رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن الحق في ذاته قاطعٌ جازم، لا يقبل المساومة ولا يحتمل التفاوض؛ لأنه تنزيلٌ من حكيمٍ حميد، لا يتجزأ ولا يُبعض. هو الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وهو النور الساطع الذي لا يخالطه غبش. فمن ابتغى غيره فقد انحدر إلى الضلال، وإن سمّاه «اعتدالًا» أو «تسامحًا» أو «عقلانية». ليست هناك «منطقة رمادية» بين الهدى والعمى، ولا جسرٌ يصل بين النور والظلمة. إنها ثنائية حاسمة: حقٌّ أو ضلال، استقامة أو انحراف، إيمان أو هوى. ومن هذا الميزان الرباني يُفهم معنى الوسطية؛ فهي ليست تلفيقًا بين المتناقضات، ولا تسوية بين شريعة الله وأهواء البشر، بل هي الثبات على الصراط المستقيم: لا غلوّ يرفع الدين فوق حدوده، ولا تفريط يُنزل به دون مراد الله. فهي العدل الذي شرعه الله، لا الذي تصوغه الأهواء أو تفرضه مقاييس الحضارات. وعليه، فليست «الوسطية» ما يراه الناس وسطًا بين الإفراط والتفريط، ولا ما ارتاحت له النفوس، أو استحسنه العُرف، أو زكّته المقاييس الوضعية تحت شعارات «العقلانية» و«التسامح». إن الوسطية في ميزان الإسلام أمرٌ أعمق وأجلّ: إنها الاستقامة على صراط الله دون ميلٍ يمنة أو يسرة. قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾. فالاستقامة هنا هي الوسطية الحقّة؛ لأنها انقيادٌ لأمر الله دون زيادة ولا نقصان، وهي المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. ليست «وسطًا» بمعنى التنازل عن بعض الحق إرضاءً للبشر، بل «وسطًا» بمعنى خيارًا وعدلًا، لا يميلون إلى غلوّ الغالين ولا إلى تفريط المفرّطين. فالوسطية إذن ثباتٌ على الحق، لا مساومة عليه. وهذه سيرة النبي ﷺ وأصحابه شاهد عدل على ذلك؛ فحين عرضت قريش على رسول الله ﷺ مساومة «وسطية»: أن يعبد آلهتهم عامًا ويعبدوا الله عامًا، كان الرد وحيًا حاسمًا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ … ثم جاء الختام الفاصل: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. إنه رفضٌ صريح للتسويات على حساب الحق، وإعلانٌ أن الإسلام لا يقبل التذويب ولا التنازل. وكذلك في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين توسّعت الفتوحات، عرض بعض قادة الفرس والروم أن يتركوا للمسلمين بعض الأرض ويكفّوا عن القتال، لكن عمر ومن معه علموا أن الدعوة لا تقوم على أنصاف الحلول، فقال قولته المشهورة: «نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العز بغيره أذلّنا الله». إن الذين يبحثون اليوم عن «حلٍّ وسط» بين الإسلام والهوى لا يريدون عدلًا، وإنما دينًا على مقاس رغباتهم؛ دينًا يُطعَّم ببعض النصوص ويُخفَّف ببعض الهوى ليُصبح «مقبولًا» عند أصحاب الشاشات والمنابر العالمية. وقد وصف الله حالهم بقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. هذه الوسطية المزعومة ليست إلا ستارًا للتفريط يُسمّى «تسامحًا»، وخذلانًا يُدعى «عقلانية»، وخيانةً تُزيَّن بعبارات «الحكمة». إن الإسلام جاء ليعلو لا ليُساوِم، جاء ليُعلن كلمة الفصل لا ليذيب الفوارق. فالتوسط بين الحق والباطل؛ باطل. والاعتدال بين المعروف والمنكر؛ منكر. والتوفيق بين الإسلام والتحلل؛ تمييع وهزيمة. إن الوسطية الحقّة هي الثبات على الوحي، والوقوف عند حدود الله لا يُزاد فيها ولا يُنقص. هي أن يكون القرآن هو المعيار، والرسول ﷺ هو الأسوة، والصراط المستقيم هو الدرب. فمن رام غير ذلك، فقد وقع في قول الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾.
504
| 31 أغسطس 2025
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ الدنيا بأسرارها المكنونة وأحوالها المتضادة مسرح للناس، يتقلبون فيها بين نور وظلمة، وبين صفاء وكدر، وبين حق يزهق الباطل، وباطل يركب موج الزخرف ليخدع الأبصار. فيها الرجل الصادق الذي صدقت نيته، فوافق ظاهره باطنه، لا يبتغي غير مرضاة الله، وفيها المخادع المتملق، صاحب اللسان الذلق، الذي يُظهر خلاف ما يبطن، كأنما الدنيا خُلقت له وحده، فهو ميزان الحق في زعمه، والناس من حوله رعية أفكاره، يجمل وجهه بالكلام المنمق، ويسوق الأيمان الغليظة كأنما بضاعته الصدق، وما هو إلا ألدّ الخصام، وأعظمهم كذبًا وافتراءً! إن دعي إلى الحق أعرض عنه مستكبرًا، وإن بُصر بالصواب استنكف أن ينزل عن عناده، كأنما أخذته العزة بالإثم، لا يرده واعظ، ولا يثنيه ناصح، فهو ماضٍ في طريقه، يخرب ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، يقطع زرع الخير ويحرق سنابله، وينشر الفساد في الأرض كأنما لم يخلق إلا ليهلك الحرث والنسل! وهؤلاء هم من قال فيهم الله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ». أما المؤمن الصادق، فهو رجل باع نفسه لله، لا يستبقي منها شيئًا، قد جاد بها في سبيل مولاه، وطرح الدنيا وراء ظهره، وآثر رضا ربه على هواه، فسار على درب الفداء، لا يبالي بما يلقى في سبيله، وهؤلاء هم من أحاطتهم رحمة الله، فلم يصلوا إلى مقامهم إلا بعناية الله ورأفته، لا بكدهم واجتهادهم وحده، فهم عباد اصطفاهم الله بقدرته، ولرأفته بهم صاروا كذلك، لا لأنهم استوجبوا رأفته بأعمالهم. وهذان هما النموذجان اللذان يشكلان صلب الجماعة البشرية، وإن نزلت الآية في الأخنس بن شريق الثقفي وصهيب بن سنان الرومي، فهما عنوانان بارزان على خطين لا يزالان يتكرران في الناس. أما الأخنس، فكان رجلًا حسن المنظر، حلو المنطق، يزعم الولاء للنبي ﷺ، ويدّعي الإسلام، ثم ارتد على عقبيه، ومضى يفسد في الأرض، فمر على زرع للمسلمين فأتلفه، وعلى دوابهم فقتلها، فكان ممن يخرب ولا يبني، ويدّعي الخير وهو للشر بؤرة وسندان. وأما صهيب، فكان صورة ناصعة للمؤمن الذي جعل الله بغيته، وترك الدنيا وراءه. خرج مهاجرًا إلى الله ورسوله، فتبعه نفر من قريش يريدون منعه، فوقف لهم بسيفه وقوسه، وقال: والله لا تصلون إليَّ حتى أفني سهامي، ثم أضرب بسيفي، فإن شئتم بعد ذلك فافعلوا. فقالوا: دلنا على مالك، وخلِّ بيننا وبينك، ففعل، فلما بلغ النبي ﷺ قال له: «ربح البيع أبا يحيى! ربح البيع!». هذان صنفان من الناس: صنف غطى زيفهم لمعان القول، وزينوا وجوههم بأصباغ الخداع، وهم في الحقيقة قلوبهم أشد مرارة من الصبر، يتخذون الدين تجارة، والدنيا غاية، يُظهرون اللين، ويُبطنون الخداع أما الصنف الآخر، فهم الذين اشتروا أنفسهم لله، وباعوا دنياهم بآخرتهم، فكانوا أعزّاء وهم فقراء، وكانوا في عين الخلق مغبونين، لكنهم في ميزان الحق رابحون، والله رؤوف بالعباد. إنها صورة مضيئة مشرقة، تمثل حقيقة التصور الإيماني، الذي لا يتعلق بشيء من عرض هذه الأرض، ولا يقف عند شهوة من شهواتها. وإنما يتجه مباشرة إلى الله، يريد وجهه وحده، ويقدم النفس والمال راضياً مرضياً في سبيل رضاه. وهذا هو النموذج الذي تستقيم عليه حياة الجماعة المسلمة، التي تبتغي إنشاء حياة إنسانية نظيفة كريمة مستقيمة، لا تفلح بغير هذا النموذج من النفوس المتجردة لله، المصلحية بالحق، التي لا تخشى في الله لومة لائم، ولا تقف عند غنيمة أو مغنم.
903
| 24 أغسطس 2025
الذي لا يعرف كيف يقرأ التاريخ، لا يعرف كيف يتحرك في الجغرافيا؛ فلكل بقعة من الأرض لسان ناطق، يحكي، وينذر، ويذكر. ومن لم يجعل من التاريخ له معراجًا للنهضة؛ سيقع في كل هاوية نجا منها السابقون. إنها الحقيقة المرة التي كررها كل عاقل: «الذين لا يقرؤون التاريخ محكوم عليهم أن يكرروه»! وهل نحن اليوم إلا في دوامة تكرار مرير؟ ها نحن نسقط في الحفر ذاتها، ونعيد الأخطاء ذاتها، لأننا نجهل ما وقع، أو نرفض أن نعتبر منه. وما من جديد في هذا العالم - كما قال أحدهم - «إلا ما نجهله من التاريخ» فكل شيء له جذوره، وكل حدث له نظير، ولكن الجهل بالتاريخ يسقط البصر، ويخدع الشعور، ويجعلنا نظن أننا في بداية الطريق، بينما نحن نعيد الدوران في الحلقة ذاتها! ستظل قراءة التاريخ واحدة من أكبر الغيابات في العقل المسلم المعاصر، ما دمنا نبحث عن المستقبل بأدوات الحاضر، وننسى أن مفاتيحه قد وضعت هناك، في صفحات التاريخ المهجورة، وفي العبر المدفونة، وفي السنن الجارية التي لا تتبدل. الأمة التي تتغنى بماضيها، وتعجز عن حمل حاضرها! تقرأ التاريخ لا لفهم السنن، بل لتحاكم من مات! تحيي خصومات دفنتها القرون! لا تنتظر سنة الاستبدال بل تستدعيها {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} إننا لا نقرأ التاريخ! وإن قرأناه، قرأناه بعين عاطفية، باكية، أو مؤدلجة، أو مجتزأة، أو محشوة بمحكمات صنعها الجهل والغفلة والتعصب. فكيف نقرأ التاريخ إذن؟ 1.من الانفعال إلى الفهم، ومن التقديس إلى الوعي: ليست قراءة التاريخ نشيدًا يُنشد، ولا مرثية تُبكى؛ إنها طريق لفهم السنن، واكتشاف موقعنا من دورة الحضارة. ولكن حين نقرأ بعين باكية، أو نفس متعصبة، يتحول التاريخ إلى عبء، لا إلى دليل. وحين نكتفي بالانفعال، نفتقد الفهم؛ فننشغل بردود الفعل، ونتغافل عن قوانين الفعل. وكما يُضللنا الانفعال؛ يضللنا التقديس. فلا تُقرأ الأحداث لأنها قديمة، ولا تُبجل الشخصيات لأنها مشهورة. إننا لا نقدس الأشخاص، بل نمحص المواقف، ونزنها بميزان السنن لا الأسماء. فنحن مأمورون أن نعتبر، لا أن نقدس. مكلفون بأن نفهم، لا أن نحاكم من مات. مأمورون بأن نأخذ الحكمة من كل وعاء، ولو جاء من مخالف، لا أن نغلق الباب على أنفسنا ونحتمي خلف تاريخ معلب. التاريخ لا يقدس… بل يفهم. ولا يقرأ للتماهي، بل للاستبصار. ولا يروى للتنازع، بل للنجاة. 2. فهم العمق… لا الانشغال بالسطح: لا يُبنى الوعي بالتاريخ من خلال تتبع الوقائع فقط، بل بفهم السنن التي تسير خلف الأحداث، وتحرك مساراتها. فلا نسأل: من انتصر؟ ومن انهزم؟ بل نسأل: لماذا انتصر هذا؟ ولماذا سقط ذاك؟ لا نسأل متى النصر ؟ بل نسأل ماذا أعددنا له؟ لا نسأل متى يأتي المنقذ ؟ بل كيف نصنعه؟ هل نهضت أمة لأن قائدًا ملهمًا ظهر فجأة؟ ! أم لأن السنن قد اكتملت، والبيئة قد تهيأت، والنفوس قد نضجت؟ هل سقطت المدن بالسيوف؟ أم لأن قيمها قد تهاوت، ومناعة أهلها قد انهارت؟ إن التفاصيل تخدعنا، أما السنن فلا تكذب. ومن يجهل سنن الله في التاريخ يُفاجأ دومًا، ويُخدع بالسطح، ويتعامل مع الحدث كاستثناء، لا كنتاج لقانون ماض في الأمم. 3.الرؤية المركبة الجامعة التاريخ ليس سلسلة معارك. إنه صورة الأمة في عقيدتها، في علمها، في اقتصادها، في أخلاقها، في إدارتها، في دعوتها. ولا تُبنى المجد بالسيف فقط، بل بالبصيرة التي تحمل السيف في الاتجاه الصحيح. 4.وعي الزمان والسياق ليس الماضي لوحة معقمة، نحاكمها بأدوات اليوم. بل لحظة بشرية، محكومة بظروفها، لا تُفهم إلا بسياقها. وليست كل أدوات الماضي تصلح للحاضر، ولا أدوات الحاضر تطبق على الماضي. ختاما: قراءة التاريخ ليست ترفًا فكريًا؛ بل فريضة نهضة، وسؤال بقاء. ولا يكفي أن نقرأ، بل يجب أن نحسن المنهج، وأن نُعمل العقل، ونستنطق العبرة، ونعرف أين نضع أقدامنا. فإما أن نبصر الطريق أو نُستبدل.
501
| 17 أغسطس 2025
دخل الغرفة متجهمًا. وقف أمام الطبيب، ومدّ ذراعه المرتجفة قائلًا: «ها هنا… الألم لا يفارقني.” تفحّص الطبيب عينيه قبل معصمه، وقال في هدوء: «هل يهمك أن تعرف السبب حقًا؟” أومأ برأسه، وقد تحولت ملامحه من القلق إلى استعطاف. هنا، تتجلى المفارقة: الإنسان يهرول ليشكو وجعه الجسدي، يُفصح عنه دون مواربة، يُقِّدم نفسه على طاولة التشريح دون تردد، لأنه يُدرك أن الألم لا يكذب. لكنه - حين يُصاب في سلوكه، حين يزلّ في رأيه، حين يخذله لسانه أو هواه - لا يعترف. يُخفي خطأه خلف ركام الأعذار، يُجمّله، يُهاجم من نبّهه، ويخاصم من واجهه بالحقيقة. فأيّنا إذًا المريض؟ ذاك الذي يشكو لينجو، أم ذاك الذي يكابر ليغرق؟ وهل الشجاعة أن نُحدّث الطبيب عن ألم الجسد، أم أن نُصغي لصوت الحق حين يُعرّينا من وهم الصواب؟ المرء حين يدرك أن الخطأ لا يُنقص من كرامته، بل يزيده وزنًا عند من يعرفون معنى الإنسانية، يكون قد خطا أولى خطوات التوازن بين عقله ونفسه. أما الذي يتمسك بخطئه، ويجعل منه جدارًا يحتمي خلفه، فهو إنما يُراكم جهلًا فوق جهل، ويُغلق على نفسه باب النور. الخطأ جزء من تكوين الإنسان، بل لعله إحدى ضروراته، لأنه بابٌ إلى التعلم، ومدخلٌ إلى النضج، ومحرّك صادق للتواضع. ولكن لا قيمة للخطأ إذا لم يعقبه اعتراف، ولا وزن للزلل إذا أنكره صاحبه ثم مشى مزهوًا بما لم يُحسن. إن أكثر الناس بعدًا عن الصواب ليسوا الجهلة، بل أولئك الذين يُحسنون تبرير الزلل، ويرَون الاعتراف هزيمة، كأن الحق معركة، وكأن الرجوع ضعف. وهنا يكمُن الكِبْر في أبشع صوره: أن تُنكر ما علمت، وتُجادل فيما بان، وتُسكت صوت ضميرك مخافة أن يُقال عنك: «لقد أخطأت.” الحق لا يُعرف بالوجوه، ولا تُحدّد قيمته بناءً على من نطق به، بل هو أرفع من الأسماء، وأبقى من الألقاب. فما أعظم المرء حين يقول عن قناعة: «كنت على غير هدى”، ثم يترك الطريق الذي سلكه، ويعود إلى الحق وإن جرّ معه خيبته. هذا هو التفوق الحقيقي: أن تنتصر على نفسك، لا أن تنتصر لها. أن تصمت حين يملي عليك الغرور أن ترد، وأن تتراجع حين يملأك العناد برغبة الاستمرار. وما أكثر ما تهوي العروش حين ترفض أن تعترف، وما أكثر ما ترتقي النفوس حين تقرّ بما بدا لها من نور الصواب. الوعي لا يصنعه التعليم وحده، بل يصنعه هذا الصدق الخالص الذي يجعل الإنسان يرى نفسه بعيونٍ خارج نفسه، ويزنها بميزان لا يُعطّل أمام الإغراء، ولا ينكسر تحت الضغط. من قال: «أخطأت”، فقد بدأ في إصلاح ما بعد الخطأ، أما من قال: «أنا لا أُخطئ”، فقد أخطأ قبل أن ينطق. جميل أن نتعلم، لكن الأجمل أن نخلع الكبر إذا بان الطريق. وجميل أن ندافع عن رأينا، لكن الأجمل أن نتخلى عنه إذا خالف الدليل. وجميل أن نُحسن الظن بأنفسنا، لكن الأجمل أن نظن أن غيرنا قد يُحسن حيث قصرنا. هذا هو النضج، وهذه هي الحكمة، وهذا هو الإيمان الذي لا تُرهقه الحقيقة، بل يخضع لها إذا ظهرت.
576
| 10 أغسطس 2025
ليست “حفلة الطلاق” زينة تعلق في صالات الفرح، ولا مجرد انفعال فردي عابر، وليست “احتفالا شخصيا” كما تروج له بعض الأصوات؛ بل هي علامة فارقة على تحول مؤلم في الثقافة الأسرية والمجتمعية. إنها زلزال صامت يهز أعماق القيم، ويشق صفوف البيوت، ويكشف عن فجوة هائلة بين مقاصد الشريعة في الميثاق الغليظ، وبين فهم معاصر اختزل الزواج في صور، والطلاق في انتصار! فما كان الطلاق يوما زينة، ولا الانفصال مسرحا، ولا الميثاق الغليظ خاتمة تزف بالأغاني والضحكات؛ بل كان في الشريعة ضرورة تكره، ودواء مرا يلجأ إليه بعد استفراغ الجهد في الإصلاح. لكن حين يسلب الزواج قدسيته، وتفرغ العلاقة من معانيها، وتبتر النصوص من سياقها، وتزين الفوضى بألوان الفرح… يكون هذا هو المشهد: ضحكات فوق ركام البيوت، وتصفيق فوق جراح الأطفال، و”حرية” مزعومة تشترى بثمن الندم المؤجل، وثقافة مشوهة تبارك الفكاك أكثر مما تبارك الثبات. فما الذي أوصلنا إلى هذا؟ وما الأسباب التي فجرت هذه الظاهرة؟ فلنبدأ من الجذور… الأسباب العميقة لظاهرة حفلات الطلاق: 1. فهم ساذج للزواج الزواج عند كثيرين لم يعد مشروعا للسكينة والبناء، بل تحول إلى “تجربة” ذات طابع عاطفي سطحي. بعض النساء ترى الزواج “رواية حب خالدة” لا تعب فيها ولا مسؤوليات، وبعض الرجال يراه ساحة للهيمنة، دون اعتبار لمفهوم المشاركة أو مراعاة الطبائع. وحين تصطدم هذه التوقعات الحالمة بصخرة الواقع، تصاب العلاقة بالانهيار؛ لا لأن الطرفين أشرار، بل لأن الفهم كان ساذجا، والمقدمات هشة. قال رسول الله ﷺ: «الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» [رواه مسلم]. فالمتاع لا يعني الترف المؤقت، بل الشراكة الهادفة التي تتطلب صبرا وفهما. 2. فهم مشوه للطلاق الطلاق دواء شرعه الله حين تتعذر الحياة، لا حين تتعكر فقط. لكن في التصور المعاصر، صار الطلاق “تحررا”، و”بداية جديدة”، و”فرصة لإعادة اكتشاف الذات”، كما يروج في القصص المستوردة والمقاطع المؤثرة. وقد حذر النبي ﷺ من الطلاق بلا سبب، فقال: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس، فحرام عليها رائحة الجنة». والأسوأ من الطلاق: أن يحول إلى عرض احتفالي، وصرخة نشوة، بدلا من أن يكون لحظة تأمل ومسؤولية. 3. القوامة والتمرد حين تغتال القوامة على يد رجل ظالم، أو ترفض على يد امرأة متمردة، تنهار معاني السكن والرحمة. فالقوامة ليست تسلطا، ولا الطاعة إذلالا، بل توازن شرعي دقيق. قال تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ لكن حين يفهم النص بمعزل عن روح الشراكة، ترى الرجل يتجبر، وتسمع المرأة تقول: “لن أقاد”، وتتحول العلاقة إلى مواجهة لا مودة. 4. غياب الدفء والحوار البيوت لا تنهار فجأة، إنها تبرد أولا. تبرد حين يسكت الطرفان عن التعبير، ويغيب الحديث الحميم، وتستبدل الكلمات الدافئة بالصمت أو الصراخ. إن من أعظم أسباب الألفة: دوام المراسلة والحديث؛ فإن النفوس مجبولة على من يأنس بها ويحادثها. فالحوار ليس ترفا؛ بل صمام أمان. وإذا جف الحوار، ماتت العلاقة وإن بقيت تحت سقف واحد. 5. شعارات زائفة بين امرأة تقول: “أنا قوية”، “مستقلة”، ورجل يقول: “ما أحتاج أحدا”، و”كلمتي لا تناقش”، تنتشر شعارات غير متزنة تملأ الفضاء، وتشحن بها العقول، لكنها تهدم بيوتا، وتفتت أسرا. ففي كل علاقة ناجحة، قدر من الضعف، وقبول بالاحتياج، وتنازل للود. أما الكبرياء الدائم، فهو طريق مسدود. 6. فوضى الحقوق والواجبات استيراد مفاهيم مشوهة من بيئات متفككة، وتغليفها بثوب “الوعي”، أفسد توازن العلاقة. المرأة تطالب بمساواة لا حدود لها، والرجل يتشبث بالقوامة مع إهمال المسؤوليات. والحل أن نعود إلى أصل الشريعة: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة﴾ درجة تكليف وعدل، لا قهر واستعلاء. 7. غياب الناصح الأمين حين يغيب العلماء، ويستبدلون بمؤثرين ومشاهير، تصبح الكلمة الفاصلة في قرار الطلاق تغريدة، أو مقطعا دراميا، لا فتوى ولا نصيحة حكيمة. قال تعالى: ﴿فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾ فأين هؤلاء “الحكماء” اليوم؟ بل أين من يصغي إليهم أصلا؟ 8. المادية القاتلة حين تصبح العلاقة حسابا ماليا، تتساقط فيها معاني المودة، وتتحول النفقة إلى من، والهدايا إلى استثمار، والبيت إلى صفقة! وتغيب المودة التي هي أصل الزواج: ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ ما قال: “صفقة ومقابلا”. المودة لا تشترى، بل تبنى يوما بعد يوم. 9. ضغط الإعلام والمنصات الإعلام المعاصر يصنع من كل طلاق “قصة نجاح”، ويعرضه على أنه تحرر من القيود، وتحقق للذات؛ فيختزل الألم، وتخفى الدموع، ويعرض الوجه اللامع فقط. والخطر حين تصبح هذه الروايات مصدر إلهام، فتتخذها الشابة قدوة، ويتخذها الشاب مخرجا وهميا من مشكلاته. نعم، قد يكون الطلاق مغنما. لكنه استثناء، لا قاعدة. 10. اجتزاء النصوص الشرعية من أكثر ما يستخدم في تبرير الطلاق الآية: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته﴾ لكنها ليست رخصة للتمرد، بل وعد بعد عناء. قال ابن عاشور: “الغنى المذكور في الآية ليس دعوة للفراق، بل تسلية لمن اضطر إليه بعد استنفاد الوسائل”. فمن يستدل بها على طلاقه المتهور، يسيء فهم الوحي، ويستخدم النور ليبرر به الهروب. خاتمة: إن حفلات الطلاق ليست سوى العرض الخارجي لمرض داخلي عميق؛ تشوهت فيه المفاهيم، واهتزت القيم، وتقدم الزيف على الصدق، والفرح المصطنع على التأمل العميق. ليس كل طلاق خطأ، وليس كل زواج نعيما. لكن الهروب من الألم لا يكون بالتزييف، ولا يعالج الفشل بالضجيج. الأسرة ميثاق، لا مناسبة، والفكاك حين يقع، ينبغي أن يلف بالحكمة، لا أن يزف بالأهازيج. فلنعد النظر في مفاهيمنا قبل أن نشيع مزيدا من البيوت، ونبني من بقاياها مسارح عبث لا ينتهي.
867
| 03 أغسطس 2025
التاريخ ليس كتابًا مفتوحًا فحسب، بل هو واد كثير الشعاب، متشابكة طرقه، محفوفٌ بالمزالق والمصائد. من دخله بلا بصيرة، خرج منه مثقَلًا بالأوهام لا بالحكمة، وبالحنين لا بالبصيرة! ليس كلّ من قرأ التاريخ وعاه، ولا كلّ من وعاه فقهه، ولا كلّ من فقهه نجا من مصائده. ومن مصائد التاريخ الكبرى: 1. الانبهار بالحوادث لا بالسنن ينشغل الناس غالبًا بـ(ماذا حدث؟) ولا يسألون: (لماذا حدث؟) ولا (كيف يمكن أن يحدث مرة أخرى) فينبهرون بانتصار القادسية، ولا يدرسون كيف صيغت النفوس قبلها! يتغنون بفتح الأندلس، ولا يتأملون كيف فتحت، ولا كيف ضاعت! يحيون ذكرى صلاح الدين، ولا يدرسون كيف انتصر بالأسباب قبل أن ينتصر في الميدان. الحوادث دون سنن؛ تُصبح طقوسًا للتمجيد، لا دروسًا للنجاة. 2. تقديس الرموز دون تفكيك التجربة من أخطر مصائد التاريخ أن نُجمّد العظماء في صور، ونحني لهم الرقاب، دون أن نحني العقول لتتعلّم من صنيعهم. فنحوّل القادة إلى أصنام عاطفية، بدلاً من أن نصنع من تجربتهم منهاجًا للنهضة! حينها يصبح التاريخ متحفا للتمجيد لا مختبرا للفهم، نمشي وراء الظلال، ونترك النور. إن صلاح الدين لم يكن بطلًا لأن التاريخ قال ذلك؛بل لأنه صاغ أمةً قبل أن يفتح قلعة. 3. القياس السطحي بين العصور من أكبر أخطاء العقل المعطوب، أن يتخيّل أنّ أمراض اليوم لا تعالج إلا بوصفات الماضي! دون فقهٍ للمتغيّرات. أن يظنّ أنّ ما نفع في زمنٍ مضى، ينفع بالضرورة في زماننا، ولو تغيّرت البيئة، والعلّة، والجسد، وطبيعة التهديد! نستدعي حلول القرون الفائتة لنعالج بها تعقيدات الدولة الحديثة دون فهم للمتغيرات، ونقيس حاضرنا على لحظة راشدة بغير أدواتها ولا رجالها ولا شروطها. فنقع في عبث المقارنة، وسذاجة القياس، وضياع البوصلة. فلا نحن استفدنا من حكمة الماضي، ولا اجتهدنا لبناء الحاضر. بل بقينا أسرى زمنين: نردّد أمجاد الأول ترديد الغافلين، بلا وعي بشروطه ولا فهم لسياقه، ونخاصم الحاضر خصام العاجز، الذي لا يملك أدوات قراءته ولا جرأة إصلاحه! نُسجّل إعجابنا بالماضي في مجالس التفاخر، ونُعلن عجزنا عن التعامل مع الحاضر في ساحات البناء! فصرنا نُحني رؤوسنا لتاريخٍ لا نفهمه، ونرفع أصواتنا ضد واقع لا نملك له أدوات المواجهة! 4. الماضي كملجأ للهروب لا مرآة للمحاسبة أحيانًا يتحوّل التاريخ إلى وسادة للنوم، لا منارة للصحوة. نرجع إليه لا لنفهم، بل لنهرب. نتفاخر بالأمجاد ونحن في الحضيض، ونتلو قصائد النصر ونحن نُهزم في كل ميدان. فنصير كمن يُغني فوق الرماد، ويحسب الحكايات بعثًا جديدا! هذا الهروب لا يُنتج وعيًا، بل يُكرّس العجز. 5. غياب القراءة الإيجابية للتاريخ وهذه من أعمق المصائد التي لم يسلم منها حتى بعض العقلاء أن تُختزل قراءة التاريخ في الصراع، وتُلوّن بالرأي، وتُحوّل إلى محاكمة لا مدارسة! فلا ننتفع من خبرات الآخر، ولا ندرس تجارب الإصلاح، إلا إذا طابقتنا في فهم العقيدة، أو وافقتنا في الفكر! فندفن مدرسة إصلاحية كاملة، لأن صاحبها خالفنا في مسألة فقهية، أو تأوّل آيةً بغير فهمنا! نقصي عالمًا ربّانيًا لأنه خالفنا في موقف، أو لأنه اجتهد حيث توقّفنا! وهذا خطرٌ مزدوج: •فكرٌ يُعادي سنن الله حين يُقيّدها بالموافقة الحزبية •وعقلٌ يُضيّع ثروة الأمة حين يُقصي أدوات الإصلاح إن جاءت من خارج “الإطار المألوف”. والأصل أن التاريخ يُقرأ لاختبار أدوات الفاعلية، واستخلاص سنن التغيير، لا لمطابقة الأهواء! فنأخذ من كل تجربة أدواتها الناجعة، ونضيف إليها من معارف عصرنا، ونطرح منها ما بلي وتقادم. وذلك هو الفقه الحقيقي، أن نُحيي السنن وإن جاءت من خصم، وأن نُميت البدع وإن جاءت من حبيب! وختاما: ليست الكارثة في أن نُخطئ، بل في أن نُكرر ذات الخطأ باسم التاريخ! أن نُعيد السقوط ونحن نظن أننا نُعيد المجد. أن نسقط في ذات الهاوية، ونحن نظن أننا نمشي على طريق الفاتحين. ما التاريخ إلا صوت السنن، ينادي من وراء القرون: افهموني… قبل أن تكتبوا عني!!
222
| 27 يوليو 2025
للشاعر المتنبي أبياتٌ خرجت من الحكمة، وسارت في قافلة الزمن كأنها آياتُ تجربة عاشها الإنسان مرارا، وسقط في فخّها مرارا! ومن أبلغها، قوله: وَوَضْعُ النَّدى في موضِعِ السَّيفِ بالعُلا مُضِرٌّ، كوضعِ السَّيفِ في موضعِ النّدى ليست هذه الأبيات من زخرف القول، ولا من ترفِ الأدب؛ بل هي قانون من قوانين الوجود الإنساني، تتكرّر في كل بيت، وتنبض في كل علاقة، وتعيد نفسها مع كل طيب يُؤذى، وحليم يهان، وكريم يطعن. أبيات تعيد ترتيب القيم في مواضعها، وتوقظ الغافلين عن الفرق بين فضيلة الطيبة ورذيلة التفريط باسم الطيبة! بين الحلم الواعي والضعف المتنكر في ثياب الكرم! الطيبة في ذاتها فضيلة، لكنها تصبح خيانة للنبل إذا نزلت منزلة الذل، وسُكِت عنها حين يعلو صوت الباطل أو ترجمت إلى صمت في حضرة الإهانة. إن الطيب الحقيقي لا يفرّ من المواجهة، بل يؤجّلها حتى يستوفي الصبر حقّه، فإن باء الصبر بالفشل، نطق بما يجب أن يُقال، وفعل ما ينبغي أن يفعل؛ ذلك أن الكرم إذا نُثر في غير موضعه، أنبت شوكًا لا وردًا، والصفح إذا صُبّ على من لا يتأدّب؛ زاد في طغيانه، والصمت إذا أُهدي لمن يتغذى على الإهانة؛ ضاعف سُمّه. إننا حين نُخفي الحزم خلف الكرم، ونخنق الغضب المشروع باسم اللين، نُربّي في الطرف الآخر صورةً مشوّهة للحق، نُوهمه أن الطيب لا يغضب، ولا يرد، ولا يضع حدودًا، وأن ابتسامته تصريحٌ للعبث، وكرمه إذنٌ للتطاول. وهنا يبدأ الظلم في صورته الأخطر: ظلم النفس باسم الأخلاق! والحق أن الله ما شرع الصبر ليُهان العبد، ولا الكرم ليُستهان بالمروءة، ولا الحلم ليكون حصان طروادة تتسلل منه الإهانات على مهل. الطيبة لا تعني أن تصبح مضغة في أفواه المستهزئين، ولا أن يُغرز المزاح السوقي في شخصيتك كالسكاكين. فليست المحبة أن تُلغى الحدود، ولا الأخوّة أن تُسحق الكرامة، ولا الدعابة أن تُستباح النفس الكريمة باسم: (نمزح فقط)!! إن الطيب الذي لا يعرف متى يغضب، ليس طيبًا، بل غافل. والكريم الذي لا يعرف متى يمنع، ليس كريمًا، بل مفرّط. والصامت في وجه من يطعن، ليس حكيمًا، بل مستسلم. والمتسامح الدائم مع من لا يستحق، خائن لقيمة التسامح ذاتها. وإذا ظنّ الظانون أن الصمت ضعف، واللين ذل، والكرم تنازل، فإنهم لم يختبروا بعد وجه الطيب حين يثور، ولا صوت الحليم حين يغضب، ولا برق الكرامة إذا لمع. إن السيف لا يُعيبه غمده؛ لكنه لا يُغمد إذا طُعنت الكرامة. النفوس النبيلة بالفطرة تعرف أن الحياة لا تُدار بالعاطفة وحدها، بل بالبصيرة. وأن الصبر لا يعني الهوان وأن الصفح لا يعني التسليم وأن الابتسامة لا تعني الإذعان وأن من عرف موضع السيف والندى، فقد عرف رجولته، ووزن مروءته، وأقام ميزان الحق مع الخلق. فإياك أن تُخطئ موضع الكلمة؛ فإنك إن وضعت الندى في غير أرضه، أنبت شوكًا في قلبك وإن وضعت السيف في غير مقامه، قطعت ما كان يجب أن يُروى. فما بين الندى والسيف؛ تُختبر الرجولة، وتُعرف النفوس، وتُوزن المواقف، وتُبنى الأمم.
192
| 21 يوليو 2025
كلمةٌ لو وُزِنت بثقل الأرض بيانًا، لرجحتها حكمةً وسكينةً ومهابة، لم تكن تلك الكلمة مشهدًا عابرًا في سيرة المصطفى ﷺ، بل كانت درسًا نُقِش في الأرض لأهل الرسالة، ليُعلّمهم كيف يقفون على باب العقول، لا ليكسروها، بل ليطرقوها بلُطف النبوة، وهدوء اليقين، وصبر الواعين. جلس أبو الوليد عُتْبة بن ربيعة – السياسيّ العريق، والبلاغيّ الفصيح – أمام النبي ﷺ، لا ليُحاور، بل ليُساوم. أراد أن يشتري الصمت بالنفوذ، وأن يُسكت الوحي بالعرض المغري، وأن يبدّل الرسالة بعرشٍ على الرمال! جلس بنفَس السياسة، وحنكة البيان، وخبرة المفاوضات، لكنّه لم يكن يعلم أنه يجلس بين يدي من أوتي جوامع الكلم، وأوتي معها سكينة الجبل حين تُزمجر العاصفة. قال عتبة ما شاء، ومضى كما أراد، ونثر على الطاولة كل أوراق الصفقات: مالٌ، ومُلك، ونساء، وجاه، وسلطان. لكنّ محمداً ﷺ، ما نطق، ولا اعترض، بل تركه حتى أفرغ كلّ ما في جُعبته. ثم التفت إليه، بكل السكينة التي يورثها الإيمان، وبكل الهيبة التي يصوغها اليقين، وقال: «أفرغتَ يا أبا الوليد؟» فيا من تظن أن الحق لا يُقال إلا بصوتك، تأمّل سكون النبوة في حضرة الباطل! تأمل تلك الكلمة فإنها ليست مجرّد عبارة، بل هي ميزانُ عقول، ودرسُ حياة، ومنهجُ دعوة. لقد أبانت لنا هذه الكلمة أن الاستماع ليس ضعفًا، بل حُكمٌ من فوق، وأن الحوار لا يُختطف بالصراخ، بل يُبنى على توقير العقل، واحترام الوقت، وإعطاء الفرصة لكل فكرة أن تخرج، حتى تُرى على حقيقتها، ويُكشف غُثاؤها من ذهبها. من لا يُمهّد لسماع خصمه، لا يُمكن أن يُقيم عليه حجة. ومن لا يصبر على كلام الآخر، لا يملك قلبًا يَسعُه، ولا عقلًا يُقنعه، ولا نفسًا تُحاوره. الاختلاف في الإسلام ليس لعنة، بل سنة كونية (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُم) لكنّ الفتنة تنشأ حين لا يُحسن الناس أدبَه. حين لا يصبرون حتى «يفرغ» من يُحدّثهم، ولا يُمهلونه حتى يُتمّ حجّته، ولا يُنصتون إليه إلا ليسقطوه، لا ليفهموه. حينها تصير الكلمات رصاصًا، والمواقف سكاكين، وتُختزل الدعوة إلى تصنيفٍ وتبديعٍ وتكفيرٍ، وتضيق الأرض بمَن فيها. ولذلك، فإنّ أولى خطوات النجاة من فتنة الاختلاف هي في أدب الاختلاف، لا في كتمه. وإنّ من رحمة الله بالأمة أن جعل في سيرة نبيها ﷺ هذا الموقف العظيم، ليكون ميزانًا لا يزيغ، وأصلًا لا ينقض. فيا من تمسك بزمام الحجة، لا تمضِ فيها بعجلة، بل قف، وقل لصاحبك: «أفرغت؟»، ثم أنصت له، واعلم أن من لم يُحسن الإصغاء، لم يُحسن البيان، ومن لم يُتقن السكوت، لم يُجِد الدعوة. «أفرغتَ يا أبا الوليد؟» جملةٌ تختصر الدعوة، وتختبر الأخلاق، وتُفرز من يصلح للبناء، ومن يصلح للهدم. فليتنا نُعيدها لا جُملةً في الألسنة، بل خلقًا في القلوب، وليتنا نُعلّم أبناءنا كيف يُنصتون، قبل أن يُحسنوا الرد، وليصبح اختلافنا ميزة، لا مِعولًا للهدم. ولنُوقن، كما أيقن محمدٌ ﷺ، أن الحقّ لا يُخاف عليه من حوار، وأن الباطل لا ينجو من سكوت، وأن النور يعلو، وإن صمت. فهل نقدر – في زمن الضجيج – أن نقول:»أفرغتَ يا أبا الوليد؟» ثم نُعلّم الناس كيف يختلفون؟ وكيف يتناصحون؟ وكيف يُحاورون دون أن يهدموا الجسور؟
669
| 13 يوليو 2025
آية تواجه انحراف الإنسان، وتكشف ستار الوهم الذي يغطيه الكذب والافتراء، وتفضح أولئك الذين بدل أن يُسلموا ويشكروا، جعلوا من التكذيب بابًا للرزق، ومن الجحود مطيةً للعيش. هي ليست جملة عابرة، بل هي صفعة علوية لأولئك الذين يجعلون من الكذب صناعة، ومن الافتراء تجارة، ومن الباطل طريقًا إلى القوت والشهرة، ممن امتلأ بهم هذا العصر الذي خفت فيه صوت الوحي، وارتفع فيه نعيق المزيفين! يخرج أحدهم على الناس، فيكذب على الله ورسوله، يتقوّل على الدين، يهوّن من الوحي، ويسخر من الصلاة، ويصف المؤمنين بأنهم أسرى التراث، ويحسب أن الكلمة تُقال بلا حساب، وأن الضحك المأجور يُغني عن عذاب الآخرة. ثم يأتي من يعتذر له: إنه يبحث عن رزق! وكأن الرزق لا يُنال إلا بالتطاول على الحق! وكأن الكذب صار طريقًا شرعيًّا إلى القوت! وهنا تتجلّى خطورة الكلمة. فالكلمة ليست مجرد لفظ، بل قنبلة تُلقى في قلوب الناس، إما أن تفتحها للنور، أو تُقفلها في الظلمات. والكلمة، كما قد تهدي، فإنها قد تضلّ، وقد تهوي بصاحبها في النار سبعين خريفا: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا، يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» وهكذا يكون التكذيب بالوحي بابًا للرزق عند التافهين، الممسوخين، الذين حوّلوا الكلمة من أمانةٍ إلى بضاعة، ومن دعوة إلى سلعة، ومن نورٍ إلى وسيلة للظهور! ثم يأتي القرآن فيكشف ذلك الوجه البشع للإنسان حين يُبدّل الفطرة، ويُحرف اللسان، ويجعل من النعمة كفرًا بها، ومن الرزق سبيلاً إلى النكران، والأمر لا يقتصر على هؤلاء الذين ينكرون نعمة الغيث أو يُرجعونها إلى النجوم، بل إن الآية تتسع لتشمل صنفًا جديدًا في هذا الزمان، صنفًا لبس عباءة الشهرة، وركب موجة الإعلام، وسوّق للرذيلة تحت لافتة “الترفيه”، وجعل الكذب سلّمًا للانتشار، وجعل من الفضائح تجارةً تدرّ الأرباح! هؤلاء الذين يُسمّون اليوم “مشاهير”، وما هم في حقيقتهم إلا أبواق الكذب الحديث، يُنفقونه كما تُنفق النقود، ويعيشون على فتات الخداع، ويصطنعون المواقف والقصص لجذب الأنظار، وجمع المتابعين، ورفع الأرقام. يختلق أحدهم مشهدًا تافهًا: طلاق، خيانة، شتيمة، دموع، عراك، تمثيل مفضوح! ثم ينشره على الناس وكأنه “واقع” يُبكى له! وهو في قلبه يعلم أنه كذبٌ محض، وتمثيلٌ وضيع، لكنّه يدرّ المال، ويكسب الجمهور. وربما يُخرجون مقاطع فيها “تمثيل للرذيلة”: انكشاف أخلاقي، ميوعة في الكلام، إيحاءات فاجرة، ألفاظ ساقطة، بحجة “كسر التابو”، و”التجديد”، و”حرية التعبير”! فأي حرية هذه؟ وأي توعية؟! بل هو استثمار في فساد الذوق، وتسويق للميوعة، وتخريب للمروءة! وما أقبح أن يكون كل ذلك باتفاق بين رجل وامرأة، كلاهما لا يعرف من الدين إلا الاسم، ولا من الحياء إلا القناع، يتواطآن على خداع الناس، ثم يقولان: “إنها مشاهد من الواقع”! وهنا تعود الآية من جديد لتجلجل في أذن الزمان: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ فيا من جعلت الكذب مهنتك، والضلال مورد رزقك، والشهرة على أنقاض الفضيلة سبيلك؛ تب إلى الله قبل أن تختم صحيفتك بهذا الكذب، وارجع إلى مولاك قبل أن تُسأل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ فكل كلمة، محسوبة، وكل كذبة، مكتوبة وكل فتنة نشرتها، مردودة إليك ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾
357
| 06 يوليو 2025
صورة قاتمة تعكس انحطاطا أخلاقيا رذيلا لجماعة أفلت فيهم الزمام؛ واختلت عندهم المقاييس، واضطربت فيهم القيم، وضاعت بينهم الأصول؛ فضعف عندهم ما حذر الله منه، وهان عليهم ما استعظمه الله! وما يعظم عند الله إلا الجليل الضخم الذي تزلزل له الرواسي، وتضج منه الأرض والسماء. والحادثة وإن نزلت في أم المؤمنين المطهرة رضي الله عنها إلا أن الآفة قائمة وامتدادها حتى اليوم حادث وهذا هو الخطر. تبدأ القصة بجماعة تلقوا الشائعة بألسنتهم! {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} وانظر إلى بلاغة الأداء القرآني في التعبير عن السرعة في إفشاء هذا الكلام وإذاعته دون وَعْي ودون تفكير، فمعلوم أن تلقِّي الأخبار يكون بالأذن لا بالألسنة، لكن من سرعة تناقل الكلام فكأنهم يتلقونه بألسنتهم، كأن مرحلة السماع بالأذن قد ألغيت، فبمجرد أن سمعوا قالوا، لسان يتلقى عن لسان، بلا تدبر ولا تروٍّ ولا فحص ولا إمعان نظر. حتى لكأن القول لا يمر على الآذان، ولا تتملاه الرؤوس، ولا تتدبره القلوب! وكأن لا حرمة لغائب، ولا صيانة لسامع، ولا خوف من غد يقف الخلائق فيها أمام حكم عدل في يوم ينصب فيه ميزان لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها! إن هذا السلوك الأهوج ما هو إلا صورة فيها من الخفة والاستهتار وقلة التحرج، ما ينبيك عن عقل صاحبه ومستمعه معا! فما الفارق بين من يقذف الغير بالشر ومن ينصت إليه من غير نكير أو إعراض أو ترك المكان، كلهم في الإثم سواء. إن خطر الكلمة ثقيل لا يتحمله ظهر، ولا يطيق تبعته بشر، ففي الصحيحين عن أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم – قَالَ (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَزِلُّ بِهَا في النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ) وعند الترمذي: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الشَّرِّ مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ). إن السلامة كل السلامة في الابتعاد عن مواطن الذلل، أو تتبع عورات الأمم، أو كشف الستور المرخاة على أصحابها؛ فالجزاء من جنس العمل، وقد قال صلى الله عليه وسلم (يا معشرَ مَن أسلَم بلسانِه ولم يدخُلِ الإيمانُ قلبَه لا تؤذوا المسلِمينَ ولا تُعيِّروهم ولا تطلُبوا عثَراتِهم فإنَّه مَن يطلُبْ عورةَ المسلِمِ يطلُبِ اللهُ عورتَه ومَن يطلُبِ اللهُ عورتَه يفضَحْه ولو في جوفِ بيتِه) ونظَر ابنُ عمرَ يومًا إلى البيتِ فقال: ما أعظَمَك وأعظَمَ حُرمتَك ولَلمُؤمنُ أعظَمُ عندَ اللهِ حُرمةً منكَ. قد كان الأولى بمن سمع الإشاعة أن يحسن بالمسموع الظن حتى يحفظ خواطره، وأن يصمت عن القول حتى يحفظ لسانه، وهذا ما أشار إليه القرآن بقوله: {لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} هذا درب السلامة لمن أرادها، فاللهم احفظنا وسلمنا
279
| 29 يونيو 2025
ليست الفجوة الجيلية فرقًا في الأعمار، ولا مجرد تباعد في الأذواق، بل هي شرخ داخلي في المعنى، وثغرة في جدار القيم، وهوّة تفصل بين جيلين لم تعُد اللغة بينهما واحدة، ولا الرؤية، ولا حتى مفهوم الإنسان. جيلٌ وُلِد في حضن الكفاف، نشأ على صوت المؤذن لا على صوت الإعلانات، وتفتّحت روحه على مفردات مثل: الطاعة، والحياء، والبر، والرضا. وجيلٌ انفتح على شاشة تسبق الفطرة، وتُغني عن المعلم، وتُشكّك في كل مسلَّم! جيلٌ استُبدلت فيه المرجعية الدينية بـ «المؤثّر»، والموعظة بـ «المحتوى»، والقدوة بـ «الترند»! ليست الفجوة هنا مجرد مشهد في بيت، ولا خصومة بين جيل الآباء والأبناء، بل هي أزمة وجود؛ حين يُعاد تعريف «الحق»، و»الهوية»، و»القيمة» بمعايير لا صلة لها بالوحي، ولا بالوجدان. والخطر الأكبر ليس في سوء العلاقة، بل في سقوط المرجعية. حين لا يعود الشابُّ يثق أن في قول أبيه حكمة، ولا يرى في أمّه نورًا يُضيء، ولا يشعر أنّ للبيت قدسيّة، فذلك إعلانٌ صامت بأنّ الجيل القادم سيتّخذ من ذاته قبلة، ومن شهوته إمامًا، ومن الهوى دينًا. لا يُعالج الشقّ بطلاءٍ لفظي، ولا تُرمَّم الفجوات التربوية بخطب المناسبات، بل تُعاد صياغة البناء من الأساس، وتُؤسّس كل لبنة فيه على الصدق، والوعي، والتواضع في التوجيه. علاج الفجوة الجيلية يتطلب: 1. الاعتراف لا الإنكار: أن نُقِرّ، بلا مكابرة، أننا أخطأنا حين أنزلنا جيلًا جديدًا في نهرٍ جارف، ثم طلبنا منه أن يسبح بأساليبنا القديمة. وأخطأنا حين ظننا أن تربية الأبناء تعني نسخًا مكررة منّا، لا كائنات لها زمانها، وأسئلتها، وملامحها المستقلة. 2. العودة إلى القدوة الصامتة: فالعين تلتقط ما لا تلتقطه الأذن، والطفل يقتدي بالفعل لا بالبيان، وجيل اليوم لا يسمع النصيحة، بل يراها. إن رأى والده يعتذر حين يخطئ، تعلّم الشجاعة. وإن رأى والدته تُصلّي بخشوع، تعلّم الإيمان بلا خطبة. وإن رأى في بيته صدقًا، ووفاءً، واحترامًا، تعلّم القيم من غير تلقين. 3. تجديد العلاقة على أساس الحوار: ليس كلّ سكوت هيبة، ولا كلّ صراخ تربية! الحوار مفتاح القلوب، والسكون الذي ينصت أبلغ من ضجيج التوبيخ. فمن لم يصغِ لأنين السؤال، أخطأ في جواب المآل! 4. زرع اليقين قبل المهارة: أن نعلّم أبناءنا من يكونون، قبل أن نُعلّمهم ماذا يفعلون. أن نُعلّمهم لماذا خُلقوا، قبل أن نوجّههم إلى أي وظيفة يسعون، فما نفع المهارة بلا رسالة؟! وما قيمة التفوّق بلا وجهة؟! من لم يعرف غايته، تاه في كلّ خطوة، وإن بلغ القمم. 5. تربية الرؤية لا السلوك فقط: لا يكفي أن نُصلح السلوك، بل لا بد أن نرسخ الرؤية التي معيارها نور الآيات، لا عدد (اللايكات)! فمن اتّخذ الجمهور إمامه، أضله الهوى وإن كثر المصفقون. 6. الرحمة لا القسوة: ما دخل الرِّفقُ في تربية إلا زيّنها، وما نُزع منها إلا شَوَّهها، والقلوب تُفتح بالمودّة لا بالمدية، والتوجيه الذي يُطابق القلب يثمر، ولو تأخر 7. الحضور لا الغياب: ليس الحضور أن تكون في البيت، بل أن تكون في القلب! أن تشاركهم السؤال، وتسمع منهم قبل أن تُملي عليهم الجواب. فالغياب العاطفي هو الغربة التي لا تُرى، ولكن يُربّى فيها الضياع! 8. الصبر لا الاستعجال: التربية ليست معركة كسب سريع، بل بناء على مهل، الزرع لا ينبت بالغضب، ولا تُسقى النفوس بالمواعظ الغليظة، بل بالرفق، والتكرار، وانتظار الثمر بعد جهدٍ ودمع! 9. بناء الجسر لا حفر الخندق: بيننا وبين أبنائنا مسافة، لا خصومة، والمطلوب أن نبني جسرًا من الفهم لا خندقًا من الاتهام، فمن رآهم خصومًا خسرهم، ومن رآهم أمانةً أدرك أنهم امتداد لا اعتراض! بين التيه والوعي؛ تُرسم ملامح الجيل إنّ هذه الفجوة التي تنخر في أوصال بيوتنا، ليست قدرًا، ولكنها نذير، نذير بأنّ الجيل القادم سيكتب تاريخه بأدوات غير أدواتنا، وسيُقيّمنا لا بما قلناه، بل بما سكتنا عنه، ولا بما علّمناه، بل بما أهملناه. فإما أن نبني الجسر اليوم، وقلوبنا منفتحة، وأذهاننا متواضعة، أو نُسلّم أبناءنا – صامتين – إلى أسواق مفتوحة، يعرض فيها الهوى فتاواه، والجهل أفكاره، والفراغ هويّته. ذلك الجسر لا يُبنى من الماضي، بل من وعيٍ يحمل الماضي معه إلى المستقبل. وإن لم ننتصر للحقّ في هذه المعركة الصامتة، التي تُخاض كل يوم في داخل البيوت، فسنُسلّم جيلًا لا يعرف من نحن، بل ولا يهمّه أن يعرف!
825
| 22 يونيو 2025
ليس أعظم خديعة تُخدع بها الأمة، من أمرين: ١- أن يظن البعض أن الفوضى تجديد، وأن الخروج عن الوحي حرية فكر، وأن احتقار التراث شجاعة عقلية. لقد مضت قرونٌ من التمكين حين كانت الأمة تهتدي بكتاب الله وتقتبس من مشكاة نبوّته، فكانت السيادة بقدر ما كان في الأمة من الإيمان والعلم والعمل. ٢- غفلة الأمة عن تكامل العالم والسلطان: ثغرة في جدار الحضارة إن من أعظم ما يُمهد طريق النهضة أن تلتقي الإرادتان: إرادةُ العلم، وإرادةُ الحكم. فالعلم وحده لا يكفي، والحكم وحده لا يستقيم. وحين تتلاقى الراية بيدٍ تهدي وأخرى تحمي، تنشأ للدين دولة، وللأمة منعة، وللمجتمع شريعة. وهكذا كانت بدايات كل نهضة صادقة في تاريخ الإسلام… لا من صدامٍ بين السلطان والعالم، بل من تلاقيهما على صراطٍ مستقيم. إن الفتن إنما تتكاثر حين تتنازع الكلمة، ويقف أهل العلم في معزل عن القرار، ويستقل أصحاب القوة بتدبير المصير، أما إذا تعاون المخلصون من الفريقين، عادت للأمة روحها، وارتفعت من فوقها الغشاوة، وعرفت سبيلها، ومشت إليه واثقةً مطمئنةً مهتدية أن النهضة لا تقوم على سيفٍ منفرد، ولا على قلمٍ وحيد، بل على اجتماع البصيرة والقدرة، الشرعية والقوة. وحين يصافح العالمُ يدَ السلطان، ويجلس العدل على عرش القوة، تولد النهضة، وتمضي الرسالة. وفي صفحات التاريخ أمثلة باهرة، تُجسد هذا التلاقي العظيم، وتُخبر أن الأمة لا تنهض إلا إذا حمل الرسالة عالِمٌ يهدي، وسلطان يحمي ويمضي. 1. عبد الرحمن الناصر وأهل العلم بالأندلس تولّى الخلافة عام 300هـ / 912م، وتوفي عام 350هـ / 961م، فجمع حوله نخبة من الفقهاء والقضاة والعلماء والأطباء والفلكيين. فأقام دولة علم وعدل، ونهضة عمرانية في قرطبة، وأسس مكتبة ضخمة ومراصد فلكية. 2. نظام الملك وملكشاه السلجوقي نظام الملك (ت. 485هـ / 1092م)، ملكشاه (ت. 485هـ / 1092م)، التقاء بين وزير عبقري وسلطان فذ من دولة السلاجقة، تم من خلاله: -تأسيس المدارس النظامية في بغداد ونيسابور وغيرها -دعم مذهب أهل السنة أمام نفوذ الباطنية والفوضى السياسية -إعداد جيل من العلماء وترسيخ الانضباط بين العلم والدولة. 3. نور الدين زنكي والعلماء المحدثون حكم من 541هـ حتى وفاته سنة 569هـ / 1174م، وقد التف جمع حوله المحدثين والفقهاء، أبرزهم ابن عساكر والخطابي فماذا كان: •أسس دار الحديث في دمشق لتكون منارة لنشر السنة. •دعم العدل وأسس الحكم على التقوى. •مهد الأرضية العلمية والدينية لصلاح الدين الأيوبي، وأوقف المد الصليبي بذكاء متوازن. 4. القاضي الفاضل وصلاح الدين الأيوبي (ت. 596هـ / 1200م)، رافق صلاح الدين حتى وفاته ، كاتب مفكر، وزير وأديب وزاهد، كان عقله ولسانه وسيفه : •فتولّى ديوان الإنشاء، وحرّر المراسلات التي وحدت الأمة معنويًا. •نظّم الحياة الإدارية والسياسية للدولة الأيوبية. •قال فيه صلاح الدين: “ما فتحتُ بلدًا إلا والقاضي الفاضل معي”، وقيل: “فتحت البلاد بقلمه قبل سيفي”. 5. العز بن عبد السلام (ت. 660هـ / 1262م) والسلطان قطز (قُتل في 658هـ بعد عين جالوت)، تحالف بين عالم مجاهد وسلطان حاسم فكان ماذا : •مضى قطز مع العز إلى عين جالوت، فكانت أول هزيمة كبرى للتتار، وفتحٌ جديد للمسلمين. 6. السلطان المظفر (ت. 765هـ / 1364م)، والإمام الصفدي (ت. 764هـ / 1363م) جمع السلطان بسبب الالتقاء في مجلسه العلماء والأدباء. •دعم حركة التأليف والتعليم، وساهم في دعم المدارس والمكتبات. •كتب الصفدي سيرًا وموسوعات خدمت التاريخ الإسلامي لقرون. خلاصة سننية: كلما اجتمع السلطان والعالِم، عادت للأمة هيبتها، ونهضت من سُباتها. وكلما افترقا، ذهبت هيبتها، واستُبيح أمرها بين فوضى الجهال واستبداد السلاطين. العالِم وحده نور بلا ذراع ، والسلطان وحده سيف، ولا نهضة حتى يتعانقا، ويحكمهما النور والعدل معًا. وما أحوج هذه الأمة اليوم أن تفتح سجل التاريخ لتفهم: أن النهضة لا تولد من شتات، ولا تُبنى على صراع داخلي بين دوائر النور وأروقة الحكم، بل تُبنى حين يحملها الاثنان معًا، ويحكمانها بالحق، ويقودانها إلى الله، لا إلى الهوى.
312
| 15 يونيو 2025
مساحة إعلانية
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات...
3240
| 06 أبريل 2026
-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها...
2031
| 02 أبريل 2026
عندما تمر المجتمعات أو الدول بأزمات، لا يعيش...
1785
| 02 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت...
1671
| 05 أبريل 2026
يجب أن أبدأ مقالي هذا بالتأكيد على أن...
1626
| 31 مارس 2026
كثير من الناس يعيشون حياتهم وكأن الفرح موعد...
1572
| 02 أبريل 2026
حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في...
1401
| 31 مارس 2026
«اسمعوها مني صريحةً أيها العرب: «بالإسلام أعزَّكم الله»...
1395
| 02 أبريل 2026
حين ننظر للأرقام بهدوء… تتضح الصورة أكثر. إجمالي...
1338
| 02 أبريل 2026
في بيتنا لم تكن تلك العلب تُرمى بسهولة،...
1110
| 03 أبريل 2026
يا له من بؤس ذلك الذي يقتاته أولئك...
939
| 31 مارس 2026
في مشهد يعكس عمق الرؤية وسمو الاهتمام بالإنسان،...
927
| 06 أبريل 2026
مساحة إعلانية