رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ظهر مشروع “أسلمة العلوم” في سياق تاريخي كانت فيه الهيمنة للمنظومة المعرفية الغربية، فسعى أصحابه إلى تخليص العلوم الإنسانية والاجتماعية من فلسفاتها المادية والعلمانية، وربطها بقيم الإسلام ومبادئه. ولا شك أن هذا المقصد في أصله مقصد إصلاحي نبيل، وقد أسهم في لفت الأنظار إلى أن العلوم ليست محايدة تمامًا، بل تحمل في داخلها تصورات عن الإنسان والكون والحياة، وأن هذه التصورات تؤثر في نتائجها وتطبيقاتها. غير أن الإشكال المنهجي ظهر حين بقيت كثير من محاولات الأسلمة تتحرك داخل الإطار المعرفي الذي أنشأ تلك العلوم ابتداءً؛ فكانت تنطلق من نظريات صيغت خارج التصور الإسلامي، ثم تحاول بعد اكتمال بنائها أن تضفي عليها الشرعية بإيراد آية أو حديث، أو بإضافة قيمة أخلاقية توافق الإسلام. وهنا انتقل القرآن من موقع القيادة إلى موقع التأييد، ومن كونه الأصل الذي تُبنى عليه المعرفة إلى شاهد يُستدعى بعد اكتمال بنائها. وهذا هو موطن المفارقة؛ إذ إن الوحي لم ينزل ليمنح الشرعية لمعارف تشكلت خارجه، وإنما نزل ليكون هو الميزان الذي تُوزن به المعارف كلها. فالقرآن لا يقف في نهاية الطريق ليبارك ما انتهى إليه العقل، بل يقف في بدايته ليهدي العقل إلى الطريق الصحيح، ويحدد له منطلقاته وحدوده وغاياته. ولهذا لم يقدّم القرآن نفسه مرجعًا من جملة المراجع، وإنما المرجع الأعلى الذي ترجع إليه سائر المراجع. فهو لا يمنح الإنسان معلومات متفرقة بقدر ما يمنحه الرؤية التي تنتظم جميع المعلومات، فيعرّفه بخالقه، وبحقيقة الإنسان، وبوظيفته في الأرض، وبسنن الكون، وبغاية الوجود، ثم يوجه العقل إلى المنهج الصحيح في النظر والاستدلال. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. وليس معنى “تبيان كل شيء” أن القرآن موسوعة تفصيلية في الفيزياء والطب والرياضيات، وإنما أنه تبيان للأصول الكلية، والقيم الحاكمة، والمقاصد الكبرى، والمناهج التي ينبغي أن تنتظم تحتها جميع العلوم. ومن هنا يظهر الفرق الحقيقي بين المشروعين. فمشروع أسلمة العلوم يبدأ من العلوم القائمة، ثم يحاول تقريبها من القرآن. أما مركزية القرآن فتبدأ من القرآن نفسه، ثم تعيد النظر في الإنسان، وفي المعرفة، وفي المنهج، وفي الغاية، ثم تُنشئ العلوم على هذا الأساس. فالأول يسأل: كيف نجعل هذه العلوم إسلامية؟ أما الثاني فيسأل سؤالًا أعمق: كيف يريد القرآن أن نبني العلم أصلًا؟ إن الفرق بينهما ليس فرقًا في مقدار التدين، وإنما في المنهج المعرفي. فأسلمة العلوم كثيرًا ما تنشغل بتعديل النتائج، أما مركزية القرآن فتنشغل بإعادة بناء المقدمات التي تولد تلك النتائج. ولهذا فإنها لا تكتفي بإصلاح الثمرة، بل تعود إلى الجذر الذي أنتجها. ولو أخذنا علم النفس مثالًا، فإن القضية ليست أن نضيف آيات عن النفس في مقدمة كتاب غربي، بل أن نعيد تعريف النفس ابتداءً كما عرفها القرآن؛ نفسًا مخلوقة، مكرمة، مكلفة، قابلة للتزكية والانحراف، مرتبطة بخالقها، لا مجرد كيان بيولوجي أو مجموعة دوافع مادية. وكذلك التاريخ لا يُقرأ بوصفه سلسلة من الوقائع السياسية والاقتصادية فحسب، بل باعتباره ميدانًا لسنن الله في قيام الأمم وسقوطها، وتحقيق وعده ووعيده. والاقتصاد لا يقوم على تعظيم المنفعة المجردة، وإنما على الاستخلاف والعدل والتزكية. والسياسة ليست إدارة للصراع على القوة، بل إقامة للحق والعدل وحفظ الدين والإنسان. إن القرآن لا يضيف بعدًا أخلاقيًا إلى العلوم فقط، بل يعيد تعريف موضوعاتها، ويصحح مفاهيمها، ويحدد غاياتها، ويرسم حدودها. فهو لا يغير إجابات الأسئلة فحسب، بل يعيد صياغة الأسئلة نفسها؛ لأن السؤال الذي ينطلق من رؤية قرآنية ليس هو السؤال الذي تنشئه الفلسفات المادية أو الوضعية. ولهذا فإن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى الانتقال من مجرد “أسلمة العلوم” إلى “مركزية القرآن”. فالقضية ليست أن نبحث عن شاهد قرآني لكل نظرية، وإنما أن نجعل القرآن هو المنطلق الذي تتشكل في ضوئه النظريات، والمعيار الذي تُختبر به المناهج، والغاية التي تتجه إليها المعرفة. إن الفرق بين المشروعين هو الفرق بين من يجعل القرآن خاتمة البحث، ومن يجعله بدايته؛ وبين من يجعل الوحي شاهدًا على المعرفة، ومن يجعله منشئًا لها؛ وبين من يسعى إلى تكييف العلوم مع الإسلام، ومن يعيد بناء المعرفة كلها على هداية القرآن. وحين تستعيد الأمة هذه المركزية، لن يصبح القرآن مجرد كتاب يُستشهد به في هوامش الدراسات، بل سيعود كما أراده الله: قائدًا للعقل، وموجهًا للعلم، وميزانًا للحقيقة، ومصدرًا للرؤية التي تنتظم تحتها جميع المعارف، حتى تصبح العلوم خادمة للحق، شاهدة عليه، لا حاكمة عليه.
285
| 20 يوليو 2026
يروى أن أبا جعفر المنصور قال: بلغني أن أسدًا لقي خنزيرًا، فقال له الخنزير: قاتلني. فقال الأسد: إنما أنت خنزير، ولست بكفء لي ولا نظير؛ فإن قتلتك قال الناس: قتل الأسد خنزيرًا، وإن نالني منك شيء كانت مسبة علي. فقال الخنزير: سأشيع بين السباع أنك جبنت عن لقائي. فقال الأسد: «احتمالي كذبك أيسر علي من تلطخ شاربي بدمك». وليست الحكمة في هذه القصة أن الأسد كان أقوى من خصمه، وإنما أنه كان أفقه بقيمة نفسه، وأبصر بطبيعة المعارك. فقد أدرك أن القتال ليس هو الميدان الوحيد للهزيمة، وأن أخطر الهزائم قد تقع قبل أن تبدأ المعركة؛ حين يقبل الإنسان أن يقف في ساحة لا تليق بمقامه، وأن يمنح خصمه شرفًا لم يكن يملكه بمجرد قبوله مواجهته. فليس كل صراع يراد به الوصول إلى الحق، ولا كل خصومة غايتها الانتصار لفكرة. بل إن كثيرًا من المعارك لا يقصد أصحابها الغلبة، وإنما يقصدون إسقاط الفوارق بين الناس. فالعاجز قد يعلم أنه لن يغلب العالم، والسفيه قد يوقن أنه لن يقهر الحكيم، ولكنه يستطيع أن يحقق غاية أخرى؛ وهي أن يجعله يقف معه في مستوى واحد، فيصبح مجرد اجتماع الاسمين في معركة واحدة انتصارًا له، ولو انتهت الجولة كلها بخسارته. ولهذا كان العقلاء يزنون الخصومات قبل أن يزنوا حججها؛ لأن السؤال الأول ليس: هل أستطيع أن أنتصر؟ وإنما: هل يليق بي أن أدخل هذه المعركة أصلًا؟ فكم من إنسان خرج من مناظرة غالبًا، ولكنه خرج من مقامه مغلوبًا، وربح القضية وخسر الهيبة، وأثبت قوة منطقه، لكنه أضعف مكانة نفسه. ولهذا كانت المحافظة على المقام نوعًا من الحكمة لا يقل شأنًا عن المحافظة على الحق. فإن الناس لا ينظرون دائمًا إلى نتيجة الخصومة، وإنما ينظرون كذلك إلى أطرافها؛ فمن رضي أن ينازل كل أحد، فقد سوّى بين نفسه وبين كل أحد، وإن غلبهم جميعًا. وليس كل انتصار زيادة في القدر، فقد يكون ثمنه أن يفقد الإنسان ما كان يتميز به من وقار، أو هيبة، أو رفعة. ومن هنا جاء أدب القرآن مختلفًا عن منطق المغالبات؛ فلم يجعل الفضيلة في كثرة الردود، ولا في سرعة الانتصار للنفس، وإنما في ضبطها وحفظها من أن تنزل إلى حيث يريد السفهاء. قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. فلم يكن السلام هنا عجزًا عن الجواب، بل سموًا عن الدخول في معركة لا تليق بأهل الفضل. ولذلك لم يأمرهم القرآن أن ينتصروا على الجاهلين، وإنما أمرهم أن ينتصروا لأنفسهم من الجاهلين. ومن تأمل سير الأنبياء والعلماء وجد أنهم لم يكونوا يجيبون كل معترض، ولا يناقشون كل مستفز، ولا يقفون عند كل ناعق. لأنهم كانوا يعلمون أن الوقت والعلم والهيبة أعمار لا يجوز أن تهدر في معارك لا تثمر حقًا، ولا تهدي ضالًا، وإنما تمنح الباطل مساحة لم يكن ليحصل عليها لولا أن أهل الحق التفتوا إليه. ولهذا فإن من فقه الإنسان بنفسه أن يفرق بين معركة الحق، ومعركة الكرامة، ومعركة العبث. فالأولى قد تجب، والثانية قد تحسن، أما الثالثة فلا يربحها أحد؛ لأن مجرد الدخول فيها خسارة. وقد قيل: إن أعظم الانتصارات ليست تلك التي يسقط فيها الخصم، وإنما التي يبقى فيها الإنسان واقفًا في مقامه الذي أراده الله له. إن الإنسان قد ينتصر بالحجة، ويهزم بالقيمة؛ ويعلو في الجواب، ويسقط في الخطاب؛ ويربح القضية، ويخسر القامة. وما أقسى نصرًا يخرج صاحبه من مقامه، ليقيمه في الموضع الذي اختاره له خصمه! وتلك هي الهزيمة التي لا يشعر بها كثير من المنتصرين؛ هزيمة الانتصار. وقد أحسن الشاعر إذ قال: إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت فإن كلمته فرجت عنه وإن خليته كمداً يموت
507
| 11 يوليو 2026
تابعت مناظرة بين موحد وملحد، فلم أخرج مشغولا بما قيل، بل بما لم يقل؛ ذلك أن الحق لا يُهزم إذا ضعف برهانه، وإنما إذا عجز أهله عن إقامة برهانه؛ وحينئذ يتوهم الناس أن الهزيمة هزيمة الفكرة، وما هي إلا هزيمة المعبر عنها. إن فن الرد ليس مهارة في الجدل وحسب، بل هو علم في معرفة موضع الحجة؛ لأن المعركة لا تحسم بكثرة ما يقال، وإنما بإصابة ما يجب أن يقال؛ فكثير من الناس إذا سمع شبهة، ظن أن عليه أن يجيب عن كل جزئية فيها، فينتقل مع خصمه من فرع إلى فرع، حتى يصبح تابعًا لطريقة خصمه في التفكير، بينما العقل المحكم لا يبدأ من حيث يريد الخصم، بل من حيث يجب أن يبدأ البرهان؛ فهو يبحث عن الأصل الذي قامت عليه الدعوى، فإن وجده هدمه، ولم يحتج بعد ذلك إلى مطاردة الفروع؛ وهذا هو منهج القرآن في بناء الحجة؛ فلم يكن القرآن يطارد دعاوى المشركين واحدة واحدة، ولا يجيب عن كل شبهة على انفراد، وإنما كان يردها إلى أصل واحد، فإذا بطل الأصل، بطلت جميع نتائجه. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، ثم كشف وجه البرهان بقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ۚ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ فالقرآن لم يناقش كل معبود زعموه، وإنما أثبت أن تعدد الآلهة يقتضي تعدد الإرادات، وتعدد الإرادات يفضي إلى التنازع، والتنازع يورث الفساد، فلما ثبت انتظام الكون، ثبت أن مدبره واحد فكان برهانًا واحدًا كافيًا لإسقاط دعاوى كثيرة. ولما احتج الخوارج بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، جعلوا هذه الآية أصلًا بنوا عليه تكفير المسلمين واستباحة دمائهم. ولو أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما دخل معهم في مناقشة كل شبهة، لما انتهى الجدل؛ لذا التفت إلى أصل استدلالهم، وردهم إلى القرآن نفسه، فتلا قوله تعالى في جزاء الصيد للمحرم: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وتلا قوله تعالى في الإصلاح بين الزوجين: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾، ثم قال: أتحكيم الرجال في أرنب أعظم، أم في إصلاح دماء المسلمين؟ فما أتى بدليل من خارج القرآن، وإنما أثبت أن الله الذي قال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ هو نفسه الذي شرع تحكيم الرجال في مواضع أخرى. فسقط فهمهم للآية، وسقط ما بنوه عليها من تكفير وقتال، ورجع بسبب تلك المناظرة خلق كثير منهم. وفي الأدب العربي، افتخر الفرزدق بقومه، فقال: إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ بَيْتًا بَنَاهُ لَنَا الْمَلِيكُ وَمَا بَنَى حَكَمُ السَّمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَلُ بَيْتًا زُرَارَةُ مُحْتَبٍ بِفِنَائِهِ وَمُجَاشِعٌ وَأَبُو الْفَوَارِسِ نَهْشَلُ فلم يشأ جرير أن يقابله بمثل فخره، لأن ذلك لا ينتهي إلا إلى مفاخرة أخرى، وإنما أمسك بالخيط الذي يحمل القصيدة كلها؛ فقد كان العرب يعلمون أن الزبير بن المغشم قُتل في جوار بني مجاشع، والجوار عندهم أعظم عناوين الشرف. فقال جرير: أخزى الذي سمك السماء مجاشعًا وبنى بناءك في الحضيض الأسفل قتل الزبير وأنت عاقد حبوة تبا لحبوتك التي لم تحلل لم تكن عبقرية جرير في قلب ألفاظ الفرزدق فحسب، بل في أنه هدم الأساس الذي قامت عليه القصيدة كلها. فالفرزدق لم يكن يفتخر بالأنساب مجردة، وإنما كان يفتخر بأن قومه أهل سيادة ونجدة ووفاء، فلما أثبت جرير أنهم عجزوا عن حماية مستجيرهم، لم يعد لتعداد الأمجاد والبطولات معنى. إن من أعظم الواجبات الغائبة اليوم أن نعلم أبناءنا فن الرد؛ لا كيف يغلبون الناس في الجدل، بل كيف يحسنون بناء البرهان؛ أن نعلمهم كيف يفرقون بين الحجة والشبهة، وبين الأصل والفرع، وبين السؤال الحقيقي والسؤال الذي لا يراد به إلا التشتيت. فليس كل اعتراض يستحق جوابًا طويلًا، وليس كل شبهة تستحق أن نمنحها مساحة من التفكير، وإنما الحكمة أن تعرف موضع الدليل، ثم تضعه حيث يجب أن يوضع؛ فرب كلمة أبطلت كتابًا، ورب سؤال هدم مذهبًا، ورب دليل واحد أغنى عن مائة دليل. ومن عرف موضع الجواب، استغنى عن كثرة الكلام، فإن البلاغة ليست في وفرة الألفاظ، وإنما في إصابة الحقيقة.
360
| 04 يوليو 2026
من أعظم أوهام النفس أنها تجعل طول الطريق دليلا على خطأ الطريق، وأن تحاكم الحق إلى الزمن؛ فهي تريد غاية بلا انتظار، وثمرة بلا موسم، ووصولا لا يدفع ثمنه الصبر. فإذا امتد الأمد، ظنت أن تأخر العطاء دليل على استحالته!! مع أن سنة الله جارية بأن أنفس المطالب لا يسبقها إلا أطول الصبر، وأن أثمن الثمار لا تنضج إلا على مهل. ولهذا جاءت كلمة موسى عليه السلام في صورة عهد، لا في صورة أمنية:﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. إنه لم يحدد زمنا، لأن من عرف الغاية سقط من حسابه الزمن؛ فالوقت عند أصحاب الرسالات ليس قيدا، وإنما جزء من الثمن. وقوله: لا أبرح أعمق من مجرد البقاء؛ فهو إعلان أن الحركة قد تتعب، ولكن الإرادة لا تنسحب، فالهزيمة الحقيقية لا تقع حين يعجز الجسد، وإنما حين يبرح القلب قبل أن يبلغ. ثم قال: حتى أبلغ، ولم يقل: حتى أرى، أو حتى أجرب؛ لأن القرآن يربي الإنسان على اليقين بالوصول ما دام قائما بحق السير. ثم جاءت الكلمة التي تنسف منطق العجلة كله: (أو أمضي حقبا) فالحقب هنا ليس زمنا، بل إعلان أن الحقيقة أغلى من العمر، وأن طالبها لا يفاوض عليها بطول الطريق. ولهذا لم تكن أعمار الأنبياء زمنا انتظروه، بل ثمنا دفعوه! نوح لم يكن ينتظر نهاية الدعوة، وإنما كان يعيشها. ويوسف لم يكن يعد سنوات السجن، وإنما كان يبني نفسه فيها. ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يصبر حتى يأتي النصر، بل كان الصبر نفسه جزءا من النصر. ولهذا فإن كثيرا من الناس لا يحرمون الوصول لأن الأبواب أغلقت، بل لأنهم غادروا أبوابها قبل أن تؤذن لهم بالدخول. إن الإيمان ليس أن تمشي حتى ترى النهاية، بل أن تمشي لأن النهاية حق، وإن حجبتها عنك المنعطفات. ولهذا بقيت هذه الآية قانونا لكل صاحب رسالة:لا تجعل طول الطريق سببا لمغادرته، فإن أكثر الناس لم يفشلوا لأنهم لم يستطيعوا، وإنما لأنهم برحوا قبل أن يبلغوا.
453
| 29 يونيو 2026
ليست الهجرة النبوية صفحة من صفحات السيرة فحسب، ولا ذكرى تستعاد كلما أقبل العام الهجري، وإنما هي في حقيقتها إعلان رباني عن ميلاد أمة، وكشف عن السنن التي تحكم حركة الإيمان في الأرض، وعن الطريق الذي تسلكه الدعوات حين تواجه الجاهلية والطغيان. فالهجرة قبل أن تكون رحلة من مكة إلى المدينة كانت رحلة من الاستضعاف إلى التمكين، ومن مرحلة البلاغ الفردي إلى مرحلة بناء المجتمع، ومن حصار العقيدة في نفوس المؤمنين إلى انطلاقها لتصوغ حياة كاملة وتبني حضارة ممتدة. ولم تكن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم حادثة فريدة في تاريخ الرسالات، بل كانت حلقة في موكب الإيمان الطويل. فما من رسول واجه قومه بالحق إلا وقف الباطل في وجهه، وما من دعوة أرادت تحرير الإنسان من عبودية البشر إلا تعرضت للمطاردة والإقصاء. ولذلك قص القرآن علينا خبر إبراهيم عليه السلام حين قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فالعقيدة لا ترتبط بالأرض إلا بمقدار ما تخدم الأرض رسالتها، فإذا تحولت الأوطان إلى سجون للفكرة المؤمنة أصبح الارتحال في سبيل الله لونًا من ألوان الثبات لا الهروب. ومن هنا يتجلى الصراع الأبدي بين الحق والباطل. إنه ليس نزاعًا على أرض أو سلطان، وإنما صدام بين منهجين للحياة؛ منهج يريد أن تكون السيادة لله، ومنهج يريد أن تبقى السيادة للشهوة أو القوة أو الطاغوت. ولذلك أدرك ورقة بن نوفل طبيعة الطريق منذ اللحظة الأولى فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: «لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي». إنها سنة لا تتخلف، ولكنها سنة معلومة العاقبة؛ لأن الله لم يترك النتيجة للموازين الأرضية وحدها، بل كتب في قضائه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. ولهذا تنوعت وسائل الباطل في مواجهة الدعوة. مرة بالحبس، ومرة بالقتل، ومرة بالنفي والتشريد، ومرة بالإغراء والمال. ولقد جمعت قريش هذه الوسائل كلها في مواجهة الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى جعلت الجوائز الضخمة لمن يأتي به حيًا أو ميتًا. غير أن الله أراد أن يكشف ضآلة مكر البشر أمام تدبيره، فتحول سراقة الخارج طمعًا في الجائزة إلى رجل يعود بقلب جديد، يحمل الإيمان بدل المال، ويصبح بعد مطاردته حارسًا للطريق لا قاطعًا له. وفي خضم هذه الأحداث تتجلى حقيقة المنهج الإسلامي في التعامل مع الأسباب. فالإيمان ليس استسلامًا سلبيًا ينتظر المعجزات، كما أنه ليس اعتمادًا أعمى على الوسائل المادية. لقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بكل سبب ممكن؛ اختار الرفيق، وهيأ الراحلة، واستأجر الدليل الخبير، ورتب الأدوار بدقة عجيبة، وكتم الأخبار عن العيون المتربصة. ثم بعد ذلك كله بقي قلبه معلقًا بالله وحده. فالتوكل الحق ليس إلغاء الأسباب، وإنما التحرر من عبوديتها. وفي مشهد آخر يسطع نور الأخلاق وسط ظلام المؤامرة. فالرجل الذي أجمعت قريش على قتله هو نفسه الرجل الذي كانت تضع عنده ودائعها وأموالها. لقد عرفوا صدقه وأمانته، ولكنهم جحدوا الحق الذي جاء به. ومع ذلك لم تسمح الرسالة لصاحبها أن يقابل الخيانة بالخيانة، فأمر عليًا رضي الله عنه أن يرد الأمانات إلى أصحابها قبل أن يغادر مكة. وكأن الإسلام يقرر منذ اللحظة الأولى أن القيم ليست رهينة الظروف، وأن الأخلاق لا تتغير بتغير المواقف. وتعلمنا الهجرة كذلك أن صاحب الدعوة يجب أن يبقى حرًا من أسر المطامع. ولهذا رفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ راحلة أبي بكر هبة، وأصر أن يدفع ثمنها. فالدعوة التي تنطلق لتحرير الناس لا ينبغي أن تستعبدها المنافع، والداعية الذي يحمل رسالة السماء ينبغي أن يكون عطاؤه أكثر من أخذه، وبذله أكثر من انتظاره. ومع هذه العزة والاستقلال لم يكن الإسلام دين انغلاق أو تعصب أعمى، فقد استعان النبي صلى الله عليه وسلم بدليل مشرك عرف بالأمانة والخبرة. فالقضية ليست في الأسماء والشعارات، وإنما في توظيف الكفاءة المأمونة لخدمة الحق. وهكذا يظل الإسلام واقعيًا يتعامل مع الحياة كما هي، دون أن يتنازل عن أصوله أو يفرط في ثوابته. ثم يأتي مشهد الغار ليختصر حقيقة الإيمان كلها. هناك حيث تنقطع الأسباب تقريبًا، ويقترب الخطر حتى يصبح على باب الغار، ويرتجف القلب البشري بطبيعته، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما». إنها ليست عبارة للتسلية، وإنما إعلان عن حقيقة كبرى؛ أن المؤمن حين يكون مع الله لا يبقى وحيدًا ولو اجتمع عليه أهل الأرض جميعًا. وكانت الثمرة الكبرى للهجرة أن العقيدة صنعت ما عجزت عنه كل الروابط الأخرى. فقد جمعت بين الأوس والخزرج بعد تاريخ طويل من الدماء والأحقاد، وأقامت بين المهاجرين والأنصار أخوة لم يعرف التاريخ لها نظيرًا. وهنا تتجلى المعجزة الحقيقية للإيمان؛ فالأموال قد تجمع المصالح، والقوانين قد تنظم العلاقات، أما العقيدة وحدها فهي التي تؤلف بين الأرواح وتوحد القلوب. وهكذا لم تكن الهجرة مجرد انتقال من مدينة إلى مدينة، وإنما كانت انتقالًا بالبشرية كلها إلى مرحلة جديدة. لقد أعلنت أن العقيدة إذا تمكنت من القلوب استطاعت أن تغير مجرى التاريخ، وأن تصنع من المستضعفين أمة، ومن المطاردين قادة، ومن الفكرة المحاصرة حضارة تملأ الدنيا نورًا وعدلًا وهداية.
345
| 21 يونيو 2026
تكشف هذه الآية عن مبدأ دقيق من مبادئ الحكمة الإنسانية؛ وهو أن امتلاك الحقيقة لا يستلزم دائمًا إعلانها، وأن القدرة على الرد لا تقتضي بالضرورة ممارسته. فليست جميع المواقف تُعالَج بالكشف والمواجهة، كما أن الصمت ليس دائمًا علامة عجز أو تردد، بل قد يكون في بعض الأحوال صورة من صور الوعي العميق بطبيعة النفوس وحدود الحوار. لقد كان يوسف عليه السلام قادرًا على أن يدفع التهمة عن نفسه، وأن يكشف زيف الدعوى التي أطلقها إخوته، غير أن السياق يدل على أنه أدرك أن المشكلة لم تكن معرفية بقدر ما كانت نفسية؛ فليست كل النفوس مستعدة لاستقبال الحقيقة حين تتعارض مع تصوراتها المسبقة أو مصالحها أو مشاعرها. ومن هنا يصبح الإصرار على الجواب استنزافًا للطاقة دون مردود حقيقي. ومن الأخطاء الشائعة أن يظن الإنسان أن كل حقيقة ينبغي أن تُقال، وأن كل اتهام يجب أن يُجاب عنه. غير أن التجربة الإنسانية تكشف أن كثيرًا من الجدل لا ينشأ عن البحث عن الحق، وإنما عن الرغبة في الانتصار أو التبرير أو تثبيت موقف مسبق. وفي مثل هذه المواطن يتحول الحوار من وسيلة للمعرفة إلى ساحة لاستنزاف النفس وإهدار العمر. ولهذا فإن من علامات النضج العقلي والوجداني القدرة على التمييز بين الكلام الذي يخدم الحقيقة، والكلام الذي يخدم الانفعال. فكثير من الردود لا تصدر دفاعًا عن مبدأ، بل تعويضًا عن جرح، ولا تهدف إلى إيضاح الواقع، بل إلى استرداد شعور داخلي بالاعتبار. وهنا يصبح الصمت أحيانًا أكثر اتزانًا من الكلام، لأنه يحفظ الإنسان من أن يجعل خصومته مع الآخرين خصومة مع نفسه. وتبرز الآية كذلك مفهومًا راقيًا للقوة النفسية؛ فالقوة ليست في امتلاك الحجة فحسب، وإنما في امتلاك النفس عند حضور الحجة. وليست الكرامة رهينة باعتراف الآخرين، ولا قيمة الحق متوقفة على تصديق الناس له. فالحقيقة تظل حقيقة وإن جحدها الخلق، كما أن الباطل لا يتحول إلى حق بمجرد شيوع القبول له. ومن منظور أعمق، فإن بعض المعارك لا تكون الخسارة فيها بنتيجة ما تنتهي إليه، وإنما بمجرد الدخول فيها. إذ قد ينجح بعض الناس في جرِّ خصومهم إلى مستويات من الجدل والانفعال لا تليق بهم، فيكون أعظم الانتصار أن يرفض المرء النزول إلى الميدان أصلًا. ولهذا كان إسرار يوسف للكلمة في نفسه موقفًا منضبطًا يعبر عن ثقة لا تحتاج إلى ضجيج، وعن يقين لا يفتقر إلى تصفيق. إن النفوس الكبيرة لا تستعجل ما تكشفه الأيام، لأنها تدرك أن للزمن وظيفة لا تقل أثرًا عن وظيفة البيان، وأن الوقائع كثيرًا ما تتكفل بإظهار ما تعجز الكلمات عن إظهاره. ولذلك فإن الحكمة ليست في قول كل ما يُعرف، وإنما في معرفة ما يستحق أن يُقال، وما ينبغي أن يُترك لحكم الله وسير الأحداث. فبعض الحقائق يحرسها الصمت أكثر مما يحرسها الجدل، وبعض الكرامة يضيع حين يُبالغ صاحبها في الدفاع عنها، وبعض المقامات لا يبلغها الإنسان إلا حين يكون قادرًا على الرد، ثم يختار، عن وعي واقتدار، أن يُسرَّها في نفسه.
291
| 13 يونيو 2026
بين مقصود لم يُنطق، ومنطوق لم يُقصد، تولد أكثر الفجوات اتساعا بين القلوب، وتنشأ كثير من الخصومات التي لم يكن لها أن تقع لو أن الناس أحسنوا فهم بعضهم بعضا، أو أحسنوا الظن فيما خفي عليهم من المقاصد. فالإنسان لا يسمع الكلمات مجردة كما خرجت من فم قائلها، وإنما يسمعها عبر مرشحات كثيرة صنعتها تجاربه السابقة، وآلامه القديمة، ومخاوفه الكامنة، وصورته الذهنية عن المتحدث. ولهذا قد يقول اثنان العبارة نفسها، فتستقبل من أحدهما بالرضا، ومن الآخر بالاستياء، لا لاختلاف الألفاظ، وإنما لاختلاف ما أُسقط عليها من معان وتفسيرات. ومن هنا كانت المشكلة الكبرى أن كثيرا من الناس لا يتعاملون مع الكلمات ذاتها، بل مع ما يظنون أنه وراء الكلمات. فهم لا يناقشون المنطوق، وإنما يناقشون المقصود الذي تخيلوه، ولا يحاكمون العبارة، بل يحاكمون النية التي رسموها في أذهانهم. ولهذا فإن أكثر الخصومات لا تبدأ من سوء قصد حقيقي، وإنما تبدأ من سوء تفسير. كلمة قيلت على وجه، فحملت على وجه آخر، وتعليق عابر أريد به معنى محدود، فجر إلى معان واسعة لم تخطر ببال صاحبه، ثم تتراكم الظنون فوق الظنون حتى يصبح الوهم عند صاحبه حقيقة لا تقبل النقاش. وقد نبه القرآن الكريم إلى خطورة هذا المسلك حين قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. ولم يقل سبحانه: اجتنبوا الظن كله، لأن الحياة لا تخلو من ظنون عارضة تمر بالقلب، ولكن الخطر أن يستقر الظن، ثم يتحول إلى تفسير، ثم إلى يقين، ثم إلى موقف عملي. فكم من علاقة هدمها ظن، وكم من مودة انقطعت بسبب تفسير لم يقم عليه دليل، وكم من قلب ابتعد عن قلب لأنه تعامل مع ما توهمه لا مع ما تحقق منه. إن النفس البشرية إذا أحبت شخصا التمست لكلامه أحسن المخارج، وإذا امتلأت منه أو تأذت سابقا منه، جعلت كل كلمة دليلا جديدا على ما استقر فيها. ولهذا كان العدل مع الناس يبدأ من العدل في تفسير كلامهم، قبل العدل في الحكم عليهم. ومن دقائق الحكمة أن الإنسان كلما ازداد يقينا بأنه يعرف ما يقصده الآخرون، كان أحوج إلى مراجعة نفسه، لأن القلوب عوالم خفية لا يحيط بها إلا الله. وما أكثر ما نظن أننا فهمنا الناس فإذا الأيام تكشف أننا كنا أبعد ما نكون عن حقيقة مقاصدهم. ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرا وأنت تجد لها في الخير محملا”. وهذه ليست مجرد وصية أخلاقية، بل منهج حياة يحفظ العلاقات من الانهيار. فالبحث عن المحمل الحسن ليس تجاهلا للأخطاء، وإنما هو إعطاء الناس حقهم في حسن الظن حتى يقوم الدليل على خلافه. وهو اعتراف ضمني بأن الإنسان قد يخطئ في التعبير، وقد تعجز الكلمات عن نقل ما في القلب، وقد يسبق اللسان إلى ما لا يريده صاحبه. ومن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وجدها مدرسة كاملة في هذا الباب. فقد كان يلتمس الأعذار، ويتثبت قبل الأحكام، ويرد كثيرا من التفسيرات المتعجلة. بل إنه صلى الله عليه وسلم وضع أصلا عظيما حين قال: «إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم». فوظيفة البشر أن يتعاملوا مع الظاهر، أما السرائر فموكولة إلى علام الغيوب. ولو فتح باب الحكم على النيات لفسدت الدنيا، لأن كل إنسان سيصبح قاضيا على ما لا يعلمه، وحاكما فيما لا يملك إليه سبيلا. إن العلاقات الإنسانية لا يحفظها الذكاء في التقاط الزلات، وإنما يحفظها الكرم في تفسيرها، ولا يديمها البحث عن أسوأ الاحتمالات، وإنما يديمها حسن الظن ما وجد إليه سبيل. وما أحوج الناس اليوم إلى هذه “المسافة الآمنة” بين المنطوق والمقصود، تلك المسافة التي تمنحنا فرصة للسؤال قبل الاتهام، والتثبت قبل الحكم، والتمهل قبل القطيعة، فإن كثيرا مما نهدمه في لحظة غضب لا نستطيع بناءه بعد سنوات من الندم.
423
| 10 يونيو 2026
الحج ليس حركة أقدام إلى بقعة مقدسة فحسب، بل هو في حقيقته رحلة عودة الإنسان إلى حقيقة العبودية؛ ولهذا لم يكن البيت الحرام مجرد موضع في الأرض، بل جعله الله قياما للناس، ومركزا للتوحيد، ومهوى للأرواح قبل الأبصار، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾. فكأن البشرية كلما تاهت في دروب الأرض، ردَّها الله إلى هذا البيت؛ لتتذكر أن لها ربًا واحدا، وقبلة واحدة، وغاية واحدة. ومن هنا جاء فرض الحج في القرآن بصيغة التكليف المقرون بالتوحيد: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، فالحج حق لله على عباده، لأنه إعلان عملي عن خلع الشرك الظاهر والخفي، وتجريد القلب من عبودية ما سوى الله، ولهذا كانت التلبية شعار هذه الرحلة: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك»، فهي ليست ألفاظا تردد، بل ميثاق عبودية يتبرأ فيه القلب من كل شريك ينازع الله في المحبة أو الطاعة أو القصد. وقد جعل الله الحج ركنا من أركان الإسلام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإسلامُ على خمس… وحجِّ البيت» لأن هذه الشعيرة تجمع من معاني الدين ما لا يجتمع في غيرها؛ من التوحيد، والانقياد، والاتباع، والبذل، والصبر، ومجاهدة النفس. ومن تأمل مناسك الحج وجدها قائمة على كمال التسليم، فالحاج يطوف ويسعى ويقف بعرفة ويرمي الجمار ويحلق، اتباعًا لأمر الله، واقتداءً برسوله صلى الله عليه وسلم الذي قال: «خذوا عني مناسككم» لأن العبودية الحقّة ليست أن يدرك الإنسان كل الحكمة، وإنما أن يُسلِّم لله ولو غابت عنه بعض الأسرار. ولهذا كان الحج من أفضل الأعمال عند الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله»، ثم قال: «الجهاد في سبيل الله»، ثم قال: «حج مبرور» لأن الحج يربّي القلب على الإخلاص، والجسد على الطاعة، والنفس على المجاهدة. والحج المبرور هو الذي صح فيه الاتباع، وخلص من الرياء والفسوق، فكان أثره ظاهرًا على صاحبه استقامة وخشية وتعظيما لله، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» وقال: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»، لأن الحج الحق ليس تغيير مكان، بل تغيير إنسان. وفي الحج تتجلى وحدة الأمة بأوضح صورها، إذ يقف المسلمون على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وهيئاتهم في لباس واحد، وشعائر واحدة، وقبلة واحدة، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، فتذوب الفوارق الأرضية أمام رابطة العقيدة. كما أن الحج يربط الأمة بأصلها الإبراهيمي الأول، فكل مشعر فيه يذكّر بتوحيد إبراهيم عليه السلام وتسليمه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾، ولذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم». الحج ليس انتقالًا إلى المشاعر وحدها، بل انتقال من أسر الدنيا إلى سعة العبودية، ومن التفرق إلى الوحدة، ومن الغفلة إلى الذكر، ولذلك بقيت هذه الشعيرة عبر القرون شاهدة على أن الأمة لا تحفظ هويتها إلا إذا بقي التوحيد مركز حركتها وحياتها نسأل الله أن يرزق الحجاج حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، وسعيا مشكورا، وأن يردهم وقد طهرت قلوبهم كما طهرت وجوههم بدموع الرجاء. ونسأله سبحانه لمن لم يحج أن يكتب له أجر الشوق والنية، وأن يبلغه بيته الحرام عاجلا غير آجل.
735
| 24 مايو 2026
سويعات قليلة، وتدخل على الأمة أعظم أيام الدنيا، الأيام التي لا تشبه مرور الزمن المعتاد، بل تشبه مرور الرحمة حين تقترب من القلوب، وتشبه النداء الخفي الذي يوقظ الأرواح من غفلتها الطويلة، لتتذكر أن الحياة لم تُخلق للدنيا وحدها، وأن العمر أقصر من أن يُستهلك بعيدًا عن الله. إن عشر ذي الحجة ليست مجرد أيام فاضلة يزداد فيها الثواب، بل هي موسم يعيد ترتيب العلاقة بين العبد وربه، ويعيد تعريف معنى العبودية في القلب، ولذلك لم يأت فضلها في النصوص عرضًا عابرًا، بل جاء مؤكدًا بالقسم الإلهي: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. ثم جاءت السنة لتعلن بوضوح مكانة هذه الأيام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) وهو حديث يحتاج المؤمن أن يقف عنده طويلًا، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يخص عبادة بعينها، بل أطلق لفظ "العمل الصالح" ليبقى الباب مفتوحًا لكل طريق يوصل إلى الله، وكأن هذه الأيام ليست موسما لعبادة واحدة، بل موسما تُستنفَر فيه الروح كلها، ويتحوّل العمر فيه إلى ساحة واسعة للتقرب إلى الله. ثم تأمل كيف تعجّب الصحابة حتى قالوا: «ولا الجهاد في سبيل الله؟» لأنهم أدركوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع هذه الأيام إلى منزلة عظيمة فوق ما تألفه النفوس، فجاء الجواب النبوي ليؤكد أن شرف الزمان قد يرفع العمل الصالح حتى يبلغ منزلة تعجز العقول عن تصورها، ولهذا قال الله تعالى في آيات الحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ وهي آية تختصر فلسفة هذه الأيام كلها، فالمنافع هنا ليست منافع الدنيا وحدها، بل منافع القلوب والأرواح، منافع التوبة بعد القسوة، واليقظة بعد الغفلة، والانكسار بعد طول التكبر، وكأن الله يدعو عباده في هذه الأيام ليشهدوا بأنفسهم كيف تتغير الأرواح حين تقترب منه. وهنا تتجلى حقيقة عظيمة، وهي أن الله سبحانه لا يفضّل زمانًا لذاته، وإنما لما يفتح فيه لعباده من أبواب القرب، ولذلك اجتمعت في هذه الأيام أمهات العبادات التي لا تجتمع في غيرها: ففيها الحج، ذلك السفر الذي يخرج فيه الإنسان من ضجيج الدنيا وثقل ألقابه وأمواله، ليدخل إلى الله مجردًا من كل شيء إلا عبوديته، وكأن الحج إعلان عملي أن الإنسان مهما اتسعت به الدنيا فلن يجد سكينته الحقيقية إلا حين يعود عبدًا لله وحده. وفيها الصيام، الذي لا يقتصر أثره على الجوع والعطش، بل يعيد تهذيب الداخل الإنساني، ويكسر سلطان الشهوة، ليشعر الإنسان أن حريته الحقيقية ليست في أن يفعل ما يشاء، بل في أن يملك نفسه إذا اشتهت. وفيها الصدقة، التي لا تعني إخراج المال فقط، بل تحرير القلب من عبودية التعلق، فكم من إنسان يملك المال، لكن المال في الحقيقة هو الذي يملكه. وفيها الذكر، والتكبير، والتحميد، لأن القلب كلما عظّم الله صغرت الدنيا في عينيه، ولهذا كانت هذه الأيام موسما لإحياء معنى التعظيم، لا مجرد ترديد الألفاظ. وفيها الأضحية، التي تحمل في باطنها معنى أعمق من الذبح ذاته، فهي استدعاء لروح إبراهيم عليه السلام، يوم قدّم محبة الله على أعظم ما تتعلق به النفس. ثم يأتي يوم عرفة، ذلك اليوم الذي تتنزل فيه الرحمة بكثافة مهيبة، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار من يوم عرفة) وكأن السماء تفتح أبوابها كلها لعباد أقبلوا منكسرين، معترفين بفقرهم، راجين عفو ربهم، ولهذا فإن أعظم ما يخسره الإنسان ليس أن تفوته الدنيا، بل أن تمرّ عليه هذه المواسم ولا يتغير قلبه، ولا تخفّ غفلته، ولا يشعر أن العمر يتسرب سريعًا من بين يديه. فكم من إنسان أدرك العشر بجسده، لكنه لم يدخلها بروحه، وكم من عبد كانت هذه الأيام بداية تحوّل حقيقي في حياته، لأن النفحات الربانية لا تغيّر الأعمار فقط، بل تغيّر المصائر أحيانًا ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
456
| 17 مايو 2026
لا تنشأ معاناة الإنسان في بعض الصداقات من انتهائها الصريح، بقدر ما تنشأ من بقائها في حالة معلقة بين القرب والغياب، حيث يتحول الاضطراب العاطفي إلى حالة استنزاف ممتدة، بسبب حضور متقطع، وود غير مستقر، وسلوك يفتقر إلى الوضوح والثبات، مما يجعل النفس أسيرة لحالة انتظار طويلة تستنزف طاقتها الشعورية والفكرية، ومع مرور الزمن لا يبقى تعلق الإنسان متجها إلى حقيقة الشخص بقدر ما يتعلق بصورة ذهنية قديمة كوّنها عنه في مراحل الصفاء الأولى، فينشأ نوع من الانفصال بين الواقع والتصور، إذ تستمر النفس في الدفاع عن الصورة القديمة رغم التحولات الواقعية الواضحة، وهنا تظهر آلية التبرير النفسي بوصفها محاولة داخلية لتخفيف صدمة الاعتراف بالحقيقة، فيُفسَّر الجفاء بالانشغال، والفتور بالتعب، والتغير بالظروف، لا لعجز الإنسان عن إدراك الواقع، بل لصعوبة تقبل سقوط الصورة المثالية التي بناها في أعماقه، ولهذا لم ينظر الإسلام إلى الصحبة باعتبارها قيمة مطلقة، وإنما ربط مشروعيتها وآثارها بما تحدثه في الدين والنفس والسلوك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله»، وهو توجيه يكشف البعد التربوي العميق للعلاقات الإنسانية، إذ إن أثر الصحبة لا يظهر دائما في الصدمات المباشرة، بل قد يتسلل تدريجيا عبر الاستنزاف النفسي البطيء، حتى تتحول العلاقة إلى مصدر قلق دائم واضطراب داخلي يفقد الإنسان سكينته واتزانه، ومن هنا فإن النضج النفسي والتربوي لا يتمثل في الإبقاء على جميع العلاقات مهما بلغت درجة أذاها، بل في امتلاك القدرة على التمييز بين الصحبة التي تعين الإنسان على الطمأنينة والنمو، وتلك التي تستنزف روحه وتضعف استقراره النفسي والإيماني، ولذلك فإن الابتعاد عن العلاقات المؤذية لا يعد دائما صورة من صور القطيعة السلبية، بل قد يكون حفاظا مشروعا على سلامة النفس، ولهذا يكتسب الحديث النبوي: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة» بعدا أعمق، إذ لا يقتصر معنى الأذى على ما يؤذي الجسد أو الطريق الحسي، بل يمتد إلى كل ما يعطل سلام الإنسان النفسي ومسيره الإيماني
414
| 10 مايو 2026
إن من أعظم ما تُبتلى به القلوب أن تُزيَّن لها الخيانة باسم المصلحة، وأن تُلبس لباس الحكمة وهي في حقيقتها نقض للعهد، فيمضي الإنسان وهو يظن أنه يحسن صنعا، حتى يأتي يوم تُكشف فيه الحقائق، وتُجرّد الأفعال من أعذارها، وتُعرض كما هي، بلا تزويق ولا تأويل، هنالك لا ينفع تبرير، ولا يستر تأويل، بل يقوم كل امرئ بما كسب، ويُدعى باسمه، ويُعرَف بفعله، فإما لواء شرف يرفعه، وإما راية خزي تفضحه، ومن هنا كان هذا الحديث هزة للوجدان قبل أن يكون خطابا للعقل، لأنه لا يصف فعلا فحسب، بل يكشف مصيرا. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْغَادِرُ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ» تأمل كيف لا يكتفي الحديث بذكر العقوبة، بل يرسم صورتها، صورة تُرى لا تُتخيل، تُعاش لا تُحكى، لواء يُرفع، واسم يُعلن، وفعل يُنسب، وكأن الغدر الذي كان يتخفّى في زوايا المصالح، ويُدفن تحت طبقات التبرير، قد جُرِّد من كل شيء، ثم أُقيم في ساحة مكشوفة، لا جدران فيها تستر، ولا أعذار فيها تُقبل، ولا وجوه فيها تُدار، بل حقيقة عارية تُعرض، وعدل ظاهر يُقام. إن الإنسان في الدنيا قد ينجح في إدارة صورته، قد يخفي ما شاء، ويظهر ما شاء، ويُقنع الناس بما شاء، وقد يلبس الخيانة لباس الحكمة، ويغلفها باسم الضرورة، ويجعلها في أعين من حوله موقفا ذكيا أو تصرفا حكيما، لكنه في الحقيقة إنما يفرّ من مواجهة نفسه قبل أن يفرّ من مواجهة الناس، لأنه يعلم في أعماقه أن ما فعله ليس اضطرارا بل اختيار، وليس ضعفا عارضا بل ميل مستقر. ولهذا جاء الجزاء من جنس الفعل، لأن الذي خان في الظل، لا بد أن يُكشف في العلن، والذي استتر بليل المصالح، لا بد أن يُفضح في نهار العدالة، والذي نسب إلى غيره ما لا يستحق، يُنسب إليه فعله على رؤوس الأشهاد، لا يُذكر بوصف عام، بل باسمه الصريح، وكأن هذا الإعلان ليس مجرد عقوبة، بل ردّ للحق إلى نصابه، وتسمية للأشياء بأسمائها بعد أن كانت تُحرّف وتُخفى. وليس في هذا المشهد مجرد فضيحة، بل انكشاف لمعنى أعمق، وهو أن الغدر ليس فعلا منفصلا عن صاحبه، بل هو أثر من آثار خلل في الداخل، في أصل العلاقة بين العبد وربه، وفي معنى الأمانة التي حُمِّلها، وفي ميزان القيم الذي يزن به أفعاله، ولذلك لم تكن العقوبة مجرد ألم يُذاق، بل كشف يُرى، لأن ما فسد في الداخل لا يُصلح إلا بأن يُظهر على حقيقته. وقد يتساءل المرء، لماذا هذا الإشهار، ولماذا لا يُعامل الغدر كغيره من الذنوب التي يُرجى سترها، والجواب أن الغدر اعتداء على ثقة، وهدم لمعنى الأمان، وإفساد لروابط تقوم عليها حياة الناس، فهو ليس ذنبا بين العبد وربه فحسب، بل جناية تمتد آثارها إلى غيره، ولذلك كان من العدل أن يُعلن، كما أُخفي، وأن يُظهر، كما استتر، ليُعلم أن الثقة ليست شيئا يُتلاعب به، وأن العهد ليس كلمة تُقال ثم تُنسى. ومن هنا نفهم أن الخطر في الغدر لا يكمن في نتيجته الظاهرة فقط، بل في أثره العميق في النفس، لأنه يدرّب القلب على الخيانة، ويعوّده على التلوّن، ويُضعف فيه معنى المراقبة، حتى يصبح الإنسان قادرا على أن يخون وهو لا يشعر بثقل الخيانة، وهنا تكون المصيبة، لأن فقدان الإحساس بالذنب أشد من الذنب نفسه. وقد يربح الغادر موقفا، أو ينجو من مأزق، أو يحصل على منفعة عاجلة، لكنه في كل ذلك يخسر شيئا أعظم، يخسر صفاء قلبه، ويخسر ثقة الناس به، ويخسر قبل ذلك وبعده نظر الله إليه بعين الرضا، وما قيمة مكسب يجر وراءه هذا الخسران كله. إن هذا الحديث لا يريد منك أن تترك الغدر خوفا من الفضيحة فقط، بل يريد أن يرفعك إلى مقام أعلى، مقام التعفف عنه ولو لم يُفضح، مقام الوفاء ولو لم يُمدح، مقام الصدق ولو لم يُشكر، لأن حقيقة الإيمان ليست في أن تترك الشر حين يُكشف، بل أن تتركه حين تقدر عليه، ولا يراك فيه أحد. وهنا يتبين أن النجاة لا تُصنع في لحظة الامتحان الكبرى، بل تُبنى في تفاصيل الحياة الصغيرة، في كلمة تُحفظ، وعهد يُصان، وأمانة تُؤدى، ووعد لا يُخلف، لأن هذه الأمور التي يراها الناس يسيرة، هي التي تُكوّن في مجموعها شخصية الوفاء، أو شخصية الخيانة. فاجعل لنفسك عهدا لا تخونه، ولو لم يطّلع عليك أحد، وكن صادقا مع الله قبل أن تكون صادقا مع الناس، فإن من صلح سره صلحت علانيته، ومن حفظ قلبه في الخفاء، حفظه الله في العلن، ومن تعفف عن الخيانة في مواضع القدرة، رفعه الله يوم تنكشف السرائر. وفي الختام ليست الفضيحة هناك إلا صورة لما كان هنا، وليست النجاة هناك إلا ثمرة لما زُرع هنا، فاختر لنفسك لواء يُرفع لك لا عليك، وذكرا يُقال فيك لا عليك، ووجها تلقى به ربك وهو عنك راضٍ.
402
| 02 مايو 2026
العقل في أصل خلقته ميزان، به يُعرف الحق من الباطل، وبه يُهتدى إلى سواء السبيل، وهو في طبيعته جندي للهداية، لا خصم لها، غير أنه إذا أُسلم لسلطان الهوى، تبدلت وظيفته، وانقلبت طبيعته، فصار يخدم ما كان ينبغي أن يحاكمه، ويزين ما كان ينبغي أن يرده، وهنا لا يبقى عقلا هاديا، بل يصير عقلا مبررا، لا يبحث عن الحقيقة ليخضع لها، بل عن المخرج ليتحصن به. وهذا العقل لا يولد فجأة، بل يتشكل في الخفاء، حين تتكرر لحظة صغيرة، يتغاضى فيها الإنسان عن صوت الحق في داخله، فيعتاد أن يقدّم راحته على صدقه، وسلامته الظاهرة على سلامته الباطنة، حتى يألف هذا الانحراف، ويغدو عنده عادة فكرية لا يشعر بها. حين يخون العقل وظيفته العقل السليم يقف عند الفعل وقفة محاسبة، يسأل قبل الإقدام لا بعده، يزن قبل أن يحكم، ويحتكم إلى معيار ثابت لا يتبدل بتبدل الرغبات، أما العقل التبريري فلا يبدأ بالسؤال، بل يبدأ بالنتيجة، يحسم الأمر في داخله وفق ما تميل إليه نفسه، ثم يستدعي الأدلة لاحقا، لا ليتأكد، بل ليُقنع، فيصير التفكير عنده أداة دفاع لا أداة بحث. وهنا يتحول العقل من قائد إلى تابع، ومن نور يكشف الطريق إلى ستار يُخفيه، فلا يعود يفرق بين الحق الذي ينبغي اتباعه، والباطل الذي ينبغي اجتنابه، بل يلبس أحدهما لباس الآخر حتى تختلط المعالم. التزيين أخطر من الوقوع الذنب في أصله ضعف، لكنه لا يزال يحمل في داخله بذرة الرجوع، لأنه يكسر صاحبه ويوقظ ضميره، أما إذا تلبس بالتبرير، صار مرضا مزمنا، لأن صاحبه لم يعد يرى فيه عيبا، بل يراه خيارا له مسوغاته، وهنا يتحول الخطأ من زلة إلى منهج. ولهذا كان التزيين أخطر من الوقوع، لأنه لا يكتفي بإسقاط الإنسان في الخطأ، بل يعيد تشكيل وعيه حتى لا يراه خطأ أصلا، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، فالمصيبة ليست في الفعل وحده، بل في الصورة التي تُرسم له في القلب، حتى يبدو مقبولا، بل مبررا، بل مستحقا. من الذنب إلى القناعة العقل التبريري لا يقف عند حدود الدفاع، بل يتدرج في الهدم، يبدأ بتخفيف وقع الخطأ، ثم بتأويله، ثم بإعادة تعريفه، حتى يتحول من انحراف إلى رأي، ومن زلة إلى موقف، ومن فعل يُستحيا منه إلى فكرة يُدافع عنها. وهنا تقع الكارثة الصامتة، حين لا يعود الإنسان يخطئ وهو يشعر بالذنب، بل يخطئ وهو مطمئن، بل ربما وهو يظن أنه على صواب، فيصاب القلب بعمى لا تراه العين، ولا يكشفه التحليل، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، فيبقى الإدراك العقلي حاضرا، لكن الميزان الداخلي قد اختل، فلا يعود يميز بين ما ينبغي أن يُفعل وما ينبغي أن يُترك. معركة الداخل ليست المعركة الحقيقية في ساحات الخارج، بل في تلك اللحظة الخفية التي يقف فيها الإنسان بين نداءين، نداء الحق يدعوه إلى الرجوع، ونداء التبرير يزين له الاستمرار، وبينهما تتحدد وجهته، لا بما يفعله فقط، بل بما يرضى أن يسميه حقا في نفسه. والخطر كل الخطر أن يخسر الإنسان هذه المعركة وهو لا يشعر، فيظن أنه ثابت، وهو في الحقيقة ينحدر، ويظن أنه يفكر، وهو في الحقيقة يُعاد تشكيله من الداخل. طريق النجاة النجاة ليست في العصمة من الزلل، فإن هذا فوق طاقة البشر، وإنما في حفظ الصدق عند الزلل، أن يرى الإنسان خطأه كما هو، بلا تزيين ولا تهوين، وأن يملك شجاعة الاعتراف، لا مهارة التبرير، وأن يعود إلى ميزانه الأول كلما اختل. فإن التوبة لا تبدأ من ترك الذنب فقط، بل من كسر الصورة التي زُين بها، ومن إعادة الأشياء إلى أسمائها الحقيقية، فالكلمة التي تُحرّف لتُجمّل الخطأ، أخطر من الخطأ نفسه. إن العقل إذا لم يكن خادما للحق، صار خادما للهوى، وإذا لم يكن نورا يهدي، صار ظلمة تضل، فليحذر المرء أن يكون عقله حجة له في الظاهر، وهو عليه في الباطن، يبرر له حتى يسقط، ويزين له حتى يضل. وفي الختام نسأل الله أن يرد عقولنا إلى فطرتها، وأن يرزقنا بصيرة لا تنخدع، وقلوبا لا تُخدر، وأن يعصمنا من أنفسنا إذا مالت، ومن عقولنا إذا بررت، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والله الموفق.
456
| 28 أبريل 2026
مساحة إعلانية
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...
1920
| 15 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده...
1173
| 16 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره...
1152
| 11 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...
1062
| 14 أكتوبر 2026
شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...
1005
| 15 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين...
666
| 12 أكتوبر 2026
-الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق...
573
| 11 أكتوبر 2026
■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...
567
| 13 أكتوبر 2026
يُفترض أن تكون الحصة الدراسية المكان الأول الذي...
483
| 11 أكتوبر 2026
لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد...
453
| 15 أكتوبر 2026
الموضوع باختصار إن لي صديقة كانت قد انفصلت...
447
| 15 أكتوبر 2026
قبل أيام تم الإعلان من قبل « visit...
417
| 12 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية