رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جاء في كتاب البداية والنهاية لابن كثير، أنه لما أراد الله خلق آدم، ليكون في الأرض هو وذريته من بعده، وصور جثته منها، جعل إبليس، وهو رئيس الجان، وأكثرهم عبادة إذ ذاك، وكان اسمه عزازيل، يطيف به، فلما رآه أجوف، عرف أنه خلقٌ لا يتمالك. وقال: أما لئن سُلّطتُ عليك لأهلكنك، ولئن سُلطتَ عليّ لأعصينك. فلما أن نفخ الله في آدم من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له، دخل إبليس منه حسد عظيم، وامتنع من السجود له. وقال: أنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين، فخالف الأمر واعترض على الرب عز وجل، وأخطأ في قوله، وابتعد من رحمة ربه، وأنزل من مرتبته، التي كان قد نالها بعبادته، وكان قد تشبه بالملائكة، ولم يكن من جنسهم لأنه مخلوق من نار، وهم من نور. فخانه طبعه في أحوج ما كان إليه، ورجع إلى أصله النار. أبى إبليس واستكبر ورفض الأمر الإلهي، فكان جزاؤه الطرد من السماء، بل من رحمة الله. لتبدأ إثر ذلك معركة الخير والشر بشكل متسارع، لتتضمن فصولاً ومشاهد متنوعة كثيرة من الغواية والوسوسة، بين عالم خفي يديره إبليس ومعه ذريته من الأبالسة، وعالم ظاهري يمثل ذرية آدم عليه السلام، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. الصراع بين الخير والشر قديم، بل قصة طويلة ما بدأت لتنتهي سريعاً. ذلك أن إبليس أقسم أن يجلس لبني آدم كل مجلس وكل موضع، ولا يترك منهم أحداً (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم) أي لأترصدن لآدم وبنيه على طريق الحق وسبيل النجاة، كما يترصد قطاع الطرق للسائرين فيها - بحسب تفسير الوسيط للطنطاوي - فأصدنهم عنها وأحاول بكل السبل أن أصرفهم عن صراطك المستقيم، ولن أتكاسل عن العمل على إفسادهم وإضلالهم. لكن الجواب الجلي الواضح جاءه على الفور من رب العالمين (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين). وفي هذا الجواب تتضح معالم المعركة بين النفس البشرية والنفس الشيطانية. ذلك أن للشيطان تأثيرا بالغا على النفس البشرية حين تحيد وتبتعد عن طريق الله، ويقل ذلكم التأثير كلما اقترب الإنسان من الصراط المستقيم، حتى يتلاشى تماماً ويخنس إبليس وذريته. النفس بين الملائكية والشيطانية ليس لإبليس وذريته أي سلطة وتأثير على عباد الله، أو بني آدم بشكل عام، بغض النظر هاهنا عن مللهم ونحلهم وعقائدهم وأديانهم، لأن دور إبليس الأساسي ومن معه من أبالسة الجن، يقوم على فكرة الغواية أو الإضلال أو ما نسميها بالوسوسة وتزيين الشر والمنكر والحرام وما شابه. ثم يُترك الأمر للإنسان في المرحلة الأخيرة، مرحلة التنفيذ من عدمه. وهي المرحلة الحاسمة التي إما أن تتحول النفس البشرية لنفس ملائكية أو قريب منها، أو شيطانية أو قريب منها. الحالة الملائكية تعني أن الإنسان ينتبه في مرحلة ما للمكر الشيطاني وخدعه ووساوسه، فيعمل سريعاً وجاهداً للتخلص منها والعودة لجادة الحق والصواب، فيستعيذ بالله منها ويتوب وينوب، ليعود سالماً معافى إلى الصراط المستقيم، ليعيد إبليس الكرة معه في جولة أخرى قادمة، ما دام في هذا الإنسان عرق ينبض. الحالة الشيطانية تعني أن الإنسان لا ينتبه إلى أين يقوده الشيطان، حيث تستهويه وساوسه، وتميل نفسه إليها وتستسيغها وتستحسنها من بعد أن يكون الشيطان قد زين له أعماله، فتخبث نفسه وتصير نفساً شيطانية خبيثة، ليدخل عالم الضلال والإضلال، ويكون بذلك قد أعطى فوزاً أو انتصاراً لإبليس ما كان له ذلك، لولا هشاشة إيمانه وفوضى الفهم والتبصر والتأمل عنده. فيفرح بذلك إبليس ومن معه، لأنه أنجز وعده الذي قطعه أمام رب العالمين، أن يقعد لعباده كل مرصد، يغويهم ويضلنهم ويدفعهم خارج حمى الله، ويشتت فكره كي لا يتنبه ويعود لرشده ويسلك مسلك التائبين الأوابين، لكي يطمئن إبليس أن هذا الآدمي سيكون ضمن قافلة الداخلين معه إلى جهنم وبئس المصير. أنت من يقرر النهاية خلق الله إبليس ليكون نموذجاً للنهاية الخاسرة، ودرساً لنا بني البشر، تقول خلاصته: العناد والتكبر والحسد، عوامل أساسية لنهاية بائسة، وهي كلها توفرت في إبليس ساعة نزول الأمر الإلهي في الملأ الأعلى بالسجود لآدم. ارتكب ذنب العصيان بسبب حسده وتكبره على آدم، ورفضه العودة والإنابة والتوبة. فكان مصيره الطرد من الرحمة الإلهية إلى يوم القيامة. وخلق الله آدم عليه السلام، وحال ارتكابه ذنب العصيان بالأكل من الشجرة المحرمة ثم التوبة والإنابة والاستغفار، إنما ليكون نموذجاً للنهاية السعيدة لمرتكب الذنب والمعصية، حال استغفاره وتوبته وإنابته. ومن هنا يتبين لنا، أنه رغم قوة وبأس وتأثير الشيطان على الإنسان، إلا أنه أضعف من أن يقرر مصير هذا الإنسان، لأن هذا البشري هو صاحب القرار، وهو من يختار طريق الهداية أو الغواية. رضا الله أو غضبه. جنته أو ناره. وهذه خلاصة قصة الصراع بين الحق والباطل، الخير والشر، الإنسان والشيطان. قصة واضحة بذاتها، يعرف كل منا دوره فيها، بل من شدة وضوحها أن أحدنا يكون عنده الإلمام الكافي والقدرة على أن يرسم نهايته بنفسه. تأمل قوله تعالى في الآية الكريمة التي توضح لك أقصى ما يمكن لإبليس أو الأبالسة القيام به مع بني آدم (وقال الشيطان لما قُضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ۖ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ۖ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم). هكذا هو المشهد بكل وضوح. من يتبع خطوات الشيطان، فلا يلومن إلا نفسه. ولهذا حاول أن تضع الآية الكريمة أمام ناظريك، لتدرك مدى قوتك في رسم نهاية سعيدة أو شقية لنفسك. فانظر ماذا ترى؟.
1578
| 27 أكتوبر 2022
الأحلام والرؤى شغلت الإنسان منذ قديم الزمن. ولا زال يحاول فهم ماهية الحلم أو الرؤيا المرتبطة بعملية النوم. فمن الناس من ذهب إلى أنها رسائل من الغيب، وقائل إنها عمليات تنفيس عما بالصدر من مكبوتات أو أعمال ناقصة في عالم الوعي، فتظهر في الأحلام والرؤى لتكتمل بصورة وبأخرى. وفريق ثالث يرى أنها أضغاث أو خليط مشاعر لا معنى لها أو لا تقدم ولا تؤخر، وفريق آخر يراها عمليات كيميائية ضمن عمليات الصيانة الليلية التي يقوم الجسم بها لنفسه، إلى غير ذلك من تفسيرات وتعريفات. لكن على رغم تعدد التفسيرات والتأويلات والشروحات، إلا أن المرء منا يسعد بالأحلام أو الرؤى الجميلة، ويحزن للسيئة والمزعجة منها. والناس في هذا الأمر مذاهب ومآرب. منهم من يأخذها بجدية واهتمام، وآخر لا يبالي كثيراً، فيما فريق ثالث بين هذا وذاك، ورابع لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. موضوع الأحلام والرؤى ليس بالذي يمكن تجاهله، ولا بالذي يمكن أن يُترك ليشغل البال. الأصل كما هو في ديننا في غالب الأمور، التوسط. فلا إفراط ولا تفريط. أي لا ننشغل بها ونتأثر فرحاً أو حزنا، ولا نتركها جملة واحدة، خاصة تلكم الرؤى القصيرة الواضحة، ذات الرسائل القابلة للتأويل والتفسير. رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - مضت عليه ستة أشهر قبيل بدء الرسالة وهو يرى رؤى متنوعة، كما تقول السيدة عائشة - رضي الله عنها -:" أَول ما بُدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي، الرؤيا الصَّالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إِلا جاءَت مثل فلق الصبح". أي كانت واضحة وضوح النهار، فتقع أمامه تماماً كما رأها في منامه. ورؤى الأنبياء حق ووحي. وقد جاء عن النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - أن " الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة " كما رواه البخاري ومسلم. وبلغة الحساب: واحد على ست وأربعين يكون حاصله نفس حاصل ستة أشهر مقسمة على مدة الرسالة النبوية، أو عدد شهور ثلاث وعشرين سنة وهي 276 شهراً، وإن كان هذا ليس حديثنا بقدر ما هو بحث موجز حول ماهية الحلم أو الرؤيا، وإلى أي مدى يمكن التعاطي معهما. الحلم غير الرؤيا جاء في البخاري عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:" إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها ولا يُحدّث بها إلا من يحب. وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره ". ومن هنا يمكن أن نطلق الرؤيا على ما يراه النائم بوضوح وصفاء وذي معنى وفي أوقات النهار حيث الضياء. أما الأضغاث والفوضى وعدم الوضوح وخاصة في أوقات الليل حيث الظلام وعدم الوضوح، فيمكن أن نطلق عليه بالحلم، ويكون عادة من الشيطان كي يحزن صاحب الحلم كما في حديث أبي هريرة في الترمذي أن (الرؤيا ثلاث: فبشرى من الله، وحديث النفس، وتخويف من الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقص إن شاء، وإن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد، وليقم يصلي). وعلى هذا سيكون حديثنا وتركيزنا على الرؤى الواضحة، بعيداً عن أضغاث الأحلام، وما أكثرها. هل للرؤى لغة خاصة؟ يمكن القول إن للرؤى لغة خاصة، أو إن أردت عبارة أكثر دقة وبلغتنا المعاصرة أو حياتنا الرقمية التي نعيشها، فيمكن القول إن للرؤى شفرات خاصة تحتاج من الرائي فكها، سواء بما عنده من علم أو بمعية آخرين لهم في تأويل الرؤى علم وخبرة. لكن قبل التأويل، من المهم التعرف على بعض صفات الرؤيا الصالحة، والتفريق بينها وبين أضغاث الأحلام. من ذلك: أن الرؤيا ما ان يستيقظ الرائي حتى يتذكر معالمها بوضوح شبه تام، بل أحياناً تكون واضحة كأنما يراها رؤي العين، إلا من بعض أجزاء كما لو أنها رسالة سرية أو شفرة أو برقية، وتحتاج فك طلاسمها وحروفها. من صفات الرؤيا أيضاً أن يجد الرائي راحة وانشراحاً بعد الاستيقاظ، وإن لم يبدأ بعدُ في التأويل والتفسير، وفك المشفرات والرسائل السرية في رؤيته، لأن الرؤيا الصالحة - كما أسلفنا - من الله، وهي بالتالي بشرى منه سبحانه للرائي، تستوجب حمداً وشكراً ونية طيبة وعزماً على ذكرها للمحبين أو أقرب المقربين، كي يتم تأويلها وتفسيرها معاً، مستحضرين أحداثاً ومواقف حياتية لها صلة بالرؤيا من قريب أو بعيد، في محاولة علمية لربط المعطيات ببعضها لأجل فك شفرات الرؤيا. إذ ربما هي رسائل معينة مطلوب من الرائي القيام بها، أو بشارات لخيرات قادمة أو غيرها مما ينشرح لها الصدر. هل للرؤيا علاقة بالروح؟ تأمل معي قوله تعالى (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) ستدرك أن النوم ما هو إلا موتة صغرى، أما الكبرى فهي عند خروج الروح نهائياً من الجسد. لكن ما يحدث عند نوم أحدنا أن تخرج الروح - كما في تفسير البغوي - ويبقى شعاعها في الجسد، وبذلك يرى الرؤيا، فإذا انتبه من النوم عادت الروح إلى جسده بأسرع من لحظة. ويقال: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فتجتمع وتتحادث وتتعارف في عالم البرزخ ما شاء الله لها، فإذا أرادت الرجوع إلى أجسادها، أمسك الله أرواح الأموات عنده، ويرسل أرواح الأحياء لترجع إلى أجسادها، وتعيش ما كُتب لها من العمر إلى انقضاء مدة حياتها. معنى هذا أن رؤيتك لآخرين، سواء كانوا من الأحياء أو الأموات، من تعرفهم أو لا تعرفهم، فلأن الأرواح التقت في عالم البرزخ وقت نومك. وهذا العالم بحكم قوانينه، لا يمكن لأجسادنا الذهاب إليه لأنها غير مهيأة له، إنما الأرواح تستطيع فقط. وهناك تتلاقى أرواح الأحياء مع الأموات، أو حتى مع أرواح الأحياء، فيحدث تعارف أو نقاش بينها حول أمور قد تتعرف على بعضها حال استيقاظك من النوم، أو أخرى لا تعرفها لكن تمت الإشارة إليها في ذلك اللقاء مع أرواح الآخرين، فتكون بالنسبة لك كرسائل أو شفرات محددة، مطلوب منك تفكيكها وتفسيرها أو تأويلها. لا نريد الإسهاب أكثر في هذا الموضوع، لكن خلاصة الحديث أن الرؤى وإن كانت صادقة مبشرة، لا ينبني عليها أي أمر ولا حكم شرعي كما يقول الفقهاء، لكن لا بأس أن يتفاءل بها المسلم ويحدث بها من يحبه. ولا يلزمه كذلك العمل بها إن كانت خارج إطار المباح شرعاً، وإنما لا بأس بها إن كانت هناك مصلحة راجحة للرائي، أو تبشير بخير أو تحذير من شر. لكن ليحذر الرائي ألا يتخذ قرارات مصيرية بناء على رؤية، فهذا أمر خاص بالأنبياء فقط. بمعنى آخر، لا إفراط ولا تفريط في التعامل مع عالم المنام، الذي يحتاج لكثير بحث وتأمل ودراسة، لأنه جزء من الأسرار والآيات المرتبطة بالإنسان، التي يدعونا سبحانه للتأمل فيها وتدبرها، كما في قوله تعالى ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ).. فاللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.
10230
| 20 أكتوبر 2022
-قلنا في مقالات سابقة إن أي إنسان منا عنده القابلية لأن يكون فرعوناً بدرجة وأخرى، أو صالحاً راشداً مثل عمر بن عبدالعزيز. أي أن الإنسان منا يحمل بذرة فرعونية أو عمرية، تنتظر التنشيط أو التفعيل، وأن ما يدعو الإنسان لسلوك النهج الفرعوني أو العمري، إنما عوامل ثلاثة، لو توافرت لدى أي أحد منا، بغض النظر عن وضعه الاجتماعي أو الإداري أو القيادي، فإنه قاب قوسين أو أدنى أن يكون فرعونياً أو عُمرياً، سواء في بيته، عمله، مجتمعه، دولته، أو أمته. من العوامل المؤدية للفرعونية: وفرة المال، وضعف الإيمان، وآخرها البطانة، السيئة منها بالطبع، وتلك العوامل مع التعديل عليها، ستؤدي إلى العمرية، وهي: وفرة المال، قوة الإيمان، والبطانة الصالحة. وحولها سيكون حديثنا اليوم. في اللغة، البطانة داخل الثوب وجمعها بطائن، وظاهر الثوب يسمى الظِهارة. وبطانة الرجل: خاصته - كما جاء في زهرة التفاسير- الذين " يعرفون خفايا أمره، ومكنون سره، ويستبطنون ما يخفى على غيرهم، فيعرفون موضع قوته وضعفه، ويتخذ منهم مستشاريه الذين يستشيرهم، ويستنصحهم إن احتاج إلى نصيحة". بطانة الرجل منا قد تتكون من زوجته مثلاً وبعض أبنائه وأخلص أصدقائه. وبالمثل تكون بطانة المدير أو الرئيس أو الزعيم. مجموعة من المقربين إليه، الأكثر أمانة وإخلاصاً وصدقاً، أو هكذا المفترض أن تكون بعض أهم معايير اختيار أفراد البطانة، والتي سنذكرها بشكل أوضح لاحقاً. القرآن الكريم أشار إلى أهمية هذه الفئة، وضرورة الاعتناء بمسألة الاختيار كما في قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ) حيث ينهى الله المؤمنين بهذه الآية – كما يقول القرطبي - أن " يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء ويسندون إليهم أمورهم". ويضيف القرطبي قائلاً:"... وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء ". لكل مسؤول بطانتان روى البخاري عن أبى سعيد الخدري عن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - قال: ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه. وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه، والمعصوم من عصمه الله. لاحظ أن في الحديث إشارة مهمة إلى مدى وعظمة تأثير البطانة على صاحب القرار. بطانة صالحة وأخرى طالحة. الأولى تأمر بالخير والأخرى بالشر. والمعصوم - كما في الحديث - من عصمه الله. أي أن من يقوم بتشكيل بطانته، لابد أن يستعين بالله، يسأله الهداية والتوفيق في الاختيار، لأنه لن يكون يسيراً، إلا على من يسّره الله عليه، وبالتالي فإن أي تقصير أو تهاون في الاختيار، من شأنه إتاحة المجال لعناصر ربما تكون نواة لبطانة سيئة، ستتشكل بعد حين، وتكون وبالاً وخبالاً، أي فساداً واضطرابا، للرئيس أو القائد، ومن يكونون تحت إمرته وفي أمانته. وبالتالي سيتحمل هو المسؤولية في المقام الأول، ولن تكون البطانة هي الملامة عند أي تقصير أو مشكلة، لأنه هو من قام بتشكيل الفريق المحيط به، أو البطانة. أي إنسان منا، مهما كان وضعه الوظيفي أو القيادي، وقبل ذلك الإيماني، يتأثر بمن حوله من الأصدقاء والخلان. فإن كانوا صالحين أصلحوه، وإن كانوا فاسدين أفسدوه. هكذا بكل اختصار، دونما حاجة لكثير شروحات وتفصيلات، والمرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل، كما قال صلى الله عليه وسلم. من هنا تظهر أهمية قيام صاحب المسؤولية، أو من يحمل أمانة إدارة كيان ما، من أصغر وحدة في وزارة ما مثلاً، مروراً بالقسم والإدارة والوزارة نفسها، وانتهاء بالدولة - بحسن اختيار بطانته - أو إن صح وجاز لنا التعبير، يقوم هو بنفسه على صناعة بطانته. هذه صفات البطانة من يرغب في النهج العمري، تكون بطانته مكونة من راشد رشيد، وناصح أمين، وصادق صدوق، وحفيظ عليم، ومستشار مؤتمن. يجمعهم إيمان وتقوى من الله. يستشعرون ثقل المسؤولية والأمانة. ولن يكون مستغرباً كذلك وجود خل وفي، أو عدد منهم ضمن البطانة. خلة أو صداقة من تلك المبنية على الحب في الله، وليس على الانتهازية والاستغلال والمصالح الشخصية. مستذكرين قوله تعالى ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) على اعتبار أن الصداقة الحقيقية في الدنيا، هي التي تكون مبنية على الحق والعمل الصالح، والمرجو ثوابها في الآخرة. إنّ بطانة مكونة من أولئك النفر، وتلك هي صفاتهم أو ما يميزهم، فلا ريب أن العواقب والمآلات ستكون محمودة طيبة. ستكون بطانة معينة للمسؤول على الخير وما فيه صالح الأمة، ومانعة عنه الشر وما فيه فساد للأمة. قال ابن كثير وهو يصف نموذجاً للمسؤول ودور البطانة وقوتها في توجيهه - وهو هاهنا يعني الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز- الذي "كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة، وأعدلهم سيرة. كان إذا وقع له أمر مشكل: جمع فقهاء المدينة عليه، وقد عين عشرة منهم، وكان لا يقطع أمراً بدونهم، أو من حضر منهم وكان لا يخرج عن قول سعيد بن المسيب". بطانة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، لا شك أنها لعبت دوراً في الرخاء والعدل والأمن الذي حدث للأمة في عامين هي مدة خلافة عمر. فلم يكن عمر يتحرك وفق أهواء وأمزجة متقلبة، بل وفق علم وفقه وإيمان، تسانده بطانة صالحة كانت أكثر كفاءة وعلماً منه، وليس في ذلك ما يعيب المسؤول، فإن قوة وكفاءة البطانة هي في صالحه قبل صالح الأمة. وليس شرطاً - حسب ما أرى - أن تكون البطانة جيشاً من الخبراء والمستشارين، فقد تكون البطانة رجلاً واحداً، لكنه بألف رجل. ولنا في موسى عليه السلام النموذج. فقد كان هارون عليه السلام هو البطانة، وهو المستشار. ولنا كذلك في سيرة رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين، القدوة الحسنة في هذا الأمر.. والله دوماً كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
2802
| 13 أكتوبر 2022
كلما يقرأ أحدنا قصة النبي الكريم موسى مع الرجل الغامض الذي وصفه القرآن بالعبد الذي (آتينه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما)، والذي ظهر في مشهد واحد من مشاهد حياة موسى عليه السلام فجأة، ثم اختفى بعد ذلك، وجد أن علم الإنسان محدود جداً مهما تعمق وتبحّر في العلوم. هذا كليم الله موسى - عليه السلام - المعزز بالوحي، والمفترض أنه لم يكن أحد أعلم منه في تلك الفترة من حياته، يسأله سائل من قومه، بعد أن خطب في حشد كبير من بني إسرائيل يوماً: هل هناك من هو أعلم منك يا موسى؟ فأجاب من فوره: لا، وهو بالطبع قال ذلك لأنه لم يكن يعتقد أن أحداً في تلك الفترة غيره له صلة بالسماء، يأتيه الوحي مثله ليعرف ما لا يعرفه بقية البشر، فكانت بالتالي تلك إجابته. بسبب ذلك الموقف، يبدأ مشهد غريب في عالم البشر. موقفٌ لم ولن يتكرر. فقد أوحى الله إلى موسى أن هناك من هو أعلم منك، فتعجب كليم الله من ذلك، فسأل الله أن يدله على ذاك الذي هو أعلم منه. فكان هو الخَضِر - عليه السلام - الذي اتفق المفسرون على أنه كان نبياً أو ولياً من أولياء الصالحين أو في تلكم المنزلة ما بين النبي والولي، وليس هذا مهماً بقدر أهمية أنه كان يعلم علماً ليس يعلمه أحد إلا الله. أعطاه الله علماً لحكمة يراها سبحانه، ولعل المشهد المعروف أو القصة المعروفة بينه وبين موسى – عليهما السلام – التي نقرأها كل جمعة في سورة الكهف، ربما كانت رسالة للعالمين، على أن علم الإنس والجن، لا شيء بجانب علم الله، مهما علا وارتقى وتعمق العلم الإنسي أو الجني على حد سواء، هذه نقطة أولى. ماذا عند الخضر؟ النقطة الثانية في القصة، أن الخَضِر ظهر في المشهد مع كليم الله موسى – عليهما السلام – وعنده علم محدد ليس عند موسى ولا أحد من البشر. بمعنى آخر، كان الخَضِر يمثل القَدَر المتحرك كما يقول البعض، أو القدر الخفي – كما يقول الشيخ سلمان العودة أطال الله في عمره - الذي كان " يفسر ما وراء الأحداث من الحكم والأسرار الربانية، بما يجعل قارئ الحدث يتلمّس أبعاداً غير مرئية لما يجري في الكون من المحن والمصائب وقتل الأطفال وتسلط الظالمين، إنه السؤال عن الشر الواقع في حياة البشر، والذي طالما كان سبباً في شك الناس وتساؤلهم عما وراء الحدث". كلنا يتألم لمصيبة أو كارثة أو فاجعة إذا نزلت به أو بأحد من أهله أو أحبابه أو آخرين يهتم لأمرهم. وربما يتساءل أحياناً - إذ استسلم لوساوس النفس والشيطان - وخاصة إن كانت الفاجعة مؤلمة وساحقة، يتساءل عن سر حدوثها، أو الحكمة من ورائها، وأين الرحمة في فاجعةٍ يموت فيها أطفال أبرياء مثلاً، أو يتم نهب وغصب حقوق فقراء ومساكين فتنتهي بنهايات كارثية، أو يتم أكل أموال يتامى لا حول لهم ولا قوة، لينشأ أحدهم حين يبلغ الرشد وهو مفلس فقير يتسول عند هذا وذاك، وما ذلك إلا لظلم وقع عليه من أكلة أموال الناس بالباطل، لم يردعهم دين ولا قانون ولا أخلاق ولا مبادئ. تأتي قصة الخَضِر مع موسى – عليهما السلام – لتضع تلكم النقاط على الحروف، من أجل أن تطمئن قلوب متقلبة، ونفوس قلقة حائرة، ويهدأ متشككون في إيمانهم وعقائدهم، ويتعرف الناس أكثر فأكثر على أنه ما من حدث في هذا العالم، إلا والخير كامن فيه. قد يظهر من فوره، أو بعد حين من الدهر طويل. المساكين أصحاب السفينة هل كان أصحاب السفينة المساكين على علم بأن جزاء المعروف الذي أسدوه للخضر وموسى وفتاه، بحملهم في السفينة دون مقابل، هو قيام الخَضِر بإحداث عيوب في سفينتهم الوحيدة؟ هل كانوا على علم بملك ظالم قد يستولي على سفينتهم إن أراد، دون أن يتجرأ أحد بالاعتراض أو طلب الثمن؟ بالطبع لا، لم يكن في علمهم البشري ولا حتى موسى عليه السلام، وهو النبي الذي يوحى إليه، أي دراية بذلك العلم. لكن في العلم الذي اختص الله الخَضِر به، أن تلك العيوب في السفينة بمثابة الخير الكامن في الشر الظاهري المتمثل في ذلك الإتلاف المتعمد للسفينة، فالملك لن يستولي على سفن ذات عيوب، وبذلك سينجو المساكين بسفينتهم، وحينها سيذكرون الخَضِر بكل خير، بل وسيدعون له أنه بفعلته تلك غير المفهومة لهم وقتها، نجوا ونجت سفينتهم ومصدر رزقهم من ذاك الملك الظالم. ولذلك حين تساءل موسى عليه السلام وأنكر عمل الخَضِر، لم يكن رد فعله سوى تذكيره بالاتفاق المبدئي، وهو ألا يعلق أو يعترض على أي فعل يقوم به الخَضِر. قتل طفل بريء تتعمق القصة أكثر، وتزداد حيرة موسى – عليه السلام – وهو يرى الخَضِر وقد أزهق روحا بريئة دون ذنب! فكيف يقتل طفلاً ليس بينه أو أحد من أهله، عداوة مع الخَضِر؟ كيف يمكن تفسير هذا الجُرم؟ كيف سيعش والدا الطفل وهما يريان غريباً جاء من أقصى المدينة، ويقتل ولدهما دون ذنب أو جريرة؟ أسئلة منطقية بلا إجابات شافية. ولو أن والدي الطفل وكذلك موسى – عليه السلام – عندهم من العلم الذي عند الخَضِر، لما تساءلوا بالطبع. ولعل من المناسب هاهنا أن نتذكر قوله تعالى (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم) لنستوعب المسائل الفاجعة المؤلمة، المكروهة غالباً من كل إنسان. نعم هذا ما يحدث في واقعنا البشري. نكره أشياء أو أحداث تقع لنا في لحظتها وساعتها بسبب قصور علمنا ومحدوديته. ولكن بعد حين من الدهر، طال أم قصر، سنتذكر ما كرهناه، لنجد أنفسنا نشكر الله ونحمده أن ذاك الأمر الذي حدث وكرهناه، أمسى خيراً لنا.. أليس هذا ما يحدث كثيراً لنا؟. أما الذي جرى مع والدي الطفل، وعلى رغم عدم وجود إجابة لسبب قتل الخضر لولدهما، والذي علمه موسى عليه السلام بعد ذلك، هو أن الله رزقهما بطفل آخر صار باراً بهما، وسعدا به أيما سعادة. فيما الطفل الأول الذي لو لم يقتله الخَضِر لكان شقياً عصياً عاقاً لهما، وربما تمنيا هلاكه، فكان الخير في إزهاق روحه قبل أن يبلغ ويرشد، وهذا ما كان في علم الخَضِر، الذي قدم لهما ذلك الخير وإن بدا لوالدي الطفل أنه شر. الشاهد من القصة كلها، أنها ملهمة تدعو للتفكر والتأمل في أحداث الحياة، سواء العظيمة منها أو قليلة الشأن. فكلها تجري وفق مقادير مُحكمة. نرى اليوم أمراً نحسبه وفق تقديراتنا البشرية أنه كارثة، وأن مآلاته ونتائجه ستكون فواجع ومصائب. لكننا بعد حين من الدهر نجده عكس ذلك تماماً. نعم قد تقع مآس وكوراث نتألم منها ونفجع، لكنها تهيئة لأجواء من الخير أكبر وأشمل. والمسألة تحتاج لصبر وعدم تعجل، على عكس ما كان من أمر موسى مع الخَضِر عليهما السلام، فإن استعجال موسى وعدم صبره على أحداث، هي صعبة على الفهم والمنطق البشري، عجّل بانتهاء الاتفاق الذي كان بينه وبين الخضر، وإلا لعلمنا ووجدنا العجائب، كما قال بذلك النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم:" يرحمُ اللَّه موسى، لوددنا لو صَبَرَ حتى يقص علينا من أمرهما". كلما جالت في خاطرك أسئلة أو تساؤلات موسى واستنكرت أو رفضت أحداثاً في حياتك، فلتكن على يقين تام بأن هناك تفسيرات وإجابات كإجابات الخَضِر لموسى، قد تدركها وربما لا تدركها. وأنه لا شيء في هذا الكون يقع صدفة، إنما وفق مشيئة إلهية ولحكمة يراها سبحانه، وفيها دون أدنى شك، من الخير الكثير الكثير، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. والسبب كما بينه القرآن (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، وإن قلة العلم دافع للتساؤلات، التي قد تكون بعضها بحثاً عن الاطمئنان، فيما أخرى للتضجرات والتذمرات والعياذ بالله. فاللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما ويقينا.
3468
| 06 أكتوبر 2022
ماذا سيخطر ببالك وأنت تقرأ العنوان أعلاه؟ لا شك أن مشاهد عديدة من حالات الإفلاس أو حياة المفلسين ستأتي تباعاً ليزدحم ذهنك بها ما أن تتحدث عن عالم الإفلاس ومن فيه، بمعنى أن الصور الذهنية للإفلاس عند كثيرين منا، يكون منشؤها من عالم المال والاقتصاد، بمعنى آخر؛ الإفلاس يكون غالباً في نطاق عالم المال والتجارة وما يرتبط بهما، وهذا صحيح دون شك، لكنه ليس دوماً. المشاهد التي ترد إلى الذهن حين الحديث عن الإفلاس، تكاد تتشابه الفكرة حين نتحدث عن أمر آخر مثل الفقر، فلو طرحت عليك سؤالاً من قبيل: من هو الفقير؟ فإن إجابتك لن تختلف عن كثيرين ممن لو سألتهم هذا السؤال، حيث سيقول لك من فوره: الفقير هو من لا يملك المال. هذا تعريف صحيح أيضاً لا غبار عليه، لكن مع ذلك، نقول إنه ليس دوماً هذا هو التعريف الوحيد، فمن يتعمق ويتشعب في تعريف الفقر، سيدرك أن الفقر أو الإفلاس ليسا في قلة المال، بل لن يكون تعريفاً دقيقاً لهما. لماذا؟ لأن المفاهيم تغيرت، والمدارك توسعت، وصار تعريف مثل تلك الحالات دقيقاً أكثر، وبالتالي ليس التعريف المالي سوى واحد من تعريفات عدة. فهل تتفق معي على ذلك؟ ألا تتفق معي أن الفقر كما يصيب الجيب أو الوضع المادي للفرد بشكل عام، يمكنه أن يصيب الروح أيضاً؟، ألا ترى أن الفقر يمكن أن يصيبك في مسألة بناء العلاقات، فتكون النتيجة قلة أصدقاء وأصحاب وقلة محبين؟، هل تخالفني لو قلت إن الفقر الحقيقي ربما يكون في فقدان الصحة والتمتع ببدن سليم معافى، أو فقدان الأمن والطمأنينة، سواء في بيتك أو عملك أو مجتمعك بشكل عام، أو تكون فقيراً في عدم الإقبال على الكتاب والقراءة والتعلم بشكل مستمر.. بل لم لا يكون الفقر الحقيقي الموجع متمثلاً في الابتعاد عن الله، وقلة الطاعات وكثرة المنكرات؟ القائمة طويلة. إنه بالمثل يمكن الحديث عن الإفلاس، الذي أبدع في وصفه، سيدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين سأل صحابته الكرام ذات يوم - وهو يدري الإجابة – قائلاً: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع؛ فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام، وزكاة؛ ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا؛ وضرب هذا؛ فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته؛ فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار". ذلكم هو الإفلاس الحقيقي، وليس أن تكون بلا مال. الإفلاس كما في الحديث هو أن تخوض مع الخائضين في أعراض الناس، تغتاب هذا، وتأفك ذاك، وربما تتعمق أكثر فتجد نفسك تبهت تلك، أي الحديث عنها بما ليس فيها من أوصاف أو سلوكيات، وهذا شر فعل قد يقودك شيطانك إلى ارتكابه. في زحمة الأحاديث والمجالس ووسائل التواصل، تحلو الأحاديث التي تكثر فيها الغيبة والنميمة والإفك والبهتان، خاصة إن كانت تلك الأحاديث تدور حول أناس بينك وبينهم بغض أو خلاف أو عدم مودة، فتجد في نفسك نوعاً من الراحة النفسية وأنت تستمع إلى من ينتقدهم أو يغتابهم أو يبهتهم، هكذا تكون النفسية حين تكون الصلة بالله غير متماسكة قوية، وبالتالي يكون الإفلاس أكبر وأعمق. الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – دعانا إلى ما يسمى بكفارة المجلس حين يكثر اللغط فيه، فقال عليه الصلاة والسلام: "من جلس في مجلس، فكثر فيه لغطُه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك؛ إلا غُفر له ما كان في مجلسه ذلك". واللغط كما فسره العلماء، هو ذلك الحديث الذي فيه من الهزل الشيء الكثير، أو ليست من ورائه فائدة تُرتجى، أو الذي ربما يحصل فيه مُؤاخذة، لكن لا يتعلّق به حقٌّ للغير. فإذا كنا مطالبين بالاستغفار من مثل هذه المجالس، فكيف الوضع بمجالس الغيبة والنميمة والإفك والبهتان؟، لا شك أن كفارة المجلس تلك، لا تخص مثل هذه المجالس. لماذا؟ لأنها تتعلق بحقوق الآخرين، الحقوق التي لا تُمحى هكذا بالاستغفار فقط، بل وجوب التحلل ممن تم التعرض لهم أو اغتيابهم، فالتوبة من تلك الأقوال، ثم يذكر من اغتابهم بخير في كل مجلس، فلعل كل ذلك يمنع من الإفلاس يوم القيامة. حصائد الألسن يقول الحسن البصري رحمه الله: "ذكرُ الغير بما يكره ثلاثة: الغِيبة، والبهتان، والإفك، وكلٌّ في كتاب الله عز وجل، فالغِيبة: أن تقول ما فيه، والبهتان: أن تقول ما ليس فيه، والإفك: أن تقول ما بلغك عنه"، لاحظ معي أن تلكم الأفعال الثلاثة من أعمال اللسان، أو الأداة الرئيسية فيها هو اللسان، الذي إن لم يتم ضبطه وكبح جماحه، فهو يدفع بصاحبه إلى نهايات غير محمودة.. وهل يكبُ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم، كما قال الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام. من هنا يأتي فضل قلة الكلام إلا لحاجة، والتوجيهات النبوية الكريمة في هذا الصدد عديدة ومتنوعة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.. وقوله: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.. وقول ثالث: ليس المسلم بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش. وغيرها من أقوال شريفة، فأين نحن من هذه الأقوال، ووسائل التواصل اليوم على سبيل المثال لا الحصر، تعج بالسب واللعن والطعن وكل فحش وبذيء كلام؟ مثل هذا الانفلات اللساني إن لم يردعه إيمان وخشية من الله، فلا شيء يردعه، ولعل ما يحصل الآن في تلك الوسائل، هو نتيجة واضحة لضعف الإيمان في القلوب، ومزيد ابتعاد عن صراط الله المستقيم، وهو في المجمل، أمر غير سار ولا محمود، وتنبيه الغافلين ها هنا، واجب كل داعية وكل حكيم وكل عاقل.
6867
| 29 سبتمبر 2022
الجاهلية ليست فترة معينة من الزمان، عاشها الناس ثم انتهت، الجاهلية أقرب لأن تكون حالة اجتماعية معينة، ذات تصورات وسلوكيات يمارسها الناس في مجتمعاتهم، ويمكن أن توجد هذه الحالة وهذا التصور في أي زمان وفي أي مكان، بغض النظر عن مدى تقدم أو تأخر البشر وتحضرهم. الصورة الذهنية عند كثيرين، ما أن يسمع أحدهم بمصطلح الجاهلية، تتمثل في ذاك المجتمع العربي المفكك أو المبعثر قبيل بعثة خير البشر محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث الجهالة التي كانت ضاربة بعمق، في الفكر والمعتقد والسلوك والأخلاق وغيرها من مظاهر الحياة، وقد انتهت تلكم الجاهلية في جزيرة العرب وما حولها بفضل من الله، بعد أن انتشر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا. لكن هل انتهت وتبخرت وتلاشت؟ واقع الأمر يقول لا، وأنها باقية، بل تتعمق وتتوسع في كل العالم دون استثناء. حتى لا نفقد خيط الموضوع.. أقول إن الجاهلية قد تكون صفة لشخص أو مجتمع، فيقالُ شخص جاهلي أو مجتمع جاهلي، وذلك حين يتصرف أو يقوم الشخص أو المجتمع بسلوكيات معينة، أو يتسم بمظاهر تناقض العلم الصحيح وتعاكس المنطق السليم، بغض النظر عن الزمان والمكان، ومعنى هذا أنه يمكن اعتبار الجاهلية صفة أو سمة قابلة للظهور في أي زمان وأي مكان، وبالتالي وفق هذا المفهوم، ليس شرطاً أن تكون الجاهلية هي تلك الفترة ما قبل ظهور الإسلام تحديداً، بل قد تكون وجدت في أزمنة قديمة رغم الحضارات البشرية التي ظهرت آنذاك، وربما تظهر تارة أخرى بعد الإسلام وختام الرسالات السماوية، بل قد تكون حاضرة الآن في عصر العلم والتقنية كما هو حال عصرنا، فلا شيء ينفي ذلك. حين تتأمل آية الحجاب (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) أي لا تكثرن الخروج متجمّلات أو متطيبات، كعادة أهل الجاهلية الأولى الذين لا علم عندهم ولا دين - كما في تفسير السعدي - فقد تتساءل وأنت تقرأ الآية وفيها ذكرٌ للجاهلية الأولى، إن كانت هناك أو ستظهر جاهلية ثانية؟ وفي هذا اختلف المفسرون في تحديد فترة الجاهلية المقصودة أو الموصوفة بالأولى في الآية، ما بين قائل إنها الفترة ما بين نوح وإدريس عليهما السلام، وقائل ثان إنها الفترة ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فيما بعض آخر ذهب للقول إن الجاهلية هي الفترة التي يرتكب فيها البشر الفواحش بدون تحرج، وقد رأيت نفسي تميل إلى الرأي الأخير أكثر من غيره. وعلى هذا يمكن القول إن غالبية عصور البشر كانت جاهلية، ولم لا؟، والتاريخ يسطر إلى يوم الناس هذا، الكثير مما يندى له الجبين، من موبقات وفواحش وجرائم، ارتكبها وما زال يرتكبها الإنسان في حق أخيه الإنسان. ما يحدث اليوم هنا وهناك، على رغم أننا في قرن العلم وثورة الاتصالات والمعلومات والتقنيات، لا يختلف كثيراً عما كان يحدث في زمن أبي جهل وأبي لهب وعقبة بن معيط وأمية بن خلف وغيرهم من رموز الجهل والضلال في تلك الفترة الغارقة في الجاهلية، أو فترة قارون وهامان وفرعون والسامري، أو جالوت ومن قبلهم النمرود وآخرون. حين يقتل الإنسان أخاه الإنسان، أو يسرقه بصورة وأخرى، أو يغتصب أهله وبيته وماله تحت أي شعار ومسمى، سواء فرداً كان هذا القاتل أم على هيئة حكومة أو منظمة أو غيرها، فإنما ذلك من أعمال وسلوكيات الجاهلية الأولى. وحين تجد أستاذاً جامعياً أو طبيباً ماهراً أو مهندساً عليماً، يتبرك بحيوان ويعتبره إلهاً، أو يأتي من يعبد أوثاناً من دون الله، أو من ينكر وجود خالق وإله لهذا الكون أصلاً.. أفلا يدعوك ذلك المسلك لإطلاق صفة الجاهلية عليهم دون تردد؟ أليس كل هذا الخلل في المعتقد هو عميق الجاهلية؟. وحين تتسارع الخطى نحو نشر الفواحش والشذوذ وبرعاية دولية هنا وهناك، والتلاعب في الجينات وتحليل ما حرم الله، أفلا تعتبر كل تلك الأفعال مؤشرات على انتكاس عميق للبشرية، ربما تنذر بظهور "الطاعـون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا" كما في الحديث الشريف؟، أليست تلك سلوكيات وأخلاق الجاهلية الأولى، وإن كانت في عصر المدنية والتقنية؟. وحين يختل الذوق والمنطق السليم الفطري، وتبتعد البشرية عن الدين الحق، فتتغير تبعاً لتلك المفاهيم وتضيع القيم الإنسانية، قيمة بعد أخرى في ظل اجتياح المادة على الفكر والوجدان الإنساني، حتى لا تجد تراحماً ولا تعاطفاً ولا إحساناً ولا أخوة ولا غيرها من تلك القيم الفطرية، أليس ذلك دلالة على تغلغل الجاهلية في أعماق النفوس البشرية، حتى وإن كانت تلك النفوس تحمل أعلى وأرقى الشهادات والمؤهلات العلمية؟. جاهلية حقيقية عصرية دون كثير جدال، البشرية تعيش جاهلية حقيقية ربما أسوأ من جاهلية أبي لهب وأبي جهل وما قبلهما.. لأن الذي تغير واختلف الآن عن تلك الفترة، إنما بعض مظهريات وسلوكيات وتصرفات متطبعة بصور حديثة أو ما نسميها بالعصرية، وهي في حقيقتها جاهلية عمياء عميقة، تحتاج إلى ماسح عظيم ومغيّر لها كبير، كما فعل الإسلام تماماً في المرة الأولى بعد ظهوره على يد خاتم الأنبياء والمرسلين. البشرية تعيش جاهلية حقيقية بصور حديثة وعصرية، وإن غزت الفضاء وتعمقت في المحيطات وأركعت المخلوقات لمصالحها. ولك أن تنظر حولك هنا وهناك وتقارنها بما كانت عليه البشرية قبل ألف أو ألفي عام. لن تجد ذلك الفرق كبيراً، سوى أن الأولى كانت بالأبيض والأسود، واليوم بكافة الألوان، إن صح وجاز لنا التعبير. إننا نعيش الآن - كما يقول صاحب الظلال - "فترة جاهلية عمياء، غليظة الحس، حيوانية التصور، هابطة في درك البشرية إلى حضيض مهين. وندرك أنه لا طهارة ولا زكاة ولا بركة في مجتمع يحيا هذه الحياة؛ ولا يأخذ بوسائل التطهر والنظافة التي جعلها الله سبيل البشرية إلى التطهر من الرجس، والتخلص من الجاهلية الأولى؛ وأخذ بها، أول من أخذ، أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم- على طهارته ووضاءته ونظافته". الآن نعيش جاهلية ثانية وقد تتوحش أكثر فأكثر، ولا أرى خلاصاً منها سوى بالعودة إلى الوراء 1400 عام، لتبدأ البشرية من جديد في تلمس خطاها نحو حياة إنسانية حقيقية، كما بدأها سيد المرسلين، ومن سار على دربه من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
10062
| 22 سبتمبر 2022
تأمل معي الآيات التالية.. (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله. حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة. قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها). وفي آية أخرى (ووضع الكتابُ فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ووجدوا ما عملوا حاضرا ). وفي آية ثالثة (وجاء ربك والملك صفا صفا).. فماذا تلاحظ في الآيات السابقة وغيرها الكثير الكثير من الآيات المشابهة؟ ربما الملاحظة الأبرز أن الله عز وجل يتحدث في الآيات عن مشاهد وأحداث ستقع بالمستقبل ولكن الحديث بصيغة الماضي، أي كأنما تلك الأحداث والمشاهد قد وقعت وانتهت ! فلماذا لم يستخدم القرآن صيغة المستقبل عن أحداث لم تقع بعد، كأن يقول الله تعالى بدلاً من (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) ويقصد يوم القيامة، لتكون (سيأتي أمر الله فلا تستعجلوه) أليست الصيغة الثانية بالنسبة لنا أقرب للفهم والتقبل؟ نحن البشر نفهم أن أي فعل يحدث الآن مع الكلام نسميه فعلاً مضارعاً أو حاضرا. وأي فعل تم وانتهى قبل الكلام، نسميه فعلاً ماضيا، وأي فعل سيأتي في قادم الزمن، أو بعد الكلام، نسميه مستقبلاً. وحين تتأمل على سبيل المثال سورة المسد، وفيها بيان المصير النهائي لأبي لهب وزوجته وأنهما في النار، قد تستغرب كما استغرب من سمعوا بالسورة حينذاك. إذ كيف يقرر القرآن نهاية شخص لا يزال حياً هو وزوجته، بل ويقرر ويحسم نهايتهما أو مصيرهما الأخير يوم القيامة وليس بعد حين من الزمن قصير؟ الأمر قد يربك بعض الشيء مثلما قيل وحدث يومها، من أن أبا لهب كان بإمكانه نقض القرآن وأنه ليس كلام الله، وإنما من تأليف النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - عبر إعلان إسلامه ولو ظاهرياً.. لكن مع ذلك الوضوح لنهايته وزوجته، لم يسلما وماتا كافرين.. فعلم الناس أن القرآن ليس كلاماً من عند بشر. هل نحن نعيش الماضي ؟ حتى لا ينفرط خيط الموضوع منا، دعوني أرجع إلى النقطة الرئيسية لموضوع اليوم، وأقول: هل معنى هذا بعد كل ما سبق ذكره، أننا معشر الإنس والجن وبقية المخلوقات والكائنات، نعيش في الماضي؟ وأن قصة الخلق والحياة منذ البداية حتى النهاية، قد انتهت فعلاً بالتمام والكمال؟ وبالتالي حين يتحدث القرآن عن أحداث مستقبلية بصيغة الماضي، هل هو دليل على أن الحياة انتهت، وأن حياتنا الدنيا الآن أشبه بفيلم سينمائي طويل سيتوقف وينتهي بعد حين من الدهر، طال أم قصر؟ بالنسبة لنا نحن البشر، ولأن حياتنا مرتبطة بشيء اسمه الزمن، قمنا بتقسيم الزمن إلى ماض وحاضر ومستقبل. ماض نحزن على فواته، وحاضر نعيش لحظاته، ومستقبل نحمل همه. نصدّق الماضي أكثر ونتعظ ونتعلم منه، ونحاول أن نعيش الحاضر بكل تفاصيله، لكننا نتهيب أو نخاف ونشكك في المستقبل. وقد تتساءل عن سبب تخوفنا من المستقبل، الذي أجده معروفاً دون حاجة لكثير شروحات وتفصيلات. المستقبل بالنسبة لنا غيب ومجهول، والإنسان بفطرته يتوجس خيفة من المجهول. وهكذا هي الحياة الدنيا وبشكل مختصر. المستقبل عند الله ماض التقسيمات الزمنية التي في حياتنا ليست كذلك عند الخالق عز وجل. إذ حين يتحدث الله عن المستقبل بصيغة الماضي، فهو سبحانه يذكر لك الحقائق التي ستقع لا محالة، بغض النظر عن الوقت، مستقبلاً قريباً كان أم بعيدا. إن ما يذكره القرآن من وقائع وأحداث مستقبلية، هي واقعة لا ريب فيها. خذ مثالاً على المستقبل القريب في قوله تعالى ( غُلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد ). أمر مستقبلي قريب بالنسبة للذين كانوا وقت نزول الآيات تلك. وقد حدث فعلاً أن غلب الفرسُ الرومَ، ثم بعد سنوات تتغير الظروف، فيتغلب الرومُ على الفرس ويفرح المؤمنون، كما جاء في السورة. وهذا دليل على أن الله إذا قال أمراً فإنه سيكون دون أدنى ريب، وهذه حقيقة لا جدال عليها. الأمر نفسه ينطبق على المستقبل البعيد – بالنسبة لنا – كأحداث آخر الزمان ثم القيامة وما بعدها من حياة الخلود في الجنة والنار. كلها أحداث ووقائع مذكورة في القرآن بصيغة الماضي، على رغم أنها أحداث مستقبلية ستقع دون أدنى شك. ما يمكن إيجازه ها هنا، أن المستقبل بالنسبة لله عز وجل هو ماض. لأنه سبحانه لا يحكمه زمن ولا مكان. إنَّ تفرّد القرآن بذكر أحداث المستقبل ووقائعه وكأنما وقعت وانتهت، فهو سر من أسرار الإعجاز في القرآن. إذ لا أحد من الجن والإنس يقدر ويجزم لك بوقوع أمر مستقبلي بكافة تفاصيله الدقيقة سوى من له السيطرة التامة المطلقة عليه، وتلكم هي القدرة الإلهية. لب الموضوع الله عز وجل ولأن علمه يسبق كل شيء، يعلم بأمرنا منذ أن خلقنا في عالم الذر، ثم بعد أن قرر سبحانه أن يخرج من يخرج من ذلك العالم إلى الحياة الدنيا، فرأى أفعالنا كلها من لحظة الولادة حتى الممات، مروراً بعالم البرزخ، وانتهاء بمصائرنا النهائية يوم القيامة، حيث عالم الخلود، جنة أو نار. فكتب كل ذلك في لوحه المحفوظ. أسلوب القرآن في ذكر أحداث مستقبلية بصيغة الماضي، دليل على أن القرآن كلام الله. وربما أراده سبحانه بتلك الطريقة، لأن الماضي له تقدير عند الإنسان، لا يشكك فيه ولا يخشاه كالمستقبل، وخاصة إن كان هو نفسه قد عاصر وعايش أحداثه، وبالتالي يكون ذكر الأحداث المستقبلية في القرآن بصيغة الماضي، ذا أثر أبلغ وأكثر وقعاً بالنفس البشرية. وحين يذكر لك الله عز وجل أمراً سيحدث في الجنة أو النار أو يوم القيامة، فإنه سيحدث دون أدنى ريب، بل هو بمثابة وعد إلهي، ممن بيده مقاليد السماوات والأرض والسيطرة التامة المطلقة على الأمور، على أنه أمر واقع لا محالة. العبرة من كل هذا الحديث أن يكون لدى الإنسان منا يقين تام بتلك الحقيقة، لتفعل تلكم الحقيقة فعلها بالنفوس، وتدفعها للاستعداد والتزود بكل ما يؤدي لنهاية سعيدة كما يريدها الله لعباده.. فكم منا من تأمل وبحث وتدارس مستقبل البشر والكون كله كما جاء بالقرآن؟ هذا هو القصد والمغزى من دندنة هذا الخميس.. وعلى الخير نلتقي.
3309
| 15 سبتمبر 2022
العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ولأنهم ورثة الأنبياء، صارت لهم مكانة مرموقة بين الناس في كل زمان ومكان، فهل كلهم ورثة أنبياء؟. في كل الأمم والحضارات كان هنالك علماء، وأقصد ها هنا علماء دين، حيث أحبار اليهود وقساوسة النصارى وعلماء المسلمين، لكن لا أتحدث اليوم عن علماء ملل ونحل ما أنزل الله بها من سلطان، إنما عن علماء ملل الشرائع السماوية، وتحديداً علمائنا المسلمين. في عهد النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – ظهر عدد من الصحابة الكرام ممن أتاهم الله من فضله، تفرغوا للعلم أمثال أبي هريرة ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وعبدالله بن مسعود وغيرهم، كما في الحديث الصحيح: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبيّ، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح". ثم ظهر بعد ذلك أبناء الصحابة أمثال ابن عباس، حبر هذه الأمة، وعبدالله بن عمر، واستمر ظهور علماء في التابعين وتابع التابعين ممن ينطبق عليهم حديث "العلماء ورثة الأنبياء"، كالحسن البصري وسعيد بن المسيّب وغيرهما حتى اتسعت الدولة الإسلامية، وظهرت مع اتساعها وبالتوازي الخلافات السياسية، التي شعّبت الناس وفرقتهم إلى هنا هناك، ليصل التأثير إلى طبقة العلماء أيضاً، فتباينوا وتحاسدوا وتآمروا على بعضهم البعض، واختلفوا في الآراء والمذاهب والمشارب والمقاصد والطموحات.. وهكذا استمرت فئة العلماء في التمايز والتباين، حتى بدأ مصطلح علماء السلاطين في الظهور، ليبدأ الناس حينها بتمييز العالم الرباني عن الدنيوي أو ما شابه. الأزمات تكشف العلماء مثلما أن الأزمات وخاصة السياسية، تكشف مشارب ومآرب غالبية الناس في أي مجتمع، وفي أي زمان ومكان، فكذلك الأمر مع العلماء، لكن ما يميزهم أنهم في الأزمات أشبه بمنارات تهتدي بهم الناس، أو بوصلة للشعوب - أو هكذا المفترض أن يكون العالم - لا أن يكون مع الآخرين، إمّعة، إن أحسن الناس أحسن، وإن أساءوا أساء. في تاريخنا الإسلامي الممتد منذ عهد الصحابة، مروراً بالعهود المختلفة للدولة، وصولاً لواقعنا المُعاش، ظهرت نوعيات من العلماء صاروا منارات وقدوات تحكي الأجيال عنهم إلى يوم الناس هذا، السبب بكل اختصار ووضوح هو بقاؤهم على المنهج الذي جاء به النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – ودعوة صحابته ومن يأتي من بعدهم البقاء عليه. دخل أولئك العلماء الربانيون – إن جاز لنا التعبير في وصفهم – أزمات ومحناً شديدة مع الطبقة السياسية التي كانت تحكم في أزمنتهم، فخرجوا منها منتصرين نهاية الأمر، فأغلق التاريخ أبوابه على أولئك المستبدين من الحكام، لا يراهم الناس إلا ظلمة فجرة، فيما فتح أبوابه على مصاريعها لأولئك العلماء، يتأمل الناس أفعالهم وتحركاتهم التي لم تخالف أقوالهم. لقد لعب العلماء على مدار تاريخنا الطويل، دوراً في الانتصارات أو الانكسارات، فكلما كان علماء أي عهد أقرب إلى المنهج النبوي، كانت الأمة معززة منصورة، والعكس صحيح لا ريب فيه، وحين يدور حديثنا عن العلماء ودورهم المؤثر في أي انتكاسة أو انتفاضة، فلابد أن يرد اسم سلطان العلماء، العز بن عبدالسلام، الذي كان من أولئك العلماء الذين اقترنت أسماؤهم بمواقفهم لا مؤلفاتهم وتصنيفاتهم، على رغم جهده وغزارة علمه في جانب التأليف، لكن ذلك لم يكن ليشغله عن مقاومة الظلم ومواجهة الحُكام عند الخطأ، والجهاد ضد أعداء الأمة يومها من الصليبيين ومن ثم المغول. لا ننسى كذلك في سياق الحديث عن العلماء الربانيين، الإمام أحمد بن حنبل وثباته في أزمة خلق القرآن، التي ابتدعها المأمون، وثبات تلامذته ابن تيمية وابن قيم الجوزية، فقد ضرب أولئك الأفذاذ مثلاً في الثبات على الحق والدفاع عنه والدعوة إليه، رغم كل الإغراءات الدنيوية التي كانت تُقدم لهم، حتى هابتهم الدنيا بمن فيها. حين تغري الدنيا العلماء اليوم تمر الأمة بظروف وأحوال لا تختلف كثيراً عن زمن العز بن عبدالسلام، الأمة اليوم كما كانت في تلك الفترة، مبعثرة بين الشرق والغرب، ومتناحرة سياسياً، حتى وصل التناحر إلى ميدان العلماء، لترى اليوم من اصطلح على تسميتهم بعلماء السلاطين، يظهرون من جديد وبازدياد ملحوظ، وصاروا جيوشاً تدور في أفلاك الزعماء والحكام، يبيعون دينهم بدنياهم ودنيا غيرهم. قدرات هذه الفئة من "العلماء" في ضبط ورسم الفتاوى المرغوبة من الزعيم أو الحاكم، عجيبة دقيقة. فلكل فتوى ثمنها. مالاً كان أم وجاهة، أم منزلة، أم غير ذلك من أثمان!، ولهذا استغرب الشيخ محمد الغزالي من تلك النوعية من العلماء المشتغلين بالعلم الديني الذين كما قال عنهم: "قاربوا مرحلة الشيخوخة وألفوا كتباً في الفروع، وأثاروا معارك طاحنة في هذه الميادين.. ومع ذلك، فإن أحداً منهم لم يخط حرفاً ضد الصليبية أو الصهيونية أو الشيوعية.. إنّ وطأتهم شديدة على الأخطاء بين أمتهم، وبلادتهم أشدُ تجاه الأعداء الذين يبغون استباحة بيضتهم.. بأي فكر يحيا أولئك". ليت مشكلة علماء السلاطين في أنفسهم، لهان الأمر، لكن المشكلة وبسبب سياسة المنافع المتبادلة بينهم وبين السلطات الحاكمة، بعد فساد قلوب الطرفين، صار أولئك "العلماء" في ارتقاء وتقريب مستمر نحو تلك السلطات وأصحاب القرار حتى أمسى نفوذهم في ازدياد كما ثرواتهم أو دنياهم، وصلاحياتهم تتسع كذلك، وميادين الإعلام تهش وتبش لهم، حتى صار تأثيرهم على الشعوب كبيرا، على اعتبار أن السواد الأعظم من الشعوب، جاهل بكثير من أمور دينه وكذلك دنياه، فتحول بالتالي أولئك العلماء إلى ما يشبه بوصلة يتم السير على هداهم ورؤاهم!. ومن هنا تجد أعدادهم في ازدياد ملحوظ، فيما العلماء الربانيون مغيبون عن العامة، ومحظورون عن ميادين التواصل مع الناس، وحملات تشويههم مستمرة. خلاصة الحديث واقع علمائنا اليوم لا يجب أن يغرقنا في بحار اليأس، فمثلما انتشر وظهر علماء السلاطين على مدار تاريخنا إلى يوم الناس هذا، فلا شيء يمنع ظهور عشرات العز بن عبدالسلام، ومئات الحسن البصري وآلاف ابن تيمية وابن قيم الجوزية وآخرين كُثر، كانوا يصدعون بالحق لا يخافون في الله لومة لائم. إن صلاح هذه الأمة ونهضتها مقترنان بصلاح ونهضة علمائها، وهذا أمر مثبت بالتجارب.. إن سقوط البعض منهم، بغض النظر عن أعدادهم، ودخولهم أجواء السلاطين، لا يعني أنه عدوى تنتقل لآخرين، فإن أمة ظهر فيها مثل العز بن عبد السلام، وكان عاملاً مؤثراً في نجاتها من خطر وجودي تمثل في وباء المغول، قادرة على أن تنجب وتُخرج الآلاف مثله، يعيدون لها مجدها وعزتها، وإن سوء حال الأمة اليوم لا يجب أن يمنعنا من التفاؤل بغد أفضل وأجمل، لأن الله دوماً بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
1624
| 08 سبتمبر 2022
وصلني موضوع مثير وشائق بهذا العنوان عبر الواتساب، وقد تحدث كاتب الموضوع عن طرق ووسائل عديدة لدخول عالم الفساد - ليس من باب الحث عليه بالطبع - ولكن من باب السخرية وبيان كيفية ولوج الناس لهذا العالم الرديء الواسع، والكثيرة أبوابه، ونوافذه، وثغراته. وبالطبع لن تجد كيفية دخول عالم الفساد هاهنا، ولكن فرصة للحديث عنه بعض الشيء. الفساد في اللغة هو الخروج عن الاعتدال، سواء كان قليلاً أم كثيرا. وهو ضد الاستقامة. أما منظمة الشفافية العالمية، فهي تعرّف الفساد بكل اختصار على أنه إساءة استغلال للسلطة، أو الصلاحيات الممنوحة للشخص، في سبيل تحقيق مصالح شخصية على حساب المصلحة العامة. عالم الفساد هذا كبير ومتنوع، بل متشعب أو كشجرة متداخلة أطرافها وفروعها وأغصانها. وكلما تُركت شجرة الفساد دون علاج حاسم حازم، كلما تعمقت جذورها وغاصت في الأرض، فتقوى بذلك أغصانها وفروعها وتتمدد، ويقوى قبل ذلك كله، جذعها الرئيسي، فتظهر شامخة ثابتة وكأنها لا تتزعزع، فيما المجتمع الذي تتفرع فيه وتزدهر تلك الشجرة، فهو الضحية بكافة المقاييس. أي إنسان منا عنده القابلية لأن يكون فاسدا أو مصلحا مستقيما. كل إنسان بحسب فطرته، تجد في تركيبته الخير والشر، ( إنا هديناه النجدين) أي طريقين. طريق الخير والشر. وقد " استُعيرت الهداية هنا للإِلهام الذي جعله الله في الإنسان يدرك به الضار والنافع - كما قال ابن عاشور في تفسيره - وهو أصل التمدن الإنساني وأصل العلوم والهداية بدين الإسلام إلى ما فيه الفوز". معنى ذلك أن الفساد أو الدخول إلى عالمه، قرار شخصي يتخذه الإنسان بنفسه أو بتأثير من الآخرين. إلا أن القرار النهائي عند الشخص نفسه، مهما كان تأثير الغير قوياً عليه. وإن دخول هذا العالم، ليس كالخروج منه. قد يدخله الشخص بسهولة ويسر، وتكون أبوابه مشرعة مفتوحة وكأنما تهش وترحب به، مع شيوع تبريرات تبدو منطقية للشخص الراغب في عالم الفساد، بل ويقتنع بها!. لكنه بعد حين من الدهر لا يطول كثيراً، يكتشف سوء فعله، من بعد أن يستيقظ ضميره أو دافع الخير فيه، ليجد الخروج صعباً، والأبواب قليلة جداً وقد تكون مغلقة موصدة، وإن وجد باباً للخروج فسيكون مخزياً ومؤلماً في الوقت نفسه. الناس على دين ملوكهم الفساد السياسي هو أس أو أم الفساد. بسببه يظهر الفساد الاجتماعي، والتجاري، والمالي، والإداري، وغيره. ذكر الإمام البخاري أن "امرأة سألت أبا بكر- رضي الله عنه - قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم. قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال: فهم أولئك على الناس". تأثير الزعماء والحكام أو الطبقة السياسية، كبير على شعوبهم. هم بمثابة بوصلة للشعوب، وعليها تكون وجهتهم ومسيرهم. ذكر الحافظ ابن كثير في هذا المعنى عن الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعدما أرسل إليه سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - غنائم الفرس ورأى كثرتها وعظمتها، فقال: "إن قوماً أدوا هذا، لأمناء. فقال له علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إنك عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعَت". والرتع في اللغة العيش في رغد ورخاء ونعيم. وقال أيضاً رحمه الله في ترجمة الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك في كتابه التاريخي، البداية والنهاية: "قالوا كانت همة الوليد في البناء، وكان الناس كذلك، يلقى الرجلُ الرجلَ، فيقول: ماذا بنيت؟ ماذا عمّرت؟ وكانت همة أخيه سليمان في النساء، وكان الناس كذلك يلقى الرجل الرجل، فيقول: كم تزوجت؟ ماذا عندك من السراري؟ وكانت همة عمر بن عبد العزيز في قراءة القرآن وفي الصلاة والعبادة، وكان الناس كذلك، يلقى الرجل الرجل، فيقول: كم وِرْدك؟ كم تقرأ كل يوم؟ ماذا صليت البارحة؟ والناس يقولون: الناس على دين مليكهم؛ إن كان خماراً كثر الخمر، وإن كان شحيحاً حريصاً كان الناس كذلك، وإن كان جواداً كريماً شجاعاً كان الناس كذلك، وإن كان طماعاً ظلوماً غشوماً، كان الناس كذلك، وإن كان ذا دين وتقوى وبر وإحسان كان الناس كذلك. وهذا يوجد في بعض الأزمان وبعض الأشخاص والله أعلم". خلاصة الحديث مما سبق ذكره، يتضح أهمية صلاح الراعي لتصلح رعيته، فإن فساده هو إفساد لمن تحته، إلا ما رحم ربي، وقليلٌ ما هم. ولك أن تتخيل فساد صاحب القرار في أي مجتمع، أو مؤسسة، أو وزارة، أو هيئة، أو أي كيان يجتمع فيه الناس، كيف يكون الوضع. ستجد عدوى الفساد تنتقل بشكل طبيعي من الأعلى إلى الأدنى فالأدنى وهكذا. إن كان المسؤول صاحب القرار هذا، أو الوزير أو المدير، يسرق ويرتشي، فالبيئة تكون مهيأة للمساعد أن يسرق ويرتشي، وهكذا العدوى تنتقل حتى تصل إلى أدنى الدرجات. ولا يتسع المجال هاهنا لسرد كل أنواع الفساد، الذي لا يقتصر على الفساد الإداري أو المالي أو غيرهما، ففي كل نطاق تجد فساد ومفسدين بصورة وأخرى، وبدرجة واضحة أو مستترة. ولأن المسألة تهم جميع المتضررين من الفساد، فالمنطق يتطلب هاهنا من الجميع أيضاً الوقوف ضد شجرة الفساد تلك، واجتثاثها من جذورها، لأن قطع بعض الأغصان أو الفروع أو الأوراق، ليس حلاً ولا علاجا. والأمثلة حولك في هذا العالم، أكثر مما يمكن ذكرها أو حصرها.
2287
| 25 أغسطس 2022
كلما قرأت سورة الكهف، تذكرت حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف، عصم من فتنة الدجال"، ليثير تساؤلاً لا يتوقف عندي، بل ربما كثيرين غيري حول هذا المخلوق المعروف بالمسيح الدجال، وكيف هي فتنته أو كيف عظمتها وشرها إلى الدرجة التي يحذرنا منها نبينا الكريم، صلى الله عليه وسلم. ما جاء هذا التحذير النبوي منه ومن فتنته إلا لأنها أعظم فتنة تمر على البشرية إطلاقاً منذ خلق آدم عليه السلام حتى القيامة، كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة: "ما من خَلق آدمَ إلى قيام الساعة فتنة أعظمُ من فتنة المسيح الدَّجَّال"، حتى ذهب طائفة من السلف والخلف، كما يقول ابن تيمية رحمه الله، إلى وجوب الدعاء الذي أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - آخر الصلاة بقوله (إذا تشهد أحدكم، فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال). قبل التعمق بعض الشيء في موضوع المسيح الدجال، أجده مفيداً ذكر بعض قوته أو فتنته، التي تجعل الملايين تجري خلفه، حيث لن تكون في تلك الفترة عبرة أو قيمة للمستوى التعليمي أو الفكري والثقافي للذين سيتبعونه، إلا من عصمه الله يومئذ، وإن أكثر التابعين له سيكونون من النساء، كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – قال: "ينزل الدجال في هذه السبخة بمرّ قناة – واد في المدينة - فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل يرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته، فيوثقها رباطاً، مخافة أن تخرج إليه". يظهر المسيح الدجال أو مسيح الضلالة أولاً في صورة ملك من الملوك الجبابرة - كما يصفه الحافظ ابن كثير- ثم "يدعي النبوة، ثم يدعي الربوبية فيتبعه على ذلك الجهلة من بني آدم، والطغام من الرعاعٍ والعوام، ويخالفه ويَرُدُّ عليه مَن هَدَى الله من عباده الصالحين وحزب الله المتقين، يأخذ البلاد بلداً بلداً، وحصناً حصناً، وإقليماً إقليماً، ولا يبقى بلد من البلاد إلا وطئه بخيله ورجله غير مكة والمدينة، ومدة مقامه في الأرض أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيام الناس هذه، ومعدل ذلك سنة وشهران ونصف الشهر". دجال العصر ما جاء في الأحاديث إذن عن المسيح الدجال، ليس بالشيء المستغرب أو غير القابل للتصديق، حتى لو لم تكن صاحب إيمان قوي وعقيدة صحيحة، فالمنطق السائد اليوم في عصرنا هذا فيما يتعلق بمسائل التبعية في كثير من المجالات، يدعوك إلى عدم التشكيك فيما جاء عن هذا الدجال، وما سيكون عليه في زمن قادم لا نعرف توقيته، لكنه في آخر الزمان، وليس بالمهم أن نعرف أي زمان، بقدر أنه زمان قادم لا شك فيه. ما نجده اليوم في مجالات التواصل مثلاً أو مجالات السياسة والتحزب، أو ما شابه من مجالات، وكثرة الأتباع لرموز ومشاهير دون كثير وعي وتبصّر، يجعلك تؤمن إيماناً راسخاً بأن ما يحدث الآن كما لو أنه تهيئة الأرضية والأجواء لما سيكون عليه البشر في قادم الزمان. حين تجد شاباً يتبعه ملايين من البشر، ليس لشيء سوى أنه اشتهر بالغناء فقط، أو مثله لاعب رياضي اشتهر بفنه في هذا المجال، أو ممثل، أو سياسي، أو غيرهم كُثُر في مجالات متنوعة، ثم تجد الأتباع بالملايين وقد تناسى كثير منهم عقائدهم وقيمهم وأخلاقياتهم في متابعتهم لأولئك البشر.. فإنه دون شك لن يكون غريباً بعد كل هذا خروج شخص من بني آدم مثل المسيح الدجال، يتمتع بنفوذ وقوة تأثير هائلة ليس في مجال واحد فحسب، بل مجالات عديدة لم يخضها ويقدر عليها أحد من بني البشر من ذي قبل، تجعل الملايين من البشر تنجذب إليه بشكل لافت للنظر، دون أن يلتفت أحد إلى وجهه القبيح. إن الوسامة وجمال الوجه والأناقة وغيرها من مظاهر الجذب، لن تكون يومها من معايير وشروط يبحث عنها التابعون في الدجال، كما يحدث اليوم في وسائل التواصل، وإنما يحدث الانجذاب بسبب نفوذه وتأثيره على البشر حينها بصورة تجعلهم يندفعون صوبه، بلا كثير تفكير وكثير عناء.. حيث يتناسى البشر أيضاً يومها ما تبقى من عقائد وقيم وأخلاقيات، وهم في طريقهم نحوه. هي فتنة عظيمة لن نستشعر خطرها الآن، لكن التحذير من خطرها واجب، وهو ما جعل النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - يحذر أصحابه، كي يقوم الناس من بعدهم جيلاً بعد جيل، بالتحذير المستمر من هذه الفتنة المستقبلية المرتقبة. أما من سيعيش تلك الأيام، التي لن تدوم سوى 469 يوماً من أيامنا التي نعيشها، وفق الحديث، فستكون بالنسبة لهم أياماً عاصفة، لن ينجو منها إلا القليل القليل، وهم الذين سيكونون من القابضين على دينهم كالجمر. الذين سيمنحهم الله قدرة في رؤية علامة الدجال المميزة، فيرونها رؤية بصيرة قبل رؤية بصر، وهي كلمة كافر أو ك ف ر مكتوبة بين عينيه. سيقرأها أي مؤمن متعلم أو غير متعلم. لكنها تغيب عن ملايين البشر يومها والعياذ بالله. فاللهم قنا عذاب القبر وعذاب جهنم، ومن فتنة المسيح الدجال. وقبل ذلك يا رب، قنا فتنة التواصل الأعمى وفتنة فقاعات الشهرة والمشاهير، إنك سميع عليم مجيب الدعوات.
7635
| 18 أغسطس 2022
في العادة يعاني عوام المجتمعات من الأزمات التي تمر بها دولهم ومجتمعاتهم، سواء كان مصدر المعاناة هي الحكومات، أو يكون المصدر من الخارج. ولعل عدم الإحاطة الكافية بما يجري حولهم وعليهم، سبب رئيسي في تلك المعاناة. فإن العلم المتواضع، وندرة المعلومات، وعدم القدرة على فهم وتحليل الأمور المحيطة، تضع الإنسان العامي، وإن كان يحمل شهادات جامعية، في مواقف كثيرة لا تخلو من المعاناة. إن كان ذلكم هو وضع العامي، فماذا عن النخب المثقفة في المجتمعات؟ تلك الفئة المتعلمة والمطلعة، التي لديها القدرة على فهم وتحليل الأحداث والأمور المحيطة. لماذا هي الأخرى صارت تعيش أزمة، شأنها شأن العوام؟ فلا هي بالقادرة على انتشال نفسها من واقعها المتأزم، ولا هي بالتي يمكن الاعتماد عليها بالتالي في معاونة المجتمع للخروج من واقعه المتأزم؟ من خلال الأزمات التي مرت وما زالت تمر بها الأمة، تبدو النخب المثقفة التي تعيش أزمة حقيقية، كأنما فقدت بوصلتها. فلا هي مع الداخل ولا مع الخارج. بل تارة هنا، وتارات أخرى هناك، لتكون محصلة ذلك التيه في النهاية، شخصية غير واضحة يستطيع الناس التعرف بها عليها، فضلاً عن متابعتها وبناء الثقة معها. إن طرحهم بين الحين والآخر لمسائل مرتبطة بمعتقدات مجتمعاتهم وإثارة الشكوك حولها، دلالة على الأزمة التي يعيشونها. إذ بدلاً من حماية مجتمعاتهم من غريب القول والفعل، خاصة تلك القادمة من المحيط الخارجي غير المتوافقة مع معتقدات وقيم وثقافة مجتمعاتهم، تراهم أشبه بطابور خامس ينخر في جسد المجتمع. تقوى عزيمتهم وشوكتهم وتتساير مع التيار الحاكم في كل بلد، وتخفت مع خفوته أو تبديله، وهكذا هم! لقد أظهرت أزمات الأمة المتنوعة، هشاشة دور النخب بشكل عام، بل لقد ضاع دورهم القيادي المؤثر أو كما يجب في وقت الأزمات، وصارت نخبة كل دولة تتحصن في قلاعها الرسمية أو خلف الساسة، تنشد السلامة أولاً، ومن ثم تتطلع إلى رضا ولي الأمر، وإن كان يجانب الحق والصواب! الساسة والمثقفون أثبتت إذن الأزمات العديدة التي تمر بالأمة وبالتجربة العملية، مدى الدور العظيم المؤثر للساسة في توجيه المجتمعات، بدلاً من أن يكون هذا الدور بشكل أساسي ومؤثر للنخبة، المتمثلة في جموع المثقفين والمفكرين والعلماء، الذين هم عادة من يصنع ويشكّل توجهات ورؤى الشعوب، بمن فيهم الساسة والمسؤولون. لكن حين تخلت نخب المجتمعات عن دورها القيادي، رغبة فيما لدى الزعيم أو رهبة منه، ضاعت بوصلة مراكب المجتمعات العربية، فصارت تسير على هدى السياسيين تارة، أو المشتغلين بالإعلام ووسائل التواصل تارة أخرى، أو رجال أعمال وتجار، ليس لهم همّ سوى مصالحهم وأرباحهم الشخصية. ومن هنا تجد المراكب العربية تتنقل هنا وهناك، في تحركات تشوبها الكثير من التخبطات، ليس في السياسة فحسب، بل غالبية المجالات. وتلكم التخبطات لا شك بأنها لا تسر ولا تنفع كذلك. وهكذا عالمنا العربي، من أزمة إلى أخرى، ومن تيه إلى آخر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا. قيادة المجتمعات عبر التاريخ، تجد دوماً في كل أمة من الأمم، نخبة من أهلها أو فرقة أو جماعة أو سَمِّها ما شئت، تتولى مسألة النهوض بالأمة، وصياغة رؤى حضارية لها. وتقوم كذلك بالمساهمة في خطط البناء وتولي التوجيه والإرشاد، انطلاقاً من وعي تام بالمسؤولية الملقاة على عاتقها. ذلك أن ترك تلك المسؤوليات لرجال الحكم والساسة فقط، من شأنه التعثر بالبلاد والعباد في مراحل قادمة، على اعتبار أن قدراتهم ومهاراتهم تكمن تقريباً في إدارة دفة الحكم، وتكون عادة وفق رؤى سياسية أو مصالحية معينة وغالباً تكون مؤقتة. لكن النخبة، وهم كما أسلفنا، خلاصة المجتمع من مفكرين ومثقفين وعلماء في مجالات عدة، حين تشارك في تحمل مسؤولياتها وتقوم بصياغة رؤى حضارية شاملة بعيدة المدى، فإن ذلك هو التعبير المثالي للمشاركة المجتمعية المطلوبة في إدارة شؤون البلاد والعباد، كلٌ ضمن موقعه ومسؤولياته وقدراته. ولنا في تاريخ الأنبياء والمرسلين، المثل والقدوة. إشارة قرآنية في القرآن إشارة مهمة لهذا المعنى الذي ندندن حوله في قوله تعالى (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) وفيها دلالة على أن الأمة ليس مطلوبا منها جميعاً الانكباب على عمل واحد، بل التخصص والتنوع مطلوبان، وعمل كل مساهم له قيمته المضافة إلى العمل الكلي. إذ "ليس من المصلحة تمحض المسلمين كلهم لأن يكونوا غزاة أو جُنداً – كما يقول ابن عاشور في تفسيره - وأن ليس حظ القائم بواجب التعليم دون حظ الغازي في سبيل الله من حيث إن كليهما يقوم بعمل لتأييد الدين، فهذا يؤيده بتوسع سلطانه وتكثير أتباعه، والآخَرُ يؤيده بتثبيت ذلك السلطان وإعداده لأن يصدر عنه ما يضمن انتظام أمره وطول دوامه، فإن اتساع الفتوح وبسالة الأمة لا يكفيان لاستبقاء سلطانها إذا هي خلت من جماعة صالحة من العلماء والسَّاسَة وأولي الرأي المهْتمين بتدبير ذلك السلطان". مما سبق، يتبين لنا الدور المهم والمؤثر للنخبة في أي مجتمع. دور قيادي في التوجيه والإرشاد. ودور مهم في صناعة الوعي العام. ودور بنّاء في تأسيس المجتمع على أسس من الدين والأخلاق والعلم. فهل تعي النخب العربية دورها الريادي، ومسؤوليتها التاريخية في انتشال الأمة والنهوض بها، كما كانت النخب السابقة على امتداد تاريخ هذه الأمة؟ سؤال لا يعرف إجابته سوى النخب أنفسهم.
1115
| 11 أغسطس 2022
السفاهة كما عند اللغويين، هي الخفة أو الطيش والتسرع في القول والفعل، إضافة إلى الجهالة، فإن جاهل الحق أو من يتعمد الابتعاد عنه، وفق هذا التعريف، سفيه من السفهاء، وقد ذكر الجاحظ في كتابه تهذيب الأخلاق، بعض علامات السفاهة، كسرعة الغضب، والمبادرة في البطش، والإيقاع بالمؤذي، والسّرف في العقوبة، وإظهار الجزع من أدنى ضرر، والسب الفاحش. حين وصف الله عز وجل الشخص الذي يعرض أو يرغب عن ملة النبي الكريم إبراهيم - عليه السلام – بالسفاهة، فلأن هذا المُعرض أو المائل عن الحق، حمل أغلب معاني السفاهة في عمله، فإن الذي يرى الحق ثم يعرض عنه، لا شك أنه جاهل متسرع في حكمه وقراراته، بل رديء الفهم، خفيف العقل، ضعيف الرأي. أنؤمن كما آمن السفهاء؟ هكذا قال الأولون، عبارة رددها كثيرون منهم لأنبيائهم، ثم تكرر الأمر مع من جاء بعدهم من المصلحين والمجددين، بل ما زال الأمر يتكرر اليوم وغداً وإلى ما شاء الله أن تدوم هذه الحياة، روحٌ متعالية متكبرة كانت تسري فيهم، وبسبب ذلكم التعالي وذلكم التكبر، انحرف كثيرون منهم، وضلوا وأضلوا غيرهم عن سواء الصراط. المشركون عبّاد الأوثان من الحجر والشجر والدواب وغيرهم، كانت تلك طريقتهم في التعامل مع أتباع الأنبياء والمرسلين، فقد دعتهم قدراتهم المالية ومكانتهم الاجتماعية، ونفس مستبدة طاغية، واتباع الشيطان، إلى نعت أتباع الرسل والمصلحين بالأراذل والسفهاء، وما كان السفهاء حينذاك إلا هم أنفسهم وما كانوا يشعرون. مما تقدم إذن من تمهيدات، يمكننا بها تأكيد القول هاهنا أن السفاهة باختصار هي عدم استخدام العقل بحكمة، وعدم استثمار المعرفة في موضعها، مع استبداد في الرأي، ونفس مائلة مطواعة للشيطان في كثير من الأمور، وضعف في الدين ملحوظ. السفاهة مثلما كانت من صفات المشركين، فإنها كذلك صفة لصيقة بالنفاق والمنافقين. إذ إن من صفتهم - كما يقول سيد قطب في ظلاله - التطاول والتعالي على عامة الناس، ليكسبوا لأنفسهم مقاماً زائفاً في أعين الناس (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون). قطار السفهاء مثلما السفهاء على مر الزمان اعتادوا على مضايقة أنبياء الله ورسله وأتباعهم، ونعتهم بأقبح الأوصاف، واستهزائهم المتنوع بدعواتهم، فإن قطارهم ما زال يسير في سكة الضلال والإضلال، بل ويركبه كثيرون، يواصلون عمليات أسلافهم من الاستهزاء بالمصلحين والمجددين، وإطلاق أقبح الأوصاف عليهم، مع التفنن في بث الشكوك بالنفوس تجاه الدين وتعاليمه ورموزه ومقدساته، والتهوين من شأنها وإظهارها بصورة مشوهة، يريدون بذلك القول: أنها من أسباب التخلف عن المواكب الحضارية!. قد لا يكون هؤلاء السفهاء المستهزئون بالقيم والدين والأخلاق من خارج الملة كما كان سفهاء الماضي، حين كان هناك فريق حق وفريق باطل. لا، اليوم اختلط وتداخل الأمر، حيث تجدهم من الملة نفسها على شكل مفكرين، مثقفين، فنانين، وساسة، وأحياناً على شكل طلاب علم أو علماء دين، وهو ما يزيد ويعمّق في أمر تشكيك الناس في شؤون دينهم وصالح أعمالهم. يستخدمون كل الوسائل الممكنة لعمليات التشكيك والاستهزاء - أو إن صح وجاز لنا التعبير- استمرار سفاهتهم وتفاهتهم وكشفها على الملأ، وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعا!. السفاهة المعاصرة السفاهة المعاصرة صارت تنافس تلك القديمة، سفاهة اليوم ميدانها الأوسع والأشمل وسائل التواصل الاجتماعي، فإن أحببت رؤية السفاهة واقعاً متجسداً أمامك، أو أحببت رؤية نماذج من السفهاء، فما عليك سوى مشاهدة ميادين وسائل التواصل، وما يجري فيها. إن كمية المواد المنشورة في تلك الميادين، المرئية منها والمسموعة والمقروءة، تفيض سفاهة وتسطيحاً للأذواق، ما تدفع بالعقول والألباب المنخرطة والمتابعة لها، لمزيد خفة وطيش وجهالة، وهو الأمر الذي يتوجب، كخلاصة لموضوع اليوم، تصدياً مجتمعياً منهجياً له، عبر رؤى بيّنة وبدائل عاقلة نيّرة، والأخذ بالوصية القرآنية (خذ العفو وأمر بالعُرف وأعرض عن الجاهلين). ثم تتحلى كشخص مُعرّض لتفاهات السفهاء بخُلُق الأنبياء والمرسلين، أخلاقيات العفو والصفح، ولتكن تلك الأخلاقيات من أعمالك اليومية، فلا ترد على جهالة السفهاء بالمثل، فإن عدم الرد بالمستوى نفسه، قد يدعو السفيه لأن يتنبه لحاله ورداءة واقعه، فيقوم من سبات الغفلة والسفاهة، وفي الوقت ذاته يكون لك أنت المُعرض عن السفاهة والجهالة، أجر كظم الغيظ والإعراض عن الجاهلين، وما أعظمه من أجر.. فاللهم اجعلنا من (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).
1840
| 04 أغسطس 2022
مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...
4779
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...
3639
| 09 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار...
2502
| 04 مارس 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر...
1068
| 04 مارس 2026
وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...
918
| 10 مارس 2026
-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...
891
| 07 مارس 2026
عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...
750
| 09 مارس 2026
في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم...
654
| 05 مارس 2026
رسالتي هذا الأسبوع من حوار القلم إلى الرجل...
636
| 05 مارس 2026
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة...
603
| 04 مارس 2026
أقدمت إيران بعد استهداف خامنئى على توسيع نطاق...
534
| 07 مارس 2026
-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...
525
| 08 مارس 2026
مساحة إعلانية