رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ميزة هذه الأمة هي الوسطية، التي تعني بكل وضوح واختصار، المنزلة التي تقع بين الغلو والإفراط. فالإسلام دين الاعتدال في كل تعاليمه وشرائعه وقوانينه. وتلك نعمة أنعمها الله على هذه الأمة، أن جعلها وسطاً في كل أمور الدين – كما جاء في تفسير السعدي - ووسطاً في الأنبياء بين من غلا فيهم كالنصارى وبين من جفاهم كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك. ووسطاً في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى. هذه الأمة ليست كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وفوق كل ذلك، حُرمت عليهم الطيبات عقوبة لهم، وليست كذلك مثل النصارى الذين لا ينجسون شيئاً، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج. لكن طهارة هذه الأمة أكمل طهارة وأتمها. فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلّها، ومن الأعمال أفضلها. وقد وهبهم الله من العلم والحلم والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا أمةً وسطا. هكذا دار المفسرون حول آية (وكذلك جعلناكم أمة وسطا). • ولا تحمل علينا إصرا أما آية (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا..) فهي نموذج لما كان عليه غير هذه الأمة في الأزمنة الغابرة. حيث شددوا، فشدد الله عليهم وأمرهم بتكاليف شاقة لا يقدر بنو البشر عليها. فقد عبد بنو إسرائيل العجل من بعد أن أضلهم السامري. لكنهم تابوا من بعد ذلك، فهل كانت توبتهم واستغفارهم وعودتهم إلى جادة الصواب كافية؟ بالطبع لا، لم تكن كافية. حيث أمرهم الله عز وجل، وحتى يتطهروا من ذلك الذنب العظيم، أن يقتلوا أنفسهم، بأن يجتمعوا في ظلمة من الليل، يحمل كل أحد منهم سكيناً أو ما شابه، فيقتل من يجد أمامه، مستمراً هكذا حتى يطلع الفجر، بغض النظر من يكون المقتول. فقد يقتل الأب ابنه أو الابن أباه أو أحداً من أقاربه وهو لا يدري ولا يرى. لا شك أنه أمر شاق لا يمكن أن تطيقه النفوس البشرية. غنائم المعارك مثال آخر لدى الأمم السابقة، التي لم يكن من المسموح لها الانتفاع بها، بل كان يتم جمعها في موقع ما، لتأتي نار من السماء فتحرقها. والأمثلة من تلك التكاليف الثقيلة كثيرة، ليس المجال ها هنا لحصرها والتوقف عندها كثيراً، لأن العبرة أو المقصد الرئيسي من حديثنا هو أن نرى منزلة هذه الأمة، وكيف أن الله سبحانه رفع عنها تلك الأثقال أو التكاليف المرهقة الثقيلة، واستجاب سبحانه للدعوات المخلصة كما في الآيات أعلاه، حتى صار التائب من الذنب في هذه الأمة المسلمة، كمن لا ذنب له. والغنائم ننتفع بها، وأحل الله لنا كل الطيبات دون استثناء. • الإسلام دين الأنبياء الإسلام هو الدين الثابت القائم من لدن آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. إنه الدين الذي بعث الله الأنبياء والرسل جميعاً لتبليغه للناس أجمعين (إن الدين عند الله الإسلام) والإسلام يعني الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة. وهذا تعريف مختصر واضح لمعنى الدين، كما أجمع المفسرون. وقد جمع الله فيه الشرائع السماوية السابقة، وختم به الرسالات، وبالتالي صار هو الدين الوسط، ومعتنقوه هم أمة الوسط. ومن جميل كرم الله أن جعل هذه الأمة هي المكلفة بحمل ودعوة الناس إلى الدين الوسط، لتنال منزلة الوسطية والخيرية بين العالمين. أما الدين الذي يتعرض للتلاعب والتحريف، من حذف لآيات وأحكام، أو إضافة هنا وتعديل هناك حسب أهواء القائمين عليه، فإنه ما إن يتعرض لكل تلك الأعمال حتى يخرج عن هذا التعريف، وبالتالي لا يمكن أن يسمى ديناً. لهذا كله، كما يقول ابن كثير في تفسيره:" من لقي الله بعد بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل، كما قال تعالى (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). • شهداء على الناس الأمة المسلمة ولأن الله ميزها بالوسطية والخيرية في العاجلة، فإنها ترتقي في المنزلة في الآخرة، لتكون أمة شاهدة فتأتي وتشهد على الأمم السابقة حين تعترض على أنبيائها من أنهم لم يبلغوا الرسالة، ولم يؤدوا الأمانة المفترضة عليهم. ستأتي أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – لتشهد على الأمم التي تعترض على أنبيائها يوم القيامة، وتشهد أمام الله لصالح كل نبي يواجه اعتراضاً من أمته، وبأنه قد بلغ الأمانة، ونصح قومه، وجاهد في سبيل ذلك حق الجهاد. في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُدعى نوحٌ فيُقال: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيُدعى قومه فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد ! فيقال: من شهودك؟ فيقول: محمدٌ وأمته. قال: فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلّغ. فذلك قول الله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا). إنها منزلة عظيمة اختص الله بها أمة محمد من بين كل الأمم السابقة. ووجودك ضمن هذه الأمة، هو شرف لا يمكن بلوغه من قبل آخرين، إلا أن يستسلموا لله جميعاً مثلك، وترك ما كانوا عليه قبل الإسلام من شرائع وعقائد وأفكار مختلفة. • أهكذا نجازي نبينا؟ يكفيك فخراً فوق هذا كله، وعزة وشرفاً أيها المسلم، أن نبيك هو خاتم الأنبياء والمرسلين. يكفيك طمأنينة وسلاماً أنه مهما بلغت ذنوبك وسيئاتك، فإنه – صلى الله عليه وسلم – المخلوق الوحيد الذي يبقى ساجداً لله ما شاء له أن يسجد يوم القيامة، يدعو ويبتهل ويتوسل إليه سبحانه مالك يوم الدين، ومردداً: أمتي أمتي، في الوقت الذي ترى كل نبي ورسول يردد: نفسي نفسي. تجده – صلى الله عليه وسلم – يسأل الله القدير يومئذ أن يُخرج من النار كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، حتى تفرغ من كل مسلم، ثم يتم بعد ذلك غلقها على من فيها، خالدون مخلدون. فهل جزاء مثل هذا النبي الكريم الحريص على أمته، الرحيم بهم، الإعراض عن سنته وهديه، بل والتطاول عليه من شرذمة قليلة منحرفة، وأخرى تكذب عليه ليلاً ونهارا؟ لا شك أنه – صلى الله عليه وسلم - لا يستحق كل هذا أبداً. من هنا وكخلاصة لهذا الحديث، أقول: افتخر بأنك مسلم وفرد من أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – خير الأمم. الأمة الوسط، الأمة التي تكون شهيدة على الأمم، ويكون الرسول الكريم شاهداً عليهم جميعا، صلى الله عليه وسلم. فاللهم صل وسلم عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين. آمين آمين.
3903
| 02 فبراير 2023
مشهد من مشاهد يوم القيامة. مشهد النور والظلام، الكرامة والإهانة، الاستبشار والانكسار. إنه المشهد الأخروي المعروف سلفاً قبل أن نصل إليه ويبدأ. إنه اليوم الذي تبيضّ فيه وجوه، وبالمثل تسودّ وجوه. وجوه منيرة وأخرى مظلمة في ذلك اليوم، وما ذلك النور أو الظلمة إلا نتيجة لما كسبت أيدي أصحاب تلك الوجوه في سالف الأيام بالحياة الدنيا. قال أهل المعاني - كما جاء في تفسير البغوي - ابيضاض الوجوه: إشراقها واستبشارها وسرورها بعملها وبثواب الله، واسودادها: حزنها وكآبتها وكسوفها بعملها وبعذاب الله، يدل عليه قوله تعالى (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة) وقال (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة) وقال (وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة). عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إذا كان يوم القيامة رُفع لكل قوم ما كانوا يعبدونه، فيسعى كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، وهو قوله تعالى (نوله ما تولى) فإذا انتهوا إليه حزنوا، فتسودُّ وجوههم من الحزن، وبقي أهل القبلة واليهود والنصارى، لم يعرفوا شيئاً مما رُفع لهم. فيأتيهم الله فيسجد له من كان يسجد في الدنيا مطيعاً مؤمناً. ويبقى أهل الكتاب والمنافقون لا يستطيعون السجود. ثم يؤذن لهم فيرفعون رؤوسهم ووجوه المؤمنين مثل الثلج بياضاً، والمنافقون وأهل الكتاب إذا نظروا إلى وجوه المؤمنين حزنوا حزناً شديداً، فاسودت وجوههم فيقولون: ربنا ما لنا مسودة وجوهنا، فوالله ما كنا مشركين؟ فيقول الله للملائكة (انظر كيف كذبوا على أنفسهم). الأمر ليس ألواناً بياض الوجه أو سواده يوم القيامة، ليس القصد منه تفضيل لون على لون أو أنه عنصرية، كما يحلو لبعض من يتربصون بالإسلام والمسلمين ومقدساتهم. ليس هذا هو المقصود. فالألوان قام البشر بربط كل لون إلى أمر ما، حتى صار متفقاً عليه أو عُرفا. لكن المقصد من الآية أو البياض والسواد فيها، فإنما هو أمر مرتبط بقضايا الانتصارات والنجاحات، والحسرات والندامات. هكذا يرى البشر الأمور، وبالتالي يفهم البشر أنفسهم أن من يطلقون عليه بأنه شخص أبيض الوجه، فإنه دلالة على أنه صاحب سيرة ذاتية طيبة، لا يعاني منه أحد ولا يُعرف عنه ما يمكن أن يلطخ سمعته وسيرته. فيما العكس مع آخر، يكون صاحب سيرة ذاتية سيئة فوضوية لا تُشرف صاحبها، ويكره الناس بالتالي معاشرته والتعامل معه، إلى أن يُعرف بأسود الوجه. البشر كما يعملون جهدهم في حياتهم الدنيا لأن تكون وجوههم بيضاء يتشرف بهم القريب والبعيد، ويعيشون بين الناس حياة فيها اعتزاز وافتخار بالذات، وبناء سيرة ذاتية نقية صافية، فكذلك هو الشيء نفسه مطلوب منهم لحياتهم الثانية، حياة الآخرة. إنها الأهم دون أدنى ريب. فلا يجب أن يكون السعي لبياض الوجه في الآخرة بأقل مما يقوم ويسعى له البشر في الحياة الدنيا المؤقتة الفانية. المشكلة التي يعيشها البشر أن الأمور اختلطت عليهم وبينهم، وساهم الشيطان وحزبه في الفوضى الحاصلة بين بني البشر منذ قديم الزمن. وهذا سبب من أسباب ظهور الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. وحين ختم الله رسالاته بخير المرسلين، صارت الأمور واضحة نقية. لا طريق مؤديا للفلاح والنجاح وبياض الوجه سوى صراط الله المستقيم، وما عدا ذلك، فإنها طرق ومسالك لا تؤدي بسالكيها إلا للهلاك والخسران وسواد الوجه بالآخرة. معسكران لا ثالث لهما هناك كفر وإيمان، معسكران معروفان في عالم البشر، من لدن آدم عليه السلام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. معسكر أبيض وآخر أسود، ولا مجال لمعسكر رمادي. إما أن تسلم وجهك للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً، تؤمن بالله رباً وبالإسلام دينا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبياً ورسولاً، أو أن تسلم وجهك للشيطان وأعوانه. الإسلام هو دين كل الأنبياء. وما جاء به النبي الكريم، هو ختام لكل ما جاء به المرسلون من لدن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى. ومن يكفر بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد كفر بما جاء به الأنبياء والمرسلون. وبذلك يدخل إلى معسكر الكفر، حيث سواد الوجه. أما الذين دخلوا معسكر الإيمان، فقد اختاروا بياض الوجه لمستقبلهم الحقيقي، ودعواتهم المستمرة أن يثبتهم الله على اختيارهم. أما الفئة الرمادية، أو المنافقون كما سماهم القرآن، فهؤلاء مرض في حد ذاتهم، وهم عادة إلى معسكر الكفر أقرب، وبالمودة والتآلف معه يتعايشون. وهكذا البشر إلى يوم القيامة. خلاصة القول حين تتأمل قوله تعالى (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) فكأنما هو تنبيه من الله عز وجل إلى أن تلك المعسكرات مؤذية، وإن بدت أنها جميلة ومريحة وراقية. إنها معسكرات يتم تأهيل البشر حيناً من الدهر لنيل صفة الوجوه السوداء يوم القيامة، ليس من منطلق الألوان، بل من باب الخسران. والآيات من هذا القبيل كثيرة في القرآن، لأن (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد). فاللهم اجعلنا ممن تبيض وجوههم يوم القيامة، وتحشرنا مع المؤمنين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقا.
3231
| 26 يناير 2023
كم هم أولئك الذين بسط الله لهم المُلك، سواء على شكل حُكم ممالك أم إمبراطوريات، أم دول، مروراً بأقل من ذلك من كيانات بشرية مختلفة، وزارات ومؤسسات وشركات، وصولاً لكيان البيت. فقد نسي جلّهم أو من كانوا يملكون صلاحيات الأمر والنهي في تلك الكيانات، أن المانح والمعطي هو الله، وهو من قرر لهم في علم الغيب أن يبسط في ملكهم، وهو من قرر لهم ما ستكون تلك الممالك بعد حين من الدهر، طال أم قصر. لكن كما أسلفنا، ينسى كثيرون هذه الحقيقة الحياتية. كم من الملوك اليوم ومثلهم الأباطرة أو الزعماء والوزراء، أو المديرين ومن على شاكلتهم وعلى اختلاف درجاتهم وممتلكاتهم، على صلة بالله ودرجة من الوعي عالية، وفهم واضح أن ما يملكه ليس سوى أمانة من الله قد شرّفه الله بها، ومطلوب بالتالي منه أداء حقها كما يجب؟ لا شك أنهم قليل قليل. قال ابن عباس رضي الله عنهما وأنس بن مالك رضي الله عنه: لما افتتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم – مكة، وعد أمته مُلك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات. من أين لمحمد مُلك فارس والروم؟ وهم أعـز وأمنع من ذلك. ألم يكف محمداً مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؟ فأنزل الله ( قل اللهم مالك الملك. تؤتي المُلك من تشاء وتنزع المُلك ممن تشاء..) المُلكُ ليس حكماً فقط قد يفهم كثيرون منا أن الآية وهي تتحدث عن المُلك، أنه هو الحكم أو الإمارة والرئاسة فقط. لكن الآية أشمل وأوسع. فالمُلك المعني بالآية، نطاقه أو أمثلته أكثر مما نتصور كما قال الفخر الرازي في شرح الآية الكريمة:".. وقوله تُؤتي المُلك من تشاء، محمول على جميع أنواع المُلك، فيدخل فيه مُلك النبوة، ومُلك العقل، والصحة، والأخلاق الحسنة، ومُلك النفاذ والقدرة، ومُلك المحبة، ومُلك الأموال، وذلك لأن اللفظ عام، فالتخصيص من غير دليل لا يجوز". إذن هي حقيقة حياتية، واقرأ التاريخ لتعلم دقتها وتكرارها في كل زمان ومكان. وهل كان في زمن موسى -عليه السلام - من هو أكثر قوة وامتلاكاً للمال والجاه والسيادة والقرار من فرعون؟ لكنه تناسى تلك الحقيقة، وأن ما عليه من مُلك وجاه وقوة وبأس، إنما من عند ملك الملوك. فطغى وتجبر حتى انتزع الله منه كل ذلك في ليلة وضحاها، بل أذله وأغرقه في البحر، لتلقيه الأمواج بعد ساعات من غرقه هو وجنوده على الشاطئ، جثة هامدة يشاهدها بنو إسرائيل، رجالاً ونساء وأطفالا.. فهذا الذي كان ملكاً مهيباً عظيماً بالأمس، صار اليوم ذليلاً مبتلاً ومتسخاً بأعشاب البحر ورماله.. ويذكر قصة وروده على النار إلى يوم القيامة، يقرأه الناس في القرآن إلى قيام الساعة، جزاءً مهيناً له في الدنيا قبل الآخرة. فرعون النسخة العربية، عمرو بن هشام أو أبا جهل، كان سيداً من سادات مكة. وجيها غنياً وصاحب كلمة. لكن بكفره وعناده وحماقته، أذله الله أشد الإذلال، فتحول بين ليلة وضحاها أيضاً، من سيد وزعيم قرشي مهاب الجانب، إلى جثة مقطوعة رأسها، مرمية في بئر قديمة مهجورة، وربما فوقها جثث أخرى من جثث سادات وصناديد قريش، وقد أذلهم الله بكفرهم وحماقتهم، والأمثلة من هذا النوع قديماً وحديثاً، أكثر من أن نحصرها وذكرها في هذه المساحة المحدودة. ماذا يعني هذا؟ من المهم حين تتأمل هذه الحقيقة الحياتية في الآية الكريمة، أن تتساءل بينك وبين نفسك وأن الأمر لا يعني أو يقتصر على أولئك الملوك ومن على شاكلتهم، بل هو يعنيك أنت أيضاً. فقد تكون اليوم وزيراً صاحب كلمة وصلاحيات واسعة، لكنك في غفلة من الزمن، وفي زحمة الأضواء والشهرة، تتناسى أن ما أنت عليه إنما هبة ونعمة من الله تستلزم منك شكراً وحمدا. تشكره سبحانه بالعمل على إصلاح ما أفسده غيرك، واحقاق الحق، والعمل على ما يفيد البلاد والعباد، وليس نفسك ومن حولك.. فتلك العزة التي أنت عليها قد تتحول فجأة إلى نقمة. فقد تبيع آخرتك بدنيا غيرك، وتفسد أكثر مما تصلح، وغير ذلك من مسببات سحب المُلك منك، لتجد نفسك سريعاً خارج مجال العزة والقوة، بل ذليلاً قد لا تملك من أمر نفسك شيئا ! إنه أمر مخيف فعلاً. الأمر يتسع ليصل إلى أي صاحب نعمة، سواء كانت على شكل أموال أو بنين شهودا، أو صحة وعافية، أو أخلاق فاضلة حسنة.. فإن لم تشكر الواهب وتحمده بالقول والفعل، وبدأت تتناسى تلك الحقيقة الحياتية، وأن تلك النعم تبقى بالشكر وتزول بالكفران، كما في قصة صاحب الجنة أو المزرعة في سورة الكهف، وقد دخل جنته "وهو ظالم لنفسه، قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا" حيث تباهى على صاحبه بأملاكه وخدمه وحشمه وأولاده، وتناسى تلك الحقيقة، حتى أهلك الله أمواله كلها " فأصبح يقلّب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ". لا تغتر بكثرة أموالك وأملاكك أو كثرة أولادك وعلو مكانتك الاجتماعية، بل ولا حتى عافيتك وصحتك، وتنسب كل ذلك إلى نفسك وجهدك وذكائك وشطارتك، وتنسى الواهب عز وجل. فإنه في لحظة وأخرى، قد تخسر كل ما تملك، سواء بيدك أو بيد غيرك، حتى لا تجد بعدها من كانوا يحيطون بك من حشم وخدم وبطانة، وربما حتى أولادك وأهلك وقبيلتك. وربما وجدت نفسك وحيداً مفلساً غارماً، أو على سرير مرض لا تجد زائراً يؤنس وحشتك ويخفف مواجعك الجسدية والروحية، ولا يأبه لوجودك أحد وما كنت عليه في زمن مضى.. إن كل ذلك قد يحدث في وقت لا يمكنك تصوره وتوقعه.. وبالتالي كخلاصة لهذا الحديث، أدعو نفسي أولاً ومن ثم غيري، ألا ننسى الحقيقة الحياتية التي تحدثنا عنها، وأن نتأملها بخشوع وتدبّر حين نتلوا قوله تعالى " قل اللهم مالك الملك. تؤتي المُلك من تشاء وتنزع المُلك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير".
3204
| 19 يناير 2023
من رحمة الله بعباده وهو العليم بنفوسهم، أنه لا يكلفهم في دينهم بأمور على شكل عبادات وأوامر ونواه، إلا وتكون كلها متوافقة مع النفس البشرية، وتتحملها تلك النفس، بل قادرة على أن تكيف نفسها مع تلك الأوامر والنواهي بصورة وأخرى، وإن تفاوتت النفوس في عمليات التكيف، لكن في المجمل، كل النفوس قادرة على تنفيذ ما يريده سبحانه منها. لما نزل قوله تعالى (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) شق ذلك على المسلمين - كما في تفسير السعدي - لما توهموا أن ما يقع في القلب من الأمور اللازمة والعارضة المستقرة وغيرها مؤاخذون به، فأخبرهم بهذه الآية أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، أي أمراً تسعه طاقتها، ولا يكلفها ويشق عليها، فأصل الأوامر والنواهي ليست من الأمور التي تشق على النفوس، بل هي غذاء للأرواح ودواء للأبدان، وحماية عن الضرر، فالله تعالى أمر العباد بما أمرهم به رحمة وإحسانا». الوسع في كلام العرب - كما يقول ابن عاشور- هو الطاقة والاستطاعة «والمستطاع هو ما اعتاد الناس قدرتَهم على أن يفعلوه إن توجهت إرادتهم لفعله مع السلامة وانتفاء الموانع، وهذا دليل على عدم وقوع التكليف بما فوق الطاقة في أديان الله، لأن الله تعالى ما شرع التكليف إلا للعمل واستقامة أحوال الخلق، فلا يكلفهم ما لا يطيقون فعله، وهذا حكم عام في الشرائع كلها». لكن ما إن يقع للإنسان أمر وجده فوق طاقته وارتكب المحظور على سبيل المثال، فإن مرونة هذا الدين وتوافقه مع النفس البشرية، تجد أن باباً قد فتح له، من أجل أن يعيد ترتيب أموره. لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا إن الخطأ والنسيان من الآفات التي يعايشها الإنسان في حياته. فهو في صراع بين البقاء على الطريق الصحيح القويم وعدم الخروج عنه في لحظات ضعف ينسى المرء نفسه ويخطئ. لكن الحاصل مع المؤمن أنه يعود سريعاً منيباً تائباً إلى ربه. لكن مع ذلك، تجده بعد حين من الدهر طال أم قصر، ينسى في لحظة من لحظات عمره وفي موقف من مواقف الحياة، ليخطئ مرة أخرى، فيتنبه للأمر ليعود مجدداً إلى الصراط المستقيم، تائباً مستغفرا. وهكذا الإنسان صاحب القلب الحي أو العامر بالإيمان. الإنسان ليس ملاكاً مجبولاً على فطرة العبادة وعدم المخالفة، بل هو كائن مجبول على فطرة معينة، منحه الله العقل والقدرة على التمييز. وبالتالي هو بين الصواب والخطأ والخير والشر، متنقلاً بين تلك المنازل. يدخل في منزل ليخرج إلى آخر. تجده يرتكب سوءاً أو شراً، لكنه يعود ليصحح مساره ويقوم بالخيرات والصالحات، وهكذا أرادنا الله، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم». وإن كان بالطبع لا يُفهم من الحديث الدعوة لارتكاب الذنوب، وإنما بيان ما يجب أن يكون عليه الإنسان المسلم، وفهم حقيقة وجوده في هذه الحياة. الاعتراف بالخطأ حالة الإنسان وهو يتنقل من الخطأ والعودة عنه، تتضح في خواتيم سورة البقرة، على شكل دعوات تؤكد ضعف الإنسان، وحاجته المستمرة إلى ربه، والإنابة إليه. وقد جاءت تلك الدعوات من بعد أن بيّن الله تعالى في آيات سابقة، أن أوامره ونواهيه وتكليفاته، هي ضمن ما تطيقه وتقدر عليه النفس الإنسانية المؤمنة، وأن أي تقصير يحدث ولأي سبب، تكون العودة متاحة وسهلة واضحة. خواتيم السورة عبارة عن دعوات فيها - كما أسلفنا - إقرار واعتراف بضعف النفس البشرية، وكثرة وقوعها فيما لا يرضى الرب تبارك وتعالى، وبسبب ذلك ترتفع الأيادي، تسأل الخالق عز وجل أن يرأف بهذا الضعف (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) ثم دعوة أخرى (ربنا ولا تحمل عليناً إصراً كما حملته على الذين من قبلنا) لتأتي خاتمة الدعوات (ربنا ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين). إنه الختام كما في ظلال القرآن «يلخص السورة ويلخص العقيدة ويلخص تصور المؤمنين، وحالهم مع ربهم في كل حين».
4830
| 12 يناير 2023
تابعت عدة حلقات من برنامج وثائقي يقوم على تصوير مشاهد من حياة بعض سائقي الشاحنات في عدة دول أفريقية وآسيوية ولاتينية، والصعوبات التي تمر عليهم أثناء رحلات نقل البضائع من موقع لآخر، والمخاطر التي يعيشونها من تلك التي قد تصل إلى حد الهلاك، مقابل دراهم معدودة تبلغ في المتوسط أقل من خمسين دولاراً في الشهر، وكان أغلبهم من أصحاب العائلات. كنت أثناء مشاهدة تلك الحلقات أتساءل عن حالة البؤس والشقاء التي هم عليها. حيث أجمع غالبيتهم أن ما يحصل أحدهم عليه من أجر، لا يكفيه لحياة آمنة مطمئنة، بل تلك الدولارات المعدودة لا تكاد تسد نفقات قوته اليومي، ولكن مع ذلك كان بعضهم قد وصل حالة من الرضا لا يمكنك أن تتصورها وأحدهم يلتقي بعائلته بعد فراق أيام في عمل شاق خطر، في حين البعض الآخر كان في حالة من التذمر والشكوى لا يمكن وصفها. كشخص مراقب للمَشاهِد، وقبل أن أسمع وأرى تعليقاتهم نهاية كل حلقة، كنت اعتبرهم من البؤساء، حتى قادتني تلك المشاهد للتساؤل عن حقيقة السعادة والشقاء التي جاء ذكرها في حديث نبوي كريم، ربما كثيرون منا قرأه أو سمعه، وهو حديث خلْق الإنسان كما رواه عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق: « إن أحدكم ليُجمع خلْقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملَك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». هذا الحديث ربما يمر عليه كثيرون في بدايته مرور الكرام، لكن يتغير الوضع مع الأمر الرابع الذي يؤمر المَلَك المكلف بالأرحام بكتابته، أيكون الجنين من أهل السعادة أم الشقاء. إنه الأمر ذاته الذي أثار وما زال يثير الكثير من التساؤلات. هل مثلاً تجد المشاهد التي حدثتك عنها قبل قليل هي مشاهد شقاء؟ وهل التنعم وحياة الرفاهية يمكن اعتبارها من مشاهد السعادة؟ وهل الجنين الذي يُكتب عليه الشقاء، لابد حين يخرج إلى الدنيا أن يعاني المشكلات والمآسي والكربات إلى أن يهلك ويفنى؟ وهل بالمثل، الجنين الذي يُكتب عليه السعادة، يعيش حياته هانئاً سعيداً لا مشكلات ولا مكدرات؟ الأمر ليس بهذا التصور وليس الشقاء أو السعادة كذلك. المصير النهائي الذي عليه أجمع علماء الأمة، أن المقصود بالشقاء والسعادة في الحديث، هما الإسلام والكفر وما يؤدي كل منهما إليه نهاية الأمر. فأما الإسلام فهو مؤدي إلى الجنة، وأما الكفر فهو مؤدي إلى النار. هكذا بكل وضوح. هذه نقطة أولى سنبني عليها. ما يقوم به المَلَك الموكل بالأرحام بكتابة الأمور الأربعة على الجنين بعد نفخ الروح فيه، هي الأعمال التي سيقوم بها هذا الجنين بعد أن يدخل إلى الحياة الدنيا من خير وشر، بالإضافة إلى رزقه وأجله، والنهاية التي سيموت عليها، مع ضرورة الإدراك واليقين التام بأن هذه النهاية المكتوبة عليه، لا تؤثر في اختياراته وقراراته، لأنه لا يعلم مصيره. أي أن اختياراته وقراراته هي التي تحدد مصيره. بمعنى أدق، هو من يحدد إن كان صاحب نهاية سعيدة أم نهاية شقية. وفي الفقرات التالية بعض التفاصيل.. الله عز وجل، بعلمه الذي يسبق كل شيء، يعلم أن نهاية شخص ما هو الموت على الإيمان، بحسب ما سيقوم به من أعمال في حياته، وبالتالي يكون مصيره إلى الجنة، فيكتب عليه أنه سعيد. وآخر تكون نهايته على الكفر، بحسب أعماله التي سيقوم بها في حياته، وبالتالي مصيره إلى النار، فيكتب عليه أنه شقي. بمعنى أن السعيد، أو من أراد لنفسه تلك النهاية، تتيسر له فعل أمور مؤدية به لنهاية سعيدة، وبالمثل تتيسر للشقي فعل أمور تؤدي به لنهاية شقية، فكلُ إنسان مُيسّرٌ لما خُلق له كما في الحديث:» ما منكم من أحد إلا وقد كُتِبَ مَقْعَدهُ من النَّار، وَمَقْعَدُهُ من الجنَّة، قَالُوا:» يا رسُول الله، أَفَلَا نَتَّكلُ على كتابنا، ونَدَعُ العمل؟ قال: اعْمَلوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ. أَما من كان من أَهل السَّعَادة فَيُيَسَّرُ لعمل أَهل السَّعَادَة، وأَمَّا من كان من أَهل الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لعَمَلِ أَهل الشَّقَاوَة، ثم قرأَ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى.. ) وهذه نقطة ثانية. أما النقطة الثالثة فتتعلق بالنهاية التي تكون نتاج العمل الذي يقوم به الشخص، وهذا ما يتبين في بقية الحديث (... إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). السعيد مثلاً أو الذي كُتب عليه وهو جنين في بطن أمه أنه سعيد، تراه يعمل الأعمال التي تؤدي بالضرورة للنهاية السعيدة، وهي الموت على الإيمان ثم الجنة بإذن الله، حتى وإن رأيته في فترات من حياته يقوم بأعمال تبدو أنها مهلكة، ومصيره النار. لكن ولأنه مكتوب عليه أنه سعيد، تجده يتغير ويعمل بأعمال تحقق له النهاية السعيدة. وبالمثل من كُتب عليه أنه شقي. قد تجده يقوم بأعمال صالحة وغيرها من تلك التي يعتقد أي أحد أنها ستدخله الجنة. لكنه يتغير، ويقوم بأعمال ستؤدي به وبالضرورة إلى نهاية بائسة شقية، كما كُتبت عليه وهي الموت على الكفر ثم النار والعياذ بالله. ماذا يعني كل هذا؟ فهم هذا الأمر يتيسر أكثر في فهم حديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما الأعمالُ بالخواتيم» أي أن الإنسان منا يجتهد أن تكون عبادته صحيحة خالصة لله، ولا يشرك بالله أحداً، أو يعبد الله رياء وسمعة، أو يغتر بأعماله مهما كانت صالحة رائعة طيبة، لأن الأصل أو العبرة بالخواتيم، حتى قيل بأن قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم، يقول أحدهم: بماذا يُختم لنا؟ هكذا كانوا، وهكذا نسأل الله أن نكون منهم وعلى خطاهم، وأن يُحسن خاتمتنا في الأمور كلها، ويجعل خير أيامنا يوم لقائه، وخير أعمالنا خواتيمها.
2139
| 05 يناير 2023
ما إن تسمع اسم فرعون، حتى يتبادر إلى ذهنك الظلم والعنجهية والتسرع الأحمق في القرارات، التي غالباً تكون صادرة من الفرعون بالقهر وإكراه الآخرين. هذه صورة ذهنية واضحة لديك كما عند كثيرين عن فرعون موسى، وهي الصورة ذاتها لا تختلف لكل من يمارس أفعال ذاك الفرعون ويسير على خطاه، وما أكثرهم في كل زمان ومكان. رعونة ذاك الفرعون وتجبره وتسرعه في اتخاذ القرارات، دون أن يعارضه أحد من الملأ حوله، كان السبب في هلاكه واختفاء كل من سار معه من وزراء ومستشارين ومنتفعين عن الوجود، بل أكثر من هذا أنهم، وبحسب وصف القرآن لهم ( النارُ يعرضون عليها غدواً وعشيا ). أي أنها لم تكن نهاية بائسة وتنتهي قصتهم فحسب، بل استمرار ذلك البؤس عبر المرور على جهنم ليلاً ونهاراً حتى قيام الساعة. ماذا أفادتهم متابعة فرعون وطاعته؟ بالطبع لا شيء سوى خسران الدنيا والآخرة. فلو أنه هو من هلك فقط، لهان الأمر. لكنه هلك وأهلك كل من معه بسبب عناده وحماقته، وقد كانوا يوم أن أغرقهم الله في البحر عشرات الألوف. ولك أن تتصور آلاف العقول وقد اختارت التبعية العمياء، رغبة أو رهبة، حتى رأت تلك الألوف خطأ قراراتهم ولكن في الوقت الضائع.. فرعون هذه الأمة عمرو بن هشام، أو أبوجهل كما أخبر بذلك نبينا الكريم – صلى الله عليه وسلم – نسخة فرعونية عربية تكررت في العهد النبوي. لم يختلف عن فرعون موسى في شيء، سوى أنه لم يدّع الألوهية، لكنه ما اختلف عن زميله في نار جهنم، فرعون موسى. كان عنيداً ظالماً متسرعاً وجاهلاً أحمقاً في الوقت ذاته، لا يأبه برأي الآخرين. العناد طبع فرعوني قصته وعناده مع أحد حكماء قريش، عتبة بن ربيعة حول كيفية التصدي للدعوة الجديدة، كانت بداية النهاية له ولكثيرين ساروا خلفه. عتبة بحكمته، رأى ألا تتورط قريش بالدخول في عراك سياسي أو عسكري مع النبي – صلى الله عليه وسلم – وبني هاشم، فإن ذلك من شأنه التأثير على مكانة قريش بين العرب، بالإضافة لما يمكن أن يحدث على الأرض من مشكلات لا حصر لها. فكان يرى تجنب كل تلك التعقيدات، وانتظار ما ستسفر عنه دعوة النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – وكان يردد مقولته الشهيرة:" فإن تصبه العرب، فقد كفيتموه بغيركم". أي إن كانت دعوته كاذبة، وما اقتنعت العرب به ثم قتلته، فإن هذا ما ترغبه قريش لكن دون أن تتورط في الدم والإساءة إلى مكانتها السياسية. ثم قال:" وإن يظهر على العرب فمُلكهُ مُلككم وعزّه عزّكم وكنتم أسعد الناس به". أي إن جرت الأمور عكس ذلك، فإن المجد الذي سيحصل للنبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – سيكون تلقائياً مجداً لقريش بالضرورة، على اعتبار أن الدعوة وصاحبها – صلى الله عليه وسلم – من هذه القبيلة. لكن فرعون هذه الأمة وبحماقته وعناده رأى غير ذلك، واستمر في العداوة للدعوة الجديدة بالرعونة والجهالة، حتى قربت ساعة النهاية حين أجبر قريش بالخروج لمعركة، رأى كثيرون عدم الحاجة إليها، بعد أن سلمت تجارتهم من المصادرة، وكانت السبب الأول للخروج وحمايتها. فأما وقد انتفى سبب الخروج، فالحكمة كانت تقتضي حينذاك عدم التصعيد عسكرياً مع المسلمين. لكن فرعون الأمة وجدها فرصة ذهبية كما كان يعتقد، للتخلص من الدعوة الجديدة وفرض رأيه وبيان صوابه أمام قريش. وهكذا بحماقته ورعونته دفع حكماء وصناديد قريش ورموزها للخروج، واستمر يثير فيهم الحمية الجاهلية إلى آخر لحظة من حياته، التي انتهت بجز عنقه بيد رويعي الغنم – كما كان يصف عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه - في معركة بدر الكبرى التي كان كثيرون كارهين لها، ومنهم عتبة بن ربيعة. حيث أودت بحياتهم وسبعين من أشرافهم، ومن بينهم عتبة الذي لم تنفعه حكمته يومذاك، وغلبته مفاهيم جاهلية أثارها في نفسه أبوجهل، حتى تخلى عتبة عن حكمته رغبة في أن يراه أبا الجهالة على عكس ما كان يعتقده فيه.. فكانت النهاية البائسة. فراعنة اليوم اليوم تتكرر تلك النماذج في العالم، سواء بنسختها الفرعونية وممثلها فرعون موسى، أو النسخة العربية وممثلها عمرو بن هشام. نسخ كربونية تعيش حتى يومنا هذا، لا تختلف عن تلك النماذج المذكورة أعلاه، سواء كانوا على شكل زعماء وقادة، أو وزراء ومديرين، أو كل مسؤول عن أحد. عناد وتصلب في الرأي، وحماقة في القول والفعل، ضمن جهالة معرفية، سياسية وتاريخية ونفسية وغيرها. تعتقد هذه النسخ الفرعونية الحالية بصوابية رأيها، وتدفع الآخرين إلى رؤية ما تراها، رغبة أو رهبة. ما يُحْدثه الفراعنة في كثير من الأقطار العربية دونما كثير حاجة لتحديدها، باعتبار وضوحها للجميع، وخاصة أن وسائل التواصل والإعلام لا تترك شاردة ولا واردة إلا وتلقي بالأضواء عليها، أمر في غاية الخطورة، ليس على أولئك الفراعنة، بل على الشعوب والأقطار الخاضعة لحماقتهم. هلاكهم ليس بالأمر الذي يحدث اضطراباً، وليس بالأمر المثير للقلق، بل الخشية أن يعم الهلاك الجميع بسبب فرعون أحمق بليد بمعية ثلة فاسدة تدور حوله، بيدهم مقاليد أمور البلاد والعباد. فإن لم يتنبه الجمع الكبير لتلك الثلة الفاسدة وعلى رأسهم الفرعون، والتحذير من الركون إلى الظالمين، فالعاقبة ليست محمودة. والأمثلة من الواقع واضحة أمامنا لا تحتاج لكثير شروحات وتفصيلات.
4326
| 29 ديسمبر 2022
عاشت قطر شهراً كاملاً وقد امتلأت أجواؤها ومؤسساتها وحواريها وشوارعها ومناطقها بعديد الفعاليات، الثقافية منها والاجتماعية والتجارية وغيرها، بالإضافة إلى الفعاليات الرئيسية وهي منافسات كرة القدم. حيث اختلط مئات الألوف من قارات العالم المختلفة بعضهم ببعض، وحدث تعارف وتآلف بين الشعوب، بعيداً عن مؤثرات إعلامية وسياسية وغيرها في جو غير مسبوق يستدعي التوقف بعض الشيء وتأمل بعض أبرز ما وقع خلال شهر المونديال. هذا الحدث الذي امتد شهراً كاملاً، أثار انتباه العالم قبل أن يبدأ ولسنوات عديدة فاقت العشر سنوات، وقد كاد من كاد لهذا البلد، وتآمر من تآمر، وصُرفت ملايين الدولارات هنا وهناك من أجل سحب التنظيم، حتى إذا صار السحبُ أمراً غاية في الصعوبة، تحول الجهد للتشويه وتعكير الأجواء قبيل انطلاق المونديال عبر ملفات عديدة، شاركت فيها دول ومؤسسات أممية بالإضافة إلى أفراد هنا وهناك. تم طرح ملف عمال منشآت كأس العالم، ثم ملف حقوق الإنسان، وبعده ملف الحريات وأبرزها وأكثرها دعماً أو صاحب صوت عال، ملف حرية الدعوة للشذوذ وما يتناقض مع الفطرة البشرية ويخالف الأديان والشرائع السماوية.. وهكذا ملف بعد آخر، حتى صار ما راهن كثيرون على عدمه، واقعاً معاشاً، وليبدأ أكبر حدث رياضي دولي في دولة عربية مسلمة لأول مرة في تاريخ هذه المسابقة، الذي بلغ أكثر من تسعين عاماً وسط ذهول المراهنين، الذين راح ما أنفقوه من ملايين الدولارات على التحريض والتشويه والتحريف هباء منثورا. إشارات لابد منها من جميل ما يمكن الإشارة إليه بعد هذا التجمع العالمي الشعبي، هو حُسن استثمار مثل هذه التجمعات العالمية، التي يمكن من خلال فعالياتها المتنوعة التأثير في النفوس، وبناء صور ذهنية غاية في الصفاء والإيجابية لدى المشاركين فيها.. وهذا فيما رأيت وعايشت قد حدث فعلياً في قطر عبر مؤسسات الدولة المختلفة، وبمشاركة شعبية واسعة وفاعلة من المجتمع القطري، الذي تحدث كثيرون من الإعلاميين والمشتغلين في هذا المجال عما رأوه وعايشوه، وأنه خلاف ما كان في أذهانهم أو ما كان يثار في وسائل إعلامهم المختلفة. التعامل الشعبي المحلي مع جمهور المونديال كان لافتاً للزوار، حيث كتب العديد منهم أو عبّر كل أحد بطريقته عن أخلاقيات الناس هنا وطبائعهم، والجو الآمن العام السائد في أحياء ومناطق البلاد ولله الحمد، على عكس كثير من بلدان الجمهور الزائر، بالإضافة إلى الكرم العربي الذي تجلى بشكل واضح خلال المونديال، سواء من لدن مؤسسات الدولة المتنوعة، أو من عموم أفراد المجتمع المحلي، عبر أنواع الضيافة التي قدمها كثيرون للجمهور الزائر، أو الخدمات الرسمية شبه المجانية للجمهور. الأمن وضبط الوضع والسيطرة عليه مع حُسن التنظيم في دخول المنشآت الرياضية والخروج منها، والتنقل بينها وبين مرافق أخرى في الدولة، كانت من المناظر اللافتة جداً للجماهير الزائرة، والكثير من الإعلاميين وضيوف المونديال، بل ربما هي من أكثر ما أثارت الانتباه، باعتبار أنها مناظر لم وربما لن تتكرر في بطولات أخرى قادمة، وأقربها البطولة القادمة في 2026 التي ستكون فعالياتها موزعة بين ثلاث دول كبيرة بل هي قارة. أي أن ما استمتع فيها وشاهدها جمهور هذه النسخة الفريدة من المونديال، لن يكون بمقدوره الاستمتاع بها تارة أخرى، وأهمها مشاهدة أكثر من مباراة في اليوم الواحد بالحضور الفعلي. قل هذه سبيلي من أجمل ما يمكن الإشارة إليه خلال فترة المونديال، تلك الروح الإسلامية التي كانت حاضرة في مواقع مختلفة على صور وأشكال عدة، على رغم ضجيج الفعاليات الرياضية وغيرها، تقوم بدورها في توضيح ما استشكل وغمض وتضبّب على كثيرين من جمهور المونديال غير المسلمين، بل وبعض المسلمين أيضاً. فقد رأى كثيرون بعض مظاهر الحضارة الإسلامية من خلال فعاليات دينية تثقيفية قامت عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ومؤسسة كتارا، بالإضافة إلى جهود فردية من المجتمع المحلي. حيث رأى الجمهور الزائر الصورة الصحيحة للإسلام والمسلمين وبشكل يتناقض مع ما يسمعه ويشاهده في إعلامه المحلي أو العالمي. بذل علماء ورموز وفعاليات إسلامية الكثير من الجهد في توضيح وتصحيح الصورة المشوهة للإسلام والمسلمين، وكانت ربما بعض نتائجها تحول أكثر من ثلاثة آلاف إلى الإسلام، الأمر الذي أغاظ أصواتاً نشازاً عربية وتحمل أسماء إسلامية، بل بعضهم أصحاب لحى وذي توجهات دينية ! اعتبروا مثل هذه الفعاليات ليس المكان المناسب للدعوة، على رغم علمهم التام من قصص السيرة النبوية الكريمة، بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – كان حريصاً على استغلال موسم الحجّ في دعوة القبائل العربية إلى الإسلام، وكان يتحرّى أماكن تجمُّع الحجّاج، كالأسواق مثل سوق عُكاظ، وسوق مجنّة، وسوق ذي المجاز، وإن فعاليات المونديال لم تختلف عن تلكم الأسواق في فعالياتها. ومع كلّ الجهد الذي كان يبذله رسول الله في ذلك، إلّا أنّه لم تستجب أيّ قبيلةٍ لدعوته، بل ردّوا عليه بأسوأ ما عندهم، لكنه - صلى الله عليه وسلم - ما ترك تجمعاً أو احتفالية للعرب إلا وذهب بنفسه لعرض دعوته ( فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمُر النعم ) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فما بالك وقد حصل عندنا ولله الحمد استجابة أكثر من ثلاثة آلاف زائر للدعوة، وتحولهم للإسلام ؟ النفاق الغربي يمكن القول إن الغرب انكشف أو كشف نفسه بنفسه، ولاحظ ذلك العالم كله دون كثير عناء. فالحملات الإعلامية الغربية التحريضية والمضللة، وتحديداً من أوروبا الغربية والولايات المتحدة ومعهم استراليا كذلك، أوضحت وكشفت النفسية الغربية تجاه الآخرين في هذا العالم، وتحديداً ضد كل ما هو عربي ومسلم. تبين للعالم كيفية تعامل الغرب مع القضايا والأحداث، وأنها تخضع لمزاجية ما، وازدواجية واضحة في المعايير. فما يحدث حادث عندك مثلاً ويراه هذا الغرب مخالفاً للقيم والمبادئ الدولية، قد يحدث حادث مثله في موقع آخر، لكن الغرب يراه أمراً طبيعياً لا غبار عليه، ولا يستدعي أي نقد وما شابه ! والأمثلة أكثر مما يمكن حصرها وذكرها في هذه المساحة المحدودة، وكلنا شاهد وتابع وراقب طوال شهر كامل، نفاق الغرب الذي لن تستطيع آلته الإعلامية والثقافية بعد هذا من تغيير ما ترسخ في أذهان العالم. زيف التطبيع من الأمور اللافتة كذلك في المونديال، زيف ما يسمى بالتطبيع العربي الإسرائيلي. فلقد شاهد العالم كذلك، وعلى وجه التحديد، الإسرائيليون أنفسهم، كيف أنهم منبوذون من الصغير قبل الكبير، وأن ما تجتهد فيه الحكومات، ليس شرطاً أن يكون كذلك عند الشعوب، وهذا أمر يدعو المناهضين للتطبيع في العالم العربي، الاستمرار في جهودهم وبرامجهم التي لم تذهب هباء منثورا طوال السنوات، التي عملت الآلة الإعلامية العربية الرسمية تصوير الأمور عكس الواقع. خلاصة القول هذا الحدث الرياضي والثقافي والحضاري، أكد لكل العالم أن قوة الساعد والسلاح والعضلات، قد تحقق خطط من يتمتع بها ولكن بالغصب والقهر، لكن إن تُرك الأمر للطبيعة البشرية وفي جو آمن مطمئن، فإن الأحداث والإنجازات الكبيرة يمكن أن تتحقق على يد الصغير أيضاً، فالأحجام ليست معياراً وحيداً للتفوق وتحقيق الإنجازات، بل معياراً واحداً ضمن أخريات كثيرات، وهذا ما حدث في هذا المونديال، الذي شهد له العالم بالنجاح التنظيمي والرياضي والإعلامي والحضاري بشكل عام، وستكون آثاره باقية لسنوات طوال في الذهنية العالمية.. ليبقى بعد ذلك شوط مهم يتمثل في أهمية متابعة النتائج وتعزيز الإيجابية منها، ودراسة أي سلبيات ونواقص، لمستقبل نرجو الله أن يكون مبشراً باهراً بإذنه تعالى.
873
| 22 ديسمبر 2022
آية من آيات الكرم الإلهي اللامحدود لعباده المؤمنين المتقين المنفقين.. يضرب الله مثل من ينفق في سبيل الله، كمثل زارع يلقي حبة قمح في الأرض، لتخرج سبع سنابل، وفي كل سنبلة مئة حبة كما في الآية الكريمة (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ۗ والله يضاعف لمن يشاء ۗ والله واسع عليم). ذكر بعض المفسرين أنها نزلت في صدقة عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان – رضي الله عنهما - وذلك أن رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - لما حث الناس على الإنفاق حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك، فجاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم فقال: يا رسول الله كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها لربي، فقال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم: "بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت". وجاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر الرسول - صلّى الله عليه وسلّم - فقال عبد الرحمن بن سمرة - راوي الحديث - فرأيته صلّى الله عليه وسلّم يدخل يده فيها ويقلبها ويقول:" ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم. اللهم لا تنس هذا اليوم لعثمان". نزول هذه الآية الكريمة في " شأن صدقة هذين الصحابيين الجليلين لا يمنع من شمولهما لكل من نهج نهجهما، وبذل من ماله في سبيل الله" كما جاء في التفسير الوسيط للطنطاوي. وهي دعوة للبذل والعطاء والإنفاق في وجوه الخير، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء. صدقةٌ يتبعها أذى بعد أن ذكر الله أجر البذل والإنفاق في سبيله، والأجور المضاعفة حتى سبعمئة ضعف وأكثر، يأتي تنبيه غاية في الأهمية، كي لا تذهب حسنات وأجور الإنفاق هباءّ منثوراً بسبب علل وأمراض تُبتلى بها بعض القلوب، مثل مرض المنّ. يوجهنا القرآن وقت البذل والإنفاق أن نتبع ذلك بقول حسن طيب للسائل والمحروم والفقير والمسكين، لا نجرحه ولا نمن بصدقتنا عليه، كما يروي الفاروق عمر - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم:" إذا سأل السائل، فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها، ثم ردوا عليه بوقار ولين، أو ببذل يسير أو رد جميل فقد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان ينظرون صنيعكم فيما خولكم الله تعالى". إن الصدقة المصحوبة بالمنّ والأذى، تعمل عملها المؤثر السيئ في النفس، فتكسرها وتزيدها عذاباً وألماً فوق ألم وعذاب الحرمان. الصدقة تعلمنا أهمية حفظ الكرامة البشرية، وأنها مقدمة على الحاجات الإنسانية، وأهمية الستر على السائل، وعدم الإعلان عن سوء حاله أمام الغير، فلا يجب أن تجتمع المذلة مع الفقر عند المحتاج، خاصة أن الهدف من الصدقات والإنفاق على المحتاجين، هي سد الحاجات ومنع وقوعهم في مواقف الإذلال، وإبقاء وتعزيز العلاقات والصلات بين المؤمنين، الأغنياء منهم والفقراء. الشيطان يعدكم الفقر بعد بيان أهمية وفضل الصدقات، أو البذل والإنفاق في سبيل الله، يأتي تنبيه آخر مهم، هو ذاك الشعور الذي يبثه الشيطان بالنفس الباذلة أو المنفقة. شعور التخويف من الفقر، خاصة أن المال زينة هذه الحياة الدنيا، التي تجد النفس البشرية تحرص عليه وتسعى إليه وتبذل الجهد والوقت لنيله والمحافظة عليه. ومن هنا صار المال من نقاط ضعف الإنسان، وبسبب هذا الضعف، يجد الشيطان من خلاله منفذاً للتسلل إلى النفس الإنسانية، ويجد باباً سهلاً للدخول إلى تلك النفس، والقيام بأعمال الوسوسة والتخويف والتهويل من مستقبل مظلم أو غير معروف، إن استمر حال الإنفاق - أو إن صح التعبير- استمر الإنسان في بذل المال هنا وهناك وعلى هذا وذاك في وجوه الخير ومنفعة الآخرين، على شكل صدقات أو زكوات أو هبات أو غيرها. الشيطان لا يهمه الصرف ولو بإسراف في الشر أو الحرام أو فيما لا يُرجى من ورائه نفعاً، بل تجد الشيطان يحث ويشجع ويزين صرف المال في تلك الوجوه. لكن في وجوه الخير، والبر والإحسان، وكل ما يرضي الله تعالى، فإنه يقعد للإنسان كل مقعد، يخوفه بالفقر المنتظر أو القريب القادم ! عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ": إن للشيطان للمّة بابن آدم، وللمَلَك لمّة، فأما لمّة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمّة المَلَك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق. فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان." ثم قرأ (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا). الآية كما لو أنها تقول إياكم أن تتبعوا عدوكم الشيطان الذي يأمركم بالإمساك، كما في تفسير السعدي، ويخوفكم بالفقر والحاجة إذا أنفقتم وليس هذا نصحاً لكم، بل هذا غاية الغش (إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير).
4209
| 08 ديسمبر 2022
أعجبني قول للشيخ عبدالعزيز الطريفي وهو يتحدث عن صراعنا التاريخي مع الغرب، قال: "صراعنا مع الغرب ليس صراع إسلام فقط، بل صراع فطرة. هم بحاجة لإعادتهم من حياض البهائم إلى حياض البشر، ثم بعد ذلك يأتي خطاب الإسلام". أوضح الغرب عبر بعض رؤوسه أو قياداته الحالية، نماذج من هذا الصراع، الذي لم يقتصر معنا فحسب، بل مع الأمم الأخرى من أعماق أفريقيا إلى أقاصي الأمازون، ومن أدغال إندونيسيا حتى قرى وأرياف سيبيريا الروسية الباردة. ما ترك الغرب هذا بقعة إلا وأراد نشر قيمه وتصوراته، رغبة أو رهبة، مستخدماً كافة أسلحته ووسائله الإعلامية والثقافية والاقتصادية وغيرها. جاء الحدث الكروي العالمي الذي نعيش أحداثه الآن ربما لأول مرة، وقد تم خلط الحابل بالنابل لحاجات في نفوس هذا الغرب، انكشفت سريعاً للقاصي والداني. فلقد اعتاد العالم في البطولات السابقة أن ينتظر الحدث الكروي بفارغ الصبر، يستمتع الجمهور المحب لرياضة القدم قبل بدء البطولة، بالتحليلات والآراء الرياضية وتوقعات النقاد والمراقبين للمباريات وغيرها من أحداث مرتبطة بها. حتى إذا ما بدأت البطولة، انغمس الناس لشهر كامل في متابعة المنافسات، وتنشغل المجالس بأحاديث الكرة والمنافسات لا غيرها. لكن النسخة الحالية من هذه البطولة صارت فعلاً استثنائية، ليست في روعة التنظيم وجودة الخدمات والمرافق والملاعب، وسهولة الحركة من وإلى الملاعب وبقية الخدمات، بل حتى في الأحداث المفتعلة والمبرمجة التي سبقت البطولة، والتي زادت وتكثفت في الشهر الأخير قبل البدء. حيث تكثفت جهود مؤسسات وحكومات غربية لتشويه ما يمكن تشويهه، وتعكير أجواء الحدث بكل الطرق والوسائل الممكنة، كآخر ما في الجعبة من أفكار وخطط وبرامج. لكن خابت تلك المساعي وتلاشت مع صافرة بداية الحدث قبل أيام عشرة فائتة ولله الحمد. المونديال ليس كرة فقط هذا المونديال في نسخه الأخيرة، لم يعد حدثاً عادياً يلتقي الناس لمتابعة منافسات رياضية فحسب، بل صار حدثاً يجمع السياسة والاقتصاد والإعلام والرياضة والثقافة والتقاء الحضارات والشعوب. وفرصة لتمرير وتبادل رسائل متنوعة، وترسيخ مفاهيم وزرع قيم. ولأن الغرب هاله أن ينفرط هذا الحدث من بين يديه لثمانية أعوام متتالية، وجدته منتقداً هائجاً للنسخة السابقة لروسيا، وإن ليست بالكثافة الحالية، باعتبار أن روسيا في النهاية جزء من العالم المسيحي رغم بعض الاختلاف في القيم والرؤى بين الروس وبقية الغرب. لكن زاد هذا الغرب هيجانه وفورانه أكثر تجاه النسخة الحالية في قطر، والتي اتضحت دواخله وانكشفت، وتبين أن مثل هذا الحدث سيعطي ميزة حضارية للشرق العربي المسلم، وربما أدى إلى انتباه الملايين لهذه البقعة الجغرافية من العالم، التي لا يعرفها العالم سوى بقعة حروب وكوارث وإرهاب وتخلف، أو هكذا أبلت آلات الدعاية الغربية سنوات طوالا في تثبيت هذه الصورة الذهنية لدى الرأي العام العالمي. تلويث البطولة بعد أن يئس الغرب من جدوى سحب البطولة من هذه المنطقة، رغم كل الملايين التي صُرفت على مكاتب العلاقات العامة في الغرب لتشويه سمعة قطر، والمبالغة في تصوير أحداث يومية تقع في كل أطراف الأرض، جاءت المنظمات المشبوهة لتلعب دورها بدعم غربي واضح، حكومات ومؤسسات خاصة، وعلى رأسها تلك المرتبطة بالشواذ، تدعمهم وتحميهم وتنشر لهم في محاولة أخيرة لتلويث البطولة، والذوق العام العالمي بنواقض الفطرة السليمة، فخابت مساعيهم تارة أخرى ولله الحمد. واضح إذن أن الغرب لا يريد أن يتقبل فكرة التخلي عن قيادة البشرية في أي ميدان. يريد أن يكون هو القائد والمنظّر والمتبوع. لا يريد أن يرى أحداً ينافسه في التنظير وقيادة البشرية، على رغم أنه لا زال يمتلك أدوات تلك القيادة، وإن كان لا يعني حديثي هذا أنه فقدها. لكنه يعي أن ما يحدث أمامه، إنما إرهاصات على قرب زوال القيادة الغربية للبشرية، شأنها شأن بقية الحضارات والأمم السابقة، وكسنّة إلهية في الأرض. لكنه يريد تأخير هذا الزوال قدر المستطاع. إن بقاء الغرب في القيادة رهن بتعديل فطرته المنتكسة. رهن بعودته إلى طريق الأخلاق والفضائل والقيم، قولاً وعملاً وليس تنظيراً فحسب. إن ما يحدث الآن من تعد واضح على الفطرة وبشكل متعمد، ومحاولة نشر ذلك المنهج في العالم، إنما إشارة إلى أن الغرب فقد بوصلته، وضاعت وجهته، ولم يعد قادراً العودة إلى جادة الصواب. البقاء للأنظف الحضارات بحسب المؤرخ البريطاني توينبي، تمر بمراحل خمس من البداية حتى النهاية، منها ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﻤﻴﻼﺩ ﻭﺍﻟﻨﺸﺄﺓ، ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺍلاﺯﺩﻫﺎﺭ ﻭﺍﻟﺘﻮﺳﻊ ﺍﻟﺴﺮﻳﻊ، ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺠﻤﻮﺩ ﻭﺍﻟﻌﺠﺰ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﻄﻮﺭ ﻭﺍلإﺑﺪﺍﻉ ﻭﺍﻟﺘﺠﺪﻳﺪ، ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺍﻻﻧﺤﻼﻝ ﻭﺍﻟﺘﺪﻫﻮﺭ ﺍلأﺧﻼﻗﻲ، وأخيراً مرﺣﻠﺔ ﺍﻟﺴﻘﻮﻁ ﻭﺍﻻﻧﻬﻴﺎﺭ. والحضارة الغربية تعيش المرحلة قبل الأخيرة بكل وضوح، بل تتقدم بشكل سريع وكأنما تريد الدخول إلى المرحلة الأخيرة، لتخلص نفسها والأرض من التلوث الفكري والقيمي والأخلاقي الناتج بسببها. ابن خلدون يرى من جانبه أن السلوك الأخلاقي المنحرف هو طريق الانهيار الحضاري، وأن رقي الأمم ليس في توافر القوة المادية أو رقي العقل فحسب، ﺑل بتوافر الأخلاق الحسنة، وهو ما أشار إليه بالضبط الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون بقوله، إن الانقلاب يحدث في حياة الأمم ﺑﺎﻷﺧﻼﻕ ﻭﺣﺪﻫﺎ، ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﻳﺆﺳﺲ ﻣﺴﺘﻘﺒﻞ ﺍﻷﻣﺔ ﻭﺣﻴﺎﺗﻬﺎ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮﺓ، ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗفسد ﺃﺧﻼﻕ ﺍﻷﻣﺔ ﺗﻤﻮﺕ ﻣﻊ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻘﻠﺐ ﺍﻟﻠﺬﻳﻦ ﺭﺑﻤﺎ ﻳﻜﻮﻧﺎﻥ ﻣﺘﻘﺪﻣﻴﻦ ﻓﻲ ﻧﻮﺍﺡ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﻛﺜﻴﺮﺓ.
3339
| 01 ديسمبر 2022
قصة خليل الرحمن إبراهيم - عليه السلام - مع قومه، قصة ملهمة لكل صاحب دعوة أو فكرة بنّاءة يريد نشرها، ويدعو ما أمكن من العقول والألباب أن تلتفت إليها أولاً ومن ثم تدبرها ومحاولة فهمها. وهذا ما قام به إبراهيم – عليه السلام – في مشهد تحطيم الأصنام، كآخر المشاهد معهم، من بعد مشاهد عدة طوال فترة دعوته لهم. كانت من نعم الله عليه إلهامه الرشد والصواب منذ صغره، فلم يتورط عليه السلام كبقية قومه في عبادة الأوثان أو الأجرام السماوية. بل بدأ يتفكر في خلق السماوات والأرض منذ صغره، ورأى ما عليه القوم من جهل وضلال وعبادة أوثان لا تضر ولا تنفع. فأراد أن يبين لهم ذلك. لكن السؤال: كيف له إقامة الحجة عليهم، وهم على فعلتهم تلك سنوات وسنوات؟. بدأ بمشهد النظر إلى السماء كما جاء في القرآن (فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب الآفلين) إلى آخر الآيات. أراهم كوكب الزهرة وأشار إليه وقال: هذا ربي. حتى إذا اختفى وظهر القمر، قال: هذا هو ربي، فاختفى القمر أيضاً مع بزوغ الفجر. فانتظر قليلاً حتى رأى الشمس تشرق، فقال: هذا ربي، هذا أكبر، وانتظر حتى حان وقت الغروب لتختفي الشمس أيضاً.. هنالك وجد إبراهيم – عليه السلام – فرصة مناسبة ليقيم الحجة على قومه، معلناً أن الإله الحق هو الله، الذي لا يختفي ولا يموت إلى آخر المشهد، كما جاء في كتب التفسير. أراد إبراهيم – عليه السلام – أن «يستدرج القوم بهذا القول – كما جاء في تفسير البغوي - ويعرّفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموه. وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها، ويرون أن الأمور كلها إليها. فأراهم أنه معهم كذلك، ومعظّمٌ ما عظموه، وملتمسٌ الهدى من حيث ما التمسوه. فلما أفل أراهم النقص الداخل على النجوم ليثبت خطأ ما يدّعون». والله لأكيدن لأصنامكم لم يقتنع القوم بمشهد الأجرام السماوية وانفضوا عنه، فقرر الانتقال بهم إلى مشهد آخر. وانتظر فرصة أخرى، فكانت في يوم عيد لهم، كما قال السدي في تفسيره، حيث «كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، وكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا. فخرج معهم إبراهيم. فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه، وقال إني سقيم، يقول: أشتكي رجلي. فلما مضوا نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس قال: (وتالله لأكيدن أصنامكم» فسمعوها منه، ومضى المحتفلون بالعيد في حال سبيلهم. بعد أن انغمس الناس في احتفالاتهم، قام إبراهيم - عليه السلام – واتجه إلى بيت الآلهة، حيث يستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جانبه صنم أصغر منه، وكانت الأصنام بعضها إلى جنب بعض. كل صنم يليه أصغر منه. ورأى طعاماً بين يدي تلك الأصنام قد تركها الناس لتباركها الآلهة، ثم يعودون تارة أخرى ليأكلوها بعد المباركة! فنظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام، فقال لهم مستهزئاً: ألا تأكلون؟ فلما لم تجبه قال: ما لكم لا تنطقون؟ (فراغ عليهم ضرباً باليمين) وجعل يكسرهن إلا الصنم الأكبر، علق الفأس في عنقه ثم خرج. الظالم حين يفلس هال القوم منظر آلهتهم المحطمة إلا كبيرهم، وتساءلوا عن الفاعل، حتى تردد اسم إبراهيم – عليه السلام – بينهم وبشكل فيه تقليل شأن واستصغار لقيمته - عليه السلام - حين سألهم ملكهم نمرود عن الفاعل (قالوا سمعنا فتى يذكُرُهم يُقال له إبراهيم). سمعنا عن شاب يدعى إبراهيم، إشارة إلى أنه لم يكن معروفاً وذا شأن في القوم، لكنهم سمعوا أنه يستهزأ بآلهتنا ويسبها ويتوعدها بأمر ما، فربما هو الذي قام بهذا العمل الإجرامي! هكذا استقر الأمر في وجدان القوم واقتنعوا به، فقرر الملك استدعاء إبراهيم، لتجري المحاورة الشهيرة بينه وبينهم والتي أقام خلالها الحجة عليهم، ليتبين لهم في النهاية، تفاهة عقولهم. ويمكنك الرجوع إلى تفسير سورة الأنبياء لتفاصيل القصة إن أحببت. بعد إقامة الحجة الدامغة عليهم، هل انتهوا عن ضلالهم وإضلالهم؟ بالطبع لا، فأنّى للظالم ومن معه من منتفعين على شكل ساسة وكهنة وأصحاب مصالح، الاعتراف بالخطأ الذي كان واضحاً جلياً في وجدانهم، وإن بدا ظاهرهم أنهم مع الملك نمرود، أو مع كل ما يبقي على مصالحهم. كانت حيلتهم للخروج من ذلكم المأزق الذي وضعهم إبراهيم فيه، وكعادة الظلمة في كل زمان ومكان، هو التخلص منه، لوأد فكرته ودعوته قبل أن تنتشر وتتوسع، ولإرهاب من تسول له نفسه النيل مما هم عليه من معتقدات وأفكار، وإن كانت بالية تافهة. ثم كان القرار الحاسم. إحراق إبراهيم في نار عظيمة يشترك الجميع في جمع حطبها. فبدأ الجميع تنفيذ ما قرره نمرود، ليتفاجأ هذا الجمع بمعجزة تقع أمامهم لن تتكرر تارة أخرى في عالم البشر، وقد احتشدوا لرؤية إبراهيم وهو يحترق في نارهم، لتكون حجة أخرى أخيرة عليهم، تؤكد صدق إبراهيم في دعوته. بل ران على قلوبهم لكن هيهات هيهات أن تتأثر قلوب ران عليها ما كانوا يكسبون، كما في الحديث الصحيح: إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه منها، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون). انتهى المشهد بنجاة إبراهيم الخليل – عليه السلام – الذي جعل الله النار عليه برداً وسلاما، فخرج ولم تحترق إلا الحبال التي تم ربطه بها في مشهد مخالف للسنن والقوانين الطبيعية، ومع ذلك كله، لم يؤمن أولئك القوم!. خلاصة ما يمكن به ختم هذا الحديث، أن أصحاب الدعوات هم هكذا. ثبات على طريق الحق، في صراع مستمر لا يتوقف مع أصحاب الفكر المشوش والمغلوط أو العقائد الفاسدة. صراع قد تضطر في إحدى مراحله أن تكسر وتحطم أوثان الباطل بصورة وأخرى، ضمن مشاهد متنوعة تجد أن كل فريق يسعى لإقامة الحجة على الآخر بطريقة وأخرى، فهكذا هي مشاهد الصراع بين الحق والباطل في كل زمان ومكان. الفريقان لا يعرفان اليأس. لكن ما يميز فريق الحق أن حججه دامغة حاسمة، مقابل حجج للباطل، خادعة كاذبة خاطئة، والعاقل من ينظر لعاقبته، ولا يغترُّ بعاجلته، كما قال أبو حامد الغزالي. فاللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
3867
| 24 نوفمبر 2022
معارك الحق والباطل لم ولن تتوقف إلى قيام الساعة، وما قافلة الأنبياء الكرام، إلا دليل على أن الفساد بأشكاله وألوانه المتنوعة، كان سبباً لبعث الرسل والأنبياء إلى أقوامهم، وقصصهم المختلفة التي حكاها القرآن للعظة والعبرة. معركة الإصلاح أو محاربة الفساد، معركة أزلية دون شك، وكل قصص المصلحين مع المفسدين، إنما هي مشاهد من المعركة الأزلية بين الحق والباطل، منذ أن بدأ أول المشاهد بين آدم عليه السلام وإبليس في الجنة، إلى أن انتقلت بعد ذلك إلى الأرض، لتستمر إلى يوم الناس هذا. رغم أن الباطل دوماً وأبداً يدرك تمام الإدراك أنه على غير هدى، وأن معركته مع الحق خاسرة في نهاية المطاف، إلا أنه يعتبرها معركة ذات فصول عديدة. فكلما استطاع أن يكثر ويطيل من أمد تلك الفصول، عاش فترة أطول وحافظ على مكاسبه لأمد أبعد. إنه يحاول بكل الطرق والأساليب، مستخدماً كل الأدوات الممكنة لأجل أن يحافظ على مكاسبه ونفوذه، وإن دفعته الأمور لتشويه الحق وتصويره بأقبح الصور.. إنها معركة بقاء ومعركة كسب صلاحيات ومعركة توسيع نفوذ، ثلاث معارك في آن واحد مع الحق وأهله. شعيب والفساد الاقتصادي النبي شعيب، عليه السلام، أو خطيب الأنبياء، ذكر القرآن قصته مع قومه، قصته كانت نموذجاً من تلك المعارك الإصلاحية، حيث كانت تدور حول فساد اقتصادي انتشر وساد البلد، حتى عُرفت قرية مَدْيَن بالغش والاحتيال التجاري بكافة أشكاله. بالإضافة إلى ذلك الفحش في التعامل التجاري، كانوا يقطعون الطريق، ويخيفون المارة، ويبخسون المكاييل والموازين، ويطففون فيهما، فيأخذون بالكثير ويدفعون بالقليل، وكانوا مكّاسين لا يدعون شيئاً إلا مكسوه – أي فرضوا الضرائب على الناس دون وجه حق في أي معاملة يرغبون فيها – وهو عمل محرّم، بل عدّه العلماء من كبار الذنوب والموبقات. كالعادة عند أهل الفساد، اعتبروا دعوة شعيب لهم للتوقف عن تلك الأفعال والأخلاقيات المسيئة لهم ولسمعة بلدهم، نوعاً من الرغبة في إدارتهم والتحكم بهم، أو تغيير معتقداتهم التي ورثوها عن آبائهم الأولين، حتى وإن كان أولئك الآباء على ضلال مبين. فما كان منهم إلا أن دخلوا معركة ستبدو طويلة مع شعيب عليه السلام، ليس لشيء سوى العناد أولاً، وللمحافظة على مكاسبهم غير المشروعة، التي رأوا في دعوة شعيب خطراً عليها.. والذي بدأ بقوله « لا تنقصوا المكيال والميزان، إني أراكم بخير». هكذا وصف القرآن بداية ما دار بين شعيب ورؤوس الفساد الاقتصادي في قريته. هو يراهم في وضع اقتصادي رفيع المستوى، ووضع من الرخاء لا يستدعي أبداً اللجوء للغش والاحتيال والنصب على عباد الله، ولا يستدعي كذلك فرض المكوس عليهم بغير وجه حق، أو قطع طرق القوافل التي كانت تجوب الجزيرة العربية من شمالها إلى جنوبها، مروراً بقرية مدين التي كانت في الوسط، تتحكم في حركة القوافل التجارية. قرية مدين، كانت تعيش رخاء اقتصادياً وحياة طيبة، لكن الجشع والطمع وفساد العقيدة عند متنفذين فيها، أضرت بسمعة القرية في الإقليم وما حوله، فصارت مضرباً للظلم والفساد الاقتصادي. وهذا ما كان يدعو شعيب قومه للتخلي والتراجع عنه، والحفاظ على سمعة البلد، وقبل ذلك الحفاظ على مستقبلهم الدنيوي قبل الأخروي، لأن ما يقومون به ظلم لا يأتي بخير. لكن كان الجواب كعادة أهل الفساد، هو الاستهزاء به وبدعوته، والسخرية منه. إن أريدُ إلا الإصلاح ما استطعت كررها لهم مرات ومرات، دعوته لا يرجو من ورائها منصباً ولا مصلحة دنيوية كما يتصورون. لا يريد سوى إصلاح الواقع الفاسد لمجتمعه كي يضمن عاقبة حميدة لهم في الدنيا قبل الآخرة. لكن حين « تفرغ النفوس من العقيدة القويمة - كما يقول الشهيد سيد قطب في ظلال القرآن - وتفرغ من القيم الرفيعة والمُثل العالية؛ فإنها تقبع على الأرض ومصالحها القريبة وقيمها الدنيا؛ فلا ترى حرمة يومئذ لدعوة كريمة، ولا لحقيقة كبيرة؛ ولا تتحرج عن البطش بالداعية إلا أن تكون له عصبة تؤويه؛ وإلا أن تكون معه قوة مادية تحميه. أما حرمة العقيدة والحق والدعوة فلا وزن لها ولا ظل في تلك النفوس الفارغة الخاوية «. هكذا يصل الطرفان إلى نقطة لابد من الفراق أو المفاصلة عندها، بعد أن حاول كل طرف استمالة الآخر. شعيب عليه السلام، حاول إنقاذ قومه من عاقبة غير حميدة في الدنيا قبل الآخرة، فيما قومه حاولوا تخويفه وتهديده للرجوع عن دعوته. فأعلنها شعيب عليه السلام أن دعوته وصلت لطريق مسدود معهم «ويا قوم اعملوا على مكانتكم» أي سيروا على ما أنتم عليه من فساد وسوء أخلاق وتصور للحياة، وأمضي أنا على صراط الله المستقيم، ثم «سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب» هل أنا أم أنتم؟ بل أكثر من هذا قال لهم بثقة المؤمن بربه «وارتقبوا إني معكم رقيب» أي انتظروا العاقبة القادمة، وأنا بالمثل سأنتظرها، فالأمور قد وصلت فعلياً إلى نقطة النهاية.. نهاية الظلم والفساد، وبالمقابل نجاة الإصلاح والمصلحين «ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين».وهكذا دوماً نهاية الفساد وأهله، ولكن لا حياة لمن تنادي.
4926
| 17 نوفمبر 2022
ليس لي في الشأن الرياضي ذلك العلم أو الاهتمام، لكن ما يحدث الآن تجاه مسابقة كأس العالم المنتظرة بعد أقل من عشرة أيام في قطر، تجاوز الشأن الرياضي، وبلغ حداً لا أجد بالتالي ما يمنع من التحدث فيه، بل وأدعو كل من ليس له شأن في المسابقات الرياضية أن يساهم في بيان ما يجري وكشف النفسية الغربية الاستعلائية تجاه كل من ليس ينتمي للعرق الأبيض. تلك النفسية أو النظرة التي لم تتغير منذ العهد الاستعماري أو الاستدماري، رغم كل التطور العلمي والحضاري الذي يسود العالم من شرقه إلى غربه، وشماله إلى جنوبه. كل منصف وموضوعي، ولو لم يكن قطرياً أو عربياً أو مسلماً، لا شك أنه استاء مما يجري ضد قطر عبر حملات مكثفة، إعلامية وقانونية وسياسية وغيرها، بعد أن زادت ونشطت مؤخراً، فيما العالم المحب لكرة القدم يعد الأيام والساعات والدقائق لصافرة البداية، ويستغرب في الوقت نفسه من هذا التوقيت وهذا التآزر والتعاضد الغربي ضد قطر، ويتساءل عن الأسباب والدوافع. بغض النظر عن حجم المردود السياسي أو الاقتصادي أو غيره، الإيجابي منه أو السلبي على قطر، الذي أعتبره أمراً آخر ليس الوقت الآن لمناقشته وبحثه، فإنني أجد الحملات الغربية المثارة إلى يوم الناس هذا - وليست عندي ذرة شك – منظمة وموجّهة، لكنها ستهدأ بالضرورة مع صافرة البداية يوم العشرين من الشهر الجاري، لكن بعد أن تكون هذه الحملات قد حققت هدفها الرئيسي، وهو خلق أجواء من التوتر والقلق عند القطريين والمحبين لهم ليس أكثر، على اعتبار أن كل هذه الصيحات المتعالية والمتناثرة هنا وهناك، تأتي في الوقت الضائع، إن صح التعبير، لا تقدم ولا تؤخر من الواقع الذي سيفرض نفسه بعد أيام قليلة قادمة بإذن الله. كشفت لنا الحملات الغربية عن زيف ادعاءات دولها ومؤسساتها منذ عقود طويلة، والترويج على أنها راعية مبادئ وقيم وأخلاق ومُثُل، فإذا الحاصل هو العكس من ذلك تماماً. فلا يوجد أي تفسير لهذا الهجوم غير المبرر وغير المنطقي على قطر، سوى أنه ينطلق من نزعة استعلائية أو عقلية استعمارية لا زالت تحرك الغرب، الذي لم يتخلص منها إلى الآن، وإن كان قد نجح في إخفائها بوسائله المختلفة، الإعلامية وما شابه. العقلية الاستعمارية ما زالت حية إن العقلية التي تحرك الحملات التشهيرية والمغرضة، هي نفسها العقلية التي عاثت فساداً في القرن الفائت في إفريقيا وآسيا وغيرهما، وأهلكت الحرث والنسل، وجففت خيرات وموارد شعوب كثيرة، ما زالت مشاهدها عالقة بالأذهان. إن كانت الصحف البريطانية تتحدث عن حقوق العمال في إنشاءات الملاعب بقطر، فالتاريخ يذكر كيف ساقت عشرات الألوف من مستعمراتها في آسيا وإفريقيا لحفر الأنفاق وشبكات الطرق والقطارات، بالسوط والسلاح، وقضى الألوف منهم أثناء العمل. وإن كانت الصحف الفرنسية تصور لاعبي منتخب قطر على هيئة أفراد داعش، يحملون أسلحة ومتفجرات، فالتاريخ كتب عن آلاف مشاهد إجرام ووحشية الدولة الفرنسية في مستعمراتها، لاسيما الجزائر، التي قتلت فيها الألوف من الأبرياء، رجالاً ونساء وأطفالاً، بل ومازالت تحتفظ بآلاف جماجم المقاومين لها في متاحفها، لتكون شاهدة على إجرام ووحشية الدولة الفرنسية، سواء أدرك الفرنسيون ذلك أم لا ! وبالمثل يُقال عن الإعلام الألماني، الذي يشن حملاته على قطر بزعم قمع الحريات، لاسيما حريات الشذوذ الجنسي، في حين أن القانون الألماني ما زال يحظر الإنكار العلني لمحارق اليهود، أو حتى رفع شعارات النازية أو الحديث عنها ورموزها، بحجج أنها خطابات كراهية ! والحديث يتشابه كذلك عن الإعلام الأمريكي الذي مازال يردد أكاذيب وفاة آلاف العمال بسبب ظروف غير إنسانية، ويتناسى هذا الإعلام ضحايا الدولة الأمريكية، التي بلغت الملايين في أقل من قرن من الزمان، وبصورة تجعلها لا تستحق إدارة أي فعالية دولية صغيرة، فما بالك بالكبيرة.. والأمثلة أكثر من أن نحصرها ها هنا. هذه حضارتنا ونحن سادتها الغرب يريد أن يقول عبر مناسبات عدة إن الحضارة الحالية هي حضارته وهو من بناها وقام عليها. ولا أحد يشكك في ذلك، ودور الغرب في قيامها، لكن لا يعني ذلك بقاء السادة سادة وإن تغير الزمان والمكان، أو العبيد عبيداً. العالم يتغير، والغرب لابد أن يغير من عقليته وطريقة تفكيره ومنطقه. العالم النامي كان في طور النمو قبل نصف قرن، ولابد أنه نما وتطور وارتقى، وأنه لن يبقى على حاله، وهذا ما لا يريد الغرب استيعابه. فقد كانت المناسبات والفعاليات الكبيرة حكراً عليه لعقود عدة، لكن مع تطور الآخرين في الإدارة وفهم الواقع، خارج نطاق العرق الأبيض، فلم يعد غريباً أو مستحيلاً أن تتولى أعراق أخرى إدارة وتنظيم الفعاليات الكبرى على شاكلة كأس العالم لكرة القدم. لم يكن يتصور الغرب على وجه التحديد، أن تتولى مثل هذه الفعاليات الضخمة، دولة لا تُرى على الخريطة، وإن كانت أفعالها وتأثيراتها وسمعتها بلغت الآفاق في سنوات عشر ماضيات. فالأحجام في عالم اليوم، لم تعد عاملاً كافياً وحيداً للبقاء على قمم الإدارات، أو عنصراً كافياً لمنح الصلاحيات وتولي المسؤوليات. الغرب لا يريد أن يستوعب أن غير العالم الغربي بمقدوره منافسته في إدارة الفعاليات والأحداث الكبيرة بالعالم. هو يدرك أن كأس العالم ليست حدثاً رياضياً فقط. ولأنها ليست كذلك، هالها أمر تولي دولة عربية مسلمة شرق أوسطية زمام أمور أضخم حدث رياضي بالعالم منذ القرن الفائت حتى يومنا هذا، ومنافسته أو إزاحته عن حدث تسيل له لعاب الدول الكبيرة، لاسيما الغربية، ومعها لعاب شركاتها ومؤسساتها الاقتصادية المختلفة. خلاصة ما أريد أن أصل إليه، أو من فوائد ما يجري الآن ضد قطر، أن الإعلام الغربي كشف عن حقيقة دوله ومؤسساته للعالم، ربما دون قصد. فهكذا الأمور تجري في هذه الحياة. المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله. وهذا ما نشاهده الآن فعلياً وبصورة واضحة، تدفع المخدوعين بالنظم والقيم الغربية، إلى إعادة الحسابات. فالحضارة التي تخلو أو تتساقط عنها الأخلاقيات والقيم، واحدة بعد أخرى، إنما دليل على أفول نجمها، وقُرب زوالها. والأيام دول.
1050
| 10 نوفمبر 2022
مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...
8601
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...
4254
| 09 مارس 2026
-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...
1269
| 07 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...
1218
| 11 مارس 2026
أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...
987
| 11 مارس 2026
وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...
948
| 10 مارس 2026
عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...
837
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...
723
| 11 مارس 2026
عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...
660
| 12 مارس 2026
في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...
612
| 12 مارس 2026
-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...
597
| 08 مارس 2026
أقدمت إيران بعد استهداف خامنئى على توسيع نطاق...
564
| 07 مارس 2026
مساحة إعلانية