رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

القلوب وقت الفتن

الأحداث تتوالى علينا وتتعاظم، وبسببها تتعقد وتتشابك الرؤى والمفاهيم والقناعات، حتى تجد كثيرين وقد وقعوا في حالة من الالتباس شديدة. قد يرى أحدنا في لحظة ما، الباطل حقاً والحق باطلاً، وما ذلك إلا نتيجة طبيعية لمدى تأثير البيئة التي يكون أحدنا فيها، وتنوع المؤثرات من حوله. ما نراه أمامنا من مشاهد ومواقف متنوعة متقلبة للبشر مثلاً، تجعل أحدنا يقف مشدوهاً حذراً مما يسمع ويشاهد، حتى تجدنا وقد بدأنا تلقائياً نردد دعاء تثبيت القلوب، ليس لشيء إلا لأن المشاهد الواقعة والفتن الحاصلة - كما هي الآن - صادمة وشديدة الوقع على النفس، تجعل الحليم حيران. ومن هنا تأتي أهمية ترديد دعاء تثبيت القلب كما جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك). وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُكثر من قول (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك) فقالَتْ له عائشة: «إنك تُكثر أن تقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك، فقال عليه الصلاة والسلام:» وما يُؤمّنّي ؟ (بمعنى أيُّ شيء يجعلني لا أخاف ويُعطيني الأمان) وإنما قلوب العباد بين إصبعي الرحمن، إذا أراد أنْ يَقلبَ قلب عبد قَلَبَه. الثبات على الحق ليس بذاك الأمر الهين. التنظير فيه والحديث حوله كتابة أو شفاهة، يختلف كثيراً كثيراً عن فعل الثبات والبقاء على الحق والتمسك به. نعم، ربما في حالات الهدوء والسكينة والاستقرار، تتساءل عن السر في كثرة تعظيم البعض منا لأمر الثبات على الحق، وأهمية التمسك به، وخصوصاً أن الأمور واضحات لا تدعو للخشية من التحول عن الحق، فتتساءل عن هذا الإلحاح والاستمرار في دعاء تثبيت القلب، وهل هناك فعلاً فتن ومواقف يمكنها خلع القلب عن مكانه؟ مع تكاثر الأحداث اليومية المرتبطة بخلافات ومشكلات بين الأفراد مثلاً، وصولاً إلى الدول، وتنوع المواقف تجاهها، والفتن الصادرة عنها، ما ظهر منها وما بطن، ستدرك من فورك أهمية الارتباط بالله واللجوء إليه في مثل هذه الأحوال والظروف، وعدم الركون إلى علمنا ومالنا وحسبنا ونسبنا في مسألة الثبات على الحق. ذلك أن شواهد التاريخ حول هذه المسألة أكثر مما يمكن كتابتها ها هنا. إنّ من تحولوا عن الحق إلى الباطل في فترة ما من حياتهم، سواء استمروا أم عادوا إلى رشدهم، كانوا على علم وفهم كبيرين، أو من علية الأقوام، أو أصحاب جاه ومال، وكانوا مع الحق قلباً وقالباً أينما كانوا وحلوا، يدافعون عنه ويدعون إليه في كل مناسبة.. لكن بفعل ظروف حياتية معينة طارئة لهم أو حولهم، وجدت قلوبهم تتغير تدريجياً خطوة بعد أخرى، حتى كفروا بما كانوا عليه، بل وربما وجدت بعضهم وقد انقلب على أعقابه خاسراً والعياذ بالله!. الأمر ليس بدعة ولا هزلاً، وهو كذلك ليس بالأمر الجديد في تاريخ البشر. بمعنى أنّ وقت الفتن والأزمات الكبرى، وتحول من كان مع الحق ليكون ضده، أو العكس من ذلك، حدث كثيراً عبر تاريخ البشر، بل وما زال يحدث حتى يوم الناس هذا، وسيتواصل هذا الأمر إلى ما شاء الله له أن يكون. بالتالي وكخاتمة لهذا الحديث الموجز، أجد أنّ اغترار أحدنا بعلمه وفهمه، بل حتى إيمانه، أو علم وفهم الآخرين بخصوص ما يحدث حوله من مستجدات وأحداث وتطورات، خاصة في أوقات الفتن والأزمات كالتي نعيشها، وكثرة الأخبار وتتابعها، وتنوع التحليلات والآراء بشأنها من هذا وذاك وتلك، قد يغرقنا في بحر متلاطم الأمواج ﴿ أَو كظُلُماتٍ في بحر لُجّيّ يغْشاهُ موجٌ من فوقه موجٌ من فوْقه سحابٌ ظُلُماتٌ بعضُها فوق بعض إِذا أَخرجَ يدهُ لم يكد يراها ومن لم يَجعلِ الله لهُ نوراً فما له من نور﴾. هذا النور هو المطلوب في مثل تلكم الأوقات، ليرى بنور الله وهو يفسر ويفكك الأحداث من حوله. ولن يتأتّى للإنسان مثل هذا النور إلا إذا ارتبط بالله ولجأ إليه، لأن هذا الارتباط، أو هذا اللجوء، هو كذلك حبل النجاة والثبات على الحق، لا غيره من الأحبال، وهي غالباً أحبال شيطانية.. فاللهم ثبتنا على دينك وطاعتك، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.. والله كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

177

| 02 أبريل 2026

ويسبح الرعـد بحمده

كل شيء في هذا الكون الواسع الممتد يُسبّح بحمد الله دون أن نفقه تسبيحهم ومنطقهم، أو اللغة التي بها يسبّحون بها الله تعالى. ومن تلك الأشياء الرعـد، الذي يأتي بعد البرق بلحظات قليلة، فتهتز القلوب خيفة ورهبة من صوته، لاسيما إن كان بليل شديد الظلمة، شديد المطر.. قبل الدخول في تفاصيل الرعد، لابد أن أحدنا تساءل يوماً عن تلك الصيحة التي هبطت على قوم ثمود فأهلكتهم عن بكرة أبيهم (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (*) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (*) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ) وهل كانت الرجفة أو الصيحة صوت رعد شديد إلى درجة لم تتحمل آذانهم وأعضاؤهم الداخلية ضغط الصوت فهلكوا بسببه جميعاً؟ لم لا يكون فعلاً ذلك العذاب الذي نزل عليهم عبارة عن صوت رعد شديد لا يتحمله الجسم البشري، باعتبار أن الصوت الذي يتحمله جسم الإنسان تكون شدته ما بين 120 إلى 130 ديسيبل، أو الوحدة العلمية لشدة الصوت، ومثال ذلك صوت طائرة نفاثة. لكن إن وصلت الشدة إلى 150 ديسيبل مثلاً، فهذا مستوى تتمزق عنده طبلة الأذن، فتخيل كيف يكون وضع الإنسان إن تعرض لصوت شدته أكثر من ذلك؟ وبالتالي ليس مستبعداً أن نزل على قوم ثمود صوت رعد بلغت شدته ما بين 180 إلى 200 ديسيبل، لأن هذه الشدة تمزق الرئة، بالإضافة إلى المعدة والأمعاء، أو تتسبب في حدوث صدمة عنيفة للجهاز العصبي قد تؤدي إلى توقف القلب. ما هو الرعـد؟ نعود إلى موضوعنا الرئيسي وهو الرعد، لنقرأ معاً قوله تعالى (وَيُسَبّحُ الرّعْدُ بِحَمْدِهِ والملائكة من خيفته) فتشعر أن هذا الرعـد كأنما هو كائن، أو مخلوق من مخلوقات الله يسبّح بحمد الله، ولكن التسبيح بصوت جهوري تسمعه الخلائق جميعاً فترتعب. يقول عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: إنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. ويقول: إنّ هذا لوعيد لأهل الأرض شديد. وقد قال أكثر المفسرين - كما في معالم التنزيل للبغوي - إن الرعد اسمُ مَلَك من الملائكة يسوق السحاب، وأنّ الصوت المسموع منه، هو صوت تسبيحه. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرعد مَلَكٌ موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث يؤمر، وأن بحور الماء في نقرة إبهامه، وأنه يسبح الله تعالى، فإذا سبّح لا يبقى مَلَكٌ في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح، فعندها ينزل المطر. وعنه أيضاً قال: جاءت اليهود وسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟ فقال: ملك من الملائكة، موكل بالسحاب، معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله. قالوا: فما الصوت الذي نسمع؟ فقال: زجره السحاب. إن هذا الصوت المقرقع المدوي، كما جاء في ظلال القرآن، أثرٌ من آثار الناموس الكوني، الذي صنعه الله - أياً كانت طبيعته وأسبابه - فهو رجع صنع الله في هذا الكون، فهو حمدٌ وتسبيحٌ بالقدرة التي صاغت هذا النظام. كما أن كل مصنوع جميل متقن يسبح ويعلن عن حمد الصانع والثناء عليه بما يحمله من آثار صنعته من جمال وإتقان. وقد يكون المدلول المباشر للفظ يسبح هو المقصود فعلاً، ويكون الرعـدُ (يُسبّح) فعلاً بحمد الله. فهذا الغيب الذي زواه الله عن البشر، لا بد أن يتلقاه البشر بالتصديق والتسليم وهم لا يعلمون من أمر هذا الكون ولا من أمر أنفسهم إلا القليل ! البرق والرعـد علمياً علمياً، الرعد ظاهرة صوتية ناتجة عن تفريغ كهربائي هائل، أو ما يُعرف بالبرق، الذي تصل حرارته إلى 30,000 درجة مئوية، أو ما يعادل خمسة أضعاف حرارة سطح الشمس.. وهذا التفريغ الكهربائي يؤدي إلى تسخين هائل جداً للهواء المحيط بسرعة فائقة يسبب تمدداً مفاجئاً وانضغاطاً في الهواء، وهذا التمدد أو الانضغاط الحاصل في الهواء يولّد موجات صوتية مسموعة تنتشر في الغلاف الجوي، وتُعرف باسم الرعد، أو الهزيم، الذي يأتي فوراً بعد وميض البرق. من الجميل أن تتفاعل وتتعايش لحظات العواصف الرعدية الماطرة، حيث يمكنك بعد تسبيح الله والاستغفار والدعاء، معرفة المسافة التي تفصلك عن العاصفة الرعدية، وذلك عبر حساب عدد الثواني بين لحظة وميض البرق حتى سماعك لصوت الرعد الذي يتبعه، ثم اقسم عدد الثواني على ثلاثة، فيكون الناتج هو المسافة بينك وبين العاصفة الرعدية، أو عدد الكيلومترات التي تفصلك عنها. معلومة أخرى حول خطورة البرق كما في الآية الكريمة (يكاد البرق يخطف أبصارهم) حيث يقول الشيخ عبدالمجيد الزنداني رحمه الله، بأن أهم أخطار البرق هو الذهاب بالبصر. والعجيب أن هذا هو عين ما يعانيه الطيارون من أخطار في حالات العواصف الرعدية، والومضات البرقية، خصوصاً في المناطق الحارة، حيث تبلغ ومضات البرق في الدقيقة الواحدة أربعين ومضة، أو شرارة هائلة، وبالتالي كثرة النظر إليها قد تفقد البصر، حيث لا يقوى الطيار على الاستمرار في قيادة طائرته. الأهم من كل هذه التفصيلات، وهو لبّ هذا الحديث والمغزى النهائي منه، أن كل شيء في هذا الكون الرحب الواسع يسبّح بحمد الله، دون أن نفقه الكيفية، لكن الإيمان بها واجب. وهو ما يدعونا أن نردد دوماً وأبداً، حين نتأمل الآيات الكونية العظيمة المتعددة قوله تعالى (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).

270

| 26 مارس 2026

فمن زحزح عن النار

أن يبعد الله النار عن وجهك هو غاية كل إنسان، وليس دخول الجنة. لماذا؟ لأن من يزحزحه الله عن النار فإنه يعني دخوله تحت ظل رحمته. تلك الرحمة التي وسعت كل شيء. وبالتالي الزحزحة لا أفهم تفسيراً لها، سوى أنها مقدمة لدخول الجنة بإذن الله. الزحزحة في اللغة هي الجذب بقوة وسرعة. وحين تقول الآية ( فمن زُحزح عن النار ) أي من يتم جذبه وإبعاده عن النار بسرعة، فذلك يعني فوزاً غالياً لا يُقدر بثمن. الزحزحة عن النار تعني الفوز كل الفوز كما يقول ابن كثير. ليس بعد ذلك الإبعاد عن النار والعياذ بالله، إلا دخول الجنة، لتكتمل فرحة الداخل إليها، ويكتمل الفوز كما في الآية ( فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز ). وهل هناك غاية أو هدف آخر من وجودنا في هذه الحياة، سوى النجاة من النار ودخول الجنة؟ ألسنا نصلي لله تعالى في اليوم والليلة، ونصوم رمضان ونؤتي الزكاة المفروضة في أموالنا ونحج البيت ولا نشرك بالله شيئاً وبقية العبادات الأخرى، إلا من أجل هذه اللحظة الحاسمة، لحظة الزحزحة عن النار ودخول الجنة؟ أليس كل هذا الشقاء والعناء، والتعب والنصب الذي يعيشه بنو آدم من المؤمنين في الحياة الدنيا، إلا من أجل كسب رضا الله تعالى لينالوا بعدها مكافأتهم المنتظرة وهي الزحزحة عن النار ودخول الجنة؟ إنّ بعض التأمل في لحظات جوعك وعطشك وتعبك في نهار رمضان، وصبرك على ذلك وأن العاقبة هي تلك الزحزحة بعيداً عن النار، ستجعلك تسجد لله شكراً أن رزقك بلوغ مثل هذا الشهر الذي نعيش يومه الأخير، ورزقك تمامه، وأمنيتك وخالص دعواتك الليلة أن تُقبل منك أعمالك في هذا الشهر، لتُضاف إلى أعمال أخريات سابقات تساهم كلها بعد رضا الله، في أن تبعدك عن النار وتدخلك الجنة برحمته سبحانه.. من هنا نجد أن تلك النجاة من النار وذلك الفوز بالجنة، يتطلبان منك أيها المؤمن أموراً كثيرة غير العبادات المفروضة، والتي لا يجب أن تغفل عنها، لا في رمضان أو غيره، كما في الحديث الصحيح ( فمَن أحَب أن يُزحزَح عن النار ويدخل الجنة، فلتأتِه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه). الحديث يفتح لك أبواباً أخرى غير العبادات المفروضة، والتي من شأنها أن تساهم في الوصول إلى هدف الابتعاد عن النار وان تكون ضمن من يتم زحزحتهم عن النار.. من تلك الأمور هي التعامل مع الناس. فالحديث هاهنا يدعو إلى أن نتعامل مع الناس كما يحب أحدنا أن يعامله الناس. عامل الآخرين بالصدق والعدل والأمانة والأخلاق الكريمة الراقية، فهي كلها منجاة من النار، ودافعة بك نحو جنة عرضها السموات والأرض. سائلاً الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وكل عام وأنتم بخير.

153

| 19 مارس 2026

فلا تلوموني ولوموا أنفسكم

تأمل قوله تعالى في سورة فصّلت (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ). تكاد تشعر بالغل الذي في قلوب الذين خدعهم الشيطان في حياتهم الدنيا، واتبعوه وأولياءه من الإنس.. مشاعر غل وغضب لا يمكن وصفها، بعد أن وجدوا أنفسهم في حالة بائسة بالآخرة، دفعتهم أن يسألوا الله في ذلكم الموقف العصيب أن يجمعهم بمن كانوا سبباً في وضعهم الحالي. يريدون أن يجعلوهم تحت أقدامهم، يفرغون ما بنفوسهم بالضرب والدوس بالأقدام !! ولكن هيهات هيهات. هكذا حال الذين كانوا يُعْرضون عن الهداية في دنياهم، واتبعوا أهواءهم وأمزجة من يريدون الدوس عليهم الآن يوم القيامة، الذين مارسوا عليهم الإضلال، وزينوا لهم الكفر والفسوق والعصيان - كما جاء في تفسير الوسيط للطنطاوي - يريدون الانتقام منهم بأن «ندوسهم بأقدامنا احتقاراً لهم، وغضباً عليهم، ليكونوا بذلك في أسفل مكان من النار، وفى أحقره وأكثره سعيرا. لتتحول الصداقة التي كانت بين الزعماء والأتباع في الدنيا، إلى عداوة تجعل كل فريق يحتقر صاحبه، ويتمنى له أسوأ العذاب». هكذا حالهم في النار وهم يتلاومون. لكن المشهد الذي يستحق الكثير من التأمل حين يتفاجأ أتباع إبليس من الإنس، الذين اتبعوا خطواته لحظة بلحظة، ظناً واعتقاداً منهم في صلاحها وفائدتها، أنه صار أول من يتبرأ منهم ومن أعمالهم (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي). الشيطان الذي هو أصل كل الشرور في الدنيا، يبحث بنفسه عن ذرة رحمة تنقذه مما فيه يومئذ، فيما أتباعه من الإنس على اختلاف مذاهبهم وأديانهم ومعتقداتهم، يلومونه على ما هم فيه بسببه، لكنه يكون صريحاً واضحاً معهم يومئذ أن الخير الحقيقي هو الذي حمله الأنبياء والمرسلون ومن سار على دربهم، واستطاع هو أن يغويهم وينحرف بهم ووجد قبولاً منهم، فيما الشر الحقيقي هو الذي زيَّنه لهم وأغواهم حتى اتبعوه دون أي ضغط أو سلطان له عليهم. يلومهم ويذكّرهم بأن الإشكالية كانت فيهم وفي عقولهم. إذ بدلاً من قبول دعوة أولئك الخيّرين، جاءوا برغبة منهم إليه، وهم يعلمون تحذير خالقهم لهم بعدم اتباع خطواته، ومع ذلك ساروا على الدرب الشيطاني، حتى آلت أمورهم إلى ما هم عليه الآن.. (فلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم).

261

| 12 مارس 2026

إني مهاجر إلى ربي

حاول خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وبكل الطرق والوسائل، دعوة قومه إلى عبادة الله وترك الشرك وعبادة الأوثان وغيرها، وجادلهم وحاورهم بالتي هي أحسن، لكن رغم كل ذلك لم يؤمن به أحد، بل حتى يوم المعجزة التي عايشوها لحظة بلحظة، في مشهد إلقاء إبراهيم في نار عظيمة اشترك الجميع في جمع الحطب والوقود اللازم لتلك النار، ثم يرون إبراهيم يخرج منها دون أن يصيبه أذى!. حتى هذه المعجزة غير المسبوقة في التاريخ، لم تحرك قلوبهم وعقولهم قيد أنملة عما هم عليه من شرك وضلال!. لكن وعلى رغم أن الأجواء في قومه تبعث على اليأس، إلا أن الله أيّده بأن آمن له لوط عليه السلام وهو ابن أخيه، وآمنت معه سارة، التي تزوجها بعد ذلك. ثم قرر خليل الرحمن بعد كل هذه السنوات من الدعوة دون نتيجة تُذكر، أن يهاجر وطنه، وقال (إني مهاجر إلى ربي). يقول الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب: «لما بالغ إبراهيم في الإرشاد ولم يهتد قومه، وحصل اليأس الكلي، حيث رأى القوم الآية الكبرى ولم يؤمنوا، وجبت المهاجرة، لأن الهادي إذا هدى قومه ولم ينتفعوا، فبقاؤه فيهم مفسدة، لأنه إن دام على الإرشاد كان اشتغالاً بما لا ينتفع به، والسكوت عن دعوتهم دليل الرضا، فيقال بأنه صار منا ورضي بأفعالنا، وإذا لم يبق للإقامة وجه، وجبت المهاجرة «. يُفهم من الآية إذن عدم البقاء في أرض قد يُفتتن الإنسان في دينه، وبالتالي هي دعـوة لكل مؤمن يخشى على دينه أن يتحرر ويهاجر، كي لا يتعرض إلى الذل، أو الاستضعاف، وتأكيد على أن أرض الله واسعة، وبالتالي لا عذر بالبقاء في مكان يُفتن فيه المرء في دينه، وغالب الأنبياء كانوا كذلك. أرض الله واسعة لذلك حين تجد قول الله تعالى (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) ستدرك أنها دعوة من رب رحيم، عليم بالنفوس المؤمنة المخلصة. دعوة لتلك النفوس المؤمنة لكنها المضطهدة، أو غير المستقرة والقلقة على دينها، ألا تمكث لحظة واحدة في أرض لا يأمن أحدهم على دينه، حيث الفتن من كل حدب وصوب. يدعوهم ربهم الرحيم. أنتم عبادي، وهذه أرضي واسعة رحبة. اذهبوا حيث شئتم ووجدتم الأمان. اذهبوا هناك واعبدوني في أمن وأمان، وسلامة وإسلام. يقول الإمام البغوي في معالم التنزيل:» نزلت الآية في ضعفاء مسلمي مكة. يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان فاخرجوا منها إلى أرض المدينة (إن أرضي ) يعني المدينة واسعة آمنة. وقال سعيد بن جبير: إذا عُمل في الأرض بالمعاصي فاخرجوا منها، فإن أرضي واسعة. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا، فإن أرضي واسعة. ورأى العلماء أن من كان في بلد يُعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيير ذلك، وخشي من الفتنة، أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له العبادة. وقيل بأن هذه الآية نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة، وقالوا: نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة، فأنزل الله هذه الآية، ولم يعذرهم بترك الخروج. إنّ هاجس الأسى لمفارقة الوطن، كما يقول صاحب الظلال، هو الهاجس الأول الذي يتحرك في النفس التي تُدعى للهجرة. ومن هنا يمس قلوبهم بهاتين اللمستين، بالنداء الحبيب القريب: ( يا عبادي) وبالسعة في الأرض (إنّ أرضي واسعة) وما دامت كلها أرض الله، فأحب بقعة منها إذن، هي التي يجدون فيها السعة لعبادة الله وحده دون سواه. نسأل الله لنا ولكم الأمن والأمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما يحبه الله ويرضاه.

201

| 26 فبراير 2026

إضاعة الفرصة غصة

حين يُقال لك في مواقف معينة، استثمر الفرصة ما إن تظهر أمامك، فلأنه ربما لا تأتيك مثل هذه الفرصة تارة أخرى، فالحياة مجموعة محطات تلوح فرص خلالها في أوقات معينة، وبها وعبرها تتقدم أو تتأخر. تعلو بها أو تهبط. تنجح أو تخفق. الفرصة قد تلوح لك اليوم بكيفية معينة، فإن لم تعض عليها بالنواجذ وتستثمرها خير استثمار في الوقت المناسب، فقد لا تلوح لك تارة أخرى بنفس الكيفية والظروف التي أتتك في المرة الأولى. وبموجب هذا المنطق، يوصي المجربون والحكماء بانتهاز الفرصة فور أن تلوح لك في الأفق، واستثمارها أفضل استثمار.. وطالما تحدثنا عن الفرص، فمن الطبيعي أن حديث اليوم لن يخرج عن أعظم الفرص، أو الهبات الربانية والمتمثلة في الشهر الكريم، الذي أكرمنا الله وإياكم ببلوغه. إنّه أحد الفرص، أو المنح الربانية التي يُكرم الله بها عباده. وإنّ الحكيم الحصيف، والذكي الفطن، هو من يستثمر فرصة صحته وقوته العقلية والبدنية حالما يرزقه الله بلوغ رمضان، خير استثمار. ذلك أن العافية ليست دائمة، والعمر لا يدري أحدنا كم سيكون، أو كم سيعيش. رمضان الخير، أيامه معدودات، فما إن يبدأ حتى يشتغل عـدّاد الرحيل. إن انتهى اليوم الأول منه فلن يرجع إلا بعد عام كامل، وهذا أمر بدهي معروف لا يحتاج لكثير شرح وتعليم، لكن يحتاج لكثير تنويه وتذكير بأنه لا أحد يضمن لك الحياة، أو الصحة والعافية لأن تلتقي باليوم الأول من رمضان العام القادم بعد أكثر من ثلاثمئة وستين يوماً ! وبما أنك تقرأ هذا المقال، ونحن في بداية الشهر الكريم، وحتى لا تعيش شعور غصة الفقد والتفويت بعد حين من الدهر قصير، فاعلم أولاً أنك من المحظوظين الذين أكرمهم الله ببلوغ الشهر الفضيل، ثم اعلم ثانياً أن بلوغك الشهر هو فرصة لاحت لك مرة أخرى، لاستثمار كل لحظاته ودقائقه وثوانيه بما يعود عليك بالخير والنفع، والصلاح الدنيوي والأخروي، بعد أن تطلب العون والثبات من الله عز وجل.. وبعبارة أخرى: رمضان فرصة إن لم تستثمرها فقد لا تتكرر. لصوص وفيلة رمضان إذن وبعد الدعاء وطلب التثبيت والعون من الله، يأتي دورك الآن في العمل. ذلك أن الدعاء فقط دون سعي أو بذل جهد، أمران لا يلتقيان. فكيف تطلب العون من الله وأنت لا تترك شاردة، أو واردة من الملهيات والمشتتات في رمضان إلا وتبعتها، كأولئك الذين كانوا حول الإمام مالك في المدينة في درس علم ذات يوم، وإذ بمناد ينادي أن هلموا إلى رؤية فيل.. ومعلوم أن المدينة المنورة لم يكن بها فيلة، فما كان من طلاب العلم حول الإمام مالك إلا أن خرج كلهم لرؤية هذا الفيل، إلا واحداً من الطلاب هو ما سيكون بعد ذلك، الإمام والفقيه الأندلسي يحيى الليثي، الذي جلس ساكناً مع الإمام مالك ! قال له الإمام: ما لك لم تخرج فترى الفيل، لأنه لا يكون بالأندلس ؟ فقال له يحيى: إنما جئتُ من بلدي لأنظر إليك، وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل. فأعجب به الإمام مالك وسماه «عاقل أهل الأندلس» بل صار من يثق به الإمام للرواية عنه، فكانت رواية الإمام يحيى الليثي عن مالك هي المعتمدة للموطأ. وعرفه التاريخ بأنه شيخ المالكية بالأندلس، وهو من نشر المذهب المالكي بتلك الحاضرة الراقية من حواضر الإسلام في تلكم الفترة. وضوح الهدف المغزى من القصة كما يحلو لكثيرين ممن يستشهدون بها في حديثهم عن وضوح الرؤية والهدف، هو أن المرء منا كلما كان هدفه واضحاً وقابلاً للقياس والتقييم والتقويم، كلما سهلت خطواته في الوصول لذلك الهدف. استشهادنا بهذه القصة في معرض الحديث عن رمضان، إنما لبيان حقيقة مهمة هي أن المرء منا، ما إن يبلغه الله رمضان، إلا والمفترض أن تكون أهدافه واضحة جلية محددة لاستثمار أوقاته أيما استثمار، والحذر كل الحذر من الفيلة، أو لصوص الوقت الذين يزداد عددهم وظهورهم خلال الشهر الكريم، وبشكل فيه الكثير من البراعة والإبهار في تشتيت الانتباه، ولفت الأنظار. إنّ لصوص الوقت، أو الفيلة الشاردة في رمضان كثيرة. منها المسلسلات التلفزيونية، ومنها الولائم الليلية المستمرة، ومنها الفعاليات الفنية والرياضية وغيرها، ومنها بدعة الخيم الرمضانية، وسهرات السحور بالمطاعم والفنادق، بالإضافة إلى اللص الأكبر، أو الفيل الأضخم وهو الهاتف الجوال، وما فيه من وسائل التواصل المختلفة.. كلها لصوص وقت، تسرق الأوقات بشكل سلس مستمر، ولا نتنبه إليها إلا وقد انقضى رمضان بإعلان لجنة التحري عن رؤية هلال شوال، وقد فاز حينذاك من فاز، وخسر من خسر، وأرجو الله ألا نعيش تلك الغصة، بل نسأله سبحانه أن نكون جميعاً من الفائزين لا الخاسرين، فإنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ختام الحديث من جميل ما جاء عن ابن الجوزي في وصف هذا الشهر الفضيل في كتابه بستان الواعظين ورياض السامعين. قال:» الشهور الاثنى عشر، كمثل أولاد يعقوب عليه وعليهم السلام، وشهر رمضان بين الشهور كيوسف بين أخوته، فكما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب، كذلك رمضان أحب الشهور إلى علام الغيوب. فلا تقتلوه، ولا تلقوه في غيابة الجُب، ولا تبيعـوه بثمن بخس، بل أكرموا مثواه، فعسى أن ينفعنا، أو نتخذه شفيعاً يوم الحساب». وكل عام وأنتم بخير.

240

| 19 فبراير 2026

أئمة يدعـون إلى النار

حين استكبر فرعون وجنوده على موسى وهارون - عليهما السلام - ولم ينصتوا، أو يستجيبوا إليهما بالحسنى، وما آتاهما الله من الآيات والدلائل على صدق دعوتهما، لم يتركوا الناس على حالهم وما يعتقدون، بل كانوا إلى ترهيب كل أحد يستمع وينصت إلى موسى وأخيه أقرب. تعمقوا أكثر من ذلك، فأخذوا يناصرون الضلال أينما ظهر، ويبثونه بين الناس وتزيينه لهم، وكانوا قولاً وفعلاً قادة وزعماء وأئمة، يدعون إلى النار كما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ). أي جعلنا فرعون وجنوده أئمة للضلالة المفضية إلى النار، كما جاء في تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، فكأنهم بأعمالهم تلك يدعون إلى النار.. فكلٌ يدعو بما تصل إليه يده؛ فدعوة فرعون أمره، ودعوة كهنته باختراع قواعد الضلالة وأوهامها، ودعوة جنوده بتنفيذ ذلك والانتصار له. إذن كان فرعون وكهنته ووزراؤه وجنوده، أئمة وقادة في الضلالة، يدعون الناس إليها رغبة ورهبة. ومعلوم بالضرورة أنّ الدعوة إلى أي نوع من الضلالة والشرك بالله، أو تزيين الفسوق والعصيان، هي أعمال تفضي بأصحابها إلى النار لا محالة، وبصريح القرآن. فرعون ومن معه قاموا على هذا الأمر بشكل واضح صريح، بل ومتعمّد، استكباراً في الأرض. كانت العاقبة أنهم استحقوا الوصف القرآني الدقيق لهم بأنهم أئمة يدعون إلى النار، فيحملون تبعاً لذلك أوزارهم وأوزار من استمع لهم واتبعهم، حتى إذا جاءوا جميعاً يوم القيامة، لا تجد أحدهم يناصر الآخر، أو أحداً غيرهم يناصرهم وينقذهم مما هم فيه يومئذ. لقد خذلهم الله في الدنيا بسبب كفرهم وعصيانهم، فكانوا جديرين بالخذلان أيضاً يوم القيامة. إنها إذن هزيمة في الدنيا، وهي تارة أخرى هزيمة في الآخرة، جزاء البغي والاستطالة، كما جاء في ظلال القرآن. إنهم يوم القيامة أضعف من أن يدفعوا عن أنفسهم العذاب، أو أن يدفعوا عن غيرهم، فليس لهم من دون اللّه يومئذ، من ولي ولا نصير. دعاة على أبواب جهنم حديث الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان، كاتم أسرار النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، يحتاج منا كثير تأمل وتدبر هذه الأيام، فقد جاء عنه أنه قال: كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني. قلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله: صفهم لنا، فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك. هل الاعتزال هو الحل؟ إن كان فرعون وكهنته ووزراؤه وجنوده أئمة يدعون إلى النار، وهم على الكفر الصريح يومئذ، فماذا نقول اليوم عن مسلمين موحدين من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، كما جاء في الحديث، صاروا لا يختلفون عن فرعون ومن كان معه في الفعل، وإن اختلفوا في المظهر والمسمى؟! أولئك المجرمون كانوا يدعون إلى الضلال وهم معروفون للناس يومئذ، لكن الأمر تغير اليوم، ولم يعد كالسابق واضحاً، كفر وإيمان. أما اليوم، فيأتي أناس على شكل علماء ومصلحين ودعاة، أو ما يسمون أنفسهم بمفكرين ومثرثرين تحت مسمى مؤثرين، يشوشون على الناس دينهم. يدعون إلى بدع من القول والفعل ما أنزل الله بها من سلطان، بعد أن يتم تزيين وتدليس أقوالهم بآيات وأحاديث، تُفسد على الناس مفاهيمهم عن الدين والدنيا كذلك ! هؤلاء الدعاة الواقفون على أبواب جهنم، لا شك أنهم المقصودون في حديث حذيفة. خطرهم أكبر من خطر فرعون وجنوده وما كانوا يفعلون. إنهم اليوم في كل مكان، تناديهم مؤسسات الإعلام المختلفة، ومعها منصات التواصل المتنوعة، فيدخلون عالم ما يسمون بالمشاهير، حيث الأضواء والشهرة والأموال، تدفعهم وتحميهم أياد خفية، وما هي عن عالم الجاسوسية والسياسة ببعيد ! لقد التبس على الناس دينهم بفعل هؤلاء الدعاة على أبواب جهنم، والشبهات زادت وكثرت، فيما دعاة الحق تزدحم بهم السجون والمعتقلات، أو يتم حجبهم عن العامة بكل الوسائل والطرق، حتى صار الوضع على ما نحن عليه اليوم، من قلق وتوتر وفوضى فكرية ومفاهيمية، حتى يكاد يقول المرء: نفسي نفسي، ما يشير إلى أننا ربما وصلنا إلى الزمن الذي تحدث عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن دعاة على أبواب جهنم، ما يستدعي بالتالي من كل أحد غيور على دينه ودين أهله ومحبيه، أن يلتزم جماعة المسلمين وإمامهم كما نصحنا بذلك الرسول الكريم.. لكن الإشكالية كما قال حذيفة: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ وهذا هو الأقرب للواقع اليوم. إذ لا تجد جماعة مؤمنة تدعو إلى الله إلا وهي مضطهدة مُطاردة، ولا في الوقت نفسه تجد إماماً راشداً مؤمناً يهتدي الناس به ويحتمون بظله بعد الله.. فهل الحل هو الاعتزال؟ سؤال يحتاج إلى شيء من البحث والنقاش في كل بيت ومسجد ومصلى، بل في كل ناد وتجمّع ومنتدى، لأنّ الحق أحق أن يُتّبع.. وخير ما نختم به هذا الحديث، أن نسأل الله لنا ولكم أن يرينا الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه. إنّه سميع عليم مجيب الدعوات.

459

| 12 فبراير 2026

ما بين قارون وأبستين

انشغل العالم خلال الأيام الفائتة بواجهة من واجهات منظومة فساد عميقة في الولايات المتحدة، والمتشابكة مع منظومات أخرى حول العالم في كثير من المجالات. تمثلت في شخص يدعى ابستين، الذي صار الاسم الأول في العالم المقترن بفساد واسع عميق وخبيث، رغم وجود من هو أفسد وأخبث منه.. قيل إنه انتحر في سجنه بعد اعتقاله رغم كثير شكوك في الرواية، والأرجح أنه تمت تصفيته ليختفي مع أسراره، فهكذا هي قواعد منظومات الفساد حين ينكشف عضو منها، أو أحد واجهاتها. البتر والتصفية كأنجع الوسائل في وقف مزيد من الانكشاف، إلى حين ترتيب الأوضاع والمسائل الداخلية في المنظومة ! الفساد بشكل عام في أي زمان وأي مكان، ليس مجرد سلوكيات فردية، أو حالات معزولة، بل هو منظومة متكاملة ومعقدة في أحيان كثيرة، خاصة حين تتشابك فيها المصالح، وتترابط فيها الأدوات والآليات التي تعمل على حمايته واستمراره.. ومن الطبيعي أن أي منظومة معقدة كمنظومات الفساد المتنوعة، تستخدم طرقاً متعددة وأساليب خفية من أجل ضمان بقائها وسلامة رموزها والفاعلين فيها، بدءاً من استغلال النفوذ بطرق احتيالية ذكية، ومروراً بتشهير سيف الابتزاز وانتهاء بعمليات التصفية والتحييد، فهكذا هو عالم الفساد، أو إن أردت مزيد دقة، عالم الإجرام. ما هو الفساد ؟ الفساد في تعريف مختصر هو إساءة استخدام السلطة، أو النفوذ، أو الوظيفة العامة من أجل تحقيق مكاسب شخصية، أو مآرب أخرى على حساب المصلحة العامة. قد يكون الفاسد على شكل فرد. وقد يكون على هيئة شبكة من الأفراد بينهم مصالح متنوعة. الفساد لا يكبر ولا ينتشر إلا حين يجد البيئة المناسبة، حيث ينتشر الفاسدون المتنفذون، تحميهم أنظمة وقوانين، وقضاة ومحامون، وقبل ذلك كله تسعى منظومة الفساد أو الفاسد نفسه، إلى درع يحتمي به، وغالباً ما يكون هذا الدرع على شكل أفراد من أصحاب القرار والنفوذ والصلاحيات ! قصة الأمريكي الفاسد أبستين، وجرائمه المتنوعة التي لم تكن حديثة عهد، نموذج على ما نتحدث عنه. فهذا الفاسد كان يمرح ويسرح، ويفسد في الأرض والبحر والجو سنوات عديدة، يسيطر على هذا وذاك وتلك، تحميه قوانين وأنظمة، ومرتشون فاسدون من جميع الدرجات. قضاة ومحامون، رجال أعمال وأثرياء، نواب ووزراء، كلٌ يستفيد منه بالعمل معه بصورة وأخرى وبحسب موقعه ووظيفته، وعلى قدر ما يجنيه من مكاسب وأرباح !! وهكذا استمر في الفساد والإفساد سنوات عدة، ينتفع من هنا وهناك ومعه كثيرون، بعيدين عن الأعين، إلا تلك التي كانت تحمي منظومتهم الفاسدة ! وفي التاريخ لنا عـبرة قصص القرآن عن الفساد كثيرة، وما ذكرها الله إلا للعظة والعبرة. فمن أشهر قصص الفساد والمفسدين، بعد قصة نبي الله شعيب وقوم مدين، قصة قارون الذي كان من قوم موسى. أي كان إسرائيلياً لكنه يعمل ضمن فريق المستبد الأعظم حينذاك فرعون. وتفيد السياقات القرآنية والتاريخية أن قارون هذا ما كان يتعمق في الفساد ويتعملق لو لم يكن مدعوماً من منظومة فرعون الاستبدادية، التي استغلت ثروته الطائلة في تكريس معاني البغي والفساد. كان المشترك بين قارون مع فرعون وملئه، هو المصالح المتنوعة، كالشراكات المالية التي توسعت وتعمقت من أجل تعزيز نفوذهم ضد بني إسرائيل، ما يؤكد أن فرعون كان حامياً غير مباشر لفساده، من أجل تحقيق أهداف مشتركة لهما في السلطة والمال. كان قارون ركيزة مادية داخل منظومة فرعون السياسية، حيث وفر فرعون الحماية والبيئة المناسبة له ليمارس فساده، في مقابل استغلال فرعـون لثروة قارون في تنفيذ خططه وسياساته، لاسيما تلك التي كانت ضد بني إسرائيل، وكيفية تثبيت أركان حكمه، وهذا ما كان وحكاه القرآن في تفاصيل عديدة. وهذا المشهد هو ما يحدث ويتكرر في كل زمان وكل مكان، وإنْ بصور وآليات مختلفة. الدروع الحامية للفساد لابد أن يجد الفاسد درعاً صلباً يحميه، كي يتكفل بتحقيق أهداف هذا الدرع ومصالحه، إلى جانب أهداف ومصالح الفاسد نفسه، أو أهداف ومصالح منظومة الفساد بكاملها. ولقد أثبتت التجارب على مدار التاريخ، أن الفساد لا ينتشر ولا يقوى إلا حين يكون صاحب الكلمة الأولى في النظام الحاكم، أو من لهم صلة به، هم بمثابة ذلك الدرع الصلب الذي يحمي الفساد والمفسدين، سواء بشكل مباشر عبر أوامر وتعليمات منه، أو منهم، أو عبر مؤسساتهم الفاسدة ذات النفوذ والصلاحيات ! لكن رغم كل ذلك، وكخلاصة لحديثنا، لا يحيق المكرُ السيئ إلا بأهله دوماً وأبدا، وأنّ الباطل مهما علا وتجبر، فإنّه زاهق لا محالة، وإن عاش زمنا. فهذا قارون، وليس هناك يومئذ من هو أعظم ثروة ونفوذاً وصلاحيات في مملكة فرعون الاستبدادية منه، يخسف الله به وبداره الأرض، لتنتهي ثروته وفساده في غمضة عين، وينكشف هو ومن معه أكثر فأكثر (فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين).. هكذا هي نهاية كل فاسد، ومآل كل منظومة فساد، مهما طال الزمن بهم، لأنّ (الله لا يُصلحُ عمل المفسدين).

357

| 05 فبراير 2026

ظهير المجرمين

ندم موسى عليه السلام أشد الندم على فعلته مع قبطي دخل في شجار مع إسرائيلي، حيث وكزه بقبضة يده نحو صدره فمات من فوره، نظراً للقوة العضلية التي كان موسى يتمتع بها، لكن لم يكن يدركها إلا بعد تلكم الواقعة، فشعر أنه ارتكب جرماً وذنباً كبيراً. لكن المشهد تكرر تارة أخرى بالغد، إذ رأى قبطياً آخر مع نفس الإسرائيلي، فأراد التدخل لمنع الشجار، لكن انتهى المشهد بافتضاح ما صدر عنه بالأمس، وأنه هو من قتل القبطي، ووصل الأمر لجهاز الأمن بالدولة، وبدأ البحث عنه، فاختفى موسى عليه السلام من المشهد، وصار يتحرك بحذر. مع التحركات الحذرة لموسى عليه السلام، لم ينس فعلته. فقد شعر بالذنب، وعلى إثر ذلك تاب من فوره واستغفر ربه (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له). وحين شعر أن الله استجاب دعوته، عاهد الله وكنوع من الوفاء بشكر النعمة التي أنعمها عليه ربه، ألا يقف يوماً مع المجرمين فقال: (رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين). فهو عهدٌ مطلق، كما يقول صاحب الظلال، ألا يقف في صف المجرمين ظهيراً ومعينا، وهو براءة من الجريمة وأهلها في كل صورة من صورها، حتى ولو كانت اندفاعاً تحت تأثير الغيظ، ومرارة الظلم والبغي. ذلك بحق نعمة الله عليه في قبول دعائه؛ ثم نعمته في القوة والحكمة والعلم التي آتاه الله من قبل. الظهير والمجرم إن أردنا بعض التأمل في القصة، فإنه يجدر بنا أولاً التعرف على الظهير في اللغة، وهو المعاون أو السند. ثم بعد ذلك التعرف على المجرم لغوياً، وهو الآثم المذنب، أو مرتكب جناية ما، ومنه قيل: أجرم الرجل، أي جنى جناية، فقطع بها صلة الأمان بمن حوله. ومن هنا حين تاب موسى عليه السلام من فعلته مع القبطي، أخذ عهداً على نفسه أمام ربه أولاً، وكنوع من الشكر على النعم التي أنعمها عليه منذ أن كان وليداً، ألا يكون من تلكم اللحظة معيناً وسنداً لأي مرتكب ذنب، أو جريمة، أو جناية، كائناً من كان، سواء من أهله وأقاربه ومن هم على ملته، أو آخرين من غير الأهل والأصحاب وخارج الملة والمذهب والدين.. إنّ الوقوف مع الظلم والظالمين عبر مساندتهم قولاً وفعلاً، كالإشادة والتمجيد والتطبيل، إنما كلها نوع من المظاهرة والمعاونة المذمومة. ومثل ذلك، تأييد أي فكر باطل منحرف، ورأي شاذ مخالف للدين والعرف، والتستر على اللصوص وسارقي المال العام، وتجميل قبائح المتنفذين على أنها حريات شخصية، وغيرها من مظاهر هدامة، كلها تدخل ضمن نطاق مظاهرة ومساندة المجرمين غير الجائزة لا شرعاً ولا عُرفاً ولا قانونا. عدم الوقوف في صف الباطل والإجرام والظلم، إضافة إلى أنه مسألة مبدئية للمؤمن، فهو أيضاً نوع من أنواع شكر النعمة، كما ذكرنا ذلك آنفا. فكيف تساند وتعاون أهل الظلم والإجرام، فيما أنت ترتع في نعم الله الكثيرة التي لا تُعد ولا تُحصى؟ أليس ذلك من العقوق ونكران جميل الخالق عليك؟! خلاصة الحديث إنّ دفع الظلم وتحقيق العدل، أصلٌ أصيل، ومقصد رئيسي في شرعنا، حيث حرم الله الظلم على نفسه، وجعله محرماً بين العباد. فالأصل إذن في شرعنا دفع الظلم وزجر الظالم، كما في الحديث الصحيح (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال: رجل يا رسول الله، أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره) وعلى هذا ندير حياتنا، ونبني لآخرتنا. إنّ الآية الكريمة (رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين) رسالة لكل مؤمن، ألا يكون أو يُرى يوماً من الأيام في معسكر الباطل والظلم والإجرام، وبأي صورة من صور الإعانة، أو الدفاع، أو التمجيد، أو الحماية، أو غيرها من صور، فإنها كلها كما أسلفنا، تدخل في حكم مظاهرة ومعاونة المجرمين، ولو كانوا أولي قربى، والحقُ أحق أن يُتّبع.

345

| 29 يناير 2026

قد أوتيت سؤلك يا موسى

هل هناك ما هو أروع وأجمل من أن تجد طلبك، أو حاجتك تتحقق فوراً دون أي تأجيل، أو وعود، أو تسويف؟ لا شك أن المسألة لن تكون محسوسة لمن لم يمر بالتجربة، أو الموقف الذي أتحدث عنه. لكن من خاضها، أو مر بها في حياته، سيدرك تماماً ما أتساءل بشأنه وحوله. وحتى لا أطيل في المقدمة، لنتأمل الموقف التالي.. حين كان النبي الكريم موسى عليه السلام في حضرة ربه تبارك وتعالى بالوادي المقدس طوى، تلقى أمراً للقيام بمهمة ليست كأي مهمة.. (اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ) ولكن لماذا فرعون فقط، مع أنه نبي مرسل للكل؟ السبب أنه طغى وخرج عن الحد. فقد ادعى الألوهية وتكبر وكان متبوعاً، فكان ذكره أولى، كما يقول الفخر الرازي في تفسيره. يقول التابعي الجليل وهب بن منبّه في هذه الجزئية: «قال الله تعالى لموسى عليه السلام: «اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي، فإنك بعيني وسمعي، وإنّ معك يدي وبصري، وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري. أبعثك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي، لبطشت به بطشة جبار، ولكن هان عليَّ وسقط من عيني، فبلغه عني رسالتي، وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا). لا يغترن بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي، لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي... وبقية كلام طويل. قال: «فسكت موسى سبعة أيام لا يتكلم. ثم جاءه ملكٌ فقال: أجب ربك فيما أمرك بعبده». المهمة الصعبة إذن المهمة ليست سهلة. إنه فرعون الطاغية الذي عاش في قصره منذ أن كان وليداً حتى شب وترعرع. ثم فر من المدينة بعد أن ارتكب ذنباً كبيراً بقتل أحد أتباع فرعون، فهو اليوم مطلوب دون شك، ويخشى إن عرف القوم بأمره أن يقتلوه. أضف إلى كل ذلك، صار هذا الفرعون يدّعي الألوهية، والناس تطيعه وتتبعه، وليس من السهل أن يستمع إلى شخص مثلي، يعرف كل تفاصيلي.. هكذا كان لسان حال موسى عليه السلام.. لكن يتنبه موسى عليه السلام أنه بحضرة ملك الملوك، جبار السموات والأرض، الذي إن أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.. وبالتالي لم هذه الخشية، بل بدلاً من ذلك، لم لا يطلب منه سبحانه ما يعينه على أداء المهمة بالشكل المطلوب؟ ها هنا تبدأ طلبات وحاجيات موسى عليه السلام تنهال، بل ولم لا تنهال ويعرضها، وهو في حضرة أكرم الأكرمين؟ بدأ بالحاجات الشخصية، فكانت الأولى (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) ثم أتبعها بالثانية (وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) والثالثة (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي). ثم بدأ بالطلبات الخاصة جداً، فكان الطلب الأول غير العادي، الذي لم ولن يطلبه أحد (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي). إنه بعد أن سأل الله أن يسهل له حاجاته الشخصية التي وجدها ضرورية للسير إلى الفرعون الطاغية، رأى أهمية وضرورة وجود شخص ما يتكامل معه في أداء المهمة، فلم يجد خيراً من أخيه هارون، فصار نبياً. وقد قيل حول هذا الطلب أن السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، خرجت فيما كانت تعتمر، فنزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلاً يقول: أيّ أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا: ما ندري. قال: والله أنا أدري. قالت: فقلتُ في نفسي: في حلفه لا يستثني، إنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه. قال: موسى حين سأل لأخيه النبوة. فقلتُ: صدق والله. وتقول العامة حول القصة نفسها، بأن أقوى واسطة وتزكية من إنسان لآخر في هذه الدنيا، كانت واسطة، أو تزكية موسى لأخيه هارون عليهما السلام، ليكون وزيراً ونبياً، فكان كما أراد عليه السلام، نعم العضيد والوزير. اللحظة المدهشة ها هو ذا الكريم المنَّان لا يُخجل ضيفه، كما يقول صاحب الظلال، ولا يرد سائله، ولا يبطئ عليه بالإجابة الكاملة (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ). هكذا مرة واحدة، في كلمة واحدة. فيها إجمال يُغني عن التفصيل. وفيها إنجاز، لا وعد ولا تأجيل.. كل ما سألته أعطيته. أعطيته فعلاً. وفيها مع الإنجاز، عطف وتكريم وإيناس بندائه باسمه (يا موسى) وأيُّ تكريم أكبر من أن يذكر الكبير المتعال، اسم عبد من العباد؟ هكذا هو شأن الدعاء حين تكون في حضرة الكريم المنان. سل تعطه، كما جاء في حديث صحيح رواه الإمام أحمد، أنه صلى الله عليه وسلم مر مع صاحبيه أبي بكر وعمر على عبد الله بن مسعود، وكان قائماً يصلي، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليستمع إلى قراءته، فلما انتهى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يقرأ القرآن غضّاً كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد». ثم جلس ابن مسعود يدعو الله، فأثنى على ربه وحمده، فأحسن في حمده على ربه، ثم سأله فأجمل المسألة، وسأله كأحسن مسألة سألها عبد ربه، ثم قال: «اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين في جنانك جنان الخلد». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سل تعطه، سل تعطه». فقال عمر: فقلت في نفسي: والله لأغدون إلى عبد الله ولأبشرنه بتأمين رسول الله على دعائه.. فذهبت إليه فوجدتُ أبا بكر رضي الله عنه قد سبقني بالبشرى. فقلت له: يا أبا بكر، والله إنك لسبَّاق في الخير دائماً. فاللهم اجعلنا لك ذكَّارين، لك شكَّارين، إليك أوَّاهين منيبين، تقبَّل يا رب توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعواتنا، وثبِّت حجتنا، واسلل سخائم صدورنا، وعافنا واعف عنا. اللهم آمين.

327

| 22 يناير 2026

هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا

هناك من يعبد الله على غير الطريقة التي جاء بها المرسلون وآخرهم سيد الخلق محمد، صلى الله عليه وسلم، يحسبونها طريقة صحيحة ترضي الله، وأن أعمالهم تلك مقبولة عنده سبحانه. ومن الناس من يشرك بالله ويظن أنه على شيء وهو لا شيء، وأمثال هؤلاء كثير إلى يوم الناس هذا، بل إلى ما شاء الله لهذه الحياة أن تدوم. يعتقدون صلاح أعمالهم، وهي عند الله غير ذلك، وهم في الآخرة من الأخسرين، وقد اختلف المفسرون حولهم. يقول الإمام الماوردي في قوله تعالى ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ) أن فيهم خمسة أقاويل: أحدها أنهم القسيسون والرهبان، قاله علي بن أبي طالب. الثاني أنهم الكتابيون اليهود والنصارى، قاله سعد بن أبي وقاص. أما الثالث فهم أهل حروراء من الخوارج، وهذا مروي عن علي رضي الله عنه. الرابع هم أهل الأهواء، والخامس من يصطنع المعروف ويمنّ عليه.. ويحتمل سادساً أنهم المنافقون بأعمالهم، المخالفون باعتقادهم، ويحتمل سابعاً أنهم طالبو الدنيا وتاركو الآخرة. يظن ويتوهم كل أولئك أنهم يحسنون صنعاً في الحياة الدنيا، وأن أعمالهم الطيبة لا شك عندهم أنها مقبولة عند الله، والله سبحانه عنى بقوله ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً ) كلّ عامل عملاً يحسبه فيه مصيبا، كما يقول الإمام الطبري، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مُرض، وهو بفعله ذلك الله مسخط، وعن طريق أهل الإيمان به جائر، كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله، كفرة ومن أهل أيّ دين كانوا. من شروط قبول الأعمال، الإخلاص والصواب. أما الأول وهو الإخلاص، فيعني أن تقوم العمل لا تقوم به إلا لوجه الله وابتغاء مرضاته، لا لأحد سواه، ولا تبتغي مرضاة أحد غير رضا الله. بمعنى آخر، لا رياء أو تتحرى الحصول على إعجاب الآخرين وثناءاتهم. أن تقوم بعمل صالح وتخفيه عن الناس جميعاً، هو من الأعمال غير اليسيرة في حقيقة الأمر، والشيطان لا يسره قيام أحدنا بعمل صالح يخفيه عن الآخرين، باعتبار أن ذلك مسلك الصالحين أعداء الشيطان، الذي لا يمل ولا يكل من دفع أولئك الصالحين لإظهار أعمالهم الخفية الصالحة ولو بنسبة ضئيلة بادئ الأمر، كي يتسلل إلى نفوسهم بعد حين من الدهر طال أم قصر بعض الرياء، على اعتبار أن أي إنسان منا وبحكم فطرته البشرية، يحب المديح والشكر والإطراء، ويسعده إن قام بعمل صالح، أن يشيد به الناس ويشكرونه.. هكذا هي النفس البشرية، ومن هذه الثغرة الضعيفة بالنفس، يتسلل الشيطان إلى القلب ليدفع بصاحبه إلى تحويل عمله الصالح الخفي إلى ظاهر بيّن.. إذ مع الأيام والتكرار، سيستمر هذا الإنسان في أعماله الصالحة الظاهرة، وخاصة بعد أن يبدأ يتذوق حلاوة الثناء والإشادة من الآخرين، حتى تجده بعد حين من الدهر وقد وقع في فتنة العُجب واستحسان العمل، فتقل نسبة الإخلاص تدريجياً عنده ليتحول - أي العمل الصالح - إلى أشبه ما يكون بأي عمل إعلامي يتحرى صاحبه شوقاً لعبارات المديح والثناء، من بعد الظهور في الأضواء بالطبع، ومن بعد أن يكون الشيطان قد خلط عليه مفاهيم العمل الصالح وفوائد الإعلان عنها، إلى غير ذلك من مفاهيم. ضمن هذا السياق، نجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يوصينا بقوله:» من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل «.. وأحسبُ أن العمل الصالح يستحق جداً أن نخفيه عن الناس مثلما نفعل مع العمل السيئ، كما قال الزبير بن العوام رضي الله عنه:» اجعلوا لكم خبيئة من العمل الصالح، كما أن لكم خبيئة من العمل السيئ «.. لكن هل يكفي هذا الإخلاص لقبول العمل ؟ بالطبع لا يكفي، لأن الركن الثاني لقبول العمل بعد الأول وهو الإخلاص كما أسلفنا، أن يكون العمل صحيحاً سليماً لا يخالف شرع الله. فما فائدة عمل خالص لله، والنيات طيبة بريئة، لكنه غير صحيح، أو مخالف لسنة الله ورسوله؟ من هنا تأتي أهمية دور العلم، وضرورة أن يتعلم الإنسان دينه قبل أن يقوم بالعبادات والشعائر، أو يقوم بالنوافل والسنن والأعمال الصالحة الأخرى، لكي يكون على بيّنة من أمره، فلا يميل إلى تأويل فاسد، أو فهم سيئ ربما يدفعه من حيث لا يدري، إلى زمرة الأخسرين أعمالا والعياذ بالله.. أسأل الله لي ولكم أن يجعلنا من عباده الصالحين المصلحين، الهادين المهديين، وأن يجعلنا من الراشدين.

351

| 15 يناير 2026

ولا تركنوا إلى الذين ظلموا

الركون في اللغة هو الميل أو السكون إلى الشيء بعد القبول والرضا به. لكن بعيداً عن اللغة، نجد أن القرآن ينهى عن فعل الركون إن كان مع الظلم وأهله، أو الكفر وأهله، لكن لا شيء أن تركن إلى جهة ما لا ظلم يصدر عنها أو أعمال كفر، بدليل نبي الله لوط عليه السلام حين شعر بضعفه في مواجهة مطالب الناس في قريته، وهو يحاول الدفاع عن ضيوفه، قال (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) أي تمنى لو يجد من عنده القوة والبأس والسلطة ليركن إليه، ويستقوي به أمام من يستضعفونه، فرداً كان أم قبيلة أم ما شابه، وهذا يعني أن الركون إلى الحق وأهله، فعل محمود مطلوب، وعلى هذا يمكن قياس الأمور. عودة إلى موضوعنا مدار البحث وهو الركون إلى الظلم وأهله، نجد الآية صريحة في النهي عن ذلك. لا يجب بأي حال من الأحوال اللجوء إلى الظلم والظلمة، والباطل وأهله، بحجة الاستقواء على فعل خير، أو بحثاً عن حماية، أوغير ذلك من معان شبيهة قد تطرأ على البال في هذا السياق. الباطل بشكل عام قد يكون صاحب سطوة وبأس وقوة، وعنده من المغريات الكثير الكثير تجعل الآخر يتطلع إلى مسألة اللجوء إليه حال ضعفه، أو حالما يشعر بدنو مشكلات وأزمات بالطريق قادمة إليه، فتجده تبعاً لذلك يبحث في مسألة الركون والميل إليه، بعد أن يكون الباطل، أو الظالم قد استخدم وسائل ومؤثرات متنوعة يزين بها أعماله أمام الآخرين، وتجعل المفاهيم في الوقت نفسه تختلط عليهم، وبالتالي لا يجدون بأساً أو حرجاً من اللجوء والركون إليه بحجج وتبريرات هشة واهية. متى يحدث الركون؟ الركون إلى الظالمين والكافرين عادة لا يحدث إلا في حالات من الضعف والشعور باليأس والإحباط، أو بدافع من نية حسنة يأمل من ورائها صاحب تلكم النية أمراً محموداً، وأحياناً أخرى يقع الركون كنوع من سذاجة أو حماقة في التفكير. النوع الأول لا يحتاج لكثير شروحات، فاليائس المحبط، أو المهزوم داخلياً عادة يكون ضعيف إيمان ويقين بالله، فتجده لا يتردد من أجل تحقيق مراده وتطلعاته، إلى الركون إلى أي شيطان، وليس ظالماً وفاسداً فحسب. أما الذي تدفعه نياته الطيبة إلى اللجوء وملاطفة الظلمة والفاسدين، أو مداهنتهم ومجاملتهم رغبة في إصلاحهم التدريجي الذي ربما يأتي بخير كثير على الآخرين، فهذا رغم مقصده الطيب الحسن، إلا أن استراتيجيته خطرة غير مقبولة، وقد تؤدي إلى عواقب غير محمودة، أقلها احتمالية استشعار الظالم أنه صاحب الرأي الأوحد، الذي يتجمع تحت رايته الصالحون قبل الطالحين. أبرز نموذج للنوع الثاني هو نبينا الكريم، صلى الله عليه وسلم، وهو يتودد إلى عظماء ووجهاء قريش، رغبة في إسلامهم الذي به ستتعزز قوة الدعوة، او هكذا كانت نيته عليه الصلاة والسلام، حتى وإن كان توجهه الطيب ذاك على حساب التقليل من وقته صلى الله عليه وسلم نحو دعوة الضعفاء والمساكين وأشباههم. ولقد حاول المشركون استدراج النبي الكريم إليهم، وعرضوا عليه الكثير من المغـريات مقابل استجابتهم لدعوته الكريمة. منها كما جاء في تفسير تأويلات أهل السنة للإمام الماتريدي، أنهم أرادوا منه أن يجعل لهم مجلساً على حدة ليسلموا، فهمّ أن يفعل ذلك لحرصه على إسلامهم وإشفاقاً عليهم. فمثل هذا يجوز الفعل، إلا أن الرسل لا يجوز لهم أن يفعلوا شيئاً وإن صَغُر إلا بإذن الله. فماذا كان التوجيه الإلهي له؟ يذكر الله هاهنا نعمته على نبيه الكريم، أن حفظه من استدراج الكفار الظلمة له، وجنّبه مغرياتهم المتنوعة في قوله تعالى (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا). لقد كان النبي الكريم قاب قوسين أو أدنى ان يحقق للكفار مآربهم، رغبة في إسلامهم، لكن الله حفظه وثبّت قلبه، وكشف له سوء نياتهم، فما ركن إليهم أو مال نحوهم بعد ذلك قيد أنملة. ومن هنا يأتي حرص أصحاب الدعوات على حفظ وصون أنفسهم ومن معهم، من خطورة مغريات أهل الظلم والفساد ذات التأثير الفاعل القوي. الركون يعـني التنازل يقول صاحب الظلال: «المحاولات التي عصم الله منها رسوله، هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً. محاولة إغرائهم لينحرفوا - ولو قليلاً - عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغزونهم بها في مقابل مغانم كثيرة. ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هيناً، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق! وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق». ويضيف صاحب ظلال القرآن: «إن صاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة، لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء. وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء، فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة، وارتفاع السعـر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها». خلاصة الحديث الظالم بأشكاله المتنوعة، فرداً كان، أم كياناً في أي صورة من الصور، هيئة أم مؤسسة أم منظمة أم اتفاقية أم دولة، ليس محبذاً أن تركن إليه وتميل نحوه، أو ترضى بعمله، وإن كانت نيتك صافية طيبة تأمل منه أمراً محموداً. وسبب ذلك أن مجرد البدء بالركون إليه والميل نحوه، تكون أنت قد بدأت في رحلة التنازلات. لماذا؟ لأنها رحلة لا تتوقف عادة كسهولة البدء بها، خاصة أن ما عند معسكر الظلم من مغريات، وما تميل إليه النفس البشرية من مباهج وزينة الحياة الدنيا، الكثير الكثير، ما يجعل الأمر صعباً وشاقاً. والوقاية خير من العلاج، ومن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعِـرْضِه. السلف الصالح كان أحدهم يتجنب مجرد التفكير في مثل هذه النوعية من الركون، أو الميل نحو هذا أو ذاك من أهل الباطل والظلم والكفر. سفيان الثوري رحمه الله، كان يقول: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يُعصى الله. إنّه يحذر من مجرد الدعاء لظالم، فما بالك بالركون إليه والرضا بعمله؟ قيل بأن أحد الصالحين صلى خلف إمام قرأ (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) فغُشي عليه، فلما أفاق قيل له، فقال: «هذا فيمن ركن إلى من ظلم، فكيف بالظالم؟!». المسألة كانت واضحة عندهم لا غبار عليها البتة. فاللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم آمين.

489

| 08 يناير 2026

alsharq
من يملك الإعمار

كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال...

10974

| 30 مارس 2026

alsharq
لماذا غابت الأسطورة عن الأدب الإسلامي؟

كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية...

2754

| 30 مارس 2026

alsharq
وضع النقاط على الحروف

-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها...

1845

| 02 أبريل 2026

alsharq
العدو الحقيقي

يجب أن أبدأ مقالي هذا بالتأكيد على أن...

1578

| 31 مارس 2026

alsharq
من يحاسب الرادار؟

حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في...

1320

| 31 مارس 2026

alsharq
اسمعوها مني صريحة

«اسمعوها مني صريحةً أيها العرب: «بالإسلام أعزَّكم الله»...

1266

| 02 أبريل 2026

alsharq
هل نحن بحاجة إلى كل هذه المؤسسات الخيرية في قطر؟

حين ننظر للأرقام بهدوء… تتضح الصورة أكثر. إجمالي...

1158

| 02 أبريل 2026

alsharq
«أحياء عند ربهم».. يرزقون من ثمار الجنة ونعيمها

- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً -صاحب السمو.....

1065

| 30 مارس 2026

alsharq
في الأزمات... هل تضغط الموارد البشرية على الموظفين؟

عندما تمر المجتمعات أو الدول بأزمات، لا يعيش...

966

| 02 أبريل 2026

alsharq
سجونٌ ناعمة: غواية اليقين !

يا له من بؤس ذلك الذي يقتاته أولئك...

903

| 31 مارس 2026

alsharq
حين يكشف الابتلاء معادن النفوس

«ما حكَّ جلدك مثلُ ظفرك.. فتولَّ أنت جميع...

819

| 29 مارس 2026

alsharq
مكافحة الشائعات في زمن الحروب والتضليل الرقمي

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتحتدم فيه الصراعات...

810

| 01 أبريل 2026

أخبار محلية