولتية من اكتساب جغرافيا وديمغرافيا جديدة على حسابات الكيانات الدولتية التقليدية، وهو ما تجلى بوضوح في السنوات الماضية. حين تختطف حركة المقاومة الإسلامية حماس ومقاتلوها القساميون الأضواء كلها من المعركة التي كانت تعد الأهم بالنسبة للقوى العظمى، وهي معركة أوكرانيا، ومعركة التنافس الكبير بين القوتين العظميين أمريكا والصين في بحر الصين الجنوبي، والتي كانت على شفا حرب عالمية، فهذا يعني باختصار ودون مواربة قدرة الكيانات اللادولتية على فرض أجندتها، بل وإرغام القوى الكبرى هذه على تناسي أجنداتها الأساسية التي تمس بأمنها الوطني والقومي، والانشغال بأجندات وأولويات الكيانات اللادولتية. في موازاة التحرك الفلسطيني اللادولتي نرى كياناً لادولتياً آخر في إدلب استطاع خلال السنوات الماضية فرض معادلته بالرد العسكري والخشن على الانتهاكات التي يقوم بها النظام وداعموه، وفي موازاة ذلك تمكن من فرض أنموذجه الناعم في الحوكمة، وهو الأمر الذي تفتقره مناطق النظام نفسه الذي يحوز على دعم قوى إقليمية وكبرى، فكانت القوة الناعمة وأدواتها في الشمال السوري المحرر من خلال توفر الكهرباء والمياه والمشافي والخدمات، والتعليم ونحو ذلك من الخدمات التي تفتقر إلى أبسطها المناطق الخاضعة للنظام السوري، مما قدم ذلك كله المحرر وثورته بشكل حضاري، حتى للأهالي المقيمين في مناطق النظام، حين بدأ البعض منهم بمغادرة مناطقهم والالتحاق بمناطق الشمال السوري المحرر نظراً لتوفر الخدمات الأساسية الغائبة عن مناطق النظام التي يقيمون فيها، عززه وجود نافذة تركية إلى العالم قريبة من مناطق الشمال السوري المحرر. تنامي قوة وسطوة الكيانات اللادولتية على امتداد المنطقة العربية والإسلامية، تعني بالمطلق تراجع قوة وسطوة الكيانات الدولتية التي عجزت قوتها العسكرية الباطشة على هزيمة الكيانات اللادولتية والتي تستمد قوتها ونسغ حياتها من حاضنة اجتماعية كبيرة ومتنامية، تقف معها وتدعمها، بل وتدافع عنها، بالإضافة إلى تراجع هذه الكيانات الدولتية في توفير أبسط الخدمات الحياتية، والتي بدأ خصومها من الكيانات اللادولتية توفيرها، ولذلك أسبابه الكثيرة على رأسه ترهل الكيانات الدولتية بخلاف الخصم، بالإضافة إلى الفساد الذي نخر الكيانات اللادولتية المفتقرة للحافز والدافع والمشجع، على خلاف الكيانات اللادولتية. لقد كان أكبر رهان الكيانات الدولتية في معركتها مع خصومها هو أن خصومها إنما يعرفون سياسة حياة الموت، ولا علاقة لهم بثقافة الحياة والعيش الكريم كما كانت هذه الكيانات تروجه وتسوقه للمدنيين، ولكن وقائع أفغانستان طالبان، وحماس غزة، والشمال السوري المحرر كذبت ذلك كله، وقلبت الصورة تماماً أمام الأهالي.

1275

| 05 ديسمبر 2023

الخاسر الأكبر من حرب غزة القوة الناعمة الغربية

لم تتعرض القوة الناعمة وأدواتها في العالم الغربي لهزيمة كما تعرضت لها في حرب غزة الأخيرة، إذ لم تقتصر الهزيمة على الإعلام الغربي الذي بدا فاقداً للمصداقية والمهنية والاحترافية طوال فترة الحرب التي اقتربت من الخمسين يوماً، وإنما وبدا معها الإعلام الغربي وهو يُضحي بكل مصداقيته ومهنيته على مذبح المصالح الصهيونية مضحياً بكل هذا الإرث المتراكم، وتعدّى ذلك ليصيب درة تاج القوة الناعمة الغربية وتحديداً في أمريكا وهي مؤسسة هوليود، فبدت شظايا العدوان على غزة وقد أصابتها من كل جانب. ‏وبينما كانت القوة الخشنة الصهيونية المتوحشة كواجهة في الحرب على غزة، وبدعم من مخازن القتل الأعمى الأمريكية، كانت القوة الغربية والأمريكية تحديداً تضحي بكل رصيدها القائم على عقود من التعب والجهد، لتخسر قواها الناعمة في أيام, وهي التي عملت على بنائه في عقود.‏الأكاذيب التي روجتها آلة الكذب الأمريكية والصهيونية عن قطع رؤوس الخدج واغتصاب النساء الإسرائيليات، ورددتها أبواق إعلام غربية، سرعان ما تم فضحها وكشف زيفها، ومع هذا ظل وزير الخارجية الأمريكية أنطوني بلينكن «آلة الكذب» في هذه الحرب يواصل افتراءاته، مقابل مواصلة الإعلام الغربي انحيازه وتخليه عن مصداقيته ومهنيته، حين لم يستضف من روج لأكاذيبه ليناقشه في تضليله للرأي العام، ويبين للرأي العام خطأه وخطأ من استضافه، كل هذا سيدفع هذا الإعلام مستقبلاً ثمنه باهظاً من شعبيته الغربية وليس من شعبيته العربية والإسلامية لفعله هذا، ولا أدلّ على ذلك من تجاهل الملايين لسرديته المنحازة للصهاينة، وخروجه بشوارع واشنطن ونيويورك ولندن وباريس وسيدني مطالباً بوقف العدوان، ومندداً بالعنصرية الصهيونية وحملات الإبادة المشنونة على الشعب الفلسطيني. ‏هل سيجرؤ الإعلام الغربي اليوم على استضافة من روّج لأكاذيبه فيستضيفها في برامجه ليسألها عن أكذوبة الاغتصاب أو قطع الرؤوس أو على كذب اعتقال الجيش الصهيوني لمسلحين كما فعلت فوكس نيوز، ليتبين للعالم كله أن المعتقلين أشخاص عزل، لا علاقة لهم بالعمل المسلح، ومع هذا واصلت القناة وغيرها سياسة التضليل والكذب والافتراء؟، وهل سيجرؤ هذا الإعلام على الاعتذار عن فرية مشفى الشفاء التي شكلت ذريعة للهجوم البربري الصهيوني على غزة، تماماً كما شكلت أكذوبة أسلحة الدمار الشامل ذريعة للعدوان الأمريكي والغربي على العراق من قبل. ‏الخسارة الأعظم هي ما تعرضت له درة تاج القوة الناعمة الأمريكية وهي مؤسسة هوليود، فظهر انحيازها بشكل كامل وسافر للسردية الصهيونية، حين تم استبعاد النجمة الصاعدة سوزان سراندونن من التمثيل لانتقادها العنجهية والبلطجة الصهيونية، وتدخل الممثل المعروف توم كروز لمنع استبعاد وكيلته الممثلة الليبية الأصل مها الدخيل، فعبر لها عن دعمه وذلك لنفس السبب، كما تم طرد الممثلة ميليسا باويريا 33 عاماً وهي ممثلة فيلم الرعب ( سكريم) المعروف بعد أن نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات تتهم اسرائيل بالعنصرية والتطهير العنصريين، وقد واجهت رابطة الكتاب الأمريكيين انتقاداً لعدم شجبها حماس، بعد أن التزمت الصمت إزاء غزة وأحداثها، ووصل الخلاف إلى اتحاد الممثلين البريطانيين الذي يضم 47 ألف عضو، لانتقاده القصف والاحتلال والعنصرية الصهيونية. ‏ونشر موقع الجزيرة نت الانجليزي رسالة من زملاء في البي بي سي وتضمن أكثر من 3000 كلمة ينتقدون فيها موقف مؤسستهم لعدم تعاملها مع الشعب الفلسطيني كبشر خلال تغطية حرب غزة بحسب توصيف الرسالة. ‏شظايا حرب غزة وصلت إلى أدوات ناعمة أمريكية وغربية مهمة أخرى، حين طالت حملات المقاطعة العربية والإسلامية المنتجات الأمريكية، والتي قدمت أمريكا للعالم، وجعلت جيل الشباب معجباً بأمريكا بسببها، إن كان بحملات المقاطعة التي أطلقت خلال فترة الحرب على ماكدونالدز وستاربكس، أو على شركات البيبسي وغيرها من المأكولات والمشروبات، وهي التي شكلت ماضياً جانباً من العلاقة الباطنية المحببة تجاه أمريكا، لنستيقظ في غضون أيام على عكس ذلك كله، فيتجلى ذلك بمقاطعة شعبية قوية، بعد أن تخلت الأنظمة عن مسؤولياتها، ونثرت خلال حملات المقاطعة الكاتش آب كتعبير عن الدم على مأكولات البرغر كينغ، أو على الماكدونالدز ونحوه، وغصت مواقع التواصل الاجتماعي بالمنشورات والصور التي تندد بأمريكا وبسياستها، وقد حصدت كل هذه المنشورات والفيديوهات المنددة بالسياسة الأمريكية إعجابات ومشاركات ومشاهدات على نطاق واسع، وهو الأمر الذي يستلزم بكل تأكيد تقدماً ناعماً للقوتين الصين وروسيا. ‏لقد كان الانحياز الأمريكي الأعمى الفاضح للصهاينة ضربة قوية للدبلوماسية الأمريكية لها ما بعدها، وآثار ذلك لن يظهر فقط خلال أيام، وإنما سيكون له آثار وتداعيات سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية كبيرة، فبعد أن كانت أمريكا إلى حد ما لديها تلك الصورة بالقدرة على وقف المعركة، ظهرت منحازة للقوة الصهيونية بشكل سافر، وهو ما بدد صورة أمريكا القوية القادرة على وقف العدوان، لتبرز قطر وأداتها الناعمة الجزيرة المنتصر الأول والأخير في هذه المعركة.

1941

| 28 نوفمبر 2023

بين العراق وغزة.. أكذوبتان واحتلالان

عقدان من الزمن بين فرية الجيش الإسرائيلي عن استخدام المقاومة الفلسطينية لمجمع الشفاء الطبي في غزة لأغراض عسكرية، ووجود أسلحة وذخائر لمقاتلي حركة حماس في داخله، وإيوائه لأسرى إسرائيليين، والفرية التي روجتها أمريكا عام 2003 عن وجود أسلحة دمار شامل، وعلاقة النظام العراقي مع تنظيم القاعدة، وتولّى كِبر الترويج يومها المخابرات الأمريكية وبلسان وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول، ولكن مع بسط الاحتلال الأمريكي أياديه وأرجله على العراق، تبين تهافت تلك الكذبة، ولعل التاريخ سيؤرخ لتاريخ المخابرات الأمريكية عن شخصيتها قبل وبعد ذلك التاريخ المشؤوم، حين انهارت مصداقيتها أمام العالم كله، فلم تعد تملك ذلك الرصيد السابق. اليوم يتكرر السيناريو تماماً بترويج الجيش الإسرائيلي لسردية كاذبة عن وجود هذه المبررات لاقتحام مشفى مدني تصونه كل الشرائع السماوية والأرضية، بل ويتخذ الجيش الإسرائيلي من هذه السابقة مثالاً للاعتداء على مشاف أخرى مرتبطة بدول كالمشفى الأندونيسي والتركي وغيرهما. وكما قال كارل ماركس إن التاريخ في المرة الأولى مأساة، وفي الثانية ملهاة، ولعل هذا ما ينطبق على المثالين العراقي والغزيّ، ولكن في الحالة الغزية ربما يكون التاريخ ملهاة ومأساة في عين الوقت، بعد أن ثبت بطلان وكذب المرة الأولى واعتذرت عنها الإدارة الأمريكية، كما اعتذرت بعد ساعات على تلقف وتكرار سردية نتنياهو عن قيام حماس بقطع رؤوس الأطفال، وهو ما ثبت كذبها. لا حاجة اليوم لتأكيد أن رواية الجيش الإسرائيلي كاذبة، ونحن نرى ونقرأ تقارير محطة السي إن إن وغيرها عن تهافت هذه الرواية، والمقارنة بين مقطعين للفيديو من صنع الجيش الإسرائيلي الأول بثه للمشفى قبل اقتحامه والثاني بعد اقتحامه، وكيف ظهر إدخال أسلحة إسرائيلية إلى المكان، يثبت بكل وضوح كذب الجيش الإسرائيلي في روايته عن استخدام حماس للمشفى لأغراض عسكرية، وعضّد هذا تكذيب محطة البي بي سي للرواية الصهيونية حين قال روس أتكينز، مذيع قناة «بي بي سي» البريطانية، إن «إسرائيل وصفت مستشفى الشفاء بأنه المقر الرئيسي لعمليات حماس، لكن ما نراه في فيديو الجيش الإسرائيلي لا يعكس ذلك»، والظاهر أن المحطات العالمية التي ضحت بصدقيتها مع بواكير العدوان الصهيوني بدأت تدرك أن مصداقيتها تلاشت ولابد من ترميمها عبر تكذيب السردية الصهيونية، للتظاهر بالحيادية والموضوعية. الفارق الوحيد بين الروايتين الإسرائيلية في غزة والأمريكية في العراق، في حالتي أن الأخير لم يستخدم تلفيق إدخال أسلحة دمار شامل إلى العراق المحتل من قبله ليؤكد على صدقية روايته وسرديته في احتلاله العراق، وهو ما فعله الجيش الإسرائيلي، ليبرر وحشيته، وما فعله بحق المدنيين والأطفال الأبرياء، وحتى المدنيين الذين فروا من جحيم غاراته، ليلجأوا إلى المشفى ظناً منهم أنه مكان آمن من العربدة الصهيونية. الجيش الإسرائيلي مصاب اليوم بالذهول والإحباط والدهشة والخيبة، لعجزه عن تحقيق أي نصر عسكري يروجه لحاضنته، إذ لم يتمكن مع اقتراب الحرب من يومها الخامس والأربعين من إسكات صواريخ المقاومة، في الوقت الذي تمكنت أمريكا من إسكات صواريخ سكود العراقية في الأيام الأولى للمعركة، كما عجز وفشل في الوصول إلى أي من قادة المقاومة السياسية والعسكرية وهو ما يعكس مدى إحباطه من عدوانه كله، وهو الذي كان يستهدف قادة المقاومة في السابق، مما يعني تطوره في عجزه، مقابل تطور المقاومة في ذكائها وصمودها، وقدرتها على التعامل مع عدو تعيش في أحضانه، ومع هذا قاومته وانتصرت عليه حتى الآن، فمجرد الصمود بوجه الاحتلال وعجزه عن القضاء على هذه المقاومة التي تعيش في أحضانه يعد انتصاراً، فقد أثبتت المقاومة بصمودها فشل تل أبيب أمنياً وعملياتياً. العرض الذي قدمته المقاومة الفلسطينية على اللجان الدولية لزيارة المشافي للتحقق من صدقية قولها، وكذب الرواية الإسرائيلية أحرج بالتأكيد تل أبيب والقوى الغربية الداعمة لها، وجعل أمريكا في وضع صعب لا يمكن أن تواصل منح إسرائيل شيكاً على بياض للأبد، وبالتالي غدا من المتعسر على الجيش الإسرائيلي مواصلة عملياته العسكرية مستهدفاً المدنيين والمنشآت المدنية، مما سيغدو من المستحيل إعلان نصر عسكري إسرائيلي على المقاومة، وهو ما يُعد أول إعلان فشل عسكري إسرائيلي في تاريخها. العدوان على غزة لم يؤكد على حقيقة أن الجيش الإسرائيلي ما هو إلاّ عصابة متوحشة، فوضع كل من دعمه وسانده خلال هذه الحملة بموقف محرج جداً، ضحى من خلاله بكل قيمه الأخلاقية التي سعى للترويج لها على مدى عقود.

1170

| 21 نوفمبر 2023

مجزرة المشافي في غزة

مشاهد تدمي القلوب، وتتفطر لها الأفئدة، في ظل ما نراه ونشاهده على شاشات التلفزة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي من إجرام ووحشية، أي قلب؟ وأي فؤاد؟ هذا سيتحمل كل ما نراه، إذ نشعر وكأن ما نراه اليوم من مجازر ومذابح ومشاهد تكفي عقوداً للمشاهدين والمتابعين، ولكن أي كارثة حلت على هذا الجيل ليُرغم على مشاهدة كل هذه المشاهد والمجازر في فترة زمنية قصيرة. أي جيل هذا الذي عليه أن يتحمل كل ما تفتقت عنه الذهنية الصهيونية الإجرامية من قتل وتدمير وتهجير، وسط صمت مخيف للعالم كله، ووسط تواطؤ القريب قبل البعيد وهو الأمر الذي يرش مزيداً من الملح على الجروح المتقرحة أصلاً، وعلى الجروح المفتوحة لعقود. ما يجري أمام العالم العاجز كله، بل قل العالم المشارك بالمجزرة بحق أطفال غزة وشبابها وشاباتها، شيء لا تفسره كل علوم الأرض التي درسناها، هذه المجازر والمذابح التي تمت في غزة ومن قبل في سوريا والعراق واليمن ربما بحاجة إلى علوم جديدة تفسر ما حدث ويحدث، وبحاجة إلى من يستهدي بهذه الأحداث والوقائع المتواصلة، من أجل تعديل العلوم المدروسة لاسيما فيما يتعلق بالجوانب النفسية والاجتماعية للقتلة والمجرمين. هل وصل العالم إلى درجة أن يسمح لمجرم متوحش بأن يساوم على حياة المرضى والجرحى والراقدين على الأسرّة من نساء وعجزة وأطفال في بورصة قتله وإجرامه، بحيث يمدُّ المشافي بالوقود مقابل التنازل في ساحة المعركة، وهل وصل الأمر إلى درجة أن يقوم المحتل بقصف أماكن يجزم بوجود أسراه ليتخلص منهم؟، ويتخلص كذلك من تبعات التفاوض عليه والمساومة عليهم، فيتحلل من مسألة الإفراج عن أسرى فلسطينيين قضوا سنوات وربما عقوداً في سجون الاحتلال الصهيوني. هل وصل العالم كله إلى درجة أن يرضى الجميع بتفجير واقع اقليمي وربما دولي ومعه يستنزف العالم الغربي ما تبقى له من قيم أخلاقية وإنسانية لصالح عدوان متوحش إجرامي على غزة، مما يعني تهديد أنظمة سياسية في ظل الاحتقان العربي والإسلامي على أنظمته العاجزة والمتواطئة، بعضها مع الأجنبي على غزة وأهلها، مما يعني بالضرورة سلبيات وتداعيات خطيرة على الأمن الداخلي، مما سينعكس بكل تأكيد على الواقع الاقليمي والدولي، فحالة التعبئة التي حصلت في الجيل الحالي مخيفة، وهذا الجيل ربما مستعد لمن يقوده ليفرغ كل ما عبأه من حقد وثأر على ما جرى ويجري في أقرب محطة ثأر وانتقام. مجزرة المشافي التي تحصل على الهواء مباشرة لمشافي معدودة في غزة ليس لها مثيل في التاريخ، حيث تبدو الدول الراعية والداعمة لهذه المشافي عاجزة عن التأثير الدولي حتى في حماية منشآتها الطبية، فضلاً عن تأمين وصول الدواء ومستلزمات التشغيل لمشافيها، وهو ما يعكس مدى عجزنا الذي وصل إلى هذا المستوى المخيف والمريع، حيث سلّمنا بأن لا قدرة لنا على مواجهة المحتلين ولا على وقف عدوانهم. تعرضنا في سوريا لـ 12 عاماً لمجزرة المشافي التي استهدفت مئات المشافي والمستوصفات ومعها الأسواق والمخابز والمدارس، وصمت العالم كله حينها على هذه المجازر، ولم تكن كل هذه المؤسسات بمنأى عن جرائم المعتدين، ونفس الأمر يحدث اليوم في غزة بفلسطين، حيث يمارس الجيش الاسرائيلي سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها الروسي من قبل في حلب، وقبلها في غروزني وبعدها في أوكرانيا، ومارسها الأمريكي في العراق وفي الباغوز في سوريا، فليس هناك أحد أفضل من أحد، فالكل شريك في مجزرة المشافي، يوماً في العراق وآخر في سوريا وثالث في اليمن واليوم في فلسطين، ولا ندري غداً أين ستكون؟

1557

| 14 نوفمبر 2023

ماذا خسرت أمريكا في غزة؟

الخسارة التي مُنيت بها الإدارة الأمريكية والتي ستُمنى بها مستقبلاً بسبب الانحياز الأعمى للكيان الصهيوني في عدوانه وجرائمه على غزة ستكون مُهلكة، وإستراتيجية وبعيدة المدى على الأمن القومي الأمريكي، ولا أدلّ على ذلك من المظاهرات التي اجتاحت المدن الأمريكية لأول مرة في تاريخها بهذه الضخامة وبهذه الاستمرارية، فمن كان يظن قبل سنوات وربما حتى قبل أشهر أن تشهد عاصمة القرار العالمي واشنطن مظاهرات هي الأضخم من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية تندد بالعدوان الصهيوني على غزة، وتطالب بوقف العدوان؟ بكل تأكيد لم يكن يظن أحد ذلك، وهو الأمر الذي عكس مدى الفجوة العميقة والسحيقة بين السياسي الأمريكي وبين مواطنه العادي. يبدو أن ثمة تعارضا وتناقضا حتى في المعالجة الأمريكية والصهيونية لما يجري في غزة، وتجلى ذلك بنفي البنتاغون مشاركته في بداية المعارك البرية في غزة، حيث يرى الطرف الأمريكي من خبرته في أفغانستان والعراق بأن أي عمل عسكري دون رؤية سياسية ودون مشروع واضح سيرتد بشكل سلبي على صاحبه، في المقابل يرى القرار الإسرائيلي بأن العمل العسكري أولاً وأخيراً، وربما مدفوعاً بالصدمة التي تلقاها صبيحة السابع من أكتوبر، أن النظرة السياسية تطورها وتعدلها التطورات والأحداث الميدانية على الأرض، وهذا انعكاس لرؤية نتنياهو نفسه التي دونها في مذكراته، ولا يخفى على أي متابع سياسي حجم الخلاف الماضي بين نتنياهو والإدارة الأمريكية، والتي وصلت ذروتها خلال مواجهات التعديلات الدستورية في الكيان الصهيوني، والتي اعترضت عليها الإدارة الأمريكية كما اعترضت عليها المؤسستان الأمنية والعسكرية، الصهيونية ولكن فرض نتنياهو رؤيته في التعديلات، إذ ترى واشنطن أن هذه التعديلات كانت لصالح المتطرفين الصهاينة، وهو الأمر الذي يتناقض مع المشروع الغربي للكيان الصهيوني الذي انبنى أساساً على أنه مشروع لليبراليين اليهود الغربيين، والذي حرص الغرب طوال قرن على التخلص منهم، عبر إرسالهم إلى فلسطين، وبالتالي ففرض رؤية المتطرفين الصهاينة هذه سيشكل بيئة طاردة لليبراليين اليهود الغربيين، الذين سيعودون إلى الغرب، وهو من سعى على مدى قرن للتخلص منهم. الجانب الإستراتيجي والبعيد المدى التي ستدفع الولايات المتحدة الأمريكية ثمنه وهو تشتتها على جبهات الصين وروسيا، وقد برز ذلك مباشرة بعد التورط في الوحل الفلسطيني، إذ بدأت وسائل الإعلام الغربية تُسرب أخباراً عن طلب أمريكي من الرئيس الأوكراني زيلنسكي لتقديم تنازلات لموسكو في المفاوضات المقبلة، نتيجة انشغال واشنطن بالملف الفلسطيني، والذي حرفها وشتتها عن العدو الإستراتيجي الصين والتي سعت على مدى سنوات إلى ترتيب أوراقها، وإستراتيجياتها وأولوياتها على أساس أنه العدو المقبل، وأن ساحته في بحر الصين هي ساحة المواجهة المقبلة، مما جعلها تبتعد عن الشرق الأوسط، ليفرض الأخير نفسه اليوم من خلال العدوان الصهيوني على غزة، وقد برز ذلك عبر تبرير الولايات المتحدة الأمريكية لفشلها الأمني في التنبؤ المسبق بهجوم السابع من أكتوبر حين نُقل عن مسؤولين أمنيين أمريكيين بأن واشنطن أوقفت متابعة حماس بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، بعد أن اعتمدت على متابعة المؤسسات الأمنية للكيان الصهيوني، وهو الأمر الذي يعزز نظرية ابتعاد أمريكا عن الشرق الأوسط. التحالفات الروسيةـ الصينية ـ الإيرانية مع كوريا الشمالية، والخسائر الجيوسياسية الأمريكية في ملفات عدة، وابتعاد دول عربية ومتوسطية كانت لعقود موالية لأمريكا وتوجهها نحو الشرق يشير إلى أن السياسة الأمريكية ستدفع أثماناً باهظة أكبر، ولعل الأهم في ذلك هو في المزاج العالمي الآن المعادي للسياسة الأمريكية، حتى في وسط الغرب نفسه والذي مثله المظاهرات الصاخبة في العواصم الغربية. ثمن باهظ ستدفعه واشنطن، بعد السمعة السلبية الكبيرة التي طالتها، إن كان بترويج أكاذيب صهيونية، تبين كذبها بعد ساعات على إطلاقها، وقد تورط فيها حتى الرئيس الأمريكي والمسؤولون الأمريكيون الكبار بمن فيهم وزير الخارجية، وهو الأمر الذي سيكون له تداعياته الخطيرة، مما يذكر بأكاذيب وزير الخارجية السابق كولن باول عن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل قبل العدوان عليه ليظهر لاحقاً كذب ذلك وكذب مبرر الحرب أصلاً وفصلاً.

2475

| 07 نوفمبر 2023

الجزيرة باقية وأعمار الطغاة قصار

لا أصعب على الصحفي والإعلامي من أن يتحول فجأة إلى الخبر ذاته، ولا أصعب من أن يقوم هو بنقل خبره وخبر عائلته، فالإعلامي وفي عقله الباطن إنما يمارس دور بطل الفيلم، فيظن أنه آخر من يموت في المسلسل، وإلاّ فمن سيروي باقي الحكاية، ربما ذاك ما جرى لزميلنا وائل الدحدوح الذي ظل لسنوات، بوابة العالم العربي إلى غزة، وبوابة غزة إلى العالم العربي، فجأة ترحل زوجته وابنه وابنته، وحفيده، ومن قبل بعض أقاربه بفعل الجنون الصهيوني قصفاً لمنطقة لا تتعدّى 360 كم2، وذلك بكل الأسلحة الإجرامية التي تفتقت عنها الذهنية الصهيونية، لكن المفاجأة الأكبر هي أنه واصل تغطيته الإعلامية، ربما هرباً من واقع أليم يعيشه المرء في مثل هذه اللحظات، وربما الأدق سعياً للثأر والانتقام من قاتل أهله، وأكباده، فهي الطريقة الوحيدة التي يستطيع الصحفي أن يثأر لنفسه، عبر فضح ممارسات العدو الصهيوني. أدرك وائل الدحدوح أن الاحتلال إنما ينتقم منه ومن الجزيرة عبر أولاده، حين قالها علانية وأمام الكاميرات، ودموعه قد غسلت وجهه، لاسيما وأن واشنطن كانت قد طلبت من قطر قبلها بساعات تخفيف تغطيتها على الهجمات الصهيونية على غزة، لكن الجزيرة التزاماً بخط تحريرها الممتد لسبعة وعشرين عاماً قاومت كل أشكال الضغوط إن كان خلال تغطيتها على العراق أو أفغانستان، وحتى فلسطين من قبل، فقد رفضت الطلبات الأمريكية هذه، وأصرّت على مواصلة تغطيتها المهنية. كان على الأمريكي أن يستحضر قبل طلبه الغريب هذا سياسة الجزيرة التحريرية يوم رفضت مطالبه هذه، وهو الذي كان النمر الجريح بعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول حيث كان من الصعب على أية دولة قوية في العالم أن ترفض له طلبه، فكيف بمؤسسة إعلامية كالجزيرة، فهل يتوقع اليوم أن تستجيب له؟ فلا تل أبيب هي واشنطن، ولا حماس هي القاعدة التي قامت بهجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، حيث الدعم الشعبي والإنساني الهائل للشعب الفلسطيني، دحض كل الروايات والسرديات الصهيونية، ولا أدلّ على ذلك من مظاهرات نيويورك ولندن وباريس وسيدني وحتى تل أبيب المنددة بالعدوان الصهيوني على غزة والمطالبة بوقف الحرب المجنونة، فضلاً عن مئات المظاهرات في بقية العالم العربي والإسلامي وغير الإسلامي. وفي حضرة رحيل عائلة الزميل الدحدوح نستذكر قافلة شهداء الجزيرة الذين رحلوا على هذا الطريق، طريق الاستمساك بالحق الإعلامي، وبالرسالة الإعلامية، وبالمهنية الإعلامية، يوم دشن هذه القافلة المباركة الشهيد الزميل طارق أيوب حين صبّت واشنطن جام غضبها على الجزيرة فاستهدفت مكتبها في بغداد. رحل عنّا طارق، وأبقى خلفه إرثاً إعلامياً كدليل على الصمود والثبات على المهنة، فواصلت الجزيرة من بعد تغطيتها بكل مهنية واحترافية، على الرغم من كل الضغوط التي نعرفها تماماً والتي تعرضت لها الجزيرة يومها، وسبق هذا قصف مكتب الجزيرة في كابول حين كانت القناة الإعلامية الوحيدة التي انفردت بتغطية الحرب الأمريكية على أفغانستان 2001، فاعتقل الزميل المصور سامي الحاج في قندهار، ثم اعتقل الزميل تيسير علوني لسنوات في اسبانيا بحجج واهية، تبين تهافتها حين أُفرج عنهما دون توجيه أي تهمة لهما. وحين ضاقت الأرض بما رحبت على الاحتلالين الأمريكي والبريطاني في العراق خرج جورج بوش الابن بفكرة قصف مقر الجزيرة في الدوحة، وكأن مشكلته في المرآة التي تعكس سوء أفعاله، وليس في سياساته المتخبطة، التي اعترف الكثير لاحقاً بأنها متخبطة، وأن الغزو كان خطأ كبيراً، وحين وقع ما وقع في ربيع ليبيا، رأينا قتل زميلنا المصور المبدع علي الجابر، وكما أن السجين يتعلم من سجانه، فإن الطاغية الصغير يتعلم ممن هو أكبر منه، ونفس النهج سلكه النظام السوري حين قتل الشهود، فكان منهم صحفيون غربيون في حمص، ثم قتل زميلنا الصحفي الرائع محمد الحوراني في درعا رحمه الله، ومع كل هذا لم يثن ذلك الجزيرة عن رسالتها ومهمتها، ولم تحرفها هذه التصرفاء الرعناء عن الرؤية التي اختطتها منذ انطلاقتها الأولى على يد الأمير الوالد سمو الشيخ حمد بن خليفة. محاربة الجزيرة بهذه الطريقة، التي تهدف إلى إسكاتها، كمحاربة طواحين الهواء، لن تصل إلى نتيجة، فالإعلام الحر والمهني يحارب بمثيله، أما الأكاذيب والأضاليل، فلا مكان لها في سوق الإعلام الحر، ولا قرار لها، ولا نصيب في ساحة إعلام مفتحة سماواته على كل شيء، فلم يعد العالم عبارة عن تلفزيون أسود وأبيض، فكل شخص لديه قناته الخاصة به، وربما قنواته على مواقع التواصل الاجتماعي، يستطيع من خلالها التعبير عما يجيش في صدره، فكيف إن كان صانع الحدث نفسه هو الذي يملك قنواته، ويبث أفعاله، كما يحصل اليوم في غزة.. الخلاصة وهي أن الإعلام عبارة عن عاكس للأفعال والتصرفات، فمتى ستدرك الأنظمة الاحتلالية والاستبدادية، التي تتظاهر مجرد تظاهر بالحرية والانفتاح شكلاً لا مضموناً، أن المشكلة في الفعل وليس في عكس الفعل الذي يقوم به الإعلام، فوظيفة الأخيرة هي أن تظلل ما يحصل، فانظروا في المرآة لتعرفوا شكلكم وهيئتكم، وإن وجدتم ما لا يسركم فلا تهشموا المرآة، فهذه المرآة ملك للجميع..

1020

| 31 أكتوبر 2023

طوفان الأقصى..الأرباح والخسائر

الضربات التي تلقاها الكيان الصهيوني في عملية طوفان الأقصى يوم السابع من اكتوبر بغض النظر عن خسائر الفلسطينيين لاحقاً، كانت موجعة وعميقة الأثر، وواسعة الجغرافيا، وربما لم يتعرض الكيان الصهيوني وجودياً، لمثل هذا الخطر طوال العقود الماضية منذ قيامه على أرض فلسطين، فمن كان يخال قبل السابع من اكتوبر أن المستعمرين اليهود سيُخلون مستعمراتهم، ويفرغونها، إما هرباً إلى الغرب من حيث أتوا، أو إلى أماكن بعيدة عن هذه المستعمرات، ولا أخال أيضاً أن كثيراً منهم سيعودون إلى مستعمرات لا تبعد سوى مئات الأمتار عن مناطق سكنية فلسطينية، ستغدو مهددة باجتياحات مماثلة للسابع من اكتوبر، فملدوغ الأفعى يخشى من الحبل. ولذا رأينا هرع رؤساء الدول الغربية إلى تل أبيب والتضامن معها والوقوف إلى جانبها، فالمشروع الاسرائيلي هو مشرع غربي بالأصل والأساس، ولعل بايدن قد اختزل المسألة حين قال:( لو لم تكن اسرائيل موجودة لأنشأناها.) لأن هذا باختصار مشروع غربي للتخلص من اليهود الغربيين لديهم، وقد كان للغرب ذلك، لكن ما حصل يوم السابع من اكتوبر نسف المشروع، ونسف معه فكرة ديمومة بقاء اليهود الغربيين المطرودين من الغرب إلى أرض الميعاد حسب زعمهم. سمعة وصيت الجيش الاسرائيلي بالحضيض اليوم، وقد بدأ ذلك منذ الافتراق السياسي والعسكري الذي حصل ربما لأول مرة في تاريخ الدولة العبرية، نتيجة أزمة التعديلات الدستورية، وانحياز نتنياهو إلى التطرف الصهيوني طلباً لدعمه، في مواجهة سياسيين وحاضنة شعبية رفضت التعديلات، وهو ما أغضب المؤسستين الأمنية والعسكرية من نتنياهو، ومن خلفهما الدول الغربية التي رأت في تحرك نتنياهو هذا ضرباً لمشروعها الذي تحدثنا عنه. أتت أحداث السابع من اكتوبر لتزيد الطين بلّة على الجيش الصهيوني، فأفقدته توازنه، مما زرع شكوكاً كبيرة وسط المحتلين بقدرة جيشهم على حمايتهم، وأكثر من هذا وضع إشارات استفهام كبيرة لدى الدوائر الغربية في قدرة الكيان الصهيوني على أن يكون قاعدة متقدمة للغرب في المنطقة العربية، أو نقطة ارتكاز بعد الهزيمة والفضيحة التي تعرض لها يوم السابع من اكتوبر. كل هذا دفع دوائر غربية عدة وحتى بعض العقلاء من الكيان الصهيوني للمطالبة بالتريث في تنفيذ الهجوم البري الذي غدا ضرورة مهمة للجيش الصهيوني من أجل إعادة الاعتبار لنفسه، ومعها أيضاً من أجل شد عصب المحتلين الصهاينة، بعد أن فقدوا الثقة في قدرة المؤسسات الاحتلالية على حماية الكيان الصهيوني في مواجهة مقاتلي السابع من اكتوبر. على الجانب الآخر فإن طوفان الأقصى جرف تماماً أجندة المطبعين مع الكيان الصهيوني، وبالتالي غدا من الصعب على المطبعين في الوقت الحالي مواصلة أجندتهم، ففرمل بذلك كل الاستراتيجية التطبيعية التي كان يروج لها نتنياهو، ومعها أيضاً نسف سمعة الكيان الصهيوني الذي سعى إلى تقديمها خلال السنوات الماضية على أنه كيان مسالم، فصرف وقتاً وجهداً من أجل تقديم صورة ناعمة عنه، من أجل إغراء المطبعين، ليصحو الجميع على مجازر ومذابح وهجمات وحشية منفلتة تستهدف المدارس والمساجد والمشافي، وهو ما ذكر لمن لم يحضر أو يعش مجازر الأربعينيات من القرن الماضي، فأعاد بذلك ربما مسألة التطبيع مع الصهاينة إلى أجواء مؤتمر الخرطوم واللاءات الثلاث، على الأقل على المستوى الشعبي. بالتأكيد فإن المقاومة الفلسطينية دفعت ثمناً باهظاً، إن كان بفقدانها لرجالها، أو بفقدانها لأهلها الذين تجاوز عدد شهدائهم الأربعة آلاف شهيد، بالإضافة إلى تدمير كبير في البنى التحتية، ولكن المقاومة لا تزال تقاتل بفاعلية، وربما لم يكن يتوقع أحد أن تواصل قصف المستعمرات الصهيونية بالصواريخ بعد مرور أكثر من اسبوعين على عملية طوفان الأقصى، بمعنى أن الكيان الصهيوني فشل في إسكات هذه الصواريخ، وفشلت قبته الحديديدة أمام طوفان أحفاد نوح عليه السلام. الخسارة الكبيرة التي تعرض لها الكيان الصهيوني تمثلت في انقلاب الحاضنة الغربية وحتى كثيراً من الحاضنة الصهيونية عليه، حيث نرى بشكل شبه يومي المظاهرات التي تعمُّ عواصم غربية مؤيدة للحق الفلسطيني، ومطالبة بوقف المجازر الصهيونية، ووصف نتنياهو بالقاتل، وقد وصل الأمر إلى اقتحام يهود في أمريكا لمبنى مجلس الشيوخ الأمريكي، مطالبين بوقف المجازر ضد غزة، وهو ما لم يحصل في السابق، مما يؤشر إلى مدى الجرح العميق الذي أحدثه هجوم السابع من اكتوبر في جسد الكيان الصهيوني، وتعدّى أمر المظاهرات إلى خروج الشعب الإسرائيلي نفسه بمظاهرات في تل أبيب يطالبون بوقف المجازر، وبوصف رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو بالقاتل، كما اعتصم مئات الأشخاص أمام مقر الرئيس الصهيوني وهم يطالبونه بوقف الحرب على غزة، والعمل على إطلاق سراح الأسرى الصهاينة الذين أسرتهم القسام خلال هجوم طوفان الأقصى. لم يعد الكيان الصهيوني في حال تشبه حروبه السابقة مع العرب، لقد غدت المؤسسات العسكرية والسياسية المشتبكة مع بعضهما خفية، وغدا هذا الكيان بلا حاضنة غربية وصهيونية واسرائيلية حتى، كما اعتاد عليه في حروبه السابقة، وهو الأمر الذي سيجعل من الصعب جداً المضي قدماً في حرب مكشوفة الحاضنة، بل حاضنة تعارضه في حربه وفي ارتكاب جرائمه ومجازره.

1353

| 25 أكتوبر 2023

أكتوبر مزقت سمعة الدولة العبرية

فجأة تراجعت الدولة العبرية عن هجومها البري على غزة، فبدأت تتواضع في أهدافها من وراء عمليتها السيوف الحديدية، وشرعت بالحديث عن حصر مهمتها في تصفية القياديين يحيى السنوار ومحمد الضيف، بدلا من احتلال غزة وتهجير أهلها كما أعلنته سابقاً، ترافق هذا مع تحذير الرئيس الأمريكي جو بايدن من مخاطر احتلال غزة، وهو ما كان يدعو إليه قادة الحرب الإسرائيليين. عوامل داخلية وخارجية لعبت دوراً في تراجع الدولة العبرية، فقد ظهر خلاف على السطح ربما لم يظهر عبر تاريخ الدولة العبرية بين الحاضنة المجتمعية الصهيونية والحكومة، عكسها الكاتب الصهيوني دوريت رابنيان الذي قال للنيويورك تايمز: (لقد استيقظنا على حقيقة رهيبة وهي أن اليد التي وضعنا مصيرنا فيها لم تكن مصدر ثقة) كما انعكس ذلك بصراخ جندي صهيوني بوجه رئيس الوزراء نتنياهو حين كان يزور قطعة عسكرية، مما تسبب في إلغاء حديثه للقطعة العسكرية. حالة الانهيار الأمني والعسكري الذي تعرضت له الأجهزة الأمنية والعسكرية التي تفاجأت بعملية طوفان الأقصى، لم تفاجئ تل أبيب فحسب وإنما فاجأت الغرب كله، وظهرت كل تقنيات الذكاء الاصطناعي، والروبوتات والدفاع السيبراني هشة ضعيفة أمام تكتيكات القسام، وهو الأمر الذي سيلقي بظلاله بعيداً على العقلية العسكرية الغربية، وحتى طرق تعاملها مع روسيا كما أشار إلى ذلك مسؤولون أوروبيون في حديثهم لمجلة الفورين بوليسي. حتى هذه اللحظة كان رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو يرفض تحمل مسؤولية ما جرى من عملية طوفان الأقصى، وخلال مؤتمره الصحفي الذي ظهر فيه أمام الصحافة أدلى بكلمة مختصرة رافضاً الرد على أسئلة الصحفيين، وهو ما عكس حالة التوتر والتشويش التي يعيشها. ضعف الحاضنة المجتمعية الصهيونية خلف العمليات اليوم، كان أكبر سبب في تراجع العملية البرية، والتي صاحبها رفض عربي من السعودية إلى مصر وقطر وغيرهم بمعاقبة جماعية لغزة، ورفض التهجير ونحوه من إغلاق الحدود، وهو الأمر الذي انعكس على تصريحات المسؤولين الأمريكيين في عدم دعم حرب برية شاملة. الجنرال مطر والسيول التي اجتاحت شوارع المدن الرئيسة للدولة العبرية كانت من الأسباب المعلنة وراء عملية تأجيل الهجوم البري، ولكن البعض يعتقد أن حالة من الخوف والهلع وسط الجيش الاسرائيلي بعد الاختراقات الأمنية والعسكرية التي سببتها عملية طوفان الأقصى، سببت كل هذا التأجيل، وقد انعكس ذلك أيضاً على فرار أهالي المستعمرات، وحتى إن كثيراً منهم لم يعد يثق بقدرة الجيش الصهيوني على حمايتهم إن هم عادوا إلى مستعمراتهم، فمستعمرة سديروت أخليت بالكامل من أهلها البالغ عددهم 30 ألف مستعمر. اللافت أن هذه التداعيات حصلت في ظل توترات شهدتها الساحة الصهيونية السياسية على خلفية التعديلات الدستورية التي أصر عليها نتنياهو على الرغم من معارضة الأجهزة الأمنية والعسكرية وحتى الحاضنة الشعبية لها، مما تسبب في حالة من اللاثقة والشك بين الأجهزة الأمنية والعسكرية من جهة وبين الحكومة بزعامة نتنياهو من جهة أخرى، مما سيلقي بتداعياته لفترة ليست قليلة، وستستفيد منه المقاومة بشكل كبير.

1389

| 17 أكتوبر 2023

طوفان الأقصى وقلب الطاولة

مفاجأة طوفان الأقصى التي بدأت مع تباشير صباح السبت الماضي، ولا تزال ستُلقي بتداعياتها المحلية والاقليمية والدولية ربما لسنوات، وليس لأسابيع وأشهر، بحسب خبراء كثيرين ومن بينهم خبراء صهاينة، فما حدث يوم السبت الماضي كان فشلاً أمنياً بامتياز قبل أي شيء، وفشل أمني ليس في المعرفة المسبقة بوقوع الحادث، بقدر الفشل في تصوره وتفهمه، تماماً كما حصل حين فشلت الولايات المتحدة الأمريكية وأجهزتها الأمنية في تنبؤ وتفهم عقلية القاعدة في مهاجمتها في عقر دارها، وهو الأمر الذي ذهب به بعيداً بعض الخبراء الأمريكيين في أنه فشل بدأ مع الهجوم الانتحاري على بيرل هاربر في الحرب العالمية الثانية. هذا الفشل الأمني لم يكن له أن يحصل لولا الفراغ الذي تعيشه الدولة اليهودية، منذ اقتتال النخب القيادية السياسية فيها، وانجرار رئيس الوزراء الحالي نتنياهو خلف التعديلات القانونية التي تسببت في شرخ لم يسبق أن حدث في الحاضنة الصهيونية، فقاد إلى مظاهرات واحترابات داخلية، أثرت على عمل الأجهزة الأمنية الصهيونية، وتحديداً بين الموساد والشين فين، ولا يخفى على الخبير طبيعة التنافس والغيرة وسط الأجهزة الأمنية، والتي ظهرت وترجمت بشكل أوضح تابعناها كصحفيين وخبراء داخل أجهزة السي آي إيه والإف بي آي في مرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001. لعل وزير الدفاع الإسرائيلي السابق غيور إيلاند في حديثه لمجلة الفورين بوليسي قد حسم الأمر حين قال إن الدولة العبرية في حالة حرب داخلية، أما الحرب مع حماس فستكون لسنوات، وعلى الدولة العبرية أن تستعد لها بحسب قوله. هذا الفشل الأمني أعقبه فشل عسكري بامتياز، فقوة الجيش الذي لا تُقهر، والحديث عن الجدار العازل الذي كلّف الخزانة الصهيونية أكثر من مليار دولار تبدد فجأة ورأى العالم كله تبدده وانهياره تحت أقدام المقاومين الفلسطينيين، فكيف يخترق شباب بالعقد الثاني الجدار، ويدخلون إلى معاقل الدولة اليهودية، ليحوّلوا ليلها نهاراً، ليحّولوا كل هذا التجبر والتغطرس الوهمي الذي بُني لعقود إلى رماد، وهو التحول الأخطر في مثل هذه الهجمات، إذ أنه سيُجرئ الآخرين، وإن كان أحد قادة حماس قد أعلن بأن مصدر إلهامهم في هذه العمليات جاء من اختراق الشاب المصري للحدود المصرية، الفلسطينية، وهو الأمر الذي له دلالات لا تخفى على أحد. ليس هناك من شك بان فلسطين ما بعد السبت ليست هي فلسطين ما قبله، والخيارات باتت حادة ومصيرية، والحرب التي أعلنها نتنياهو على الفلسطينيين، ودعا رئيس الدولة العبرية إلى تشكيل حكومة طوارئ من أجل التعامل معها، تشير كلها إلى أنها حرب طويلة الأمد، ليست لأسابيع أو لأشهر، وإنما لسنوات، وهو الأمر الذي قلب الطاولة تماماً على مسار التطبيع الذي كان يتحرك بسرعة البرق، فأدى إلى تهميش حماس اقليمياً ودولياً، وهمّش اللاعب الفلسطيني، في ظل عدم الفعل للمنظمة والرئاسة الفلسطينية، ومن هنا تأتي التقديرات الصهيونية بأن ما لا يقل عن مائة ألف مقاتل فلسطيني مستعدون للدخول في الحرب إن استمرت، وهؤلاء المقاتلون بطبيعة الحال ليس من حماس فحسب، وإنما من فصائل فلسطينية متعددة، وبالتالي فإن المنطقة ستكون مفتوحة على خيارات متعددة، إلاّ إذا نجح حلفاء الدولة العبرية في منع توسع المشاركة لصالح الفلسطينيين، فوسعوها لصالح تل أبيب كما رأينا عن تحرك حاملة طائرات أمريكية إلى قرب الشواطئ الصهيونية، واكتفاء حلفاء حماس حتى الآن بالحرب الكلامية. لكن بكل تأكيد أعداد الأسرى الضخمة الذين تم أسرهم خلال الهجوم المباغت والمشترك بين كافة صنوف حماس، البرية والبحرية والجوية، على الرغم من عدم مقارنته بصنوف الأسلحة للدول، لكنه كان فعالاً وسيحدُّ بشكل كبير من قدرة الدولة العبرية على عملياتها العسكرية المعلنة، إذ إن مثل هذه الأهداف ستكون استراتيجية لاستخدامها كدروع بشرية من قبل المقاومة في حماية الأرض الحمساوية. طوفان الأقصى نقطة تحوّل حقيقية ليس لحماس والمقاومة الفلسطينية، والصهاينة، وإنما نقطة تحول لحلفاء حماس فيما إذا كانوا سيتركونها وحيدة كما حصل في السابق، أم أنهم سيدخلون المعركة معها هذه المرة، وهو كذلك امتحان حقيقي لبعض الدول العربية التي تتسع الشقة بينها وبين شعوبها فيما يتعلق بالنظرة إلى فلسطين، فما هي فاعلة في مثل هذا الاستحقاق الكبير.

1674

| 10 أكتوبر 2023

كيف فشلت روسيا سياسياً في سوريا لثماني سنوات؟

دخل الاحتلال الروسي لسوريا في الثلاثين من سبتمبر/‏ أيلول الماضي سنته التاسعة، ودخل معه الفشل الروسي في استثمار نصر عسكري جزئي حققه على الشعب السوري بشكل سياسي سنته التاسعة أيضاً، ومعلوم أن أي انتصار عسكري لا ينعكس ويترجم سياسياً على الأرض هو أقرب ما يكون إلى انتصار قطاع الطرق في السلب من أجل السلب، والقتل من أجل القتل، وبالتالي فإن الفشل الروسي في ترجمة هذه الانتصارات العسكرية الجزئية إلى انتصار سياسي يعد هزيمة وفشلاً روسياً بالمفهوم السياسي وحتى العسكري، تحدثت عنه كثير من النخب الروسية قبل سنوات، وحمّلت بذلك وزير خارجية روسيا لافروف المسؤولية في هذا الفشل، وذلك بالعجز عن الترجمة السياسية له. الفشل السياسي الروسي يتجلى أكثر ما يتجلى في منافستها من قبل جيوش إقليمية ودولية خمسة على مساحة جغرافية لا تتعدّى 185 ألف كيلومتر مربع، وهي مساحة سوريا الحالية، الأمر الذي يعني باختصار أن وزن روسيا هو هذا، بحيث بدت عاجزة عن حسم مسألة بهذا الحجم، فكيف يمكن التعويل عليها في حسم مساحات على مستوى الدول الكبرى، إن كان في أوروبا أو في أوكرانيا وغيرها، فالكل ينافسها على الكعكة السورية، مما بدا أنها متورطة في مستنقع سياسي سوري، تماماً كتورطها في مستنقع عسكري أوكراني، الفارق بينهما أنها في المستنقع السوري تُستنزف سياسياً وعلاقات دولية، وحواضن اجتماعية، بعد أن كسبت بعضها في السنوات الماضية، نتيجة الغضب العربي والإسلامي من حروب أمريكا على أفغانستان والعراق، لتجد روسيا نفسها اليوم من أكثر الدول كراهية لها، بسبب جرائمها ومجازرها التي ارتكبتها بحق السوريين. أما المستنقع العسكري الأوكراني فيستنزفها بشكل يومي، والذي نرى تداعياته أخيراً بالتخلي عن الأرمن في أذربيجان، وانتهاز الأخيرة فرصة لم تكن أن تتحقق لها، لولا ما يجري في أوكرانيا وانشغال روسيا بها. التراجع السياسي الروسي في سوريا سبقه تراجع عسكري واضح وملموس، فكل متابع للشأن السوري يرى بشكل يومي انسحابات عسكرية روسية باتجاه أوكرانيا، ويرى معه كذلك تراجع سطوة ميليشيات فاغنر بعد مقتل زعيمها بريغوجين في حادث تحطم الطائرة الغامض، أما على الأرض السورية فقد تجسد بانسحابات قوات فاغنر من البادية السورية وحلول قوات من الحرس الثوري الإيراني وفاطميون وغيرهم محلها. أكثر ما تجلى التراجع السياسي الروسي أخيراً، هو بالتقدم الصيني الأخير في سوريا، وتوقيع بكين مع رأس النظام السوري خلال زيارته الأخيرة للصين على ثلاث اتفاقيات وصفت بالاستراتيجية، والتي بدا أنها تتطلع إلى قواعد عسكرية وموانئ استراتيجية تحل بها محل الروسي، ولاسيما في ظل احتدام التنافس والصراع الغربي مع كل من الصين وروسيا، ومستغلة انشغال روسيا في أوكرانيا. إذن لم تنجح روسيا سياسياً طوال السنوات الثماني الماضية، ولن تنجح غيرها مع استمرارية انتفاضة الشعب السوري، هذه الانتفاضة التي تزداد قوة وثباتاً يوماً بعد يوم، وتجدد شبابها يوماً إثر يوم، والذي تجلى ذلك بحراك السويداء في الجنوب السوري، وكذلك انتفاضة العشائر في ظل الهيمنة والسطوة الأمريكية من خلال ميليشيات قسد، كل هذه تطورات مهمة ومفصلية تتطلب من الثورة السورية ومؤسساتها، بالإضافة إلى داعميها وداعمي الشعب السوري تكثيف الدعم والمساندة، أملاً في تقصير فترة المعاناة عن هذا الشعب الذي طالت معاناته وعذاباته.

1239

| 03 أكتوبر 2023

الصين والاستثمار في الخراب السوري

تُعد زيارة رئيس النظام السوري بشار الأسد إلى الصين هي الثالثة له لدولة غير عربية منذ اندلاع الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، بعد زياراته المتكررة إلى حلفائه الروس والإيرانيين، لكن هذه الزيارة وعلى الرغم من الطابع الرياضي الذي حملته نظراً لمشاركة وفد رياضي سوري في ألعاب دولية بالصين، إلا أنها حملت دلالات سياسية في ظل القضم الجغرافي للثورة السورية للمناطق التي يحكمها نظام الأسد، والتي كان آخرها خروج مناطق السويداء عن سيطرته، وتجرؤ الدروز في المنطقة على الهتاف ضد الأسد ونظامه، ومطالبتهم بإسقاطه ومحاكمته، مما جعل المراقبين يتوقفون كثيراً عند الزيارة التي بالغ الصينييون في وصفها بالزيارة الاستراتيجية، بينما الكل يعلم أنها أبعد ما تكون عن الزيارات الاستراتيجيات والعلاقات البعيدة المدى كما سوّق المسؤولون الصينيون، وهم الذين يعرفون ويعرف غيرهم تماماً أن الاستثمار اليوم في مناطق الأسد هو استثمار في الخراب والدمار، المادي والمعنوي، فلم يبق للأسد أحد يعول عليه، حتى تقيم معه دولة كبرى كالصين علاقات وصفتها بالاستراتيجية. لقد سبق للفن الصيني أن استثمر واقعاً وفعلاً في الخراب السوري يوم قام الممثل الصيني جاك شيان بتصوير فيلم صيني بالخراب والدمار حول دمشق، والذي شاركت الصين في صنعه، يوم دعمت نظام الأسد ومن خلفه روسيا وإيران بتسع مرات في حق النقض بمجلس الأمن الدولي، ولكن على ما يبدو أن الصين ترى في التورط الروسي في أوكرانيا فرصة ذهبية لها من أجل ملء الفراغ الذي أحدثه انشغالها في أوكرانيا عن سوريا، ولذا سارعت إلى دعوة نظام الأسد إلى الصين من أجل الترتيب لمرحلة جديدة، ولكن يبدو أن الاستثمار اليوم ليس في الخراب الأسدي بقدر ما هو استثمار في الأوقات الضائعة بعد التمرد الدرزي الممثل في السويداء على نظام الأسد، بالإضافة إلى محدودية الخيارات الصينية الذي بدت من خلال تشبثها بنظام فاقد للشرعية الداخلية والخارجية، مما عكس مدى الإفلاس الصيني في الساحة الدولية. ترافقت زيارة الأسد مع دراسة لمعهد الحرب الأمريكي والذي خلص فيه إلى أن إيران تسعى لملء الفراغ الذي أحدثه سحب قوات فاغنر من البادية السورية، وتسربت وثيقة إيرانية تشير إلى أن إيران بالتنسيق مع الصين تعملان على تطوير صناعتها على الأراضي الإيرانية والسورية، وتتحدث بعض الأوساط الروسية المعارضة بأن قوات فاغنر المنسحبة من البادية السورية فضلت نقل ممتلكاتها وقواتها إلى إيران بدلاً من روسيا، وذلك بعد مقتل زعيمها يفجيني بريغوجين في حادث تحطم الطائرة المثير للجدل، وبدا من خلال انسحاب قوات فاغنر أن النظام عاجز عن الحلول محلها، بعد مفاوضات أجرتها فاغنر مع فيلق القدس الإيراني من أجل إخلاء مواقعها لصالح قوات الحرس الثوري الإيراني. الانشغال الروسي والإيراني، والحالة الاقتصادية الصعبة لكليهما، دفعت الصين إلى القفز إلى سوريا، ودفعت نظام الأسد إلى اللجوء للصين وذلك من أجل ملء الفراغ بالتنسيق مع إيران، ولكن يبدو أن ذلك سيكون على حساب الأسد وحكومته. الواضح أن الساحة السورية ستظل محلاً للصراع الدولي، في ظل تراجع الدور العربي والإسلامي، ومراهنته على نظام الأسد الذي لم يعد أبداً جزءاً من الحل وإنما غدا المشكلة كلها، لاسيما ونحن نرى غياب نفوذه ودوره في ظل تنامي دور القوى الدولية في سوريا على حسابه وحساب مليشياته ودولته.

1110

| 26 سبتمبر 2023

الحكم الذاتي للسويداء بين الوهم الفرنسي والأسدي

يستذكر السوريون جميعاً الوهم الذي سعى المحتل الفرنسي بداية احتلاله لسوريا مع رحيل الحكم العثماني، كيف سعى ذلك المحتل إلى تسويق وهم تقسيم سوريا على أسس طائفية، فكان من بينها دولة للعلويين ودولة للدروز، ولكن سريعاً ما ثبت فشل وعقم واستحالة نجاح المشروع لأسباب ليس أقلها رفض وجوه المجتمع العلوي والدرزي للسيناريو الفرنسي المقترح، ولكن لاستحالة تنفيذ مثل هذه الأوهام في بلد لا تتعدى مساحته 185 ألف كم2، هذا بالإضافة إلى استحالته لأسباب جيوسياسية وديمغرافية وجغرافية. مسألة قيام الدولة تتطلب ظروفًا جغرافية وديمغرافة وإطلالة بحرية، وعلاقة جوارية صديقة، ونحو ذلك، وقد سبق أن تحدث الخبراء أنه لأربعة آلاف عام لم تقم دولة على الساحل السوري، فلا الأرض ولا المساحة الكافية لتزويد السكان بما يحتاجونه من طعام وغذاء ونحوهما كاف لإنعاش هذه الدولة فضلاً عن نشر ألغام ستنفجر لاحقاً في الوسط السوري وغير السوري، وفوق هذا كله، فإن الاقليم لن يسمح بمثل هذه الألغام ونحن نرى استعداداً كردياً للانقسام والمطالبة بحكم ذاتي ونحوه، مما يجعل الكلفة والثمن عاليا على مستوى الاقليم كله، وستتدخل دول إقليمية كبرى مثل إيران وتركيا لتعترضا على مثل هذه الانقسامات التي ستطالها بشكل كبير، وهي التي جرّدت حملات عسكرية وسياسية متكررة في السابق، لتفادي وتحاشي مثل هذه الكوابيس والسيناريوهات المميتة والقاتلة. جاء الرد قوياً من عقلاء الدروز ومن نخبهم لرفض هذا الوهم الذي يسعى النظام وبعض الدوائر الخارجية التي تتربص الشر بسوريا وبثورتها، فجوبه برد قوي من كل القوى الثورية العاقلة، والتي اعتبرت مثل هذه التسريبات حرفاً للثورة، وكأن النظام يريد إرسال رسائله بأن الثورة هي التي مزقت سوريا وشتتها، وأنه على مدى حكمه لعقود كان هو الضامن لوحدتها، وهي مسألة جديرة بالاهتمام والتعاطي معها بذكاء وحنكة السوريين التي أثبتوها، ليس اليوم فحسب وإنما على مدى عقود تاريخية منذ أيام الاحتلال الفرنسي. الأردن الذي يعتبر نفسه الضحية الأولى لمثل هذه السيناريوهات الخطيرة، نظراً لتداخل النسيج الدرزي بينه وبين سوريا، فرْمل علاقاته مع النظام السوري، ويتعامل اليوم بذكاء مع الحالة الدرزية المهددة له على حدوده، لاسيما وأن النظام سعى منذ عقود إلى تقسيم المكون الدرزي بين تابع له، معارض له، ولا أدلّ على ذلك التصفية المبكرة التي قام بها بحق القيادي الدرزي المعروف كمال جنبلاط، وحملات المضايقة المتكررة والمستمرة التي تواصلت بحق نجله وليد جنبلاط. يستذكر كل من تابع ويتابع تشكيل الدول في الفترة الأخيرة مثلما حصل في تجربة آتشه بإندونيسيا، وفي جمهورية جنوب السودان أن لا أحد اليوم يستذكر ويعرف نظام حكمهما واسم رئيسهما أو رئيس وزرائهما فضلاً عن الوزراء في حكومات الدولتين، لسبب بسيط وهو أن العقل الجمعي الإنساني حجز كل أسماء الدول وقادتها، ومن الصعب أن يجد الجديد مكاناً له في ذلك المخزن الجمعي العالمي، ولذا فقد رأينا مدى التهميش والإهمال والنسيان الذي واجهته هذه الدول الناشئة، فمسألة قيام الدول بحاجة إلى قيادات ورموز تاريخية معروفة، وبحاجة إلى أحداث سياسية واقتصادية تغير مجرى التاريخ، حتى تتمكن هكذا دول من تثبيت نفسها على خارطة العالم. بالعودة إلى الوهم الذي يسوقه البعض إلى كيان ذاتي للدروز في السويداء، فإن ذلك انتحار للدروز أنفسهم، الذين وقفوا موقفاً مشرفاً تجاهه، فرفضوه كما رفضه أجدادهم أيام المحتل الفرنسي، وهذا النظام ثبت للمرة بعد الأخرى أنه مستعد أن يفجر سوريا داخلياً، ويفجر معها الاقليم كذلك، من أجل بقائه على السلطة، مهما كان ثمن ذلك وتكاليفه.

1311

| 19 سبتمبر 2023

لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟
لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟

في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...

8985

| 20 سبتمبر 2026

كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟
كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟

قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...

4899

| 22 سبتمبر 2026

خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي
خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي

نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...

4251

| 23 سبتمبر 2026

من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!
من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!

جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...

2895

| 24 سبتمبر 2026

الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام
الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام

ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...

2202

| 23 سبتمبر 2026

باب المندب.. خطر يحدق بالعالم
باب المندب.. خطر يحدق بالعالم

لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...

1347

| 20 سبتمبر 2026

عودة أصالة إلى سوريا
عودة أصالة إلى سوريا

شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...

741

| 21 سبتمبر 2026

شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب
شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب

كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...

693

| 23 سبتمبر 2026

هل آن أوان المشروع العالمي للصم؟
هل آن أوان المشروع العالمي للصم؟

في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم...

510

| 22 سبتمبر 2026

هل تنجح دول التعاون في إنهاء حرب أمريكا وإيران؟
هل تنجح دول التعاون في إنهاء حرب أمريكا وإيران؟

الحاقا لمقالي الأسبوع الماضي في الشرق -" مستقبل...

441

| 20 سبتمبر 2026

بركة المعلّم حاضرة في أبنائه
بركة المعلّم حاضرة في أبنائه

يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...

423

| 25 سبتمبر 2026

مَن صاحب فكرة كأس الخليج؟
مَن صاحب فكرة كأس الخليج؟

اليوم تنطلق في جدة النسخة الـ 27 من...

420

| 23 سبتمبر 2026

أخبار محلية