رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس الرجل من ولد ذكرا، فإن الذكورة قسمة في الخِلقة، ولكن الرجولة مقام لا يبلغه إلا من راض نفسه على الكمال، وحمل عبء غيره قبل عبء نفسه، ووقف بين الحنان والحزم موقف الميزان، لا تميل كفته، ولا يختل ميزانه. ولأجل هذا المقام، نزل قول الله: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ”، لا ليُتخذ وسادة للغرور، ولكن ليكون سُترة في وجه الفوضى، وسندًا للمرأة، وعمادًا للأسرة. القوامة بهذا ليست تشريفا يعلق على الصدور، ولكنها تكليف يسحق القلب أحيانًا، ويستنزف المروءة، ويجعل من الرجل حارسا لا ينام، وربّانًا لا يغفل، وسندا لا ينهار. إن القوّام إذا جار، تهدّمت أركان البيت، وإن فرّط، تفرّقت السُبل بأهله، وإن غفل، صار حمله ثقيلًا لا يُعين، وظلّه طويلًا لكن لا يُستظلّ به. ليس في القوامة زينة يتبختر بها المتكلف، ولكن فيها بذل النفس، والسهر على الكفاح، وبسط الكفّ عند الشدة، وستر العورة عند الحاجة، وحمل العبء إذا جثمت الأيام على كاهل الأسرة. وما من شيءٍ يجرح هذه القِوامة إلا كان خنجرًا في قلب الكرامة، ينقص من قدر الزوج عند زوجته، فتراه في عينها صغيرًا وإن عظم، هزيلًا وإن اشتد، فهي لا تنظر إليه بعينٍ تحصي رزقه، ولكن بعينٍ ترى رجولته في قيامه، وعطفه، وحزمه، وسَعَة صدره. وقد عقب الله بعد ذكر القوامة بذلك قال الله: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ”، فكانت النفقة أحد أعمدة القوامة، وأوضح براهينها. فالنفقة ليست فضلًا، بل حقٌ واجبٌ لا يصح غيره، فهي توقيع القوامة، وختم السيادة بالرحمة، وهي لغة الرجولة التي تفهمها المرأة من غير خطاب. إن الرجل الذي يمدّ يده ليأخذ حيث وجب عليه أن يعطي، كمن نزع عن نفسه تاج القيادة، واستبدله بقلادة الذل. كما أن السمع والطاعة حقٌ للزوج، يكون تاما ما كان الزوج على الجادّة، وما دام أمره بمعروف لا يناقض شرعًا ولا يهدم إنسانية. ولكن أيّ قلبٍ يُسلم الزمام لمن لا يُقيم للبيت عمادًا؟! إن المرأة تحتاج في بيت زوجها الحنان والعطف الذي ودّعته في بيت أبيها، كما أن الرجل يحتاج إلى الاهتمام والرعاية التي ودّعها في بيت أمه. فليس الزواج موطنًا للمُطالبات، بل هو موطنُ تعويض وتدارك، يسدّ فيه كلٌّ نقص الآخر، ويُتمّ فيه كلٌّ ضعف شريكه. فلا تطالب بحقك حتى تؤدي واجبك، فإن الحقوق لا تُنال بالتشدّق، بل تُنتزع من عِرق الواجب، ومن عَرق الجبين، ومن صدق المعاملة. إن مشكلة البعض أنه لا يبصر إلا حقوقه، كمن يمشي في ظلمةٍ لا يرى فيها إلا مرآته، فيظن نفسه ضوءًا وهو غارق في العتمة. وهنا تأتي كلمات السلف كأنها النور الذي يُساق إلى العميان، أو السيف الذي يُقطع به حبل الغفلة؛ فقد قال سفيان الثوري رحمه الله: “لا يكون الرجل رجلًا حتى يُطعم ويكسي، ويصبر على الأذى، ويعفو عن الزلل”. فانظر كيف جمع سفيان في سطرٍ ما لا يجمعه كثيرون في أعمارهم: الكفّ المفتوحة، والصدر الواسع، والخلق الذي لا يضيق بالهفوة، فإن الرجولة في معناها الأعلى، عطاءٌ وسعة، لا تسلّطٌ وقسوة.
414
| 05 مايو 2025
ليست هذه الكلمة ـ وإن صدرت عن إبليس ـ من كلماته وحده، بل هي صيحة ذلك الداء القديم المتجدد في قلوب بعض البشر كلما تسربلوا بجهلهم، وتوشّحوا بغرورهم. هي صدى النفس المريضة، تردده في سرها، وتُعلنه في فعلها، وتبني عليه دينها وعقيدتها، حتى تضل وتُضل، وتهلك وتُهلك، ثم تُبعث يوم القيامة مفلسةً لا تملك من أمرها شيئًا، تُسأل فلا تهتدي إلى جواب، وتُعرض على ربها فتجد أن عمرها كله كان مشغولًا بالنظر إلى فساد غيرها، تبرّر به قبيح فعلها، وتستند إليه في ضلالها. بل إنك لو فتّشت عن طغيان النفس، فلن تجد أفتك بها من هذه الكلمة، ولا أضيعَ لدين المرء من هذا المعنى؛ فإن كثيرًا من الناس يقع فيه خفيًا أو جهرًا، بعلم أو بغير علم. ألا ما أضيع دين من جعل فساد الناس دليل صلاحه! ومن ظن أن هدايته كامنة في رؤية من هو أضل منه! كأن الجنة تُنال بعيون تتلصص على العورات، لا بقلوب تتضرع للثبات، وكأن النجاة تكون بأن يرى أقوامًا قد هلكوا، فيُسرّ هو بنجاته من مهلكهم، لا بإخلاصه في طريق نجاته. يا للعجب من هذه النفس! لا تُبصر عيبها حتى تتلمّس عيوب الناس، ولا تخشى الغرق ما دامت ترى من هو أعمق غوصًا منها في لجج المعصية. يسقط في السرقة، فلا يشعر بوخز الضمير لأن غيره سرق وقتل وزنى. يهمل أمانته، فلا يرى بأسًا، لأن سواه أشد منه تفريطًا. فلا يزال يردد في سره: «أنا خير منه»، حتى تُصبح هذه الكلمة سُلّمه إلى النار، ودرجه إلى الخسران. فما هذه الكلمة إلا هادم كل بناء للهدى، وهادم كل رقي في مدارج الصالحين، لأنها تبرر السوء وتحسن القبيح وفوق ذلك تولّد الكِبْر، وترضع العُجب، وتُربّي الغرور، حتى يصير صاحبها صنمًا من الغرور لا يشعر، وإن كان يمشي على الأرض. وتأمل حال من أقام حياته على فساد غيره، ستجد في قلبه داءً خفيًّا، يجعل عينه لا ترى الخير إلا في صورة شبح ضلال غيره، فإن لم يجده؛ صنعه من خياله، ليُرضي ضميره، ويستريح على سريره، ولو كان سريره من قشّ الغرور. فإذا ذكّرته بالله يوما، صاح: «غيري أضل»، «وفلان أفجر»، و»الناس كلهم هكذا» كأنها حجة تنفعه يوم العرض الأكبر. ووالله، ما هذا إلا جهلٌ بالدين، وغفلة، فلن يسأل العبد غدا من كان أضل منك؟ بل سيسأل: (مَاذَآ أَجَبتُمُ ٱلمُرسَلِينَ) فاحذر ـ يا ابن آدم ـ هذه الكلمة، واحذر منابتَها، فإن لها في القلب جذورًا لا تُرى، تبدأ من عُجب خفي، ثم تنمو في أرض الجهل، وتسقى بمديح الناس، وتُثمر كِبرًا لا يُقلع إلا بندم صادق، وتوبة تمحو ما كان قبلها. فلا تنظر إلى الناس لترى قدرك، بل انظر إلى الوحيين لتستبين موقعك ولا تزكّ نفسك بلسانك، فإن الله أعلم بسريرتك، وأبصر بحقيقتك، وأعدل في حكمه منك. واحذر أن تكون كما قال: «أنا خير منه»، فخرج من رحمة الله، فكان من الهالكين».
801
| 27 أبريل 2025
سألني بعد صلاة فجر الجمعة، وفي عينيه بريقُ من أراد أن يعلم:(لماذا نصلي يوم الجمعة في المساجد، فنسمع الأئمة يقرؤون سورتي السجدة والإنسان). فقلت له: هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الم تَنزِيلُ ﴾ السجدة و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾. فسأل، ولماذا هاتين السورتين تحديدًا؟ ما السر فيهما؟ فقلت: إن هاتين السورتين لا يقرؤهما الأئمة في هذا الموضع عبثًا، ولا جاءت قراءتهما في فجر الجمعة من قبيل التكرار؛ بل هما في موضعهما آيتان من هدي النبوة، وحكمة الرسالة، وقصةٌ جامعة لحياة الإنسان من مبدئها إلى منتهاها. ذلك أن السورتين – السجدة والإنسان – تسيران مع الإنسان في رحلته الكبرى: من بدء خلقه من طين مهين، إلى نفخ الروح فيه، إلى امتحانه في دار العمل والابتلاء، إلى مصيره في دار الجزاء والمآب. أولًا: بداية خلق الإنسان انظر كيف تُصوِّر سورة السجدة مبدأ الخلق تصويرًا بيانيًّا بديعًا، قال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ}. فهذه مراحل الخلق الثلاث: من الطين، ثم النطفة، ثم نفخة الروح، ثم يُتبعها بذكر ما ميّزه الله به من أدوات الإدراك، فقال سبحانه: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ}. وهي إشارة إلى أن الخلق لم يكن تامًّا إلا حين وُهبت له وسائل الهداية؛ ليُعرف بها خالقه، ويهتدي بها إلى سبيله. وفي سورة الإنسان، جاء هذا المعنى في جملة جامعة مانعة، تُظهر أن الخلق إنما هو سبيل اختبار وامتحان، قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} فالسمع والبصر ليسا للتنعم فحسب، بل ليميز الإنسان بين طريق الحق وطريق الغواية. ثانيًا: حياته واختياراته ثم تمضي السورتان إلى عرض حال الإنسان في دنياه، بين شاكرٍ وكافر، بين من خضع لله، وبين من أعرض واستكبر. في سورة السجدة، قال تعالى في وصف المؤمنين: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}. ثم يأتي في المقابل وصف الكافرين، قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ}. وفي سورة الإنسان، يُبرز الله صورة العبد الأبرّ: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}. فهذا عبد لا يُنفق انتظارًا لثناء، ولا يطعم ليُشاد به، بل يبتغي وجه ربه الأعلى، لا يسأل الناس شيئًا. ثم يصف الكافر المقابل، في قوله: {إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا}. فهُم أسرى الدنيا، غافلون عن ثقل الحساب، عميان عن عظمة المآل. ثالثًا: مصيره فإذا جاء ذكر المصير، رأيت كيف فاضت رحمة الله في التذكير: ففي سورة السجدة، جاء الجزاء للمؤمنين مُجملاً، يوحي بالعظمة والخفاء في آنٍ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فما خفيَ عن العيون، أبهى وأسعد وأدوم. ثم في سورة الإنسان، يُفصّل هذا النعيم تفصيلًا، كأن الله يكشف بعض الغطاء: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا. عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} [الإنسان: 5–6] وتمضي الآيات في ذكر لباسهم، ومُتكئهم، وشرابهم، وخدمهم، وسلام الله عليهم، حتى تكاد ترى الجنة رأي العين. وأما الكافر، فعذابه في السجدة مفصّل: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} إلى أن قال: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا}. ثم جاء في الإنسان باختصار أشبه بالإعراض عنهم: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} كأنهم لا يستحقون تفصيلًا، ولا شرحًا، بعد أن علموا فأعرضوا!. وكأن ذكر البشارات في الركعة الثانية جاءت طويلةً رحيمة، بعد إنذار الركعة الأولى؛ رحمةً بالساجد المُنيب الذي قام لربه في فجر الجمعة، ليُبشَّر من ربه وهو بين يديه، بأن له جنةً ونعيماً.
423
| 13 أبريل 2025
إن السنن التي تحكم الاجتماع الإنساني ثابتة لا يغيرها تبدل الأزمان، ولا تعاقب الدول، بل هي كالنور في امتداده، وكالماء في جريانه، لا تزيده العصور إلا تحويرًا في مظاهره، أما الجوهر فباق لا يتبدل. وإنّ من هذه السنن ما يُدركه المتبصر في أحوال البشر، فلا يجد اختلافًا بين الأمس واليوم إلا في الأشكال والعبارات، أما الحقائق، فهي كما هي، وإن تزينت بألف لباس. ومن أشدّ هذه الحقائق وضوحًا، والتي لطالما غفل عنها من ظنّ أن الحداثة قد قلبت وجه التاريخ: مسألة العصبية التي قامت عليها الدول، وتوطد بها سلطانها. فالعصبية، كما أوضح ابن خلدون، ليست محض أثرٍ من آثار البداوة، يذهب بذهابها، ولا هي من مخلفات الجاهلية التي انقضى عهدها، بل هي طبيعةٌ راسخةٌ في الاجتماع الإنساني، تنبع من فطرة الإنسان في ولائه وانتمائه، ثم تتجلى بأشكال مختلفة، فتارةً تكون عصبية النسب، وتارةً تكون عصبية المذهب، وتارةً تكون عصبية الفكرة، لكنها في جميع أحوالها تظلّ هي القوة الدافعة التي تُقيم الدول، أو تُسقطها إذا أصابها الوهن والتفرق. لقد توهّم البعض أن العصبية بظهور فجر الدول الحديثة قد زالت، وأن روابط الدم والنسب قد تلاشت تحت ظلال القوانين والدساتير، ولكن من يتأمل في عمق الأمر يدرك أن العصبية لم تندثر، بل تحولت من صورة إلى صورة، وانتقلت من القبيلة إلى الحزب، ومن العشيرة إلى المؤسسة، ومن روابط الدم إلى روابط المصالح، فصار الولاء للوطن مظهرًا جديدًا من مظاهر العصبية لقد كان ابن خلدون في نظرته إلى العصبية كمن يكشف ناموسًا من نواميس الكون، إذ رأى فيها الأساس الذي تقوم عليه السلطة، فمن لا عصبية له لا ملك له، وإن قامت له دولة فسرعان ما تنهار، كما انهارت دولٌ كثيرةٌ لمّا ضعفت عصبيتها وتشتت أهلها في المطامع والأهواء. إن الدولة لا تنهض بغير قوةٍ تحميها، وسلطانٍ يذود عنها، وهذا السلطان لا يكون إلا بوجود عصبية متماسكة، تُقيم أركانه، وتحفظ تماسكه. فكما أن القبائل في الجاهلية لم يكن لها شأنٌ إلا بزعيمٍ تسنده عصبية قومه، فكذلك الدول اليوم لا شأن لها إلا بما تمتلكه من قوةٍ تؤيد سلطانها، وتحفظ وجودها. فالجيوش التي تحمي الحدود، والأجهزة الأمنية التي تحفظ الاستقرار، والإدارات التي تشرف على تسيير شؤون الدولة، جميعها مظاهر من مظاهر العصبية الحديثة، ولكنها لم تعد تُنسب إلى الدم، بل إلى النظام والمصلحة المشتركة. والعصبية كما كانت ضرورةً في قيام الدول، فإنها إذا تحولت إلى استبدادٍ وظلم، كانت معول هدمٍ لا أداة بناء، وهنا تكون سنن التاريخ واضحةً في تحذيرها، إذ لم تسقط دولةٌ إلا بعد أن ضعفت عصبيتها، أو تحولت هذه العصبية إلى أداة قهرٍ واستئثار، حتى دبّ الضعف في مفاصلها، وتسلل الأعداء إلى ثغورها، كما أشار ابن خلدون حين قال: “الملك إذا ذهب عنه الحكم وانفرد بنفسه، ولم يكن له من يحمله على أمره، فاختلّ نظامه، وسرعان ما زال سلطانه”. ولعل من أكبر الأوهام التي وقع فيها الحالمون بعالمٍ بلا عصبية، أنهم ظنوا أن الدول تقوم بالدساتير وحدها، وأن القوانين المكتوبة ولو بحبر العدالة كافيةٌ لبناء الأمم، متناسين أن القوانين، وإن كانت عادلة، لا تستطيع فرض نفسها على الواقع ما لم تكن هناك قوةٌ تحميها، ومؤسساتٌ متماسكةٌ تفرض احترامها. فالقانون بلا سلطةٍ كالسيف بلا حامل، والعدل بلا قوةٍ لا يكون إلا وهمًا في عقول التائهيين إن العصبية كامنةٌ في كل زاويةٍ من زوايا الاجتماع الإنساني، تسري كما يسري الدم في العروق، تحكم الأفراد كما تحكم الأمم، وتظهر بأشكالٍ لا تُحصى، لكنها في جوهرها واحدة، لا تتغير بتغير الأزمان، ولا تفنى بمرور الأحقاب، بل تبقى، شاهدةً على سنن الاجتماع، لمن كان له قلبٌ يتأمل، أو عقلٌ يتدبر.
282
| 06 أبريل 2025
(وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) إنها آية تُشرق على القلب إشراق الشمس في كبد السماء، فتملؤه يقينًا، وتهديه إلى أدب العبودية، ليبصر الإنسان ضعف نفسه ويعلم أن المُلك لله وحده، يُصرِّف الأمور كيف شاء، ويمحو ويثبت وعنده أمّ الكتاب. ففي سورة الكهف تجتمع قصص تُزهر بالعبر وتَفيض بالحكمة، ومن بينها قصة هذه الآية التي نقلها أهل الرواية والتفسير، فقد كان المشركون قد اجتمعوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وأثاروا عليه أسئلتهم، يسألونه عن أهل الكهف وذي القرنين، وهو النبي الذي لا ينطق عن الهوى، لكنه بشر يوحى إليه، فوعدهم بالجواب في غده، ولم يقل: «إن شاء الله»، فكان أن مضت الأيام ولم يأت الوحي، ومضت معها لهفات السؤال والترقب، حتى أذن الله بعد ثلاثة أيام، وقيل خمسة عشر يومًا، بنزول الجواب، وكان في هذا التأخير درسُ النبوة الخالدُ، عتابٌ لطيفٌ من السماء، يُقوِّمُ الخطى، ويُعلِّم البشرية كيف يكون الأدب مع الله. وهل كان النبي صلى الله عليه وسلم إلا بشرًا يعتريه ما يعتري البشر؟ فقد نسي أن يُعلِّق أمره على مشيئة الله، كما نسي آدمُ من قبل، فنزلت الآية الكريمة تُعلِّم النبيَّ وأمَّته درسَ الأبدِ في الاستسلام للمشيئة العليا: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}، فإنما الأمر بيد الله، يُدبِّره كيف يشاء، وليس للعبد إلا أن يكون بين يدي مولاه، مُعلِّقًا أمله على إرادته وحكمته. وقد كان لهذا التأخير حكمةٌ ظاهرةٌ، وكرامةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، إذ أجاب الله سؤله، وأبان الحق للخلق، على خلاف ما كانت سنة الله في أقوامٍ كابروا وعاندوا، ثم علَّمه ربُّه بهذا الدرس أرقى مقامات الأدب مع الخالق، ورفعه إلى ذروة العبودية حيث لا قول إلا بمشيئة الله، ولا فعل إلا بإذنه. فكان في تأخير الجواب رحمةٌ وأدبٌ، وكان في نزوله نورٌ وهدى. ولقد شاء الله أن يُجري هذا العتاب على لسان الوحي كما جرى على لسان النبي من قبل في قصة سليمان عليه السلام، حين قال: «لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل واحدة غلامًا يقاتل في سبيل الله»، ولم يقل: «إن شاء الله»، فكان أن لم تحمل منهن إلا واحدة وولدت شِق غلام. فأراد الله أن يعلم أنبياءه وأولياءه أن الأمر كله إليه، وأن العبد لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا إلا أن يشاء الله. ثم يأتي بعد ذلك من البلاغة الربانية أمرٌ يُصلِح الغفلة ويُرشد الضال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}، وكأن الذكر طوق نجاة يُنتشل به القلب إذا سقط في بحر الغفلة، فما أن يذكر العبدُ ربَّه حتى يُعيده الذكرُ إلى جادَّة الصواب، ويُرجِعه إلى حضرة الافتقار والانكسار بين يدي الله. ألا فليعلم المؤمن أن العزم على الخير واجب، ولكن تعليق الأمر بمشيئة الله أوجب، فإن النفس قد تنوي الطاعة، لكنها تظل في قيد العجز ما لم ينهضها الله إليها، ولا حول للعبد ولا قوة إلا بالله. فليكنْ ذِكرُ المشيئة من الإنسان كالروح في الجسد، يسبق خطواته في كل طريق، ويَسبق كلماته قبل أن ينطق، فلا يتكئ على عزمه، بل يتكئ على حول الله وقوته. {وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا}، فهذه هي الكلمة التي يجدر بالمؤمن أن يجعلها لواءه، فهي الاعتراف الصريح بأن الهداية بيد الله وحده، وأنه لا مطمع في الرشاد إلا من طريق الله، فإذا أراد العبد أمرًا، واستقبل غدَهُ بعزم، فليرفع بصره إلى السماء وليقل: «إن شاء الله»، فبهذه الكلمة يكون في أمنٍ من العجب، وسلامةٍ من الغرور، وتوفيقٍ إلى الصواب. ذلك هو أدب العبودية الذي يرفع العبد من مراتب الاعتماد على النفس إلى مقامات التسليم لأمر الله، وذلك هو الدرس الذي نزل من فوق سبع سماوات ليعلِّم الإنسان أنه ضعيف، وأن القوة والعلم والإرادة كلها بيد الله، فتعلَّم يا عبد الله، فإن هذا هو سر النجاة.
255
| 29 مارس 2025
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ما أعجب هذا الدين! ينظر الناس إلى القشور، ويجعلون من حُطام الدنيا موازينهم، أما الإسلام، فهو ينفذ إلى الجوهر، ويزن الأمور بميزان الحق، لا بميزان المصالح والأهواء! ولقد كانت الأيام حبلى بالمواقف التي تَكشفُ النفوسَ وتُعرّيها، ويظهر فيها الصادق من المدعي، والمصلح من المتاجر بالمقدسات. وكان من هذه المواقف ما كان من سرية عبد الله بن جحش الأسدي، ابن عمة النبي ﷺ، حين اختاره رسول الله ليرأس ثمانية رجال، وأعطاه كتابًا مختومًا، وأمره ألا يفتحه إلا بعد أن يبتعد مسيرة يومين، فيا لعظمة هذا القائد الذي يُخفي خططه حتى على جنوده، حتى يكون الاحتياط في أعلى درجاته! فلما أتموا المسير يومين، فتح عبد الله الكتاب، وإذا فيه: «اذهب إلى بطن نخلة بين مكة والطائف، ولا تُكره أحدًا من أصحابك على المسير، فمن شاء أن يبقى، فليبقَ». إنه منهج الإسلام في الجهاد، لا يخرج الرجل فيه إلا طائعًا، ولا يُساق إليه كما تُساق الأنعام، لأن الجهاد عند المسلمين ليس انتهازًا ولا عدوانًا، بل هو طهارة النفوس، وسمو الأرواح، لا يكون إلا بمن طابت نيته، واستقامت سريرته. ولم يكد القوم يصلون إلى بطن نخلة حتى كان القضاء قد سبق، وضاع بعير لسعد بن أبي وقاص وعقبة بن غزوان، فتنحّيا يبحثان عنه، وبقي عبد الله ومعه ستة نفر. ثم ها هم قد أبصروا عيرًا لقريش، فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه، فاشتجروا معهم في قتال، وكانت الغلبة للمسلمين، فقتلوا عمرو بن الحضرمي، وأسروا اثنين، وفر الثالث، ثم عادوا بالغنائم والأسرى إلى المدينة. ولكن ها هنا كانت المفاجأة، فقد تبين لهم أن القتال قد وقع في أول رجب، وهو من الأشهر الحرم، فتلقف المشركون واليهود الخبر، وملأوا الدنيا صياحًا وضجيجًا، وقالوا: «كيف يزعم محمد أنه يحترم الأشهر الحرم، ثم يقاتل فيها؟!» ولم يكن النبي ﷺ يعلم بالأمر، فلما بلغه الخبر، تألم وأبى أن يمس الغنائم أو الأسرى حتى يُفصل في القضية بوحي الله. وهنا جاء اليهود بخبثهم المعتاد، وجعلوا يُمنّون قريشًا بالنصر، ويتفاءلون لها بهذا الحادث، وقالوا: «عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله... فعمرو: عُمِّرت الحرب! والحضرمي: حضرت الحرب! وواقد: وقدت الحرب!» وكأن الأمر قد انتهى! وكأن الإسلام هو البادئ بالعدوان! وكأن قريشًا لم تكن تطارد المسلمين وتؤذيهم وتصادر حقوقهم وتُشردهم من ديارهم! ولكنّ القرآن جاء بكلمته الفاصلة، فجاء الوحيُ ليقرر ميزان العدل، ويبين أن الفرق عظيم بين من اعتُدي عليه، ومن اعتدى، وبين من دافع عن نفسه، ومن سفك الدماء بغير حق، وأنه لا مجال لأن يتخذ المجرمون قدسية الزمان والمكان متراسًا يحمون به إثمهم، ويتسترون خلفه ليمارسوا طغيانهم. {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير، وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر عند الله، والفتنة أكبر من القتل}. فأي ظلمٍ أعظمُ من أن يُصدَّ الناس عن دين الله، وأن يُشرَّدوا من بيوتهم، وأن تُنتهك أعراضهم، ثم إذا انتصروا لأنفسهم في ساعةٍ من الزمن، صاروا هم المعتدين، وصار المجرمون أبرياء؟! إن الإسلام لا يظلم أحدًا، ولا يبتدئ أحدًا بقتال، ولكنه لا يسمح أبدًا بأن تُتخذ المقدسات ذريعة لحماية الباطل، وأن يُجعل الدين ستارًا تُرتكب باسمه الفظائع! ولقد كان هذا الدين من عظمته أنه جعل للفضيلة حرمةً، ولكنه لم يجعل للفجور قداسة! ومن أجل ذلك كان التحريم للغيبة، ولكنه مع ذلك قرر: «لا غيبة لفاسق»، فكيف تكون هناك حرمةٌ لمن لا يرعى الحرمات؟! إن الحق فوق كل شيء، لا يعلوه زمان، ولا يُخفيه مكان، وإن الحرب في الإسلام ليست قنطرةً إلى الأهواء، ولكنها ميزانٌ تُوزن به العدالة، فمن كان معتديًا، فليتحمل جريرة عدوانه، ومن كان مظلومًا، فلابد أن يُنتصف له. فهكذا يُقيم الإسلام الموازين، وهكذا ينطق الحق في محكم التنزيل!
543
| 26 مارس 2025
«وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ** فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ». هل تأملت كيف يبتلي الله عباده بحكمة؟ وكيف يجعل من الصبر طريقًا إلى الرحمة والفرج؟ هذا نبي الله أيوب عليه السلام، أصابه المرض فطال عليه البلاء، لكنه لم يجزع ولم يتبرم، بل رفع يديه إلى السماء بدعاء قصير يحمل كل معاني التوكل: «أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ». لم يكن في دعائه شكاية، بل كان فيه أدب العبد مع ربه، فجاءه الجواب سريعًا: «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ». يا له من كرم إلهي! شفاء بعد المرض، وعطاء بعد الحرمان، ورحمة تتجلى لمن يصبر ويحتسب. ثلاثة عشر عامًا قضاها أيوب في البلاء، ابتعد عنه الناس إلا رجلين من أصحابه، بل ظن البعض أن ما أصابه كان بسبب ذنب! لكن الله يبتلي عباده ليختبر صبرهم، ويكافئهم بعد ذلك بأعظم الجزاء. وعندما بلغ به البلاء مبلغه، أوحى الله إليه: «اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ»، فنبعت عين ماء اغتسل منها، فعاد إليه عافيته، وأكرمه الله برزق وفير. العبرة هنا ليست فقط في الشفاء، بل في الرضا والثقة بالله. فالمؤمن يرى الخير في كل حال، إن أعطاه الله شكر، وإن ابتلاه صبر، وفي الحالتين هو رابح. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ...». فكم من بلاء ظنه صاحبه شراً، فإذا هو يحمل له الخير كل الخير! وكم من محنة ظنها الإنسان ضيقاً وخسارة، فإذا هي بابٌ لرحمة الله التي لا تنقطع! فالله يُربي عباده بالابتلاء، ويمتحن قلوبهم بالصبر، ومن ثبت في الامتحان رُفع مقامه، وجازاه الله بأحسن الجزاء. والصبر ليس مجرد احتمال المصائب، بل هو مرتبة عالية من الإيمان، فيها تسليم كامل لله، وثقة مطلقة برحمته. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد ابتلي في أهله وأصحابه، وحوصر في الشعب ثلاث سنوات، وواجه الأذى من قومه، لكنه لم يتزعزع، بل كان صبره زادًا له في طريق الدعوة، حتى جاءه النصر من الله. فلنتعلم من قصة أيوب كيف يكون الصبر، وكيف يكون اليقين برحمة الله، فإن مع العسر يسراً، وبعد الشدة فرجاً، ورحمة الله وسعت كل شيء. ولا ننسَ أن البلاء مهما اشتد، فإنه لا يدوم، والليل مهما طال، فإن فجره آتٍ لا محالة، فطوبى لمن صبر واحتسب، ونال من الله أعظم الجزاء.
435
| 24 مارس 2025
الدنيا بأسرارها المكنونة وأحوالها المتضادة مسرح للناس، يتقلبون فيها بين نور وظلمة، وبين صفاء وكدر، وبين حق يزهق الباطل، وباطل يركب موج الزخرف ليخدع الأبصار. فيها الرجل الصادق الذي صدقت نيته، فوافق ظاهره باطنه، لا يبتغي غير مرضاة الله، وفيها المخادع المتملق، صاحب اللسان الذلق، الذي يُظهر خلاف ما يبطن، كأنما الدنيا خُلقت له وحده، فهو ميزان الحق في زعمه، والناس من حوله رعية أفكاره، يجمل وجهه بالكلام المنمق، ويسوق الأيمان الغليظة كأنما بضاعته الصدق، وما هو إلا ألدّ الخصام، وأعظمهم كذبًا وافتراءً! إن دعي إلى الحق أعرض عنه مستكبرًا، وإن بُصر بالصواب استنكف أن ينزل عن عناده، كأنما أخذته العزة بالإثم، لا يرده واعظ، ولا يثنيه ناصح، فهو ماضٍ في طريقه، يخرب ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، يقطع زرع الخير ويحرق سنابله، وينشر الفساد في الأرض كأنما لم يخلق إلا ليهلك الحرث والنسل!. أما المؤمن الصادق، فهو رجل باع نفسه لله، لا يستبقي منها شيئًا، قد جاد بها في سبيل مولاه، وطرح الدنيا وراء ظهره، وآثر رضا ربه على هواه، فسار على درب الفداء، لا يبالي بما يلقى في سبيله، وهؤلاء هم من أحاطتهم رحمة الله، فلم يصلوا إلى مقامهم إلا بعناية الله ورأفته، لا بكدهم واجتهادهم وحده، فهم عباد اصطفاهم الله بقدرته، ولرأفته بهم صاروا كذلك، لا لأنهم استوجبوا رأفته بأعمالهم. وهذان هما النموذجان اللذان يشكلان صلب الجماعة البشرية، وإن نزلت الآية في الأخنس بن شريق الثقفي وصهيب بن سنان الرومي، فهما عنوانان بارزان على خطين لا يزالان يتكرران في الناس. أما الأخنس، فكان رجلًا حسن المنظر، حلو المنطق، يزعم الولاء للنبي ﷺ، ويدّعي الإسلام، ثم ارتد على عقبيه، ومضى يفسد في الأرض، فمر على زرع للمسلمين فأتلفه، وعلى دوابهم فقتلها، فكان ممن يخرب ولا يبني، ويدّعي الخير وهو للشر بؤرة وسندان. وأما صهيب، فكان صورة ناصعة للمؤمن الذي جعل الله بغيته، وترك الدنيا وراءه. خرج مهاجرًا إلى الله ورسوله، فتبعه نفر من قريش يريدون منعه، فوقف لهم بسيفه وقوسه، وقال: والله لا تصلون إليَّ حتى أفني سهامي، ثم أضرب بسيفي، فإن شئتم بعد ذلك فافعلوا. فقالوا: دلنا على مالك، وخلِّ بيننا وبينك، ففعل، فلما بلغ النبي ﷺ قال له: "ربح البيع أبا يحيى! ربح البيع!". هذان صنفان من الناس: صنف غطى زيفهم لمعان القول، وزينوا وجوههم بأصباغ الخداع، وهم في الحقيقة قلوبهم أشد مرارة من الصبر، يتخذون الدين تجارة، والدنيا غاية، يُظهرون اللين، ويُبطنون الخداع. أما الصنف الآخر، فهم الذين اشتروا أنفسهم لله، وباعوا دنياهم بآخرتهم، فكانوا أعزّاء وهم فقراء، وكانوا في عين الخلق مغبونين، لكنهم في ميزان الحق رابحون، والله رؤوف بالعباد.
291
| 21 مارس 2025
ما زال الإنسان، مذ كان، مبتلى بتقلّب الأمور، تتغير عليه السنن، وتبدّل عليه الأحوال، حتى كأنما هو في بحر هائج، لا يثبت له قرار، ولا يأمن فيه السكون. وما كانت الدنيا إلا دار ابتلاء، تفتن فيها القلوب، ويميز بها الخبيث من الطيب، ومن ذلك ما أراده الله لعباده في تحويل القبلة، إذ كان لهذا التحول شأن عظيم، أظهر الله به أهل اليقين من أهل الشك، وأهل الطاعة من أهل العناد، وجعل منه فرقانًا بين من يعبد الله حقًّا، ومن يعبد عاداته وألفه. لقد كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، امتثالًا لأمر الله، وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يودّ لو أن الله يوجّهه إلى الكعبة، بيت الله الحرام، الذي رفعه إبراهيم وإسماعيل على التوحيد، فكان يتطلع إلى السماء، تضرعًا واستبشارًا، وكأنما ينتظر الفرج، حتى جاء الأمر الإلهي، وحُسمت المسألة، فكان التحول من الشام إلى الحجاز، ومن بيت المقدس إلى البيت الحرام. وهنا كانت الفتنة، وبدأت الألسنة الخبيثة تهمس همس السمّ الزعاف، تقول: «ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟» كأنما يريدون أن يلقوا في القلوب قلقًا، وفي النفوس شكًّا، فجاء الرد الإلهي قاطعًا، لا يدع لمتشكك سبيلًا، ولا لمن في قلبه مرض مخرجًا: «قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم». لقد كان في تحويل القبلة امتحان عظيم، امتحان للقلوب، وابتلاء للعقول، حتى يُنظر من يكون إيمانه ثابتًا راسخًا، لا يغيّره تبدل الأحكام. أما اليهود، وقد ركبهم الحسد، وأكلهم الغيظ، فقد رأوا في هذا التحول إعلانًا لاستقلال الأمة الإسلامية، وانفصالها عن قبلتهم التي كانوا يعدّونها ميزان الحق والباطل، فشقّ عليهم أن يروا الإسلام يخرج عن دائرتهم، وينفصل عن تراثهم، فكان لا بد لهم أن يثيروا الشبهات، وأن يحاولوا زلزلة الصفّ الإسلامي، ولكن هيهات! لقد كان في ردّ الله عليهم «وما كان الله ليضيع إيمانكم»، تثبيتًا للمؤمنين، وتطمينًا لقلوبهم، ليعلموا أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأن صلاتهم التي كانت إلى بيت المقدس محفوظة عند الله، مقبولة منه، فإنما القبول على نية الطاعة، لا على جهة المكان.
441
| 19 مارس 2025
للنفاق وجوهٌ تتعدد، وألوانٌ تتبدل، لكن جوهره واحد لا يتغير، فحقيقته التلوُّن والخداع، ومنهجه الالتواء والمراوغة، وديدنه التقلب بين الصفوف، لا يرسو على شاطئ، ولا يستقر على مبدأ. والمنافق هو الإنسان الذي باع يقينه بالوهم، وارتضى أن يكون وجهًا بوجهٍ، ولسانًا بلسان، فحياته ازدواجٌ في السلوك، وتناقضٌ في القول والعمل، وسعيٌ بين الناس بالباطل، لا إلى هؤلاء ينتمي ولا إلى هؤلاء. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ هكذا دأب المنافقين، يُحسنون القول وهم عنه أبعد الناس، يزخرفون ألفاظهم حتى يُظنّ أنهم في الصف الأول من المؤمنين، وهم في حقيقتهم أبعد ما يكونون عن الإيمان. كان عبدالله بن أبيّ سلول يُجيد فنَّ التمثيل أمام الصحابة، فيُثني على أبي بكر في مجلسه، ويذكر فضله، ويُحيي عمر بكلماتٍ عذبةٍ تُظهر المودة، ويمدح عليًا بما يُوهم السامعين أنه من المحبين له، حتى إذا انصرف عنهم، عاد إلى وجهه الحقيقي، وقال لأصحابه: «إذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت!»، فهو في مجلس المؤمنين رجلٌ من الصالحين، وفي مجلس المنافقين سيد أهل الغدر والخداع. وهكذا هي طبيعة المنافق، يُجيد التلوُّن كما تتلون الحرباء، يتخذ لكل موقف وجهًا، ولكل محفلٍ قناعًا، فإذا أُثني عليه، وظنّ أنه أحكم الخديعة، تبجّح بنفسه، ونظر إلى الناس بعين المحتال الذي يظن أن المكر ذكاء، والغدر حنكة!. ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ في الخلوة تسقط الأقنعة، وينكشف المستور، فالخداع لا يدوم إلا بقدر ما تحتمله العيون والأسماع، فإذا جنَّ الليل على المنافقين، وارتحلوا إلى زواياهم المظلمة، خلوا إلى شياطينهم يفضون إليهم بسرائرهم، وينقلبون على أعقابهم. وشياطينهم في هذا السياق هم الذين يسندون نفاقهم، ويُمدّونهم بأسباب الفتنة، وكانوا في المدينة من اليهود الذين أغرتهم فكرة تفريق صفّ المؤمنين، وإثارة الفتن بينهم، فوجدوا في المنافقين ضالّتهم، ووجد المنافقون فيهم ملاذًا يحتمون به. فإذا خلت بهم المجالس، قالوا لهم بصريح العبارة: «إنا معكم!»، أي نحن على دينكم، ونحن على عهدكم، وما نظهر من الإيمان إلا استهزاءً وسخريةً بالمؤمنين، نُداهنهم لنأخذ أسرارهم، ونمشي بينهم لنُضعف صفوفهم، ونخدعهم حتى يُحسبونا منهم!. لكن الحقيقة الغائبة عنهم أن ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ألا ما أبأس من كان الله هو المستهزئ به!، وما أشد خسارته يوم ظنَّ أنه قد بلغ المكر غايته، فإذا به ينقلب على نفسه، ويجد أن كل خدعةٍ حاكها لم تكن إلا شَرَكًا وقع فيه!. سبحانه «يمدهم في طغيانهم يعمهون»، أي يزيدهم إمعانًا في الضلال، ويفتح لهم الأبواب التي ظنوا أن فيها النجاة، فإذا دخلوا، لم يجدوا إلا الهلاك. وكأنهم في هذه الدنيا عُميٌ يتخبطون، لا يهتدون إلى طريق، ولا يدركون أن الفخ الذي نَصبوه لغيرهم، كانوا هم أول من وقع فيه!. النفاق آفة المجتمعات ومصدر البلاء وما أشدّ خطر المنافقين على المجتمعات، فهم يُوهمون الناس أنهم مع المؤمنين، ثم يكونون أول من يطعنهم في الظهر، وهم بين الصفوف نارٌ مستترة، تلتهم كل ما حولها دون أن يشعر بها أحد، حتى إذا اشتدت الريح، اشتعلت وأحرقت كل شيء! ولهذا كانت عقوبتهم عند الله أشد من عقوبة الكافرين، لأن الكافر واضح العداء، لا يختبئ وراء الكلمات المزيّفة، وأما المنافق فهو حرباء تتلون، وسيفٌ مسمومٌ يُغرَس في خاصرة الأمة، ولهذا قال الله عنهم: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» [النساء: 145] لأنهم كانوا في الدنيا في القاع من الأخلاق، فلم يكن لهم إلا القاع في العذاب، وكانوا في حياتهم مظاهرًا زائفة، فكان لابد أن يكون عقابهم أشدّ من كل من ضلّ وأضلّ.
471
| 18 مارس 2025
لقد كانت مكة نائمةً تحت ركام الجاهلية، تتنفس الظلام كما يتنفس الصبح ندى الفجر، وكان الناس فيها أموات القلوب وإن دبّت فيهم الحياة، فلما أذن الله أن تُبعث الأرض من سباتها، أرسل الملك إلى النبي في الغار فقال له: اقرأ جاءت الآية الأولى كالنور الخاطف الذي يشق الليل البهيم، "اقرأ باسم ربك الذي خلق"، فإذا القراءة لا تُطلب لذاتها، وإنما تُطلب باسم الله، وإذا العلم لا يُلتمس من عقول البشر وحدها، بل يُلتمس من نور الوحي الذي يهديها. لقد نزلت عليه الكلمة الأولى، التي لم تكن أمرًا بالعقيدة، ولا تفصيلًا للشريعة، بل كانت أمرًا بالقراءة: "اقرأ"! وماذا يقرأ وهو لم يتعلم حروف الدنيا؟ لذا لما قال له الملك: "اقرأ"، أجاب بصدق الفطرة: "ما أنا بقارئ"، إذ لم يكن حمل القلم ديدنه، ولكن الله أراد له علمًا ليس كعلم البشر، وأراد له مدادًا لا ينفد، فكان من رحمة الله أن غطّه الملك حتى بلغ منه الجهد، ثم أطلقه، فأعاد الأمر: "اقرأ"! كأنما هو نفخٌ في روحه ليبعث فيها سر الحياة الحقيقية. عاد النبي إلى بيته وهو يحمل على كتفيه أمانةً أثقل من الجبال، ترجف بوادره من هول ما لقي، احتضنته خديجة بكلماتها التي لم تكن مجرد تعزية، بل كانت شهادةً بحق رجلٍ أعده الله لحمل هذه الرسالة، فقالت: "كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق". ومن هناك، من بيتٍ صغيرٍ في مكة، ومن قلبٍ واحدٍ رجف من خشية الله، بدأ النور يشع، وبدأت الآيات تتنزل، وبدأ الكون يتغير، ليشهد هذا العصر مولد الرسالة الخالدة، التي ستملأ الأرض بعدلها، وتنير القلوب بحكمتها، وتعيد الإنسان إلى مقامه الذي خلق له: عبدًا لله، حرًا عن غيره، قارئًا في كتاب الكون، سائرًا على هدى الحق المبين. إنها ليست مجرد كلمة، بل هي مفتاحُ الكون، ومفتاحُ النفس، ومفتاحُ الحياة. إنها الكلمة التي فصلت بين عصرين، وجعلت للإنسان شأنًا جديدًا. كان الناس يقرؤون الدنيا بغير نور، فكانت أبصارهم مفتوحة وقلوبهم مطموسة، فلما قال له الملك: "اقرأ"، كان ذلك إيذانًا بأن الحياة الحقيقية تبدأ من هذه اللحظة، وأن هذا الوجود إنما يُفهم باسم الله، وأن القراءة لا تكون علمًا حتى تكون عبادة، ولا تكون معرفةً حتى تكون لله.
369
| 16 مارس 2025
{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}. تحكي آيات الله في كتابه الكريم قصة من قصص الأنبياء العظام، وهي قصة نبي الله زكريا عليه السلام وزوجه وولده يحيى عليه السلام. في هذا السياق، وصف الله سبحانه وتعالى عبادة هؤلاء الأنبياء وتقربهم إليه ودعاءهم بقولهم: «وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا.» ففي هذا الوصف، يتجلى المعنى العميق لعبادة المؤمن، حيث يظهر الرغَب الذي هو الطمع في جنة الله وفضله، ويظهر الرهَب الذي هو الخوف من عقابه وناره. وهكذا، يجسد هذا الدعاء التوازن الدقيق في قلب المؤمن الذي يسعى إلى النجاة، فيجمع بين رغبة في رحمة الله، وخوف من عذابه. إن العبادة عند أهل السنة تشتمل على أصلين عظيمين، هما: المحبة والتعظيم. فالمحبة تولّد الرجاء، والتعظيم يولّد الخوف، وهكذا فإن المحبة تدفع العبد للعمل، والخوف يمنعه من تجاوز الحدود. ولا تعارض بين الحب والخوف والرجاء، بل تتكامل هذه المعاني في عبادة المؤمن. يؤسس القرآن الكريم قاعدة عظيمة في هذا الباب، لتمثل توازنًا مطلوبًا في حياة المؤمن الذي يريد الظفر والنجاة، كما قال تعالى: «نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ». وقد حذر أهل العلم من أن الخوف والرجاء لا ينفك أحدهما عن الآخر، فخوف بلا رجاء يفضي إلى اليأس والقنوط، ورجاء بلا خوف يقود إلى الغرور والأمن الكاذب. إن السلامة في أن يتوازنا، ويعتدل الجانبان، حتى يصبحا كالجناحين للطائر الذي يطير بهما في استقامة. وعن ابن حجر في فتح الباري، في باب الرجاء مع الخوف، قال: «يستحب ألا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف، ولا في الخوف عن الرجاء، لئلا يؤدي ذلك إلى المكر في الأول، أو القنوط في الثاني، وكل منهما مذموم. والمقصود من الرجاء أن يحسن العبد ظنه بالله إذا وقع في تقصير، ويرجو أن يغفر له، كما يرجو قبول الطاعة». أما من انغمس في المعصية دون ندم أو إقلاع، فهذا في غرورٍ عظيم، كما قال أبو عثمان الجيزي: «من علامة السعادة أن تطيع الله وتخاف أن لا تُقبل طاعتك، ومن علامة الشقاء أن تعصي الله وترجو أن تنجو». إن خشية الله عز وجل، وطاعته، هما السبيل للنجاة من النار والفوز بالجنة، وهي ما ينقلب فيه الخوف إلى طاعة، والرجاء إلى غفران.
591
| 14 مارس 2025
مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...
1629
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري...
1239
| 16 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...
852
| 11 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...
828
| 13 يناير 2026
في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...
657
| 14 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...
654
| 15 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...
615
| 12 يناير 2026
في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...
564
| 15 يناير 2026
تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...
564
| 12 يناير 2026
ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس...
549
| 15 يناير 2026
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...
504
| 14 يناير 2026
شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في...
504
| 12 يناير 2026
مساحة إعلانية