رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إلى وزير التربية والتعليم

لماذا هذه الرسالة إلى وزير التربية والتعليم دون بقية من تم تكليفهم بالحقائب الوزارية مؤخراً؟ الجواب باختصار، التعليم هو الأساس لأي بناء. فكلما كان الأساس متيناً متماسكاً مبنياً وفق أصول وقواعد، كان البناء كذلك، مهما كبُر وعظُم. ومن هنا أكتب رسالتي إلى الفاضلة لولوة الخاطر، وزير التربية والتعليم والتعليم العالي، لتأتي ضمن سلسلة مستمرة متنوعة من الرسائل التي كتبتها من ذي قبل إلى وزراء تعليم سابقين.. كلنا يدري صعوبة متابعة شؤون التعليم والإشراف عليها وعلى ما تركه سابقون في هذا المجال المهم، فما بالك لو طالبنا بإصلاح التعليم بما يتوافق مع تطورات المرحلة التي يمر بها العالم كله؟ لا شك أن عملية الإصلاح أصعب، ولن تكون المهمة الإصلاحية سهلة إلا ما جعله الله سهلا، والذي في الوقت نفسه، إن شاء جعل الحَزْنَ سهلاً أيضاً. والحزن ها هنا هو الأمر الصعب الذي إن استشكل علينا، تذكرنا من فورنا دعوة نبينا الكريم « اللهمَّ لا سَهلَ إلَا ما جَعلته سهلاً، وأنت تَجعلُ الحَزْنَ إذا شئتَ سهلاً «. فاللهم بادئ ذي بدء، اجعل مهمة الخاطر سهلة ميسرة. لب الموضوع، وحتى نبتعد عن الإسهاب أو الاستطراد، أطرح بعض مقترحات ضمن أخرى كثيرة لا يتسع المقام لها، لكن كولي أمر من أولياء الأمور أولاً، ومهتم بأمر التعليم في البلاد ثانياً، أجد الوقت مناسباً لطرح تلك البعض على سعادتها، وتأجيل أخرى، وهي تدور حول ضرورة جعل تطوير وتحديث مناهج التعليم على رأس قائمة الأولويات لديها. تطويرٌ شاملٌ يتضمن كذلك أساليب التعليم، والبناء الصحيح لمفهوم التعلم الذاتي لدى الطلاب، مستفيدين من التطور التقني والمعلوماتي الهائل الذي يشهده العالم. الكتب المدرسية معنى ذلك أن الكتب المدرسية لا بد أن تصفّى من الحشو أو المعارف التي طرأ عليها الكثير من التغير بحكم الزمن، والتي يتم التعامل حالياً معها كما كان سابقاً، عبر إبلاغ الطلاب بأنها مواد لن تدخل الاختبار ! هكذا بكل سهولة، دون النظر إلى أن هذا الأمر هدرٌ للأموال والأوقات والجهود، وتكريس في الوقت نفسه لمفهوم خطير لابد من تغييره بكل الطرق، هو التعلم لأجل الاختبار، والذي أعتبره من أسباب تذمر الطلاب من التعليم ومؤسساته بشكل عام، وخلو نفوسهم من الشغف بالتعلم، على رغم أننا في عصر المعلومات والبحث عنها بوسائل متقنات متنوعات جاذبات، وهذا ما يدفع إلى أهمية تطوير أساليب وتقنيات التعليم والتعلم. ثورة المعلومات وتقنيات البحث عنها، جعلت الكثير من المعارف والعلوم في متناول اليد، وبالتالي صار الحصول عليها لا يتطلب سوى لحظات. وهذا يعني أنه لم يعد حفظ أرقام وحقائق ومعلومات تاريخية وجغرافية وغيرها من المعارف ذات أهمية كما كان قبل سنوات، بينما اليوم يستطيع أحدنا الحصول على مبتغاه في لحظات. وهذا هو ما قصدت بأهمية تطوير وسائل وتقنيات التعليم والتعلم، بحيث يتم التركيز على تعليم الطالب كيف يبحث عن المعلومة، وكيف يستفيد منها، وكيف يتعامل معها وكيف يعالجها، بدلاً من حفظها عن ظهر قلب لأجل استظهارها وقت الاختبار ! تغيير دور المعلم مهارة الحفظ مطلوب استثمارها لحفظ القرآن والأحاديث وما يتطلب حفظه من علوم الدين وبعض أساسيات اللغة العربية والحساب. لكن اليوم وبحكم التطورات التقنية والمعلوماتية، أرى أن نعلم الطالب كيف يحصل على مبتغاه من المعلومات عبر تقنيات البحث المتنوعة، وتدريبه على المهارات اللازمة للتمكن من بحث فاعل ومثمر، ثم نزوده بتقنيات معالجة المعلومات وكيفية تقديمها أو عرضها. هذا يعني تحويل كثير من المواد الإنسانية وبعض العلمية كذلك إلى مواد تعلم ذاتي، أي بدون معلم يقف أمام الطلاب يشرح لهم أهداف الثورة الفرنسية وحملة نابليون مثلاً، أو يعدد أشكال تضاريس الأرض وأنواع البراكين والأنهار، أو طبقات الغلاف الجوي، وما إلى ذلك من معلومات ومعارف يستطيع طالب المرحلة الإعدادية اليوم أن يبحث عنها بأريحية تامة. يقرأها ويشاهدها بمتعة وشغف، ربما أفضل من الطريقة التي يقدمها أستاذه، دون أن يرضخ في الوقت نفسه لضغوط حفظ المعلومات لأجل الاختبارات.. وبالتالي يكون دور المعلم وفق هذه الرؤية، هو التوجيه بشكل أساسي، وتسهيل أو توفير ما يحتاجه الطالب من أدوات وتقنيات لتنفيذ المهام المطلوب منه في عملية التعلم، ثم يكمل المعلم دوره بعد ذلك في تقييم عمل الطالب وفق آليات محددة. هذا يدفعنا للتساؤل عن طريقة اختبارات غالبية المواد بما فيها العلمية، ولم لا تكون بطريقة الكتاب المفتوح مثلاً، والتي يمكن اليوم أن نسميها باختبارات الفضاء المفتوح، بحيث تكون كل الوسائل متاحة وقت الاختبار للطالب، سواء كتب مدرسية أو أجهزة كمبيوتر مربوطة بالإنترنت، أو أي وسيلة أخرى تساعد الطالب على الوصول إلى المعلومة المطلوبة. تعديل آليات الاختبارات معنى ذلك أن فلسفة وآلية عمليات التقييم أو الاختبارات لابد أن تتغير، بحيث يكون التركيز في التقييم أو الاختبار على مهارات البحث عند الطالب، وكيفية الوصول للمعلومة الصحيحة المطلوبة بشكل دقيق، وتقييمه على مهارات معالجة المعلومات، وطريقة أو وسيلة تقديمها على شكل مقال أو بحث أو عرض تقديمي، بعد أن يكون قد تم تمكينه من أساسيات كتابة المقالات والبحوث والعروض التقديمية، ولو بصورة مبسطة تتطور مع التقدم في مراحل التعليم. أحسبُ أن هذه الفلسفة في التعليم والتعلم والتقييم، ستوفر الكثير من الهدر الحاصل في الأوقات والجهود والأموال، بل وتزرع في النفوس حب التعلم لأجل التعلم، لا لأجل الاختبار، بل وربما ساعدت كذلك على اختفاء ظاهرة التسرب لدى كثير من الطلاب، خاصة إن علم الطالب أنه سيتقدم من مستوى إلى أعلى دون ضغوط الإخفاق في مادة أو أكثر والمؤدي إلى إعادة السنة الدراسية، ليس لفقر الإمكانات العقلية والمهارية عنده، بقدر ما هو كائن غالباً في آليات التعليم والتقييم المتبعة حالياً، المعتمدة بشكل كبير على مهارة الحفظ والاستظهار وقت الاختبار عند الطالب، الذي يدخل عالم التعليم والتعلم وهو يملك مهارات وقدرات كامنة، وإمكانات ربما هائلة، فيصطدم بآليات تعليم وتقييم لا تراعي كثيراً مهارات وقدرات عديدة لديه فيكون الإخفاق، ومن ثم التسرب بعد حين من الدهر لا يطول، بالإضافة إلى عوامل أخرى تشمل طرائق التعامل معه من قبل الهيئات الإدارية والتعليمية بالمدارس !! خلاصة الحديث نرغب ونطالب أن تكون المدرسة واحة جذب للطالب، لا عامل طرد. نريد أن يجد الطالب نفسه خلال ساعات التعليم والتعلم في بيئة مريحة تساعده على نمو مشاعر الشغف بالتعلم، لا أن يحسب دقائق وساعات اليوم للخروج من بيئة مغلقة لا تختلف عن المعتقلات، بدليل تصاميم المباني المدرسية غير المريحة، ذات الأسوار الكاتمة العالية، بالإضافة إلى ساعات التعليم الطويلة التي نرى أهمية إعادة النظر فيها، لتتناسب مع ظروف الطقس وتقاليدنا الدينية والاجتماعية، ولاعتبار آخر مهم هو أن العالم اليوم يبحث عن تعليم نوعي ذي جودة، لا تعليم كمي يغرق فيه المعلمون قبل الطلاب! وبسبب التعليم الكمي المتبع حالياً، طالت ساعات الدوام المدرسي، وطارت بسببه مشاعر الشغف وحب التعلم، في ظل أجواء جاذبة مريحة باعثة على التعلم خارج أسوار المدارس.. والحديث في التعليم، ذو شؤون وشجون لا تكفي مساحات الصحيفة هذه للحديث عنها، فما بالك بهذه المساحة المحدودة، لكن ربما في قابل الأيام، نكمل ما بقي من هذه الرسالة بإذن الله، سائلاً المولى عز وجل للفاضلة لولوة الخاطر، كل توفيق وسداد. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

1389

| 21 نوفمبر 2024

من وحي موقعة أمستردام

الأحداث التي أعقبت مباراة كرة قدم بين نادٍ إسرائيلي وآخر هولندي في أمستردام قبل أيام عدة مضت، كشفت للعالم مرة أخرى وليست أخيرة، كم صار الصهاينة منبوذين حول العالم، وكيف يحاول الإعلام الغربي المنافق مرة أخرى، خلق سردية متناقضة لما عايشه ورأه الآلاف على أرض الواقع، قبل أن تنتشر المقاطع حول العالم وتفضحه. موقعة أمستردام، إن صح وجاز لنا التعبير، تنضم لمواقع وأحداث كثيرة منذ بدء طوفان الأقصى، لتكشف مدى رداءة تلك الحثالة الصهيونية التي تستوطن فلسطين، بعد أن سرقت وقتلت وبغت في الأرض سنين عديدة. كشفت الموقعة الأمستردامية رداءة هذه النوعية من البشر، وكيف أن العالم خلال عام واحد انكشفت له الألاعيب الصهيونية التي انخدع بها بصورة وأخرى، فكان من نتائج ذلك الانكشاف، ما يحدث الآن في كثير من دول العالم من تغير في المواقف والاتجاهات ضد الصهاينة، لم نكن لنحلم بها نحن العرب والمسلمين قبل عام واحد فقط أن تقع أو تنتشر في دور الفرنجة والغرب، الذين كانوا سبباً في صناعة هذا الكيان المسخ في زمن مضى. كشفت لنا موقعة أمستردام كذلك كيف أن الإعلام الغربي المداهن، لازال ينافق ويجامل الكيان المسخ، ولا زال على غيه وفساده. لم يتعلم من دروس طوفان الأقصى الماضية. إنه بهذا يدمر نفسه بنفسه، ولا يهمنا ذلك بقدر ما يهمنا أن نعرف بأن هذا الحاصل هو أحد وجوه النصر لطوفان الأقصى غير الملحوظ تماماً. إعلام لا يتعلم إذن هذا الإعلام الجبار النافذ، الذي كان له دوره المؤثر على كثير من مجريات الأحداث حول العالم لعقود طويلة، ما كان أحدنا يتصور أنه سيقع في شر أعماله يوماً ما بالطريقة التي نراها الآن، بعد أن ساد في العالم أنه أصدق إعلام، وأكثر إعلام صاحب مبادئ وقيم وأخلاقيات، فإذا به ينكشف مع هزة حقيقية واقعية مع أحداث الطوفان التي فاقت قوتها أحداث تدمير أبراج نيويورك المفتعلة، التي قسمت يوماً ما العالم إلى فسطاطين. فسطاط حق وفسطاط باطل، أو كما جاء في التصور الأمريكي وروجت له الولايات المتحدة تحت مفهوم الإرهاب. فإما أن تكون مع الإرهاب أو مع المعسكر المناهض له، الذي هو بالطبع معسكر الأمريكان وحلفائهم ! طوفان الأقصى رج الأرض رجاً من تحت أقدام الإعلام الغربي، الذي سقط القناع عنه، وبدا ذا وجه بشع قبيح، يعمل بلا أخلاق أو ضمير، ولا قيم أو مبادئ، كما كان يروج لنفسه عقوداً من الزمن، وخدع العالم بها. أراد هذا الإعلام المنافق مرة أخرى أن يعيد سيناريو السابع من أكتوبر مع ما جرى في أمستردام، وإظهار الصهاينة في صورة الضحية، وإن كنت لا أستبعد أن تلك الأحداث كانت مفتعلة، بقصد استثمارها إعلامياً وتحسين صورة الصهاينة، وتشويه صورة العرب بشكل عام، وتبرير ما يجري في غزة منذ عام. ويمكرون ويمكر الله مهما مكروا وما زالوا يمكرون، إلا أن الله خير الماكرين. إذ بعد الأحداث، طار الإعلام الصهيوني ومعه الغربي ببعض المشاهد، محاولين إظهار الغوغاء الإسرائيليين في صورة " يهود ضحايا " وأنهم يتعرضون مرة أخرى لحدث لا يختلف مغزاه عما جرى لهم مع النازيين ! بمعنى آخر، أرادوا صناعة صورة ذهنية مطورة لليهود المضطهدين على يد أعداء البشرية، وهم حالياً العرب والمسلمون. أرادوا لعب دور الضحية من جديد، وللمرة الألف. الدور الذي أتقنه شذاذ الآفاق على مر العصور. لكن فاتهم أن الواقع الآن اختلف تماماً، وسيختلف بعد حين من الدهر قليل، ويتعمق أكثر فأكثر لصالح الضحايا الحقيقيين في هذه الأحداث المستمرة منذ أكثر من سبعين عاما. مع كل ذلك الجهد الإعلامي وبعض الرسمي الغربي الجبان في دعم وترويج ذلكم العمل المفتعل أو المخطط له، وتصويره على أنه وقع بدوافع " كراهية اليهود " أو " ضد السامية "، كان الله لهم بالمرصاد. حيث خرج هولنديون شرفاء وآخرون من دول أوروبية أخرى، كانوا ضمن ميدان الحدث، فكان لهم رأيهم غير المدفوع له، واستطاعوا بهواتفهم تصوير التطورات قبل يوم وأثناء المعركة. كشفوا الزيف الإعلامي الغربي والحقائق التي أراده ذلك الإعلام المنافق أن يخفيها، فرأى العالم الجوانب الخفية، أو الصورة الكاملة لتطورات الأحداث، فزاد العالم مقته وكراهيته للغرب بشكل عام. طوفان الأقصى يثمر نعود مرة أخرى لما بدأنا به الحديث، ونقول إن موقعة أمستردام، مثلما كشفت رداءة هذه الحثالة المهيمنة على فلسطين، فإنها كشفت أيضاً أن طوفان الأقصى لا يزال يثمر الجديد والجميل كل يوم، وموقعة أمستردام أحسبها ثمرة من ثمرات هذا الطوفان، حيث إن تغيير صورة ذهنية مصنوعة بمليارات الدولارات خلال عقود عديدة، ومن ثم إخراجها من عقول وألباب العالمين خلال سنة واحدة فقط، لا يمكن وصفه سوى بالإنجاز الأسطوري، إن صح وجاز لنا الوصف. وبالطبع مثل هذه الثمرات لا يمكن أن يتذوقها ويشعر بها إلا كل صاحب ذوق رفيع، يرى الأمور بقلب مؤمن سليم، ونظرته للأمور والوقائع دقيقة وبعيدة عن حسابات الربح والخسارة المادية، المتمثلة في خسائر الحروب الطبيعية من الأرواح والممتلكات، مهما كانت تلك الأرواح غالية وثمينة، لكن من المؤكد أنها ليست أغلى من الجزاء الموعود بالآخرة، أو هكذا يفهم المؤمنون. إنه كما يخسر الجانب المؤمن في هذه المعركة، يخسر كذلك الجانب الكافر. وكما يتألم معسكر الإيمان، يتألم معسكر الكفر، وهو ما يدعو المعسكر الأول إلى الاستمرار وعدم التردد أو التوقف ( ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ). الآلام كبيرة وكثيرة وموجعة، لكن الفارق أن آلام أو خسائر المعسكر الإيماني تصب في صالح بناء مستقبل واعد مشرق بإذن الله، دنيا وآخرة ( وترجون من الله ما لا يرجون ) على عكس آلام وخسائر المعسكر الشيطاني الكافر، التي تعني خسارة ما أنفقوا عليه من جهود وأموال وأوقات، ثم يرونها تذهب سدى وهباء منثورا، وتذهب نفوسهم عليها حسرات، تجعلهم بعد حين من الدهر قصير، لا يرون مستقبلاً آمنا مطمئناً، لا دنيا ولا آخرة، وهذا أقل جزاء قبل يوم الحساب ( وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) أعاذنا الله وإياكم منها.

537

| 14 نوفمبر 2024

الشيطان لا ينسى

مكائد الشياطين لا تنتهي، فإن أسبقيتهم عن البشر بالظهور في هذه الدنيا، جعلت خبراتهم وألاعيبهم تتراكم وتتنوع، فلا يستوعب الإنسي مكيدة شيطانية إلا وأخرى خرجت أمامه ضمن عمليات مستمرة لا تتوقف، تطبيقاً وتنفيذاً لتعليمات إبليس، من بعد أن طرده الله من رحمته. طلب إبليس بعد تأكده من قرار الطرد الذي لا رجعة عنه، ولا له توبة أبداً، طلب من الله أن يمد في عمره ولا يموت كباقي الخلائق إلى يوم البعث. لماذا كان ذلك الطلب الغريب؟ لكي يتمكن من إغواء بني آدم ودفعهم لاتباع خطواته. يريد أن ينتقم من ذرية هذا الإنسي الذي بسببه خرج من الملأ الأعلى. خرج من مكانة لا يصل إليها أي مخلوق سوى الملائكة. خرج بعد أن صدر قرار طرده من الرحمة الإلهية. فاستجاب له ربنا تبارك وتعالى، فهو موجود منذ أن خلقه الله وإلى أن تموت كل الخلائق والموجودات مع نفخة اسرافيل الأولى. بدأ من فوره في عمليات الإغواء والاضلال، بدءاً من آدم ومن سيأتي من ذريته، ودفعهم عن جادة الصواب والصراط المستقيم. هذا هو ما حدث ولا يزال يحدث من إبليس وذريته منذ إغوائه لأبينا آدم – عليه السلام – إلى يوم الناس هذا، وإلى ما شاء الله أن يستمر إغواء الشياطين لبني آدم. من هنا لا تظن أيها الإنسان، مهما كنت صاحب إيمانيات عالية، أن الشيطان تاركك على صراط الله المستقيم. لابد أن يدفعك دفعاً للخروج عنه وسلوك طرق أخرى معروفة نهاياتها. إن استطاع دفعك بالإغواء فلن يتردد لحظة واحدة في سبيل ذلك، فإن لم يستطع أشغلك حتى النسيان، فإن عجز عن ذلك قام بالتشويش عليك، فإن فشلت عملية التشويش قام بتخويفك ونسج خيالات وأوهام متعلقة بعملك أو حياتك أو أهلك أو مالك. لن يعجز الشيطان في الاتيان بكل ما هو جديد عليك من مسالك ودروب ومداخل وخطوات. كلها تؤدي للهدف نفسه وهو إخراجك عن الصراط المستقيم. القرآن يحذر الآيات القرآنية التي تحذرنا من الشيطان وألاعيبه كثيرة، فهذا الشيطان تكمن قوته في مهارته وقدرته على الإغواء والوسوسة والايحاء ليس أكثر. بمعنى أنه لا يملك سلطة عليك، ولا يقدر أن يأمرك مباشرة لفعل الشر، بل هو يدرك مسألة التحدي عند بني آدم حين يأتي وقت التحدي. الإنسان منا إن دخل موقفاً قد ينتج عنه فعل يقلل من الشأن ويصيب بالإهانة، تجده يصمد ويتحدى ويتعالى على الموقف، فتصعب عملية إذلاله، سواء دفعه إيمانه القوي بالله إلى ذلكم التحدي، أو دفعته اعتبارات أخرى شخصية أو اجتماعية أو غيرها لأن يترك نفسه الأبية أن تنزل منازل هابطة ويرضى بها. هذا بالمجمل أو بشكل عام، إلا ما ندر من نفوس تكون بالأساس قد نشأت في بيئات المذلة والإهانة، فهذه نفوس تحتاج لجهود جبارة لتشكيلها من جديد. حتى لا يضيع منا خيط الموضوع.. أقول: إن الشيطان يتجنب وضع الإنسان في مواقف تثير عنده روح التحدي والتصدي، لأنه سيخسر معه جولاته وسيضطر لمحاولات عدة متنوعة، وهو في الواقع - أي الشيطان - يرغب أن تقع ضحيته من أول جولة كي يتابع عمله مع آخرين. إن اثارة روح التحدي عند الإنسان غالباً تكون مرتبطة بعقيدة قوية، وإيمان راسخ، بغض النظر عن ماهية تلك العقيدة أو ذلك الإيمان. فكيف لو كانت تلكم العقيدة وذلكم الإيمان بالله سبحانه؟ لا شك أن الشيطان سيبذل جهوداً جبارة في عملياته ضد صاحب تلك الروح المؤمنة الصادقة. بالطبع لن يتركه هكذا يسير مستريحاً على صراط الله المستقيم. لكن، ولأنه عاش أزمنة عديدة اكتسب خلالها مهارات ومعارف وتراكمت عنده خبرات السنين الطوال، يبدأ في ممارسة تكتيكاته مع هذا الشخص. إن نفع التكتيك الأول، قام بتعزيزه فترة ثم يتركه ليتفرغ لآخر. أما إن فشل، فيبدأ في طرق وأساليب أخرى متنوعة. لا يهدأ له بال، ولا يستريح ليلاً أو نهارا. البداية عنده أن يدفع بالإنسي إلى عالم الشرك، فإن لم يقدر عليه دفعه إلى عالم البدع والخرافات، فإن لم ينجح أدخله عالم الضلال والانحراف، فإن تجاوز الإنسي ذلك، يبدأ الشيطان في اشغاله عن الصالحات من الأعمال، لاسيما العبادات كالصلاة والصيام والصدقة، فإن لم ينجح تراه يشغله بالفاضل عن الأفضل، أو يزين له التعمق في عالم المباحات أو التساهل في المتشابهات، أو تحقير صغائر الذنوب، وهكذا هو الشيطان في عمل دؤوب مستمر لا يكل ولا يمل. وصايا نبوية الوصايا النبوية الكريمة لأمته بالثبات على الأذكار في الصباح والمساء، وتلاوة القرآن والمداومة عليها، إنما هي بمثابة ارشادنا إلى الأدوات والأسلحة اللازمة من أجل الاستمرار أقوياء صامدين في حروبنا مع شياطين الجن، ومعهم شياطين الإنس كذلك. الله عز وجل يحذرنا من هذا الكائن في مواضع عديدة من القرآن (ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين). نداء إلهي إلى عباده المؤمنين يحذرهم من عدوهم الذي لا يكل ولا يمل. يا عبادي الذين آمنوا بي حق الإيمان، انتبهوا إلى عدو أبيكم آدم وعدوكم أنتم ومن يكون معكم من المؤمنين إلى يوم الدين. انتبهوا يا عبادي المؤمنين ولا تتبعوا خطوات الشيطان. وإن خطواته بالمختصر المفيد، هي طرائقه في الغواية والوسوسة، وأساليبه ومسالكه في تزيين الشر، حيث عمله القديم المتجدد إلى ما شاء الله له أن يعيش. انتبهوا يا عبادي من هذا العدو، ولا يغرنكم بالسير معه أو وراءه في طرق ومسالك لن تكون عاقبتها ونتائجها سارة لكم، فمتى زيّن هذا العدو الخير للمؤمنين وعباد الله الصالحين؟ إن من يضعف أو يغفل لحظة عن هذا العدو، فيتبعه هنا أو هناك، فلا شك أنه الخاسر. لا يضعف أحدكم فيسير في النميمة والغيبة وأحاديث الإفك والوشاية والإشاعة، أو أحاديث اللهو والباطل من تلك التي تميت القلب أو تجعله قاسياً، لا يتأثر بذكر الله. إنها أفعال وأقوال وسلوكيات، يدفع إليها الشيطان بكل ما أوتي من قوة، ويزينها بأجمل ما عنده من وسائل وطرائق. إنه يأمر بالفحشاء والمنكر. ولولا رحمة الله بعباده المؤمنين، ما سلِم من أذى الشيطان ورجسه أحد. ذلك أن فضل الله عليهم كبير وكثير، فإن هدايتهم إلى الاستغفار والتوبة، تُعد من أجمل وأزكى فضائل الله على عباده المؤمنين، وهي تستحق الحمد والشكر بالقول والعمل. والله سميع عليم، غافر الذنب وقابل التوب ومجيب الدعوات.

1110

| 07 نوفمبر 2024

المرحلة الثانوية.. وإعادة نظر

استكمالاً لما تطرق إليه زميلي الأستاذ إبراهيم عبد الرزاق في مقالته قبل أسابيع حول امتحانات الثانوية العامة، ووصفها بالمرعبة، فأتفق معه في الوصف، لأنها فعلاً امتحانات مرعبة، وسنة رعب ليس للطلاب فحسب، بل لأولياء أمورهم كذلك ! ظني أن هذه الأجواء هي نتاج فلسفة ونظام هذه الامتحانات التي وضعت قبل عقود مضت، وظلت راسخة لا تتغير ولا تتبدل، محصنة من أي محاولات تطوير تفرضها التحولات والتطورات الحاصلة بالعالم. هذا ما دفعني لطرح الموضوع، وأهمية إعادة النظر في آلية الاختبارات ضمن دائرة أوسع هي فلسفة التعليم الثانوي بشكل عام، وماذا نريد من الطالب مع دخوله المرحلة الثانوية وليس ما يريده الطالب، باعتبار أنه لم يصل بعد للنضج الذي يكون قادراً فيه على تصور مستقبله التعليمي والمهني دون دعم واستشارة. لفت انتباهي تصريح لأحد معلمي الرياضيات في فنلندا حول برنامج دولي لتقييم طلبة المدارس، يقول: «نحضّر طلابنا ليتعلموا كيف يحصلون على المعلومات، ولا نعلمهم كيف يجتازون الاختبارات». فلسفة تعليمية جعلت طلاب فنلندا في التقييمات العالمية متفوقين، ليس لأنه يتم تحضيرهم لتلك التقييمات، بل لأن طريقة جذبهم وتشويقهم للعلم والتعلم في مدارسهم، تجعلهم يتفوقون تلقائياً. الصورة الذهنية للثانوية بعد هذه المقدمة أجد أهمية تغيير الصورة الذهنية لمرحلة الثانوية بشكل عام، كي تؤخذ سنوات المرحلة كلها بجدية ومثابرة، ولا يقتصر التركيز على السنة الأخيرة كما الحاصل الآن واعتبارها سنة نجاح أو فشل !! في عالم التعليم والتعلم ليس هناك فشل أو إخفاق، بل هي مجموعة ممارسات لأجل إظهار قدرات ومهارات تُنمّى وتُرسّخ عبر مناهج متخصصة، هدفها تنمية تلك القدرات والمهارات في كل طالب يعيش عصر التقنية السريعة والمعلومة المتطورة، وتوجيهه تبعاً لذلك نحو وجهة مناسبة له تلائم تلك القدرات والإمكانات والظروف المحيطة. وكلٌ مُيسّر لما خُلق له. الصورة الذهنية لابد أن تتعدل وتساير التوجه العالمي في التعليم، الذي بدأ منذ سنوات عدة يتأثر بالثورة المعلوماتية المتسارعة وتقنيات البحث والحصول على المعلومات عبر أدوات وآليات متعددة ومتطورة، وصولاً إلى ما يسمى الآن بالذكاء الاصطناعي.. وهي كلها وسائل مؤثرة على مسألة التعليم والتعلم بشكل عام، ومنها فلسفة الاختبارات في كل مراحل التعليم وليس الثانوي فقط، والتي لابد أن تتوافق مع التطورات الحاصلة، بحيث لا تكون الاختبارات تقليدية روتينية تعتمد على قياس مهارات الحفظ والاستظهار في كثير من المواد، والتي لم تعد لهذه المهارات تلك الأهمية، ما يجعل تنويع طرق وأدوات التقييم ضرورة، بدءاً بالاختبارات السريعة، إلى اختبارات الكتاب المفتوح، ومروراً باستخدام الإنترنت في حل المسائل، ثم تقييمات القدرة على كتابة التقارير وعمل الأبحاث، وانتهاءً باختبارات شفوية تعتمد على النقاشات وتقديم العروض والمحاضرات وغيرها كثير.. التعليم الأساسي حتى ندخل في صلب الموضوع ولا تضيع منا الخيوط، أقول: بعد أن ينهي الطالب تعليمه الأساسي خلال سنوات عشر متتاليات تتكون من ست سنوات ابتدائية وأربع سنوات إعدادية، لا مجال فيها لإعادة السنة الدراسية (سنبين في نهاية المقال سبب الزيادة في الإعدادية) تكون خلالها القدرات والتوجهات الأولية والمهارات لدى كل طالب قد تشكّلت وظهرت، خاصة في السنة العاشرة أو السنة الإعدادية الرابعة، وبانت للجهة المشرفة عليه، وهي الإدارة المدرسية بقسميها الإداري والأكاديمي، بحيث لا يتخرج الطالب من التعليم الأساسي، إلا وتكون الرؤية واضحة له ولأهله والجهة التي ستتولى تعليمه، كي تكون انطلاقته صحيحة للسنوات الثلاث القادمات، بحيث يمكن بناء على ما حصل عليه من التعليم الأساسي من قدرات ومهارات وإمكانات، تحديد المرحلة التالية المناسبة له، إما مهنية أو أكاديمية نظرية. وفي السطور التاليات شروح وتفصيلات.. الثانوية الأكاديمية الثانوية الأكاديمية أو التعليم الأكاديمي، هو ذاك النوع من التعليم الذي يركز على الدراسة النظرية والعلمية في المواد المختلفة، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء أو التاريخ والجغرافيا واللغات. ويغطي المنهج الدراسي مجموعة واسعة من المواضيع تمنح الطالب قاعدة معرفية واسعة، مع تنمية مهارات حل المشكلات وتطوير المعارف ومهارات التفكير النقدي عنده، وتدريبه على طرائق وآليات القيام بأبحاث ودراسات عن الموضوعات الأكاديمية في كل مادة. ويكون هدف هذا التعليم هو إعداد الطالب لمهنة عامة مستقبلية عبر توجيهه نحو تخصص معين في المرحلة الجامعية وما بعدها. وتكون الثانوية الأكاديمية نظرية عامة، أو تخصصية - والاتجاه العالمي نحو التخصصية أقوى من ذي قبل - بحيث تكون هناك ثانوية علمية، تكنولوجية، إدارية، إنسانية، تجارية، مالية، وغيرها من مجالات متنوعة بحسب حاجة كل بلد. الثانوية المهنية أما الثانوية المهنية أو التعليم المهني، فهو ذاك التعليم الذي يركز على تدريب الطلاب على مهارات تطبيقية ومهنية من أجل تمكينهم وتوجيههم نحو إكمال تعليمهم المهني في المعاهد الفنية العليا، أو للتوجه مباشرة إلى سوق العمل.. ويهتم المنهج بتوفير تدريب مهني وعملي في مجالات حياتية عديدة مثل مجالات الصيانة المختلفة، الإنشاءات، الصناعات، التمريض، الخدمات، وغيرها من مجالات مهنية متنوعة. ويركز على مجال معين من أجل تطوير مهارات الطالب الفنية ومعارفه العملية المؤدية به لإجادة مهنة محددة، يمكنه بعدها وبكل ثقة بعد إتمام المرحلة، خوض الحياة العملية، أو مواصلة دراسته المهنية في المعاهد الفنية العليا كما أسلفنا. واقعنا التعليمي الطالب الآن يبدأ تعليمه الثانوي دون توجيه حقيقي من المدرسة السابقة ولا اللاحقة. يبدأ عامه الأول بمواد كثيرة وعلى ضوء نتائجه، يحدد هو أو أهله إلى أي مسار يتجه، العلمي أم الأدبي. ومؤخراً المسار التكنولوجي، وإن كان لا يختلف عن العلمي في شيء. اختيارات الطلاب أو الأهالي تكون غالباً وفق تصورات ونظرات المجتمع للقسم العلمي والأدبي، أو النظرة لبعض المهن في المستقبل، أو بسبب نظام التوظيف بالخدمة المدنية، والمطلوب إعادة النظر فيه أيضاً، وهو موضوع يحتاج حديثاً مطولاً ليس مجاله ها هنا. اختيار الطالب لمسار علمي أم أدبي أم مهني، عادة لا يكون وفق قدراته ومهاراته وإمكاناته وميوله، والتي غالباً لا يقدر على تحديدها دون مساندة واستشارة، ومن هنا تتضح أهمية دور المدرسة السابقة في إعداد تقرير مفصل يوضح فيه إمكانات كل طالب، والتوصية بالتوجه نحو تعليم أكاديمي أو مهني. معنى هذا أن المرحلة الثانوية، ومن السنة الأولى، لابد أن تكون معالمها واضحة لكل طالب وأهله. فهذا طالب قضى عشر سنوات في التعليم الأساسي، وكانت المحصلة أنه صاحب قدرات ومهارات معينة تجعله يجيد التعامل مع التعليم النظري، وبالتالي فهو مؤهل لإكمال مسيرة التعليم الأكاديمي في هذه المرحلة وما بعدها في المرحلة الجامعية. فيما طالب آخر صاحب مهارات وقدرات تجعله يجيد التعامل مع التعليم العملي أو المهني ومؤهل لإكمال تعليمه بالمعاهد الفنية العليا، أو دخول سوق العمل إن كانت له رغبة في ذلك بعد إنهاء الثانوية. بتلك المعطيات، نحفظ أعمار طلابنا من الضياع والتوهان بسبب التبديل بين هذا المسار وذاك، أو عدم التوفيق والنجاح بسبب عدم ملاءمة قدراته ومهاراته مع المسار الذي اختاره هو أو تم دفعه إليه، وهذا دون شك سبب رئيسي من أسباب التسرب من التعليم، وهدرٌ لا ينبغي أن يحدث في زمن العلم والتعلم. الشهادة الثانوية نأتي الآن إلى بيت القصيد.. الشهادة الثانوية أو السنة الأخيرة من التعليم الثانوي، أرى أن تكون كغيرها من السنوات السابقة فيما يتعلق بالتقييم، بحيث يتم احتساب كل مجهودات وأنشطة الطالب طوال العام، لا كما الحاصل الآن والمقتصر على اختبارين فقط بالصورة التقليدية المتبعة منذ سنوات. لم لا تستمر عملية التقييم كما السنوات السابقة للطالب، بحيث يكون في كل فصل امتحانان، منتصف وآخر الفصل، بمجموع أربعة امتحانات طوال العام، بالإضافة إلى تقييم مجهودات أخرى للطالب مثل الواجبات اليومية، التقارير الأسبوعية، الأبحاث الشهرية، وغيرها من أنشطة وأعمال يمكن التفكير بشأنها والتوسع منها، ويكون القصد منها تنويع طرق كسب الدرجات، وتنويع طرق التقييم التي تراعي قدرات ومهارات كل طالب في كل وقت من أوقات العام الدراسي، لا أن تكون النسب موزعة على اختبارين فقط لتقييم قدرات الحفظ والاستظهار وقت الاختبار ! ولذلك نجد أن تنويع طرق التقييم وتحصيل الدرجات، عامل مهم في دفع الطالب ألا يتراخى ويتكاسل طوال عامه الدراسي الأخير، أو أن يتعامل مع الاختبارات التجريبية بتهاون وعدم جدية، كما الحاصل الآن. هذه نقطة أولى. الرسوب والإعادة نقطة ثانية متعلقة بالتقييم، وتتمثل في مسألة عدم تحقيق الطالب درجة النجاح الدنيا في أي مادة، والذي يتم حالياً التعامل معه عبر منحه فرصة ثانية لتقديم الاختبار في المادة أو المواد التي لم يحالفه التوفيق في تجاوز حد النجاح، أو تحقيق العلامة المأمولة، حتى إذا لم يحالفه التوفيق أيضاً في الدور الثاني، عليه إعادة سنة دراسية كاملة !! وهذا من وجهة نظري، هدر للجهود والأوقات والأموال، وسبب من أسباب التسرب من التعليم الثانوي. فما الحل؟ إن كان ولابد من الإعادة للسنة الثانية - وسيظل هدراً على أي حال - أرى أن تكون الإعادة مقتصرة على المواد التي لم يحقق الطالب النجاح فيها. بحيث تكون سنة الإعادة فرصة لتحقيق درجة النجاح في المواد التي لم يحالفه التوفيق فيها فقط دون إعادة بقية المواد التي حقق درجات النجاح فيها. فإن حالفه التوفيق ونجح في سنته تلك، يتم اعتماد درجات المواد الجديدة مع درجات المواد التي تجاوزها العام الفائت وتحسب له النسبة المئوية النهائية. أما إن لم يحالفه التوفيق في سنة الإعادة مرة أخرى في مادة أو أكثر، يُحتسب له الدرجة الدنيا من النجاح، ويتم تخريجه ولا يعيد سنة ثالثة ورابعة ويضيع عمره وجهده وجهود من معه، باعتبار أن خروجه من بيئة الثانوية أو المدارس، ربما دافع له لإكمال مسيرته العلمية في بيئات جديدة بالنتائج التي حصل عليها، سواء كانت ملائمة لإكمال التعليم الأكاديمي الجامعي أم المهني، أو يتجه لسوق العمل كأضعف الإيمان، ويتحول لعنصر منتج إيجابي. السنة الثالثة بالثانوية نقطة ثالثة تتعلق بالسنة الثالثة بالثانوية، سواء الأكاديمية أم المهنية، ولكن قبل ذلك نجيب على تساؤل ربما لاح في الأذهان حين ذكرنا بأن التعليم الأساسي مدته عشر سنوات متتاليات (ست ابتدائيات وأربع إعداديات) ولماذا الزيادة بالمرحلة الإعدادية دون توضيح ؟ السنة الرابعة الإعدادية، هي بمثابة الأول الثانوي حالياً، أو السنة الحاسمة التي على ضوء نتائج تحصيل الطالب خلالها يتم توجيهه نحو المسار الأفضل له بالمرحلة الثانوية، كما شرحنا في حديثنا عن التعليم الأكاديمي والتعليم المهني أعلاه. عودة إلى النقطة الثالثة إذن والمتعلقة بالسنة الثالثة الأخيرة في الثانوية، أقترح أن تكون مواد هذه السنة هي المواد الأساسية والاختيارية ذاتها والمقررة على الطالب في السنة الأولى بالجامعة، وهي مواد اللغة العربية والثقافة الإسلامية واللغة الإنجليزية ومواد إنسانية أخرى كالتاريخ والجغرافيا والجيولوجيا وغيرها من مواد اختيارية معروفة بالجامعات عندنا في قطر. بحيث يكون هناك تنسيق واتفاق بين الوزارة وجامعة قطر وتوابعها من الكليات، لاعتماد تلك المواد التي يدرسها طالب السنة الأخيرة في الثانوية كمواد سنة أولى بالجامعة، بحيث يبدأ الطالب مباشرة في التخصص. بمعنى آخر، يختصر سنة دراسية في الجامعة أو الكلية. وهذا موضوع آخر وجيه نحتاج للتحدث فيه مستقبلاً، والمتعلق باختصار زمن التعليم الجامعي في ظل التطورات التقنية والمعلوماتية والبحثية في العالم. ملخص القول كلما كانت البداية صحيحة كانت النهاية سعيدة دون كثير هدر في الجهود والموارد. إن بداية دخول الطالب المرحلة الثانوية بشكل علمي صحيح، هي الأساس الذي بناء عليه يتم الوصول للنهاية المأمولة، بعد أن تكون الرؤية قد اتضحت مع انتهاء الطالب من التعليم الأساسي، وعرف كل طالب قدراته ومهاراته، وأين يمكنه الإبداع والإنتاج والعطاء. لهذا كله أجد أن الموضوع يحتاج جرأة وهمة وإرادة في مس محظور مخيف يتجنبه كثيرون، وتفضيل البقاء في منطقة الأمان بالسير على هدى من وضع أسس وقوانين التعليم الثانوي قبل خمسين عاماً أو أكثر، يوم أن كانت الظروف ملائمة ومتوافقة معها، والتي لا أشك اليوم لحظة واحدة أنها لم تعد تتلاءم مع الثورات العلمية والتقنية الهائلة السريعة في عالم التعليم والتعلم، التي أوجزها ذاك المعلم الفنلندي، أنهم يعلمون طلابهم «كيف يحصلون على المعلومات، وليس كيف يجتازون الامتحانات». المهمة ليست يسيرة، لكنها ليست مستحيلة، بل أجدها ضرورة يفرضها واقع الدولة والتحديات التي أمامها في كثير من المجالات، والتعليم هو الأساس، خاصة أن الدولة تسعى جادة لتجسيد رؤية لم يبق لها من الزمن سوى سنوات ست قادمات، مليئات بكثير من الصعاب والتحديات.. فمن يبادر ويعلق الجرس ؟

2328

| 24 أكتوبر 2024

العدل أساس الملك

العدل هو الأساس المتين لبقاء واستمرار أي نظام، سياسيا كان أم اجتماعيا أم إداريا أم غيرها من أنظمة الحياة المختلفة. العدل هو أساس الملك، وهو أساس استمرار أي مؤسسة حياتية. مؤسسة الحكم ومؤسسة البيت ومؤسسة المال ومؤسسة العلم وغيرها من مؤسسات المجتمع، كبيرها وصغيرها. مما لفت نظر الكثيرين في خطاب سمو الأمير – حفظه الله – في افتتاح دور الانعقاد السنوي الثالث والخمسين لمجلس الشورى، مصطلح العدل والمساواة في الجزئية المتعلقة بتعديلات دستورية مقترحة، من أجل ضمان تحقيق العدل والمساواة بين المواطنين جميعاً في الحقوق والواجبات. فقد أكد سموه أن: «المساواة أمام القانون وفي القانون، أساس الدولة الحديثة، وأيضاً واجب شرعي وأخلاقي ودستوري. إنه العدل الذي أمرنا الله به، ولا نقبل بغيره». جاءت رغبة سموه في إجراء تلك التعديلات استشعاراً لمبدأ الأمانة المطلوبة في الحاكم، وضرورة النظر المستمر في القوانين والتشريعات بعد دراستها وتطبيقها، واستخلاص ما يدعو للتغيير أو التعزيز والتثبيت. إن آية الأمانات التي استشهد بها سمو الأمير- حفظه الله - دليل على حرص سموه أن يكون أداء الأمانات والحكم بالعدل منهجاً متبعاً في الدولة على جميع المستويات، ذلك أن مراجعة القوانين والتشريعات بين الحين والحين، ودراسة سلبياتها وإيجابياتها، هي من فعل الأمانة المطلوبة في ولي الأمر، أو في كل من يتولى أمانة ومسؤولية ما (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا). الإمام الماوردي، أشهر من كتب في السياسة الشرعية، يذكر في كتاب أدب الدنيا والدين بأن «ممّا تصلح به حال الدنيا، قاعدة العدل الشامل، الذي يدعو إلى الألفة، ويبعث على الطاعة، وتعمر به البلاد، وتنمو به الأموال، ويكبر معه النسل، ويأمن به السلطان.. وليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور..». وقد وضع قواعد ستة في نظريته في الإصلاح الحضاري وبناء الدولة، هي لا غنى لأي ولي أمر أمين مؤمن مؤتمن عنها، وكان العدل من القواعد الأولى. العدل الشامل الذي تتكافأ فيه الفرص وتتعادل معه الحقوق، فيأخذ كل ذي حق حقه، بعد أن يكون الجميع أمام القانون سواء، لا فرق ولا تمييز بين هذا وذاك، فإن نتائج العدل المطبق بين الجميع دون أدنى شك باهرة بارزة، تتمثل في ذلكم التآلف والود الذي ينشأ بالضرورة بين الناس، ينطلقون في أعمالهم بهمة ونشاط وإبداع وتنافس شريف، من أجل زيادة الإنتاج وعمارة البلاد. ولما كان الظلم والجور - كما يقول الماوردي - نقيض العدل، فإنه ليس شيء أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق من الظلم والجور، لأن الظلم يقتل الانتماء ويفسد الأذواق ويغيّب الإبداع وتُهدر بسببه الطاقات والمواهب، فيكون نتاج ذلك، تخلف وتدهور وتأخر.. من هنا أجد دعوة سموه للتعديلات الدستورية التي تحدث عنها، تأتي انطلاقاً من هذا المبدأ الذي ذكره الماوردي، وهو عدم الوقوع في دائرة الظلم والجور بأي صورة من الصور، وضمان الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يؤدي إلى تلك الدائرة المظلمة، وبالطبع لا يتم ذلك إلا بالعدالة والمساواة بين المواطنين جميعهم. وإن عرض تلك التعديلات لاستفتاء عام، إنما دليل حرص سموه على أهمية مشاركة الجميع فيما يعود بالنفع العام على البلاد والعباد، ومعاونة مؤسسة الحكم على ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة بين المواطنين، بل جميع من يعيش على هذه الأرض الطيبة. هذه من ناحية. من ناحية أخرى، لا شك أن تجربة الشورى بالانتخاب أفرزت بعض الأمور كان المجتمع قبل الدولة في غنى عنها، وكادت التجربة أن تعصف بتماسك هذا المجتمع الصغير المعروف بوحدته وتآلفه، وخاصة أنه واجه تحديات تاريخية كثيرة زادته صلابة وقوة وتماسكا. نعم لا شيء يدعـو للتغيير إن كان ضرره في الوقت الراهن أكبر من نفعه، كما تقول القاعدة الفقهية (درء المفسدة مقدّم على جلب المنفعة)، وهذا يمكن أن يقال عن نظام عضوية الشورى مدار حديثنا. فإن كان التغيير يجلب ضرراً ويؤثر على وحدة وترابط المجتمع، فالتريث هاهنا مطلوب. مجلس الشورى منذ أن تأسس، ونظام التعيين هو المتبع فيه. وإن مجتمعاً متماسكاً وصغيراً مثل مجتمعنا، أجدُ التعيين هو النظام الأنسب لاعتبار جغرافي وديمغرافي في الوقت نفسه. فلسنا في تلك المساحات الشاسعة من الأرض أو الملايين العديدة من البشر حتى لا يعرف قاطنو شمالها قاطني جنوبها، أو شرقها وغربها، فكلنا في قطر أهل، كما قال سموه.. هكذا بكل ما تحمل الجملة من سهولة ووضوح في اللفظ والمعنى. مبدعونا وخبراؤنا ومفكرونا معروفون. الجميع يعرف الجميع، وإنّ اختيار الكفاءات والقدرات لمجلس تشريعي مثل الشورى، أمر يمكن إنجازه سريعاً دون كثير إجراءات وتجهيزات ومصروفات. وشخصياً أميل وأؤيد نظام التعيين الذي يختار العلم والخبرة والكفاءة والفاعلية والأمانة، من كل القطاعات والمجالات، وهي المعايير الأساسية المطلوب توافرها في عضو مجلس تشريعي كمجلس الشورى. سائلاً الله عز وجل في الختام، أن يوفقنا الله جميعاً لما يحبه ويرضاه، فإنه سبحانه كفيلٌ بكل جميل، وهو دوماً حسبنا ونعم الوكيل.

1647

| 17 أكتوبر 2024

طوفان الأقصى.. منعطف تاريخي

قبل السابع من أكتوبر 2023 كانت الأمة تتخبط خبط عشواء في ليل بهيم، وكانت قاب قوسين أو أدنى أن تضل طريقها المرسوم لها المستقيم، لولا رحمة من الله تنزلت ربما بدعوة صادقة من أشعث أغبر، أو مجاهد مرابط في غزة، فُتحت لها أبواب السماء، لا ندري أين ومتى وكيف كان شكل تلك الدعوة وداعيها ومحتواها، لكن من المؤكد أنها وجدت قبولاً فأنزلت رحمة إلهية، أعتبرها وربما معي في الرأي كثير، جاءت على الشكل الذي عايشناه لحظة بلحظة يوم السابع من أكتوبر العام الفائت، أو لنكن أكثر دقة وتحديداً، طوفان الأقصى. الأمة فعلياً كانت إلى هاوية سحيقة تسير، وكانت المؤامرة تلو الأخرى تحاك وتُنسج في خفاء وعلانية بيد عدو مجرم جبان خبيث، بمعية جيوش من مغفلي ومنافقي الأمة، وقد حفروا أسماءهم بأيديهم وأيدي أعدائهم في قوائم المرجفين والمخذّلين والخونة. حاول للحظات قليلة أن تتخيل كيف كان قطار الأمة يسير في سكة، نهايتها واد سحيق لا قعر له، لولا أن منّ الله علينا من حيث لا ندري بمنعطف شبيه بمنعطفات تاريخية سابقة من تلك التي مر قطار الأمة عليها، فتعدل بسببها خط سيره. وكان طوفان الأقصى هو هذا المنعطف الآخر وإن كان ليس الأخير، الذي ظهر للقطار قبل وصوله إلى قعر الوادي، وتسبب بالتالي في دفعه لتصحيح خط سيره، كي يرتقي شيئاً فشيئا، ويخرج من سكة هذا الوادي السحيق. الحاجة لطوفان هادر الحاجة كانت ماسة فعلياً في هذه الأمة كي تستيقظ من سباتها العميق، لحدث شبيه بزلزال مؤثر، أو على أقل تقدير، حدث صادم تتنبه الأمة بسببه لما يجري حولها وما يحاك ضدها. لكن ما حدث كان أكثر فاعلية من الزلزال، فكان طوفان الأقصى، الذي سحب معه وما زال يسحب غثاء الأمة، ويكشف سوءات ودمامل وجراثيم كانت في الخفاء، ويحرك هذا الطوفان في الوقت ذاته جغرافيات وديمغرافيات حول العالم، حتى صار هو الحدث الأبرز الذي لا زال يتربع على عرش الأخبار في كل وسائل الإعلام حول العالم لعام كامل، إلى درجة لا يمكن تجاهله يوماً واحداً، حتى أمسى أحدنا وهو لا يدري إلى أين سيمتد ويصل هذا الطوفان، أو كيف يهدأ ويتوقف. ربما يتساءل سائلون عن هذا الطوفان ويحدث أحدهم نفسه عن جدواه وما فعله في الأمة. سؤال مشروع ومنطقي. فأما إن كان السائل من أصحاب الرؤى القاصرة الضبابية، فهو دون شك لن يرى الطوفان سوى خراب ودمار، ودماء وأبرياء، وضحايا بالآلاف، فيما أصحاب القرار في الأمة لا يزالون في سباتهم يعمهون، غير مكترثين ولا مبالين، فيما نسبة لا يمكن تجاهلها من جماهير الأمة، وقد بدأ اليأس يتسرب إلى نفوسها، ونسبة أخرى تعمقت في صهينتها وغيها وفجورها.. هكذا تكون الرؤية عند أفراد هذا الفريق. الطوفان حبل إنقاذ أما إن كان من أصحاب الرؤى البعيدة الواضحة، فلا شك أنه يرى الطوفان بمثابة حبل إنقاذ تم رميه من حيث لا ندري لإنقاذ الأمة، رغم كل ما يمكن أن ينتج عن عملية الانقاذ من جهد ونصب وتعب وخسائر مادية وبشرية. لكن بالمنطق والحس السليم، هي نتائج متوقعة ومنطقية، بل مطلوبة لإتمام عملية الانقاذ قدر المستطاع، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعد أن كانت الأمة في حالة غرق مؤكدة. هذا الفريق يرى الطوفان وقد أعاد الاعتبار للأمة المسلمة، والشعب المسلم، وكشف للعالم عن القصة الحقيقية لقضية الأقصى، أو قضية الاحتلال والعدوان والمؤامرات الغربية على هذه الأمة. فمن منا كان يتوقع أو يتخيل يوماً أن يهتم الرأي العام الغربي بقضية فلسطين بعد أن أغرقته الرواية الصهيونية لعقود طويلة، وتشبع منها حتى أعمت بصره وبصيرته، بالتوازي مع تفنن هذا العدو وأدواته في التهديد والتخويف وبث الرعب في النفوس لمجرد التساؤل عن حقيقة الصهيونية؟ لا أعتقد أن أحدنا كان يحلم بهذا أو ينتظره في ظل الظروف والواقع الذي كنا نعيشه. من لا يزال يتباكى على الضحايا والأبنية المدمرة، ويتهم الطوفان بالتسبب لما آلت إليه الأمور في غزة، فإنه لا شك يعيش في غفلة عميقة، ذلك أن الإنجازات البشرية من شاكلة التحرر من الطغيان، والاستقلال، ونزع الحريات من المحتلين والمغتصبين، لا يمكن أن تتحقق بالأماني والأحلام، بل بالدم ليس غيره. مواجهة خبائث الأمم الأمة تواجه عدواً خبيثاً ماكراً لئيماً يريد استئصالها ونزعها من جذورها، ضمن صراع حضاري مستمر لم ولن يتوقف، طالما في الأرض نفوس ترى الإسلام خطراً وجودياً عليها. الصليبية والصهيونية والهندوسية والمجوسية ومن على شاكلتهم، لا يرون استقراراً وتمكيناً لهم في الأرض، طالما الإسلام موجود. هكذا بلغ معهم التخطيط والتفكير. كل أولئك الأنجاس جمعتهم غاية واحدة، وإن اختلفت عقائدهم ومصالحهم ومآربهم. تلكم الغاية هي القضاء على الإسلام وأهله، اليوم وقبل الغد ! الكيان الصهيوني المحتل، ليس هو العدو، بل من قام على صناعته ودعمه ورعايته. هذا الكيان هو واجهة وأداة، وهزيمته لا تعني نهاية القصة، بل ستؤدي هزيمته واندحاره إلى أن يكشف العدو الحقيقي عن وجهه بشكل سافر دون نفاق هذه المرة، لتجد الأمة نفسها في مواجهة حقيقية مع كل أولئك الأنجاس، متحدين متضامنين بصورة وأخرى. من هنا يمكن القول بأن تكاتف قوى الشرك والشر ودعمها لهذا الكيان الشيطاني، إنما هو نوع من تأخير تلك المواجهة الحضارية الحاسمة، التي ستحدد مصير الحضارة الغربية المهيمنة على البشرية حالياً. إما أن تستمر لقرون أخرى، أو تكون بداية النهاية لها. هم يدركون ذلك منذ القدم، وأن مواجهة أمة مسلمة ناهضة متحدة، تعني زوال قوتهم وقدرتهم بحسب السنن الإلهية في الأرض. وكلما نجحت قوى الشر تلك في إبقاء الأمة متفرقة ضعيفة يأكل بعضها بعضا، كلما ابتعدت عن المواجهة الحاسمة المنتظرة. ولهذا تفهم سر دعمهم السخي اللا محدود لكيان الشر هذا، الذي فرق وما زال يفرق أو يمزق جسد الأمة، ونجح في التغلغل بين مفاصلها وأجزائها الحيوية كما السرطان يفعل في الجسم البشري. غزة.. جذوة متقدة الحضارة الغربية رغم ايجابياتها الكثيرة منذ ظهورها، إلا أن سلبياتها زادت واستفحلت، وخطرها على البشرية جمعاء انكشف وتعاظم، وبالتالي وبحسب قوانين التدافع، لابد أن تبدأ رحلة النهاية لها اليوم وقبل الغد. غزة اليوم هي بمثابة جذوة متقدة لابد من اطفائها الآن وقبل فوات الأوان. إن بقاء تلك الجذوة متقدة، يعني احتمالية أن تمتد حرارتها وتشعل فتائل أخرى في الأمة، وتتسبب في نهوضها من كبوتها، ويتحقق ما يعمل كل أولئك الأنجاس على تأخيره حتى حين.. ** ومن هنا، نجد أن إبقاء غزة صامدة، فرض عين على كل مسلم، ومطلوب دعم صمودها بكل المتاح والمتيسر. وفي الوقت ذاته، لا يجب منح المجال لأي متخاذل أو مرجف أو منافق أن يقوم بفعل الإرجاف والخذلان وبث الخوف في النفوس تحت أي مبرر أو شعار، بل أجد أن مقاتلتهم بكل الوسائل الممكنة والمتاحة، مقدمة على مقاتلة قوى الشر تلك، لأن التمكين الداخلي جالب للتمكين الخارجي بإذن الله الذي يتكفل بكل ما هو جميل، وهو سبحانه دوماً وأبداً، حسبنا ونعم الوكيل.

837

| 10 أكتوبر 2024

الدول المثقوبة !

في الجغرافيا السياسية، نجد أن الدولة المثقوبة هي تلك التي لها كيان مستقل لكنها محاطة من دولة أخرى من جميع الجهات. أبرز مثال هي دولة الفاتيكان التي تقع داخل الجمهورية الإيطالية. وموضوعنا بالطبع ليس عن الفاتيكان وغيرها من الدول المثقوبة، بحسب المصطلح الجغرافي، وإنما استخدمنا هذا المصطلح الجغرافي للحديث حول دول مثقوبة فعلياً، ولكن وفق مفاهيم ورؤى أمنية، سياسية، ثقافية وغيرها. وفي السطور التالية مزيد تفصيلات. • حين يغادر مستعمر أو محتل، بلدة ما تحت غطاء الانسحاب ومنح البلد حريته واستقلاله، فإنه لا يقوم بذلك إلا بعد أن يكون قد زرع عملاءه بأشكال مختلفة، وبالتالي هذه البلدة المستقلة لا يمكن أن تطلق عليها اسم دولة مستقلة ذات سيادة، لأنها دولة مثقوبة، والثقب ها هنا يكمن في العملاء المزروعين من قبل المستعمر أو المحتل السابق، والذين سيبدأ دورهم بعد قليل، يكملون دور المحتل بطرائق شتى، مع بقاء كامل الولاء والطاعة له، وإن كان خفياً مستترا. • حين يأتي للبلد نظام حكم ما، عبر انقلاب عسكري أو انتخابات مزورة، وتكون كلتا الآليتين مدعومتين من نظام خارجي غالب ونافذ، فاعلم أن هذه الدولة مثقوبة أيضاً، لأن النظام الحاكم الجديد سيُدار من الخارج، وسيأتمر بأوامر الداعم الخفي. حيث سيبدأ النظام يأمر وينهى وينفذ، ولكن بحسب توجهات ومصالح الداعم. • حين يتغلغل عملاء وجواسيس نظام خارجي داخل أروقة وأنظمة ومؤسسات دولة ما، فاعلم كذلك أن هذه الدولة مثقوبة. ذلك أن العامل الرئيسي المهم لأي دولة كي تكون مستقرة راسخة، هو الأمن الداخلي، الذي يكون مستباحاً أمام أولئك العملاء أو الجواسيس، على اختلاف صورهم وأشكالهم، وتكون بالتالي كل خطوة أو حركة أو قرار أو توجه ما بالداخل، عبارة عن عمليات مكشوفة للجهة التي يعمل الجواسيس لصالحها. • حين تخضع بلدة ما لحماية من قوة خارجية، لاسيما إن كانت قوى عظمى، فاعلم أن تلك البلدة طالبة الحماية، في طريقها لأن تُثقب بعد قليل وتنضم لقائمة الدول المثقوبة، لأن الحامي الخارجي غالباً لن يعرض قوته وقواته للخطر دون مقابل، وبالطبع لن يكون المقابل المادي متوافقاً في القيمة مع فعل الحماية وقت الخطر، بل تجد أن الحامي الخارجي يطلب ما يوازي خدمات الحماية، مثل الاستثمار في البلد بمزايا خاصة، أو حق الإشراف على مشروعات معينة، أو التدخل في صناعة توجهات ورؤى البلد، أو التأثير في قرارات «سيادية» من تلك التي للحامي الخارجي علاقة بها من قريب أو بعيد، أو غيرها من أجور الحماية على أشكال وصور مختلفة. نعيش عالماً مثقوباً إن نظرة سريعة حول العالم، ستجد غالبية الدول «المستقلة» والمنضوية تحت راية الأمم المتحدة، دولا يمكن اعتبارها مثقوبة، لكنها تتفاوت في سعة الثقب! فأينما وجهت وجهتك، شمالاً أم جنوباً، شرقاً أم غرباً، ستجد دولاً مثقوبة عبر أدوات ووسائل وطرق مختلفة، وقلما تجد دولاً ذات سيادة حقيقية في عالم اليوم، فلا تغرّنك أحجام وقوة الدول حين نتحدث في هذا الموضوع. الدول المثقوبة ليس شرطاً أن تكون صغيرة أو ضعيفة، بل الثقوب يمكن أن تحدث لدول عظمى أيضاً، لكن الفرق يكمن في كيفية التعامل مع الثقوب، وحجم التأثر بما يفرز وينتج عن تلك الثقوب. لا تجد دولة اليوم تخلو ساحاتها ومؤسساتها وميادينها من عملاء وجواسيس دول أخرى. بل لا تجد رجالات وزعماء وقيادات دولة ما غير مخترقين بصورة وأخرى. إن اختراق الدول والأفراد عبر وسائل متنوعة، صار أمراً سهلاً يسيراً في عالم الاتصال والتقنية الذي نعيشه الآن، فإن لم يكن الاختراق بالتقنية وأدواتها، فلا شك سيكون عبر البشر أنفسهم. إذ من الممكن أن يحدث الاختراق عبر صديق أو زميل عمل أو تاجر أو عامل أو غيرهم كثير. الكل يحاول أن يبدع ويتفنن في عالم التجسس والاختراق، سواء على مستوى الأفراد أم الشركات التجارية أم المؤسسات الأممية، وصولاً إلى الدول. صار الاختراق فنا ومهارة ومكسبا للجهة المخترِقة (بكسر الراء) وخسائر فادحة للجهة المختَرقة (بفتح الراء). من هنا ترى ظهور تخصصات جديدة في الدراسات الجامعية من قبيل الأمن السيبراني، أو هندسته، أو إدارته، أو غيرها من تخصصات مرتبطة بهذا المجال، بالإضافة إلى بروز الحاجة في الإدارات الأمنية لإنشاء أقسام خاصة بالأمن السيبراني، تكون مهمة تلك الأقسام أو الأجهزة، العمل المستمر المتقن في إنشاء التحصينات والجدر المانعة للاختراقات التقنية، فيما تستمر وتتولى بطبيعة الحال، الأجهزة الأمنية التقليدية المعروفة في متابعة الاختراقات البشرية، أو الجواسيس والعملاء، إن صح التعبير. الصهيونية وصناعة الثقوب الكيان الصهيوني منذ أن ظهر على الخارطة، وهو يعتمد على الغير في تحقيق رغباته ومطامعه، سواء كان هذا الغير على شكل مساندين داعمين أم عملاء وخونة مارقين. بل لا أشك لحظة في أن هذا الكيان نجح في صناعة طابور خامس في غالبية الدول التي يعتقد هذا الكيان وداعموه، أن الخطر قد يصدر عنها، وبالتالي أزعم أن غالبية الدول المحيطة بالكيان وربما أبعد من ذلك أيضا، تغص بآلاف العملاء، سواء صهاينة أم من أبناء تلك البلدان!. وفي السياق هذا، ربما أول ما يتبادر إلى الذهن ونحن نشهد أحداثاً متسارعة بالمنطقة، ما جرى لحزب الله اللبناني وقياداته، وقبلهم إيران ورموزها ومؤسساتها، من اختراقات صهيونية للطرفين وبالجملة، حتى أمست نتائجها كارثية، ولا حاجة لإعادة الحديث عنها وشرحها. تاريخياً نجد أن الحوادث الكبيرة مثل سقوط المدن والعواصم والحواضر المهمة، سببها الرئيسي الخيانات الداخلية، والتي كانت من الأسباب الرئيسية للسقوط، وحوادث التاريخ من هذا النوع أكثر من أن نحصرها ها هنا، لكن الإشارة إلى بعضها مفيد، وخاصة أننا نعيش ظروفاً مشابهة لظروف تاريخية ماضية، ولعل أبرز الأمثلة هو سقوط بغداد قديماً، حين كانت عاصمة للعباسيين، أعظم حواضر العالم حينذاك. كان سقوطاً كارثياً مروعاً، بل يعتبر من أبرز الأمثلة على دور الطابور الخامس. صار يُقترن سقوط أهم حاضرة إسلامية في ذلك الوقت بالوزير ابن العلقمي، الذي خان الخليفة وهيأ الأجواء لدخول المغول الهمج، وما جرى بعد ذلك من إهلاك للحرث والنسل، في كارثة لا ينساها التاريخ. ولعل الظروف السياسية الحالية في غالبية المنطقة العربية مهيأة لكثير من الطوابير الخامسة أن تخرج من أوكارها، لتعيث مع الخارج فساداً وتدميراً. لكن مع كل ذلك، كخاتمة لهذا الحديث، لا يعني انتشار العملاء وكثرة الاختراقات، الاستسلام وتسرب اليأس إلى النفوس. لا، ليس هذا هو المطلوب. فكلما كان الحذر وكانت الحيطة والفطنة، تم تأجيل ظهور الفساد والمفسدين، وذلك الأمر يتطلب، بالإضافة إلى الحذر والحيطة والفطنة، عملاً أمنياً علمياً دقيقاً، إلى جانب توعية مجتمعية مستمرة، مع ترسيخ معاني الولاء لله والرسول والدين ومن ثم الوطن. فتلك هي عوامل الثبات لأي مجتمع من الاختراقات ونشوء الطوابير الخامسة، أو ما شابهها في الكيفيات والأهداف. وما الوصية القرآنية (وخذوا حذركم) إلا دعوة لا يجب أن نغفل عنها، أو من يحذرنا القرآن منهم، وما أكثرهم حولنا!.

993

| 03 أكتوبر 2024

النادي العربي المسلم!

ليس حديثي عن الرياضة والأندية وبطولاتها الرياضية المختلفة كما يوحي العنوان بذلك، لكنه عن ذاك النادي الذي حدوده من صنعاء اليمن يبدأ، ونواكشوط موريتانيا ينتهي، أو بلغة الجغرافيا التي رسمها المحتل لنا، يكون النادي العربي المسلم هو عالمنا العربي. محاولات الأتراك مثلاً الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي منذ عقود، ورفض هذا الاتحاد بشكل غير مباشر، وأحياناً بشكل مباشر واضح للفكرة، أوحى لي هذا العنوان، بعد أن قال بالمعنى نفسه هيلموت كول مستشار ألمانيا الأسبق في تعليق له على محاولات تركيا الانضمام إلى الاتحاد، وقال بأن الاتحاد الأوروبي ناد مسيحي لا مكان للمسلمين فيه ! لا أحد يمكنه منع أو انتقاد الأوروبيين من وصف اتحادهم بالنادي المسيحي. فالاتحاد فعلياً يجمع دولاً أوروبية تجمعهم الديانة المسيحية بفروعها الثلاثة، وتجمعهم الجغرافيا والتاريخ، بالإضافة إلى مصالح مشتركة، وإنَّ رفضهم انضمام آخرين من خارج الديانة والفكر والثقافة، حق مشروع لهم ولا أحد يجبرهم ضم عضو من هنا أو هناك. هذا أمر منطقي لا غبار عليه. إن جئنا لعالمنا العربي، وأردنا تطبيق المعيار نفسه ووصف منطقتنا العربية بناد عربي مسلم، فسنجد أن الأمر مشروع ومنطقي أيضاً، وللعرب حق في إقامة مثل هذا التجمع - وإن لم يقم بعدُ لأسباب كثيرة ليس المجال ها هنا للتطرق إليها - لكن أقول: من حقنا رفض أي عضو من خارج الملة المسلمة، أو بعيد عن الفكر والتراث العربي المسلم، كما يفعل النادي المسيحي، وبالتالي ليس لأحد الحق في نقد الرفض هذا، لاسيما من الجانب الأوروبي. النفاق الغربي وازدواجيته الشاهد من الحديث أعلاه، أن الغرب الذي انكشفت سوءاته كلها بعد السابع من أكتوبر المجيد، يستهجن هذا الأمر ولا يقبله من العرب، في اثبات لعمق ازدواجية المعايير عنده، وهو الذي زرع في نادينا العربي المسلم، جسماً غريباً أشبه بخلية سرطانية تتمدد مع الزمن، ليأتي الآن مستغرباً من عدم قبول الكيان الصهيوني السرطاني ضمن منطقتنا، رغم إدراكه التام بمدى البعد الشاسع بيننا وبين شذاذ الآفاق أولئك، والذين لا تجمعنا بهم لا ديناً ولا فكراً ولا تراثاً ولا قيماً. بريطانيا كما يعلم الجميع، أساس المشكلة، بعد أن أخذت على عاتقها نيابة عن الأوروبيين، السير بمشروع التخلص من قذارة ومصائب الشراذم اليهودية في غالب أوروبا، عبر مشروع انشاء وطن يجمع الشتات اليهودي في قلب العالم العربي المسلم، أو النادي العربي المسلم، ووقفت بكل قوتها لزرع هذا الكيان الغريب في جسم الأمة حتى يستوي على سوقه، ثم أخذت الراية من بعدها الولايات المتحدة بصورة أكثر تطرفاً في الدعم والتعزيز والتثبيت، حتى أصابت أمتنا أو نادينا، بجرح لم يندمل حتى اليوم، بل يزداد عمقاً وسوءاً ونتانة. حين يرفض النادي العربي المسلم، غالبيته أم بعضه، هذا المشروع أو الزراعة الخبيثة هذه، فلأن دخول هذه الشرذمة للنادي سيكون سبباً لصداع مزمن مؤلم، ودخولهم سيكون عامل تفرقة بين أعضاء هذا النادي، بل خطر استراتيجي وجودي، مثلما كانت أوروبا تعاني طويلاً معها. وما دعوات بعض العرب لقبول هذا الكيان بيننا وتطبيع العلاقات معه، إلا دعوات نفاق انهزامية باطلة، لا أساس لها من الدين ولا الثقافة ولا القيم، ومقاومتها لا تقل أهمية عن مقاومة الاحتلال. لهذا كله، حين يرفض وما زال يرفض الأوروبيون انضمام جار جغرافي مسلم لهم وهي تركيا، باعتبار أن ناديهم مسيحي لا مكان للمسلمين فيه، رغم البون الشاسع بين تركيا والكيان الصهيوني في الاستراتيجيات والمخاطر، فإننا أولى إذن برفض الكيان الصهيوني المحتل أن يكون موجوداً بيننا، الذي لا هو يهودي على هدى موسى – عليه السلام – كي نقبل به في نادينا العربي المسلم باعتبار ايماننا بكل رسل وأنبياء الله الكرام، ولا فكره وتاريخه وتراثه مماثل لنا أو قريب منا حتى يمكن قبوله، فهو كيان خليط مشوه من شذاذ آفاق من علمانيي اليهود مع متطرفين كُثُر، والأكثر منهم ملحدون بلا دين ولا أخلاق ولا قيم، وبالتالي رفض وجود هذا الكيان بيننا أمر منطقي وقانوني لا يثير استغراباً، بل ليس لأحد الحق في استهجان هذا الرفض أو الحث على تغيير فكرة الرفض إلى القبول تحت أي مبرر كان، لاسيما الغرب المنافق. الطوفان وهدم السردية الصهيونية من هنا أجد أن أحداث السابع من أكتوبر أو طوفان الأقصى، فرصة تاريخية ثمينة تفرض علينا ضرورة استثمارها بشكل صحيح فوري، عبر قيامنا نحن أعضاء النادي العربي المسلم بتعريف العالم حقيقة هذا الكيان، وما هو إلا صنيعة أوروبية استعمارية استخباراتية متقدمة، قامت على أكتاف بريطانيا، ثم تولت الولايات المتحدة أمر الرعاية و الدعم بعد أفول نجم وتأثير الأولى، وأن هذا الكيان في الأساس ما هو إلا جسم غريب وسط عربي مسلم له دينه وفكره وثقافته وتراثه، ولا علاقة لهذا الكيان بكل تلك الأمور لا من قريب أو بعيد، وبالتالي منطقياً، لا مكان له في هذه البقعة. جميل جداً كخاتمة لهذا الحديث أن نشيد بشعوب أوروبا وأمريكا وغيرهم في العالم، الذين استعادت نسبة مهمة منهم وعيهم، لاسيما الجيل الشاب منهم، فبدأت في إدراك حقيقة هذا الكيان، وأيقنت بعد بحث ومتابعة لتاريخ القضية، أن الكيان الصهيوني عمل استخباراتي للغرب، وأن شذاذ الآفاق ليس لهم حق في فلسطين، لا دينياً ولا تاريخياً، وبدأت الشعوب الغربية من تلقاء ذاتها بالتحرك لكشف هذه الحقائق المُغيّبة طويلاً للآخرين، وبالتالي أرى أننا أولى بمثل هذه التحركات، ونسف الروايات الصهيونية التي دامت وعششت كثيراً في أذهان العالمين، وتعزيز تحركات الشعوب الحرة في نصرة القضية، قبل أن يتمكن الغرب من جديد لملمة أموره والبدء في إعادة السيطرة على الروايات الداعمة لحق وجود الكيان السرطاني الصهيوني بيننا.. إنها واحدة من التحديات الكبيرة التي تنتظرنا للبدء بالمبادرة تلو الأخرى إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.

804

| 26 سبتمبر 2024

نعم للجواسيس !

عنوان مقال اليوم يبدو مستفزاً بعض الشيء، فمن ذا الذي يهش ويبش للجواسيس، الذين باتت صورهم الذهنية غاية في السوء ما إن يتحدث أحد عن عالم الجاسوسية والعملاء؟ بالطبع لا أحد يهش لهم أو يسعد بهم إلا من له مصلحة معهم أو من وراء مهامهم.. ومع ذلك نقول: نعم للجواسيس الذين من نصنعهم على أعيننا، لا أولئك الذين يتم زرعهم في أوساطنا. نعم لجواسيس أو عملاء نصنعهم بمعرفتنا ولغايات تجسيد آية (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). فهذه فئة تلعب أدواراً غاية في الأهمية في معارك الحق والباطل، إن تم التخطيط لها لتسير وتعمل وفق منهج يتوافق مع تعاليم الشرع. إذ بهم يمكنك تحقيق مكاسب وانتصارات دونما حاجة لإراقة دماء أو زهق أرواح، لا من معسكرك أو حتى معسكر الجانب الآخر. الجاسوسية أو زرع العملاء، أمر قديم قرأنا عنه في كتب التاريخ، بل ما زلنا نقرأ عن شخوصها وأحداثها إلى يوم الناس هذا. إنها في كل الأزمنة والأمكنة، قديماً وحديثاً. تجد اليوم أجهزة التجسس ومؤسساته في كل الدول تقريباً، بل زاد الاهتمام بمؤسسات التجسس باعتبارها صفوفا أمامية في المعارك، وعلى أكتافهم تتقدم الصفوف الأخرى إن سخنت الأجواء واحتاج الأمر إلى حزم وحسم للنتائج. المغول مثلاً، رغم وحشية أساليبهم مع الدول التي كانوا يغزونها وهمجيتهم بعد كل انتصار، لم يكن ليحصل لهم ذلك لولا عامل التجسس أو زرع عملاء من بني جنسهم، أو تجنيد خونة من أبناء الدول التي كانوا يخططون لاجتياحها ونهبها وإهلاك الحرث والنسل فيها. قال فيهم الإمام السيوطي: «تصل إليهم أخبار الأمم، ولا تصل أخبارهم إلى الأمم. وقلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم، لأن الغريب لا يتشبه بهم، وإذا أرادوا جهة كتموا أمرهم، ونهضوا دفعة واحدة، فلا يعلم بهم أهل بلد حتى يدخلوه ولا عسكر حتى يخالطوه..». الجاسوسية مهارات وفنون ليس هناك ما يمنع من تطبيق فكرة التجسس على العدو، لا من الناحية الشرعية ولا القيمية، بدليل قوله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). ومن تلك القوة، كما أسلفنا، ما نسميه اليوم بجهاز الاستخبارات، الذي يكون من صلب مهامه وعمله، حماية أمن ومصالح البلاد ومن فيها، من أعداء الداخل والخارج. الجاسوسية اليوم صارت عملاً احترافياً يتطلب من القائم بهذا النوع من العمل، دقة ومهارة، وكياسة وفطنة، مع سرعة بديهة، لاسيما إن كان هذا «العميل» يعيش وسط بيئة معادية لبلده ودينه. فالعمل وسط العدو جد دقيق ويتطلب حذراً فوق المعتاد والمطلوب، وعدم مخالفة التعليمات. حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - طلب منه حضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إحدى الليالي الباردة لمعركة الخندق أو الأحزاب، أن يجمع قواه ويدخل خلف خطوط العدو، وطلب منه مهمة معينة لا يتجاوزها ولا يبادر بأي عمل من تلقاء نفسه، حتى لو وجده سهلاً يسيراً وفي صالح المسلمين. ونجح حذيفة في دخول معسكر المشركين، بل ووصل إلى القائد الأعلى لهم وكان يومها أبوسفيان، حيث يقول حذيفة عن مشهد اقترابه منه: «رأيت‮ أبا سفيان‮ يُصلي‮ ظهره‮ بالنار- من شدة البرد - فوضعت‮ سهماً في‮ كبد‮ القوس‮ فأردت‮ أن‮ أرميه، فذكرت‮ قول‮ رسول‮ الله‮ - صلى الله عليه وسلم - ولا تُذعرهم‮ عليّ، ولو‮ رميته‮ لأصبته». المهم في القصة أنه نفذ المهمة وعرف معلومات غاية في الأهمية عن الحالة المعنوية لجيش المشركين، وعاد سالماً دون أن يكتشف أمره أحد، بعد معاناة من برودة ورهبة تلك الليلة، فأخبر الرسول الكريم ما رآه وسمعه، فكانت مكافأته كما يقول حذيفة: «فألبسني‮ رسول‮ الله - صلى الله عليه وسلم- من‮ فضل‮ عباءة‮ كانت‮ عليه‮ يصلي‮ فيها، فلم‮ أزل‮ نائماً حتى أصبحت. فلما أصبحتُ قال‮: قم‮ يا نومان‮». عيون الداخل والخارج مشاهد من الحاضر كثيرة هي أمثلة على ما نتحدث عنه. اقرأ ما كان يحدث مثلاً أثناء الحرب الباردة بين الأمريكان والسوفييت. كل معسكر كان يجند عشرات الآلاف من العملاء المهرة في المهام المطلوبة، وأصحاب ذكاء عاطفي واجتماعي، بالإضافة إلى تمتعهم بمهارات أخرى تتطلبها مهامهم، سواء كانوا مواطنيهم أم مواطني المعسكر الآخر أو الخونة، إن صح التعبير. كل معسكر يريد كشف ثغرات الآخر كي تسهل عملية التسلل وجمع المعلومات لتحقيق وانجاز المهام المطلوبة. الأمر لا زال مستمراً بين المعسكرين، بل اليوم لا تجد دولة إلا ولها أجهزة للداخل والخارج. فأما الأجهزة المختصة بالخارج أو الأعداء الخارجيين، فالأمر غالباً يعتمد على مدى نفوذ وسعة المصالح حول العالم أو استراتيجات الدولة، وبالتالي تنوع الأعداء وكثرتهم بالضرورة. الأمن الداخلي لأي دولة لا يقل أهمية أبداً عن حماية مصالحها الخارجية وهو ما يستدعي انشاء جهاز أمن داخلي يستهدف عمله أهل الريب والشبهات في مجالات السرقة والجرائم اللاأخلاقية وما شابه من جرائم تؤثر على الأمن الداخلي للبلد، وأهمية تتبعهم وملاحظتهم للحيلولة دون وقوع ضرر منهم على المجتمع ومن يعيش فيه. لكن هذا الأمر مع أهميته، يحتاج لتقنين أو ضوابط، فالأمر ليس بهذه السعة التي يمكن تصورها حتى يتم إطلاق يد الأجهزة الأمنية الداخلية بلا حدود وضوابط كما يحدث في عديد الدول. الأهم من هؤلاء المؤثرين على الأمن الداخلي وسلامة المجتمع، أولئك الذين يقومون بأعمال التجسس لغير صالح بلدانهم وأمتهم ودينهم، فهذا الأمر ليس فيه أدنى شك أنه خيانة لله والرسول والأمة. إن مثالاً واحداً على النموذج هذا يكفي أن يجعلك تدرك خطورة هذه الفئة الخائنة البائسة، التي ارتضت من الدنيا القليل مقابل الاساءة لأهله ومجتمعه. إنه الصداع المستمر للمجاهدين في غزة. خونة الداخل المتعاونون مع الصهاينة. بلاؤهم ربما أكثر من بلاء الصهاينة المجرمين. قبل الختام، لابد من الإشارة أيضاً إلى الذي يتجسس داخل بلده لكن على أبناء وطنه، خدمة لزعيم فاشي أو ديكتاتور ظالم أو نظام سياسي فاسد أو لصالح جهاز مالي أو منفعة شركات تجارية أو مؤسسات رياضية أو ما شابه من كيانات أو حتى لصالح أفراد.. ذلك عمل تجسسي بحت ممقوت وقميء، بل هو خيانة دون أدنى ريب. وهذا بلا شك يحتاج من المجتمع نفسه أن يتنبه لهم ويكشفهم ويقطع دابرهم. وقانا الله وأوطاننا المسلمة، شر الخيانات والخونة، أكانوا منا أو من غيرنا.. إنه سميع عليم مجيب الدعوات.

873

| 19 سبتمبر 2024

فإنهم يألمون كما تألمون

تذكير إلهي للمسلم المؤمن الذي يقاتل عدو الله وعدوه، قتالاً عسكرياً أم فكرياً أم اقتصادياً أم غيرها من أنواع القتال ضد الأعداء، وألا يستسلم للألم أو الوهن أو الضعف الذي قد ينتج في مرحلة من المراحل نتيجة شدة القتال، أياً كان نوع هذا الألم. إن ذلكم الضعف أو التعب والنصب أو الألم الناتج من مقارعة العدو، أمر طبيعي بحسب قوانين الحياة أو مواجهات الحق والباطل (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون) أي أنه كما تتألم أيها المسلم المؤمن في معركتك ضد عدوك، فتأكد أن ذلك العدو يتألم بالمثل، وقد أصابه الوهن والضعف والجهد والنصب أيضاً. جاء في تفسير القرطبي من أن الآية الكريمة «نزلت في أعقاب غزوة أحد، حيث أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين بالخروج في آثار المشركين، وكان بالمسلمين جراحات. وكان قد أمر ألا يخرج معه إلا من كان قد حضر القتال في غزوة أحد». معنى هذا أن الآية الكريمة تأمر المسلمين المؤمنين في كل زمان وكل مكان بالمحافظة على فرائض الله ومنها الإقدام على قتال أعدائهم، بعزيمة صادقة، وهمة عالية، وصبر وتصابر وتحمل للأذى، وألا يحول بينهم وبين هذا القتال ما يشعرون به من آلام وجهد ونصب بدني، ومثلها من آلام نفسية عميقة ناتجة عن خذلان وإرجاف من لدن إخوانهم في الدين، أوغيرها من مسببات الألم. هذه نقطة أولى جديرة بالمعرفة. - إحدى الحسنيين النقطة الأخرى الأهم: (وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليماً حكيما)، أي أن الفرق بينك أيها المسلم المؤمن وبين عدوك في مثل هذه المعارك، أنك ترجو من الله ما لا يرجوه عدوك. أنت تقاتل عدو الله وعدوك في معركةٍ أنت تعلم قبل خوضها أنها جولة من جولات الصراع بين الحق والباطل، وأنك على يقين تام لا يتزعزع أنه مهما تكن النتائج، فأنت فائز منتصر نهاية الأمر. إن للمؤمنين، كما يقول ابن عاشور في تفسيره: «مزية على الكافرين، وهي أنّهم يرجون من الله ما لا يرجوه الكفّار، وذلك رجاء الشهادة إن قتلوا، ورجاء ظهور دينه على أيديهم إذا انتصروا، ورجاء الثواب في الأحوال كلّها». هذا هو المفهوم الصحيح المطلوب من المسلم المؤمن إدراكه تمام الإدراك، وهو يخوض معاركه ضد أعداء الدين على جميع الجبهات والأصعدة. فلا معركة، مهما كان نوعها، دون إصابات ودون آلام وجروح ومشقة وضعف في مرحلة من مراحلها. لكن الذي يعين ويثبت المسلم أن الجزاء المنتظر والمرجو من الله، يختلف عن الذي ينتظره عدوه، وهذه هي نقطة الاختلاف الجوهرية بين فريق الحق وفريق الباطل. آلام معسكر الباطل أشد ما يجري الآن في غزة هو أوضح وأبرز الأمثلة على هذا الحديث. إن الألم الذي يشعر به المجاهد الغزاوي أو المقاوم الفلسطيني بشكل عام، يكاد في مرحلة من مراحل هذا القتال الدائر أو صد العدوان الصهيوني الجائر يصل إلى قمته، وربما يمكن القول ونحن نشاهد القتال الدائر على أرض غزة الأبية، أن الألم وصل مداه فعلاً، سواء البدني أو النفسي وهو الأشد. لكن على رغم ما نراه أمامنا، إلا أن هناك ثباتاً غير طبيعي لهؤلاء المجاهدين، رغم كل الآلالم والمصاعب، وهذا دليل على نوع التربية الإيمانية التي تربى هؤلاء عليه، وعمق إيمانهم بوعد الله لعباده المؤمنين المجاهدين الصابرين، وصدق يقينهم بحتمية النصر وإن طال الأمد. وهذه نقطة ربما تغيب عن بال الكثيرين. إن الجانب المقابل أو معسكر الباطل، بعسكرييه ومدنييه، يتجرع آلاماً ومشقات قد لا تظهر علناً بالشكل المكثف الذي تحرص وسائل الإعلام المختلفة على إظهارها عن الجانب الفلسطيني، وهدفه الخفي بث الوهن واليأس في النفوس المجاهدة في فريق الحق. إن الجانب الصهيوني يعاني ويتألم ربما أكثر من الجانب الفلسطيني، وإن لم تظهر مشاهد ذلك كثيراً على وسائل الإعلام. إن هؤلاء (أحرص الناس على حياة) أي حياة. الجندي الصهيوني ومن يسانده من جنود ملة الكفر، سواء كانوا أمريكان أو أوروبيين أو هندوسا أو غيرهم، يدخلون القتال رغبة في مكافآت ومغانم ينتظرونها على شكل ترقيات وأوسمة وحوافز مادية وغيرها، وبالتالي ترى حرصاً شديداً ألا ينكشف أحدهم في ميادين القتال، وألا يُقتل قدر المستطاع، لأنه قد وعد أهله وأحبابه أنه ذاهب لقتال مجموعة ( إرهابية ) أو أعداء كما تم حشو ذهنه بتلك الأكاذيب، ثم يعود ليعيش حياته بعد ذلك. ومن هنا ترى جزع أهاليهم الشديد وحزنهم الأشد حين يرون أبناءهم وقد عادوا في توابيت الموتى، ملفوفة بعلم دولتهم الإرهابية المجرمة، على عكس ما تراه في معسكر الحق، حيث تجد عائلات غالبية الشهداء، وإن بكت قليلاً، فإنها استبشرت كثيراً لنيل أبنائها إحدى الحسنيين، وزاد ذلك في إيمانهم وثباتهم. ولم لا وقد تحقق ما كان يرجوه أبناؤهم الشهداء وهم داخلون لمواجهة الباطل وأهله. هذا هو الفرق بين معسكر الإيمان ومعسكر الباطل. الجميع في المعسكرين يتألم، لكن ليس الجميع يرجو من الله الرجاء ذاته. معسكر الحق مؤمن بوعد الله أن الأمر محسوم لا شك فيه، لكن يحتاج لبعض الصبر والتصابر، وإن طال الأمد (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ). هذه هي المعاني التي لا أشك لحظة في أنها ترسخت في نفوس كتائب الحق في غزة، والمرجو في الوقت ذاته أن تترسخ في الكتائب الأخرى المنتظر نهوضها في بقية فلسطين المحتلة. ولعل هذا أيضاً هو سر بقاء المواجهة مشتعلة بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر في غزة، والذي نسأل الله أن يتم نعمته على أوليائه، وينصرهم نصراً عزيزاً مؤزراً.. (ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا).

1035

| 12 سبتمبر 2024

وزير صدق

أول ما يمكن أن يبدأ به أي مسؤول عمله هو القيام بالاختيار الدقيق للبطانة، أو من سيكونون حوله، أو بتعبير إداري أدق، يختار فريق العمل الخاص به، الذي معه يتحرك ويعمل. فإن نجح في هذه الخطوة، فالخطوات القادمات تكون سهلة يسيرة. أما إن فشل في هذه البداية، فالطريق سيكون شاقاً غير يسير. في الحديث عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بالأمير خيراً، جعل له وزير صدق. إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه. وإذا أراد به غير ذلك، جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكّره، وإن ذكر لم يعنه «. الأمير كما جاء بالحديث الشريف، هو كل من ولي أمر مجموعة من الناس، سواء كان رئيس قسم أو مدير إدارة وصولاً إلى الوزير ثم رئيس الدولة.. كل أحد منهم بحاجة إلى شخص صادق ثقة، أو مجموعة أشخاص صادقين ثقات، مهمتهم تقديم كل العون للأمير على أداء مهامه بما يرضي الله. وقد سارع النبي موسى – عليه السلام – بالطلب من الله بعد تكليفه بالنبوة أن يجعل له من أخيه هارون وزيراً، يشدد به أزره ويشركه في أمره، وما أعظمه من أمر ومسؤولية. • ما هي البطانة؟ مما سبق نرى أهمية بالغة لقيام أي مسؤول بتشكيل أو اختيار البطانة أو فريق العمل، قبل أن ينطلق نحو تحقيق الأهداف والمهام الموكولة إليه. والبطانة في اللغة، هي الجزء الموجود داخل الثوب وجمعها بطائن، وظاهر الثوب يسمى الظِهارة. وبطانة الرجل: خاصته - كما جاء في زهرة التفاسير- الذين « يعرفون خفايا أمره، ومكنون سره، ويستبطنون ما يخفى على غيرهم، فيعرفون موضع قوته وضعفه، ويتخذ منهم مستشاريه الذين يستشيرهم، ويستنصحهم إن احتاج إلى نصيحة «. بطانة الرجل منا قد تتكون من زوجته مثلاً وبعض أبنائه وأخلص أصدقائه. وبالمثل تكون بطانة المدير أو الرئيس أو الزعيم مجموعة من المقربين إليه، الأكثر أمانة وإخلاصاً وصدقاً، أو هكذا المفترض أن تكون بعض أهم معايير اختيار أفراد البطانة، والتي سنذكرها بشكل أوضح لاحقاً. القرآن الكريم أشار إلى أهمية هذه الفئة، وضرورة الاعتناء بمسألة الاختيار كما في قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا )، حيث ينهى الله المؤمنين بهذه الآية – كما يقول القرطبي - أن « يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء ويسندون إليهم أمورهم». ويضيف القرطبي قائلاً:»... وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء». • لكل مسؤول بطانتان روى البخاري عن أبى سعيد الخدري عن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - قال: ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه. وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه، والمعصوم من عصمه الله. لاحظ أن في الحديث إشارة مهمة إلى مدى وعظمة تأثير البطانة على صاحب القرار. بطانة صالحة وأخرى طالحة. الأولى تأمر بالخير والأخرى بالشر. والمعصوم - كما في الحديث - من عصمه الله. أي أن من يقوم بتشكيل بطانته، لابد أن يستعين بالله، يسأله الهداية والتوفيق في الاختيار، لأنه لن يكون يسيراً إلا على من يسّره الله عليه، وبالتالي فإن أي تقصير أو تهاون في الاختيار، من شأنه إتاحة المجال لعناصر ربما تكون نواة لبطانة سيئة ستتشكل بعد حين، وتكون وبالاً وخبالاً. أي فساداً واضطرابا للرئيس أو القائد ومن يكونون تحت إمرته وفي أمانته، وبالتالي سيتحمل هو المسؤولية في المقام الأول، ولن تكون البطانة هي الملامة عند أي تقصير أو مشكلة، لأنه هو من قام بتشكيل الفريق المحيط به أو البطانة. أي إنسان منا، مهما كان وضعه الوظيفي أو القيادي، وقبل ذلك الإيماني، يتأثر بمن حوله من الأصدقاء والخلان. فإن كانوا صالحين أصلحوه، وإن كانوا فاسدين أفسدوه. هكذا بكل اختصار، دونما حاجة لكثير شروحات وتفصيلات، والمرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل، كما قال صلى الله عليه وسلم. من هنا تظهر أهمية قيام صاحب المسؤولية، أو من يحمل أمانة إدارة كيان ما، من أصغر وحدة في وزارة ما مثلاً، مروراً بالقسم والإدارة والوزارة نفسها، وانتهاء بالدولة - بحسن اختيار بطانته - أو إن صح وجاز لنا التعبير، يقوم هو بنفسه على صناعة بطانته. • هذه صفات البطانة من يرغب الاقتداء أو السير على النهج العمري، أو أسلوب الفاروق عمر بن الخطاب في تشكيل البطانة واختيار المسؤولين، لا شك أن بطانته ستتكون من راشد رشيد، وناصح أمين، وصادق صدوق، وحفيظ عليم، ومستشار مؤتمن. يجمعهم إيمان وتقوى من الله، يستشعرون ثقل المسؤولية والأمانة. ولن يكون مستغرباً كذلك وجود خل وفي، أو عدد منهم ضمن البطانة. خلة أو صداقة من تلك المبنية على الحب في الله، وليس على الانتهازية والاستغلال والمصالح الشخصية. مستذكرين قوله تعالى ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) على اعتبار أن الصداقة الحقيقية في الدنيا، هي التي تكون مبنية على الحق والعمل الصالح، والمرجو ثوابها في الآخرة. إنّ بطانة تلك هي صفاتهم أو ما يميزهم، فلا ريب أن العواقب والمآلات ستكون محمودة طيبة. ستكون بطانة معينة للمسؤول على الخير وما فيه صالح الأمة، ومانعة عنه الشر وما فيه فساد للأمة. قال ابن كثير وهو يصف نموذجاً للمسؤول ودور البطانة وقوتها في توجيهه - وهو ها هنا يعني الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز- الذي « كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة، وأعدلهم سيرة. كان إذا وقع له أمر مشكل جمع فقهاء المدينة عليه، وقد عين عشرة منهم، وكان لا يقطع أمراً بدونهم، أو من حضر منهم وكان لا يخرج عن قول سعيد بن المسيب «. بطانة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، لا شك أنها لعبت دوراً في الرخاء والعدل والأمن الذي حدث للأمة في عامين هي مدة خلافة عمر. فلم يكن رحمه الله يتحرك وفق أهواء وأمزجة متقلبة، بل وفق علم وفقه وإيمان، تسانده بطانة صالحة كانت أكثر كفاءة وعلماً منه، وليس في ذلك ما يعيب المسؤول، فإن قوة وكفاءة البطانة هي في صالحه قبل صالح الأمة. وليس شرطاً أن تكون البطانة جيشاً من خبراء ومستشارين، فقد تكون البطانة رجلاً واحداً، لكنه بألف رجل. ولنا في موسى - عليه السلام - النموذج، كما أسلفنا في بداية الحديث، فقد كان هارون - عليه السلام - هو البطانة، وهو المستشار. ولنا كذلك قبل أي أحد، رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم – ثم خلفاؤه الراشدون، القدوة الحسنة في هذا الأمر. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

1011

| 05 سبتمبر 2024

ما المزعج في حياة الماعز !؟

ليس حديثنا اليوم عن حيوان الماعز – أعزكم الله – ولا لي دراية بحياتها وكيف تعيش حتى أتحدث عنها. لكن بالطبع أزعجني وربما الكثير منكم، ذلكم الضجيج المثار حول الفيلم الهندي السينمائي «حياة الماعـز» الذي تم إنتاجه بناء على رواية صدرت قبل سنوات عدة لم ينتبه لها كثيرون إلا بعد أن تحولت إلى فيلم درامي سينمائي، وخصوصاً بعد أن تم عرض نسخة مترجمة منه على منصة « نتفليكس « فجذب الاهتمام والأنظار، بل زاد من شعبيته!. الفيلم، وإن حكى قصة حقيقية وقعت بالسعودية قبل سنوات مضت لا تخلو أرقى المجتمعات منها، لم أجد أنه يحتاج لكل هذا التفاعل من الجانب العربي المسلم، سوى ما كان بالشكل الذي يتم عبره توضيح حقائق وخفايا أمور، لكن دون رفض محتوى الفيلم جملة وتفصيلاً في الوقت نفسه، باعتبار أن الجانب الإنساني في الفيلم والمتعلق بظلم الإنسان لأخيه الإنسان، قضية أزلية مستمرة منذ قصة قابيل وهابيل، وبالتالي لابد من الوقوف ضد الظلم في كل زمان ومكان. هذه نقطة أولى. نقطة ثانية مهمة في هذه المقدمة وهي أن الفيلم، وإن أظهر الجوانب الإنسانية في مشاهد العامل وهو بالصحراء، تناسى عن عمد وقصد، جوانب إنسانية لدى أهالي حفر الباطن، حيث جرت أحداث القصة بجزء بعيد في عمق صحرائها، الذين تكاتفوا وسعوا إلى جمع مبلغ 170 ألف ريال دية المقتول، وهو ها هنا الظالم، أو الكفيل كما سماه الفيلم، وذلك بعد أن تم اعتقال العامل وسجنه لخمس سنوات بسبب القتل الخطأ. ولم يتطرق الفيلم كذلك إلى إنسانية أبناء الظالم، وتنازلهم عن الدية، بل ومنحها للعامل كاملة مع عشرين ألفا أخرى، كنوع من التعويض على سنوات عشر أمضاها العامل في السعودية بدون أجر. إضافة إلى ما سبق، لم يتم التطرق في الفيلم عن قصد أيضاً، إلى العامل غير المسلم وهو يرى إنسانية الأهالي، ومن ضمنهم أبناء ظالمه الجاهل، وتأثره بتلك الأخلاقيات الإسلامية، ما دفعه إلى إعلان إسلامه بعد أن رأى وعاين بنفسه سماحة هذا الدين التي ظهرت في سلوكيات الأهالي، والذين أظهرهم الفيلم على أنهم عديمو رحمة وقساة غلاظ في أحد مشاهد العامل وهو داخل المدينة، مع خلفية لصوت مؤذن ينادي الله أكبر، مع لقطة خاطفة لمئذنة مسجد، من أجل ترسيخ وربط فكرة القسوة والغلظة بالإسلام في ذهنية المشاهد!. لو نظرنا كنقطة ثالثة مهمة في هذه المقدمة، وبشكل أوسع إلى مسألة الظلم كما يريد الفيلم أن يظهرها، ودققنا النظر في الواقع نحو ما يجري في الهند نفسها من اعتداءات الهندوس الممنهجة والمستمرة على المسلمين، فربما احتجنا مئات الأفلام وآلاف الروايات للحديث عنها، هذا بفرضية رغبتنا الدخول في سباق مع الآخر وبيان ما عنده من مساوئ ومظالم وشرور أيضاً. لكن ما هكذا تورد الإبل - كما تقول العرب - لأن المسألة تحتاج منهجية وعملا واضحا منظما لا يعتمد على ردود أفعال، وهذا هو محور حديثنا اليوم. لكن قبل أن نتعمق أكثر، هناك نقطة أخرى أخيرة مهمة في هذه المقدمة الطويلة، ومن باب تأكيد المؤكد ليس أكثر، هي أنه لا يوجد مجتمع ملائكي الصفات بين البشر، والظلم بأنواعه موجود في أرقى المجتمعات والأمم، وليس عند العرب فقط كما يريد أن يقول هذا الفيلم، كواحدة من رسائله غير المباشرة. ثم إن الفيلم لن يكون آخر الأفلام في سلسلة الإنتاجات الفنية الموجهة والمغرضة، سواء الهندية أو غيرها من تلك التي تسير على درب هوليوود، والتي فعلت بنا أكثر من بوليوود ونظيراتها آلاف المرات. صناعة السينما ليس المهم ها هنا الحديث عن الفيلم بقدر أهمية تأمل السؤال الذي يفرض نفسه دوماً في مثل هذه المناسبات والأحوال: أين السينما العربية؟ وأين الإنتاج الفني الإعلامي العربي المسلم الذي يكشف الحقائق دون مبالغات أو إساءات؟ ستجد أنه لا أثر أو إجابة مقنعة، وإن وجدت بعض أعمال فنية هنا وهناك، فهي غالباً لا تجد ذلكم الدعم الذي يوصلها للعالمية أو إلى الساحات التي يمكن عبرها توصيل رسالتنا للعالم، وهو الأمر الذي يدعونا للتساؤل المستمر أو المتكرر في كل حين: لماذا لا تنشط المؤسسات الفنية والإعلامية في إنتاج دراما فنية هادفة تخدم قضايا الأمة، ولماذا لا تنشط في الوثائقيات وتكشف المستور في تلك المجتمعات التي تتفنن منذ عقود طويلة في الإساءة لنا كعرب ومسلمين، كالمجتمع الأمريكي أو الغربي بشكل عام، ومعهم الآن المجتمع الهندوسي والصهيوني وغيرها من مجتمعات معادية؟ الفن السينمائي أو إن صح التعبير، صناعة السينما، تحتاج إلى كثير رعاية واهتمام في عالمنا الإسلامي. لا أقصد بالسينما الترفيهية العبثية، إنما تلك التي تحمل رسالة واضحة، وتسير وفق رؤى ومنهجية محددة ضمن عمل إعلامي واسع. هذا الفن الإعلامي ما زال مدار بحث ونقاش طويل مفصل يتجدد بين الحين والحين في أوساط علماء الشرع، منذ أن عرف العالم الإسلامي فن التمثيل وإنتاج المسلسلات والأفلام. وما خرجنا من نقاش تلك المسألة بإجماع أو على أقل تقدير، برأي يتفق عليه عدد لا بأس به من العلماء، يكون موجهاً أو معياراً لهذا العمل المهم في زمن الإعلام والمعلومات. التخلف السينمائي غير مقبول نعود للموضوع مدار البحث، ونحن نعيش عصراً متسارعاً في أفكاره وعلومه وتقنياته، والفن السينمائي واحد من المجالات التي اختلفنا عليه فتأخرنا، لنؤكد أن التخلف في هذا المجال أمر غير مقبول البتة - ونحن كما أسلفنا - نعيش زمن الإعلام والمعلومات ومنها السينما، فيما غيرنا مستمر في إبداعاته وإتقانه في هذا المجال حتى ساروا بعيداً بعيدا. وصار هذا الفن سلاحاً فاعلاً بأيديهم لا يقل فعالية وكفاءة وأثراً عن الأسلحة العسكرية والاقتصادية وغيرها. هذا الفن أو هذه الصناعة، إيجابياتها تفوق سلبياتها. وليس لأن البعض يستخدمها في الشر فهي بالتالي شر كلها، فنترك جلها. لا، الأمر أوسع من هذا بكثير. إن الكاميرات السينمائية التي تصور الأفلام الهابطة، هي نفسها التي تصور أفلام الاستقامة. إنها آلات صماء تأتمر بأمرك، وأنت من يحركها ويديرها كما تريد وليس العكس. إنها هي نفسها الكاميرات التي قام المخرج السينمائي مصطفى العقاد - رحمه الله - باستخدامها لتصوير فيلمي الرسالة وعمر المختار، واستخدمها تلفزيون قطر لإنتاج أروع المسلسلات التاريخية مثل مسلسل عمر الفاروق والإمام ابن حنبل وغيرهما الكثير النافع. السينما سلاح مؤثر ختام القول إنه لا شيء يمنع في استخدام فن السينما في تحقيق المقاصد الطيبة والأهداف الإنسانية النبيلة، وأن نقدم أنفسنا للعالمين بالصورة التي أرادها الله وأرادها رسوله الكريم محمد ﷺ. هذا فن وصناعة، ونحن من يسيطر ويحدد الأطر والضوابط لها، أو هكذا المفترض أن يكون. إن إنتاجاً فنياً على غرار مسلسل عمر، أو فيلم الرسالة وعمر المختار ومحمد الفاتح كأبرز نماذج سينمائية مسلمة، يمكنها فعل الكثير من التأثير في الآخرين. ومطلوب بالتالي على غرارها، أن يستمر الإنتاج السينمائي أو صناعة السينما بذلكم المستوى وأفضل، وفق رؤى واضحة وأهداف محددة. وبها كذلك يمكننا أن نواجه المخالف الراغب في التشويه والإساءة بنفس السلاح الذي يستخدمه، ليس بالتشويه طبعاً، لكن عبر إنتاج أعمال راقية بديعة تكون قادرة على كشف رداءة بضاعة المهاجم حين يأتي وقت المقارنة. بمثل هذا التفكير وهذه المنهجية نخدم ديننا، دون أن نشتت ونهدر مواردنا وجهودنا على شكل ردود أفعال قد تصيب، أو تخيب غالب الأحيان. والله دوماً كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

2136

| 29 أغسطس 2024

alsharq
غدًا نرفع الهتاف لمصر الفؤاد

غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16...

1674

| 04 يناير 2026

alsharq
العرب يتألقون في إفريقيا

في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت...

1242

| 08 يناير 2026

alsharq
«الكشخة» ليست في السعر.. فخ الاستعراض الذي أهلكنا

امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث...

963

| 07 يناير 2026

alsharq
حين لا يكون الوقت في صالح التعليم

في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال...

942

| 07 يناير 2026

alsharq
سياحة بلا مرشدين مؤهلين... من يدفع الثمن؟

لا شكّ أن الجهود المبذولة لإبراز الوجه الحضاري...

777

| 04 يناير 2026

alsharq
وما زلنا نمرر الشاشة!

يشتعل العالم، يُسفك الدم، يطحن الفقر الملايين، والحروب...

729

| 05 يناير 2026

alsharq
عند الصباح يحمد القومُ السّرى

عندما نزلت جيوش الروم في اليرموك وأرسل الصحابة...

579

| 04 يناير 2026

alsharq
مشاريع القطريات بين مطرقة التجارة وسندان البلدية

سؤال مشروع أطرحه عبر هذا المنبر إلى وزارة...

549

| 08 يناير 2026

531

| 06 يناير 2026

alsharq
طفل عنيد... قائد المستقبل

الطفل العنيد سلوكه ليس الاستثناء، بل هو الروتين...

504

| 02 يناير 2026

alsharq
أبرز التطورات السياسية في تركيا لعام 2025

كما هو حال العالم العربي، شهدت تركيا هي...

483

| 05 يناير 2026

alsharq
مجلة الدوحة.. نافذة قطر على الثقافة العربية

بعودة مجلة الدوحة، التي تصدرها وزارة الثقافة، إلى...

447

| 06 يناير 2026

أخبار محلية