رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
السفاهة كما عند اللغويين، هي الخفة أو الطيش والتسرع في القول والفعل، إضافة إلى الجهالة، فإن جاهل الحق أو من يتعمد الابتعاد عنه، وفق هذا التعريف، سفيه من السفهاء، وقد ذكر الجاحظ في كتابه تهذيب الأخلاق، بعض علامات السفاهة، كسرعة الغضب، والمبادرة في البطش، والإيقاع بالمؤذي، والسّرف في العقوبة، وإظهار الجزع من أدنى ضرر، والسب الفاحش. حين وصف الله عز وجل الشخص الذي يعرض أو يرغب عن ملة النبي الكريم إبراهيم - عليه السلام – بالسفاهة، فلأن هذا المُعرض أو المائل عن الحق، حمل أغلب معاني السفاهة في عمله، فإن الذي يرى الحق ثم يعرض عنه، لا شك أنه جاهل متسرع في حكمه وقراراته، بل رديء الفهم، خفيف العقل، ضعيف الرأي. أنؤمن كما آمن السفهاء؟ هكذا قال الأولون، عبارة رددها كثيرون منهم لأنبيائهم، ثم تكرر الأمر مع من جاء بعدهم من المصلحين والمجددين، بل ما زال الأمر يتكرر اليوم وغداً وإلى ما شاء الله أن تدوم هذه الحياة، روحٌ متعالية متكبرة كانت تسري فيهم، وبسبب ذلكم التعالي وذلكم التكبر، انحرف كثيرون منهم، وضلوا وأضلوا غيرهم عن سواء الصراط. المشركون عبّاد الأوثان من الحجر والشجر والدواب وغيرهم، كانت تلك طريقتهم في التعامل مع أتباع الأنبياء والمرسلين، فقد دعتهم قدراتهم المالية ومكانتهم الاجتماعية، ونفس مستبدة طاغية، واتباع الشيطان، إلى نعت أتباع الرسل والمصلحين بالأراذل والسفهاء، وما كان السفهاء حينذاك إلا هم أنفسهم وما كانوا يشعرون. مما تقدم إذن من تمهيدات، يمكننا بها تأكيد القول هاهنا أن السفاهة باختصار هي عدم استخدام العقل بحكمة، وعدم استثمار المعرفة في موضعها، مع استبداد في الرأي، ونفس مائلة مطواعة للشيطان في كثير من الأمور، وضعف في الدين ملحوظ. السفاهة مثلما كانت من صفات المشركين، فإنها كذلك صفة لصيقة بالنفاق والمنافقين. إذ إن من صفتهم - كما يقول سيد قطب في ظلاله - التطاول والتعالي على عامة الناس، ليكسبوا لأنفسهم مقاماً زائفاً في أعين الناس (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون). قطار السفهاء مثلما السفهاء على مر الزمان اعتادوا على مضايقة أنبياء الله ورسله وأتباعهم، ونعتهم بأقبح الأوصاف، واستهزائهم المتنوع بدعواتهم، فإن قطارهم ما زال يسير في سكة الضلال والإضلال، بل ويركبه كثيرون، يواصلون عمليات أسلافهم من الاستهزاء بالمصلحين والمجددين، وإطلاق أقبح الأوصاف عليهم، مع التفنن في بث الشكوك بالنفوس تجاه الدين وتعاليمه ورموزه ومقدساته، والتهوين من شأنها وإظهارها بصورة مشوهة، يريدون بذلك القول: أنها من أسباب التخلف عن المواكب الحضارية!. قد لا يكون هؤلاء السفهاء المستهزئون بالقيم والدين والأخلاق من خارج الملة كما كان سفهاء الماضي، حين كان هناك فريق حق وفريق باطل. لا، اليوم اختلط وتداخل الأمر، حيث تجدهم من الملة نفسها على شكل مفكرين، مثقفين، فنانين، وساسة، وأحياناً على شكل طلاب علم أو علماء دين، وهو ما يزيد ويعمّق في أمر تشكيك الناس في شؤون دينهم وصالح أعمالهم. يستخدمون كل الوسائل الممكنة لعمليات التشكيك والاستهزاء - أو إن صح وجاز لنا التعبير- استمرار سفاهتهم وتفاهتهم وكشفها على الملأ، وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعا!. السفاهة المعاصرة السفاهة المعاصرة صارت تنافس تلك القديمة، سفاهة اليوم ميدانها الأوسع والأشمل وسائل التواصل الاجتماعي، فإن أحببت رؤية السفاهة واقعاً متجسداً أمامك، أو أحببت رؤية نماذج من السفهاء، فما عليك سوى مشاهدة ميادين وسائل التواصل، وما يجري فيها. إن كمية المواد المنشورة في تلك الميادين، المرئية منها والمسموعة والمقروءة، تفيض سفاهة وتسطيحاً للأذواق، ما تدفع بالعقول والألباب المنخرطة والمتابعة لها، لمزيد خفة وطيش وجهالة، وهو الأمر الذي يتوجب، كخلاصة لموضوع اليوم، تصدياً مجتمعياً منهجياً له، عبر رؤى بيّنة وبدائل عاقلة نيّرة، والأخذ بالوصية القرآنية (خذ العفو وأمر بالعُرف وأعرض عن الجاهلين). ثم تتحلى كشخص مُعرّض لتفاهات السفهاء بخُلُق الأنبياء والمرسلين، أخلاقيات العفو والصفح، ولتكن تلك الأخلاقيات من أعمالك اليومية، فلا ترد على جهالة السفهاء بالمثل، فإن عدم الرد بالمستوى نفسه، قد يدعو السفيه لأن يتنبه لحاله ورداءة واقعه، فيقوم من سبات الغفلة والسفاهة، وفي الوقت ذاته يكون لك أنت المُعرض عن السفاهة والجهالة، أجر كظم الغيظ والإعراض عن الجاهلين، وما أعظمه من أجر.. فاللهم اجعلنا من (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).
1846
| 04 أغسطس 2022
الهجرة النبوية التي نحتفل بها دوماً مع مقدم كل سنة هجرية جديدة، كانت عملاً منظماً وفق مخطط استراتيجي، بحسب تعريفاتنا المعاصرة. فلم تكن الهجرة خاطرة أو فكرة تداولها الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – مع أصحابه ليلاً، ثم حمل كل أحد منهم متاعه فجراً وغادر مكة. لا، الأمر لم يكن بهذه البساطة، بل أعقد وأشمل من هذا التصور بكثير. بداية وقبل الخوض في التفصيلات، الهجرة النبوية الشريفة تمت على مراحل عدة، ولم تقع أساسا في شهر محرم كما يعتقد كثيرون. صحيح أن الهجرة كفكرة ومشروع، بدأ التجهيز والاستعداد له في محرم، لكن تمت واكتملت فعلياً بهجرة سيد الخلق عليه الصلاة والسلام مع صاحبه الصديق أبي بكر، في الثاني عشر من ربيع الأول، كما تقول أغلب روايات المؤرخين. شهر الله المحرم تم اختياره في زمن الفاروق عمر رضي الله عنه، والصحابة في بحث عن وضع تأريخ خاص بالمسلمين، فتم اختيار محرم لبداية السنة الهجرية، لأن فيه تم تداول فكرة الهجرة واتخاذ القرار، وعلى اعتبار أن الهجرة كانت من أعظم الحوادث في التاريخ الإسلامي، وكانت إشارة للتفريق بين الحق والباطل، وبدء العمل على نشر الدعوة الإسلامية في الجزيرة، ومنها للعالم أجمع. مسألة الهجرة إذن لم تكن عملاً عشوائياً أو وليد لحظته، إنما كانت أحد التكتيكات أو الوسائل التي اتخذها الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم - ضمن خطة استراتيجية بعيدة المدى، إن صح وجاز لنا التعبير- حيث كانت الهجرة ضمن خطة عشرية رسمها خلال وجوده بمكة، حيث نفذ مجموعة عمليات تمهد للهجرة، ختمها برحلته - صلى الله عليه وسلم - أو لجوئه إلى يثرب. التخطيط للهجرة قام عليه الصلاة والسلام بالتجهيز لهذه الرحلة مبكراً، وقبل ذلك أرسل دفعة من أصحابه كفريق احتياطي إلى أرض لا يُظلم بها أحد، أرض الحبشة عند النجاشي. بحيث يعد هذا الفريق نفسه في أرض آمنة، وينشر الدعوة كذلك بشكل غير ملحوظ، حتى يكون على استعداد تام لأي أمر طارئ، بحيث لو وقع مكروه للفريق الأساسي بمكة، يقوم هذا الفريق الاحتياطي بالعمل ومواصلة مسيرة الدعوة. هذا من جانب. من جانب آخر، بدأ عليه الصلاة والسلام في حث أصحابه للهجرة سراً نحو يثرب، بعد أن أعد الأرضية الصلبة لذلك عبر الاتفاقيات والعهود التي أبرمها مع الأنصار الكرام في بيعتي العقبة الأولى والثانية، حيث اطمأن إلى الأنصار، واعتبر يثرب الحاضنة الثانية المناسبة لأصحابه، بعد الحبشة. من ضمن استعداداته للهجرة أيضاً ومنذ وقت مبكر، تكليفه أبا بكر بتجهيز راحلتين تصلحان لمهمة السفر الشاق والبعيد، فكان رضي الله عنه يقوم بتعليفهما بنوعية معينة من العلف الذي يقوي جسم الراحلة، وكان على ذلك الأمر مدة كافية دون أن يلحظ أحد ذلك. لتبقى بعد ذلك مسألة أخرى مهمة هي الأمانات، التي كان الناس يودعونها عنده - صلى الله عليه وسلم - لما عرفوا عنه الأمانة، فقام بتكليف ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه القيام بمهمة رد تلك الودائع إلى أصحابها، وفي وقت مبكر كذلك وبشكل طبيعي لا استعجال فيه أو توتر، كيلا يتنبه أحد لما يجري وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطط للسفر أو الخروج من مكة. من ضمن ترتيبات الدعم اللوجيستي والتخطيط للهجرة، استئجار دليل أو مرشد للطريق لكن من خارج مكة، ممن لا شأن لهم بما يجري بين محمد وقريش. والترتيب مع مولى أبي بكر، عامر بن فهيرة أن يقوم بدفع أغنامه وقت الهجرة للسير على آثار راحلتيهما، كيلا يكتشف قصاصو الأثر ذلك، وتكليف أسماء بنت أبي بكر في مسألة التموين اليومي اللازم، مع إسناد مهمة تتبع الأخبار في مكة إلى عبدالله بن أبي بكر، وقد كان صغيراً، بحيث ينقل الأخبار إلى النبي وصاحبه أولاً بأول. وهكذا كانت الأمور تُرسم وتُخطط ضمن سيناريو محكم تم التجهيز له منذ أشهر، حتى وصوله صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه إلى مقصدهما بسلام، لتبدأ مرحلة جديدة في الدعوة. اللجوء والاندماج إن هجرة شعب إلى ديار شعب آخر، ليست بالأمر السهل. إنك حين تهاجر كلاجئ سياسي تطاردك دولتك بكل مؤسساتها وقواها، ومعك المئات من المعارضين، لا شك أنه عبء كبير على الجهة المستضيفة، وقد كانت تلك الجهة في مشهد الهجرة، يثرب أو المدينة المنورة بعد ذلك، والتي لم تكن بقوة قريش عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. كانت مدينة متواضعة اقتصادياً. شعبها يعيش على الزراعة، وبينهم خلافات لا تهدأ، كانت تصل أحياناً لحد الاقتتال وسفك الدماء. وتعيش بينهم قبائل يهودية متناحرة أيضاً، لكنها تتفق ضد الأوس والخزرج من الأنصار. أي أن الوضع السياسي كان مضطرباً غير مستقر، وإثارته لم تكن بتلك الصعوبة!. حاول أن تتأمل دولة وضعها مثل وضع يثرب في تلك الفترة. ثم تأتيهم أفواج لاجئة من دولة ذات شأن وبأس. وأغلب اللاجئين تركوا ما عندهم من مال في بلدهم، وبالتالي هم والفقراء في مرتبة واحدة، ولا يفقهون في مهنة أهل يثرب وهي الزراعة، وبالتالي هم عالة عليهم إلى حين من الدهر لا يعرفون مداه. لكن كل تلك الأمور كان قد وضعها النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – في الاعتبار. كيف؟ أهل يثرب من الأنصار، بايعوا النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – قبل الهجرة، على أن يكونوا حماة له وللدين الجديد في المنشط والمكره، والسراء والضراء. أصبح الوضع الاقتصادي أصعب من ذي قبل، لكن الأنصار على دراية بذلك، وسيدخل في ذلك المشهد بعد قليل، اليهود ومن سيُطلق القرآن عليهم لفظ المنافقين، ليعملوا عملهم في إثارة النزعات العنصرية وبث الكراهية في نفوس ضعاف الأنصار ضد هؤلاء اللاجئين، الذين ما جاءوا إلا ليتقاسموا لقمة عيشهم مع أهل يثرب، بل ربما السيطرة عليها بعد حين، وغيرها من أكاذيب اليهود والمنافقين، كما هو الحاصل في بلدان تحتضن لاجئين من نفس الملة، رغبة أو رهبة. مشاهد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، لم يشهد لها التاريخ مثيلا. وكان حلاً من الحلول المرحلية اللازمة لتثبيت أسس الدولة. ثم وثيقة المدينة التي وضعها النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن اتبعهم، فلحق بهم وجاهد معهم. اعتبرهم أمة واحدة من دون الناس. وبذلك تم وضع أساس دولة ستقام بعد قليل. وغيرها من عمليات تأسيسية متدرجة، اندمج أثناءها المهاجرون والأنصار في بوتقة واحدة، حتى صاروا شعباً واحداً، وعليهم قامت دولة الإسلام الأولى. وهكذا هي ذكرى الهجرة. دروس لا تنتهي.. فقد كانت رحلة هادينا ** حمل الإسلام لنا دينا فسلامُ الله على الهادي ** والكونُ يردد آمينا
1037
| 28 يوليو 2022
أغلبنا ربما شاهد قيام الجماهير السريلانكية الغاضبة بمحاصرة القصر الرئاسي الأسبوع الفائت، احتجاجاً على تفاقم الأوضاع الاقتصادية في البلاد ووصول الدولة إلى حافة الإفلاس، إن لم تكن أفلست فعلياً، حتى اضطر الرئيس وبعض وزرائه للهرب، كنتيجة حتمية لأي قيادة فاسدة. الجماهير الغاضبة أو الثورات الشعبية، قوة هائلة ذات قدرة على التغيير لو أنها اندفعت باتجاه صحيح نحو الهدف. أي تسير نحو هدف محدد مع قيادة واعية راشدة، تعرف أولاً معنى حشد الجماهير وتوجيهها نحو تحقيق هدف معين باستخدام القوة الهائلة الكامنة في تلك الجماهير، وتعرف ثانياً كيفية استنهاض وتوجيه تلك القوى الكامنة في الوقت المناسب، مع مهارة وقدرة تلك القيادة على ضبط وربط تلك الحشود حتى الوصول إلى الغاية المنشودة، دون أن تتشرذم تلك الحشود، ويحصل ما لا يُحمد عقباه. لكن الكارثة تقع لو أن الحشود الجماهيرية حادت عن الطريق، وضلت أو تم تضليلها، أو أضاعت الهدف الأساسي من هيجانها وثورتها. إذ ستجد تلك الجماهير نفسها وقد عادت إلى المربع الأول، وكأنك يا بوزيد ما غزيت – كما تقول العامة – ولعل هذا هو ما يحدث في كثير من الانتفاضات حول العالم التي لا تستمر إلا أياماً ثم تذبل وتختفي، كأنما هي بركان يفور لدقائق معدودة، يلقي بحممه في السماء ثم يهدأ، ولا تجد أحداً يستفيد من تلك الفورة وتلكم الحمم بصورة تعود بالنفع على الصالح العام. ليس كل حشد ثورة من بحثوا فلسفة الثورات وعلم نفس الجماهير، وجدوا أن الثورة يمكن أن تطلق على حركة شعبية تحدث تغييراً ونقلة نوعية في المجتمع، تشمل الجانب السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، الأمني وغيرها من جوانب. بمعنى آخر، يمكن أن نطلق على أي فوران شعبي أنه ثورة، إذا اشترك فيه غالب قطاعات المجتمع، وهدف الجميع واحد أو محدد وهو إزالة نظام بكامله، وليس شخوصاً بعينهم. لكن إن حدث تغيير جزئي في المجتمع، كتغيير رئيس النظام مثلاً أو تغيير حكومة، مع بقاء بقية أنظمة الدولة كما هي، فهذا التغيير لا يمكن أن يطلق عليه ثورة، بقدر ما هو انقلاب أو انتفاضة على وضع معين، أو أقرب في التعريف إلى الاحتجاج لكن بزخم ثوري. وهذا عادة يكون عمره قصيرا، ولهذا لا يمكن اعتباره ثورة. لماذا؟ لأن ذاك الفعل، سواء اتفقنا على تسميته انقلاباً أو احتجاجاً، وإن أحدث تغييراً جزئياً في المجتمع، إلا أنه يبقى محدود الأثر إن توقف عند ذلك الحد من التغيير. بمعنى أنه لا توجد أي ضمانات أن تأثيراته ستمتد لتغيير تام في البلاد، وبالتالي يحتاج الأمر إلى موجة ثانية وثالثة ورابعة وربما عاشرة من العمل الجماهيري ذات الزخم الثوري، حتى يستحق أن نطلق عليه ثورة. انقلاب مكة نموذج للتغيير الصحيح أبرز الأمثلة التي دوماً نتحدث عنها في مثل هذه القضايا، ذلكم التغيير الهائل الذي أحدثه النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - في مكة. فما قام به خلال مرحلة الدعوة السرية ثم الجهرية، هو ثورة عملية بمعنى الكلمة. فهو - صلى الله عليه وسلم - بدأ مشروع التغيير ببناء قاعدة صلبة من الرجال والنساء سيعتمد عليهم مستقبلاً، حين يثور ضد أنظمة المجتمع الجاهلي كلها، ليس بمكة فحسب، بل كل الجزيرة العربية. فقد كان يخطط - صلى الله عليه وسلم - وفق توجيه إلهي دقيق، لتغيير النظام السياسي والاجتماعي والقيمي والاقتصادي وغيرها من أنظمة كانت سائدة في تلك المجتمعات الجاهلية. لم يتفاعل مع استفزازات قريش له ولأصحابه، بل تحمل الأذى لسنوات، ليقينه التام بأن الوقت ليس وقت مواجهة وخسارة ما يتم الإعداد له وبنائه، نظراً لتفاوت القوى بين الطرفين حينها. لكن في غضون سنوات قليلة، نجحت الثورة بفضل الله والقيادة الحكيمة لرسول الله، وبدأ ميزان القوة يتغير، وصار الوقت مناسباً لوضع أساسات نظام جديد يهدم كل أنظمة المجتمع الجاهلي البالية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية وغيرها، حتى تحول ذاك المجتمع المفكك الجاهلي، الذي كانت تسوده قيم فاسدة وأنظمة جاهلية بالية، إلى نموذج للحكم الرشيد، قابل للاقتداء والتطبيق من بقية مجتمعات وشعوب الأرض في قادم الأيام والسنوات. القيادات وضبط الإيقاعات الجماهيرية لكي لا يحيد أي فوران وهيجان شعبي ضد الفساد والظلم عن طريقه، لابد من قيادة مخلصة حكيمة، توجّه وتهذب وتنظّر وتحاول ضبط الإيقاع الجماهيري، والتحذير من القوى المتربصة بها، وإلا فإن النتائج غالباً تكون كارثية لو تُرك الحبل على الغارب، أو انشغلت القيادات بخلافات بينية أو هامشية، والتي سيتضرر منها الثائرون الهائجون ربما أكثر من المُثار عليهم، والذين بحكم إمكانياتهم وما يسيطرون عليه من أدوات تنفيذية وصلاحيات سيادية، قادرون في وقت معين على إحداث فُرقة أو ثغرة في المد الثوري عبر ما يمكن أن نطلق عليها بالثورة المضادة، التي تكون مهمتها الرئيسية امتصاص الصدمة. حتى إذا ما انتهت من مهمة امتصاص الصدمة، بدأت من فورها في تفتيت القوى والقيادات الثورية بوسائل عدة، وربما بمعية خارجية أيضاً، حتى ينتهي المطاف بالانتفاضة الشعبية والتغلغل بينها من أجل تغيير أهدافها أو طموحاتها شيئاً فشيئاً، حتى تجد أن الحشد أو الهيجان الجماهيري أو الانتفاضة الشعبية - سمها ما شئت - تبحث عن أي مكسب من خروجها، والتي غالباً ستكون مكاسب محدودة مؤقتة، ستزيد من تمكّن النظام الحاكم أكثر فأكثر، ويرجع الناس إلى ما كانوا عليه، ليجدوا أن ما خسره المجتمع بعد الحشد أو الاحتجاج أو الانتفاضة أكثر مما كان قبل ذلك ! وما ذلك إلا لغياب القيادات الواعية، ودخول من يهمهم استمرار الأوضاع الفاسدة ضمن المنتفضين، لأجل تشتيت قوتهم وتفرق كلمتهم. وهذا هو الحاصل في كثير من بقاع العالم. تلكم كانت خلاصة سريعة لكيفية استثمار أي غضب شعبي على أنظمة فاسدة ظالمة، وكيفية توجيه ذلك الغضب بما يعود بالنفع على البلاد والعباد، قبل أن يتدارك المُثار عليهم أمورهم، ولملمة أوراقهم وضبط قواهم وجنودهم. وفي التاريخ دروس وأحداث تنفع دوماً في التأمل، والبحث فيها وأخذ العبر والعظات منها.
1255
| 21 يوليو 2022
عرضت وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" أربع صور جديدة للكون بدقة ووضوح عاليين، لمجرات وسدم وكواكب خارج المجموعة الشمسية، إلى الدرجة التي اعتبرها المشتغلون في علم الفلك أن كل صورة هي اكتشاف جديد، وكل لقطة تمنح البشرية رؤية أفضل للكون. حيث وصلت تلك الصور عبر تلسكوب "جيمس ويب" الذي بلغت تكلفته 10 مليارات دولار، ومهمته الأساسية استكشاف العصور المبكرة للكون. وجد العلماء أنفسهم مضطرين قبل عدة سنوات إلى إعادة النظر في مصطلح الفضاء الذي يطلق على السماء الدنيا، بعد أن تبين لهم أن هذه السماء ليست فضاءً أو فراغاً كما كانوا يعتقدون، بل مساحة هائلة مليئة بالأجرام ومحكمة البنيان ولا مجال لفراغ فيها. إذ بحسب العلماء المشتغلين في علوم الفلك، يولد حوالي 275 مليون نجم بشكل يومي في هذا الفضاء، وهذا الرقم الرهيب لعدد النجوم التي تولد كل يوم، دلالة على أن هذا الكون يتمدد ويتوسع كما ذكر ذلك القرآن في قوله تعالى (والسَّماء بنيناها بأيد وإنّا لمُوسِعـون). الصور الحديثة التي أرسلها ذلك التلسكوب العملاق، تشير وتؤكد إلى أن هذا المحيط الهائل من السواد فوقنا، هو بناء دقيق مُحكم أو هو أشبه بنسيج كوني محكم البناء ومترابط بشكل مذهل، مما دفعهم إلى تعديل المصطلح من فضاء إلى بناء، وهو ما أشار إليه القرآن في قوله تعالى (الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً). أهناك غيرنا بالكون؟ مثل تلك الاكتشافات الفلكية العظيمة، تدفع بالبشرية بين الحين والآخر للتساؤل إن كان هناك غيرنا من الأحياء في هذ الكون؟ إنه سؤال قديم متجدد. فكما أنه شغل أذهان القدماء، فهو الآن يشغل أذهان المعاصرين، وسيظل يشغل أذهان القادمين في مستقبل الأيام إلى ما شاء الله لهذه الحياة أن تدوم. فهل هناك غيرنا من الأحياء في هذا الكون؟ هل من المنطق والعقل أن يكون هذا الكون وبهذه السعة الهائلة والمسافات الشاسعة بين نجومه ومجراته، وليس به أحياء أو دواب غير التي في كوكبنا، الذي هو مقارنة بأجرام كونية أخرى تم اكتشافها قديماً، وأخرى من تلك التي تم اكتشافها ونشر صورها قبل أيام، كحبة رمل أو أصغر في صحراء شاسعة ممتدة. من المنطقي أن هذا الكون الواسع الممتد لا يمكن أن يكون لأجل كوكب صغير عليه أحياء وجمادات. بل إن المنطق السليم لا يقبل بذلك، لأن الأكثر قبولاً وتوافقاً مع العقل، أن هناك وبشكل حتمي، مخلوقات أخرى في هذا الكون، وليس شرطاً أن تكون مثل مخلوقات كوكبنا، بدليل قوله تعالى في سورة الشورى (ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير). كلمة السر هاهنا نجدها في كلمة (دابة)، حيث قال المفسرون بأنها ما يدُبّ على الأرض، أي يمشي فيشمل الطير، لأن الطير يمشي إذا نزل، ويجوز أن تكون في بعض السماوات موجودات تدبّ فيها، فإن الكواكب من السماوات. الآية تشير إلى أن هناك دواب أو كائنات تدب وتمشي على الأجرام المنتشرة ما بين السماوات والأرض، لكن ما نوعها وجنسها وطبيعتها؟ هذا ما لم يعرفه الإنسان بعد، فمبلغ علمه أن هناك إنساً وجانًّا، وحيوانات مختلفة الأنواع، وأحياء ميكروسكوبية عديدة على كوكب الأرض، أما خارجه فالبحث مستمر. أما الزعم أنه لا حياة خارج الأرض لأنه لا ماء ولا أكسجين، فهذا لا ينفي وجود دواب وكائنات أخرى في كواكب المجموعة أو المجرة أو هذا الكون الفسيح، ربما لا تعتمد على الماء أو الأكسجين لتحيا كما الأحياء الأرضية. هل الكون لنا فقط؟ إن هذا الكون، الذي يبلغ من العمر حوالي 13 مليار سنة، لا يمكن بحسابات العقل والمنطق - كما أسلفنا - أن يكون طوال هذه المليارات من السنين، فارغاً من الأحياء أو المخلوقات، ينتظر ظهور سلالة بشرية لتعيش على كوكب فيه هو أصغر من الذر، مقارنة بأجرام سماوية عملاقة لا يمكن تخيل أحجامها. لا يشك أي عاقل ومتأمل في آيات الله الكثيرة، أن هذا الكون ليس للإنسان فقط، بل سيكون من غير المنطق أن يكون هذا الكون بضخامته واتساعه المستمر، لجنس البشر والجن فقط. إن مثل الاكتشافات التي نقرأ عنها بين الحين والآخر، لا يجب أن تؤخذ كترف فكري أو معلوماتي، بل يجب التأمل فيها ملياً، خاصة أن القرآن يحتوي على آيات كثيرة تدعو للتأمل والتفكر في خلق السماوات والأرض، وآيات أخرى تشير إلى أن الكون ليس للإنسان فقط، على الرغم من أن الله قد سخر الكون وما فيه لهذا الإنسان، لكن لا يعني ذلك فراغ هذا الكون من كائنات أو مخلوقات لم يبلغ العلم البشري بعد في معرفتها (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا). لب الحديث أن الاكتشافات العلمية والكم الهائل من المعلومات الفلكية المتدفقة بين الحين والحين، يجب أن تدفعنا بصورة وأخرى إلى التفكر فيها، والتعمق أكثر فأكثر في آيات الله المنظورة في هذا الكون، كما نتدبر آيات الله المقروءة في القرآن، مع أهمية متابعة العلماء والباحثين في هذا المجال، والعمل أثناء ذلك على صناعة نوع من الحرص في النفوس على أن نكون من (الذين يذكرون اللَّه قياماً وقعوداً وعلى جُنوبهم، ويتفكرون في خلْقِ السماوات والأَرض) وأن نكون من الذين يرددون كلما رأوا آية من آيات الله حولنا وفي أنفسنا (ربنا مَا خَلَقْتَ هذا باطلاً سبحانك فَقنا عذاب النَّار).
2374
| 14 يوليو 2022
هذه مسألة قديمة بدأت مع نمو وتعاظم دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – واستمرت وتطورت مع الزمن حتى يوم الناس هذا، وإلى ما شاء الله لهذه المسألة أن تستمر. وقد كانت محاولات اليهود والنصارى استمالة النبي الكريم إليهم كثيرة ومتنوعة. كل فريق اجتهد بطريقته ورؤيته الخاصة، ولحاجات في نفوسهم بالطبع. لكن القرآن، وهو يتنزل بشكل مستمر في تلك الفترة، كشف ما بنفوسهم للنبي الكريم وأصحابه، حتى صارت المسألة أشبه بقاعدة لهذه الأمة وإلى يوم الدين، خلاصتها أن هاتين الملتين – وربما من في صفهما اليوم ومستقبلاً – لن تصل علاقتنا بهم مهما تطورت، إلى مستوى الرضا، لا من طرفهم ولا من طرفنا. ولتلك المسألة أسبابها. إن خطابات ودعوات التعايش مع الغرب على وجه الخصوص، والتي تُطرح بين الحين والآخر من الطرفين أو المعسكرين إن صح التعبير، المعسكر المسلم والمعسكر غير المسلم، كثيرة ومتنوعة. لكن مع كثرتها، تجدها دوماً شائكة وغير يسيرة. ذلك أن الاختلاف بين المعسكرين عميق وكبير، وإن بدت أحياناً أن هناك تفاهمات ومصالح مشتركة ظاهرة، لكنها في حقيقة الأمر لا شيء مقابل الاختلافات العميقة القائمة بين الطرفين، منذ بداية ظهور الإسلام وإلى ما شاء الله أن تقوم وتبقى، وبالتالي تجد أن الأمر شديد الصعوبة في التطبيق، أو بلغة اليوم، تطبيع العلاقات. وقد تتساءل عن المشكلة وأين تكمن؟ فتكتشف أن المشكلة بكل اختصار أيضاً، كامنة في مفهوم كل طرف للتعايش. والمفاهيم عادة تنشأ من معتقدات وقيم وأعراف وثقافات، فما يعتقد بصحته المعسكر الغربي مثلاً، ليس شرطاً أن يكون كذلك في المعسكر المسلم والعكس صحيح. تعايش مقابل تنازلات لا يمكن التوصل لمفهوم واضح محدد مقبول للتعايش من الطرفين، ما لم يقدم طرف أو كلاهما تنازلات، عادة ما تكون أليمة. أو يحدث تعايش بشكل ما بسبب ضغوط، ولكن من الطرف الأقوى على الأضعف لأجل القبول برؤيته هو، واعتبارها منطلقاً لبدء تعايش ما. وبطبيعة الحال، لا يمكن أن تستمر مسألة هذا حالها، طويلاً. لماذا؟ لأنها قامت على غير أساس متين، ولأنها غير عادلة ولا متكافئة، وبالتالي سرعان ما يعود الصراع بين الطرفين. إن ما يهمنا الآن في هذا المقام، هو التعرف على رؤية وطريقة المعسكر المسلم في التفكير والتعامل مع هذه المسألة، وهي واضحة جلية، لا تحتاج لكثير شروحات وتفصيلات. ويتمثل هذا الوضوح في عدم إمكانية التعايش طويلاً مع معسكر يختلف عميقاً معك. لأنه وبالرجوع لدستور الأمة، القرآن الكريم، فقد أوضحت آية (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) هذه المسألة. وستجد بشيء من التأمل في الآية وتفسيراتها، أن الأمور واضحة ولا تحتاج لكثير عناء في شرح وتحليل وتفصيل. من ذلك ما جاء في تفسير الطبري لهذه الآية أنه "ليست اليهود، يا محمد، ولا النصارى براضية عنك أبداً، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق، فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم. ولا سبيل لك إلى إرضائهم باتباع ملتهم، لأن اليهودية ضد النصرانية، والنصرانية ضد اليهودية، ولا تجتمع النصرانية واليهودية في شخص واحد في حال واحدة، واليهود والنصارى لا تجتمع على الرضا بك، إلا أن تكون يهودياً نصرانياً، وذلك مما لا يكون منك أبداً، لأنك شخص واحد، ولن يجتمع فيك دينان متضادان في حال واحدة". إنها مسألة دين وعقيدة المسألة إذن دين وعقيدة ومفهوم لا يمكن تغييره، مهما حاول أصحاب خطابات التعايش والتطبيع من الطرفين الترويج إلى غير ذلك. هناك عدم رغبة من المعسكر الغربي في الاقتناع بهذا الدين، مهما بدت لهم مبادئه وتعاليمه سمحة، وعادلة واضحة. نحن بالنسبة لهم أشبه بعائق أمام رؤاهم للحياة، وكيفية سياستها وسياسة الناس فيها، وشواهد من تاريخنا مع الملتين كثيرة. مثلما كانت الأمة الإسلامية سبباً في توقف وزوال حضارة الروم والفرس وغيرهم قديماً، بحسب سنن وقوانين التغيير في الأرض، فإنها اليوم، ومهما بدت ضعيفة متهالكة، تملك قابلية النهوض من جديد، لتكون حجر عثرة أو عقبة أمام استمرار سيطرة الغرب أو المعسكر غير المسلم على الحياة بشكل عام، وإلى ما لا نهاية. وتلك هي العلة الأصيلة كما يقول سيد قطب في تفسيره للقرآن. إذ "ليس الذي ينقصهم هو البرهان؛ وليس الذي ينقصهم هو الاقتناع بأنك على الحق، وأن الذي جاءك من ربك الحق. ولو قدمت إليهم ما قدمت، ولو توددت إليهم ما توددت. لن يرضيهم من هذا كله شيء، إلا أن تتبع ملتهم وتترك ما معك من الحق". ويواصل صاحب تفسير الظلال شرح الآية قائلاً: "إن العقدة الدائمة التي نرى مصداقها في كل زمان ومكان. إنها هي العقيدة. هذه حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة". التعايش لا يعني التبعية المعسكر غير المسلم لاسيما التجمع النصراني اليهودي، صاحب حضارة قوية مؤثرة. قوته اليوم تخوله فعل ما يريد وقتما يريد. يتحرك بمنطق القوي ذي البأس في العالم. هذا المنطق يدفعه للتحرك وفق مقتضيات محددة عنده، لا يهمه أن تتوافق رؤاه مع غيره، حتى على سبيل الافتراض أن العالم كله يعمل معاً ضمن منظومة واحدة هي ما تسمى بالأمم المتحدة. لكن الواقع العملي يختلف تماماً عن النظري أو المفترض أن يكون. الغرب يتحرك بناء على مصلحته وليس مصلحة آخرين. خطابات التعايش بين الغرب، بقسميه النصراني واليهودي، وبين المسلمين، وبحسب مفهوم القوة الذي نتحدث عنه، أحسبها تحتاج لصياغة جديدة، وفهم أعمق لمفهوم كل طرف للتعايش. التقارب الحاصل اليوم مع الغرب بكل معسكراته، وفي كثير من المجالات، ما هو إلا رغبة في مصالح مادية مؤقتة. وحالما تتحقق لهم نتائجها المرغوبة، فإن التخلي عنك لن يكون صعباً في أي وقت يشاؤون. لا شيء في أن تتعايش مع الأقوياء، لكن أن تكون مثلهم في القوة والبأس والندية، وإلا فإن ذاك التعايش لا يسمى تعايشاً تتساوى الأمور بين المتعايشين معاً في الحقوق والواجبات، بل هو أقرب إلى أن يكون تبعية ذليلة، حتى وإن لم تظهر على السطح مظاهرها بشكل واضح جلي. لكن الرغبة التاريخية لدى ذاك المعسكر في تحويلك لتابع سلبي، أو ذليل لما هم عليه من فكر وقيم وثقافة، هي أحد شروط تحقق رضاهم عنك. وحين يرضى أولئك عن المعسكر المسلم، فاعلم حينها أنه قد حاد عن جادة الصواب والصراط المستقيم، وتحقق هدف ومبتغى المعسكر المقابل، الذي يسعى إليه منذ عهد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، لا يكل ولا يمل ! وأحسبُ أن الذي يحدث الآن في العالم الإسلامي من تمييع للدين والفكر والقيم والأعراف والثقافة بشكل عام، وبوتيرة متسارعة غير مألوفة، هو جزء من سيناريو التحكم بمفاصل هذه الأمة، من أجل دفعها نحو تبعية ذليلة لأطول فترة ممكنة، الأمر الذي يستوجب حملات تنبيه وتوجيه وإرشاد متنوعة مستمرة، يكون للعلماء الربانيين دورهم المؤثر، وبالمثل النخب المثقفة الحرة غير المدجّنة، من إعلاميين وكتّاب ومفكرين وغيرهم. فالمعركة طويلة، وسنّة التدافع واقعة لا محالة، بل لابد أن تقع، فالحق أحق أن يُتبع ويسود الأرض.. والله سبحانه دوماً كفيل بكل جميل، وهو حسبنا أولاً وأخيراً، ونعم الوكيل.
2436
| 07 يوليو 2022
أينما وليت وجهك اليوم، ستجد حكومات دول هنا وهناك تدير شعوبها بطريقة وأخرى. منها الجادة المنضبطة، ومنها الجائرة المستهترة، والشعوب صارت ميادين تجارب، وعبرها يتم ضبط أداء الحكومات، فكيفما تفاعلت الشعوب يكون أداء حكوماتها. إن تفاعلت الشعوب بجدية وأظهرت صلابة وقوة مع أي تهاون للحكومة، وجدتها بعد حين، حكومة جادة منضبطة، وإن حدث العكس، وجدت حكومة متهاونة ومنحرفة عن جادة الصواب. الحكومات حول العالم لها مؤسساتها وأدواتها المختلفة التي بها تدير شعوبها. أبرز تلك الأدوات هي الإعلام، بوسائله وأساليبه المتنوعة. إذ عبر الإعلام، والسيطرة على مفاصله ورموزه، يتم نسج الخطط والاستراتيجيات التي بها تُدار الشعوب بطريقة وأخرى، لحين من الدهر قد يطول أو يقصر، بحسب حاجة كل خطة أو استراتيجية ومدى تحقق أهدافها. ربما كثيرون قرؤوا لعالم اللسانيات والناقد السياسي الأمريكي ناعوم تشومسكي، الذي له مقالة في هذا النطاق الذي نتحدث عنه اليوم. حيث كتب في مسألة تلاعب الحكومات والأنظمة بالشعوب، تحت عنوان "استراتيجيات التحكم والتوجيه العشر" والتي كما قال تشومسكي، تعتمدها دوائر النفوذ في العالم، من أجل التلاعب بالشعوب وتوجيه سلوكياتهم، بغرض السيطرة على أفعالهم وتفكيرهم كهدف رئيسي. من المحتمل أن تشومسكي استند فيما كتبه على وثيقة سرية للغاية يعود تاريخها إلى 1979 وعُثر عليها سنة 1986 بشكل غير مقصود، وكانت تحمل عنواناً يقول "الأسلحة الصامتة لخوض حرب هادئة". فالوثيقة ربما عبارة عن كتيب أو دليل للتحكم في المجتمعات البشرية وتدجينها والسيطرة على مقدراتها. ويرجح البعض أنها تعود إلى بعض دوائر النفوذ العالمي التي عادة ما تجمع كبار الساسة والرأسماليين والخبراء في مختلف المجالات، لوضع تصوراتهم ورؤاهم في تنفيذ مخططاتهم المتنوعة. ولن نخوض في تلك التفاصيل أو الوثيقة ذاتها، سواء كانت حقيقية أم مختلقة، لأنها لا تهمنا ها هنا بقدر ما يهمنا الآن بعض ما جاء فيها من استراتيجيات وخطط، لنستعرض بعضها ها هنا ونعكسها على الواقع الحالي لكثير من الدول، من أجل أن نتأملها ونتفاكر فيها لمزيد توعية، ومزيد تبصرة بأعمال ومهام الحكومات، وكيف تُدار. إستراتيجية الإلهاء واحدة من تلك الاستراتيجيات المهمة في التحكم بالمجتمعات، تتمثل فيما يمكن تسميته بتشتيت الانتباه أو الإلهاء، وذلك عبر آلية متقنة تلعب وسائل الإعلام دوراً بارزاً فيها. إذ تهدف إلى إلهاء الناس أو الرأي العام عن المشكلات المهمة العاصفة بالشعوب قبل الحكومات، ويتم ذلك عبر وابل متواصل من الإلهاءات والمعلومات التافهة، وإغراق الناس فيها عبر وسائل الإعلام والتواصل. استراتيجية الإلهاء – كما جاءت في الوثيقة – ضرورية لمنع العامة من الاهتمام بالمعارف الضرورية في ميادين مثل العلوم، الاقتصاد، علم النفس، بيولوجيا الأعصاب وعلم الحواسيب. بحيث تركز مهامها على تشتت اهتمامات العامة، بعيداً عن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الحقيقية، وجعل اهتمامات الشعب موجهة نحو مواضيع ليست ذات أهمية حقيقية. بمعنى آخر، مطلوب جعل الشعب منشغلاً على الدوام بتوافه وهوامش الأشياء، دون أن يكون له أي وقت للتفكير!. استحسان الرداءة هذه استراتيجية أخرى تعزز فكرة تشتيت الانتباه، وإلهاء الشعوب بالتوافه ورديء الأفعال والأقوال، حتى تعتاد تلك الشعوب الرداءة وتستحسنها، لتصل بعد حين من الدهر لا يطول عادة، أن تكون شعوباً غبية همجية وجاهلة – أو هكذا تقول الوثيقة - وتلك بالطبع نتيجة طبيعية لعملية نسميها بتسطيح العقول، التي تبرع فيها الأنظمة الحاكمة عبر وسائل إعلامها المتنوعة، وجنود مختارة من النخبة تعمل هنا وهناك في غالبية المجالات، مع آخرين مؤثرين عبر وسائل التواصل الحديثة، ليقوم الجميع بدور تسطيح عقول العامة، وتلهيهم عن قضاياهم الرئيسية بأخرى هامشية لا تسمن ولا تغني من جوع. الآن يمكنك ملاحظة عملية التسطيح فعلياً في أي مجتمع، وذلك من خلال قيام مؤسسات رسمية ووسائل إعلامية تساندها، بنشر الثقافة الضحلة الهزيلة، والاحتفاء بأقلام وكتّاب ضحلين وتسليط الأضواء عليها، مع تجاهل متعمد لأصحاب الفكر والعقل وبُعد النظر، لكي ينشأ بعد حين من الدهر لا يطول، جيل تكون قدوته تلك العقول الهزيلة، وأمثلة أخرى أكثر من أن نحصيها هاهنا في هذه المساحة المحدودة. ولقد ساعدت وسائل التواصل المتنوعة، على ظهور فقاعات إعلامية بشرية، على شكل "فاشينستات" ومشاهير، صارت هي الأخرى تلعب دوراً في عملية التسطيح هذه، بل إن ما يزيد الطين بلة، أنها تنشط وتتمدد بمباركات ومتابعات شعبية غوغائية وأحياناً رسمية مرتبة منظمة!. تسطيح العقول جريمة في القرآن الكريم تلاحظ اهتماماً بمن سماهم الله عز وجل بأولي الألباب، الذين تكرر ذكرهم ست عشرة مرة في مواضع وسياقات مختلفة، وتكرار فعل العقل في تسعة وأربعين موضعاً، للدلالة على أهمية العقل والتفكر عند الإنسان، والذي به اختلف عن باقي الأحياء في هذا الكون، وإن أي مساس بهذا العقل أو تلك الميزة عبر تسطيحه أو دفعه للعمل خارج النطاقات البشرية، فإنما مساس بكينونة صاحبه وآدميته. ما نراه اليوم من شيوع عملية تسطيح للعقول واضحة المعالم في كثير من المجتمعات عبر وسائل متنوعة، إعلامية وثقافية، إنما هي جريمة لا يجب أن تُترك دون ردع أو بيان خطورتها على أمن واستقرار المجتمعات، وذلك أضعف الإيمان. والتساؤل الذي يفرض نفسه ها هنا يقول: ما المطلوب لمواجهة التسطيح؟ اليوم وبسبب عمليات التسطيح المستمرة بكثافة، صار أمر التوعية الفكرية والسياسية والإعلامية، من أفضل أدوات مقاومة حملات التسطيح والتغييب، لا سيما من قبل من تبقى من النخب المثقفة، صاحبة الضمائر الحية أو الواعية ببواطن الأمور وحقائق الأشياء؛ وصار غير مقبول البتة، ترك بعض وسائل الإعلام أو وسائل التواصل المختلفة من تلك التي يقوم عليها صهاينة عرب وفقاقيع إعلامية ملونة هنا وهناك، تسرح وتمرح وتتفنن في تشكيل وتسطيح عقول الشعوب، ودفعها إلى وادي التفاهة والرداءة. صار من الواجب على كل صاحب ضمير حي يقظ، العمل على تفعيل الضد وتوعية الشعوب وتعميق الفكر لديها، واستثمار الوسائل ذاتها أو الأسلحة المستخدمة في التسطيح والتجهيل، من أجل صناعة ثقافة التدبر والتفكر والتأمل وفهم الواقع، والتي لا شك أن نتاجاتها ستكون عظيمة الأثر، لا سيما في وجود عشرات من القضايا التي تتعرض للتسطيح والتشويه كل يوم، مثل قضية الأقصى والتطبيع أبرزها، ثم فقدان الهوية الإسلامية تاليها، وقضايا أخرى غاية في الأهمية، كنشر الإلحاد والإباحية والشذوذ وغيرها كثير. عملية بناء العقول ونيل مسمى المصطلح القرآني العظيم – أولي الألباب – ليست سهلة، بل صعوبتها لا تختلف عن صعوبة قيام أي بناء أو كيان، على عكس الهدم والتشويه والتخريب. فكلما كان البنيان محكماً رصيناً راسخاً، استطاع الصمود أمام حملات التشويه والتخريب والتسطيح. فهكذا هي قوانين هندسة البناء والتعمير والإنشاء.. ثم إن الله، أولاً وآخراً، غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
3744
| 30 يونيو 2022
الإسلاموفوبيا أو الخوف من الإسلام، ظاهرة ليست جديدة على العالم الغربي تحديداً، والتي انتقلت بعد ذلك إلى العالم الشرقي غير المسلم. وقد ظهرت بادئ ذي بدء في أوائل القرن العشرين (1910) حتى قاربت على التلاشي بعد ظهور كثير من الكتابات لمفكرين ومصلحين من الجانبين الإسلامي والغربي تقلل من شأنها. لكن قيام الثورة الإيرانية وتبعاتها في بدايات الثمانينيات (1980) من القرن الفائت، دفعتها للحياة مرة أخرى ليستخدمها كل من له مصلحة في مهاجمة الإسلام والمسلمين، حتى هدأت مؤقتاً أثناء الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي (1980 - 1989) لحاجة في نفس الغرب، لتعود سريعاً بعد أحداث سبتمبر (2001) وتشتد ضراوة وتنوعاً إلى ساعة الناس هذه، سواء في الغرب أو الشرق، ما يفيد أن المسألة أشبه بورقة يستخدمها السياسيون تحديداً لمصالح معينة، قصيرة كانت أم طويلة المدى. وما يجري على الساحة الهندية منذ شهور قليلة ماضية من استهداف واضح للأقليات، لاسيما المسلمون، دليل جديد على ما نقول. الإسلاموفوبيا القديم الخوف من الإسلام من الناحية التاريخية، كان قد حدث فعلياً منذ أن ظهرت دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – في مكة. نعم، خاف المشركون من هذا الدين الجديد، لاسيما كبار القوم وزعماؤهم، أو بلغة اليوم، السياسيون والتجار والمشتغلون بالدين. ولم يكن إظهار الخوف من الإسلام بدوافع الحب والغيرة على معتقداتهم الوثنية، لكن كان دافعه المحافظة على مصالحهم الآنية، سواء عند السياسيين أم التجار أم المشتغلين بالدين. الخوف هذا أو رهاب الإسلام انتقل بعد استقرار الدين الجديد بالجزيرة العربية، واهتداء الناس إلى نور الله والحق المبين، ليدخل أجواء القوى الكبرى بالعالم آنذاك، لاسيما الإمبراطورية الرومانية النصرانية، والفارسية المجوسية، خصوصاً بعد وصول أخبار الانتصارات العسكرية للمسلمين على الوثنيين في الجزيرة، ودخول الناس في دين الله أفواجاً أفواجا.. هذا الأمر استدعى رفع حالة الطوارئ عند زعماء وسياسيي تلك القوى العظمى، وبالمثل عند المشتغلين بالدين من الرهبان والقساوسة والكهنة. ذلك أن الإسلام كما كان في تصورهم، إن وصل إليهم فإنه سيضرب مصالحهم الشخصية بصورة وأخرى، أو هكذا بدت لهم صورة الإسلام، دون محاولة تدبر وتأمل وبحث عن الحق. ولكي تبقى مصالحهم في مأمن، كان العداء وصناعة العداوة، إلى أن أذن الله بزوال تلك الإمبراطوريات. الإسلاموفوبيا الجديد اليوم، وكما أسلفنا في المقدمة، صار كل من يرغب في الحفاظ على مصالحه الشخصية من السياسيين والمشتغلين بالدين والتجار ومن على شاكلتهم في العالم غير المسلم، وكذلك وللأسف الشديد في بعض مناطق من العالم الإسلامي، يبدأ يستخدم ورقة التخويف من الإسلام، بعدما كانت تلك الورقة قبل عقود مضت، متمثلة في التخويف من الشيوعية. تجد إبداعات ومهارات عديدة في تشويه صورة هذا الدين، وبث كل ما يمكن بثه ونشره من مواد إعلامية، وتعزيزها وتكرارها، لتصنع من تلك المواد المزيفة والمضللة، صورة ذهنية عن الإسلام والمسلمين غاية في السوء، أو هكذا هي مقاصدهم في خططهم الاستراتيجية القصيرة أو طويلة المدى. لاحظ أن أي حزب سياسي في العالم غير المسلم، وكوسيلة من وسائل كسب الأصوات والتأييد الشعبي، يستخدم ورقة الإسلاموفوبيا في حملاته الإعلامية. يدري هذا الحزب وأمثاله كثير حول العالم، أن الاشتغال والعزف على وتر التخويف من الإسلام وأتباعه، يبث نوعاً من الحساسية تجاه أي فكر أو ثقافة إسلامية وإن كانت قمة في الاعتدال، دون بذل بعض الجهد في البحث عن صحة مزاعم تلك الأحزاب أو المنتفعين من التلويح بورقة الإسلاموفوبيا، الذي يساعد التلويح بها أيضاً على بث مشاعر معادية تجاه العالم الإسلامي بشكل عام، وتحديداً تجاه المواطنين المقيمين في العالم غير المسلم، الذين اكتسبوا جنسيات الدول التي هاجروا إليها منذ عقود طويلة بقصد الإقامة والمعيشة الدائمة. الآن يتم إثارة تلك الحساسية بين مواطني أي دولة غير مسلمة، من قبل أحزاب سياسية حاكمة أو تتطلع إلى الحكم، وضرورة التمييز بين المواطنين على أساس من الدين، على رغم أنها جميعاً دول تزعم أنها لادينية أو علمانية، لكن يبدو الأمر عكس ذلك حين تبرز قضايا فيها مسلمون. حيث تتغير مبادئ وقيم العلمانية التي يؤمنون بها كنظام تقوم عليه أسس دولهم ! شاهد ما يحدث بالهند على سبيل المثال، التي تزعم أنها علمانية وديمقراطية. شاهد كذلك ما يحدث في فرنسا، التي أضحت سنوات وهي تفتخر بعلمانيتها وقيم ثورتها. شاهد في دول أوروبية أخرى، كيف تسعى الأحزاب اليمينية لاستغلال الصورة الذهنية المشوشة عن الإسلام والمسلمين في تنفيذ أجندتها والوصول إلى الحكم. الإسلاموفوبيا العربية أما في العالم العربي، فأغلب الأنظمة الحاكمة لا تختلف عن نظرائها في العالم غير المسلم في مسألة استغلال ورقة التخويف من الإسلام، مع تعديل في بعض المصطلحات، لتكون ورقة ما يسمى بالإسلام السياسي، شبيهة بورقة الإسلاموفوبيا المستخدمة في العالم غير الإسلامي. غالبية الأنظمة العربية تخوف شعوبها من أي فكر إسلامي أو أحزاب إسلامية تتنافس مع غيرها من الأحزاب في سبيل الوصول للحكم وإدارة الدولة، شأنها شأن كل الأحزاب الأخرى. تجد الحاصل الآن هو تخويف وتشويه وتحريف، بل زاد عما يحدث في العالم غير المسلم، حيث التخبط في مسألة الاعتقالات، والمبالغة في الملاحقات والتهديدات المباشرة وغير المباشرة، وغيرها من صور الظلم والتعسف، والأمثلة كثيرة لا تحتاج لكثير شروحات وتفصيلات. دع ما لقيصر لقيصر كثير من المثقفين أو النخبة في العالم العربي، ينادون بالعلمانية كمنهج حياة يمكن أن تسير عليه الدول الإسلامية، من أجل الخروج من الأزمات الكثيرة التي تعيشها، لا سيما أزمة التطرف والتعصب الديني، أو هكذا هو الزعم. تراهم في قلق وتوتر من انتشار ظاهرة التدين والالتزام بالدين أو الرجوع إليه، وتخويف الناس بأن تلك العودة إلى التدين، خطر على الدولة بشكل عام، مع إمكانية أن تتحول الدولة إلى دينية متزمتة، دون أي دلائل علمية وواقعية صلبة تؤيد تلك المزاعم، مضيفين إلى أن الحل الأفضل والأمثل هو العلمانية، مع إبقاء الدين بشعائره وشرائعه، محصوراً في الجوامع والمساجد، ومرددين مقولة منسوبة زوراً وكذباً إلى المسيح عيسى بن مريم - عليهما السلام -: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله. أي باللغة الحاضرة العصرية، فصل الدين عن الحياة أو السياسة تحديداً.. وهل الدين إلا سياسة حكيمة للحياة؟ ما الحل ؟ لا شك أن هناك نماذج سيئة من المسلمين تشوه قيمنا وثقافتنا الأصيلة، لكنها قلة قليلة لا تظهر أمام مئات الملايين في هذه الأمة. لكن حين تقوم وسائل الإعلام الأجنبية عن عمد وتجاهل في كثير من الأحيان، بتغييب النماذج الواعية الحكيمة والراقية في فكرها ورؤيتها للأمور في المجتمع المسلم من مشرقه إلى مغربه، في وجود تأييد واضح من بعض وسائل الإعلام العربية المتفرنجة أو المتصهينة، وتسلط الأَضواء على آخرين أقل حكمة وعلماً وثقافة وإدراكاً، وتبرز الجوانب السلبية من حياة الإنسان المسلم أو المجتمع الإسلامي بشكل عام، فمن المؤكد أنها تقوم بعملية غسيل مخ عابرة للحدود، ترسّخ بواسطتها صورة ذهنية غاية في السوء والتشويه عن المسلمين، والتي قد تحتاج إلى سنين عديدة، وجهود إعلامية مستمرة وكبيرة ومتنوعة لتغيير تلك الصورة. فما الحل؟ الحل يكمن عندنا أولاً في الداخل الإسلامي، قبل أن نذهب بعيداً إلى خارجه. نحن من يجب عليه رسم الصورة الذهنية الإيجابية أولاً عن أنفسنا، كي يرسمها غيرنا أيضاً. نحن من عليه أن يحترم نفسه ويقدّرها أولاً كي يحترمه ويقدّره الآخرون كنتيجة طبيعية وبالضرورة. فهكذا هي قوانين التعاملات بين البشر. هناك نوابغ ومفكرون واستراتيجيون ومثقفون وأدباء وكتّاب، مثلما هناك أطباء ومهندسون وعلماء ومخترعون في تخصصات علمية مختلفة، هم بمثابة نماذج وصور مضيئة مشرقة في العالم الإسلامي، وحين يتم تغييبهم عن عمد في وسائل الإعلام الإسلامية قبل الأجنبية، ولا تُعطى لهم نفس المساحات المتاحة لغيرهم من صعاليك المجالات الأخرى، سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين، فلا يجب إذن أن نلوم، والحال هكذا، الغريب الأجنبي إن هو بدأ في رسم صور سلبية عنا. من هنا أقول في خاتمة هذا الحديث: إن الحل يبدأ من إعلامنا عبر تهذيبه وتنظيفه من شوائب الفرنجة والصهينة المتغلغلة في شبكاته وإداراته، والكف عن تشويه صورتنا بقصد أو غير قصد، قبل أن نطالب إعلام غيرنا بذلك، ولا شك عندي أن هذه أولى وأصعب خطوات تغيير صورتنا السلبية في أذهان العالمين، تتبعها خطوات أخرى أسهل وأيسر بإذن الله. والله كفيلٌ بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
622
| 23 يونيو 2022
في كل مرة تقع أحداث بالعالم الإسلامي، وأبرزها حالياً المشهد الهندي وتطرف الحكومة الهندوسية الحالية تجاه المسلمين، مع استمرار معاناة الأيغور في الصين والروهينجيا في بورما، وبالطبع قضية المسلمين الأولى، قضية الأقصى وفتنة الصهاينة، وغيرها من مشكلات ومعاناة المسلمين حول العالم. أقول: في كل مرة تقع أحداث على ساحتنا الإسلامية أو خارجها تتعلق بنا، تكثر النقاشات في الفضائيات ووسائل الإعلام المتنوعة، وينقسم الناس بسببها بين طارح لفكرة المؤامرة، وقسم ثان يرفضها تماماً، فيما تجد ثالثاً لا يؤيدها، لكنه في الوقت ذاته لا يتجاهلها أيضاً. وفي خضم تلك النقاشات وكثرتها، قد ينسى الناس لب الموضوع أو المشكلة الرئيسية، والتي أجدها كامنة في عدم فهم الواقع الحالي للأمة، وما يحيط بها من ظروف محلية وأخرى عالمية. وإن الفهم الصحيح لذلك في نظري، هو مفتاح علاج واقع المسلمين اليوم. وهذه خلاصة موضوع اليوم، ومن أحب مزيد تفاصيل، فسيجدها في الفقرات التالية. بداية لابد من إدراك حقيقة لا يختلف عليها اثنان، هي أن الحضارة الغربية من تقود العالم اليوم منذ عدة قرون، وما المنظمات والهيئات الدولية التي أنشأها الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، وجعل مقارها في منطقته أيضاً، إلا لتكون أدوات تساعده على قيادته للحضارة البشرية بصورة فاعلة لحين من الدهر غير قصير، خاصة إذا استمر الغرب في دعم وتعزيز نقاط قوة حضارته، واستمر التابعون له في تبعيتهم، والقبول بواقعهم وضعفهم دون سعي مخلص صحيح لتغييره. وقد جرت السنن الكونية على أن من يقود الآخرين، تكون عادة توفرت له أسباب القيادة إلى أن يفقدها جميعاً، سبباً سبباً حتى تؤول القيادة إلى حضارة أخرى. وهكذا هي حركة التاريخ أو سنة الكون والحياة "وتلك الأيام نداولها بين الناس". •الغرب ومنطق القوة إذن الغرب يتحرك بمنطق القوي في العالم. منطقٌ خلاصته تقول بأن التحرك يكون وفقاً لمصالحي، وإن لم تتوافق مع مصالح غيري، على رغم أن العالم اليوم، من المفترض أن يعمل معاً ضمن منظومة الأمم المتحدة. لكن الواقع العملي يختلف تماماً عن النظري. فالغرب يتحرك بناء على مصلحته وليس مصلحة الآخرين. قوته اليوم تسمح له باتخاذ القرار، بل وتنفيذه باقتدار أيضاً، وهي حقائق واضحة لا غبار عليها، ولا أدري لم لا نستوعبها في العالم الإسلامي؟ لا يجب أن نستغرب تحرك أساطيل وجيوش الناتو إن تضرر فرد في أمة الغرب، أو لحفظ مصالحهم أيضاً - بحسب رؤيتهم وفهمهم لمعنى المصلحة - بغض النظر إن توافقت رؤاهم مع غيرهم من الأمم، أو خالفتها. لا يجب أن نستغرب نحن المسلمين من ذلك، لأن مثل تلك التحركات كانت معروفة في تاريخنا الإسلامي أيضاً، حين كانت الأمة تمتلك أسباب القوة التي تجعلها تحرك الجيوش إن تضرر فرد واحد من قبل أعداء الأمة، أو تعرضت مصالحها للخطر، وفق رؤية من كانوا يقودون الأمة حينذاك، مع الفارق الكبير بين رؤاهم القائمة على المادية ومصالحهم الضيقة، ورؤانا القائمة على الربانية وهداية البشرية، أو هكذا هو الأصل بالنسبة لرؤانا. •تصحيح نظرية المؤامرة لكن ماذا عن نظريات المؤامرة التي يؤمن كثيرون بها، ويرفضا كثيرون بالمثل؟ هل فعلاً الغرب يتآمر أو ما زال يخوض في هذا الأمر لم يتوقف؟ الواقع يفيد أن القضية متشعبة وتبقى خلافية، ولكل فريق وجهة نظر في المسألة. لكن موضوع مؤامرات الغرب أو الشرق على الأمة أو على آخرين، فمن المهم إدراكه أنه أمر مرتبط بالبشر منذ قديم الدهر، ومستمر إلى ما شاء الله أن تستمر الحياة. المؤامرات لا يجب أن نستبعدها تماماً، لأنها جزء من الصراع بين البشر، حيث تختلف أساليب المؤامرة بحسب الزمان والمكان وثقافة البشر. والمؤامرة وقبل أن نتعمق أكثر في تفاصيلها – إن سمحت لي أيها القارئ القيام بتعريفها من وجهة نظري – هي تخطيط خفي من أجل تحقيق مصلحة، على حساب مصالح آخرين، بطريقة وأخرى، وسواء اتفقنا على أهدافها وأساليب تنفيذها أم لم نتفق من الناحية الدينية أو الأخلاقية أو القيمية أو غير ذلك. نحن كأمة مسلمة وقبل فترة الاحتلال، كنا أمة مستهدفة من قوى مختلفة في هذا العالم، نظراً لمسائل السيادة الحضارية، خاصة بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية والفارسية التي تواجهت مع أمة مسلمة فتية، كانت تتعاظم قوتها وتأثيراتها يوماً بعد آخر. الأمة الإسلامية ولأنها كانت من صنّاع الحضارة في زمن تاريخي امتد لأكثر من ألف عام، وتمت فيه إزاحة حضارات كانت قائمة، رأيت تكاثر الأعداء والمتربصين بها، على اعتبار أن تلك الإزاحة بطبيعة الحال، لا يمكن أن ينساها صنّاعها بسهولة، إذ بقيت المشاعر بالنفوس تغذيها روح الانتقام، وتتوارثها الأجيال لحين وقت معلوم، أو فرصة سانحة لاستعادة ما تمت إزاحته. اليوم نرى الغلبة والرفعة للغرب منذ أكثر من قرن من الزمان. بدأه باحتلال مناطق شاسعة، استغل ما يمكن استغلاله وبشراهة منقطعة النظير. وحين بدأت الحركات الثورية الطبيعية المضادة في أكثر من بقعة مستعمرة، وجد الغرب الاستعماري نفسه يخسر تدريجياً في مقاومة تلكم الحراكات، فبدأ يخطط للخروج ولكن قبل ذلك فكر وقدّر، وهذا التفكير والتقدير يمكن أن نسميه بحسب حديثنا اليوم بالمؤامرة، حيث صنع الغرب المستعمر أناساً على عينه، يقومون على مصالحه بعد خروجه، فكانت المشاهد الظاهرية لاستقلال الدول، وكانت التقسيمات السياسية المعروفة. الغرب مصالحه مع الأمة المسلمة في كثير من مناطقها ما زالت كبيرة وكثيرة، وأن يتجاهلنا هذا الغرب كلية، فإنه ليس بالأمر الممكن. ولأن الواقع يتغير كل حين، فلابد من استراتيجيات أخرى، ولابد من عقول تفكر وتخطط وتدبر لجعل حبل الغرب متصلاً بالمنطقة لا ينقطع، وليرسم صورة ذهنية مفادها أن وجوده بالمنطقة أمر ضروري حيوي عند سكانها. وهذا التدبير أو التخطيط والتفكير هو ما يمكن تسميته أيضاً بالمؤامرة. بمعنى آخر، كيف أخطط لأن أبقى عندك وأستفيد منك بصورة وأخرى. هكذا لسان حال الغرب مع أمة الإسلام. هذه هي المؤامرة باختصار شديد. لكن الأهم من هذا هو التساؤل التالي: •إلى متى دور الضحية؟ الغرب ليس يتآمر علينا فحسب، بل على آخرين كالصين وروسيا والهند وغيرهم. ويحدث العكس أيضاً. فلا تعتقد أن القوى الأخرى في هذا العالم هادئة ساكنة. الكل يخطط ويدبر ويقدّر، أو إن صح التعبير، يتآمر مع غيره على غيرهم، في سبيل مصالح قصيرة أو طويلة الأمد. يحدث هذا في الغرب والشرق، بل في كل الأمم، بما فيها أمتنا وللأسف. الكل يريد مصلحته، بغض النظر عن آلية وطرائق تحقيق تلك المصلحة، دون أن نخوض في معاني المؤامرة الأخلاقية والقيمية. نتحدث الآن من الجانب النظري البحت فقط. وهذا يدفعنا للتساؤل: ما المشكلة أن يتآمر أحد على أحد، أو إن صح التعبير، يخطط ويدبر للحفاظ على مصالحه؟ وهذا يدفعنا أيضاً لأن نقول: ما المشكلة، وبهذا الفهم، أن يتآمر المسلمون أيضاً على الغرب والشرق وكل من يكن لهم العداوة والبغضاء ؟ وأعني ها هنا التخطيط والتدبير لمصالحنا، ولكن وفق قيمنا وأخلاقنا وديننا بالطبع. فأين الخطأ في هذا؟ القصد من هذا الحديث أننا لا نريد أن نكون دوماً ضحية ألعاب ومؤامرات الآخرين، أو نؤدي ذلكم الدور في لعبة الصراعات. لابد أن نلعب اللعبة ذاتها مع المتآمرين، أو إذا أردنا تخفيف المصطلح بعض الشيء، لابد أن نفكر ونخطط وندبر لتحقيق مصالحنا كما هم يفعلون، عبر مراكز أبحاث ودراسات، ومؤسسات تعني بالتخطيط الاستراتيجي، العسكري والاقتصادي والفكري والثقافي وغيرها، شأننا شأن من يستغلنا ويعادينا. أليس هذا الدور هو الأفضل أو الأوجب علينا كأمة، بدلاً من الاستمرار في أداء دور الضحية في كل لعبة أو مؤامرة، ومن ثم استجداء عطف الآخرين الذين قد يكونون على شكل دول أو مؤسسات وهيئات دولية، والذين في حقيقة الأمر والواقع، لا أثر لهم ولا وجود فاعلاً في مثل هذه الصراعات. هذا إن لم يكونوا هم من أسباب استمرار أزماتنا وشقائنا؟ فمتى نعي هذه الحقائق ونسيطر على زمام أمورنا، وندخل صراع الأمم والحضارات كصانعين مؤثرين، لا مصنوعين ومتأثرين؟.
1072
| 16 يونيو 2022
من تابع المسلسل التركي التاريخي قيامة أرطغرل ومن بعده الآن مسلسل قيامة عثمان وقصة بناء الإمبراطورية العثمانية، سيلاحظ كمية المشاهد التي كانت تدور حول مسألة غاية في الأهمية، التي ركز القرآن الكريم عليها منذ بدايات بناء الدولة في المدينة، وهي مسألة النفاق، سواء النفاق الأكبر الذي يُخرج صاحبه من الملة، أم الأصغر الذي يأتي على شكل غدر أو خيانة، والتأثيرات السلبية لتلك السلوكيات على المجتمع ومن يعيش فيه، وكيف تعاني الدول من حركة النفاق - إن صح التعبير- قبل أن تظهر ومن بعد أن تظهر، وتأثيرها المخرب والمستمر على أساسات ودعائم وتماسك الدولة. في تلك المسلسلات، يلاحظ المشاهد أن حركة النفاق كانت تلعب أدواراً مؤثرة في إعاقة بناء الدولة واستقرارها وتقدمها. كانت تلك الحركة أشد وطأة على بناة وصنّاع تلك الدولة، من مؤامرات وألاعيب وكمائن الأعداء الخارجيين، الذين ما كانت مخططاتهم تُمرر وتكون ذات أثر، لولا حركة النفاق بالداخل، والتي كانت تستدعي من الدولة، وهي تسير في خطوات البناء والنشوء، التخلص منها قدر المستطاع أو تحييدها وإضعافها، حالما يتم اكتشافها. الدول عادة تعمل على إضعاف أي حركة نفاق تظهر بالمجتمع قدر المستطاع وليس القضاء عليها، ليس لعدم الرغبة القيام بذلك، بل لصعوبة الأمر، والذي لو كان يسيراً سهلاً كسهولة الكتابة عنها، لكان تولى أمرها مبكراً سيد الخلق محمد – صلى الله عليه وسلم – والقرآن ينزل عليه، وما استدعى كذلك في أول سورة تنزل بالمدينة المنورة في العام الأول للدولة وهي سورة البقرة، أن تتنزل ثلاث عشرة آية عن النفاق، فيما ابتدأت بذكر صفات المؤمنين في ثلاث آيات، وصفات الكافرين في آيتين فقط. ولما استدعى كذلك أن تنزل سورة كاملة تحمل اسم المنافقين، في إشارة مهمة إلى خطورة هذه الفئة أو تلك الحركة على الإسلام والمسلمين إلى يوم الدين. حركة ابن سلول في مكة، عاش المسلمون سنوات وهم مستضعفون، لكن لم تظهر حركة نفاق لأن الوضع لم يكن يستدعي. بمعنى آخر، كان ضعف المسلمين، رغم استشعار الوثنيين من قريش ومن وقف معهم من العرب خطورة ما يحدث، لا يستدعي استنفاراً سريعاً، بل وضع معسكر الكفر في حالة طمأنينة نوعاً ما. لكن ما إن خرج المسلمون إلى المدينة، ولم يمض على بناء دولتهم عام واحد، حتى ولدت حركة النفاق، وكان المؤسس هو ابن سلول - قبحه الله – الذي استشعر خطر ما يحدث بالمدينة، بعد أن كان يمني النفس أن يكون ملكاً عليها. لكن هجرة شخصية عظيمة بحجم النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – أفقدته صوابه ومعه أحلام المُلك. فكانت ردة الفعل عنده هي حركة النفاق التي أنشأها، ليقينه أن قوته لا تكفي لمواجهة الدولة المسلمة، وهذا دليل على أن ظهور حركة نفاق في أي مجتمع، مؤشر على قوة وتماسك المجتمع، ولكي يتم خلخلته وتفكيكه، لابد من صناعة النفاق ودعمه، وهذا هو ما حدث بالمدينة، واستمرت بعدها بالظهور في دول أخرى كثيرة وإلى يوم الناس هذا. خطورة الحركة تكمن خطورة حركة النفاق، وتحديداً ما نسميه بالنفاق الأصغر أو النفاق العملي وهو الشائع في أغلب المجتمعات المسلمة، أن أفرادها مسلمون، يشهدون أن لا إله إلا الله. يتكلمون لغة المجتمع، وعاداتهم هي عادات أهل المجتمع، لكن لا يظهر شرهم بشكل واضح، إلا أن بعض أفعالهم وأقوالهم وسلوكياتهم تفضحهم بين الحين والحين، ومع ذلك لا تستطيع الجزم بها من أجل محاسبتهم عليها، وهنا مكمن الصعوبة. إنك كطرف متضرر من شر تلك الحركة وأفرادها، لا تملك أدلة دامغة على نفاقهم، أو لا يكون أمر الحصول على تلك الأدلة بالسهولة التي يمكن تصورها، ويحتاج الأمر إلى جهد ووقت وموارد، وهي كلها تصب في خانة الاستنزاف غير المبرر لطاقات وموارد الدولة. ربما هذا يفسر سر تركيز القرآن في سورة البقرة على المنافقين، وتخصيص سورة أخرى لبيان حقيقتهم وخطورتهم وأهمية التنبه إليهم مبكراً، والعمل المستمر على وأد أي مكائد ومخططات ومؤامرات الإضرار بالمجتمع، سواء من لدن أنفسهم أو بالتعاون مع آخرين من خارج المجتمع، حفاظاً على الجهود والموارد وعدم الوقوع في شر الاستنزاف. كيف نتعرف عليهم؟ بسبب خطورتهم، نجد أهمية التعرف عليهم مبكراً والتعريف بهم، لأجل أن يحْذرهم أحدنا ويحذّر الآخرين منهم. ولقد وصف القرآن بعض مظاهرهم وسلوكياتهم. منها أولاً، سلوك الشك والريبة. فهم لا يثقون بأحد. بل تجدهم خائفين وجلين على الدوام من أن يكشفهم أحد. يهتمون بمظاهرهم الخارجية. الشكل والهندام والزينة. إن جئت للبيان وفصاحة اللسان، ستجدها عند بعضهم، ممن بلغ مرتبة عالية في هرم النفاق، بحيث لا تستطيع تجاهل بيانه وجمال كلماته وعمقها، وتأثيرها على كثيرين. قال ابن عباس رضي الله عنهما:" كان عبد الله بن أبي بن سلول وسيماً جسيماً صحيحاً صبيحاً ذلق اللسان، فإذا قال، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - مقالته. وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة ( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم ) لكنه هو ومن على شاكلته كما وصفهم القرآن ( كأنهم خُشُب مسنّدة ) وأبرز ما فيهم أنهم ( يحسبون كل صيحة عليهم ) أي أن الثقة بأنفسهم معدومة، ويكاد أحدهم يقول خذوني من شدة ارتيابهم. ومع ذلك نبهنا الله إلى أنهم ( هم العـدو فاحذرهم ). وقد جاء في حديث متفق عليه عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال:" أربعٌ من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خَصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصَم فجر". حتى لا ندخل عالم النفاق قد يتساءل أحدكم: لماذا النفاق؟ لماذا يكره البعض دينه وأمته وتاريخه؟ لماذا يعيش بوجهين؟ النفاق الذي أعنيه في هذا الحديث ليس النفاق الأكبر الذي يُخرج صاحبه من الملة، بل الأصغر أو ما يسمونه بالنفاق العملي، الذي يأتي على شكل غدر أو خيانة. هذا النوع من النفاق وهو الغالب في كثير من المجتمعات المسلمة اليوم، أجد أن التربية الإيمانية الصحيحة، عامل رئيسي أول، بل الأهم في ضبط وربط الإنسان ومنعه من الدخول في هذا التيه، أو هذا العالم المنحرف غير السوي، الذي يجده في عالم النفاق والمنافقين. ثم إن زرع الإيمان في أعماق القلوب منذ النشأة الأولى، والمداومة على التذكير بأساسيات هذا الإيمان، عامل آخر مهم، مع أهمية استحضار مشاهد الخيانات في التاريخ القديم والحديث، ومآلاتها وعواقبها كنماذج للدراسة، يتلقاها الفرد في مراحل التربية والتكوين المختلفة. تلكم بعض طرق الحماية من نشوء أو ظهور حركات النفاق في أي مجتمع، والذي نسأل الله في الختام أن يطهّر قلوبنا منه، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، فإنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
1273
| 09 يونيو 2022
يدخل الأستاذ الجامعي إلى قاعة الدرس في اليوم الأول من بدء الفصل الدراسي، فإذا أغلب الأسئلة من طلابه أو طالباته حول الاختبارات وعددها وما هو الداخل بالاختبارات، وما المهم وغير المهم، إلى آخر الأسئلة التي يعرفها كثيرون منكم.. الأمر نفسه يتكرر في المدارس مع المدرسين وطلابهم، ورغبتهم الأولى في معرفة توزيع الدرجات ما بين الاختبارات والواجبات.. وهكذا كل عام أو كل فصل دراسي. المشاهد السابقة دليل على أمر واحد مؤكد، بل يكاد يكون هو الحقيقة المستمرة منذ سنوات في كثير من مجتمعاتنا، خلاصتها أن الاختبارات هي غاية لا وسيلة. هي الغاية من حضور المدرسة أو الجامعة، وليست وسيلة للتعلم واكتساب المعرفة. الأنظمة التعليمية تكرّس تلكم الحقيقة أو هذا المفهوم، عبر ذاك الاهتمام الكبير بمسألة الاختبارات، التي غالبها تعتمد على قوة ذاكرة الطلاب ومهارة حفظ واستظهار المعلومات، والتي يتفاوت كثيرون في تلك المهارات والقدرات، فيكون التقييم النهائي وفق ذلك. أي أن صاحب الذكاء الأكاديمي هو الفائز في تلك النوعية من الاختبارات، فيما أصحاب الذكاءات الأخرى: العاطفية، الاجتماعية، اللغوية، الجسدية وغيرها من ذكاءات، سيكون عليهم بعد الثانوية تحديداً، إثبات قدراتهم بطرق أخرى في قادم الأيام، لكن بعد أن تحتضن أنظمة العمل الرسمية أو التوظيف الفئة الأولى، أو أصحاب الذكاءات الأكاديمية، فتكون لهم الأولوية في التوظيف وتوابعها. في اليابان وبداية من منتصف هذا العام، سيتم تغيير أسلوب تدريس أو تعليم مادة التاريخ على سبيل المثال، بحيث تهدف إلى الفهم وليس الحفظ، وذلك من خلال طرح الأسئلة والبحث عن إجابات منطقية لها. وهذا هو المنطق الذي أنادي به منذ مدة، ليشمل جل المواد، وليس التاريخ فقط، وبالتالي تكون التقييمات وفق ذلك الأسلوب؛ أي أن نختبر ونتعرف على قدرات الطلاب في فهم المادة ومهارتهم في ربطها بحقائق أخرى، وكيفية التعامل معها والاستفادة منها وغيرها، بحيث تكون المحصلة النهائية من التقييمات، هي التعرف على جميع قدرات ومهارات الطالب في تعامله مع المادة العلمية، وعلى ذلك يتم تقييمه بالدرجات، بشرط أن يكون التقييم مستمراً طوال العام، وليس عبر فرض أجواء معينة للتقييم، هي الأجواء التي يعيشها الطلاب أيام الاختبارات، وما لذلك من تأثيرات نفسية على الأداء بشكل عام. استثمار ثورتي المعلومات والاتصالات الحاصل الآن ومنذ عقود عدة، على رغم تطور التعليم وتقنياته ووسائله، وتطور العالم من حولنا بثورة الاتصالات والمعلومات، أن التقييم لا زال كما هو لم يتغير إلا قليلاً، دون استثمار هذا التطور الهائل والمستمر في التقنية ووفرة المعلومات، التي تجتاح العالم منذ أكثر من عقد من الزمان. حتى تكون الصورة واضحة لما أروم إليه، خذ مثالاً مادة الاجتماعيات للمرحلة الإعدادية على سبيل المثال، لا الحصر. كمية المعلومات في تلك المادة كبيرة، وبالتالي صار من يحفظ أكثر، يحصد درجات أكبر، بغض النظر إن كان الحفظ عن فهم ودراية أم لا. الاختبارات ها هنا تقيّم قوة ذاكرة الطالب، وقدرته في حفظ أزمنة الأحداث، وحفظ أسماء الشخصيات والمدن والمواقع، وغيرها من معلومات لا تستدعي الحفظ واستحضارها وقت الامتحان، وتعبئة الذاكرة البشرية بها وهي متوفرة في أي زمان وأي مكان. بمعنى أن الحصول عليها الآن لا تستغرق ثوانيَ معدودة. لماذا يحفظ الطالب مثلاً نتائج الثورة الفرنسية ومتى كانت معركة العلمين أو وقت إنزال النورماندي أو معركة أوكيناوا وغيرها من أحداث تاريخية، ومعلومات أخرى دسمة في الجغرافيا ستكون جميعها حاضرة بكبسة زر وفي ثوان معدودة؟ لماذا لا يكون التقييم على قدرة ومهارة الطالب في الوصول إلى المعلومة، والاستفادة منها في الإجابة على الأسئلة، عبر اختبارات ما يسمى بالكتاب المفتوح مثلاً أو الاستعانة بالإنترنت في الإجابة، وأن تكون نسبة أخرى من الدرجة لتقييمه- من بعد تدريبه- على مهارة تحليل الأحداث التاريخية بحسب مستواه التعليمي، وكتابة رأيه فيها، وغير ذلك من طرق وأساليب التقييم المختلفة التي تناسب هذا الجيل، أو الجيل الرقمي؟ الأمر ليس مقتصراً على مواد الاجتماعيات، بل يشمل كذلك اللغة العربية بتفصيلاتها في قواعد اللغة والبلاغة، التي -في رأيي- ما تزيد أساليب التدريس غير مزيد ابتعاد الطلاب عن لغتهم الأم ومزيد نفور، ثم تكون المحصلة بعد الثانوية، لا مهارة قراءة ولا كتابة ولا فهم أحياناً كثيرة! وقس على ذلك تقييمات العلوم الشرعية والعلوم العامة وغيرهما من مواد. لا أقصد إلغاء التقييمات أو الاختبارات، لكن تعديل الطرائق والأساليب، فما كان معمولاً به زمن ندرة الكتاب وندرة مصادر المعرفة، التي جعلت حفظ ما بين غلافي كتاب كل مادة من اللوازم الأساسية لاكتساب المعرفة، لم يعد كذلك الآن مع هذا الجيل. لابد من مراعاة هذا التغيير الحاصل من حولنا مع أبنائنا. زمننا هذا لم يعد زمن حفظ معلومات واستحضارها وقت الاختبار. نعم لحفظ ما لابد منه كالقرآن والأحاديث وما يلزم الإنسان في عبادته. أما غير ذلك، فنحن نعيش زمن معلومات وتقنيات، وبالتالي نحتاج إلى تعليم وتوفير أداوت البحث لطلابنا، وكيفية الوصول للمعلومة وكيفية توظيفها، ومن ثم تقييمهم على تلك المهارات وما ينتج عنها، بالإضافة إلى تعزيز ودعم وتطوير مهارات الكتابة والقراءة والتفكير والتحليل، ليس بعد دخول الطلاب إلى الجامعات فحسب، بل منذ نعومة أظفارهم في الابتدائية وما بعدها. والموضوع في هذا يطول ويتشعب. مسألة الاختبارات، كخلاصة لهذا الحديث ولاسيما الثانوية العامة، بحاجة لإعادة نظر وتجديد وتطوير وفق مستجدات العصر، كي تواكب وتوائم ما يجري حولنا في هذا العالم من تطور طال معظم مجالات الحياة. فلماذا لا يصل هذا التطوير إلى التعليم وطرائق التقييم بالمثل؟ سؤال موجّه للسادة القائمين على نظام التعليم عندنا وما حولنا في العالم العربي.
954
| 02 يونيو 2022
تذهلك قصص القرآن لاسيما مشاهد الأنبياء مع أقوامهم. وبحسب معايير اليوم، ستعتقد ربما للوهلة الأولى، أن الأقوام الغابرة في التاريخ، كانت السذاجة قد بلغت بهم مبلغاً لا يمكن تصورها. سذاجة في التفكير والسلوك، دفعت بهم إلى نهايات أليمة غير مسبوقة. فهل كانوا سذجاً فعلاً؟ وهل غابت الحكمة عنهم؟ إن جئت تقـرأ في قصة لوط (عليه السلام) مع قومه، ستذهلك مشاهد عديدة فيها، لا سيما مشهد ردهم غير المنطقي على لوط (عليه السلام) وهو يدعوهم إلى عدم مخالفة الفطرة السليمة، فكان موقفهم القاطع الواضح ودون أدنى تردد أو خشية أو حياء، هو الفصل بينهم وبين لوط ومن معه، أي نفيهم وإخراجهم من القرية. لماذا؟ لأنهم أناسٌ يتطهرون! هكذا بلغ بهم السفه، أن يطالبوا بنفي من يسعى لخيرهم وصلاحهم. وهكذا صار فعلاً. لم يختلف قوم لوط عما سبقوهم من القرون الأولى. كانوا على نفس النهج والفهم وإن بصور وأساليب متنوعة، لكن النتيجة كانت واحدة. قوم نوح يتهمون نبيهم الكريم بالضلالة (إنا لنراك في ضلال مبين)، وبالمنطق نفسه اتهم قوم عاد نبيهم هود (عليه السلام) بالسفاهة والكذب (إنا لنراك في سفاهةٍ وإنا لَنظُنك من الكاذبين). ثم يتكرر المشهد مع قوم فرعون وهم يحرضون الفرعون ضد نبي الله موسى (عليه السلام) ويتهمونه بالفساد في الأرض (أتذرُ موسى وقومَه ليُفسِدُوا في الأرضِ ويذَرَك وآلهتَك) حتى صار توافق غريب بين مزاج الفرعون وقومه ضد موسى، ليتجرأ بعد ذلك ويعلن منتشياً، وهو يرى موقف قومه ودعمهم له ضد المفسدين –وهم هنا موسى وهارون ومن معهم- فقام وكأنما يطلب تفويضاً لمحاربتهم (ذروني أقتل موسى وليدعُ ربَّه إني أخاف أن يُبدل دينَكم أو أن يُظهرَ في الأرضِ الفساد). هكذا بكل سهولة يتم توجيه تهمة الإفساد إلى أعظم المصلحين في زمنهم، موسى (عليه السلام)، ويطلب تفويضاً شعبياً وأمراً منهم ليقتل موسى، خشية أن يبدل معتقداتهم! المشاهد تتكرر المشاهد نفسها تتكرر عبر التاريخ بأشكال وأناس مختلفين، وثقافات مختلفة. لكن العجيب أن المفاهيم واحدة، لا تتغير عبر الزمان والمكان، أبرزها أن يصور الباطل نفسه كأحد المفاهيم، أنه الحق المبين، فيما المصلحون أو من يتضاد معه، مفسدون في الأرض بدعوى أنهم (أناسٌ يتطهرون)! وهكذا نراهم اليوم أهل الشذوذ. يود أحدهم لو يتم نفي كل من يكون على خلاف توجهاتهم ونزواتهم ورغباتهم غير السوية، والسبب أنهم أناس يتطهرون، كما قال بذلك الأولون. كل قصص المصلحين مع المفسدين، إنما هي مشاهد من المعركة الأزلية بين الحق والباطل، منذ أن بدأت أولى المشاهد بين آدم عليه السلام وإبليس في الجنة، إلى أن انتقلت بعد ذلك إلى الأرض، لتستمر إلى يوم الناس هذا. الباطل دوماً وأبداً يدرك تمام الإدراك أنه على غير هدى، وأن معركته مع الحق خاسرة نهاية المطاف، لكنه يعتبرها معركة ذات فصول عديدة، وكلما استطاع أن يكثر ويطيل من أمد تلك الفصول، كلما عاش فترة أطول وحافظ على مكاسبه لأمد أبعد. إنه يحاول بكل الطرق والأساليب، مستخدماً كل الأدوات الممكنة كي يحافظ على مكتسباته ونفوذه، حتى وإن دفعته الأمور لتشويه الحق وتصويره بأقبح الصور. لماذا؟ لأنها معركة بقاء، ومعركة صلاحيات ونفوذ. إنهم أُناسٌ يتطهَّرون أخرجوهم من قريتكم إنهم أُناسٌ يتطهَّرون.. هكذا تبلغ الجرأة بعد حين من الوقت عند الباطل، ليعتبر المكان مكانه والقرية قريته والزمان زمانه، ومن يختلف معه يكون مصيره الطرد والنفي من قريته أو قمعه واعتقاله. ولو تراخى العالم أكثر في وجه دعوات الانفتاح على الشذوذ واعتبار ذلك أمراً طبيعياً لا يستدعي الإنكار، فلن يكون غريباً الوصول إلى نقطة يقول الشاذون فيها بلسان الحال أو المقال: أخرجوا كل من ليس على مذهبنا اللاأخلاقي من مدننا وقرانا، فإنهم أناس يتطهرون. أن تتنزه عن أفعال وسلوك الباطل بكل أنواعه، هو ذات التطهر الذي يقصده الباطل. هو يدرك أن ما عليه الحق وأهله، طهرٌ ونقاء وصواب، على عكس ما الباطل وأهله عليه. ولذلك تجدهما لا يبغيان ولا يمتزجان أبداً. ونتيجة لذلك، تجد مفهوم (أخرجوهم من قريتكم إنهم أُناسٌ يتطهَّرون) يتكرر بصور مختلفة، وخاصة حين يعلوا شأن الباطل ويكون القرار بيده، حتى وإن كان لحين من الدهر لا يطول غالباً. الإصلاح وتهمة التطهر من يحاول إصلاح فساد مالي، أو إداري، أو سلوكي، أو غير ذلك من صور الفساد في أي مجتمع أو أي بيئة، فالباطل متربص به وسيواجهه من فوره بتهمة التطهـر، وهو أن تسلك مسلكاً لا يعجب الباطل وأهله، فإن لم يتوقف الأمر عند ذاك الحد، سينتقل الباطل إلى خطوة ثانية أخيرة حاسمة، هي تقرير عقوبة الإخراج من القرية بصورة وأخرى. لكن رغم هذه الوحشية في التعامل مع الحق وأهله، فإن الجميل في مشاهد معركة الحق مع الباطل، أن النتيجة في النهاية محسومة بوعد إلهي (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا). أي أن هذا الباطل ذاهب زائل لا يستمر. نعم، قد يكون له صولة وجولة إذا لم يقابله الحق بحججه وأدلته الدامغة، أو حين يكون الحق في أضعف حالاته. ولهذا تجد أن الباطل لا يروج، إلا في الأزمان والأمكنة الخالية من العلم بآيات الله وبيناته. وأخشى أننا نعيش شيئاً من هذا الزمن، الذي أرجو ألا يكون في بدايته وألا يطول، ويعود الحق إلى ما يجب أن يكون عليه، بتكاتف أهله وزيادة الصلة بمصادر الحق. والله هو الحق، وهو أحق أن يُتّبع. فاللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
2107
| 26 مايو 2022
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله.. يا لها من آية تبعث في النفس طمأنينة وراحة لا يدرك معانيهما سوى من يبحث عنهما.. آية واضحة بذاتها تلخص مدى سعة الرحمة الإلهية بعباده. رحمة وطمأنينة تأتيان على شكل دعوة غاية في اللطف من الخالق عز وجل لعباده. دعوة ضمنية تشير إلى أهمية وضرورة عدم فتح المجال لشعور اليأس أن يسيطر على النفس. ذاك اليأس الطارد لأي أمل أو رجاء من حدوث أمر إيجابي مستقبلي، والإدراك التام بأن رحمة الله أوسع وأكبر مما نتصور. روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية". لماذا أحب النبي الكريم هذه الآية أكثر من الدنيا وما فيها؟ لأنها دون كثير شروحات وتفصيلات، بشارة إلهية لعباده أنه واسع المغفرة والرحمة، لا يأبه لأي ذنب، صغيراً كان أم كبيراً، إلا الشرك، طالما الإنسان المذنب أو المسرف على نفسه قرر الإنابة والتوبة. أضف إلى ذلك أن الآية تُعتبر دعوة إلهية -كما أسلفنا- إلى عدم القنوط أو اليأس، وضرورة أن يكون للإنسان أمل ورجاء في أن القادم أفضل، بشرط أن يبذل جهداً مستحقاً مناسباً لرؤية ذاك الأفضل في قادم أيامه. وقد جاء عن علي بن أبي طالب وابن مسعود –رضي الله عنهما– أن هذه أرجى آية في القرآن. ما هو الأمل؟ تلكم المقدمة التي بدأنا بها حديث اليوم، كانت مدخلاً للتفاكر بعض الشيء حول الأمل، ليس لأنه موضوع جديد، وإنما من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين. فهذا الأمل له تعريفات وشروحات كثيرة. منها: أن الأمل هو توقع نتائج إيجابية لما تقوم به من عمل. ويمكن التعمق في القول أكثر لنقول: إنه ليس فقط توقع قدوم أو حدوث نتائج إيجابية فحسب، بل هو الشعور بثقة ويقين أن تلك النتائج الإيجابية في متناول يديك نظرياً، وستصل إليها أو ستتجسد على أرض واقعك عما قريب، ولكن بعد خطوات معينة صحيحة تحتاج منك القيام بها. هذا ما يعرفه ويتحدث عنه المتفائلون. الأمل صوت داخلي، وجذوة متقدة بالنفس تدفعك إلى عدم اليأس والركون إلى الأوهام، أو الارتماء في أحضان الفشل والفاشلين، أو اليأس واليائسين، مهما كانت حياتك مليئة بالأحزان والهموم والأوجاع، أو تمر بأوقات عصيبة صعبة. تساؤلات ما الذي يدفع بالمزارع مثلاً أن يبذر البذور ويقوم عليها زمناً؟ إنه الأمل في حصاد وفير.. وما الذي يدفع لاعب القوى مثلاً أن يجهد نفسه بالتمارين وتقوية العضلات بشكل مستمر لا يتراخى ولا يتكاسل؟ إنه الأمل في أن يكسر الرقم القياسي في اللعبة ويحقق إنجازاً؟ وما الذي يدعونا إلى الاستمرار في الدعاء حين الأزمات والمشكلات والملمات؟ إنه الأمل في أن يأتينا فرج من الله، عاجلاً كان أم آجلا. الأصل في الإنسان أولاً، ألا يكلّ ولا يمل، أو يترك نفسه لتصل إلى اليأس، فيتركها محاطة بالأوهام ووساوس الشيطان، الذي يستغل مثل تلكم الحالات في الإنسان، ليدفعه إلى مزيد يأس، ويزيد من إحباطاته وتعميق مشاعر البؤس فيه. ثم الأصل ثانياً، أن يعمل الإنسان ويجتهد ويتخذ الأسباب، ويعقد الأمل في خططه وأعماله ونجاحها على قوة أكبر من أي قوة أخرى في هذا الكون، ويبدأ بتكوين يقين راسخ في قلبه أن هناك ربًّا قديراً سميعاً مجيب الدعوات.. فاليأس ليس من صفات من به ذرة إيمان واتصال بالله، الذي يدعونا سبحانه بقوله (وَلَا تيأَسوا من رَوحِ اللَّهِ إنَّه لا ييأَسُ من رَوْح اللَّه إلا القومُ الكافرون). الأمل وما يفعل لولا الأمل الذي عاش لحظاته النبي يونس –عليه السلام- وهو في ظلمات بطن الحوت والبحر، ويقينه الراسخ أن من كتب عليه هذا الواقع سيكتب له واقعاً آخر، ما وجدته استمر يدعو ويبتهل ويستغفر، ولكان استسلم لليأس وجلس ينتظر مصيره أو الموت. يعقوب -عليه السلام- لم يفقد أمله في العثور على ابنه يوسف –عليه السلام- والذي لم يفقد هو نفسه الأمل، كذلك أن يرجع إلى أبيه وأهله، وإن طال الزمن. وقد حدث فعلاً، بعد مشاهد ووقائع عديدة كما جاءت تفاصيلها في سورة يقرؤها المسلمون إلى يوم الدين. أيوب –عليه السلام– بالمثل. ما يئس من رحمة الله أن تتنزل عليه فيكرمه بعافية من عنده. وقد حدث ذلك وتبدلت أحواله بعد سنوات عديدة من آلام المرض وآلام فقد الأبناء وآلام ضياع المال والمكانة الاجتماعية. الخليل إبراهيم –عليه السلام- بلغ هو وزوجته من الكبر عتيّا ولم يرزقهما الله الأبناء، ما يجعل أي إنسان في مثل سنهما يفقد الأمل في الولد، إلا إبراهيم -عليه السلام- كان عنده ذاك الأمل، الذي جعله لا يمل ولا يكل من الدعاء بقوله (رب هب لي من الصالحين)، حتى جاءته البشرى وهو في التسعين من عمره، وزوجته كانت تجاوزت سن الحمل، بل كانت عاقراً بالأصل. فأكرمهما الله وبشرهما (بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب). إنه الأمل في رحمة الله وكرمه. هذا الأمل، الذي إن صح وجاز لنا التعبير، يمكن اعتباره صفة من صفات الأنبياء الكرام. نختم أمثلة ونماذج الأمل بنبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم يوم الخندق مع صحابته الكرام، وهم في أخطر وأحلك الظروف التي مرت بها الجماعة المسلمة منذ بدء الدعوة، حين اعترضتهم صخرة عظيمة أثناء الحفر لم يقدر عليها الصحابة الكرام، ولم يفتتها إلا النبي الكريم، الذي مع كل ضربة منه للصخرة، كانت تخرج شرارة فيكبّر عليه الصلاة والسلام، فيقول في الأولى: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة. ثم الثانية: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض. ثم الثالثة: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة". لم يقل الرسول الكريم ذلك، إلا لأنه في تلك الضائقة والمحنة، كان مدركاً أن الله لن يخذله هو وأصحابه، وأن أملهم ورجاءهم فيه عظيم، وأنهم بعد هذه المحنة الخطيرة التي اجتمعت وثنية الجزيرة العربية بمساندة يهودية لئيمة غادرة، سيخرجون منها سالمين غانمين، بل وفاتحين أرجاء الأرض. إن الأمل الذي كان يغمره -صلى الله عليه وسلم- جعله يرى مستقبلاً مبهراً قادماً دون أدنى ريب فيه، إلى الدرجة التي جعله يذكر أكبر الممالك أو القوى التي كانت مسيطرة على الأرض حينذاك، الإمبراطورية الرومانية والفارسية. ما يعني أن هذا الدين غالب، وإن انتكس أتباعه حيناً من الدهر، طال أم قصر، ولكن بشرط ألا يفقد أحدهم أمله ويقينه بنصر الله، والنتائج الإيجابية التي ستتحقق في قادم الأيام. وبشرط آخر لا يقل أهمية عن شرط الأمل، هو ضرورة العودة إلى طريق محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحبه الكرام، أو الصراط المستقيم الذي يسأل المسلم ربه في صلواته كل يوم مرات عديدة أن يهديه إليه.. والله تعالى دوماً وأبداً، كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
1686
| 19 مايو 2022
مساحة إعلانية
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...
4917
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...
1497
| 11 مارس 2026
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا...
1422
| 16 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...
1257
| 11 مارس 2026
أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...
1092
| 11 مارس 2026
وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...
963
| 10 مارس 2026
عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...
855
| 09 مارس 2026
عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...
774
| 12 مارس 2026
في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...
723
| 12 مارس 2026
لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة اقتصادية، بل...
708
| 14 مارس 2026
«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»،...
690
| 15 مارس 2026
ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...
663
| 13 مارس 2026
مساحة إعلانية