رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

لن يضروكم إلا أذى

دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في مواجهات مع ملل الكفر، من مشركين ويهود ونصارى وغيرهم، فلم يكن قد حان أوان المواجهات بعد، والتي كان من الممكن لتلك القوى أن تعوق البناء والتأسيس عند أي استفزاز، بل قد تكون سبباً في وأد الدعوة، أو تفتيت قوتها وتشتيت أفرادها وتأجيلها سنوات عديدة. لكن ما أن بدأت دولة المدينة تأخذ وضعها وتقوى شوكتها، حتى أذن الله لها أن تدخل في مواجهات مع الكفر بشكل تدريجي. فالدولة، وإن تأسست تربوياً وإيمانياً، كانت القوة المادية والبشرية فيها بحاجة للمزيد، حتى كانت البداية الحقيقية في بدر، التي جاءت كاختبار سماوي للفئة المؤمنة، فنجحت فيه، وتعمَّق الإيمان وزادت الثقة بالنفس، لتتوالى الأحداث في أحد، ثم الخندق، وانتهاء بفتح مكة، وصولاً إلى قناعة تامة ويقين راسخ أن الإسلام قد تمكن في الأرض، وليس من شيء اليوم ولا في الغد القريب، أو البعيد يمكنه التأثير على ذلكم البنيان الصلب المرصوص، المؤسَس وفق أفضل قواعد البناء والتأسيس التي عرفتها البشرية. المخاوف من الاستئصال أزعجت المؤمنين حيناً من الدهر وهم في مكة، بل دعت النبي الكريم لإرسال مجموعة من صحبه إلى الحبشة عند النجاشي، لتعيش تلك الفئة سنوات عديدة كقوة احتياطية تواصل مهمة بناء نفسها، ثم تقوم بالدعوة إنْ حدث مكروه للفئة الرئيسية بمكة. واستمرت تلك المخاوف حتى معركة الأحزاب، إلى أن بشّر الرسول الكريم أصحابه بعد هزيمة الكفر يومها، أنّ وقت الدفاع والخوف ولّى، وجاء وقت المبادرة لنشر الإسلام، وتأديب المتربصين بالدين ودولته الفتية: "الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم". إنْ اجتمع الكفر على ملة الإسلام في أي مكان وزمان، فالله يضمن للمؤمنين النصر وسلامة العاقبة، كما يقول صاحب الظلال. ضمانة صريحة وهم معتصمون بدينهم وربهم في يقين (لن يضروكم إلا أذى) بعد أن وصل الإسلام إلى نقطة اللاعودة إلى الكفر، أو الاستئصال. فمهما تنزل على أمة الإسلام من كوارث وأزمات على يد أهل الكفر، فهي باقية، بعد أن يئس أهل الكفر من اجتثاث هذا الدين، أو دفع أهله للردة (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم). هذا الدين قد يختفي بالظلم والإجرام والإكراه من موقع ما، لكنه يظهر في موقع آخر، وفئة مؤمنة تقوم عليه وتنشره وتدافع عنه، دون خشية من الكفر، فالله أحق أن نخشاه ( فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ).

321

| 26 أغسطس 2026

إن الإنسان لربه لكنود

حين يقسم الله عز وجل بمخلوق من مخلوقاته العظيمة، كالسماء والأرض والنجوم والأوقات وغيرها، فإنما ذلك لبيان حقيقة أمر أعظم من تلك المخلوقات. هاهنا يُقسم الله تعالى بعظمة واحدة من مخلوقاته، الخيل التي في ناصيتها الخير إلى يوم القيامة، والتي تصهل وتضبح، أي تصدر أصواتاً، وهي تعدو في سبيل الله. يقسم سبحانه بعظمة هذا المخلوق ودوره المهم في حياة الإنسان المجاهد، بأمر أعظم منه وهو أنّ (الإنسان لربه لكنود) أي كفور جحود بنعم الله عليه، قليل الخير لا يرى النعم، بل يُحصي ويعد المصائب والنقم، كأنّما حياته خلت من أي نعمة من نعم الله عليه! عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما الكنود؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هو الكفور الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده". ويمنع رفده، أي يبخل بعطائه وفضله ومعروفه على الناس، ولا يقدم المساعدة لمن يحتاجها. ليس شرطاً أن يكون الإنسان الكنود، أو الجحود كافراً ومشركاً، بل قد يكون من المؤمنين أيضاً، لكنه كفور بالنعمة، كما يقول ابن عطية في تفسير المحرر الوجيز، فتقدير الآية أنّ الإنسان لنعمة ربه لكنود، أي لا فائدة ترجى منه، كالأرض الكنود التي لا تنبت شيئاً. وقيل: الكنود هو اللائم لربه، الذي يُعد السيئات وينسى الحسنات. وقال الفضيل بن عياض: الكنود هو الذي تُنسيه سيئة واحدة، حسنات كثيرة، ويُعامل الله على عقد عوض ! إنّ نكران الجميل، سلوك مستهجن يصعب كثيراً على النفس البشرية لا يمكن قبوله، لأنه يُحدث من الألم النفسي الشيء الكثير. ذلك أنّ الفطرة السليمة والذوق السليم عند أي إنسان، أنّ من يقدم لك جميلاً، أن ترد بالمثل، أو أجمل منه، لا أن تنكره، أو ترد بالأسوأ منه. فإذا كان هذا هو حال البشر بين بعضهم البعض، فكيف تفسد فطرتهم السليمة مع الخالق تبارك وتعالى، ويتحول الإنسان إلى شخص كنود جاحد لنعمه سبحانه، التي لا تُعد ولا تحصى؟ إنّه بكل تأكيد، سلوك مُشين ومعيب، وفطرة مشوهة (ما لها من قرار). رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، حذرنا من نكران الجميل وجحد المعروف كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم (لا يشكر الله من لا يشكر الناس). وفي حديث آخر (مَن لم يشكرِ القليل لم يشكرِ الكثير، ومَن لم يشكر الناس لم يشكر الله، التَّحدُّثُ بنعمة الله شُكْر، وتركُها كُفْر، والجماعةُ رحمة، والفُرقةُ عذاب).. فاللهم ربنا اجعلنا لك ذكَّارين، لك شكَّارين، إليك أوَّاهين منيبين. اللهم آمين.

267

| 19 أغسطس 2026

ويلٌ للمطففين

سورة المطففين أول سورة نزلت بالمدينة المنورة، حيث كان أهلها من أخبث الناس كيلاً قبل مجيء الرسول الكريم، عليه الصلاة والسلام، كما روي عن ابن عباس قال: " لما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله عز وجل (ويل للمطففين) فأحسنوا الكيل إلى يومهم هذا. قال مالك بن دينار: احتضر جارٌ لي فجعل يقول: جبلان من نار. فقلت له: ما هذا ؟ فقال لي: يا أخي كان لي مكيالان آخذاً بالوافي وأعطي بالناقص.. وقال عكرمة: أشهد على كل كيّال، أو وزّان أنه في النار (يقصد المطففين منهم). وقال بعض العرب: لا تلتمسوا المروءة ممن مروءته في رؤوس المكاييل وألسنة الموازين. والمطفف كما يقول الإمام الماوردي، مأخوذ من الطفيف وهو القليل، أي أنّ المطفف هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيلٍ، أو وزن، مادي أم معنوي. فعل التطفيف ليس محصوراً في البيع والشراء، وإنقاص المكيال والميزان، بل هو سلوك أوسع وأشمل، وقد يظهر في جوانب كثيرة من حياتنا. فالتطفيف يعني أن يطلب المرء حقه كاملاً، بينما هو في الوقت ذاته يبخس الآخرين حقوقهم، سواء أكانت حقوقاً مادية، أم معنوية. وقد يكون التطفيف في العمل أيضاً حين يطالب موظف أن ينال التقدير وكافة حقوقه، بينما هو لا يؤدي واجباته بإخلاص وأمانة. وهناك التطفيف في العلاقات كذلك، حين ينتظر أحدهم من الآخرين الوفاء والاهتمام والرعاية، بينما هو يتجاهل أبسط حقوقهم، أو لا يتعامل معهم بنفس المعاملة التي يرغبها هو منهم !! ومن صور التطفيف أيضاً، أن ينسب المرء لنفسه جهود الآخرين، أو يقلل من إنجازاتهم، أو يبحث عن أخطائهم. ومن هنا يتضح أن فعل التطفيف ليس مجرد نقص في ميزان مادي، بل هو خلل في ميزان الأخلاق والعدل، يجعل المرء أنانياً في غالب معاملاته مع الآخرين، ويتحول هذا الفعل إلى سلوك مصاحب يصعب عليه التخلي عنه، وبالتالي فقدان ثقة الناس به، إضافة إلى الويل الذي ينتظره، أو الوعيد الشديد الذي تحدثت عنه السورة الكريمة، بسبب أنّ التطفيف، أو بخس الناس حقوقهم، ظلم بيّن وضياع للأمانة. سورة المطففين كخلاصة للحديث، تدعونا إلى أهمية أن يزن المرء أفعاله بميزان العدل، ويعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، ويؤدي حقوقهم كاملة، كما يحب أن يؤدي الناس إليه حقوقه كاملة. إنّ بخس الناس حقوقهم ولو بالشيء الطفيف، لو لم تكن مسألة عظيمة، ما ابتدأ الله سبحانه بتهديد كل كيّال أو وزّان بالويل، وهو أشد العذاب. حفظنا الله وإياكم من أن نكون من المطففين (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم) نسأل الله لنا ولكم العافية.

309

| 13 أغسطس 2026

ليس عيباً أن تخطئ.. ولكن

كلنا معرضون للوقوع في خطأ ما، أو جملة أخطاء، سواء في أعمالنا الرسمية، أو علاقاتنا الإنسانية مع بعضنا البعض، على اعتبار أن «كل بني آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون» أو كما قال صلى الله عليه وسلم.. ومعنى ذلك، أنّه لا شيء في أن تخطئ، لكن أن يتكرر منك الخطأ مرة بعد أخرى، دون أدنى اعتبار واتعاظ من الأخطاء السابقة، أو التجارب الماضية، ففي هذا الفعل، أو السلوك أشياء وأشياء. هذه خلاصة مقال اليوم، ولمن أراد بعض التفاصيل، يكمل القراءة.. أن تخفق في عمل ما بسبب خطأ، أو جملة أخطاء، من بعد أن تكون قد بذلت جهدك فيه، واتخذت كافة الأسباب المؤدية للنجاح، لا يمكن اعتباره عملاً يستحق كثير ملامة وعتاب، لأنه لا يوجد من يعمل دون أن يخطئ، إلا إن كان هذا العامل من جنس الملائكة. فنحن البشر، الأصل فينا أن نعمل ونجتهد ونتخذ كل أسباب النجاح، ولكن أحياناً رغم هذا الاجتهاد، نخطئ بسبب وآخر، وقلّما يسلم امـرؤٌ من ذلك. الحقيقة التي لا يجب أن نغفل، أو نتغافل عنها، ضمن سياق هذا الموضوع، أننا كائنات بشرية نخضع ونتأثر بمشاعر وأحاسيس متنوعة في اليوم والليلة، وبالتالي تتقلب الأهواء والأمزجة ما بين لحظة وأخرى، أو ظرف ما وأخته، وكلها تؤثر على أداء الأعمال والمهام. أضف إلى ذلك أننا نعيش في مجتمع بشري يعمل فيه الناس معاً، حيث تتباين القدرات والمهارات والعقليات، وبالتالي الوقوع في الأخطاء أثناء أداء الأعمال والمهمات هو أمر لا يمكنك تفاديه بالسهولة التي تتصورها، وليس في ذلك ما يعيب، كما أسلفنا، لكن العيب كل العيب، وهو لبّ حديث اليوم، أن يكون الخطأ نتاج تقصير واضح، أو متعمد منك، أو لا تعمل وفق رؤية واضحة وخطة محكمة، أو لا تستفيد من أخطاء الماضي، أو لا تستخير قبل البدء في العمل، ولا تستشير أهل الخبرة والاختصاص.. وبالتالي ليس مستغرباً أن تكون النتيجة النهائية هي الإخفاق، بل لن يكون مستهجناً وقوع كثير ملامات عليك، أو انتقادات، فهكذا المنطق السليم يقول. نقطة أخيرة تتعلق بالموضوع وهي أن الاعتراف بالخطأ والإعلان عن تحمل مسؤوليـة الخطأ وتبعاته، أمرٌ ليس سهلاً القيام به، ما لم تتوفر مهارات وصفات معينة في الشخص المخطئ، وقليل هم أولئك الشجعان الذين يعترفون بالخطأ إنْ صدر منهم وتبين لهم ذلك بوضوح لا غبار عليه. وقد تتساءل لماذا هم قلة في مجتمعاتنا العربية؟ والإجابة باختصار شديد: الثقافة المجتمعية السائدة لا تساعد على ظهور أمثال هؤلاء الشجعان، باعتبار ذلك عيباً وانتقاصاً من القيمة المجتمعية للشخص الذي يعترف بالخطأ، والمفترض منه بدلاً من ذلك، التبرير بعد التبرير، ثم بعد ذلك خلق العذر بعد أخيه، حتى يتنصل من المسؤولية نهاية الأمر، وإن كان على حساب غمط الحق، والله لا يحب الفساد.

450

| 06 أغسطس 2026

ليبلوكم أيكم أحسن عملا

ما خلقنا الله وأكرمنا بالوجود في هذه الحياة الدنيا إلا لنعبده، لا نشرك به شيئا. أي أن وجودنا في هذه الحياة، وإن كان مؤقتاً غير دائم، ليس عبثاً (أفحسبتم أنما خلقناكم عَبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون) بل هو الابتلاء والاختبار. وقد نتساءل هاهنا: لم الابتلاء والاختبار؟ وسنجد الإجابة واضحة جلية من عند (الذي خلق الموت والحياة) أن الهدف (ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور). أي أنه خلق الحياة للامتحان، كما جاء في تفسير بحر العلوم للسمرقندي، وخلق الموت للجزاء كما قيل: لولا المحن لقدمنا مفاليس. ذلك أن الله تعالى خلق الجنة، وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً، وابتلاهم بالعمل والأمر والنهي، فيستوجبون بفعلهم الثواب والعقاب. أما عن مسألة خلق الموت والحياة، فقد جاء عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن الله خلق الموت على صورة كبش أملح لا يمرّ بشيء ولا يجد ريحه شيء إلاّ مات، وخلق الحياة على صورة فرس بلقاء، وهي التي كان جبريل والأنبياء، عليهم السلام، يركبونها، خطْوَها مد البصر، وهي فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء ولا تطأ شيئاً، ولا يجد ريحها شيء، إلاّ حيّ، وهي التي أخذ السامري من أثرها؛ فألقاها على العجل فحيا. قرأ بعض من كان حول الفضيل بن عياض رحمه الله، قوله تعالى (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) فسألوه عن الأحسن عملاً في الآية، فقال:» أخلصه وأصوبه. قيل: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل، حتى يكون خالصاً صواباً؛ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنّة «. تعريف مبسط موجز للعمل الأحسن الذي به يرتفع العبد ويرتقي عند الله. فكم من أعمال تذهب سدى وتكون هباء منثوراً لأنها اختلطت رغبات القائم بها ما بين إرضاء الخالق ورجاء ثوابه، وبين استلطاف خفي لبعض المخلوقين، وكسب مرضاتهم في ذات الوقت. وقد قال الفضيل في موضع آخر يشرح معنى الإخلاص. قال: إنّ ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص هنا أن يعافيك الله منهما. القصة وما فيها أنّ أعمالنا عُرضة لأن تختلط بمرض القلب الخفي وهو الرياء، بدءاً من الصلاة والزكاة ومروراً بالحج والعمرة وغيرها من أعمال تبدو على ظاهر من يقوم بها الصلاح، لكن النيات لا يعلم بها سوى علاّم الغيوب، الذي نسأله سبحانه العون على أن تكون أعمالنا خالصة لوجه الكريم، وصحيحة على سنة نبيه، عليه أفضل الصلاة والتسليم.

273

| 23 يوليو 2026

إنه الشيخ حمد

قد نكتب آلاف الكلمات هنا وهناك في رثاء فقيد الوطن، لكنها لا تكفي، لأن الفقيد كان رجل المواقف الحاسمة والمشهودة في التاريخ الحديث لهذه الأمة، التي صارت شعوبها من مغربها إلى عدنها في المئة سنة الفائتة، في بحث دائم عن زعماء وقادة قدوات ثقات، فلا تجد إلا القليل القليل، وأحسبُ أن من تلك القلة فقيدنا الشيخ حمد، رحمه الله وأكرم نزله. • أن يتنازل حاكم عربي طواعية وهو في أوج عطائه وتألقه عن الحكم، كان خبراً صحفياً مثيراً للاهتمام في صيف 2013، لاسيما العالم العربي، الذي ألف الناسُ فيه منذ عقود طويلة أن الحاكم بأمره، لا فترة صلاحية له، فهو صالح للبقاء منذ أن يجلس على كرسيه إلى أن يقضي الله فيه أمراً كان مفعولاً، لكن أن يتنازل حاكم في قمة عطائه طواعية، فهذا أمر غريب لم يصنعه على المستوى العربي إلا قائد صالح واحد هو الرئيس السوداني سوار الذهب، رحمه الله، وكان ذهباً فعلاً. ثم يأتي من بعده قائد عربي ثان هو الشيخ حمد، ليثبت أنه لا يقل عن ذاك الرئيس الصالح، الذي لا تزال الناس تذكره بخير، وهو ما سيكون بإذن الله مع فقيدنا حمد، طيب الله ثراه. • تحدث كثيرون عن جوانب متنوعة من حياة الفقيد، ما يغني عن تكرارها. تحدثوا عن حبه لوطنه وأمته العربية الإسلامية. وتحدثوا عن حبه لشعبه والشعوب العربية والمسلمة، وحبه لنشر الخير في كل مكان، بدليل كثرة آثاره الطيبة حول العالم، من مساجد ومراكز إسلامية وثقافية وكيانات تعليمية وتربوية وأوقاف هنا وهناك، وغيرها الكثير الكثير. • اهتمامه بكل إبداع وانتاج وطني جعله ينزل للميدان الشعبي بنفسه، يتابع ويتفقد ويسأل ويتابع. مثال واحد فقط على ما أقول، وهو حدث عايشته بنفسي، كان في أغسطس من عام 1994 حين كنت أحد أعضاء مجلس إدارة مركز شباب الدوحة، وكان مركزاً شبابياً ثقافياً، أو شعلة نشاط في تلكم الفترة، قبل أن تداهمنا كل التقنيات الحالية، من شبكة انترنت ووسائل تواصل وملهيات عديدة. • لفت انتباه الشيخ حمد، رحمه الله، تنوع وكثرة نشاط هذا المركز منذ أن بدأ أوائل عام 1992، وتنوع مجالات نشاطه من ثقافة وفكر وخدمات مجتمعية، إلى جانب أنشطة تربوية وعلمية وإعلامية، فحرص أن يزوره بنفسه ويلتقي بشبابه وبعض كهوله في القيادة الإدارية، فكانت زيارة مباركة له على المركز. وكان يرأس مجلس الإدارة، الدكتور درويش العمادي، وكان من ضمن المجلس الدكتور محمد قطبة، طيب الله ثراه، والدكتور علي الإبراهيم وآخرون. • لاحظ الفقيد، رحمه الله، من ضمن أنشطة وبرامج المركز وجود مجلة شبابية ثقافية تبدو من محتواها أنها خرجت عن نطاق الموضوعات المعتادة في المراكز والندية الشبابية، بل خرجت عن النطاق المحلي في محتواها، وكذلك في انتشارها، وكانت تنافس المجلات القطرية في تلكم الفترة، وكانت تحت اسم «المرايا» وكنت أتشرف برئاسة تحريرها مع عدد من الأسماء اللامعة اليوم، مثل الزميل جابر الحرمي، والزميل عبدالعزيز المحمود، وغيرهم ممن لا يتسع المجال لذكرهم. • محتوى وخط المجلة دفع بالفقيد رحمه الله، للثناء على المجهود المبذول في تحريرها، ثم للسؤال عن أي احتياج يراه فريق العمل، فكان بطبيعة الحال الدعم المالي هو نقطة ضعف أي وسيلة إعلامية ناشئة، فأمر من فوره مسؤولي هيئة الشباب والرياضة، الذين كانوا ضمن الحضور يومها، بتقديم دعم مالي فوري للمجلة، ووصل الدعم في أيام معدودات لم يكن لفريق العمل أن يحلم به. ثم دار حديث جميل بينه وفريق الإدارة بالمركز، الذي وجه كل الشكر والتقدير لزيارته التاريخية، رحمه الله، والتي ما زال يتذكرها كل من كان بالمركز يومها من شباب وكهول، هم اليوم فوق الخمسين والستين. • مهما نكتب عن الشيخ حمد، رحمه الله، فلن نوفيه حقه. كان رجلاً قائداً قل نظيره في عالمنا العربي خلال قرن من الزمان. فمهما تحدثنا عن رؤاه الاستراتيجية ومشروعاته المستقبلية لخير وصالح بلده وأمته، ومهما تحدثنا عن أخلاقه وكرمه وسعة صدره، فلن نوفي هذا الرجل حقه. ولأن الموت حق، وهو نهاية كل حي، وبه ينقطع عنه عمله، كما في الحديث، إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم يُنتفع به، وولد صالح يدعو له، سنكون له بإذن الله أولاداً صالحين. ندعو له كما ندعو لآبائنا وأمهاتنا، بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، إنه سميع عليم مجيب الدعوات.

501

| 16 يوليو 2026

هل الكفاءة تكفي للقيادة؟

حين الحديث عن القيادة ومعاييرها، تطرح عدة أسئلة نفسها على طاولة النقاش، منها: ■ هل الكفاءة وحدها في مجال ما كافية لتولي المناصب القيادية؟ منكم من يقول نعم كافية، ومنكم من يرى خلاف ذلك. ومحدثكم مع الرأي الثاني.. ليس شرطاً أن تتولى منصباً أعلى لأنك أكفأ من غيرك في مهام معينة، وأنه لولاك ما نجح الآخرون!، أنت باختصار شديد أشبه بترس واحد ضمن مجموعة كبيرة من التروس، التي تتعاون معاً لتحرك آلة ضخمة تسمى دولة، أو وزارة، أو شركة، أو غيرها من كيانات. ومهما كانت أهمية وحجم وموقع هذا الترس، الذي هو أنت في حديثنا هذا، إلا أنه لن يتحرك من تلقاء نفسه، أو أنك لن تستطيع أن تتحرك، إنْ لم تتحرك بقية التروس معك وفق آلية متناغمة للعمل. واقرأ إن شئت قصة عزل الفاروق، رضي الله عنه، لأحد أكفأ القادة يومها، سيف الله المسلول، خالد بن الوليد، لتدرك أن الكفاءة ليست شرطاً للقيادة أو البقاء عليها. ■ هل العمر أو السن سبب لتولي القيادة؟ هل الموظف القديم أحق بالقيادة من آخر أحدث سناً منه في العمل؟ في مجال القيادة، العمر ليس مقياساً ولا يجب أن يكون كذلك. الأقدمية لا تعني الأفضلية، والحياة بشكل عام لا تنطبق عليها المعايير العسكرية. وتأمل قصة أبي ذر حين طلب الإمارة، وهو من أقدم الصحابة دخولاً في الإسلام، ورفض النبي، صلى الله عليه وسلم ذلك. لكنه أعطى القيادة لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وهما أحدث تاريخاً من أبي ذر في الإسلام. ■ هل الأتقى والأورع والأقوى إيماناً يصلح للقيادة؟ رأيي الشخصي أنها صفات طيبة لكنها ليست كافية ومؤهلة للقيادة. لكن إن توفرت مع شروط أخرى من شروط القيادة الناجحة، فنعمّ هي، لكن أن نولي أحدهم القيادة فقط لأنه تقي ورع، فهذا أمر لا يجب أن يؤخذ به، لأن تقواه وورعه إنما لنفسه. القيادة هي القدرة على توجيه الناس نحو تحقيق هدف ما، فإن كان تقياً ولا يملك قدرات التوجيه والقيادة، فما نفع تقواه للناس؟ هذا الأمر ينطبق حتى في المؤسسات الدينية. وقد سُئل الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزى؟‏ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيُغزى مع القوي الفاجر. تلكم كانت خواطر سريعة حول مسألة تولي المناصب القيادية، وكيفية اختيار الأفضل. الموضوع واسع متشعب، لكنه يتحمل كثير النقاش والخوض فيه وحوله..

447

| 09 يوليو 2026

العين وهي تتبع الروح

العين البشرية ترى الأجسام بسبب انعكاس الضوء عليها، أو الصادرة عنها، بدليل أنها لا ترى في الظلام، وبالتالي أي جسم لا يعكس، أو يصدر عنه ضوء، فالعين البشرية لا يمكنها رؤيته، ومن هنا لا يمكننا رؤية الملائكة مثلاً، أو الجن، ولا الميكروبات ولا الأجرام السماوية السحيقة. لكن ما يدعو للتأمل في قوله تعالى وهو يتحدث عن الإنسان الغافل حين دنو أجله، ولحظات موته (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) والذي يفيد أن الإنسان يملك بصراً حديداً، أي من حدة وقوة الإبصار. والمراد بالبصر في الآية هو بصر العين. أي أن بصر عينك أيها الإنسان حال وفاتك، أو يوم وفاتك حديد؛ أي: قوي نافذ يرى ما كان محجوباً عنك ! يذهب بعض المفسرين إلى أن حدة الإبصار تقع حال وفاة الإنسان، كما جاء في تأويلات أهل السنة للماتريدي (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ) أي كشفنا عنك الشُّبَه التي تمنع وقوع العلم به والتجلّي له (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) أي ثاقباً نيّراً يُبصر الحق. لكن تأويلات أخرى تفيد أن نطاق الرؤية للعين البشرية يتسع بشكل هائل وقت الاحتضار، ويخرج عن النطاق الذي كان محدوداً، بدليل الحديث الصحيح: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر". إشارة إلى أن العين تظل مفتوحة حال الاحتضار وترتفع، كما لو أنها تتبع أمراً، أو ترى شيئاً ما يحدث أمامها، تجعلها مفتوحة مذهولة، وتجعل الدماغ مصدوماً لثوانٍ معدودة ! البصر المحبوس في النطاق المحدد، أو المسموح هو نعمة من الله وبها نعيش حياتنا بشكل طبيعي، مستشعرين في الوقت ذاته معية الملائكة ووجود الجن والشياطين وغيرها من مخلوقات الله المتنوعة الخافية، ما يجعلنا نزداد يقيناً وإيماناً بالغيب، حتى إذا ما دنت لحظة كشف الغطاء، ودخول البصر المحبوس إلى عالم اللامسموح، يحدث للمؤمن بالغيب والموقن به يقيناً لا يزعزعه أدنى ريب، راحة قلبية وهو يرى ملائكة الرحمة حوله، وربما أمور أخرى لا نعرفها ولا ندركها، تكون سبباً في رسم ملامح البِشر والسعادة على وجهه، فتخرج الروح هادئة مطمئنة. في حين تجد غير المؤمن ولا الموقن بعالم الغيب، أو المشكك فيه أثناء حياته الدنيا، يرى في عالم اللامسموح بعد كشف الغطاء، كل ما كان يشكك فيه، أو يكفر به، فترتسم على وجهه ملامح الحزن والخوف.. فهل رؤية تلك المخلوقات بعد كشف الحجاب عنها، تفسير لتلك الصدمة التي تجعل نشاط الدماغ عند الإنسان يزداد لثوانٍ قليلة قد تصل إلى دقائق معدودة أحياناً، كما لاحظها الأطباء؟ لا شيء يؤكد، ولكن لم لا؟

441

| 01 يوليو 2026

لو كان خيراً ما سبقونا إليه

كان أبولهب، عم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، يرى أنه الأحق بالنبوة التي نالها ابن أخيه، حسداً من عند نفسه، فقاده ذلك الحسد إلى عمى بصيرة حتى حاد عن الحق المبين، ودخل دائرة عتاة المجرمين، الذين رفعوا لواء العداوة للرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم من قريش، مثل أمية وعقبة بن أبي معيط والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وغيرهم ممن تم دفنهم في قليب بدر.. إنّه الداء نفسه الذي أعاق أبي جهل بن هشام أن يتبع دين الاسلام، رغم أنه عرف الحق واعترف للناس بأنه دين حق، لكنه لم يؤمن لأن الحسد كان قد سيطر على قلبه، وزاده الكبرياء مع آخرين من صناديد قريش، أن رفضوا دعوة النبي، صلى الله عليه وسلم، معتقدين بأن محمداً ليس بذاك الرجل العظيم في قومه حتى يتبعه أشراف قريش، خاصة بعد أن رأوا أن أكثر أتباعه من الفقراء والموالي والعبيد. وهكذا عميت القلوب عند أبي جهل وأبي لهب وغيرهم. إنّ الروح المتكبرة المتعالية، والعنيدة المتصلبة، كانت سبباً رئيسياً في هلاكهم، إضافة إلى غلبة الحسد على قلوبهم، بعد أن لاحت وظهرت لهم فرص الخروج من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام على يد سيد المرسلين محمد، صلى الله عليه وسلم. فكفروا بنعمة الإسلام وظهوره بينهم على يد أقرب وأصدق وأكثر الناس أمانة إليهم. رفضوا وترفعوا وتعالوا وتجبروا. فكيف يدخلون ويتبعون ديناً، سبقهم إليه أراذل القوم وضعفائهم وفقرائهم ومواليهم وعبيدهم ؟! ذكر القرآن ما نطقت به ألسنتهم في وصف الدعوة الجديدة بمكة، من أنّ هذا الأمر ( لو كانَ خيراً ما سبقونا إليه ) يقصدون عماراً وبلالاً وصهيباً وسلمان الفارسي وابن مسعود، وغيرهم ممن آمن بالنبي الكريم من الفقراء والموالي والعبيد. هي القصة ذاتها إذن تتكرر عبر السنين. قالها صناديد قوم نوح ثم من جاء بعدهم في عاد وثمود مروراً بقوم شعيب حتى قريش. جميعهم كرروا عبارة واحدة، ذات مضمون واحد، وإن اختلفت بعض كلماتها ( قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ) ! إنها حكاية خطأ آخر من أخطاء حجج المشركين الباطلة، كما يقول ابن عاشور في تفسير التحرير والتنوير، وهو خطأ منشؤه الإعجاب بأنفسهم وغرورهم بدينهم، فاستدلوا على أن لا خير في الإسلام بأن الذين ابتدروا الأخذ به ضعفاء القوم، وهم يعدونهم منحطين عنهم، فهم الذين قالوا ( أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا) وهو نظير قول قوم نوح ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أرَاذِلُنا بادي الرأي ).. وصدق من قال: ملة الكفر واحدة، في كل زمان وفي كل مكان.

300

| 24 يونيو 2026

شهوة الانتقاد

رحم الله من أهدى إليّ عيوبي، كما قال الفاروق عمر، رضي الله عنه، حيث كان يسأل سلمان الفارسي عن عيوبه، حتى إذا قدم عليه مرة، قال: ما الذي بلغك عني مما تكرهه؟ قال: أعفني يا أمير المؤمنين، فألحّ عليه. فقال: بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة وأن لك حُلتين، حُلة بالنهار وحُلة بالليل ! قال: وهل بلغك غير هذا ؟ قال:لا قال: أما هذان فقد كفيتهما. لكن ذاك عمر، وليس كلنا عمر.. فالنفس البشرية تميل غالباً نحو من يغدق عليها عبارات الإطراء والمديح، أكثر من العتاب والتصحيح، وإن كان فعل النقد بنّاءً هادفاً، فيه الكثير من الخير. لكن هكذا النفس البشرية بشكل عام، إلا ما رحم ربي وقليل ما هم. الشاهد من قصة الفاروق - وهو من هو يومئذ - أنّه لم يتحفظ على ما كان يراه سلمان في فعل أمير المؤمنين، واعتبره جزءاً من الترف والبذخ غير المبرر وهو رئيس للدولة، بل تقبّل النقد بصدر رحب، وعالج ما كان يراه سلمان عيباً، فأثبت الفاروق أنه نعم الرئيس، وأثبت سلمان أنه نعم المرؤوس. ولعل هذا هو المطلوب من الناقد والمنتَقد بكل اختصار. الأول يبتغي من نقده وجه الله، وأن يصلح بنقده. أما الثاني مطلوب منه تقبل النقد الهادف، وشكر ناقده وتعظيم الأجر له قدر المستطاع، وأقل ذلك الدعاء له. فعل النقد الهادف البنّاء، هدفه التصحيح والتوجيه، والحيلولة دون وقوع أخطاء مرة أخرى. لكن إذا كان أداء فعل النقد لمجرد النقد، وحباً في توبيخ الآخرين، أو من باب الشماتة، فهذا مرض من أمراض القلوب، وفعل غير محبوب، بل لا مرحباً به في أي زمان وأي مكان. خلاصة ما أروم الوصول إليه في هذه العجالة ألا نتبع شهوة النقد لمجرد النقد، وتفريغ ما بالنفس من مشاعر تدفع المرء دفعاً للتشمت من فلان، أو للتشفي من علان، أو غيرها من أمراض النفوس، التي يرى المبتلون بها أن بالنقد، لا سيما الهادم غير الهادف، تحقق لهم راحة نفسية ! من يجد نفسه مبتلى بتلك الأمراض، يستحسن منه مراجعة وضبط نفسه عن الاندفاع نحو نقد أفعال الآخرين قدر المستطاع، ما لم تكن هناك ضرورة وحاجة ماسة للنقد، أو النصح والتوجيه، فالصمت أبلغ أحياناً كثيرة من الكلام، إذ ليس دوماً الساكت عن الحق شيطان أخرس، إن كان هذا الساكت لا يملك أدوات إظهار الحق، فيفسد بالكلام أكثر مما يبني ويصلح. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

429

| 18 يونيو 2026

حفلات الزواج وتطفيش الشباب

هذه نقاط ثلاث تتعلق بمسألة الزواج، أو تحديداً بداياته.. بحسب السنّة الشريفة التي أوصانا بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، نجد النقطة الأولى في أي مشروع زواج هي الإعلان عنه، والثانية إظهار الفرح بشكل مباح، ثم الأخيرة إطعام الطعام بدون إسراف. نقاط ثلاث واضحات لا تحتاج لكثير تفصيلات وشروحات، لكن إن أضفنا إلى تلكم النقاط قوله صلى الله عليه وسلم (أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة) فسيكون مشروع الزواج حينها مكتملاً للبدء به على بركة من الله ورعايته. لم آتِ بجديد في الموضوع لأنها أمور معروفة. لكن ما استدعى الكتابة فيه، وربما دعا آخرين كذلك لخوضه، هو ما يحصل اليوم في مسائل الزواج التي أضحت تسير عكس التوجيهات النبوية الشريفة، حيث المغالاة والإسراف والتباهي والتفاخر، وكلها عوامل لا تساعد على بدء مشروع الزواج بسلام وأمان، بقدر احتمالية حدوث العكس. وفي السطور التالية مزيد شروحات. في حديث صحيح يوضح المقصد من الكلام أعلاه، ما جاء عن ‌أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ: هل نظرت إليها فإنّ في عيون الأنصار شيئا؟ قال: قد نظرتُ إليها. قال: على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواقٍ، فقال له النبي ﷺ: على أربع أواقٍ؟! كأنما ‌تنحتون ‌الفضة ‌من ‌عُرض هذا الجبل). قوله صلى الله عليه وسلم (كأنما ‌تنحتون ‌الفضة من عُرض هذا الجبل) يُفهم منه كراهة المغالاة في المهور، فكأنّه صلى الله عليه وسلم يطالب بالتيسير على الشاب المقبل على الزواج، باعتبار أنّ المال الذي يكسبه من عمله يأتيه عن جهد، ولا يتساقط عليه من السماء، وبالتالي الضغط عليه وهو في بدايات تكوينه بمهر كبير، وما يأتي بعده من مراسم وحفلات وطلبات ما أنزل الله بها من سلطان - وهي الحاصلة اليوم في مجتمعاتنا - كلها عوامل تطفيش وتأخير سن الزواج، مع ما لذلك من آثار سلبية عليه وعلى المجتمع بشكل عام. ◾️ مشاريع الزواج صارت مكلفة قولاً وفعلاً بالنسبة للشاب، بل ربما وصلت إلى حد مخالفة توجيهات الشرع الحنيف.. ولو افترضنا جدلاً أن حالة الشاب المادية، أو حالة أهله ميسورة، إلا أنه مع ذلك لا ينبغي أن يحدث ما يحدث الآن في مجتمعنا، لأنه يدخل في نطاق الإسراف المنهي عنه شرعاً. ◾️ من هنا يمكن القول بأنه لا ينبغي أن تتحول حفلات الزواج إلى منصة للتفاخر والتباهي والتنافس غير المحمود بين العائلات، خاصة والسنّة المطهرة تدعو إلى التيسير في مثل هذه المشاريع المباركة، حيث يمكننا تجسيد ذلك التوجيه الكريم بالاكتفاء بحفلة منزلية نسائية عائلية محدودة العدد، ومثلها رجالية. ◾️ النسبة الكبيرة من المهور لابد أن تكون للفتاة، لكنها اليوم تذهب جلّها إلى الفنادق ومكاتب تجهيزات الأفراح، بدلاً من أن تكون أساساً لبناء أسرة جديدة، حيث لا تستفيد الفتاة منها بالشكل المطلوب إلا النزر اليسير، ما يدفع بأهلها لتغطية مصروفات أخرى تضاف على ما يصرفه أهل الشاب، لتتجاوز التكاليف الحد المعقول والمنطقي، التي قد تصل بعضها إلى المليون ريال وربما أكثر من ذلك !! ◾️ التفنن بالإسراف في تجهيزات الفتاة من ملابس وما شابه من احتياجات، واحدة من المسائل التي يمكن ضبطها وتأجيل معظمها لما بعد الزواج، فليس هناك ما يدعو إلى هذا الاستعجال في توفير كل المتطلبات والاحتياجات (أغلبها غير ضرورية) والتي يمكن توفيرها مستقبلاً. فالزوجان دخلا المشروع بهدف الاستقرار وبناء حياة أسرية مباركة خطوة بخطوة، وليست حياة مؤقتة قصيرة تستدعي كل هذا الضغط على الشاب لتوفير كل تلكم الاحتياجات وتراكمها، وهو بعد لم يبدأ يومه الأول مع زوجته! ◾️ لماذا ندفع الشاب إلى الاقتراض مبكراً واضطراره بعد ذلك لجدولة حياته وهندستها وفق الديون التي عليه سدادها خلال سنوات عدة قادمة، وهي السنوات المفترض أن تكون أسعد فترات حياته، يبني خلالها مع زوجته، بيتاً هانئاً سعيداً، لا أن تتحول عند كثيرين إلى فترة تعيسة ضاغطة بسبب الدخول إلى عالم الديون مبكراً. خلاصة الموضوع الحديث فقط عن هذه الظاهرة المقلقة لا يكفي دون أفعال تتم ترجمتها وتجسيدها على أرض الواقع، عبر قيام عائلات عديدة مقتدرة بالبدء في إعادة مشاريع الزواج إلى جادة الصواب والعقل والمنطق، وقبل ذلك إلى جادة الشرع الحنيف، تكون قدوة لبقية العائلات المتوسطة أو الأقل من ذلك، وذلك بمنع كل مظاهر الإسراف، وقبل ذلك التخفيف في المهور، والاكتفاء بحفلات زواج عائلية محدودة العدد، لتتوافق مع توجيهات الشرع الحنيف، وتتحقق النقاط الثلاث التي بدأنا بها الحديث. الإعلان، وإظهار الفرح، وإطعام الطعام. وبالتالي تكون العائلات المقتدرة ساهمت في وقف هذا الهوس بالمظاهر، والتنافس غير الواعي في مشروعات الزواج باستغلالها للتفاخر والتباهي في المجتمع ! لابد من توعية المقبلين على الزواج، لا سيما الفتيات، وأهمية الابتعاد عن المقارنات، أو التأثر بما في وسائل التواصل المختلفة. والتوعية ممتدة إلى الأمهات أيضاً، سواء أمهات الشباب أم البنات، فهما من أسباب نشوء هذه الظاهرة! وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مطالبة بتنظيم حملات توعوية عبر الخطباء والدعاة، وبالمثل وسائل الإعلام المختلفة، عليها واجب القيام بهذا الدور التوعوي، بالإضافة إلى المدارس والجامعات، مع قيام الوجهاء والمؤثرين بدورهم أيضاً في مثل هذه الحملات التوجيهية. والله كفيل بكل جميل وهو حسبنا ونعم الوكيل.

873

| 10 يونيو 2026

من استبد برأيه هلك

ما أهلك فرعون سوى عقله المتحجر المتصلب، وبالمثل سار على دربه أبوجهل وثلة أخرى معه متعصبة كأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وغيرهم ممن دفنهم النبي الكريم في قليب بدر، كما أن الذي أهلك الأقوام القديمة، قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم الغابرة التي عرفنا أخبارها من القرآن الكريم، أو أخرى نعاصرها وننتظر هلاكها بصورة وأخرى، هو التعصب للرأي، وإن كان باطلاً وفاسداً مفسداً، بالإضافة إلى التعمق في محاربة الحق وأهله. سلوكيات لابد أن عواقبها غير محمودة البتة، قديماً وحديثاً وإلى ما شاء الله لهذه البسيطة البقاء. هلكت الأقوام البائدة إذن بسبب ذلك المبدأ الذي يزينه الشيطان في كل زمان ومكان، مبدأ يدور حول التمسك غير المبرر بقديم بال خاطئ، بعيد عن الحق والصواب، وقد ترجمه القرآن في آيات كثيرة، منها (قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) ومنها (إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) وآيات أخرى شبيهة. لا شيء في أن يتمسك المرء بتاريخه وتراثه وعاداته وثقافته القديمة، طالما تسير على صراط مستقيم، أو على جادة من الحق المبين، فما فائدة تاريخ الآباء والأجداد، أو تراثهم وثقافتهم وأعرافهم، إن كانت خاطئة، وعلى الباطل متجذرة؟ من هنا تأتي أهمية أن يكون العقل واعياً ناضجاً ومدركاً لما حوله، لا متحجراً أو متخشباً، العقل الواعي دوره مؤثر في إنقاذ صاحبه قبل فوات الأوان من خلال عمليات مستمرة في تقييم وتقويم معتقدات وثقافات وتراثيات الأسلاف، وفق معايير من الحق واضحة من تلك التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، الذين كانت أبرز مهامهم تليين العقول المتحجرة، وتنبيهها وتهيئتها لتقبل الحق واتباعه، ونبذ الباطل واجتنابه. خلاصة القول أن العـقل المتحجر يكاد يودي بصاحبه إلى التهلكة. التحجر هذا هو نتاج بيئة تسود فيها ثقافة التقليد الأعمى، أو الثقافة الإمّعـية المتجسدة في سلوك الامتثال دون وعي، الذي يدفع بالفرد حين يرى بعض رموز مجتمعه في موقف ما خاطئ، للامتثال لهم واتباعهم وعدم الشذوذ عنهم، رغم يقينه التام أنهم على باطل! هذا السلوك سببه عقل متحجر غير مرن، وغير مُدَرّب على مهارات التفكير السليم والاتصاف بخُلق الأخذ والعطاء، فإذا أحسنَ الناسُ أحسن، وإن أساؤوا أساء. إنه السلوك ذاته المنهي عنه في حديثه صلى الله عليه وسلم: "لا يكُن أحدُكم إمّعَة. يقول: أنا مع الناس. إنْ أحسنَ الناسُ أحسنتُ، وإن أساؤوا أسأتُ. ولكن وَطِّنوا أنفسكم. إنْ أحسنَ الناسُ أن تُحسِنُوا، وإن أساؤوا ألا تَظلِمُوا".

963

| 04 يونيو 2026

العودة للمدارس خطأ !!
العودة للمدارس خطأ !!

كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد...

5712

| 25 أغسطس 2026

لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن
لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن

-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم...

4824

| 23 أغسطس 2026

هل يمكن صناعة القادة؟
هل يمكن صناعة القادة؟

ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة...

2253

| 23 أغسطس 2026

حين تتحول الرؤية إلى كفاءة إدارية
حين تتحول الرؤية إلى كفاءة إدارية

بحكم أن أحد أفراد أسرتي يتلقى العلاج في...

1782

| 25 أغسطس 2026

الترميز العقاري.. كيف تملك جزءاً من عقار؟
الترميز العقاري.. كيف تملك جزءاً من عقار؟

هل يمكن لشخص يملك عشرة آلاف ريال أن...

1710

| 26 أغسطس 2026

جماهيرنا نبض المدرجات
جماهيرنا نبض المدرجات

اليوم تنطلق الجولة الثانية من دوري نجوم بنك...

1044

| 27 أغسطس 2026

لا تسرقوا من أبنائكم حلم الغد
لا تسرقوا من أبنائكم حلم الغد

كم مرة سمعت نفسك تقول: “ انتهت الإجازة،...

732

| 28 أغسطس 2026

لماذا لا نحتفل بمولد سيد البشرية؟
لماذا لا نحتفل بمولد سيد البشرية؟

* يحل علينا في شهر ربيع الأول من...

720

| 26 أغسطس 2026

أخلاق الفرسان.. مروءة الخلاف
أخلاق الفرسان.. مروءة الخلاف

في الحياة المهنية، لا تظهر أخلاق الإنسان عندما...

693

| 26 أغسطس 2026

يدي الفارغة!
يدي الفارغة!

أصعب العجز أن يضع أحدهم ثقته في يدي،...

579

| 23 أغسطس 2026

إلى الرؤساء بالوزارات والهيئات.. من حق المجتمع أن يعرف
إلى الرؤساء بالوزارات والهيئات.. من حق المجتمع أن يعرف

هذه رسالة أوجهها إلى كل مسؤول أول في...

576

| 27 أغسطس 2026

الانضباط الذاتي... كيف نُعيد أبناءنا إلى المدرسة ؟
الانضباط الذاتي... كيف نُعيد أبناءنا إلى المدرسة ؟

مع اقتراب العودة إلى المدرسة، تبدأ الأسر في...

492

| 24 أغسطس 2026

أخبار محلية