رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كيف يأمن الناس أن تسير حياتهم طبيعية وهم في غواية وضلال مبين؟ كيف يهدأ لهم بال وتستقيم أمورهم أو يريدونها مستقيمة وهم في اعوجاج وبُعد عن الصراط المستقيم؟ كيف يأمن الناس أن يكونوا على الشاكلة التي كان عليها الأمم السابقة الغابرة التي اندثرت وانتهت من الوجود، دون قليل تأمل وتدبر؟ ألم يهلك الله الأولين بسبب كفرهم وجحودهم وعصيانهم ؟ فما الذي تغير وجعل الأمم اللاحقة تأمن ألا يصيبها ما أصاب أولئك الغابرين؟ لاشك أن مرضاً ما أصاب البشرية أو علة تجعلهم على طريق الغابرين يسيرون. * إنها الغفلة، لا غيرها من علل أو أمراض. الغفلة التي تعيشها البشرية بين حين وآخر بتزيين الشيطان لهم أمورهم، وبث الأمان والاطمئنان في نفوسهم، وهم ربما يكونون قاب قوسين أو أدنى من عذاب مهلك قريب قادم، قد يأتيهم وهم نائمون أو هم في قمة اليقظة. العذاب إن جاء أو نزل، لن يوقفه نوم أو حتى يقظة ( أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون. أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ). * الأمم اليوم بكل أطيافها الدينية أو العقائدية، تعيش غفلة كاملة الأركان. لم تعد أمم اليوم تفرق عن الأمم الغابرة. هي العقليات تتكرر، والنفسيات كذلك. الأمم السابقة الهالكة غفلت عن دورها في الحياة، وتناست ما لأجله خلقها الله، وكذبت الأنبياء والمرسلين، وانكرت المعجزات المختلفة التي جاء بها الرسل الكرام وهم يرونها ويسمعونها دون حواجز أو سواتر، حتى حق عليهم القول، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. أمم اليوم أو هذا العصر، لا تختلف كثيراً عن أولئك الغابرين. التكذيب والجحود والنكران، فضلاً عن الاعتداء على القيم والفطرة الإنسانية، وزيادة شهوة القتل والنهب وإهلاك الحرث والنسل وغيرها من موبقات ومساوئ الأخلاق. والغرابة أن كلها تزداد مع ازدياد وانتشار العلم وسهولة الحياة، ما ينذر باحتمالية تكرار ما وقع قديماً للأمم الغابرة. فما جدوى علم لا ينفع ولا يمنع من الهلاك نهاية الأمر؟ *من كان يعتقد في قوم عاد وهم أقوى أهل الأرض يومئذ في الجسم والعلم والإمكانات، أن تنتهي حياتهم وحضارتهم وكل ما قضوا وأفنوا أعمارهم في بنائه وتشييده والتفاخر به خلال أسبوع واحد بأيامه ولياليه، حتى صاروا كأعجاز نخل منقعر، بعد أن كانت أجسامهم في الطول والعرض والقوة العضلية ما لا يمكن وصفها وتخيلها، حتى وصل الأمر بهم حيناً أن قالوا ( من أشد منا قوة ) من فرط الثقة بقواهم المختلفة، وثقتهم في الواقع كانت في محلها فعلاً، لكنها ثقة عمياء بعيدة عن الحق. *ومن كان يعتقد أن قوم ثمود وهم في القوة والإمكانات كقوم عاد، أن تنتهي قصة حياتهم بصيحة واحدة، والتي يقال إنها صوت فاق الحد الذي تستطيع الأذن البشرية تحمله، ومن شدتها رجفت الأرض من تحتهم، فانتهت كل تلكم الحضارة الثمودية في دقائق معدودات ؟ أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون.. الآية الكريمة – كما جاء في التفسير الوسيط - تحذر الناس من الغفلة عن طاعة الله، وتحثهم على التيقظ والاعتبار « فقد خوفهم سبحانه بنزول العذاب بهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة، وهو حال النوم بالليل، وحال الضحى بالنهار، لأنه الوقت الذي يغلب على المرء التشاغل فيه باللذات «. * الآيات نزلت بعد اشتداد مواجهات المشركين في مكة مع الفئة المؤمنة القليلة الصابرة، تقول للنبي الكريم « أفأمن يا محمد هؤلاء الذين يكذّبون الله ورسوله ويجحدون آياته - كما جاء في جامع البيان للطبري - استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش، كما استدرج الذين قصّ عليهم قصصهم من الأمم قبلهم «. الآيات وإن كانت تنبيهاً لأهل مكة، وهم يجحدون بآيات الله ويعادون رسوله الكريم، فهي كذلك تنبيه لكل من يأتي بعدهم إلى يوم الدين. ذلك أن الغفلة أمرها عظيم، ومآلاتها خسران مبين.
369
| 20 مارس 2025
يُعلن إبليس بسبب طرده من الجنة ومن رحمة الله، الحرب على آدم وذريته، ويكشف تفاصيل المخطط الخاص بتلك الحرب التي ستقع بعد قليل ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ). هكذا أعلن بكل جرأة ووضوح رؤية، لكنه إعلان اليائس الذي فقد كل أمل في أن يرجع إلى ما كان عليه، حين كان في الملأ الأعلى مكرماً مع الملائكة الكرام البررة. لكن السؤال ها هنا بعد مضي آلاف السنين: هل نجح إبليس وذريته في هذا المخطط؟ وماذا كان يعني إبليس من أن أكثر بني آدم لن يكونوا من الشاكرين لك يا رب ؟ بادئ ذي بدء، يمكن القول إن هذا التحدي أو هذا المخطط الإبليسي قديم قدم البشرية. ذلك أن معسكر الباطل والظلم والفساد في سعي مستمر، وعمل دؤوب لضرب معسكر الحق والإيمان أو معسكر الخير بشكل عام. لكن مع ذلك، لا يمكن القول إن إبليس حقق نجاحاً في هذا الأمر أو هذا المخطط أو هذا التحدي، وفي الوقت ذاته أيضاً، لا يمكن القول إنه أخفق، أو لم ينجح، أو لم يقدر على تحقيق ما أعلن عنه منذ قديم الزمن. إن نظرة على أحوال بني آدم منذ هابيل وقابيل، ستجد فعلاً أكثرهم غير شاكرين لله، غير حامدين له، غير متنبهين لألاعيب وأساليب الشيطان، بل تجد أكثر بني آدم يتبعون خطوات الشيطان، خطوة بخطوة رغم كثرة التحذيرات الإلهية.. لكن هكذا هم البشر. * تساؤل آخر قد يتبادر إلى الذهن وقبل أن نتعمق أكثر ونحن نتأمل هذا الأمر: هل كان إبليس على علم بشيء من الغيب ليقول إن بني آدم سيكون أكثرهم غير شاكرين؟ بالطبع لم يكن يعلم الغيب أو بعضاً منه. لكن كل ما بدر منه أو قاله في التحدي، كان ظناً منه، فوافق الواقع كما في قوله تعالى ( ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين ). لكن المهم في المسألة، أن إبليس – كما في تفسير الثعالبي – أخبر بأن سَعَايَتَهُ تفعل ذلك ظَنًّا منه، وتوسُّماً في خِلقة آدم حين رأى خِلقته من أشياء مختلفة، فعلم أنه ستكونُ لهم شيمٌ تقتضي طاعته، كالغلّ، والحسد، والشهوات، ونحو ذلك. عَلِم إبليس نقاط الضعف في بني آدم، وأدرك أو فهم تركيبتهم النفسية، وبالتالي أدرك أن مهمته لن تكون عسيرة في دفعهم بعيداً عن الصراط المستقيم، إن هو استطاع استغلال طبيعة بني آدم، أو تركيبتهم النفسية الطامعة الجامحة، والراغبة في كل جديد ومثير وغريب، وسهولة استثارتهم وجذبهم نحو سبيله عبر الشهوات المتنوعة المفطورين عليها. * لكن في الوقت ذاته، يدرك الشيطان أن الأمر ليس بالسهولة المأمولة، بل صعب وعسير، فليس كل بني آدم على الشاكلة التي يتمناها أو كما يتوقع. فهناك فريق من بني آدم، على رغم قلتهم مقارنة بالفريق الكبير المتبع لخطوات الشيطان، لن يكون له عليهم سلطان، مهما حاول وتفنن في أساليبه وطرق الإقناع. إنهم الذين اعتصموا بحبل الله، واتبعوا الصراط المستقيم، وأدركوا مآلات اتباع خطوات الشيطان. إن الصراع بين الخير والشر قديم، بل قصة طويلة ما بدأت لتنتهي سريعاً.. إبليس أقسم أن يجلس لبني آدم كل مجلس وكل موضع، ولا يترك منهم أحداً ( قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) أي " لأترصدن لآدم وبنيه على طريق الحق وسبيل النجاة، كما يترصد قطاع الطرق للسائرين فيها – كما جاء في تفسير الوسيط للطنطاوي - فأصدنهم عنها وأحاول بكل السبل أن أصرفهم عن صراطك المستقيم، ولن أتكاسل عن العمل على إفسادهم وإضلالهم". هكذا ديدن الشيطان وذريته مع بني آدم. *لكن مع ذلك كله، يأتيه الجواب الجلي الواضح من رب العالمين ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ). وفي هذا الجواب تتضح معالم المعركة بين النفس البشرية والنفس الشيطانية. لكن خلاصتها أن كل إنسان منا بيده القرار أن يكون في معسكر الخير أم معسكر الشر. يكفيك حتى تتخذ قرارك وتتحدى الشيطان، أن تتأمل قوله تعالى في الآية الكريمة التي توضح لك أقصى ما يمكن لإبليس أو الأبالسة القيام به مع بني آدم ( وقال الشيطان لما قُضي الأمر: إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ۖ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ۖ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم). هكذا هو المشهد بكل وضوح. إنه يوسوس ويزين لك فقط وهو يدرك أنك خاسر نهاية الأمر إن اتبعته، وسيكون أول من يتنصل عن مسؤولية خسارتك آخرتك. سيقول لك أمام العالمين بأنه لم يجبرك على شيء، لكن عرض عليك أمراً وأمرين وثلاثة وألفين، فلم تمانع من السير خلفه في أغلب ما عرض عليك من الأمور حتى خسرت آخرتك ( فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ). *خلاصة الحديث: من يتبع خطوات الشيطان، فلا يلومن إلا نفسه. وهذا يدفعنا أن نحاول أنا وأنت وذاك وتلك في شهر التأمل هذا، شهر القرآن، أن نضع الآية الكريمة أمام ناظرينا، كي ندرك مدى قوتنا وإرادتنا في رسم النهاية السعيدة التي نطمح إليها، ونمنع الشيطان أن يرسم لنا النهاية الشقية التي يسعى إليها هو وذريته. اعلم أن القرار بأيدينا وليس بيد شيطان أو غيره.
765
| 13 مارس 2025
لا شك أن كل أحد منا معرّض للفتن، وكل أحد- تبعاً لذلك- قابل للسقوط أو الصمود. لكن وقوع العلماء، من بين كل فئات المجتمع، وقت الفتن والمحن، أشد ضررا على الأمة، وخاصة أننا في زمن الاتصالات وسرعة انتشار الخبر والمعلومة، وبالتالي الخطأ الذي يقع من شخصيات يثق العامة بها، لاسيما علماء الدين، ضرره كبير، مهما تكن محاولات التصحيح والترقيع بعده. إن كثرة الظهور الإعلامي وسيطرة شهوة نيل الشهرة والبقاء تحت الأضواء، أمر في غاية الخطورة لمن لا يحسن التعامل مع كل تلك الأمور بحكمة واعتدال، وأتحدث ها هنا عن كل النوعيات من البشر، سياسيين وفنانين ومفكرين ومعهم علماء دين أو دنيا كذلك. فإن تلك الأمور مثلما ترفع الشخص إلى مستويات ومراتب عليا، قادرة أن توقعه أسفل سافلين، فيفقد أكثر مما كسب وجمع. لقد ساعدت التقنية في الاتصالات والمعلومات اليوم على كشف الكثيرين، وساعدت على رصد كل ما كان منهم وما هو كائن الآن، وصار بالإمكان تسجيل وحصر ما كان عليه أحدهم قبل وبعد. وحديثي هاهنا تحديداً عن علماء أو مشتغلين بالدين، لأن سقوطهم كما أسلفنا، ضرره كبير، ليس عليهم فحسب، بل على الآلاف المؤلفة من العامة الذين وثقوا بهم وعلمهم في سالف الأيام، واحتمالية أن يكون هؤلاء العلماء أو المشتغلون بالدين، عامل تشكيك عند البعض في الدين نفسه، وهو الضرر الأكبر. ليس مطلوباً ولا واجباً ممن استهوتهم الشهرة الإعلامية، والظهور المستمر في المنصات الإعلامية المختلفة، التحدث في كل مجال، أو خوض بحار لا يجيدون السباحة فيها، وخصوصاً علماء الدين باعتبارهم ورثة الأنبياء، كما في حديث طويل «إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً، إنَّما ورَّثوا العلم، فمن أخذَه أخذ بحظ وافر». وبالتالي يُفترض أنهم على منهج وسبيل الأنبياء يسيرون، أي الحرص كل الحرص على عدم فتح أي ثغرة يمكن أن يتسلل الشك منها إلى نفوس العامة بعدم خوض ما لا يجيدون فيه، وخاصة أننا نعيش عصر التخصص، بما في ذلك الدين. هذه نقطة أولى. النقطة الثانية أن من يقبل الظهور الإعلامي من علماء الدين والبقاء في الأضواء، رغبة في نشر العلم الشرعي وتثقيف الناس وتوعيتهم بأساسيات وفروع دينهم، ألا ينزلق في متاهات ودروب مجالات أخرى تتطلب علماً وفهماً ودراية ووعياً ومتابعة، وألا يتم استدراجه إلى مناطق يتم استنطاقه بطريقة وأخرى لأجل منفعة فئة معينة، ولو على حساب سمعته وشهرته ومستقبله. إن من يقبل الظهور الإعلامي المستمر من علماء دين أو غيرهم من الشخصيات العامة، عليه أن يكون حصيفاً ذكياً حكيماً، لا يخدعه مخادع من الإعلاميين أو المنصات الإعلامية التي تبحث عن الرواج والشهرة على حساب الآخرين. لا شيء أن يظهر أحدنا في المنصات الإعلامية، إن كان يملك فهماً ودراية بالموضوعات التي سيتحدث عنها، بشرط ألا يكون الظهور رضوخاً لضغوطات سياسية أو طمعاً في مكاسب مالية أو رغبة للتوافق والسير وفق المزاج العام السائد في المجتمع، فالكثرة لا تعني الصواب دوماً. الظهور الإعلامي له مكاسبه المتنوعة دون شك. فمن يكتسب شهرة إعلامية تجده ضيفاً دائماً على المنصات هنا وهناك، مع ما يصاحب ذلك من مكاسب مادية تزيد مع ازدياد الشهرة. لكن الخطورة هاهنا لمن لا يتنبه سريعاً لكثرة ظهوره، أن تلكم الكثرة تعني دفعه واقترابه نحو محرقة تنسف ماضيه وربما مستقبله، ما لم يقف ويهدأ حيناً من الدهر، وإلا ستبدأ شهرته فعلياً بالتآكل والضمور تدريجياً، وخاصة إن بدأت تصدر عنه آراء أو مواقف تتصادم مع المزاج العام أو تعمل على اختلاف وانشقاق الناس. * نعم للظهور الإعلامي بشرط الثبات على الحق، ومع الحق في كل زمان ومكان، مهما بدا الباطل جذاباً أو مؤثراً، وهذا أمر أجده غاية في الصعوبة نظراً لاختلاف المواقف والتوجهات بين الحين والحين، ولأنه يحتاج قوة إيمان ووضوح رؤية وثباتا على المبادئ. وقلما تجد هذه النوعية من الثابتين في زمننا هذا، لأن أحدهم إما أن يكون من النوعية التي تخاف على نفسها وأهلها ومالها، وتظن أن قول الحق سيكلفها الكثير، فاختارت الصمت، باعتبار أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. وإما من النوعية التي تثبت ولا تتزحزح عن الحق قيد أنملة، مهما اختلفت الظروف والمواقف والتوجهات وكانت الضغوط، وبالتالي تجدها إما أن أفواهها قد كُممت أو أقلامها كُسرت بصورة وأخرى، أو تجدها في غياهب السجون! والأمثلة عبر تاريخنا أكثر مما يمكن حصره وذكره في هذه المساحة. لكن الله غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
888
| 06 مارس 2025
سنّة الله في أرضه التدافع، أو صراع الخير والشر، أو الحق والباطل. حيث تقتضي هذه السنّة وجوب حركة مستمرة لفريق الحق من أجل منع الظلم أن يتغول ويتطاول وينتشر، وإلا فإن الأرض تفسد بفساد فريق الظلم والظالمين. آية التدافع أو مقاتلة أهل الشرك والظلم واضحة، وأنه لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لاستولى أهل الشرك، وعطلوا ما بناه أهل الديانات من مواضع العبادات - كما قال القرطبي في تفسيره - ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة، فالجهاد أمر متقدم في الأمم، وبه صلحت الشرائع، واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال: أُذن في القتال، فليقاتل المؤمنون. ثم قوّى هذا الأمر في القتال بقوله (وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس) أي: لولا الجهاد والقتال لتغلب أهل الباطل على أهل الحق في كل أمة. فالآية الكريمة تفيد أن الله تعالى قد شرع القتال لإعلاء الحق وإزهاق الباطل، ولولا ذلك لاختل هذا العالم، وانتشر فيه الفساد. ولأن حقيقة التدافع وضرورته في الحياة الدنيا تحتاج يقيناً راسخاً، انتصرت الفئة المحتسبة القليلة الصابرة التي كانت مع طالوت، ومن بعدهم انتصر المؤمنون في بدر، وهكذا الحال في كل زمان ومكان. كان ويكون. وأنه لولا اليقين الذي ترسخ عند تلكم الفئات القليلة الصابرة بأهمية وضرورة قيامهم بمجاهدة أهل الشرك والظلم الذي كان يمثله جالوت وجنوده، أو أبوجهل ومن معه من عتاة مجرمي قريش، وأنه لولا مجاهدتهم لكل أولئكم المجرمين الظالمين، لربما عاث ذاك الجالوت وجنوده في الأرض فساداً، ومن بعدهم أبوجهل وأمية بن خلف وغيرهم. ومن هنا وجبت مجاهدة أهل الباطل والظلم ودفعهم إلى أضيق الزوايا، كي لا تتاح لهم حرية التحرك والتجول هنا وهناك لإهلاك الحرث والنسل والفساد في الأرض. اليقين المطلوب هذا هو اليقين المطلوب أن يترسخ في أعماق قلوب أبناء هذه الأمة، المجاهدين منهم قبل غيرهم من العاملين في الصفوف الخلفية، أو حتى القاعدين عن الجهاد من أصحاب الأعذار، فإنه بدون ذلكم اليقين فستظل الحقوق مسلوبة، والدماء مسفوكة، والحرمات منتهكة، كما هو الواقع الذي يعيشه كثيرون من أبناء هذه الأمة في شمال الأرض وجنوبها، ومن شرقها إلى غربها. ما جرى في غزة على سبيل المثال وبحسب مصطلحات أهل الإيمان واليقين، هو السيناريو ذاته الذي جرى مع طالوت في مواجهة جالوت، أو أهل بدر في مواجهة مشركي قريش، أو ألب أرسلان في مواجهة مجرمي بيزنطة في ملاذكرد، ومثلهم السلطان قطز في مواجهة وحوش المغول في عين جالوت. مجاهدو غزة، أو الفئة القليلة المؤمنة، واجهت جيش الصهاينة المجرم، عديم الأخلاق والضمير، المدعوم أمريكياً وأوروبياً، وواجهت وتعاملت كذلك بحكمة لافتة للنظر مع خذلان غالبية أنظمة الأمة الحاكمة، وجيوشاً أخرى من المثبطين والمرجفين من النخب المثقفة المفكرة، وهي أبعد ما تكون عن الثقافة والتفكير. الحقيقة الأزلية مواجهة الفئة الغزاوية القليلة، لكل تلكم الجيوش الظالمة الباطلة المستنفرة لقمع الحق وأهله، إنما انطلق من اليقين الذي ترسخ وترعرع في وجدانهم من أن قلة العدد والعتاد ليست عائقاً دوماً نحو النصر في المواجهات الحاسمة، خاصة إن كان مع الفئة القليلة المستضعفة، إسلام وإيمان كالذي كان مع كل الفئات القليلة المستضعفة آنفة الذكر، وعلى رأسهم سيد المرسلين محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. ما جرى في غزة وما يمكن أن يجري فيها وحولها بعد قليل، سواء بعودة العدوان والهمجية الصهيونية، أو بدء سلسلة الخيانات والمؤامرات من جميع النواحي والاتجاهات والكيفية المتوقعة لتعامل غزة معها، لابد أن تكون كل تلكم الأحداث والمشاهد ضمن مناهج التربية والتعليم في المدارس والجامعات. لابد أن تكون أحداث غزة المنصرمة بكافة تفاصيلها السياسية والعسكرية والنفسية والتربوية وغيرها، مواد أو فصولاً عديدة تُدرس في مواد التاريخ والفلسفة والفكر والتنظيم والإدارة والسياسة، إلى جانب المواد العسكرية في كليات القادة والأركان. لب الحديث أن الحقيقة الأزلية التي لابد من استيعابها وهضمها تماماً، يمكن إيجازها بالقول إن هذا الكون لا يمكن للباطل أن يستقر فيه ويسيطر على مجريات الأمور. الباطل قد يكون له زمنه، يعلو فيه ويسيطر ويَفْجُر في الأرض، لكن أمده قصير مهما طال بغيه وفساده، وتعاظمت قوته ونفوذه. هذا الكون خلقه الله بالحق، ومصمم على أن يعلو فيه الحق لا الباطل، فهذا ناموس إلهي لا يتغير ولا يتبدل (ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون).
660
| 27 فبراير 2025
إن تأملت بعض الشيء في قوله تعالى (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) ستشعر كأن الحق جسم مادي صلب يُرمى به فيدمغ الباطل. والدمغ في اللغة هو شج الرأس حتى يبلغ الدماغ. أي أن الحق يهوي على الباطل فيشج رأسه ويزيله من الوجود. هذا التصوير القرآني البديع لمشهد قذف الحق على الباطل، إشارة إلى أن هذا الكون لا يمكن للباطل أن يستقر فيه ويسيطر على مجريات الأمور. نعم، الباطل قد يكون له زمنه، يعلو فيه ويسيطر ويفجر في الأرض، لكن أمده قصير مهما طال، فهذا هو ناموس إلهي في هذا الكون. وهذا الناموس الإلهي هو الذي يصنع يقيناً راسخاً في قلوب وأفئدة المؤمنين بنصر الله، بحيث «لا يخالجهم الشك في صدق وعده؛ وفي أصالة الحق في بناء الوجود ونظامه؛ وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه – كما جاء في ظلال القرآن - فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حيناً من الدهر عرفوا أنها الفتنة؛ وأدركوا أنه الابتلاء؛ وأحسوا أن ربهم يربيهم، لأن فيهم ضعفاً أو نقصاً؛ وهو يريد أن يعدهم لاستقبال الحق المنتصر، وأن يجعلهم ستار القدرة، فيدعهم يجتازون فترة البلاء يستكملون فيها النقص ويعالجون فيها الضعف. وكلما سارعوا إلى العلاج، قصّر الله عليهم فترة الابتلاء، وحقق على أيديهم ما يشاء. أما العاقبة فهي مقررة (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق). الصهيونية باطل ينتظر الدمغ خير مثال على الباطل مدار حديثنا، هو المشروع الصهيوني الذي رعته وقامت عليه بريطانيا قبل قرن من الزمان. فإن كانت الصهيونية تعملقت وفجرت في الأرض بدعم الشرق والغرب لها طوال قرن من الزمان، فقد حان الآن موعد زوالها، ففي هذا الكون - كما أسلفنا - لا يُسمح للباطل أن يصول ويجول كيفما شاء، فإن (لكل أجل كتاب) وقد حان أجل الصهيونية. طوفان الأقصى وتوابعه هو نموذج للحق الذي قذفه الله على الباطل الصهيوني بكافة تفاصيله وشخوصه ورموزه ومخططاته وأحلامه. فلقد جاء هذا الطوفان على أم رأس الصهاينة كجلمود صخر حطه السيل من علِ. جاء الطوفان، على رغم ما أثاره الكثيرون حوله من أكاذيب ومزاعم، وما حاول كثيرون آخرون من وقف تقدمه وكبح جماحه، جاء بقدرة قادر لأجل مهمة دمغ المشروع الصهيوني الباطل، ليُكتب على يديه نهاية هذا المشروع الشيطاني الذي اقتربت نهايته بإذن الله، وهذا ليس من منظورنا نحن المؤمنين بنصر الله، ولكن أيضاً من منظورهم هم أنفسهم، الصهاينة ومن يدعمهم. ها هو أحدهم وهو المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه في مقال له نشره قبل أقل من عام، يشبّه طوفان الأقصى بزلزال ضرب مبنى قديم فتصدع وتشققت جدرانه، حتى صار آيلاً للسقوط في أي وقت. فقال في ختام مقاله: «سواء رحب الناس بالفكرة أو خالفوها، فإن انهيار إسرائيل أصبح أمراً متوقعاً، وينبغي لهذا الاحتمال أن يوجه نحو حوار طويل حول مستقبل المنطقة». ويضيف قائلاً: «سوف يُفرض على جدول الأعمال عندما يدرك الناس، أن المحاولة التي دامت أكثر من قرن من الزمان بقيادة بريطانيا ثم الولايات المتحدة لفرض دولة يهودية مكان دولة عربية، تقترب ببطء من نهايتها. وسيتعين على المستوطنين الاستعداد للعيش كمواطنين متساوين في فلسطين المحررة والمتحررة من الاستعمار». الصهيونية على درب الشيوعية إن أقرب مثال أستحضره دوماً في مقالاتي للاستشهاد به حين الحديث عن الباطل، وأن هذا الباطل لا يدوم مهما طال عمره، هو المشروع الشيوعي الذي رعته دولة كانت عظمى هي الاتحاد السوفيتي منذ بدايات القرن العشرين. فقد تم تأسيس (بنيانه على جرف هار فانهار به في نار جهنم) ولم يكن ذلك المشروع إلى العدالة أو المنطق البشري ينتمي، بل متصادم مع الفطرة ومع إرادة الله في أرضه وخلقه، وما بُني على باطل فهو باطل. ما عاش المشروع ولا الدولة الراعية، بل انهارت تلكم الدولة في غضون سبعين عاماً، وتفتتت الجمهورية السوفيتية، أحد القطبين المتحكمين في العالم طوال ذاك القرن إلى خمس عشرة دولة. فقد أرسل الله إلى ذلك الباطل، الحق الذي تمثل في الجهاد الأفغاني، كي يدمغ الشر الشيوعي ويشج أم رأسه، فكان سبباً في انهيار ذلك الباطل. والصهيونية دون أدنى ريب، تسير على خطى الشيوعية في مسألة التأسيس وكذلك الزوال، الذي بات أقرب مما مضى. اليوم وقد أرسل الله الحق الفلسطيني في السابع من أكتوبر 2023 لأجل أن يدمغ باطل الصهيونية، ويشج رأس كل داعميه، حتى وإن بدا للعالم ظاهرياً غير ذلك، إلا أن الطوفان إشارة إلى أن الناموس الإلهي لا يقبل غلبة الباطل، بل الحق فقط. أما الباطل فعليه أن يزهق ويزول، عاجلاً أم آجلا. الجانب الخفي، أو الذي يُراد له أن يكون مخفياً، من كل ما جرى منذ أحداث السابع من أكتوبر قبل عام ونصف العام، هو ذلكم التصدع الذي أصاب كيان الاحتلال بصورة ليس لها مثيل، حتى صار العدو نفسه يعترف به، وإن كنت أعجب من بعض بني جلدتنا من لا يزال يحاول دعم هذا الباطل بكل صورة ممكنة، وبشكل ممجوج سخيف. لكن رغم كل محاولات الشرق والغرب في إنقاذ المشروع الصهيوني، إلا أن وعد الله قائم يمنع الباطل أن يطول أجله. ولقد حان أجل هذا المشروع الباطل عما قريب، بل ربما بزواله تزول قوى وأنظمة أخرى فعلت المستحيل لإبقاء جذوة الصهيونية مشتعلة بالمنطقة، لكن الحق أحق أن يُتّبع (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).
858
| 20 فبراير 2025
فكرة الإخوان المسلمين لم تكن قد نضجت بعد في فلسطين إلا بعد أن رأى أهلها شجاعة وحماسة واستبسال كتائب الإخوان في حرب 1948 ضد الصهاينة المحتلين، خاصة في غزة التي بقيت تحت حماية الجيش المصري، والذي كان لكتائب الإخوان دورها في الحفاظ على غـزة، بعد أن ضاعت أجزاء كثيرة من فلسطين بفعل الدعم الغربي للعصابات الصهيونية. النفوس في فلسطين بعد تلكم المعارك، بدأت تبحث عن السر الذي جعل تلك الكتائب بهذه الروح في تلك المعارك، فوجدت أنها الروح نفسها التي دفعت ابن الوليد وسعد والزبير والمقداد، ومن بعدهم صلاح الدين وقطز وألب أرسلان ومحمد الفاتح، فكانت قصص تلك الكتائب في تلك المعارك بدايات زرع فكرة الإخوان في فلسطين، حيث بدأت دعوة الشيخ البنا تصل وتنتشر تدريجياً. لكن تكرار محنة الإخوان المسلمين في مصر في عام 1954، أضعف الوجود المصري العسكري في غزة فاحتلها الصهاينة من جديد، ما جعل فكرة المقاومة المسلحة تنضج من جديد في غزة في سبتمبر 1967، وكان من أبرز الذين نادوا بفكرة التجمع وتأسيس حركة مناهضة للاحتلال، الشيخ أحمد ياسين رحمه الله. بقيت الفكرة في القلوب والأفئدة لمدة عقدين من الزمن، اهتم الإخوان خلالها بقيادة أحمد ياسين بالبناء التربوي وفي الوقت نفسه الجهادي، حتى جاء يوم التاسع من ديسمبر من عام 1987 حين وقعت حادثة دهس متعمدة لأربعة عمال فلسطينيين، فكانت شرارة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأدت إلى أن تشهد الأراضي الفلسطينية غلياناً مشهوداً، ويبلغ التوتر حداً ينذر بانفجار أو وقوع حدث ما سيكون له تأثير بعيد المدى.. ويمكن القول ها هنا إن ذلكم الحدث كان ولادة حماس عبر البيان الأول لتأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس، والإعلان بأنها جناح للإخوان المسلمين وامتداد لهم. يقوم الشيخ أحمد ياسين الذي كان مصاباً بالشلل الرباعي، بدوره التربوي والقيادي المؤثر، رغم الإصابة، ويستمر في استلهام خطوات مؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا في دعم وتقوية وبناء الجناح الفلسطيني أو الغزاوي لجماعة الإخوان المسلمين. ولم يمض عامان ونصف العام حتى شكلت حماس جناحها العسكري ليحل محل كتائب «المجاهدون الفلسطينيون» وتم تسمية الكتائب الجديدة تحت مسمى كتائب عز الدين القسام، تيمناً وتقديراً للمجاهد السوري الأصل، عز الدين القسام الذي بذر البذور الأولى لفكرة الجهاد المسلح ضد المحتل، وكان من أشعل فتيل الثورة الفلسطينية الأولى ضد المحتلين عام 1935. حماس مشروع أمة منذ ظهور حماس، والعدو الصهيوني فاقد لراحة باله، فالحركة لم تخضع ولم تركع لكل محاولات التدجين كما حدث مع فصائل فلسطينية أخرى، التي رأت أن تقاوم سلمياً عدواً متوحشاً لا يعترف بأغصان زيتون ولا غيرها من الأشجار الأخرى أو وسائل المقاومات السلمية، حتى باتت العنصر المؤثر في القضية الفلسطينية، والرقم الصعب، الذي أشغل كل العالم. هذا العالم أو النظام العالمي الذي ثبت بالتجارب والوقائع أنه لا يعترف ولا يتعامل إلا بالوسيلة التي هو يتعامل بها مع الآخرين. القوة لا غيرها. هذه باختصار قصة امتداد حركة الإخوان المسلمين نحو فلسطين وقصة ظهور حركة حماس من رحم هذه الجماعة، التي دخلت فلسطين منذ ثلاثينيات القرن العشرين، وإن ما يحدث الآن في فلسطين، لا سيما غزة، إنما هو امتداد لمعركة الحق والباطل. معركة الشر والخير. حركة المقاومة الإسلامية في غزة، اجتمع العالم كله، بما في ذلك العالم العربي، على سحقها ووأدها بكل الطرق والوسائل، لأن بقاءها هو ترسيخ لفكرة المقاومة والجهاد في هذا العالم، الذي سعى النظام الدولي وما زال يسعى منذ قرن من الزمان أن يسيطر على العالم ويوجه الأمور فيه كيفما شاء هو، لا كيفما يريده الآخرون، وبعد أن بذل جهده لعقود عديدة لبعثرة هذه الأمة بإلغاء ما كان يتجمع المسلمون تحت لوائها وهي الخلافة، ومن ثم تقسيم الأمة وتشتيت أمرها وقوتها، باعتبار أنها الأمة الوحيدة التي تملك القوى الكامنة اللازمة لقيادة العالم من جديد. وأحسبُ أن المقاومة المسلحة في غزة وبشكل مختصر، عبارة عن مشروع إحياء الأمة، وإنّ تركها وشأنها لن يكون في صالح النظام الدولي ومن يسير في فلكه بأي صورة من الصور، وبالتالي لابد من منع ذلك بكل الطرق، ووأد أي مشروعات من شأنها إعادة هذا الأمر أو إحياء أمل القيادة. والأيام ستثبت ذلك. حماس حركة مقاومة شرعية حماس أعلنت للعالم خلال طوفان الأقصى بأنها حركة مقاومة ضد احتلال غاشم قائم، وليست ضد أي دين أو فكر أو ثقافة أو عرق. الناس سواسية عندها كما هو واضح بيّن في ديننا الحنيف، الذي هو دين حماس، ودين الإخوان المسلمين، فلا دين لهذه الجماعة غير الإسلام الحنيف كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. إنها حركة مقاومة ضد احتلال. لا إرهابية كما تزعم بعض أنظمة حكم غربية وعربية. وستكون كذلك طالما بقي المحتل في غزة، سواء الصهيوني أو من يفكر في القيام بذلك، مثل التاجر المهووس بالمال ترامب، الذي يعتقد أنه بالمال يمكنه فعل ما يريد.. إنّ أي حركة مقاومة ضد محتل، جائزة في الشرائع السماوية، وجائزة في القانون الدولي الحديث أيضاً - إن كان العالم إلى الآن يعترف بمثل هذا القانون - وبالتالي لا فرد ولا مؤسسة ولا أي دولة قادرة على أن تقول عن حركة حماس إنها حركة تعمل بعيداً عن هدفها الرئيسي المشروع، وهو مقاومة احتلال بغيض دام أكثر من سبعة عقود، ومن يقول بغير ذلك، إما صهيوني أو متعاون معها، وإن كان مسلماً ! إنّ بقاء فكرة المقاومة التي أحياها الشيخ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، أكبر الحركات الإسلامية التي ظهرت في القرن العشرين، إنما هو اقتداء بأسلافنا من القادة والزعماء، وقبلهم الأنبياء، وبالتالي هي فكرة ترعب خصوم وأعداء الأمة، ومن ضمنهم منافقيها وهم على شكل نخب فكرية ومثقفة وعلماء سلاطين باعوا دينهم بدنيا غيرهم. لقد رأوا جميعهم منذ قديم الزمن ما يفعل الإيمان في المعارك والمواجهات الحاسمة، والتاريخ سجّل ما حصل في الخندق والقادسية وملاذكرد وعين جالوت.. إنها المقاومة التي صنعها الإيمان واليقين بنصر الله سبحانه من بعد اتخاذ كافة الأسباب والوسائل، وهو الفهم الذي عليه الإخوان المسلمون ومنها حماس. الفهم الذي لا يُراد له أن ينتشر بين جموع الأمة، بل ويتم محاربته بكل الصور والأشكال (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ).
1479
| 06 فبراير 2025
العنوان أعلاه جزء من قول مأثور للفاروق عمر - رضي الله عنه - في نقاش حازم مع أحد ملوك الغساسنة وهو جبلة بن الأيهم، بعد حادثة لطمه لرجل من عوام بني فزارة أثناء الطواف بالبيت، ما أغضب الفزاري حتى اشتكاه إلى الخليفة العادل عمر، فبعث اليه وسأله: ما دعاك يا جبلة إلى أن لطمت أخاك في الطواف فهشمت أنفه؟ قال جبلة: لستُ ممن ينكر، أو يكتم شيئاً. أنا أدَّبتُ الفتى وأدركتُ حقي بيدي ! قال عمر: أيُّ حقّ يا ابن أيهم؟ يريد أن يقول عمر لجبلة بأن مثل هذه المفاهيم لا محل لها عنده، يُقهر المستضعف أو يُظلم.. هي جاهلية وأزحناها من حياتنا يا جبلة، والكل سواسية أمام شرع الله. * حديث الفاروق لم يعجب جبلة وكان صدمة أولى له. هذا الذي عاش ملكاً قبل الإسلام، ويريد أن يكون كذلك بعد الإسلام ملكاً يعامل الآخرين كالعبيد كما كان في جاهليته. ثم كانت الصدمة الثانية حين أصدر عمر حكماً للرجل الفزاري أن يقتص من الملك، حسب قانون العين بالعين والسن بالسن.. يلطمه الرجل ويهشم أنفه. قال جبلة: كيف ذاك يا أمير المؤمنين؟ هو سوقة وأنا صاحب تاج. إنني عندك أقوى وأعز. أنا مرتد إذا أكرهتني. قال عمر: «عالمٌ نبنيه، كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعـزٌّ الناس بالعبد بالصعلوك، تساوى». لم يستوعب جبلة ما كان يعنيه عمر. لم يفهم أن الإسلام ساوى بين الناس، وأنه لا فرق بينهم إلا بالتقوى. ولم يفهم أن الارتداد عن الدين يستوجب حداً شرعياً إن هو أقدم عليه.. فما كان من جبلة إلا أن طلب من عمر أن يمهله إلى الغد. حتى إذا انتصف الليل هرب نحو القسطنطينية حيث هرقل الروم، مرتداً عن دينه ! فلما أصبح الناس، طلبه الفاروق، فعلم أنه فر إلى حيث إمبراطور الروم. لكن عمر لم يهتم به ولا مسألة ارتداده عن الإسلام، حتى وإن كان ملكاً من ملوك العرب، واحتمالية ارتداده عن الدين أن تؤثر على ردة ألوف من قومه معه. * الفاروق رضي الله عنه يدرك ويوقن تمام اليقين أنه في فترة تأسيس وترسيخ قواعد العدالة في دولة فتية، وإن أي تهاون في ذلك أو تأجيل هدم قيم الجاهلية غير المتوافقة مع الدين الجديد، ومنها تعطيل العدالة لصالح كبراء وعلية القوم وإضاعة حقوق ضعاف المسلمين، إنما يعني بناء الدولة على أسس هشة غير صلبة، أو أشبه بتأسيس بنيان على جرف هار يوشك أن ينهار بالبنيان في أي لحظة. الدول تبقى وتستمر بالعدالة، بغض النظر عن دين أهلها ومعتقداتهم. يروى عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال:» الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، والله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة «. الدول تنهار حين يتم الإساءة إلى قيمة العدالة بالتهاون أو التغييب، والتي تعني فتح الباب واسعاً أمام تغول الظلم وانتشاره، مع ضمور تدريجي للقيم الفاضلة بالمجتمع، ولعل ما سمع العالم به قبل أيام من قيام الرئيس الأمريكي الصهيوني بايدن بإصدار عفو رئاسي عن خمسة أفراد من عائلته، رغم ثبوت قيامهم بجرائم مختلفة، هو نموذج للتلاعب بقيم العدالة، حيث أراد حمايتهم من أن يصبحوا هدفاً لتحقيقات اعتبرها ذات دوافع سياسية، وهو تبرير أقبح من الذنب، رغم وجود آخرين كثيرين أصابهم الظلم وهم أحق بالعفو. * ولمزيد من تأكيد التلاعب بالعدالة، أصدر قرارات بالعفو عن جميع المشرعين الذين كانوا أعضاء في لجنة الكونغرس المعنية بالتحقيق في اقتحام مبنى الكونغرس من جانب مؤيدي ترامب بعد خسارته السباق الرئاسي في 2021 ، خشية أن يلاحقهم الرئيس الجديد الذي ثار معلقاً على القرار بأنه مخز، وأن كثيرين من المستفيدين منه ارتكبوا جرائم كبرى، لكن الطريف أن ترامب نفسه وقّع في اليوم الأول من حكمه على عفو رئاسي عن أولئك المشاركين في اقتحام مقر الكونغرس، ما يشير إلى أن العدالة فعلياً بدت ضائعة، وخرج المحققون والمتهمون من القصة وضاعت القضية الأساسية في خضم هذا التلاعب، إلى جانب كثير من القيم التي كانت الولايات المتحدة تتفاخر بها على العالم، ضاعت أيضاً خلال العدوان على غزة دون كثير شروحات وتفصيلات، فالعالم رأى وعاين وشاهد، والأدلة متوفرة في كل مكان. * الشاهد من الحديث أن ما قام به الفاروق وهو يسير على درب حبيبه المصطفى – صلى الله عليه وسلم – وشدته في الاقتصاص للمظلوم من ظالمه، كان يريد أن يرسّخ في الأذهان وإلى يوم الدين، معنى أن يعيش الناس أحراراً آمنين مطمئنين، لا يظلمون ولا يُظلمون، وأنه لا ذات مصونة أمام القضاء أو الشرع. الكل أمام الشرع سواسية. لا يوجد أي سبب يدعو للتفاضل بين الناس في مسألة العدالة. لا منصب، ولا مال، ولا جاه، ولا حسب أو نسب. وهذا يفسر لك لماذا يخاف كثيرون أن يحكم الإسلام كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، سواء كان الخائفون من أمة محمد أو من هم خارجها..
798
| 23 يناير 2025
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. حقيقة حياتية لا ريب فيها. والآية الكريمة إشارة واضحة إلى أن تغيير واقع ما نحو الأفضل، إنما يتطلب أولاً أن يقع التغيير في الذين يقومون على أمر ذلك الواقع، سواء كانوا على شكل أفراد أو على هيئة كيانات سياسية، إدارية، مالية أو غيرها. وبصورة أكثر وضوحاً، على شكل شركات، وزارات، دول، أمم وغيرها. يحكى أن ملكاً كان يحكم دولة واسعة جداً، وأراد هذا الملك القيام برحلة برية طويلة ذات يوم. وبعد أن قطع شوطاً في الرحلة، بدأ في رحلة الرجوع، وخلال العودة وجد أن قدميه تورمتا بسبب كثرة المشي في الطرق الوعرة، فأصدر أمراً يقضي بتغطية كل شوارع المملكة بالجلد ! لكن أحد المستشارين حوله، أشار عليه برأي آخر وجده أفضل مما ذكره الملك نفسه، وهو صناعة قطعة جلد صغيرة تكون تحت قدمي الملك فقط تمنع تورم قدميه. فارتاح الملك وأراح من كان حوله من عمل ضخم بلا جدوى، فكانت تلك الفكرة أيضاً بداية صناعة الأحذية - أعزكم الله. العبرة من القصة أنه إذا ما أردت أن تعيش سعيداً في هذه الحياة، فلا تحاول تغيير كل الحياة أو كل العالم، بل ابدأ مشروع التغيير في نفسك أولاً، وابذل جهدك عليه، ومن ثم ابدأ في تغيير ما حولك من بشر وحياة بقدر ما تستطيع. إن أراد نفرٌ تغيير واقع شركة مفلسة مثلاً، أو وزارة فوضوية أو حتى دولة متدهورة أحوالها، فلا بد أن يحدث التغيير أولاً فيمن سيقومون على أمر التغيير. سواء كان على شكل إعادة تأهيلهم وتدريبهم، أو حتى ابعادهم عن مواقع الإدارة والمسؤولية. ومن ثم يتم بعد ذلك تغيير الأنظمة والإجراءات والقوانين في تلك الكيانات. وهكذا، يكون أولئك النفر قد بدأوا الخطوات الأولى في تجسيد الآية أو أحد أبرز قوانين التغيير الحياتية ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ). تغيير الكيانات البشرية إلى الأفضل حسب هذا القانون، يتطلب أن تطول عمليات التغيير كل الفاسدين والظلمة، والمرجفين والمنافقين، وكذلك المستفيدين من أوضاع التردي وأشباههم كثير كثير. إن مثل هذه التغييرات لا يمكن تحقيقها بالأماني والأحلام. بل بعمل صحيح ووفق رؤى سليمة بعيدة، وعلى أيدٍ مخلصة أمينة، ترى التغيير هو الحل الأنجع والأنجح في تغيير واقع سلبي محبط كئيب، إلى واقع آخر مشرق إيجابي سعيد. التغيير لا يمكنه أن يكون فاعلاً واقعاً ذا تأثير عميق ما لم يكن ناتجاً عن رغبة عارمة جازمة حازمة، وفيما غير ذلك لن يكون القيام بالعملية التغييرية بالصورة المثالية من تلك التي ترى أثرها إيجابياً على الواقع المراد تغييره. إذن واحدة من شروط التغيير الأساسية أن يكون بناء على رغبة عارمة في إحداث التغيير. وكلمة عارمة تفيد هذا المعنى. أي أن تتكون لدى راغبي التغيير، نهمٌ وشغف بتغيير ما يرغبون في تغييره، بحيث لا يمكن أن يحول بينهم وبين التغيير حائل، أو يمنعهم مانع. بهذه الروح وبهذا التصميم وذاك الحزم، ستتغير الأمور والوقائع، لأن هذا هو المنطق السليم في التغيير كما بينته الآية الكريمة. نقطة البداية تكون من الداخل، سواء كانت على شكل أفراد أو لوائح وإجراءات أو أخلاقيات وقيم أو غيرها من عوامل التدهور والواقع السيء الذي عليه الكيان المراد تغييره، وتغيير ما يحيط به. ثم بعد ذلك ينتقل التغيير تدريجياً نحو الخارج أو المحيط.. ولنا في رسولنا الكريم الأسوة والقدوة الحسنة. لاحظ وبتوجيه إلهي، كيف بدأ تغيير واقع متكلس جاهل غارق في الظلم والفوضى، ونقله إلى واقع آخر بشكل مختلف تماماً. فهو صلى الله عليه وسلم بدأ بعملية التغيير من الداخل أولاً، فأنذر عشيرته الأقربين، وشرح لهم دعوته. هكذا بدأ بهم ثم توسع تدريجياً في اختيار من سيكون لهم أدوارهم المؤثرة قريباً في عملية تغيير واسعة شاملة، وهكذا تدريجياً خلال سنوات ثلاث حتى اكتملت العملية بفضل من الله، لتتواصل عمليات التغيير يوماً بعد آخر وتكتمل خلال ثلاثة وعشرين عاماً حافلة، ليأتي عليه الصلاة والسلام ويقرأ على أصحابه ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ). والله سبحانه كفيلٌ بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
663
| 16 يناير 2025
يحكى أن رجلاً ذهب إلى أحد العلماء، وشكا إليه فقره، فقال له العالم: أَيسُرُّكَ أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم؟ فقال الرجل: لا قال العالم: أيسرك أنك أخرس ولك عشره آلاف درهم؟ فقال الرجل: لا قال العالم: أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف درهم؟ فقال الرجل: لا قال العالم: أيسرك أنك مقطوع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفا؟ فقال الرجل: لا قال العالم، أما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك نعم بخمسين ألفا ؟! بالشكر تدوم النعم. هكذا تقول التجارب البشرية، وهي التجارب ذاتها تؤكد أن كفران النعم، سبب لزوالها. والإنسان بحسب طبيعته - كما قال السعدي في تفسيره «لا تسمح نفسه بما عليه من الحقوق، فتؤديها كاملة موفرة، بل طبيعتها الكسل والمنع لما عليه من الحقوق المالية والبدنية، إلا من هداه الله وخرج عن هذا الوصف إلى وصف السماح بأداء الحقوق». أغلبنا ينظر إلى المفقود من النعم وإن كانت قليلة نادرة، ولا يشعر بالموجود، وهي كثيرة وافرة. ومن هنا يعاتب الله الناس أن أكثرهم غير شاكرين، غير حامدين، بل لنعمائه جاحدون! حاول أن تجلس إلى نفسك يوماً لتعد وتُحصي نعم الله عليك، سواء في بدنك، أو بيتك أو محيطك أو ما شئت من المجالات التي ترى فيها نعم الله عليك وعلى أحبائك. حاول أن تكتبها كي لا تنسى نعمة أو أخرى. ستجد في لحظات قليلة، قائمة طويلة عريضة تشكلت عندك، وفيها من نعم الله الكثير الكثير. وستجد أن نعم الله عليك فعلاً لا تُعد ولا تُحصى. ولكن لتكرارها حولنا أو اعتيادنا على وجودها في كل لحظات حياتنا، ننسى أنها من نعم الله التي يغرقنا الله بها رغم كل التقصير في حقه سبحانه. نعمٌ ظاهرة وباطنة، تستوجب شكراً دائماً أبدا. إنّ زيارة سريعة لعدد من المرضى في أي مستشفى، ستدفعك دفعاً وأنت خارج عنهم أن تشكره سبحانه في كل دقيقة وثانية.. تشكره على نعمة العافية لا يمكن لأحد أن يساوم عليها بملايين الدراهم والريالات أو الدولارات، وهي واحدة من نعم الله علينا وعليك. ألا تلاحظ معي أن الناس في لحظات معينة من حياتهم صارت تدفع ما تملك، لتسترد ما كانت تملك من صحة وعافية؟ نعمةٌ لا نشعر بها إلا حين تغيب عنا ولو للحظات. يقول ابن قيم الجوزية:» إظهار النعمة والتحدُّث بها من صفات المؤمنين الشاكرين، وأما أن يكتم المرء النعمة، ويُظهر أنه فاقد لها؛ إما بلسان الحال أو المقال، فهو كفرٌ لها، وهو من صفات الكافرين الجاحدين، وإنما سُمي الكافرُ كافراً؛ لأنه يغطي نعمة الله التي أسبغها عليه، ويجحدها ولا يقرُّ بها «. حين منّ الله على نبيه داود – عليه السلام – وآله، بأشكال وصور شتى من النعم التي لم توهب لغيرهم، قال لهم ( اعملوا آل داود شكرا )، ليس شكراً بترديد كلمات وأذكار فحسب، بل ذلكم الشكر الذي يكون بالقلب واللسان والجوارح. أما الشكر بالقلب فيكون عبر الاعتقاد الراسخ أن ما أنعم الله عليك، فإنما هو من فضله سبحانه (وما بكم من نعمة فمن الله) وأما باللسان فعبر الرضا والقناعة بما عندك، وفي الوقت ذاته تسأله سبحانه المزيد من فضله وكرمه. وأما الشكر بالجوارح فعبر استخدام نعم الله فيما يرضيه سبحانه لا ما يجلب غضبه. يروى عن أحد الصالحين أن الرجل إذا سلم على الرجل، وسأله كيف أصبحت، فقال له الآخر: أحمدُ الله إليك. يقول المَلَك الذي عن يساره للذي عن يمينه: كيف تكتبها؟ قال: أكتبه من الحامدين. وروي أن رجلين من الأنصار التقيا، فقال أحدهما لصاحبه: كيف أصبحت؟ فقال: الحمد لله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا هكذا. نقطة أخيرة في موضوع الشكر وتدور حول الوعد الإلهي للشاكرين الحامدين، وهي أنه سبحانه يزيدهم من فضله ويبارك فيما ينعمه عليهم ( لئن شكرتم لأزيدنكم ). فكلما شكرتَ الواهب، زادك من فضله وبارك لك فيما أعطاك. لكن إن وجدت نفسك لا تشكر الله على نعمائه، وبعيدا عنه سبحانه، ومع ذلك لا تشعر بنقصان النعم والخيرات والثروات، بل تراها تزيد وتتكاثر، فاعلم أن الله يستدرجك. والاستدراج يعني الهلاك دون أدنى شك (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) والمبلسون هم اليائسون من كل رحمة وكل خير. فاللهم اجعلنا لك ذكّارين، لك شكّارين، إليك أوّاهين منيبين.. آمين يا رب العالمين.
573
| 09 يناير 2025
ما إن حدث التحول العظيم في سوريا قبل أسابيع قليلة، والانهيار الدراماتيكي لنظام فاسد ظالم جثم على صدور الناس عقوداً خمسة مظلمة، حتى صار ذلكم الانتصار المدوي لثلة مؤمنة مجاهدة، حديث العالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه. لو أن الذي حدث في موقع جغرافي بعيد عن العالم العربي المسلم، ما كان جل العالم سيهتم به كثيراً كما هو الحاصل الآن مع الثورة السورية، بل ويدقق في تفاصيل الحياة اليومية للثلة المنتصرة، ولم يكن كذلك ليهتم كثيراً كيف ستدير تلك الثلة المنتصرة بلادها، ولن يهتم بمن سيتولى الحقائب الوزارية في حكومة مؤقتة أو دائمة.. لم يكن ليهتم بكل تلك التفاصيل التي تغرقنا بها وسائل الإعلام العالمية، لاسيما الغربية منها وتلك التابعة لها من الإعلام العربي.. كل هذا الاهتمام دون أن ندخل في كثير تفصيلات وشروحات، سببه واحد متكرر منذ أن عرف العالم هذا الدين. إنه الإسلام أو روحه التي ما إن تكون بالأجواء في أي موقع أو أي حدث، إلا ورأيت العالم كله يهتم ويجلس إلى تفاصيل التفاصيل، يريد أن يدقق فيها ويتعرف عليها، بل والأكثر من ذلك، يريد أن يتدخل في كل دقائق الأمور ويفرض رأيه بصورة وأخرى، وكأنما هذا العالم خلا من مشكلاته وقضاياه من تلك التي تحتاج لكثير اهتمام ومتابعة.. ولكن لأن الإسلام ظاهر في الحدث السوري وبشكل واضح للعيان، وجدت كل ذئاب وثعالب العالم وقد تجمعت وترادفت وتعاونت لكبح جماح هذا السيل الهادر، الذي جاء من أقصى الشمال السوري واجتاح كل ما يجد في طريقه حتى الساحل. دعم الشرع واجب شرعي لا يهمنا الآن هذا التكالب الغربي وبعض العربي على الدولة السورية الجديدة، والمحاولات التي تجري في السر والعلن لضبط مسارها لتتوافق مع ما تم رسمه للمنطقة منذ قرن بائس من الزمان.. ما يهم الآن أولاً هو كيفية دعم بناء هذه الدولة من منطلق شرعي كما في الحديث الصحيح «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». فالدولة السورية تمر بمنعطف مهم، بعد أن عبث بها العابثون سنين طويلة. مطلوب ذلكم التداعي الأخوي الصادق، بعيداً عن أي حسابات وأجندات سياسية، من أجل تثبيت أركان سوريا الجديدة وبناء مؤسساتها وفق نظام راسخ قائم على العدالة، حتى يتفرغ الشرع وإخوانه ثانياً للعلاقات مع الخارج. ما يقوم به السيد أحمد الشرع وإخوانه من خطوات بنَّاءة هادئة في ضبط الشؤون الداخلية، وإعادة الأمن والأمان إلى البلاد تدريجياً رغم تحديات الخارج والداخل، هو عمل كبير يستحق كل دعم وتأييد، سياسياً واقتصادياً وإعلامياً وغيرها. إنهم يسيرون كما يبدو للمراقب، وفق شرع الله في اختياراتهم للأكفاء وذوي القدرات والمهارات في إدارة البلاد، رغم العويل والضجيج الذي يحدثه كل عمل يقوم به السيد الشرع وإخوانه، قبل وبعد العمل. لكن من طريف ما يمكن ذكره ضمن سياق حديثنا عن ترتيبات البيت الداخلي، أن تتدخل دول عربية وغربية في كيفية بناء الدولة السورية الجديدة، وكيفية إدارتها، وقد تناست تلك الدول أنها أكثر بؤساً وفقراً في فكرها وعقيدتها وقيمها ومبادئها، بل وأكثر حاجة لأن تتولى أمورها وتهتم بشؤونها قبل أن تتدخل في أمور غيرها. إعادة مفهوم الربيع العربي ما يعمل عليه السيد الشرع وإخوانه على نار هادئة، رغم النيران المشتعلة في نفوس كثيرين حوله خوفاً ورهباً، هو ما كان الجمهور العربي الثائر يأمله بعد انتهاء ثوراتهم في تونس ومصر وليبيا واليمن منذ أن اشتعلت شرارة الربيع العربي أواخر عام 2010. إنه يقوم بترتيب البيت الداخلي وتكليف القوي الأمين في كل موقع، لا يهمه إن كان فلاناً ابن علان، أو إن كان صاحب مال أو جاه، بقدر ما يهمه أن يكون من يختاره ذا سابقة في الجهاد، وصاحب فكر وعقيدة صافية، وكفاءة قيادية ومهارة إدارية. إنه يعلم أن تلك المعايير لن تعجب كثيراً من الحضر ولا الغجر، لكنها تتوافق مع شرع الله، وما توافق مع الشرع الحنيف، حصل التوفيق والسداد بإذن الله، وهذا هو المقصد والهدف. من هنا لا أشك لحظة في أن السيد الشرع وإخوانه يدركون في عملية البناء أهمية البطانة الصالحة، فإن أول ما يمكن أن يبدأ به أي مسؤول عمله هو القيام بالاختيار الدقيق لبطانته، أو من سيكونون حوله، أو بتعبير إداري أدق، يختار فريق العمل الخاص به، الذي معه يتحرك ويعمل. فإن نجح في هذه الخطوة، فالخطوات القادمات تكون سهلة يسيرة. أما إن فشل في هذه البداية، فالطريق سيكون شاقاً غير يسير. الله الله في البطانة مما سبق نرى أهمية بالغة قيام أي مسؤول بتشكيل أو اختيار البطانة أو فريق العمل، قبل أن ينطلق نحو تحقيق الأهداف والمهام الموكولة به. القرآن الكريم أشار إلى أهمية هذه الفئة، وضرورة الاعتناء بمسألة الاختيار كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) حيث ينهى الله المؤمنين بهذه الآية – كما يقول القرطبي - أن «يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء ويسندون إليهم أمورهم». عمر بن عبد العزيز رحمه الله، نموذج إداري قيادي ناجح بعد الخلافة الراشدة. اختياره الموفق لبطانته، لعب دوراً في الرخاء والعدل والأمن الذي حدث للأمة في عامين هي مدة خلافته. فلم يكن رحمه الله يتحرك وفق أهواء وأمزجة متقلبة، بل وفق علم وفقه وإيمان، تسانده بطانة صالحة كانت أكثر كفاءة وعلماً منه، وليس في ذلك ما يعيب المسؤول، فإن قوة وكفاءة البطانة هي في صالحه قبل صالح الأمة. وليس شرطاً أن تكون البطانة جيشاً من خبراء ومستشارين، فقد تكون البطانة رجلاً واحداً، لكنه بألف رجل. ولنا في موسى - عليه السلام - النموذج، فقد كان هارون - عليه السلام - هو البطانة، وهو المستشار. ولنا كذلك قبل أي أحد، رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - ثم خلفاؤه الراشدون، القدوة الحسنة في هذا الأمر. والله بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
705
| 02 يناير 2025
منذ قديم الزمن حتى اليوم، لا تجد طاغية أو فرعوناً يتعظ من تجارب وأخبار من سبقوه في الحكم. كل طاغية يعتقد أن ما جرى لنظيره في موقع ما لن يتكرر معه، وشواهد التاريخ كثيرة ومتنوعة. أبرزهم فرعون موسى، ثم من جاء بعده من الطغاة على مر السنين، حتى كان آخرهم الذي خرج خلسة من قصره إلى صقيع روسيا، بعد أن « ظن أن لن يحور» ولن ينقلب عليه أحد ! أفعال الطغاة تلهب أفئدة الجماهير بعد حين من الدهر، طال أم قصر، فتتحول لجماهير غاضبة قد تنتج عنها ثورات ذات قوة هائلة لا يستوعبها الطغاة عادة. تلكم القوة قادرة على التغيير لو أنها اندفعت باتجاه صحيح عبر قيادة واعية راشدة، تعرف أولاً معنى حشد الجماهير وتوجيهها باستخدام القوة الهائلة الكامنة فيها، وتعرف ثانياً كيفية استنهاض وتوجيه تلك القوى الكامنة في الوقت المناسب، مع مهارة وقدرة تلك القيادة على ضبط وربط تلك الحشود حتى الوصول إلى الغاية المنشودة، دون أن تتشرذم تلك الحشود، ويحصل ما لا يُحمد عقباه. ليس كل حشد ثورة من بحثوا فلسفة الثورات وعلم نفس الجماهير، وجدوا أن الثورة يمكن أن تطلق على أي حركة شعبية تحدث تغييراً ونقلة نوعية في المجتمع، تشمل الجانب السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، الأمني وغيرها من جوانب. بمعنى آخر، يمكن أن نطلق على أي فوران شعبي أنه ثورة، إذا اشترك فيه غالب قطاعات المجتمع، وهدف الجميع واحد أو محدد، وهو إزالة نظام بكامله، وليس شخوصاً بعينهم، كتغيير رئيس النظام مثلاً أو تغيير حكومة، مع بقاء بقية أنظمة الدولة كما هي، لاسيما الدولة العميقة. هذا تغيير لا يمكن أن يطلق عليه ثورة، لكنه أقرب لأن يكون انقلاباً أو انتفاضة على وضع معين، أو احتجاج بزخم ثوري مؤقت، ما يجعله محدود الأثر. بمعنى أنه لا توجد أي ضمانات أن تأثيراته ستمتد لحصول تغيير تام في البلاد، لكن رغم ذلك يمكن اعتباره شرارة أولية تحتاج إلى موجة ثانية وثالثة ورابعة وربما عاشرة من موجات عمل جماهيري ثوري حقيقي منظم. ما حدث مثلاً في انتفاضات الربيع العربي الذي انطلقت أواخر 2010 يمكن اعتبارها أمثلة واضحة على ما نتحدث فيه. فما جرى في تونس مثلاً ومن بعدها مصر ثم ليبيا واليمن، لم تكن سوى تفريغ سريع لاحتقانات شعبية على شكل تظاهرات وحشود، لكن لم يتم استثمارها بشكل صحيح أولاً، حتى تدافعت ثانياً قوى طاغية ظالمة تكاتفت بكل الصور والوسائل لوأدها أو تضليلها. وهذا ما حدث. إذ عادت الجماهير إلى المربع الأول وهي أكثر خشية ورعباً من أنظمة الحكم، التي تجبرت أكثر وأكثر، وأعادت ترسيخ نفسها، بل وتعاونت مع كل قوى الشر الأرضية من أجل البقاء وعدم تكرار ما جرى.. النموذج السوري لكن أبرز الأحداث التي شغلت وما زالت تشغل العالم كله، ذلكم الانقلاب الهائل الذي جرى في سوريا، بعد أن ظن الجميع أن الجماهير السورية التي انتفضت وتظاهرت وقاومت النظام في السنوات الأولى من الثورة، انتهت ولم تعد لها قائمة. فهي على أرض الواقع لم تعد إلى المربع الأول فحسب، بل تشتتت شرقاً وغرباً، بل في كل الأنحاء. وظن الجميع في الوقت نفسه أن النظام استقر وترسخ أكثر بعد أن تدافعت قوى شر لها أجندتها، زعمت ظاهرياً دعم النظام والمحافظة على أمن البلاد، وهي في الباطن كانت تسعى لتثبيت مصالحها وتجسيد أجندتها على أرض الواقع، وقد تناسوا جميعاً بطلان سعيهم وقذارته، وأنه ظلم وبغيٌ بيّن، وذلك الظلم مرتعه وخيم، وعلى الباغي تدور الدوائر ولو بعد حين، والمكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، وقد حاق بهم من كل جانب. ما جرى فعلياً في الحراك الثوري السوري، أن نواة الثورة على الظلم بقيت صالحة لم تفسد، حيث تمت رعايتها وبناء مساراتها تدريجياً كي تدور فيها قريباً كل القوى الراغبة في تغيير واجتثاث نظام باغ فاسد ظالم، عاث في الأرض فساداً، وطال أمره كثيرا. حتى إذا دنت ساعة الخلاص والاجتثاث، تحركت الجموع المؤمنة بالله أولاً ثم المؤمنة بهدفها، فكان ما كان خلال أيام عشرة حاسمة جاء خلالها الحق بقوته، وزهق الباطل بقساوته وأدواته. وما زالت، حتى ساعة كتابة هذه السطور، عمليات التغيير مستمرة من أجل حصول كامل الاجتثاث لنظام فاسد أهلك الحرث والنسل كثيراً، وزرع الخوف والرعب طويلا، الذي لم يتعظ مما جرى لغيره، فحدث له ما حدث وما زال يحدث بفضل الله. القيادات وضبط الإيقاعات الجماهيرية خلاصة القول ولكي لا يحيد أي فوران وهيجان شعبي ضد الفساد والظلم عن طريقه، لابد من قيادة مخلصة حكيمة، توجّه وتهذب وتنظّر، وتحاول ضبط الإيقاع الجماهيري، والتحذير في الوقت نفسه من القوى المتربصة بها، وإلا فإن النتائج غالباً تكون كارثية لو تُرك الحبل على الغارب، أو انشغلت القيادات بخلافات بينية أو هامشية، وسيتضرر منها الثائرون ربما أكثر من المُثار عليهم، الذين بحكم خبراتهم وارتباطاتهم بالخارج أو خلاياهم الداخلية النائمة، قادرون في وقت معين على إحداث فُرقة أو ثغرة في المد الثوري عبر ما تسمى بالثورة المضادة، التي تكون مهمتها الرئيسية امتصاص الصدمة، والبدء بتفتيت القوى والقيادات الثورية بوسائل عدة، بمعية خارجية انتهازية، كي تمكّن النظام من العودة.. انشغال القيادات بالهوامش وصغائر الأمور، وعدم التنبه إلى دخول من يهمهم استمرار الأوضاع الفاسدة ضمن المنتفضين بصور شتى، من شأنه تعطيل حركة اجتثاث الظلم والفساد، وبالتالي تعطّل حركة البناء والإصلاح. وما انتفاضات الربيع العربي، باستثناء السورية حتى الآن، سوى أمثلة حية بارزة يمكن تأملها والاستفادة من أخطائها، وفي التاريخ دروس وعبر.
624
| 26 ديسمبر 2024
هذه الأمة كتب لها الله البقاء إلى حين يشاء سبحانه، قدرها أن تعيش وتستمر. لا يهلكها الله ويفنيها كما أفنى أمماً وأقواماً غابرين، هذه حقيقة لا يستوعبها المتربصون بالأمة منذ أن أخرجها الله للناس، فهي لن تموت، مهما أصابتها كوارث ومصائب ونوازل، وشواهد التاريخ أكثر مما يمكن حصرها ها هنا في هذه المساحة المحدودة. الأمة كانت تحت قيادة واحدة منذ قيام دولة المدينة، ثم الخلافة الراشدة فدولة بني أمية العظيمة، تبعتها دولة بني العباس، التي اتسعت وعظم شأنها حتى كانت أكبر الإمبراطوريات في تلك الفترة، وإن ظهرت بجانبها دول وممالك إسلامية متفرقة في الأنحاء، لها شخصيتها الاعتبارية، لكن كانت رغم ذلك توالي الخليفة العباسي، حفاظاً على الرابطة التي تربط الأمة ببعضها البعض، رغم نشوب خلافات ونزاعات بين تلك الممالك بعضها البعض، لكن الرابط كان باقياً. إن أمة صمدت أمام الحروب الصليبية المتتالية، ثم وباء المغول، وصولاً إلى وباء الاستعمار أو الاستخراب الغربي، الذي أهلك الكثير من الحرث والنسل، واستمراره في الكيد والتآمر، هي أمة تستحق أن تعود لريادة وقيادة الأمم، ولكن بعد أن تسترجع بعض عوامل تلك القيادة التي فقدتها جراء كل تلك الضربات القديمة والمعاصرة المستمرة. نماذج معاصرة ما جرى لمسلمي بلاد الأفغان من كوارث ومجازر على يد امبراطورية ملحدة، هي الاتحاد السوفييتي، وانسحابها مهزومة مدحورة أواخر 89، ومن ثم تعرضها لاحتلال أمريكي غربي غاشم مجرم تارة أخرى في 2001 والكوارث التي حلت بمسلمي أفغانستان على يد الأمريكان حتى خروجهم مدحورين مهزومين في قائظ 2021، أمر يدعو للتأمل. إن شعباً مسلماً فقيراً قاوم وصمد أمام أعتى قوتين ظهرتا في التاريخ، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وقدم مئات الألوف من الشهداء، دليل على حقيقة ما نقول، وهي أن الأمة لن تموت، مهما بلغت قوة ووحشية معسكرات الكفر والضلال ضدها. خرجت أفغانستان من تلك المحن، أقوى وأصلب وأثبت على عقيدتها ودينها مما كانت قبل ذلك، وها هي اليوم تخطو خطواتها الجادة في التنمية والبناء، لتؤكد إلى جانب الحقيقة الأولى التي ذكرناها آنفاً، أن ما يؤخذ بالقوة لا يمكن أن يُسترد إلا بالقوة. ما وقع على الأفغان في الثمانينيات تكرر على مسلمي البوسنة بداية التسعينيات على أيدي الصرب الأرثوذكس، وأهلك أولئك المجرمون الحرث والنسل، فيما كان العالم يراقب كعادته، بل أحياناً حدثت مجازر لمسلمي البوسنة بمعية ومعاونة دول غربية!. ثم يشاء الله بعد ذلك أن يضرب الظالمون بعضهم بعضاً، ليخرج من بينهم البوسنيون بعد سنوات من الظلم والقهر سالمين، وفي الطريق نحو الاستقلال، فتقوم دولة البوسنة والهرسك بفضل الله، ثم صمود أهلها ومقاومتهم بكل ما أوتوا من قوة، بمعية إخوة لهم في العالم الإسلامي منذ بدء الإجرام الصربي ضدهم. ولم يتحقق للغرب الصليبي مشروع تصفية وتذويب مسلمي البوسنة، في إشارة إلى أن هذه الأمة لا تموت. الشام وهو ينهض سوريا الشام، مؤشر آخر على حيوية هذه الأمة، فقد ثارت أغلبية شامية سنية على ظلم أقلية نصيرية حكمت البلاد بترتيب من المستخرب الفرنسي ودعم سخي، فأثارت في الأرض فساداً طال وامتد عقوداً كانت أشدها مجازر حماة في 1982 ليعيش الناس بعدها في رعب حقيقي سنوات طوالا، حتى قيام الثورة قبل عقد من الزمن مضى، فتكررت المجازر المتتاليات خلال سنوات عشر ماضيات، حتى رأى الشوام ما رآه شعب بغداد حين داهمهم المغول المجرمون. ومات من مات، وتشرّد من تشرّد. لكن مع كل ذلك الظلم والاستبداد، استرجع أصحاب الأرض والحق بلدهم، وفر من فر من الفئة الظالمة حتى حين، في إشارة تؤكد مرة أخرى إلى أن الأمة لا تموت، وأن جيش محمد سيعود. إنّ استرداد الحقوق لا يمكن تحقيقه بالمفاوضات العبثية، والمؤتمرات الفارغة، والوعود الكاذبة، وما طوفان الأقصى المبارك، إلا نتيجة هضم جيد للمقاومة الفلسطينية في غزة لتلك التجارب السابقة في بلاد الأفغان والبوسنة مع الأعداء، ومن قبلهم دروس متنوعة من تاريخ هذه الأمة، ذلك أن المعسكر الكافر لا يفهم إلا لغة القوة. وما دعوة القرآن لأهله بإعداد القوة قدر المستطاع، إلا لأجل ترهيب دائم مستمر لمعسكر الكفر، كيلا يتجرأ ويحقق مراده. إن مثل هذه الحوادث المفصلية التاريخية، وآخرها سقوط النظام السوري، وإن كانت بأثمان باهظة، فهي نتائج طبيعية في المجمل العام. هكذا هي قوانين أو سنن التدافع أو الصراع بين الحق والباطل. إن ثورات الربيع العربي التي بدأت قبل عقد من الزمان تأتي ضمن هذه السنن، فإن تمت مواجهتها بثورات مضادة عنيفة، وتعطلت في كل الدول التي كان لها النصيب من الربيع، إلا أن الحق أحق أن يُتّبع، وهو منتصر لا محالة على الباطل وجنده، وأن عودة جيش محمد لنشر العدل أمر حتمي بإذن الله. قطار الربيع العربي الذي بدأ في رحلة ذهاب من تونس مروراً بليبيا ومصر واليمن، وتعطل في سوريا، يبدو أنه في رحلة إياب وعودة جديدة إلى نقطة البدء، ربما أبعد وأوسع. رحلةُ تعزيز وتصحيح. رحلةٌ تنطلق هذه المرة من سوريا، بعد أن اشتعلت جذوة الثورة ضد الظلم والعدوان والاستبداد من الأرض المباركة، التي لها الفضل الكبير بعد الله سبحانه في الحراك الحاصل، ليس في أمة العرب فحسب، بل العالم أجمع، الذي عليه أن يدرك بأن الظلم مرتعه وخيم، وعمره قصير وإن طال. (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).
753
| 12 ديسمبر 2024
مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من...
4479
| 20 يناير 2026
التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم...
735
| 20 يناير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف...
714
| 20 يناير 2026
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم...
639
| 21 يناير 2026
احتفل مركز قطر للمال بمرور عشرين عاماً على...
621
| 18 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت...
615
| 25 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم...
570
| 22 يناير 2026
لا أكتب هذه السطور بصفتي أكاديميًا، ولا متخصصًا...
525
| 22 يناير 2026
إن فن تحطيم الكفاءات في كل زمان ومكان،...
516
| 18 يناير 2026
عاش الأكراد والعرب والأتراك في سوريا معًا لأكثر...
495
| 20 يناير 2026
«التعليم هو حجر الزاوية للتنمية… ولا وجود لأي...
453
| 21 يناير 2026
أضحى العمل التطوعي في دولة قطر جزءاً لا...
447
| 19 يناير 2026
مساحة إعلانية