رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

بين العبادة والعادة

إن من أخطر ما يهدد روح العبادة، خاصة في شهر رمضان، أن تتحول الطاعة من عبادة واعية إلى عادة مكررة، تؤدى بالجسد، ويغيب عنها القلب. فيصوم الإنسان لأنه اعتاد الصيام، ويقوم لأن الناس يقومون، ويقرأ القرآن لأن العادة جرت بذلك، لا لأن القلب متعلق بالله، ولا لأن الروح تطلب القرب منه. والفرق بين العبادة والعادة فرق عظيم؛ فالعبادة عمل ينبع من القلب، تحركه النية، ويقوده التعظيم، وتثمره الخشية. أما العادة فهي فعل مكرر، قد يخلو من المعنى، ويؤدى بلا حضور، وربما بلا أثر. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الخطر حين قال: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر) فليس كل من صام فاز، ولا كل من قام ربح، وإنما الفوز لمن صام بقلبه قبل جسده، وقام بروحه قبل بدنه. وكان السلف الصالح شديدي الخوف من أن تدخل العبادة عليهم من باب العادة. قال بعضهم: ما أخاف على نفسي من الذنب، ولكن أخاف أن يؤدى العمل بلا قلب. وكانوا يرون أن العمل إذا طال بلا حضور قلب صار ثقيلا، وفقد أثره، وإن كثر. رمضان بطبيعته قد يجر الإنسان إلى العادة دون أن يشعر؛ فالصيام يتكرر كل يوم، والقيام كل ليلة، والبرنامج واحد، والنفس تميل إلى الألفة، فإذا لم يجدد القصد، ولم يستحضر المعنى، تحولت العبادة إلى حركات رتيبة، لا تغير القلب، ولا تزكي النفس. ولهذا كان بعض السلف يقول: تفقد قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر، وفي أوقات الخلوة؛ فإن لم تجده في هذه المواطن، فاسأل الله قلبا، فإنه لا قلب لك. فالعبادة الحقيقية تترك أثرا: خشوعا، وانكسارا، ومحبة لله، ونفورا من المعصية. أما العادة فلا تغير صاحبها، وقد يمضي عليها السنين وهو كما هو. ومن أعظم ما يميز العبادة عن العادة المراقبة؛ أن تستشعر أنك واقف بين يدي الله، وأنه مطلع على قلبك قبل عملك. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾. وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: ليست العبادة بكثرة الصلاة والصيام، ولكن العبادة التفكر في أمر الله، والعمل بطاعته. فليست القضية في الكم، وإنما في الصدق والحياة القلبية. وفي رمضان، يحتاج المسلم أن يقف مع نفسه وقفة صادقة، ويسأل: هل صيامي عبادة أم عادة؟ هل صلاتي وقوف بين يدي الله أم مجرد قيام؟ هل قراءتي للقرآن مناجاة أم عد صفحات؟ وإذا وجد من نفسه فتورا أو غفلة، فليعلم أن الخلل ليس في العبادة، ولكن في القلب، وأن العلاج ليس بترك العمل، بل بتجديد النية، واستحضار المعنى، والدعاء بالقبول.

294

| 22 فبراير 2026

القلب محل النظر

إن من أعظم الحقائق التي ينبغي أن تغرس في النفوس، خاصة في شهر رمضان، أن القلب هو محل نظر الله من العبد، وأن صلاح الأعمال أو فسادها إنما ينبع من صلاح هذا القلب أو فساده. فليس الميزان عند الله كثرة الحركات، ولا وفرة الظواهر، وإنما الميزان ما استقر في القلب من صدق وإخلاص وخشية. وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل العظيم حين قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) فالقلب هو موضع النظر، وهو مبدأ السلوك، وهو قائد الجوارح، إن صلح صلحت، وإن فسد فسدت. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، ورمضان في حقيقته موسم لإصلاح القلوب قبل الجوارح، وميدان لتزكية الباطن قبل تزيين الظاهر. فكم من صائم أمسك عن الطعام والشراب، وقلبه مشغول بالحقد، أو متعلق بالدنيا، أو غافل عن الله!، وكم من قائم وقف بين يدي الله، ولسانه يقرأ، وقلبه ساه لاه!. وكان السلف الصالح يفهمون هذا المعنى فهما عميقا، فكان اهتمامهم بقلوبهم أعظم من اهتمامهم بجوارحهم. قال بعضهم: القلب ملك، والجوارح جنود، فإذا صلح الملك صلحت الجنود. وقال آخر: ما نظر إلى شيء من العبد أفضل من قلبه. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم. وهذه المحاسبة إنما تكون في القلوب أولا؛ لأن القلب هو موضع النيات، ومنبع الخواطر، ومصدر الإرادات. ورمضان فرصة عظيمة لتفقد القلب هل فيه تعظيم لله؟ هل فيه صدق في التوبة؟ هل فيه حب للطاعة، وكراهية للمعصية؟ هل فيه سلامة للمسلمين، ونقاء من الغل والحسد؟ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. فالقلب السليم هو الغاية، وهو رأس المال الحقيقي، وهو الذي ينجي العبد يوم لا ينفعه صيامه ولا قيامه إن خلا من الإخلاص والخشية. وكان بعض السلف يقول: إصلاح القلب أشد من إصلاح العمل؛ لأن العمل يرى، وأما القلب فلا يراه إلا الله. ولهذا كان الخوف على فساد القلوب عندهم أعظم من الخوف على ترك النوافل.

198

| 21 فبراير 2026

النية سر القبول

إن من أعظم القضايا التي ينبغي أن تفتح بها القلوب في رمضان، وأن تراجع فيها النفوس بصدق، قضية النية؛ تلك الحقيقة الخفية التي لا يراها الناس، ولكنها عند الله هي الميزان، وهي الفارق بين العمل المقبول والعمل المردود، وبين القليل المبارك والكثير الضائع. رمضان موسم كثرة الأعمال، وتنوع الطاعات، من صيام وقيام وقرآن وصدقة، ولكن الخطر كل الخطر أن تنشغل الجوارح بالطاعة، ويغفل القلب عن النية. وقد أصل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل العظيم في حديث هو ميزان الأعمال كلها، فقال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) قال الإمام الشافعي رحمه الله: يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه، لما له من عظيم الأثر في تصحيح الأعمال. وقال الإمام أحمد رحمه الله: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث، وذكر منها هذا الحديث، كما نقله ابن رجب في جامع العلوم والحكم. والنية في رمضان أعظم شأنا؛ لأن العمل فيه مضاعف الأجر، شديد الوقع، فمن صحت نيته تضاعف له الخير، ومن فسدت نيته خسر موسما كاملا. قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية، ذكره ابن أبي الدنيا في الإخلاص. والسلف الصالح كانوا أشد خوفا على نياتهم من خوفهم على أعمالهم. قال سفيان الثوري رحمه الله: ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي؛ إنها تتقلب علي. وكان يوسف بن الحسين رحمه الله يقول: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر. رمضان مدرسة النية؛ لأنه عبادة خفية في أصلها، لا يطلع عليها البشر، فالصائم قد يكون وحده، لا يراه أحد، ومع ذلك يمتنع عن الطعام والشراب، لا لشيء إلا لأنه يعلم أن الله يراه. ولهذا جاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به) قال ابن رجب رحمه الله: وإنما اختص الصيام بذلك؛ لأنه سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه غيره. فمن صلح باطنه في الصيام، صلح ظاهره في سائر الأعمال. ومن هنا، فإن أعظم ما ينبغي أن يجدد مع دخول رمضان هو النية: نية الصيام إيمانا واحتسابا، ونية القيام طلبا للقبول لا للثناء، ونية قراءة القرآن طلبا للهداية لا للختمات، ونية الصدقة طلبا لرضا الله لا لمدح الناس.

207

| 20 فبراير 2026

رمضان موسم الاصطفاء والربح

رمضان شهر اختصه الله بفضائل عظيمة، فجعل فيه الصيام ركنا من أركان الإسلام، وأنزل فيه القرآن، ورفع فيه الدرجات، وكفر فيه السيئات. قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾ ومع ذلك، فإن الخطر العظيم أن يتعامل المسلم مع رمضان كما يتعامل مع أي شهر آخر؛ يمر عليه مرور العادة، لا مرور العبادة، فينقضي الشهر وقد تغيرت المظاهر ولم تتغير القلوب. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة تضييع هذا الموسم، فقال: (رغم أنف رجل دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يغفر له) إنه توبيخ شديد، ودعاء بالخسارة على من أدرك رمضان ولم يخرج منه مغفورا له، لأن الفرصة كانت متاحة، والأبواب كانت مفتوحة، لكن القلوب كانت غافلة. رمضان فرصة لا تتكرر؛ لأن الأعمار محدودة، والأيام معدودة، ولا أحد يملك ضمانا أن يدرك رمضان القادم. كم من أناس صاموا معنا العام الماضي، وهم اليوم تحت التراب! وكم من خطط ونيات قطعت بالموت قبل أن ترى النور! ولهذا كان السلف الصالح يعظمون هذا الشهر تعظيما بالغا، وكانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم. ذكره ابن رجب في لطائف المعارف. والفرصة في رمضان ليست في كثرة الأعمال فقط، بل في تجديد العلاقة مع الله، في تصحيح النية، في كسر الاعتياد، في إحياء القلب بعد موته. فرب عمل صغير عظمته النية، ورب صيام لم يجاوز الحلق لأن القلب لم يحضر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه) فالإيمان والاحتساب هما روح الصيام، وهما اللذان يحولان الشهر من عادة سنوية إلى محطة تغيير حقيقية. ومن هنا، فإن أول واجب على المسلم في رمضان أن يسأل نفسه: هل أريد رمضان كما اعتدته، أم كما أراده الله؟ هل أريده شهر طقوس، أم شهر توبة ومراجعة؟ هل أريده شهر انشغال بالطعام، أم شهر غذاء للأرواح؟

342

| 18 فبراير 2026

رمضان بين الغفلة واليقظة

ليس بينك وبين رمضان إلا خطوات قليلة، ولكن بين قلبٍ غافلٍ وقلبٍ مستيقظ مسافة عمرٍ كامل. إنّه موعدٌ يتكرر في الزمن، لكنه لا يتكرر في الأعمار؛ لأن الذي يستقبله هذا العام قد لا يشهده في عامٍ آخر. هكذا يجيء رمضان كل مرة ليضع الإنسان أمام الحقيقة الكبرى: إن الفرص لا تدوم، وإن الأبواب التي تُفتح اليوم قد تُغلق غدًا دون استئذان. بعد أيامٍ يسوق الله إلى القلوب ضيفًا عظيمًا طال انتظاره، ضيفًا طالما وعدت النفس نفسها أن تستقبله بصدقٍ وعزم، ثم مضت الأعوام وما زال الوعد مؤجلًا، والعهد مؤخرًا، والتوبة مؤجلة إلى موسم آخر. وها هو الموسم قد عاد، وقد مُدَّ لك في الأجل مرة أخرى، وكأن السماء تناديك: لقد فُتح الباب من جديد، فهل تدخل أم تبقى في دائرة التسويف حتى يُغلق الباب فجأة دون استئذان؟ إن بلوغ رمضان ليس عادة تتكرر، بل نعمة كبرى لا يعرف قدرها إلا من عرف معنى الفقد. كم من وجوه كانت معنا في رمضان الماضي ثم صارت اليوم تحت التراب، انقطع عملها، وانتهت فرصتها، وصار رمضان بالنسبة إليها أمنية لا تُنال. وهنا يقف القلب أمام سؤال لا مهرب منه: ماذا ستفعل بهذه الفرصة التي لم تُمنح لغيرك؟ لقد أعلن النبي هذا المعنى إعلانًا يهز القلوب حين قال: «مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأُدْخِلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ». إنها صيحة توقظ الغافلين: إن المسألة ليست موسمًا عابرًا، بل محطة فاصلة بين مغفرة أو حرمان. إن استقبال رمضان في حقيقته عودة إلى الصفاء الأول؛ عودة إلى زمن الطهر قبل أن تكدّره الذنوب، وإلى نقاء القلب قبل أن تثقله الغفلة. إنه شهر تتفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتُسلسل الشياطين، وكأن الكون كله يُهيّأ لرحلة صعود روحي، فمن لم يصعد في هذا الموسم فمتى يصعد؟ في داخل الإنسان شهوات تضغط، وغضب يتربص، ونوازع تشده إلى الأرض، فجاء الصيام ليعيد ترتيب الداخل، ويعيد الإنسان إلى مقام العبودية الخالصة. فالصوم ليس حرمانًا بل تحرير، وليس امتناعًا بل ارتقاء، وليس كفًا للجسد بل انطلاق للروح. يا أهل الصيام والقيام، إن هذا الوافد العظيم لا يُكرم بالكلام، بل بالمجاهدة والعمل. استقبلوه بالتوبة الصادقة، وجددوا العهد مع الله، فإن أعمارنا أقصر من آمالنا، وأقرب مما نظن إلى نهايتها. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ إن الصيام مدرسة العبودية الكاملة؛ يأكل العبد حين يؤمر، ويمسك حين يؤمر، لا تحكمه شهوة ولا عادة، بل تحكمه كلمة الله وحدها. وهنا يتعلم القلب أن الطاعة ليست مزاجًا، بل استسلامًا كاملًا لله. ومن فضائل الصيام العظيمة: 1 - مغفرة الذنوب قال ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». 2 - الفرحتان العظيمتان قال ﷺ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ». 3 - الصيام عبادة لا مثل لها قال ﷺ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ». 4 - باب خاص في الجنة للصائمين قال ﷺ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ». 5 - تزكية النفس وتطهير العمل فرض النبي زكاة الفطر «طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ». إنها رحلة تبدأ بالتوبة، وتزدهر بالصبر، وتثمر بالمغفرة. رحلة تعيد تشكيل القلب ليولد من جديد قبل أن يولد يوم القيامة. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، والحمد لله رب العالمين

318

| 15 فبراير 2026

قوة الحضارة الإسلامية

لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا فحسب، بل كان قبل ذلك مشروعًا تربويًا وأخلاقيًا متكاملًا. فقد صنع الإنسان قبل الدولة، وربّي الضمير قبل المؤسّسة، فانبثق مجتمع يرى القيم معيارا لحركته في التاريخ. ومن هنا كان الثبات على المبدأ مفتاحًا لفهم قوّة التجربة الإسلامية في نشأتها الأولى، كما يفسّر هذا مظاهر الضعف التي منيت به حين تراجع حضور القيم في مراحل لاحقة. لقد أسّست السيرة النبوية قاعدة راسخة مفادها أن المبادئ لا تخضع لميزان الربح والخسارة. ففي غزوة بدر، ومع شدّة الحاجة إلى النصرة، رفض النبي صلى الله عليه وسلم الاستعانة بمشرك، وقال: «ارْجِعْ؛ فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ». كما تجلّى الوفاء بالعهد حين قيّد حذيفة وأبوه بعهدٍ ألّا يقاتلا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انْصَرِفَا؛ نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ». إنّ هذه المواقف تؤكّد أن القيادة النبوية أرادت ترسيخ قاعدة أخلاقية مفادها أن الغاية لا تبرّر الوسيلة إذا ناقضت القيم. نشأ الصحابة على هذه التربية حتى أصبحت القيم جزءًا من تكوينهم النفسي والروحي. فبلال بن رباح تحمّل التعذيب تحت لهيب الصحراء مردّدًا: «أَحَدٌ أَحَدٌ». وثبت سعد بن أبي وقاص على إيمانه رغم تهديد أمّه امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾. وضرب صهيب الرومي مثالًا فريدًا حين قدّم ثروته كلّها مقابل حرّية الهجرة، فقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «رَبِحَ صُهَيْبٌ». كما أعلن أبو ذر إسلامه في قلب مكّة غير هيّابٍ للأذى، ثم لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ماشيًا مثالًا للإصرار والوفاء. وتبلغ هذه الروح ذروتها في موقف الحسن بن علي حين تنازل عن الخلافة حقنًا لدماء المسلمين، مقدّمًا وحدة الأمّة على طموح السلطة. لم ينقطع حضور هذه القيم بانتهاء عصر الصحابة؛ فقد ظلّ العلماء يمثّلون الضمير الأخلاقي للأمّة، فثبتوا على ما يرونه حقًّا ولو خالف السلطان. كما تحوّل الأدب العربي إلى مساحةٍ تجسّد العلاقة بين الكلمة والموقف، وقد انتهت حياة المتنبي قتيلًا حين أبى الفرار بعد تذكيره بقوله: فالخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ كما ثبت الأشتر النخعي في المعركة مستحضرًا قول ابن الإطنابة: أبتْ لي عفّتي وأبى بلائي وإقدامي على البطلِ المشيحِ وقولي كلّما جشأتْ وجاشتْ مكانَكِ تُحمَدي أو تستريحي ويقابل هذه النماذج المشرقة ظهور شخصيات باعت القيم طلبا للجاه والمال، فنافقت الخلفاء أو بالغت في مدحهم بما لا يجوز ولا يصح مثل قول ابن هانئ الأندلسي: ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ فاحكم فأنت الواحدُ القهّارُ وقد وصف القرآن عاقبة هذا المسار بقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾. إن التجربة التاريخية تكشف أنّ قوّة الحضارة الإسلامية ارتبطت بسلامة مجرى القيم في المجتمع. فعندما كانت المبادئ حيّةً فاعلة، قادت الأمّة العالم، وحين تحوّلت القيم إلى شعاراتٍ مجرّدة بدأ الضعف والتراجع، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.

663

| 08 فبراير 2026

النصيحة أمانة لا صفقة

ليست النصيحة صفقة على موائد المصالح، ولا كلمة تقال إذا أمنت عواقبها؛ إنما هي أمانة تلقى في عنق المؤمن، ومسؤولية يسأل عنها بين يدي الله قبل أن تواجه بها القلوب. هي فريضة صدق لا تقاس بميزان القبول، ولا تربط بشرط السلامة، ولا تؤجل بحجة التريث إذا استبان الحق ووجب البلاغ. ومن الخيانة حقا أن يأتمنك المسلم على نصيحة، ثم تمسكها خوفا، أو مداراة، أو طلبا لسلامة موهومة؛ فإن النصيحة إذا استودعت صارت دينا، وكتمانها خذلان، وتأخيرها تضييع للأمانة، لا حكمة فيه ولا فقه مصلحة. النصيحة ليست وعدا بالقبول، ولا ضمانا للاستجابة، ولا تعهدا بسلامة الطريق؛ ولكنها أداء واجب، وشهادة للحق، وبراءة ذمة. قد ترد النصيحة، وقد تواجه بالجفاء، وقد تقابل بالإعراض؛ غير أن الخسارة ليست في رفضها، وإنما الخسارة كل الخسارة في خيانتها. فالناصح لا يملك قلوب الناس، ولكنه يملك أمانته، ولا يسأل عن القبول، وإنما يسأل عن الصدق. ولذلك كان هذا الدين قائما على البلاغ والنصح، لا على الحسابات الضيقة ولا على مجاملة الواقع. قال الله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فالتواصي ليس ترفا أخلاقيا، بل هو عمود النجاة، وبه يستدرك الخلل، ويحمل المجتمع على كتفي الصدق والصبر. وقال سبحانه مخاطبا خير من بلغ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. فإذا كان البلاغ في حق الرسل بهذه المنزلة، فما بال الورثة من أهل الإيمان يفرون من واجب النصح، أو يقايضونه على رضا الناس؟ وجاء البيان النبوي قاطعا لكل التردد: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ». فجعل النبي صلى الله عليه وسلم النصيحة جوهر الدين، لا هامشه، ومركزه لا زينته. ضوابط النصيحة ولئلا تنقلب النصيحة فوضى، ولا تتحول الجرأة تهورا، فقد ضبطها الشرع بضوابط تحفظ مقصدها وتبقي أثرها: الإخلاص لله تعالى أن يراد بها وجه الله لا تشفيا ولا انتصارا للنفس. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. العلم بما ينصح به فلا نصيحة بجهل، ولا إنكار بلا بينة. قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. الرفق والحكمة في الأداء فإن الكلمة الصادقة إذا خرجت في قالب حكمة كانت أقرب إلى القبول. قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ». اختيار الوقت والمقام فليس كل حق يقال في كل وقت، ولا كل إنكار يؤدى على الملأ. وقد كان السلف يعدون النصيحة سرا من تمام النصح، وعلانية من باب التشهير، إلا حيث تدعو المصلحة الراجحة. عدم اشتراط القبول فوظيفة الناصح البلاغ لا النتائج. قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. الصبر على الأذى فطريق النصيحة محفوف بالمكاره، ولا يثبت عليه إلا من تزود بالصبر. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. العدل والإنصاف فلا يبخس المنصوح حقه، ولا ينسى له فضل. قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. إن النصيحة حين تحبس خوفا، أو تؤجل مداراة، أو تخفف طلبا للسلامة، تفقد حقيقتها وتتحول إلى خيانة مستترة. وما أكثر ما يلبس الناس ثوب الحكمة ليواروا به جبنهم، ويسموا الصمت فقه مصلحة، وهو في الحقيقة فرار من واجب الشهادة. وقد قال ابن حزم رحمه الله:»لَا تَنْصَحْ عَلَى شَرْطِ الْقَبُولِ، وَلَا تَشْفَعْ عَلَى شَرْطِ الْإِجَابَةِ، وَلَا تَهَبْ عَلَى شَرْطِ الْإِثَابَةِ، وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ اسْتِعْمَالِ الْفَضْلِ، وَتَأْدِيَةِ مَا عَلَيْكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالشَّفَاعَةِ وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ». تلك هي النصيحة كما ينبغي أن تكون: شهادة حق، وأداء أمانة، وبراءة ذمة. لا تقاس بنتائجها، ولا تحاكم بآثارها العاجلة، وإنما توزن بنيتها وصدقها. فمن أداها فقد نجا، ومن خانها فقد خسر، ولو صفق له الناس.

297

| 02 فبراير 2026

هندسة اللاءات العشر للسواء النفسي

هذه اللاءات العشر ليست ردود أفعال عابرة، ولا شعارات للاستهلاك الأخلاقي، بل هي فعل وعي طويل النفس، يُمارس في التفاصيل قبل القرارات الكبرى. بها يحفظ الإنسان تماسكه في عالم يطلب منك أن تُستنزف باسم اللطف، وأن تتنازل باسم المرونة، وأن تذوب باسم التكيف. هي لاءات لا تُقصي الحياة، بل تُعيد ترتيب علاقتك بها، وتُنقذك من أن تعيشها منكسرا من الداخل وأنت تبتسم للخارج. 1 ـ لا تُجامل على حساب استنزاف نفسك: لأن المجاملة حين تنفصل عن الرضا الداخلي تتحول إلى دين نفسي مؤجل، تُسدده لاحقا من طاقتك وهدوئك. العطاء بلا وعي ليس فضيلة، بل غياب حدود. وما لا يزيدك اتساعا وصدقا مع ذاتك، ينقصك ولو لبس ثوب الخلق. 2 ـ لا تُصاحب من اتخذ العجز وطنا واستأنس باليأس: فبعض العلاقات لا تُنهكك لأنك ضعيف، بل لأنها تُصر على بقائك صغيرا. حركتك تُربكه، ونموك يفضح سكونه، وثباتك يُدينه. لا يهدأ له بال إلا إذا رآك تنكمش لتُشبهه، أو تعتذر عن طموحك كي لا تُذكره بما فرط فيه. 3 ـ لا تُنفق وعيك في جدال لا يُنير، ولا تُكابر في الخطأ: فالجدال الذي لا يفتح أفقا هو استنزاف مقنع، والمكابرة ليست قوة، بل تصلب يمنع التعلم. الحقيقة لا تولد من الضجيج، بل من سكون الفهم. الصمت الواعي ليس هروبا، والاعتراف الصادق ليس هزيمة؛ كلاهما انتقال من وهم الصورة إلى صدق الذات. 4 ـ لا تُقرر وأنت منفعل: فالانفعال يُضيق زاوية الرؤية، ويُضخم اللحظة على حساب العاقبة. القرار يحتاج سعة نفس، لا سرعة رد. كثير من الندم لم يكن سببه الجهل، بل التسرع تحت ضغط شعور عابر ظُن أنه حقيقة كاملة. 5 ـ لا تُقارن نفسك بغيرك: فكل مقارنة محاكمة جائرة للاختلاف، واعتراض صامت على مسار لم يُخلق ليُشبه سواك. أنت لا ترى من حياة الآخرين إلا نتائجهم، ولا تحمل عنهم أثمانها. وكل مقارنة تُغفل السياق، تزرع سخطا لا ضرورة له، وتُشوش بوصلة الرضا. 6 ـ لا تشمت بأحد: فالشماتة جهل بديناميكية الحياة، وسوء فهم لطبيعة التقلب. من يفرح بسقوط غيره، يُوهم نفسه بأمان مؤقت، وينسى أن الأقدام نفسها التي تعثرت قد تنهض، وأن الثبات ليس وعدا دائما لأحد. 7 ـ لا تطرق بابا أُغلق في وجهك مرتين: فالكرامة ليست عنادا، بل وعي بمواضع الانسحاب. بعض الأبواب لا تُغلق لأنك غير كاف، بل لأنها ليست لك. والإصرار الأعمى على البقاء حيث لا يُرحب بك، خسارة صامتة للنفس باسم الأمل. 8 ـ لا تكشف وجعك لكل أحد: فالشكوى أمانة، وليست كل القلوب أهلا لها. بعض الناس يسمع ليُقارن، أو ليحكم، أو ليُخزن ضعفك لا ليحتويه. اختر من تُعطيه صوتك، فالكلمات التي تخرج بلا أمان تعود على صاحبها مثقلة. 9 ـ لا تطلب ما يُهينك ولو كنت محتاجا إليه: فبعض المكاسب تملأ اليد وتُفرغ الروح. وما أُخذ بذهاب العز، ذل لا جبر له. الحاجة لا تُبرر سحق الذات، والفقر العابر أهون من غنى يُشترى بفقدان الاحترام الداخلي. 10 ـ لا تُهمل هندسة ذاتك: فالسواء النفسي لا يُمنح جاهزا، ولا يأتي مصادفة. هو بناء تراكمي من الوعي، وضبط الحدود، وحسن الاختيار، ومراجعة الدوافع. أن تعرف متى تقول نعم بصدق، ومتى تقول لا بلا ذنب، هو جوهر هذا البناء. هذه اللاءات ليست قيودا للحياة، بل خرائط أمان داخلية. ليست انسحابا من العالم، بل طريقة ذكية للوجود فيه دون أن تتآكل. هي هندسة للاتزان، تحفظ الإنسان من التبدد وهو يمضي، وتمنحه السواء النفسي المنشود.

363

| 25 يناير 2026

لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا

وردت هذه الآية في سورة الطلاق، وهي سورة فريدة في بنائها ومقاصدها، نزلت في سياق أزمة محددة، لكنها تجاوزت حدود الحدث لتخاطب الإنسان في كل لحظة ضيق، وكل موقف انكسار، وكل حال يشتد فيه الكرب وتضيق فيه الرؤية. فالقرآن لا يحبس معانيه في أسباب النزول، ولا يقيّد هداياته بزمان أو واقعة، وإنما يجعل من الحدث الخاص نافذة على الحقيقة العامة. ولهذا جاءت هذه الآية لتكون رسالة مفتوحة لكل قلب مثقل، لا لمن عاش تجربة بعينها فحسب. ﴿لَا تَدرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحدِثُ بَعدَ ذَٰلِكَ أَمرا﴾ كلمة قصيرة في ألفاظها، عظيمة في أثرها، تهزّ القلب حين يظن أن الصورة اكتملت، وأن النهاية قد كُتبت، وأن الأبواب أُغلقت بلا رجعة! تخاطب الإنسان في أضعف حالاته، حين تحاصره الوقائع، ويثقُل عليه الغد، ويغدو الألم هو الحقيقة الوحيدة التي يراها. لا تدري؛ لأن علمك محكوم باللحظة، وبما تراه العين، وبما يعتصر به القلب؛ أما ما وراء اللحظة، وما بعد الكرب، وما خلف الأبواب المغلقة، فلا يعلمه إلا الله. وهنا يتعلم القلب المؤمن درسًا جوهريًا: ألا يُصدر الأحكام النهائية، وألا يجعل الألم مقياس الحقيقة كلها. هذه الآية لا تعد بزوال البلاء في الحال، ولا تعد بتغير الواقع فورا، لكنها تمنح ما هو أعمق من الوعد المباشر؛ تمنح الأمل المفتوح، وتكسر اليقين القاتل، وتمنع اليأس من أن يتحول إلى قناعة راسخة، إنها تقول للقلب المنهك: ابذل السبب وسلّم الأمر لله، فيد الله تعمل حيث لا ترى أنت ولا تدري، والله يُدبّر من وراء ما تحسبه أنت نهاية محتومة. ومن هنا يتجلى البعد التربوي العميق في السورة؛ فهي لا تعالج الظرف الخارجي فحسب، بل تعيد تشكيل الداخل الإنساني في زمن المحنة. فالقرآن لا يربّي الإنسان على الهروب من الشدة، بل على حسن الوقوف فيها، وعلى أن يظل قلبه منضبطا وهو في قلب العاصفة. ولهذا يؤكد السياق على قيمة المعروف بوصفها قاعدة شاملة في التعامل مع كل أزمة، وكل قرار، وكل موقف يختلط فيه الألم بالغضب: ﴿فَأَمسِكُوهُنَّ بِمَعرُوفٍ أَو فَارِقُوهُنَّ بِمَعرُوف﴾. والمعروف هنا ليس حكما متعلقا بحال بعينها، بل مبدأ أخلاقي عام: أن لا يُدار الألم بالظلم، ولا تُتخذ القرارات تحت سلطان القسوة أو التشفي. ثم يتكرر الوعد الإلهي ليُعاد توجيه القلب إلى مصدر الطمأنينة الحقيقي: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجعَل لَّهُ مَخرَجا﴾. فالمخرج لا يكون دائما في التخطيط ولا في كثرة الحيل، بل في بقاء القلب متصلا بالله، خاضعا لحدوده، واثقا أن الله لا يترك من احتمى به. ثم يتعمق المعنى أكثر: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجعَل لَّهُ مِن أَمرِهِ يُسرا﴾. واليسر هنا لا يعني بالضرورة زوال الشدة، بل قد يكون سكينة تُسكب في القلب، أو نورا في البصيرة، أو قوة على الاحتمال حتى يأتي الفرج في وقته الذي يريده الله. وتبلغ السورة ذروة معناها حين تربط هذا كله بحقيقة الإيمان: ﴿ذَٰلِكَ أَمرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُٓ إِلَيكُم﴾ فما يجري في لحظات الكرب ليس عبثا، ولا تفصيلا هامشيا في حياة المؤمن، بل ميدان اختبار لصدق علاقته بالله، ثم يُختم المسار بربط السلوك في الشدة بالمصير الأبدي: ﴿وَمَن يُؤمِن بِٱللَّهِ وَيَعمَل صَٰلِحا يُدخِلهُ جَنَّٰت تَجرِي مِن تَحتِهَا ٱلأَنهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدا قَد أَحسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزقا﴾.وهكذا تصبح الآية رسالة لكل مكروب، ولكل من ضاقت به السبل، ولكل من ظن أن ما يراه هو نهاية الطريق! ﴿لَا تَدرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحدِثُ بَعدَ ذَٰلِكَ أَمرا﴾ رسالة تقول: إن ما بعد الشدة ليس فراغا، بل مساحة يعمل فيها الله، وإن من سلّم قلبه لله في زمن الألم، لم يخذله الله، ولم يتركه وحيدًا في طرق الكرب.

384

| 18 يناير 2026

صناعة التفاهة

ليست الرويبضة حادثة اجتماعية عابرة، ولا زلة في مسار زمن مستقيم، بل هي مرحلة حضارية كاملة، لها شروطها وسياقها ومقدماتها. فالمجتمعات لا تسقط أخلاقيا دفعة واحدة، وإنما تتآكل من الداخل ببطء شديد، عبر مسار طويل يبدأ بإضعاف المعايير، ثم بتجريد القيم من سلطانها، ثم بنزع الهيبة عنها، ثم بتقديمها بوصفها وجهة نظر، ثم بالسخرية منها، ثم في المرحلة الأخيرة بإقصائها بوصفها تخلفا أو عبئا على التطور. وعند هذه النقطة تحديدا، يستدعى الرويبضة ليملأ الفراغ!الرويبضة لا يصعد صدفة، ولا يفرض نفسه قهرا، بل يفسح له المجال لأن الزمن في تلك اللحظة يحتاجه؛ فهو ابن عصر لا يحتمل الميزان، ولا يصبر على الحقائق الثقيلة، ولا يريد من يذكره بالحدود والواجبات، بل من يمنحه مخرجا أخلاقيا لانحداره، وتبريرا لغريزته، وتسويغا لسقوطه. الرويبضة لا يزعج الضمير، بل يسكنه، ولا يوقظ العقل، بل يخدره؛ ولهذا جاء التعبير النبوي بالغ الدقة، فلم يقل: يظهر الرويبضة، ولا يكثر الرويبضة، بل قال: وينطق فيها الرويبضة، أي يؤذن له بالكلام، ويستدعى إلى المنصة، وينتظر رأيه، ويقدم بوصفه ممثلا عن الناس، وربما ناطقا باسم الوعي الجديد. وهنا جوهر التحذير: ليس في وجود التافه، فالتفاهة وجدت في كل عصر، بل في تمكينه من الكلام في أمر العامة، أي في مصير المجتمع وقيمه وأخلاقه واتجاهاته الكبرى، لا في شأنه الخاص ولا في هامش الحياة. فحين يصبح التافه مرجعا، تختل البوصلة، لا لأنه شرير بالضرورة، بل لأنه غير مؤهل. صناعة التفاهة: حين يصبح الانحطاط وظيفة في عصرنا، لم تعد التفاهة خللا عارضا، ولا ظاهرة هامشية، بل تحولت إلى صناعة مكتملة الأركان. تنتج المقاطع بدقة، وتختار العناوين بعناية، ويصمم المحتوى ليصدم لا ليصلح، وليستفز لا ليبني، وليكسر الحواجز النفسية لا ليوقظ الضمير. يعاد تقديم العقوق أو الفاحشة أو الانحراف، لا بوصفها آفات تحتاج إلى علاج، بل بوصفها قصصا إنسانية، أو تجارب شخصية، أو واقعا لابد من تقبله. والخطر هنا لا يكمن في الفعل ذاته فقط، بل في تداوله وتكراره وتطبيعه، حتى يفقد المجتمع حساسيته الأخلاقية، فلا يعود القبيح قبيحا، بل مألوفا، ولا يعود المنكر منكرا، بل حرية. ومع التكرار، يتبلد الوجدان، وتعاد صياغة الذائقة، ويقاس الصواب لا بالحق، بل بعدد المشاهدات. انزواء العقلاء: حين يصير الصمت فضيلة مرة في هذا المشهد الصاخب، لا يقصى العقلاء بالقمع، ولا تكمم أفواههم بالقوة، بل يقصون بالتهميش. يغرق الضجيج صوت الحكمة، ويتهم صاحب المبدأ بالوعظ، ويوصف الثابت بالتشدد، ويسخر من العاقل لأنه لا يجيد الإثارة. فيختار كثير من أهل القيم الصمت، لا عجزا، بل اشمئزازا من سوق يقاس فيه الحق بعدد الإعجابات. غير أن هذا الصمت، على وجاهته النفسية، يترك فراغا، والفراغ لا يبقى طويلا، بل تملؤه الرويبضة. فحيث يغيب الصوت الرصين، يعلو الصوت السطحي، وحيث تنسحب المرجعية، يتصدر الجهل. انقلاب القدوة: حين يقدم السفه نموذجا المجتمع لا يعيش بلا قدوات. فإذا غابت القدوة الصالحة، صنعت قدوة زائفة. وحين يرى الجيل أن الشهرة تنال بالوقاحة، وأن الانتشار يكافأ بالعقوق، وأن السفه طريق مختصر للنجاح، فإن الرسالة التربوية تبث بلا معلم ولا منهج. وهكذا يتحول الانحراف من سلوك مرفوض إلى نموذج يحتفى به، ويصبح السفيه واجهة، لا استثناء. فإذا تصدر السفهاء، لم يعد الفساد فرديا، بل منهجيا، ولم يعد الانحراف طارئا، بل سياسة ثقافية. الرويبضة ليس أصل الداء، بل آخر أعراضه. فلا يقاوم بالسخرية، ولا بالانسحاب، بل بإعادة الاعتبار للقيمة، وبإحياء المرجعية، وبفضح التفاهة بوصفها مشروعا هادما، لا مجرد تسلية بريئة. وفي زمن يكافأ فيه السفه، يصبح الثبات على المبدأ مقاومة. وفي زمن ينطق فيه الرويبضة، يصبح العقل موقفا أخلاقيا. وسيظل أهل المبادئ غرباء، غربة حق لا غربة ضعف، وشهادة على أن القيم وإن حوربت؛ لا تموت.

363

| 11 يناير 2026

السواء النفسي

السواء النفسي ليس انفصالا عن الألم، ولا تعطيلًا للمشاعر، بل هو خضوع هذه المشاعر لمنهج أعلى، يردها إلى موضعها الصحيح. هو أن يعرف الإنسان نفسه: ضعفها وقوتها، فقرها وغناها، قابليتها للخير وانجذابها للشهوة، ثم يضع ذلك كله في ميزان العبودية. قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ فالسواء هنا ليس إلغاء للفجور الممكن، بل وعيا به، ومجاهدة له، وانتصار التقوى في نهاية المطاف. إنه سلام نابع من وضوح المعركة داخل النفس، لا من إنكار وجودها. ثانيا: ميزة السواء النفسي وآثاره 1. الطمأنينة الثابتة ليست الطمأنينة هدوء الأعصاب فحسب، بل سكون القلب إلى الله، مهما اضطربت الأمواج من حوله. قال تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ). 2. التحرر من الاستعباد الخفي النفس غير السوية تستعبدها نظرة الناس، أو سطوة الخوف، أو لهاث المقارنة. أما النفس السوية فحررها التوحيد؛ فلا تخضع إلا لله، ولا تنحني إلا لأمره. 3. القدرة على التحمل والمواجهة السواء النفسي يمنح صاحبه قدرة على مواجهة البلاء دون انهيار، والعمل في الشدة دون يأس، لأنه يرى الأحداث من علٍ، لا من قاع اللحظة. 4. الانسجام بين الفكر والسلوك لا يعيش صاحب النفس السوية صراعا حادا بين ما يؤمن به وما يفعله؛ إذ تتوحد القناعة مع الحركة، فتغدو الأفعال ترجمانا صادقا للإيمان. ثالثا: سبيل الوصول إلى السواء النفسي 1. تصحيح العلاقة مع الله البداية من الأعلى، من تحرير التصور عن الله، واليقين بحكمته وعدله. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فالهداية هنا هداية القلب إلى السواء عند الصدمة، وإلى التوازن عند الاضطراب. 2. معرفة النفس ومحاسبتها إن الجهل بالنفس أصل كثير من الاضطراب. والمحاسبة ليست جلدا للذات، بل وعي دائم، ومراجعة صادقة، تضع الخطأ في حجمه، وتفتح باب التوبة دون يأس. 3. تزكية النفس لا قمعها التزكية ليست خنق الرغبات، بل تهذيبها وتوجيهها. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ فالسواء وليد هذا الفلاح، لا ثمرة القمع ولا الانفلات. 4. الارتباط بالغاية الكبرى حين يعيش الإنسان بلا غاية عليا، تتنازعه الأهداف الصغيرة، وتستنزفه التفاصيل. أما حين تستقر غاية العبودية في القلب، فإن كل حركة تكتسب معناها، وكل ألم يجد موضعه. 5. الصحبة الصالحة والبيئة الواعية النفس تتشكل في محيطها؛ فالصوت الذي تسمعه، والفكرة التي تتكرر أمامها، إما أن تثبتها أو تزعزعها. والبيئة الإيمانية ليست ترفا، بل ضرورة لحفظ السواء. السواء النفسي في الإسلام ليس نهاية الطريق، بل رفيقه الدائم. هو حالة يقظة لا تخدير، وثبات لا جمود، وسلام لا هروب. إنه ثمرة الإيمان حين يتحول من فكرة في الذهن إلى منهج في الحياة، وحينها فقط يسير الإنسان في هذا العالم، وقلبه مستقر في موضعه الصحيح، تحت ظلال العبودية، وفي كنف السكينة.

348

| 04 يناير 2026

اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن

ليس أثقل على القلب من هم لا يُرى، ولا أوجع على النفس من حزن صامت، يتكرر صداه في الصدر حتى يغدو كأنه جزء من نسيج الروح. الآلام الظاهرة قد يخففها البوح، أما الهم الدفين فيستنزف صاحبه على مهل، ينهش طمأنينته دون ضجيج، يأكل من قوَّته دون أن يترك أثراً يُرى. والإنسان قد ينجو من الحدث، نعم، لكنه لا ينجو دائما من أثره؛ فقد تمر الواقعة، وينقضي زمنها، ويبقى ظلها جاثما في الداخل، يرافقه في يقظته، ويزاحمه في نومه، ويطلّ عليه كلما حاول أن يفرح. ومن أعجب ما في النفس البشريَّة أنها قد تغادر الألم زمانا، ثم تعود إليه اختيارا، كأنها تستحضره بوعي أو بغير وعي، فتعيد فتح الجراح التي كادت تلتئم؛ فيتحول الماضي من ذكرى عابرة إلى عبء دائم، وتتحول الحوادث من تجارب منتهية إلى هوية نفسية مقيمة، وكأن البلاء لم يعد حدثا وقع وانقضى، بل صار تعريفا للذات، يستدعى كلما لاح أفق عافية، فيستبدل نور الحاضر بثقل الذكرى، ويقايض السلام النفسي بالاستغراق في الألم. وهنا تتجلَّى حكمة الإسلام في تحرير الإنسان من هذا الأسر الخفيّ؛ إذ لا ينكر المشاعر، ولا يطالب بإنكار الألم، لكنه يعيد ترتيب العلاقة مع الزمن والقدر؛ فالماضي ليس سجنا للنفس والقلب، وإنما ميدان اعتبار، ومحل فقه وتعلم. قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ثم أعقب ذلك مباشرة بقوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ هذه الآيات لا تُقرِّر حقيقة عقدية فحسب، بل تؤسس منهجاً نفسيا متكاملا. إن العلم بأن كل ما وقع قد كتب قبل أن يوجد، وأن ما أخطأ الإنسان لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، ليس ترفاً فكريا ولا تنظيراً مجرداً، بل دواء عميق لجراح القلب. إنه قطع لدابر الأسئلة المهلكة من نوع: لماذا حدث هذا؟ ولو أني فعلت كذا لما كان كذا! تلك الأسئلة التي لا تغير واقعا، ولكنها تضاعف الألم، وتبقي النفس رهينة لحظة انتهت. والعبودية الصادقة لا تظهر عند وقوع البلاء فحسب، بل في كيفية الفهم، وفي نوع الاستجابة، وفي المسار الذي يسلكه القلب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) هنا يضع الإسلام حدا فاصلاً بين الاعتبار المشروع، والندم الممرض. الاعتبار ينمي الحكمة، أما الندم المتعلق بما لا يمكن تغييره فيغذي الحزن والهم. ولذلك كان هذا الدعاء النبوي العظيم: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ) فالهم تعلق مؤلم بالمستقبل، والحزن استغراق مرهق في الماضي، وكلاهما يسرق الإنسان من لحظته الحاضرة. والاستعاذة منهما ليست مجرد كلمات تقال، بل إعلان افتقار، وتفويض، ووعي بأن القلب لا يحتمل وحده ثقل الأزمنة الثلاثة. فإذا استقر هذا المعنى في النفس، تحول الدعاء إلى منهج حياة: تحرُّر من ماض يستنزف، واطمئنان تجاه مستقبل بيد الله، وحضور واع في اللحظة الراهنة. وحينئذ يتعلم القلب أن يعيش الحاضر بسلام، لا لأنه خال من المنغصات، بل لأنه موصول بالله. فيرضى عن قضائه، ويطمئن لحكمته، ويوقن أن وراء كل منع عطاء، ووراء كل ابتلاء لطفا قد يتأخر كشفه. وبهذا الفقه، لا يعود الماضي سيفاً مسلطا على الروح، ولا يصبح المستقبل مصدرا للفزع، بل يتحولان إلى محطتي تسليم وثقة، ويستعيد القلب عافيته شيئا فشيئا، مستعينا بالله، متوكلا عليه، راضياً به رباً ومدبراً وحكيماً.

375

| 29 ديسمبر 2025

alsharq
ملتقى المكتسبات الخليجية.. نحو إعلام خليجي أكثر تأثيرًا

لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...

5997

| 13 مايو 2026

alsharq
على جبل الأوليمب.. هل يمكن؟

كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...

1788

| 13 مايو 2026

alsharq
رواتب لربات البيوت

في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...

1221

| 18 مايو 2026

alsharq
احتكار المعرفة.. التدريب الإداري والمهني

قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...

1167

| 13 مايو 2026

alsharq
هل يجاملنا الذكاء الاصطناعي أكثر مما ينبغي؟

تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...

1125

| 14 مايو 2026

alsharq
مراسيل التوش

تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية...

906

| 16 مايو 2026

alsharq
الوعي المجتمعي

إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...

774

| 14 مايو 2026

alsharq
الأب.. الرجل الذي لا يغيب

في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...

759

| 13 مايو 2026

alsharq
اصحب كتاباً

يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...

687

| 13 مايو 2026

alsharq
العلاقات التركية - الجزائرية من الماضي إلى الحاضر

تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...

675

| 17 مايو 2026

alsharq
معركة الوعي بين الإدراك والسطحية

الوعي هو حالة إدراك الإنسان لذاته ولمحيطه، وقدرته...

624

| 14 مايو 2026

alsharq
الأسرة الواعية.. استثمار الوطن الحقيقي

في كل مرة تُطرح فيها قضايا الأسرة والتربية...

579

| 14 مايو 2026

أخبار محلية