رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); بفوز المرشح الجمهوري (دونالد ترامب)، وبداية تشكّل فريقه اليميني؛ الذي صار جديراً أن يسمى: (فريق الأحلام الصهيوني)؛ أصبحت المخاطر على قضايانا العربية والإسلامية وخاصة قضية بيت المقدس والمسجد الأقصى أكثر جدية. أمريكا دولة مؤسسات، نعم؛ ولكن هذه المؤسسات تتحوَّل بفعل تغيُّر وجهات الناخبين، وسطوة الأذرع الإعلامية، ومصالح الاقتصاد، والسياسة، ولوبيات الضغط.التيارات الدينية المتطرفة في أمريكا وإسرائيل لم تعد في الهامش؛ كما هو الحال في العالم العربي، بل في متن الأحداث وصلبها.قبل أيام حذّرت (محكمة العدل العليا الإسرائيلية)؛ -كما تسمى- من خطر حقيقي تمثله حركة يمينية متطرفة قد تشعل الأوضاع في المنطقة كلها بسبب أيديولوجيتها التلمودية، وهي تعمل على تسريع بناء الهيكل وهدم المسجد الأقصى، وهي من أخطر حركات الهيكل المزعوم القومية.(عائدون إلى الجبل)؛ حركة جديدة أسسها نشطاء إرهابيون من (شبيبة التلال)، وهذه الشبيبة تضم أعضاء ينفذون اعتداءات ضد الفلسطينيين ومزروعاتهم وأملاكهم ومقدّساتهم، ويقيمون البؤر الاستيطانية العشوائية في الضفة المحتلة.هؤلاء المتطرفون لا يخفون هدفهم بهدم المسجد وبناء الهيكل.وقد تجدّدت وتعززت آمالهم بتوسع الكيان الصهيوني للسيطرة على أجزاء من سوريا ولبنان ومصر وبلاد أخرى.وزير الحرب الصهيوني المتشدد (ليبرمان)؛ يهدد بحرب شاملة على غزة ويؤكد: (وأود التوضيح مرة أخرى: ستكون بالنسبة لهم المواجهه الأخيرة حيث سندمرهم بالكامل).تهديد بالقضاء على الحياة الإنسانية في غزة.رئيس الوزراء الإسرائيلي (نيتنياهو) أعلن عزمه المشاركة شخصياً في الحفريات أسفل المسجد الأقصى مما دعا الجامعة العربية إلى التحذير من ذلك!سلطة الآثار الإسرائيلية اقتحمت مقبرة باب الرحمة الملاصقة للمسجد، وهدمت وجرفت بعض القبور؛ ضمن خطة صهيونية ممنهجة ضد المعالم والمواقع والمقابر؛ التي تضم رفات كبار الصحابة وقادة الفتح الإسلامي.وكان هذا ردًا مباشرًا على قرارين جريئين اعتمدتهما منظمة (اليونسكو)، وينصّان على الحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني وطابعه المميز في القدس، واعتبار المسجد الأقصى وكامل الحرم القدسي الشريف موقعا إسلاميًا مقدّسًا ومخصصًا للعبادة.كبح محكمة الصهاينة للشباب المتطرفين العائدين إلى الجبل ليس قمعًا للإرهاب، بل هو تعزيز لإرهابية الدولة ذاتها وتهديدها للسلم والأمن في العالم، وكأن هؤلاء الشباب المتحمسين ينازعونها اختصاصها، ويزايدون على وجهتها، ويستعجلون ما تمارسه أجهزتها الرسمية وفق خطط مدروسة باتت مكشوفة معروفة..في الوقت الذي تنتقد مؤسسات عالمية معنية بالآثار ما يفعله شباب مسلمون متطرفون بآثار يظفرون بها في العراق أو سوريا من تدمير، فإننا نجد صمتًا مطبقًا إزاء ممارسات على أعلى المستويات يشارك فيها رئيس الوزراء الصهيوني بنفسه، وقد تعهّد في تصريحات صحفية بالمشاركة الشخصية في نقل التراب من أسفل المسجد الأقصى؛ داعيًا المجتمع اليهودي إلى الانضمام إليه.وفي السياق قررت الحكومة الإسرائلية إجبار كل إسرائيلي على المشاركة في الحفريات التي تنفذها أسفل المسجد الأقصى وفي محيطه وفي باقي مناطق القدس؛ بهدف الحصول على أدلة تربط اليهود بالمكان.وقال رئيس سلطة الآثار بالحكومة الصهيونية إسرائيل حسون: (إن سلطته قررت بالتنسيق مع الحكومة أن يشارك كل شاب إسرائيلي قبل تجنيده بالجيش في عمليات الحفر أسفل الأقصى وفي محيطه وداخل البلدة القديمة من القدس، على اعتبار أنها مهمة وطنية).إزاء تحولات عالمية وتحديات إقليمية يطول العجب من صمتنا وتجاهلنا وفرقتنا، وانشغالنا بالتوافه والجزئيات والشكليات والصراعات الهامشية، وإصرارنا على البقاء في مربع التفرج وأحيانًا الإسهام في خدمة مخططات الأعداء ولو بغير وعي!اضطربت عند بعض قومنا بوصلة العدو والصديق فصار الحليف الصديق عدواً متربصاً، والعدو التاريخي صديقًا مأمون الجانب!وتطوع آخرون بالعمل كمحامين عن المواقف الصهيونية ولو اقتضى الأمر الهجوم الصريح والمباشر على كل ما هو عروبي أو إسلامي!إن لم نضع في صلب رؤيتنا الاستراتيجية أن هذه التحولات تُشكّل تهديداً وجودياً لدولنا وشعوبنا وجماعاتنا، ولم نضع أساليب جديدة للمواجهة، فمعناه أننا مثل الذي يجرفه طوفان هادرٌ من السيول وهو ينظر إلى السماء ويقول: الجو غائمٌ اليوم! أرى خللَ الرمادِ وميضَ جَمْرٍ *** ويوشكُ أن يكونَ له ضرامُفإنّ النارَ بالعودين تُذْكى *** وإنّ الحربَ أولها كلامُإذا لم يطفها عقلاءُ قومٍ *** يكونُ وقودها جثثٌ وهامُأقول من التعجبِ ليت شعري *** أأيقاظٌ أمية أم نيامُ؟
587
| 18 نوفمبر 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); في إحدى محاضراتي بدأت الحضور بسؤال: كيف تحب أن تلقى الله؟ أجابوا بصوت واحد: أن أموت ساجدًا. لم يفاجئني الجواب، فهو شيء أتمنَّاه لنفسي، و«أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» أخرجه مسلم (482) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وكان أبو ثعلبة رضي الله عنه يتمنَّى ميتة حسنة، فمات وهو ساجد في صلاة الليل. «الآحاد والمثاني» (2628)، و«حلية الأولياء» (2/30،31)، و«تاريخ دمشق» (66/104)، و«سير أعلام النبلاء» (2/570). لو سألت محرك البحث (Google) عمن ماتوا ساجدين لسرد لك قائمة طويلة من المتقدِّمين والمتأخِّرين، ومن الحقائق والظنون والشائعات! الشهيد أعظم عند الله منزلة: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾. الفاروق العظيم جمع الله له بين الشهادة، وأن يموت في صلاته، وفي بلد رسوله صلى الله عليه وسلم. كيف رحل آدم؟ بل: كيف عاش؟ عاش وفيًّا للرسالة، للخلافة في الأرض بالبناء والإعمار، عاملًا على حقن الدم ومنع الفساد، والوفاء للميثاق الأول. تذكر الروايات أنه مرض، وأحس بقرب الرَّحيل، وشاركته زوجه الإحساس ذاته، وكان يردِّد الكلمات المباركات التي تلقَّاها من ربِّه، التوحيد والاستغفار والاعتراف بالذنب: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. لك أن تبحث عن أثر التعبُّد في حياتنا ونحن نحتشد في المساجد، ونسارع إلى العمرة بعد العمرة والحج بعد الحج، ونتلو آيات الذكر الكاشفة عن الفرق بين مهمة آدم ومهمة الملائكة.. لِمَ لا يكون من بيننا مَن يحب أن يعيش حياته منهمكًا في عمل خير وإحسان ونفعٍ للفقير والمسكين والغريب والمريض والصغير؟ وهو إحسان يتعدَّى نفعه للآخرين ولا يقتصر على صاحبه. أو لا يكون من بيننا مَن يحب أن يعيش حياته عاكفًا على بحث معرفي يكشف فيه غامضًا أو يجلِّي ملتبسًا أو يقرِّر قاعدة أو يدفع العلم البشري إلى الأمام، ولو خطوة صغيرة؟ والعلم هو ميزة آدم التي خوَّلته الخلافة في الأرض وسجود الملائكة. أو لا يكون من بيننا مَن يحب أن يظل على رأس عمل أو وظيفة نذر أن يكون فيها مخلصًا لله، نافعًا لعباد الله، مبتسمًا للناس، قائمًا بحقوقهم، صابرًا على أذاهم؟ ولو كان يكسب من ورائها رزقه وقوت ولده فهذا في سبيل الله. أو لا يكون من بيننا مَن يحب أن يقضي عمره مغتربًا في دعوة أو إصلاح أو معروف لا يريد من ورائها رياءً ولا سُمْعة، قصده أن يأخذ بأيدي الشاردين إلى الحق، وأن يهدئ النفوس الثائرة حتى تلين، وأن يجمع شتات القلوب على الخير، وهو يدري أن الأبوين جابا فجاج الأرض شرقًا وغربًا، وكانت كلها لهم وطنًا؟! أو لا يكون من بيننا مَن حلمه أن يُعَمَّر طويلًا ممتَّعًا بقواه حتى يرى فرج الله وفتحه للمستضعفين، وهو يعلم أن آدم وحواء عاشا مئات السنين، و«خَيْرُكُمْ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ»؟! أو لا يكون من بيننا مَن حلمه أن ينسأ اللهُ في أَثَرِه ويوسِّع في رزقه، لا استكثارًا للأرصدة، بل يكون ممن آتاه الله مالًا فقال فيه هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، وأنجز فيه مشاريع البر والصدقة والإحسان؟ أو لا يكون من بيننا مَن حلمه أن يبقى ليُلهم الأجيال خلاصة تجربة حية، ويتحدَّث بالحكمة والبصيرة من عبر الأيام، ليكون ممن دعا إلى هدى أو حذَّر من ردى، وليحمي غيره من تكرار تجارب منقوصة أو فاشلة، ويصنع بذلك التراكم المعرفي والحياتي؟ أو لا يكون من بيننا مَن يسجد ويقنت فيكون بكاؤه ودعاؤه التماسًا لنهضة الأمة أو بعض شعوبها ويقظتها من سُباتها الطويل؟ ولن تكون الدموع ولا الخشوع وسيلة للنجاح ما لم تتحول إلى إرادة صادقة مخلصة وعمل جاد دؤوب لا يعرف اليأس. أو لا يكون من بيننا مَن يتجاوز خياله الإيجابي حدود الواقع البائس إلى مستقبل مليء بالبشريات؟ وحين يقول إنه يحلم أن يرى الأرض المحتلة وبيت المقدس وقد عادت لأصحابها وتخلَّصت من قبضة الطُّغاة الظالمين، فهو لا يخادع نفسه ولا يتمنَّى الأماني، ولكنه يتَّكئ على الثقة بوعد الله. أو لا يكون من بيننا مَن حلمه أَلَّا يغادر الحياة قبل أن يترك بصمة صادقة يُذكر بها فيُشكر ويُدعى له؟ «صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ»، أليس جديرًا أن نتأسَّى بالمعلِّم الأول آدم، وأن ندعو له على ما ورث وألهم؟! صلى الله على آدم وعلى ذريته من النبييِّن والمرسلين والشهداء والصِّدِّيقين والصالحين.وصلى الله على سيِّد ولد آدم الذي قال قبل أن يموت بثلاثة أيام: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ» أخرجه مسلم (2877) من حديث جابر رضي الله عنه.
448
| 11 نوفمبر 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); يثور جدل قديم متجدِّد حول:هل جنة آدم التي أُخرج منها هي جنة الخلد، جنة الآخرة؟ أم جنة على ربوة في الأرض؟ من الوجهة الوجدانية البحتة يميل غالب الناس إلى اعتبارها جنة السماء، جنة الآخرة. لغويًّا فالجنة تُطلق على البستان: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾، والنصوص محتملة ليست قطعية، والمسألة نظرية وليست من معاقد الإجماع، ولا يترتب عليها عمل، والأوْلى في مثل هذه المسائل عدم الإغلاق وترك الباب مفتوحًا أمام الاجتهادات المتعدِّدة دون تثريب، ودون اعتبار قولٍ منها محل اتفاق، أو قولا معتمدًا لأهل السنة، أو وصف قول آخر بأنه بدعة أو ضلال أو مصادم للنص القرآني. نقل النووي والقرطبي إجماع أهل السنة على أن جنة آدم كانت في السماء، ونسب بعضهم القول الآخر للمعتزلة. ونسب ابن تيمية القول بأنها جنة الآخرة لسلف الأمة وأهل السنة والجماعة، ثم قال: «مَن قال إنها جنة في الأرض بأرض الهند أو بأرض جُدَّة أو غير ذلك، فهو من المتفلسفة والملحدين، أو من إخوانهم المتكلِّمين المبتدعين، فإن هذا يقوله مَن يقوله من المتفلسفة والمعتزلة، والكتاب والسنة يرد هذا القول، وسلف الأمة وأئمتها متفقون على بطلان هذا القول!» «مجموع الفتاوى» (4/347). غفر الله لابن تيمية فهو إمام متبحِّر، ولكن لا أحد يُؤخذ قوله كله ويرجع إليه فيما شجر بين الناس إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعض قراء ابن تيمية يقتصرون في بحث مسألة كهذه على هذا النص، ويُحكِمون إغلاق النظر فيها. على أن ابن تيمية ذاته قال بخلاف هذا في «كتاب النبوات»: «ولهذا كان أصح القولين أن جنة آدم جنة التكليف لم تكن في السماء، فإن إبليس دخل إلى جنة التكليف جنة آدم بعد إهباطه من السماء، وكانت في مكان عال من الأرض، من ناحية المشرق، ثم لما أكل من الشجرة أُهبط منها، ولفظ الجنة في غير موضع من القرآن يراد به بستان في الأرض» «النبوات» (2/704- 705). والإمام ابن القيم عرض المسألة في «مفتاح دار السعادة»، و«حادي الأرواح» وسرد أدلة الفريقين بتفصيل وإسهاب، ونقل نصًّا طويلا عن المنذر بن سعيد البلوطي، وهو من القائلين بأنها جنة في الأرض. وذكرا قولا ثالثًا أنها جنة في السماء غير جنة الخلد، وهذا ذكره الماوردي في «التفسير»، وقولا رابعًا هو التوقف وعدم الجزم، وهو ما اختاره الرازي في «مفاتيح الغيب». القول بأنها في الأرض مشهور النسبة لأبي حنيفة وأصحابه، وعزاه بعضهم لسفيان بن عُيينة، ويُروى عن ابن عباس، والله أعلم. «النكت الدالة على البيان» (2/297، 302)، و«الهداية إلى بلوغ النهاية» (7/4708)، و«تفسير القرطبي» (20/177)، و«مفتاح دار السعادة»، و«حادي الأرواح». آدم خُلق في الأرض، ولم يرد أن الله تعالى رفعه إلى السماء. جنة الآخرة لا يخرج منها أهلها. جنة الآخرة لا تكليف فيها ولا تحريم، ولا لغو ولا تأثيم. جنة الآخرة لا يصل إبليس إلى الوسوسة لأهلها. جنة الآخرة لا نوم فيها، وقد خُلقت حواء حين نعس آدم. هذا بعض برهانهم، وهذا كله لا يعني الجزم بأنها جنة في الأرض؛ لأن الأمر له جانب غيبي، وقد تكون أوصاف الجنة المذكورة في القرآن إنما تتحقَّق يوم الدين. الهبوط يوحي بالانتقال من الأعلى إلى الأسفل، ولكنه جاء في القرآن ليدل على النزول في مكان آخر من الأرض ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. والمقصود ليس ترجيح قول على آخر، بل: 1- تعزيز ما قاله ابن نافع المالكي: «السكوت عن الكلام في هذا أفضل». «حادي الأرواح» (ص23). فهي مسائل نظرية لا بأس من المرور بها والاطلاع عليها، دون تطويل أو تهويل، ودون إلحاح مفرط على قولٍ ما. 2- عدم التثريب على مَن اختار قولا سبقه إليه بعض علماء الأمة، ولو كان مرجوحًا أو ضعيفًا، ما دام يتَّكئ على بعض الأدلة ولا يصادم إجماعًا قطعيًّا ولا نصًّا صحيحًا صريحًا لا احتمال فيه، فإن هذا مما يحسن تربية طالب العلم عليه منذ بداياته الأولى، ولا سبيل إلى تجنب الصراعات القاتلة والخلافات الهائلة بين المنتسبين إلى علم الشريعة إلا بهذا. الجنة سكن للأبوين، والسكن ضرورة حياتية، ومن السعادة أن يكون السكن واسعًا جميلا يجري فيه الماء وتنبت فيه الحدائق والأشجار. يعاني البشر اليوم من مشكلة الإسكان، وعدم التملك، وقضاء العمر والجهد في سبيل الحصول على شقة ضيقة يقضي فيها الكادح شيخوخته! ومن السكن، ومع السكن، فالمطلوب ﴿أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾، و﴿لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾. منذ الإنسان الأول، حتى وهو في الجنة كان الله يلهمه أن يتعرف على حقوقه المضمونة، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعلِّم معاذ بن جبل رضي الله عنه حق الله على العباد، وحق العباد على الله؛ كما في «صحيح البخاري» (2856، 6500)، و«صحيح مسلم» (30). فأي سمو بالإنسان ورفع لمنزلته وتقرير لحقوقه أعظم من هذا؟! رغد العيش وعد منجز في تلك الجنة، وثروة مخزونة في الأرض والكون ﴿وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، التنمية العادلة الدائمة يفترض أن تتسع للبشر جميعًا، لولا أطماع الأقوياء واستئثارهم بخيرات الحاضر والمستقبل. لم يكن وعد آدم أن يشبع، لأنه قد يشبع فيتخم، أو ينسى الجائع، والشبع ليس مطلبًا دائمًا في كل لحظة، قيمة الأكل عند الإحساس بالحاجة إليه. ولذا عبَّر بنفي الجوع، ونفي العري، ونفي الظمأ، ونفي الحر وأذى الشمس. هل جرَّب آدم الجوع والظمأ والعري والحر قبل دخوله الجنة؟ الله أعلم. علينا الاحتفاظ بحلم الوصول إلى الجنة عبر السلوك الطيب والإحسان للآخرين، وفي الدنيا جنة مَن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها القرب من الله والأنس بذكره. نزل آدم من الجنة ومعه شيء منها؛ الطيب، طيب الرائحة في الأشجار، وجمال الروح والفطرة التي لم تتغير، والستر الذي تعلَّموه هناك عند الشجرة، والحب الذي خفق به قلباهما لأول مرة ومن أول نظرة!
502
| 04 نوفمبر 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); «لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. فَحَمِدَ اللهَ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: رَحِمَكَ اللهُ يَا آدَمُ، اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةِ -إِلَى مَلَإٍ مِنْهُمْ جُلُوسٍ- فَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. قَالُوا: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَيْنَهُمْ» أخرجه البخاري (3326، 3327)، ومسلم (2841)، والترمذي (3368) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. أول ما لفظ آدم هو الحمد، الحمد على الروح، على الحياة، على التكريم والإنسانية، على المعرفة والتعليم. ليس مصادفة أن تكون الرحمة أول خطاب من الله لآدم، وقوله سبحانه: يرحمك الله، ليس دعاءً كما قد يُتوهم، هو خبر وحكم وقرار ووعد. «الرحمن الرحيم» أكثر الأسماء الحسنى ترددًا في نصوص الشريعة بعد اسم الله، وهما مكرران في سورة الفاتحة، ومن أكثر الأسماء ترددًا على ألسنة الخلق، فكلمة (بسم الله الرحمن الرحيم)، وتحية (السلام عليكم ورحمة الله) عبارتان واسعتا الاستخدام جدًّا في الحياة الإسلامية. صلته مع الله محفوفة بالرحمة، والشرائع رحمة كلها، والنبوات رحمة، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وخطاب الدعوة والإصلاح إذا تجرَّد من الرحمة فسد وأفسد، وتحوَّل إلى قطيعة وعنف وصد عن سبيل الله، وتهييج لمشاعر الكراهية والبغضاء. الشعور بالرحمة الإلهية يولِّد الحب، والحب أعظم ما عُبِد الله به، وحين تحب فسوف تخاف، سوف تخاف من الفقد والبعد والحرمان، وحين تحب فسوف تستحي، وحين تحب فسوف تسرع الرجوع كلما نأى بك الطريق. وحين خلق الله الزوجين جعل بينهما ﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، ولذلك يقول بعض المعاصرين إن المودّة عضيدة الرحمة، وقد تتولَّد المودة من رحمة متراكمة لم تكن تحمل حبًّا في بدايتها. صلته مع زوجه السكن والمودة والرحمة، والبيوت إذا لم تبنَ على الحب فهي خراب، والحب العابر المبني على الاشتهاء الجسدي يذبل، ولن يعبر الحب الجبال والوديان والسهول ويقاوم العوادي ما لم يُسقَ بماء التسامح والتغاضي والصفح والنسيان حتى يرسخ، كما قال المجنون: لَقَد ثَبَتَت في القَلبِ مِنكِ مَحَبَّةٌ *** كَما ثَبَتَت في الراحَتَينِ الأَصابِعُ كَأَنَّ بِلادَ اللهِ مَا لَمْ تَكُنْ بِهَا *** وَإِن كَانَ فِيهَا النَّاسُ قَفْرٌ بَلاقِعُ صلته مع الذرية رحمة متبادلة: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ»، والرَّحِم الأولى هي مصدر الإنسانية، لم يكن حمل حواء وبناتها في اليد أو الرجل، كان في منطقة الرَّحِم، وهي مشتقة من الرَّحْمة، مَن وصلها وصله الله، ومَن قطعها قطعه الله، فالمرأة هي أيقونة الرحمة. تشريع التوبة رحمة: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، ووصف الله نفسه بأنه هو الغفور الرحيم، ولم يصف نفسه بأنه المعذِّب أو المعاقب، بل وصف عذابه بأنه أليم: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾. وجاء في دعاء آدم بعد الأكل من الشجرة: «أَيْ رَبِّ، أَلَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قَالَ : بَلَى. قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَلَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَلَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَلَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ وَأَصْلَحْتُ أَرَاجِعِي أَنْتَ إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى». أخرجه الطبري في «تفسيره» (1/580)، والآجري في «الشريعة» (755، 910)، والحاكم (2/545)، وابن عساكر (7/433). الأصل في العلاقة بين التابع والمتبوع الرحمة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. الأصل في العلاقة بين الناس كلهم العدل والرحمة: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». قال بعض الشراح: المراد هنا الأخوة العامة، التي هي أخوة النسب البعيد العالي، ويدخل في ذلك الكفار، لأنهم إخوة في النسب من جهة أن أبا الجميع هو آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم. قال ابن العماد: الأولى أن يُحمل على عموم الأخوة حتى يشمل الكافر، فيحب لأخيه الكافر ما يحب لنفسه من الإسلام. وفي «منار القاري»: وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يدعو لكفار قريش بالخير، ويحبه لهم، ويقول: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ». ومما يؤكِّد أن المراد محبة الخير للناس جميعًا لا فرق بين مسلم وكافر قوله صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ». أخرجه أحمد (22132). ولكن هذا إذا لم يكن في الخير الذي يصيبهم مضرة للمسلمين، وإلا دخل ذلك في موالاة أعداء الله.. فيكون المقصود بالأخوة ما هو أعم من أخوة الإسلام، ويكون المقصود من ذلك أن يحب لأخيه في النسب العالي البعيد الهداية والاستقامة، وقد جاء في القرآن إطلاق الأخوة على هذا المعنى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾، فإن هذه أخوة نسب وليست إخوة إيمان، وكذلك جاء في حق رسل الله عز وجل مثل هود وصالح وشعيب. وفي رسالة ابن تيمية «قاعدة في المحبة» يقول: «أصل كل فعل وحركة في العالم من الحب والإرادة فهو أصل كل فعل ومبدؤه». هل الأصل في العلاقة بين الناس الحرب أم السِّلْم؟ قصة آدم وتسليم الملائكة دليل على أن السلام هو التحية المشروعة بين الناس، والسلام الكامل: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، وهو مبذول لكل أحد بدءًا وردًّا، ومثله البر والإقساط والإحسان لمَن لم يتورط في حرب أو عدوان. (انظر كتابي: «أسئلة العنف»). من رحمة الله بك أن يجعلك سببًا ووسيلة لوصول رحمته وفضله إلى الآخرين المحرومين العاجزين. وأنتَ تُعِدُّ فطورك، فكِّر بغيركَ لا تَنْسَ قوتَ الحمام وأنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ لا تنس مَنْ يطلبون السلام وأنتَ تسدد فاتورةَ الماء، فكِّر بغيركَ مَنْ يرضَعُون الغمام وأنتَ تعودُ إلى البيت، بيتكَ، فكِّر بغيركَ لا تنس شعب الخيامْ وأنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكِّر بغيركَ ثمّةَ مَنْ لم يجد حيّزًا للمنام وأنت تحرِّر نفسك بالاستعارات، فكِّر بغيركَ مَنْ فقدوا حقَّهم في الكلام وأنت تفكِّر بالآخرين البعيدين، فكِّر بنفسك قُلْ: ليتني شمعة في الظلام حين خلق الله آدم وحواء جعل في قلوبهما ينابيع الحب التي تزيد كلما نُزِفَت، كلما تدربنا على بذل الرحمة أحسسنا في أنفسنا بالمزيد منها.
551
| 28 أكتوبر 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); تشاجر مهاجران، سوري وعراقي، وبعدما فرغا من سرد المفاخر القريبة، قال الأخ السوري:- يكفينا فخرًا أن آدم نزل فينا وعندنا على جبل الأربعين في أطيب بقعة على الأرض ريحًا وأصحّها هواءً، وأن إبليس اللَّعين نزل عندكم بـالأُبُلَّة. وأضاف: نحن كنا بداية الوجود الإنساني، ونحن أيضًا نهايته، ففسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغُوطة، وهي عقر دار الإسلام والمسلمين. رد العراقي: - ألم تعلم أن أول قتل في تاريخ البشر كان في قاسيون؟ وأن إبليس كان موجودًا يلهم قابيل طريقة القتل؟ ولعلك رأيتَ الدم على الحجر أمام المغارة التي تسمونها: مغارة الدم، وتزعمون أنه دم هابيل! كنت في سيرلانكا ومررنا بجبل، فأشار صاحبي إليه وقال: هذا جبل آدم الذي أهبط عليه من الجنة، وحول الجبل زوار من كافة البلاد والأديان يتراءون ما يظنونه أثر قدم آدم عليه السلام! روى الحاكم أن آدم عليه السلام مكث في الجنة مقدار ما بين العصر إلى الغروب. «المستدرك» (2/542)، وهذا لا يتعارض مع ما ذكره آخرون من أنه مكث مائة وثلاثين سنة، فلعل المقصود في رواية الحاكم -إن صحَّت- أن ما قضاه في الجنة يعادل ما بين العصر إلى الغروب بالنسبة إلى اليوم الكامل. أمر الله آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض التي خلقها لهم، وخلقهم لها بعد أكلهم من الشجرة، وكان خروجهم من الجنة يوم الجمعة، كما في حديث: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا» (أخرجه مسلم (854) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه). خروج آدم وحواء عليهما السلام من الجنة هو (خير) كما يوحي به سياق الحديث، والحياة نعمة، والعمر عطاء، وكيفما تحب الحياة تكون لك، ويوم الجمعة الذي خرج فيه آدم إلى الأرض هو يوم عيد للمسلمين! لم يثبت حديث صحيح يحدِّد مكان هبوط الأبوين: هل نزل آدم بجزيرة سرنديب من أرض الهند، وهي المعروفة بـسيلان أو سيرلانكا؟ أم على قمة إفرست من جبال الهملايا؟ والتي هي من أعلى القمم في العالم؟ أم بالشام؟ أم بالحجاز بين مكة والطائف؟ أم بالصفا عند المسجد الحرام؟ وهل نزلت حواء معه؟ أم في مكان آخر؟ هل هو جُدَّة؟ وهل التقيا بعرفات أم بالمزدلفة؟ كل ذلك مما لا يقين فيه ولا حجة في ترجيح قول على قول. ولعلهما مرّا بهذه المواضع الثلاثة وتركا فيها أثرًا ما، ولو كان أثرًا لغويًّا يتعلق بالاسم، وقد ذكر ابن بطوطة الرَّحَّالة قصته مع قدم آدم في الرحلة. أهم من هذا استلهام الدرس: لا تستسلم للخطأ، الخطأ ليس فشلًا، هو التدريب الذي يمنحك الخبرة ويقوِّيك، وبإمكانك أن تكون بعد التصحيح خيرًا منك قبل الخطأ، أخطر ما في الخطأ أن يجعلك يائسًا أو قانطًا أو مستسلمًا. في كل مرة بإمكانك أن تبدأ من جديد، آدم -عليه السلام- جعل هدفه السعي للرجوع إلى الجنة عبر عمارة الأرض وإصلاحها وفق منهج الله. البداية الجديدة على الأرض أهَّلته لدرجة أعلى: النبوة. مرة عبَّر القرآن بـ﴿اهْبِطَا﴾ [طه: 123]، وهو إيحاء بعلو الجنة وتراجع منزلة الأبوين إثر خروجهم منها، ومرة عبَّر بالخروج ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: 27]، ومرة عبَّر بـ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة: 36] بصيغة الجمع خطابًا للأبوين وإبليس، ولذا قال عقبه: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: 36]. الهبوط كان في خطاب الله المباشر لآدم وحواء، والإخراج جاء في سياق الحديث عن فعل الشيطان، ومع تحذير القرآن المتكرِّر من كيد الشيطان، إلا أنه يُوحي بعدم المبالغة في تضخيم دوره: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]. وفي السنة لا تقل: تعس الشيطان؛ فإنك إذا قلت ذلك تعاظم حتى يكون مثل البيت، ويقول: بقوتي صرعته. ولكن قل: بسم الله، فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى يكون مثل الذباب. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: «لَا تَسُبُّوا الشَّيْطَانَ، وَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ شَرِّهِ» أخرجه ابن معين في «الجزء الثاني من حديثه» (29). ورُوي مرفوعًا، ورجَّح الدارقطني وقفه. ينظر: «علل الدارقطني» (10/146)، و«السلسلة الصحيحة» (2422). المعنى: عندما تتعرَّض لمشكلة أو تعثر فلا تسبَّه، لأنك بهذا تمنحه دورًا لا يستحقه، وعليك أن تسائل نفسك وتعمل وفق الأسباب. هبوطه علَّمه قيمة الجنة، وبضدها تتميَّز الأشياء، والضد يظهر حسنه الضد. ثم دروس نتعلمها من أضدادها، لم يخلق الإنسان ليكون صوابًا محضًا. إقدام الأبوين على الأكلة الممنوعة، وإن كان منهيًّا، إلا أنه تعبير عن الجرأة، وهي صفة ضرورية لمَن خُلقوا للأرض، لم يكن معهما (كتالوج)، وكان أمامهما ألغاز كثيرة، كيف يلبسون؟ كيف يطبخون؟ كيف يوقدون النار؟ أين ينامون؟ كيف يتجنبون المخاطر والوحوش؟.. حتى الكعبة التي وُضعت لهم ولذريتهم كانوا مهمومين بمعرفة الطريق إليها، فهي بيت الله في الأرض. كان معهم التفكير والتعلم والبحث والمحاولة. كانوا معتدلين في النظر إلى الأشياء، لم يبالغوا في تضخيم المخاوف: الخطر، الموت، المعصية، التجارب الفاشلة، الصراع، الفجيعة، مشكلات الأسرة... لم يكن لديهم كمٌّ هائل من الرقباء والأوصياء، كان الله وحده هو الرقيب عليهم، كانوا يعبدونه وكأنهم يرونه، ولا غرابة فهم حديثو عهد بالجنة! اليوم يفكِّر الإنسان بصوابية الفكرة أو خطئها مرة، ويفكِّر بموقف الناس منها وقبولها أو رفضها مرتين، وكم من الأفكار الصائبة وُئدت بضغوط البيئة. هل ثَمَّ أحد يستطيع أن يقول إنه يتكلم بما يراه، وما يراه فحسب، دون أن يضع وزنًا واعتبارًا لكلام الناس؟ صحيح: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ» (أخرجه البخاري (127) من قول عليٍّ رضي الله عنه)، وليس مطلوبًا ولا ممكنًا تجاهل مَن حولك، ولكن لو أخذ هذا الأثر على إطلاقه لكان معناه أَلَّا نقدِّم للناس أي جديد خلاف ما ألِفوا وتعلَّموا، وإنما رسالة الأنبياء والمصلحين والمجدِّدين تقوم على تغيير الواقع ومواجهة الناس بغير ما ألفوا، ولكن بحكمة وبصيرة وصبر وتدرج. عبر الشبكات أصبحت الفكرة متاحة لكل أحد، سريعة الانتقال، يتناولها العدو والصديق والبعيد والقريب، ويوظِّفها أُناس ضدك ويوظفها آخرون لمصالحهم، ولذا أصبَحْتُ اليوم حذرًا أكثر من اللازم فيما أقدِّمه من أفكار. يحتاج الإنسان إلى محفِّز لتكرار المحاولة والنزوع عن الخطأ والصبر على الطريق، التوبة التي وسِعت آدم وزوجه رحمة إلهية قائمة وبابها واسع مفتوح آناء الليل وأطراف النهار حتى تغرغر الروح أو تطلع الشمس من مغربها. أحلام الجنة الجميلة ظلت حية في خيالهما ورقيبًا لا يغفل وحافزًا لا يهدأ للعودة إلى الوطن الأول.
580
| 21 أكتوبر 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); ذكر د. عبد الوهاب النجار أن محكمة مصرية حكمت ذات حين بكفر زوجٍ، والتفريق بينه وبين زوجته، لإنكاره نبوَّة آدم عليه السلام.. ونقضت محكمة أخرى الحكم حين قال الزوج: إنه لم يجد نصًّا في القرآن بنبوته، وإنه يقرُّ بنبوته!هل هذا الحكم صحيح؟! وهل ثَمَّ إجماع قطعي على نبوة آدم عليه السلام؟! أو نص صريحٌ صحيح؟!نقل أبو منصور البغدادي الإجماع على نبوة آدم.ولعل المقصود إجماع الجمهور الأكبر من الصحابة والتابعين والأئمة والمفسرين.وبإزاء هذا يوجد رأي ضعيف لا يُثبت نبوته، وهو رأي الشيخ عبد الله بن زيد المحمود حيث قال: «القرآن لا يثبت لآدم نبوة ولا رسالة، وما كان ربك نسيا، إنما هو أبو البشر يذنب ويتوب».وكتب فيه الأستاذ عز الدين بليق مؤلفًا بعنوان: «نبوة آدم ورسالته بين الظن واليقين»، وقد حشاه بالنقول المكررة والمقدمات والموضوعات الجانبية، وانتهى فيه إلى أنه لا فرق بين النبي والرسول، وأن نوحًا أول الأنبياء والرسل، كما في حديث الشفاعة [«صحيح البخاري» (4712، 7410)، و«صحيح مسلم» (193، 194) من حديث أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما]، وبهذا خرج آدم عنده من دائرة الأنبياء والمرسلين..آدم نبيٌّ معلَّم مكلَّم، في حديثٍ رواه ابن حبان، والحاكم، والطبراني..آدم أول مَن ينتابه الناس يوم القيامة للشفاعة إلى ربهم، فيعتذر منها لأكله من الشجرة.. ولا يشفع يومئذٍ إلا النبيون، فلو لم يكن نبيًّا لكان عذره أوسع..آدم ممن رآهم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ليلة المعراج في سياق مشاهد الأنبياء..الجدال والمحاجَّة بين آدم وموسى في شأن القدر والخروج من الجنة [كما في «صحيح البخاري» (3409، 6614)، و«صحيح مسلم» (2652)]، مؤشر على نبوته..لم يذكر القرآن نبوة آدم عليه السلام صريحة، بل ذكره بلفظ: (الاجتباء)، وبلفظ: (الهداية)، وهما لفظان استخدما مقترنين مع الأنبياء في القرآن: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ [مريم: 58]، وفي سياق آدم: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: 122].وجاء لفظ الاجتباء في شأن يونس: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: 50].وذكر آدم في سياق الأنبياء عليهم السلام: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 33].ليس هذا صريحًا في نبوته، وليست نبوته من القطعيات في ثبوتها، ولا الإجماع المحكي بالإجماع القاطع الذي يكفّر جاحده..نبوته من الأقوال الصحيحة الواضحة المؤيَّدة بظواهر أدلة من القرآن، وبعض أحاديث لا تخلو من مقال.والأمر لا يستدعي جدلًا عقيمًا ولا مجالس للمناظرة، فالإيمان بالوحي والنبوة يجب إجمالًا فيما أُجمل وتفصيلًا فيما فُصِّل مما هو ثابت قطعي: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: 164].كان آدم يُعلِّم ذريته وهم ليسوا بمشركين، إلا أن البشر يفتقرون إلى الوحي فيما يتعلق بعبادتهم وأحكامهم وأمور غيبهم، ومن هنا قامت الضرورة التامة للنبوة و(الوحي).النبأ هو الخبر إن كان خطابًا مباشرًا من الله، كما في حالة موسى، أو بواسطة المَلَك جبريل عليه السلام، ويسمَّى: (رسول الملائكة)، أو إلهامًا ربانيًّا لمَن يختارهم الله..فهم النخبة المصطفاة الذين يأتيهم خبر السماء وتعليم الله، ولذا سمُّوا: أنبياء.فإن اعتضد هذا بتكليفهم بالبلاغ، وإنزال شريعةٍ أو كتاب، وإقامة حجة، والإتيان بمعجزة، فهي الرسالة، فكل رسول هو نبيٌّ قطعًا، وليس كل نبيٍّ رسولًا..والقول في الفوارق بين النبي والرسول أوسع من هذا، ولكن القرآن يدل على أنهما ليسا بمترادفين كما ادَّعى بعضهم، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: 52]. وقال: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: 51].النبوة تعضيد للعقل، ورسم لمساره الصحيح، وتحفيزٌ لحركته: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:73]، وليست تخديرًا أو عزلةً عن الحياة والعمل وخلافة الأرض.. والنبي الأول هو أول مَن وضع لَبِنَات الكشوف في الحرث والصنائع، والانتفاع من تسخير السماوات والأرض وكشف أسرارها.النبوة طمأنينة للقلب، وسكينة للروح، ترشد لسلامة الطريق، وحسن العاقبة، ويقين الإيمان، وصحة المعتقد، ليعلم الإنسان أنه ليس متوحِّدًا ولا معزولًا ولا مستوحشًا على هذه الأرض، وأنه موصول الحبل بدار الآخرة، مطمئن القلب إلى طريق النجاة فيها إن أراده..النبوة نظام لتحجيم الصراعات، وتضييق دائرة الحروب والأطماع، ومنهج للتعايش بين البشر حتى لو لم يكونوا مؤمنين: ﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف:87].النبوة كشف لعالم الغيب، وإخبار عن الله وملائكته، وعن الآخرة والحساب والثواب والعقاب بما هو حق مطابق: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:42].النبوة تشريع مفصّل، يضبط علاقات الناس، وزواجاتهم، ومعاملاتهم، ويجعلهم أقرب للرشد والصواب.. وإن كان لا يخرجهم عن طبيعتهم المركبة.النبوة ضرورة للعدل الرباني بتقديم البلاغ وإنذار الآخرة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (15:الإسراء).وهي رحمة للبشر في الدنيا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].ورحمة لهم من تعجيل العقاب: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: 59].أن يكون الرجل الأول نبيًّا فهو ترسيخ لأصالة الخير في الإنسان وفي الأرض وعمقه واتساعه، ولذا لم تقم حضارة ولم تتكون أمة إلا والدين حاديها وملهمها.حتى أعتى النظريات المادية اتَّكأت على موروث ديني، ولم تستطع إنكار دور الدين في حياة البشر، وشعوب العالم تشهد هبات متكررة في العودة إلى التدين، هروبًا من الضياع والكآبة والعدمية والقلق.. واستجابة للفطرة المطمورة المنتفضة.وحسب استطلاعات مؤسسة (قالوب) فإن:(٩٦٪) من الشعب الأمريكي يؤمنون بالله.و(٧١٪) ينتمون إلى كنيسة ما.و(٤٥٪) يمارسون عبادات وطقوسًا بانتظام.ويقول الاستطلاع: إن معظم الأمريكيين يؤمنون بالوقائع والمعجزات الدينية التاريخية.وفي الهند والصين تنشط الديانات الروحانية، وتكسب المزيد من الأتباع حول العالم.أما العالم الإسلامي فهو الأكثر انتماءً لدينه وشعائره وإيمانه واستعصاءً على التذويب!
1048
| 14 أكتوبر 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أعرفُ توائم منذ سنوات، هم كالأبناء لي، وما زلت أخجلُ حين أخفق في التمييز بينهم، والغريب أن هذا التشابه الشديد هو مدعاة إلى قراءة الفروق الدقيقة بينهم في الوجه والصوت والضحكة. والتطابق في الشكل بينهم يحكي تطابقًا في الطباع والأمزجة والميول.. عشرات الكتب صدرت حديثًا عن علم الطباع، قرأت منها: (علم الطباع) للدكتور سامي الدروبي، ويمتاز بسرد نماذج من التراث الأدبي العربي.الطبع يعني الاستعداد الفطري الأساسي، ويغلب عليه الثبات، ولذا يقال: (غيِّر جبل ولا تغيِّر طبع)، ولكن تغيير الجبال أصبح ممكنًا اليوم!القبضة من طين الأرض متفاوتة في لونها وتماسكها ورائحتها وخصبها، والماء الذي عُجنت به متفاوت، وامتزاج الطين الكثيف بذبذبات الروح العالية ولَّد كائنًا معقَّدًا مختلفًا متميِّزًا عامرًا بالأسرار، قادرًا على اكتشاف نفسه متى أراد.حين أتعرَّف على طباعي الأصلية كإنسان أولًا، ثم طباعي الخاصة التي ترسم هويتي الذاتية وشخصيتي أكون أقدر على التعامل معها بشكل أفضل، وعلى اتخاذ القرار الصحيح في وقته.الحرية طبع إنساني: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: 35]، الأصل هو (نعم)، الأصل الإذن والإباحة، و(لا) جاءت استثناءً، ولو كانت (لا) هي الأكثر لعوقت ملكاته وأشواقه وامتداداته.قد يكون القيد طريقًا إلى الحرية، وجدت هذا في خلوتي القسرية حين اقتربت من نفسي أكثر، واستمعت إلى بعض همسها، وتخففت من ضجيج الناس.من الحرية أن تكون أنت أنت ولست غيرك.التغيير طبع: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: 35]، ولذا قالوا لموسى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة:61]، التنويع في المأكل والمشرب والملبس والتنقل مصدر للمتعة لدى الإنسان.ومقاومة التغيير طبع، وهل يمكن تغيير الطبع؟ يقولون لك: (يستطيع الذئب تغيير جلده ولا يستطيع تغيير طبعه)، و(اطرد الطبع من الباب يدخل من الشباك)، و(الطبع أغلب) و: وَكُلٌّ يَرَى طُرُقَ الشَّجَاعةِ وَالنَّدَى *** وَلَكَنَّ طَبْعَ النَّفْسِ لِلنَّفْسِ قَائِدُجميل قطعًا أن تكون مطبوعًا على الفضائل ميَّالًا إليها، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- لأَشَجِّ عبدالقَيْس: «فيك خصلتان يحبهما الله: الحلم والأناة». قال: أكانا فيّ أم حدثا؟ قال: «بل قديمٌ». قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب.على أن (تهذيب) الطباع مقدور عليه بالمجاهدة والصبر الطويل والمعرفة، وليس طبع الإنسان كغريزة الحيوان التي لا ينفك عنها، كالافتراس في الأسد واللَّدغ في العقرب!يحكى أن أعرابية أخذت جرو ذئب وربته وسقته من لبن شاتها فلما كبر عدا على الشاة فبقر بطنها، فجزعت لذلك وأنشأت تقول:بقرت شويهتي وفجعت قلبي *** وأنت لشاتنا ولدٌ ربيبجحدت جميلنا ونشأت فينا *** فما أدراك أن أباك ذيب؟!إذا كان الطباع طباع سوءٍ *** فلا أدبٌ يفيد ولا أديب!الأعرابية خلطت بين الغريزة الراسخة التي لا تتبدل وبين الطبع العارض القابل للتحويل والتعديل، ولعلها أخطأت من شدة الألم!قال أبو الدرداء -رضي الله عنه- وغيره: «الحلم بالتحلُّم والعلم بالتعلُّم، ومَن يتحرَّ الخير يعطه، ومَن يتوقّ الشر يوقه».وفي «الصحيح» عن أبي سعيد -رضي الله عنه- مرفوعًا: «مَن يستعفف يعفّه الله، ومَن يستغن يغنه الله، ومَن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر». الندم والتأسف على الفائت طبع: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23]، ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: 31]، وليس هذا عائقًا عن التدارك ومدافعة القدر بالقدر.اشتهاء الممنوع طبع: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ [طه: 121]، والممانعة شرع، قال عمر بن عبدالعزيز: (ألذ شيء هوى وافق شرعا)، وطوبى لمَن كان هواه تبعًا لما جاء به الوحي.الأُنس بالإنس طبع: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 35]، فالإنسان كائن مدني اجتماعي، والبشر يتفاوتون في حبِّهم للاختلاط أو الانفراد، عاش الأبوان على الأرض ولم يكن فيها أنيس سواهما، وعيونهما على المستقبل: الذرية والإعمار.شرَّع لنا الأبوان التعايش مع المختلف والمناقض، وتبادل المنافع والمعارف: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]. العجلة طبع: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11]، يُروى أن آدم عليه السلام همَّ أن يقوم قبل اكتمال نفخ الروح فيه!التدريب والتجربة والخبرة والسِّن تمنح قدرًا من الأَنَاة لعجول مثلي!البراءة في آدم عليه السلام طبع: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: 21- 22]، لقد ظنوا أَلَّا أحد يقسم بـالله كاذبًا!العفوية والانطلاق على السجية دون تكلف: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: 22]، تصرف مباشر يستجيب للحاجة الطارئة دون تطويل أو تردد.تختفي شخصية الإنسان وموهبته حين يعتاد على لبس الأقنعة، وتطغى عليه شخصيات الآخرين من حوله.حب الحياة طبع: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ [طه: 120]، وكلنا نكره الموت كما قالت عائشة -رضي الله عنها-، وجمال الحياة حين تستشعر معناها ورسالتها، حين تستمتع بالعطاء.حب الاستطلاع والتساؤل طبع: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ﴾ [طه: 120]، ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: 20]، المعرفة كنز، والفضول ليس من المعرفة، أي قيمة لاشتغال الإنسان ودخوله فيما لا يعنيه.الانفعالية والاندماج في حدث ما (مؤلم مثلًا) حتى يتوقف عن معايشة الحياة، أو التعاطي الرشيد معه دون استسلام، نموذجان إنسانيان، الأبوان عَبَرَا قصة الشجرة، فالهبوط، والغربة، ومواجهة تحديات الحياة، وخلافات الأبناء.. قضايا اليوم في عالم العروبة والإسلام فجائع لا تحكيها مفردات اللغة، والتعاطي الرشيد معها ضرورة إنسانية وواجب شرعي وانتماء وطني، وليس من ذلك أن نفقد صوابنا ونتحول إلى كائنات مكتئبة، أو عدمية، أو يائسة، أو أن نطالب بإيقاف عجلة الحياة!الفعالية والطاقة طبع يتفاوت فيه البشر، فيهم الجَلْد القوي المولع بالحراك، ينتهي من عمل ليشرع في آخر، ويمنح الطاقة لمَن حوله، وفيهم البليد الكسول الذي إن تُرِك تَرَك. التسامح والتعافي والتجاوز طبعٌ حسنٌ يحرِّرك من قيود الحقد والانتقام والتربص، وما أعظم أن يستطيع المرء قراءة طباعه وشخصيته، وما أجمل أن يكون كما حكى أبو ماضي: حُرٌّ وَمَذهَبُ كُلِّ حُرٍّ مَذْهَبِي *** مَا كُنْتُ بِالْغَاوِي وَلَا المُتَعَصِّبِتَأْبَى طِبَاعِي أَن تَمِيلَ إِلَى الأَذَى *** حُبُّ الأَذِيَّةِ مِن طِبَاعِ العَقرَبِلِي أَن أَرُدَّ مَسَاءَةً بِمَسَاءَةٍ *** لَوْ أَنَّنِي أَرْضَى بِبَرقٍ خُلَّبِحَسْبُ المُسِيءِ شُعُورُهُ وَمَقالُهُ *** فِي سِرِّهِ: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُذنِبِإِنِّي إِذَا نَزَلَ البَلَاءُ بِصَاحِبِي *** دَافَعْتُ عَنْهُ بِنَاجِذِي وَبِمِخلَبِيوَأَرَى مَسَاوِءَهُ كَأَنِّيَ لَا أَرَى *** وَأَرَى مَحَاسِنَهُ وَإِنْ لَمْ تُكْتَبِوَأَلُومُ نَفْسِي قَبْلَهُ إِنْ أَخْطَأَتْ *** وَإِذَا أَسَاءَ إلى لَمْ أَتَعَتَّبِمُتَقَرِّبٌ مِن صَاحِبِي فَإِذَا مَشَتْ *** فِي عَطْفِهِ الغَلْوَاءُ لَمْ أَتَقَرَّبِ
1607
| 07 أكتوبر 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); إذا كان من المسلَّم أن المسمى له حظ من اسمه، فما السر في تسمية آدم ومن بعده بـ(الإنسان)؟ * أهو مشتق من الإيناس بمعنى الإبصار كما في قوله تعالى: {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا} (10:طـه) أي: رأيت عن بُعد، ومنه (إنسان العين) أي: سوادها، وعليه فالإنسان هو الظاهر المرئي المشاهد، وليس المتخفِّي كالجن والملائكة؟* أم مأخوذ من الأنس، وهو ضد الوحشة، فالإنسان كائن اجتماعي يأنس ويؤنس به، وبوجوده أنست الأرض والنبات والجماد: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»، وكأن وجوده باح بسر هذه المخلوقات وفتق معناها؟والمتشائمون يقلبون المعاني الإيجابية إلى ضدها فيقول قائلهم:الإنسُ مشتقٌ من الإِنسِ *** والحزم أن تنأى عن الإِنسِ!ثيابهم مُلس ولكنها *** على ذئاب منهم طُلسوالذئب الأطلس هو المائل إلى السواد، يقصد: احذر من الناس فهم كالذئاب..وعادةً من يطلقون هذه الأحكام السلبية يستثنون أنفسهم وكأنهم ليسوا من فصيلة الآدميين!* أم مأخوذ من النسيان {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} (115:طـه)، كما اختاره ابن عباس والمعرّي والكوفيون، ومع أن النسيان استثناء إلا أنه يثبت القاعدة الأصلية في ذاكرة آدم وعقله وحفظه، كما قال الشاعر:وما سُمِّي الإنسان إلا لنَسْيِه *** ولا القلب إلا أنه يتقلَّبُوقال أبو الفتح البستي:يا أكثر النّاسِ إحسانًا إلى النّاسِ *** وأكثر النّاسِ إغضاءً عنِ النّاسِينسيتُ وعدكَ والنِّسيانُ مُغْتَفَرٌ *** فاغفِرْ فأوَّلُ ناسٍ أوَّلُ النّاسِثَمّ ميّزة أخرى لآدم في وعيه وذاكرته وعقله الظاهر والباطن..* أم مشتق من النوس وهي الحركة، فالإنسان كائن مكتنز بالطاقة مندفع إلى الحركة حتى وهو طفل؟التكليف بمهام الخلافة متسق مع هذه الصفة الفطرية.* ولعله لكل ذلك سمي إنسانًا:1- فالله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم، وقامته المنتصبة وأطرافه ومفاصله تميزه عن سائر المخلوقات، وفي تفسير {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} (4:البلد)، قال ابن عباس، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، والضحاك، ومجاهد، وغيرهم ما محصله: خلق منتصب القامة معتدلًا قائمًا على قدميه.ولعل هذا لا يعارض المعنى الآخر للآية الذي هو: الشدة، والعناء، والنصب، والتعب، ومقاساة الشدائد.فطبيعة الخلق الإلهي لهذا المستخلف لا بد أنها متناسبة مع التكليفات والمهام والمصاعب التي يلقاها.الكَبَد ليس رديفًا للاكتئاب والتشاؤم والإحباط كما يظنه قوم.2- والدماغ هو أعقد أجزاء الإنسان، وهو المسؤول عن معظم العمليات الذهنية؛ كالتفكير، واللغة، والتعلم، والوعي، والانتباه، والتخطيط، واتخاذ القرار، وحل المشكلات، والإدراك الحسي.. وهو يحرك القامة والأطراف ويتحكم فيها.حتى العمليات العاطفية والنفسية متصلة به، فضلًا عن التعقل والحفظ والنسيان.3- ولأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه فهو قادر على تنظيم العلاقات بدءًا من الأسرة وانتهاءً بالأمة مرورًا بالتشكلات الفكرية والاجتماعية والصداقات.4- ولذلك فالإنسان كائن حضاري منذ البداية، ويعرف الناس حضارات ما قبل التاريخ وآثارها؛ كبرج بابل، وبوابة عشتار، وحدائق بابل المعلقة.. وفي (عُمان) كان المرشد يشرح لنا حول آثار هناك ويعزو بعضها لفترة ما قبل التاريخ.5- العواطف والمشاعر من مميزات السلوك البشري؛ الحب والغرام، والحقد والكره، والغضب والرضا، يضحي الإنسان حتى كأنه يفني عن ذاته، ويخون حتى كأنه بلا ضمير، يحب حتى الثمالة، ويكره حتى المقت، ينغمس في الحياة إحساسًا بالجمال وتذوقًا لتجلياته، وإبداعًا لفظيًا وحركيًا، ويتنكَّر للحياة فيتحول إلى وحش كاسر يقتل الملايين بلا رحمة في حرب عمياء ليس لها معنى.6- كلمة (الإنسان) أساس المشتركات الفطرية بين البشر، فهي حتمية الرعاية لأنها الصبغة الأولى قبل أن يطرأ أي إضافة أو تعديل أو لون آخر!الطعام، والشراب، والماء، والهواء، والسكن، والأسرة، والملبس، والأمن، والحلم، والعدالة، والأخلاق، والبيئة.. مطلب لكل إنسان.القواعد والأعراف المرعية لدى جميع شعوب الأرض في تنظيم الزمن وتقسيمه وخبرات الحياة المتراكمة هي موروث إنساني مشترك.وللأستاذ راغب السرجاني كتابٌ حافل سماه: (المشترك الإنساني).- يتكلّمون عن الإنسان بمعزل عن الله ويزعمون أنه اخترع الأديان لإشباع حاجاته، وهم بذلك يلغون الإنسان ذاته: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا الله فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (19:الحشر).الإيمان بـالله هو الحرف الأول في أبجدية الإنسان وهويته، ومن دون الإيمان لن يستطيع أن يعرف ذاته ولا أن يعيش حياته، وكما قال الراحل "عبد الوهاب المسيري": إن عبارة نيتشه التي تتحدث عن موت الرب (تعالى الله) تؤدي إلى موت الإنسان، فإن نسيت الله أو قتلت فكرة الإيمان فأنت تقتل الإنسان والطبيعة؛ لأن الإنسان إنسان بمقدار ما يحوي داخله من مقدرات غير طبيعية وغير مادية، ولا بد أن يكون مصدرها غير طبيعي وغير مادي، أي مصدرها الله وحده.كلمة (الإنسان) تمثِّل وحدة الجوهر الإنساني وأصل المساواة بين البشر، القيمة الإنسانية أسبق وأثمن من الإضافات والإلحاقات المادية الطارئة.الانتماء للإنسان لا يتنافى مع انتماءات أخرى لملة أو مذهب أو تيار أو وطن أو قبيلة أو عائلة، الانتماء الإنساني يُرَشِّد الانتماءات الداخلية ويضبطها ويفتح لها ميادين التعارف والتفاهم والحوار.كل فرد في المجموعة الآدمية يملك أن يبتكر تعريفًا للإنسان يتكئ على تجربته الحياتية الخاصة أيًّا كانت، وتجربتي الخاصة ألهمتني أنني أكون أعمق إحساسًا بإنسانيتي كلما كنت أقرب إلى الله، وكلما وقفت بين يديه وتنصلت إليه والتمست فضله ورحمته، تلك لحظة أكون فيها أقرب ما أكون انسجامًا مع نفسي، وانتماءً لأسرتي وأصدقائي والناس أجمعين، وإدراكًا لمعنى الحياة وسرها.
5896
| 30 سبتمبر 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); ضرب أحد الأساتذة طفلًا في مقرأة القرآن على ظهره ضربًا خفيفًا، ففوجئ بالطفل يصرخ ويقول: قتلت أولادي.. قتلت أولادي! وصدق الله إذ يقول: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} (23: النساء).يجري في لغة الناس اليوم تسمية الرجل بـ (آدم)، وتسمية المرأة بـ(حواء) على سبيل الترميز والاختصار.لغة القرآن: {يَا بَنِي آدَمَ}، وهي شاملة للذكور والإناث، وحين حزنت عائشة لعدم تمكنها من الاعتمار بسبب الحيض قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : "إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ".تجوّزًا يسمي بعضهم الأنثى بـ(بنت حواء)؛ تذكيرًا باتحاد الجنس وتشابه الطباع، على أن الأصل نسبة الأولاد ذكورًا وإناثًا إلى أبيهم.سمعت أم سلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} والجارية تمشطها فهمّت بالقيام، فقالت الجارية: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقالت: إليك عني فإني من الناس! سمي الإنسان الأول (آدم)؛ لأنه خلق من أديم الأرض، أي من ظاهرها، من التراب، ويسمى الجلد بـ(الأديم)، والآدم من الناس: الأسمر أو الأسود.وفي اسمه سر لطيف ففي العربية تقول: آدم الله بين المتخاصمين، أي: أصلح ووفّق وألّف، ومنه حديث طلب النظر إلى المخطوبة وتعليله بأنه (أحرى أن يُؤدم بينهما)، فالآدمي مزيج متجانس من عناصر شتى، وتواؤم وتلاؤم بين المادة والروح.أبناء آدم هم البشر وفيهم بيوت النبوة (آل إبراهيم)، (آل عمران)، (آل داوود)، (آل محمد)، وبيوت الحكمة وبيوت الزهد، تجانس بين الآباء والأبناء مبناه على الاصطفاء الإلهي، وحسن التربية، وصدق النية، وطيب المطعم، وإخلاص الدعاء: {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء} (38: آل عمران).كما فيهم بيوت المال وبيوت السُّلطة والجاه.هذا مجد الدنيا، وذاك مجد الدنيا والآخرة.تقول امرأة لزوجها: ولدك فعل وفعل.. فيرغي الأب ويزبد ويقول: ليس ولدي، هذا ولد إبليس! مسبّة لنفسه تملأ الفم! نغضب على المعتدين فنسميهم: (أبناء القردة والخنازير)، وإنما هم أبناء آدم وحواء!، وعليهم جرم أنفسهم: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (18: فاطر)، ومن صح نسبه منهم فجده كان (إسحاق) وهو نبي مرسل.كل البشر المؤمنين والكافرين، والمظلومين والظالمين، والأتقياء والمجرمين؛ هم ذرية ذينك الوالدين الصالحين الطيبين، أبوهم كان نبيًا، وأمهم كانت صِدِّيقَة! الأصل بينهم المساواة، من الأرض خرجوا وإليها يعودون، ولا فضل لأحد منهم إلا بالعلم والخير والإحسان والتقوى.وهم إخوة يجمعهم التراب والطين، إن لم تجمعهم العقيدة والدين: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} (65: الأعراف)، {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} (73: الأعراف)، ووصف تعالى المقتول بأنه أخو القاتل، وهي الأخوّة العامة بين الناس، الأخوّة الإنسانية.أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، ما معنى هذا؟معناه التناسل والتوالد من جيل إلى جيل، وغرس الفطرة السوية في الخلق، وظهور الآيات الكونية الدالة على الله، وبعثة النبيين مبشرين ومنذرين.ويحتمل المعنى ما نقل عن ابن عباس وأُبيّ بن كعب: أن الله تعالى أخرج من صلب آدم ذريته مثل الذّر ثم كلمهم وقررهم فأقروا بالربوبية، ثم بعث الرسل للتذكير بالعهد، فلا أحد يحاسب على العهد الأول الذي لا يتذكره.آدم كان في السماء الأولى ليلة المعراج، وأبناؤه فوقه ومنهم أولو العزم، فمن الذرية من يتفوق على والده، ومن التلاميذ من يتفوق على شيخه.الجمال ميزة ومطلب، وقد أعطي يوسف شطر الحسن، وكان داوود وضيئًا فسرّ به آدم حين رآه، وآدم نفسه كان جميلًا طويلًا.كم عدد أولاد آدم؟ لم يستوعبهم كتاب جامع، ولم يأت فيهم نص قاطع، هل هم 240؟ أو 40؟ أو 25؟...عاش آدم مئات السنين على الأرض وشاهد الأولاد والأحفاد ومن بعدهم.خلّد الله آدم بذريته، فهو معروف في كل الثقافات والأديان ولدى كل الشعوب. كيف تم التكاثر بينهم؟هل كانت حواء تلد توائم (ذكرًا وأنثى)؟ ثم يزوجون الذكر من التوأم الأنثى من التوأم الآخر؛ نظرًا لضرورة الحياة وعدم وجود غيرهم؟ وقبل أن تنزل الكتب السماوية بتحريم ذلك: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ..} (23: النساء).والحضارات القديمة المصرية وغيرها كان الأخ فيها يتزوج أخته، وكما تكتمل التشريعات مرحلة بعد أخرى بتطور الحياة البشرية، فكذلك الفطرة تأخذ جاهزيتها واكتمالها مع الزمن وتستقر مفرداتها، فتعافُ بعض ما كانت تقبله من قبل! والجينات البشرية كانت نقية ولا توجد فيها أمراض وراثية.وكان كل توأم يختلف عن الآخر في النشأة والطعام والعادات.أم كان الله تعالى يخلق لهم ما يناسبهم بقدرته، كما خلق عيسى من أم بلا أب؟تلك قضية موغلة في القدم ولم يأت فيها نص هادٍ، فلتبق إذًا متروكة للمزيد من الأدلة؛ خاصة وهي قضية لا ينبني عليها عمل.في أبناء آدم لصلبه الطيب والخبيث؛ فيهم قابيل القاتل، وفيهم (شيث)؛ النبي الصالح الذي ورث والده وحفظ عهده وأحيا سنته، وبعضهم يعده أبا البشر الثاني.مؤرخون يضربون في التِّيه بلا هادٍ ولا دليل حين يتكلمون عن تاريخ العالم، ومدة الكون من آدم إلى قيام الساعة، ويسردون روايات بلا زمام ولا خطام عن الأرض وخلقها والسماوات ووقت الخلق والدخان، وما بين آدم ونوح، بينما القرآن يقول: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ}! (9: إبراهيم).الأخوّة الإنسانية قائمة على النسب الواحد لآدم وحواء، وعلى الفطرة والطبيعة الواحدة حيث يسهل فهم الآخر لأنه نظيرك في الخلق، وقد يكون المرء أخاك لأمك وأبيك ولكنه على غير دينك، فتسميه أخًا، وأخوّة الدين أخص: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (10: الحجرات).علينا ألا نتنكّر للنسب الواحد، ولا نتجاهل الفطرة المشتركة، وعلينا ألا نجور على حقوق الأخوّة الإسلامية؛ التي تجمعنا بشركائنا في التوحيد لله، والإيمان برسله وبخاتمهم صلى الله عليه وسلم.
407
| 23 سبتمبر 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); قصة تستحق أن تُقرأ، معسكر (أوشفيتيز) في بولندا؛ الذي بناه النازيون أثناء احتلالهم، ووضعوا فيه اليهود من أنحاء أوروبا إضافة إلى 150 ألف بولندي و80 ألفا من الرومان السوفييت والجنسيات الأخرى، وقتل في هذا المعسكر ما لا يقل عن مليون ومائة ألف شخص بطريقة بشعة، حسب تقديرات بعض المؤرخين.. أحد المسؤولين عن المعسكر آنذاك قال: قتل هذا العدد ساعدنا على توفير مليون علبة مربى! تضاءلت حظوظ الدكتور فرانكل في النجاة بعد هلاك أسرته، وذهاب كل ما يملكه أدراج الرياح.تحطَّمت كل قيمه ليعاني الجوع والبرد والعري والقسوة، وفي كل لحظة كان يتوقع سماع اسمه ليذهب للموت، لم يكن لديه ما يفقده عدا حياته البائسة.خيط رفيع تشبث به حتى في أقسى اللحظات كان سببًا في نجاته وخروجه من السجن، بل وخلود اسمه كأحد المنظرين في مجال التحليل النفسي والعلاج! لقد أصبح الدكتور فرانكل زعيمًا لـ (مدرسة فيينا للعلاج النفسي) العالمية، وتداولت الأوساط العلمية كتابه (الإنسان يبحث عن معنى)، وهو مترجم إلى العربية.تحدَّث عن: "السجين / الرقم"؛ حيث يُعطى الضعيف صابونة بيده لإيهامه أنه يذهب للحمام بينما يساق لفرن الغاز وتنتهي إنسانيته بأن تكون دخانًا ينبعث للفضاء وتذروه الرياح، أما القوي فيُعزل للعمل.تحدَّث عن مبادئ العلاج بالمعنى؛ فحين يكون للمرء هدف يعيش له يكون أقدر على مقاومة التعذيب والضغوط مهما كانت بشاعتها.الشعور بالعائلة، الحنين إلى الحب والزوجة، الارتباط بجماعة أو أصدقاء، الموهبة، العطاء ومساعدة الآخرين، الذكريات، الحلم وتخيل مستقبل أجمل..أحيانًا الحرمان بأي صورة كان يؤدي إلى إحساس مضاعف بالجمال والمتعة.وبالنسبة لي (يقول): فإن مصادرة مخطوط لكتابي كان في طريقه للنشر عند اعتقالي واهتمامي بإعادة كتابته هو ما ساعدني على البقاء وسط أهوال السجن.كان يتمثَّل حكمة نيتشه: (من عنده سبب ليعيش من أجله فهو غالبًا يستطيع أن يتحمل في سبيله بأي شكل من الأشكال).تحدَّث عن التسامي بالذات أو تجاوز الذات، فالسعادة ليست غاية لسعي الإنسان ولكنها نتيجة وأثر لتحقيق الهدف وبلوغ الغاية، فمعنى الإنسان هو ما يضيفه إلى العالم والحياة، و(الإنسان يعتبر حياته جوفاء من دون معنى فهو ليس شقيًا فحسب ولكنه يكاد أن يكون غير صالح لأن يعيش) كما يقول آينشتاين.ماذا كان يهم آدم من الخلود؟إنه ليس العيش المجرد بزيادة عدد الأيام والليالي، فالمرء يهرم ويمل وتضعف قواه ويستثقل الحياة ويستبطئ الموت، كما يقول زهير: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولًا لا أبا لك يسأمِ! الخلود الذي طمع فيه آدم أبعد من ذلك، هو خلود التأثير، وتعاهد الذرية، وديمومة البناء والعطاء، واتساع التجربة، والاعتبار من مرور الليل والنهار، وهذا تحقق له في واقع الأمر، أو أكثره.ماذا كان يهمه من الملك العريض الذي لا يبلى؟ إلا الأثر الطيب والعدل والسيرة الحسنة في الرعية، والحيلولة دون الانحراف والظلم ومجاراة الشهوات.لم يكن آدم طينًا صرفًا لتكون الأرض وحدها منتهى طموحه، كان نفخة علوية روحانية جعلت للطين قيمة جديدة ومعنى مختلفًا فأصبح جسده في الأرض وهمته في السماء: وكن رجلًا رجله في الثرى وهامة همته في الثريا! من تجربة شخصية فالعمق الروحي، والمناجاة مع الله، والإحساس بالقرب والرعاية: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} (48: الطور)، هو أعظم معنى؛ التعبئة الروحية قيمة ضرورية للصحة النفسية وطول العمر والنجاح والمقاومة.سحق إرادتك من قبل الآخرين لا يلغي قدرتك على اتخاذ موقف في كل ظرف.اختيارك للطريقة التي تتفاعل فيها مع ما يفعله الآخرون بك هو ما تبقّى من حريتك، إنها (حرية روحية) حتى في الظروف المريعة، وعندما تبلغ القلوب الحناجر. يستطيع ذلك عدد قليل من الناس ولكنهم ملهمون ومؤثرون.أهم المعارك الإنسانية تقع في الثواني التي تفصل ما بين فعل الآخرين ضدك وبين ردة فعلك تجاههم.هنا تبرز قيمة الإنسان: - يمتاز الإنسان بأنه يجعل من ذاته ميدانًا للبحث، والتأمل، والدراسة، والتجريب. الإنسان وحده هو المدرك لمعنى الحياة والوجود ومفهوم الموت والفناء، وأسرار الخلود.سمو الإنسان هو في إدراك محدوديته وعجزه، وحسن توظيف ذلك: (وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ). (رواه البخاري). - مشاعر الإنسان ليست غرائز محضة كالحيوانات بل مشاعر راقية، فالخوف من الله وتأنيب الضمير عند الخطأ، والخوف على الآخرين المحرومين والمظلومين والمعذبين هو تسامٍ إنساني صرف.والحب ليس غريزة الحيوان وسلوكه الجنسي البدائي، هو سمو روحاني ورقي بالنفس.الصبر والمصابرة، والقدرة على التكيُّف مع الأوضاع والمتغيرات، والتعلم السريع والدائم.. معانٍ زود الله بها الإنسان الأول وذريته.حديث (تخلَّقوا بأخلاق الله) ليس بثابت، ولكن يقول ابن القيم: (من تعلّق بصفة من صفات الرب أدخلته تلك الصفة عليه وأوصلته إليه، والرب هو الصبور، بل لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، وقد قيل: إن الله تعالى أوحى إلى داوود: (تخلّق بأخلاقي فإن من أخلاقي أني أنا الصبور)، والرب تعالى يحب أسماءه وصفاته ويحب مقتضاها وظهور آثارها في العبد، فإنه جميل يحب الجمال، عفو يحب أهل العفو، كريم يحب أهل الكرم، عليم يحب أهل العلم، وتر يحب أهل الوتر، قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، صبور يحب الصابرين، شكور يحب الشاكرين..). (عدة الصابرين، ص: 85).وقال ابن تيمية: (من أسمائه وصفاته ما يحمد العبد على الاتصاف به؛ كالعلم والرحمة والحكمة.. ومنها ما يذم على الاتصاف به؛ كالإلهية والتجبر والتكبر).أي معنى للتسامي وتجاوز الألم والتفوق على الذات وتحقيق قيمة الوجود الإنساني أعظم من الشعور بأنك تقترب من الله بالتحقق بالأسماء والصفات التي أخبر بها عن نفسه وأثنى على عباده المتخلّقين بها؟
401
| 16 سبتمبر 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); قَالَ قَتَادَةُ: حوارات إلهية! قَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا أُهْبِطَ إبْلِيسُ قَالَ: رَبِّ لَعَنَتْنِي.. فَمَا عَمَلِي؟ قَالَ: السِّحْرُقَالَ: فَمَا قُرْآنِي؟ قَالَ: الشِّعْرُقَالَ: فَمَا كِتَابِي؟ قَالَ: الْوَشْمُ قَالَ: فَمَا طَعَامِي؟ قَالَ: كُلُّ مَيْتَةٍ وَمَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ الله عَلَيْهِ قَالَ: فَمَا شَرَابِي؟ قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ قَالَ: فَأَيْنَ مَسْكَنِي؟ قَالَ: الْأَسْوَاقُ قَالَ: فَمَا صَوْتِي؟ قَالَ: الْمَزَامِيرُقَالَ: فَمَا مَصَائِدِي؟ قَالَ: النِّسَاءُ.ذكره عبدالرزاق في (المصنف)، والسفاريني في (غذاء الألباب)، ورواه الطبري في (تهذيب الآثار)، والطبراني، وابن أبي الدنيا عن أبي أمامة مرفوعًا، وفي سنده "علي بن زيد الألهاني": متفق على ضعفه، وقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إغَاثَةِ اللهفَانِ: الْمَعْرُوفُ فِي هَذَا وَقْفُهُ.قرأت قديمًا كتبًا في الحوار وضرورته، ووجدت بعضهم يستدلون بأن الله (حاور) إبليس.. تساءلتُ في نفسي: هل يسمى ما ورد في القرآن بهذا الشأن حوارًا؟ولم لا يسمى حوارًا؟وما هو الحوار؟أليس نوعًا من الترادّ والتراجع في القول؟ وقريب منه الجدال، والمؤمن يجادل ربه يوم القيامة؛ كما في الصحيح.أليس يحتشد في القرآن عدد ضخم من محاورة الله للملائكة؛ في قصة آدم، وفي غيرها؟ ولآدم وزوجه؟ وللنبيين من بعده: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وأيوب، وسليمان؟ومثل ذلك مع الصديقين، والشهداء، والمؤمنين.ومع الضالين والمشركين من ذرية آدم، ومن بني إسرائيل، ومن غيرهم..منه ما مضى وانقضى، ومنه ما هو آتٍ يوم القيامة: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مسؤولونَ} (24: الصافات).ماذا يسمى هذا النص؟قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟قَالَ: أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ.قَالَ: فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ.قَالَ: فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.قَالَ: إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ.قَالَ: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ.قَالَ: أخرج مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا..(12 - 18: الأعراف). الله يُمهل الشيطان، ويسأله - وهو أعلم - ويسمع جوابه ومغالطاته، ويرى كبرياءه ويصبر عليه، وبيده إهلاكه فورًا.. الله يستجيب لطلبه بالإمهال والانظار إلى يوم القيامة..ويستمع إلى تَحَدِّيه ووعيده لذرية آدم، ويجيب بقوله سبحانه: {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} (18: الأعراف).غاب المنطق عن إبليس، وبقي الحوار يُعلِّمنا كيف نصبر على طيش الخصوم..كيف نقيم الحجة بهدوءٍ وتروٍّ..كيف نسعى لإظهار الحق على لسان الخصم، وليس لمجرد الإفحام والتوريط، وتدوين الهزيمة والفشل..كيف نُوصِّل المعلومة الصحيحة بالحوار، ونستخدم الإقناع بدل التلقين..كيف نصغي لمحدثنا ولو كان يقول ما لا يستحق الإصغاء..كيف نتيقّظ لألاعيب الكلام ومخادعاته..كيف نتوقف عن الحوار حين يتحول من الحجة - ولو كانت واهية أو باطلة - إلى التهديد والوعيد.وفي شأن آدم وحواء: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ؟ قَالاَ: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}. (22 - 24: الأعراف).عتاب محب، وجوابُ معترف.الحوارات الإلهية سؤال ممن يعلم السر وأخفى، ويعلم وسوسة النفس، والأمس واليوم والغد عنده سواء.وهو يُربِّي خلقه على التعبير عن دخيلة نفوسهم ومشاعرهم، والكشف عن بواطنهم؛ أكانت صدقًا مطابقًا للأمر، أم توهُّمًا، أم كذبًا، أم ادعاءً؛ لأن حكمته اقتضت أن يكون الثواب والعقاب والرفع والخفض بموجب ما يحدث من الناس وليس بموجب العلم الإلهي السابق، ولذا خلق الناس ومنحهم الإرادة، وأعطاهم الخيار..دعوة الأنبياء كانت حوارًا بالتي هي أحسن، وصبرًا على الأذى..لم يكن فيها تطميع بعاجل الدنيا، وما كان فيها من وعد بالنصر فهو للحق والإيمان وليس لأحد بعينه.
985
| 09 سبتمبر 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); يتميَّز الغراب بذكائه العجيب وقدرته على تفكيك بعض العمليات المعقَّدة، والعرب تسمي الرجل الذكي غرابًا، وهو يحفر في ظاهر الأرض أحيانًا ليخفي طعامًا في مخبأ، وقد يموّه بفتات الحصى، ولذا عبَّر القرآن في قصة قابيل وهابيل بـقوله: {لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ} (31: المائدة)، ولم يُعبِّر بـالدفن، فالدفن أعمق. الاقتباس من الغراب يؤكد أن القصة تتعلق بمرحلة متقدمة من حياة البشر، وقبل أن تتسع دائرة التجارب والخبرات والأعراف المستقرة لدى الأمم. قال أبو مسلم الأصفهاني: (عادة الغراب دفن الأشياء، فجاء غراب فدفن شيئًا فتعلَّم ذلك منه). الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يدفن موتاه على اختلاف الشرائع والموروثات في سائر الأمم. الفيل قد يُغطي موتاه بفروع الأشجار، وكذلك قرود الشمبانزي والزرافات. التقط قابيل النادم على قتل أخيه، المتحيِّر في كيفية التعامل مع الجثة، حتى ورد أنه كان يحملها معه، التقط فكرة الحفر في الأرض لدفن أخيه من غرابٍ كان يحرث ويفتش في التراب، وليس في القرآن ما يدل على أن الغراب كان يدفن غرابًا آخر، ولكن هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وجمع من السلف والمفسِّرين: أن الغراب كان يواري غرابًا آخر ميتًا. هل علم الطيور اليوم يُسعف في هذا المضيق؟ في موقع الـ BBC العربي: سلوكيات فريدة لطائر الغراب تجاه الموت. وفي التقرير: تجتمع طيور الغراب حول موتاها، أما الأسباب وراء ذلك فهي مذهلة حقًا، المعروف عن الغربان أنها تتصرف بشكل غريب حول الطيور النافقة من نفس جنسها، فهي تجتمع حولها وتصيح بصوتٍ عالٍ! أُجريت سلسلة دراسات بقيادة (جون مارزلوف) من جامعة واشنطن في سياتل، وكشفت تلك الدراسات أن الغربان تستذكر شخصًا يُشكِّل خطرًا لها، وهي تصيح بصوتٍ عالٍ عند رؤية ذلك الشخص، ولسنين عديدة! (كايلي سويفت)؛ ضمن الفريق من جامعة واشنطن تقول: تكشف التجربة أن الغربان تنظر إلى الموت - على الأقل جزئيًا - باعتباره لحظة قابلة للتعلُّم؛ لتستعير منه شيئًا محسوسًا، إنها دلالة على وجود خطر والخطر يجب تفاديه. الدراسة نشرت في مجلة (سلوك الحيوان)، وفيها: اكتشف باحثون أن طيور القيق - وهي من نفس عائلة الغرابيات - تقيم ما يشبه جنازة عندما ترى أحد أفرادها ميتًا.. الغربان ضمن مجموعة صغيرة يعرف عنها تعرُّفها على الطيور الميتة من نفس نوعها، أو ربما إقامة حداد عليها! من الأفضل عدم التسرُّع في سرد الاحتمالات العلمية لتفسير النص القرآني قبل أن تصبح حقيقة واضحة، ومن الأفضل عدم التسرُّع في نفيها لمجرد أنها لا تنسجم مع تكوين عقلي لفردٍ أو فئةٍ من الناس. نحن أحيانًا ننكر أشياء تاريخية لأنها في نظرنا (غير معقولة)، ثم نُسلِّم بأشياء غريبة لأن العلم يقررها والتجارب تثبتها! فكرة أن يدفن الغراب غرابًا آخر ليست مناقضة لقوانين العقل. بل هي أقرب إلى دلالة النص القرآني، فهي تُفسِّر قوله تعالى: {يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي؟} (31: المائدة). فالتناظر بين الأنموذجين يرجِّح أن الغراب اهتدى لدفن غرابٍ آخر، بينما قابيل عجز أن يفعل ذلك.. حين يقول النص: {فَبَعَثَ الله غُرَابًا} (31: المائدة)، فهذا يحتمل أن يكون الأمر تدبيرًا إلهيًا محضًا متصلًا بالمرحلة الأولى من حياة البشر ونقص تجربتهم. ويرى الأصمّ: أن الله بعث غرابًا يحثو التراب على المقتول، وهو هابيل، وهذا وإن كان غريبًا إلا أنه لا يتعارض مع ظاهر النص. هل سلوك الطيور والحيوانات يتطوَّر عبر الزمن؟ وهل ينقص أو يتراجع؟ الأمر يحتاج إلى (بحث!). وحين يقول: {يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ} (31: المائدة)، فهو لا يعني الحفر، بل تحريك ظاهر الأرض برجله. كلمة (البحث) اليوم واسعة الانتشار جدًا في الحياة العلمية والعادية والشبكات الاجتماعية، الاستخدام القرآني لها ملهم؛ لأنه يدل على استخدام الملاحظة والنظر في البحث عن حلول لمشكلات قائمة أو أسئلة محيرة؛ خاصة وقد جاءت في سياق التعلُّم. ويدل على توسيع دائرة البحث للاستفادة من بني الإنسان، ومن الطير والحيوان، والبحث في الأرض كل الأرض! الغراب عند العرب طائر شؤم ويسمونه: (غرابُ البَيْن)، لكنه في القرآن طائر ذكي ملهم للإنسان، وفي العلم هو طائر وَفيٌّ؛ يحزن على موتاه، ولا يقتل نظيره. الإنسان يقتل ويندم، ويورثه الندم عجزًا وحيرة، ويُحَمِّل بعض تبعات جريمته لغيره!
3986
| 02 سبتمبر 2016
مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...
4938
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...
4914
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...
1611
| 13 مايو 2026
قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...
1113
| 13 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...
1038
| 11 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...
1005
| 14 مايو 2026
في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...
717
| 13 مايو 2026
إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...
714
| 14 مايو 2026
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...
678
| 12 مايو 2026
يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...
651
| 13 مايو 2026
أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...
603
| 11 مايو 2026
في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائما في...
558
| 12 مايو 2026
مساحة إعلانية