رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أنت قابيلي أو هابيلي؟

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); لم يرد في القرآن والسنة ذكر لهذين الاسمين (هابيل وقابيل)، ولكنهما متداولان على نطاق واسع في كتب التاريخ والتفسير، وموجودان في الروايات الإسرائيلية وكتب أهل الكتاب. والمهم أصل القصة وعبرتها، ولا يضر اعتماد هذين الاسمين لشهرتهما، ولا يحتاج ذلك إلى أسانيد قوية، خاصة وقد ورد هذا عن ابن عباس وعبدالله ابن عمرو وغيرهما. وفي القرآن سرد القصة في خمس آيات من سورة المائدة، وجاء السياق متصلًا بقصص أهل الكتاب مما جعل بعضهم يظن أن القصة وقعت في بني إسرائيل، والحق أنها كانت لولدين مباشرين من أبناء آدم، ولذلك جاء في الصحيحين: (لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا. إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا. لأنه أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ). (أخرجه البخاري ومسلم). إذًا فهي أول جريمة قتل تقع في الأرض بعد خلافة آدم. معظم الروايات تتحدث عن خلاف على الزواج من البنت الأجمل، وهذا معنى ظل ساري المفعول في بني آدم كما قال ابن السمّاك: (لولا ثلاث لم يقع حيف ولم يرفع سيف: وجه أصبح من وجه، وسلك أنعم من سلك، ولقمة أسوغ من لقمة). فالصراع على الجمال والثياب والطعام؛ سر كثير من الحروب التي يوظّف فيها من لا يدرك مغزاها. والقرآن لم يعنَ بتفصيل ذلك؛ لأن المقصد هو العبرة بتعظيم الدم وحرمته وحفظ حقوق (الأخوة الإنسانية الآدمية) القائمة بين البشر كلهم، إلا ما يقتضيه العدل وتأذن به الشريعة. كما لم يعنَ القرآن بتفصيل القربان، وكان هابيل صاحب غنم فقرَّب أفضل ما لديه بطيب نفس، وقابيل صاحب زرع فقرَّب شر ما لديه وبغير طيب نفس. أما التَّقبُّل، ويعني قبول الله للقربان فورد ما يدل على أن علامته أن تأتي نار من السماء فتحرقه، وجاء في القرآن قول اليهود: {الَّذِينَ قالوا إن الله عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} (183: آل عمران). وفي صحيح مسلم في قصة "يوشع بن نون": أنهم جمعوا الغنائم فأقبلت النار فلم تأكلها، فأعادوا إليها الذهب المغلول فأقبلت النار فأكلتها. حسد قابيل لأخيه أنموذج مصغَّر لما وقع من الشيطان مع آدم، شعوره بأفضليته أثار غيرته، فطفق يهدده {لَأَقْتُلَنَّكَ} (27: المائدة)، وكان رد هابيل: إن الله الذي جلبنا إلى الأرض سيثأر لي إن قتلتني. الهمُّ بالقتل يحدث، والتسامي عن الانتقام يحدث أيضًا، فهابيل كان الأقوى، ولكنه كان الأتقى، ولذا لم تُحدِّثه نفسه بأن يبادر بالقتل، ولا خطرت في باله فكرة: (تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك). مبدأ هابيل كان سلميًا: {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} (29: المائدة)، كان عارفًا بأن القتل نار وعار وظلم: {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ} (29: المائدة). كان حريصًا على حماية نفسه، حذرًا من غدر أخيه، ولا يغني حذر من قدر، لقد وجده قابيل نائمًا على سفح جبل فرماه بحجر فقتله.. وقع لقابيل بعض التردد والإحجام فهو يهم بجريمة لم يرها قط، ولكنه يدرك أنها يمكن أن تقع، وبمقدوره أن يفعلها، تهيَّبَ من ذلك ولكن نفسه الأمارة بالسوء (طَوَّعَت) له قتل أخيه. التعبير بالأخوة تذكير بالمشترك الإنساني بين البشر من بني آدم، وتعظيم لحرمته وحقه، وتحذير فوري من التجاوز والعدوان عليه. يسجل القرآن ندم قابيل بعد أن رأى أخاه جثة هامدة، وتعبير القرآن: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} (31: المائدة)؛ يدل على شدة الندم وتمكّنه، فهو أبلغ مما لو قال: فأصبح نادمًا! وهذا يشبه قول الله تعالى لآدم وحواء: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ} (35: البقرة). ولعل هذا الندم لم يكن ناشئًا من خوف الآخرة ولا قصد به التوبة الصادقة ولذا لم ينفعه، والتوبة تنفع في الآخرة من كل ذنب حتى من الشرك والقتل فما دونهما. عبَّر عن ندمه بقوله: {يَا وَيْلَتَا} (31: المائدة)، وهي إنما تقال عند الوقوع في هلاك أو تعاسة أو حسرة، وتذكَّر فورًا أن المقتول أخوه: {فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي} (31: المائدة). الأخطاء مهما عظمت لا تلغي الأخوة، وفي سياق مشابه بشأن القصاص يقول تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} (178: البقرة). الذنب مهما عظم لا يعني الكفر ولا يخرج صاحبه من الدائرة الواسعة. تقديم قابيل للقربان دليل على وجود أصل الإيمان، ولا دليل على أنه كان منافقا. جاء عمران بن طلحة بن عبيدالله إلى علي - رضي الله عنه - فرحَّب به علي وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك (يعني طلحة الذي حاربه) والزبير ممن قال فيهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} (47: الحجر). يمر القرآن على مشهد القتل سريعًا دون إبطاء ولا تفصيل ولا تطويل: {فَقَتَلَهُ} (30: المائدة)، فمن الجدير عدم التركيز في السرد على لحظة الضعف بتفصيل قد يفضي إلى المحاكاة أو الإغراء. العبرة هي الخسارة الناجمة عن القتل: خسر أخاه، وأسرته، وإنسانيته، وسعادته، وآخرته، خسر تاريخه وصار مثالًا يُتلى إلى يوم القيامة، ونموذجًا يحتذى في الشر والقطيعة. العلاقة بين الإخوة في الأسرة الواحدة ذكورًا وإناثًا يجب أن تكون قائمة على الحب والاحتضان، والانسجام والإيثار، والاحترام المتبادل والتفاهم، ومراعاة حق الوالدين، والعفو والتسامح في حال حدوث مشكلات وحلها بالصبر والحلم والتنازل وتجاوز الحظوظ النفسية، والتسامي عن الأنانية. (حضن الوالدين) يسعنا جميعًا وليس علينا أن نكثر من الشكوى: أيّنا يعتنون به ويحبونه أكثر، مأدبة الطعام التي نتحلّق حولها، المنزل الذي احتفظ بذكريات الطفولة، الجينات، المعبر الذي سلكناه جميعًا (الرحم)، المصير.. حالات العصبية أو الحساسية أو التوتر يجب أن تعالج بـ{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (134: آل عمران). العلاقة بين المتنافسين في الأجواء الصحية هي تسابق بالخيرات، وتنافس في الطاعات دون تباغض أو تحاسد أو استسلام لنزعات النفوس المريضة، فرص الحياة تسعنا جميعًا فلماذا نتدافع؟ لماذا نعتقد أن نجاحنا هو في تقويض نجاح الآخرين؟ قابيل وهابيل أنموذجان بشريان.. أيهما تحب أن تكون؟

761

| 26 أغسطس 2016

تعليم

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); يد أمي كانت تمسك بأصابعي الغضة وتصعد بي درج البيت الصغير، وتلقنني مع كل درجة كلمة: "بسم الله..الرحمن..الرحيم"، ويبقى المزيد من الزُّلَف فتكمل: العلي..العظيم. تعليم عبر الاحتضان والحب، وفي بيئة محفوفة بالعطف والحنان. مدرسة القرية كانت محضنًا أبويًا وامتدادًا لتربية المنزل. وكأن المدرسة، بل القرية، أسرة واحدة! مكتبتي المنزلية المبكرة حوت كتبًا؛ كـ"فقه السنة"، و"رياض الصالحين"، و"ابن كثير"، إلى "السندباد"، و"الزير سالم"، و"قيس وليلى"، وقصص المغارات والكنوز. طفلي اليوم يبكي كل صباح ويقترب مني محاولًا التجرؤ على إقناعي بأن مغصًا في بطنه، أو ضربةً في كوعه تقتضي أن يغيب عن المدرسة! نحن إذن لم نغرس فيهم الميزة الأولى عند جدهم آدم: الرغبة في التعلم والاكتشاف و"الدهشة" من المعرفة الجديدة، ولا الحرية المسؤولة، ولم نجرِ عملية التعليم في جو عائلي تتكامل فيه الأطراف، كما حدث هناك. تلقَّى آدم تعليمه في أفضل بيئة (الجنة)، ولذا تمكَّن من العيش على الأرض بسلام، كانت الأرض له مدرسة ولم تكن منفى! تعبير القرآن عن مزية آدم كان بـ"التعلم" وليس بـ"العقل"، والعقل هو الأداة الأساس في التعليم. كان مزوّدًا بملكة التفكير والنظر والتحليل والفهم والفقه واللغة، ولم يأت لفظ العقل مصدرا في نصوص الشريعة، بل جاء فعلًا: "يَعْقِلُون – يَتَفَكَّرُون – يَفْقَهُون – يَعْلَمُون – يَنظُرُونَ". ثم غموض في مفهوم العقل إذ يطلق على تلك الأداة، ويطلق على ما تنتجه أيضًا من علوم ومعارف، وحقائق وظنون، وموروثات ثقافية وحضارية، وأنماط تفكير. العلوم العملية التطبيقية هي سر التفوق الإنساني وليس النظريات الفلسفية المجردة. فُضِّل آدم بالعلم، ولذا سجدت له الملائكة، وفُضِّل بنو آدم بعضهم على بعض بالعلم، فـ "فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ" (أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء). كان في جيناته حروف أسبقية فطرية يبحث فيها عن حاجاته (والمعرفة أهم حاجاته)؛ كما يبحث المولود الجديد عن الثدي! كان سالمًا من "العقل الجمعي" والموروث العريض؛ الذي كبَّل بنيه فيما بعد فأربك تفاعلهم، وعطّل ملكاتهم وحرف فطرتهم عن مسارها، ووضع القيود والأغلال في أعناقهم! تعلَّم آدم حروف الحمد على النعم، ومنها نعمة الحياة، فحين عطس قال: "الحمد لله". معرفة الله بالقلب، والشعور بقربه ولطفه، وحضور معاني صفاته هي الأهم، وهي الركن الأول في الهوية الإنسانية. استقبل الإلهام الرباني بمعرفة اللغات والأسماء وأعلن هذا العلم، وهو بهذا يثبت قدرته على "التعليم" وجدارته به وجرأته عليه أمام من لا يحصيهم إلا الله من الملائكة، والعجب أن التعقيب القرآني جاء بلفظ: {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} (33: البقرة). فاختيار آدم كان على علم زكاه الاختبار، وسؤال الملائكة كان سؤال من لا يعلم لمن يعلم: "مَا تَعْجَبُونَ مِنْ جَاهِلٍ يَسْأَلُ عَالِمًا؟" (أخرجه أحمد) . تعلَّم من الألم والندم، والتجربة والخطأ؛ فأسرع بالتوبة والتنصل والاستغفار. وحوّل الفشل والإخفاق إلى نجاح واستعادة للموقع وتقدم أكثر. تعلَّم وزوجه الخصف؛ وهو نوع من الصناعة احتاج إليه حين تبدّت له عورته، وسرعان ما اهتدى لفكرة الأخذ من ورق الشجر، فالحاجة أم الاختراع، والمعرفة يجب أن تكون مواكبة للحاجات المتجددة للإنسان، ولو كان الإنسان سببًا في حدوث الحاجات بتجاوزه وظلمه. تعلَّم وزوجه طبيعة العلاقة بينهما، ونطقا أبجدية الحب الأولى بفصاحة لا تردد فيها، ومضيا مع الفطرة الهادية المهدية صوب الوصال الجسدي والروحي والعاطفي والتكامل والإنجاب: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} (50: طـه) . تابعوا أمر الحمل بدهشة رائعة، وفرحة غامرة، وداخلهم شعور يعز وصفه لرؤية وجه "التوأم" الأول! ربما سقط جنين فتعلَّموا منه مراحل نموه، أو كان غير سوي الخلقة فخافوا على المواليد القادمين، إذ هم يدركون أنهم الآن على الأرض الجارية وفق السنن والنواميس والنظم الإلهية، وليسوا في الجنة التي يكون الحمل فيها والوضع والنمو في لحظة واحدة. ولهذا تضرعا إلى الله بالدعاء: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (189: الأعراف). والأقرب أن مقصود الصلاح هنا أن يكون المولود سليمًا معافى صحيحًا من غير علة ولا إعاقة ولا تشويه. تعلَّم هابيل من الغراب طريقة الدفن، والغراب طائر فاسق، وهابيل فاسق يتعلم من فاسق، فالعلم ليس محظورًا دون أحد، ويؤخذ من كل أحد. وتعلَّم النبي المعصوم سليمان من الهدهد، وتحقق من نبئه وبنى عليه. الزلازل والبراكين وبعض الظواهر يحس بها الطير قبل الإنسان. الحضارة تراكم إنساني، وأسعد الناس بها من أسهم في بنائها، وانفتح على خيرها، وتخفف من شرها. والأفراد كما الأمم يجب أن يقبسوا من أصلهم الأول ديمومة التعلم والتعليم، وطلب الزيادة من العلم، والتعبد بالمعرفة حتى الموت {وَاعبد رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (99: الحجر) .

387

| 19 أغسطس 2016

حتى الملائكة تسأل!

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); ظل (جيفري لانج) مسيحيًا بحكم النشأة حتى بلغ الثامنة عشرة حيث تحوّل إلى ملحد؛ لعدم قدرة عقله على استيعاب فكرة الألوهية المثلَّثة، وفي سن الثامنة والعشرين قرأ كتابًا في تفسير القرآن، فوجد إجابات متماسكة ومنطقية دعته إلى إعلان إسلامه.. وهو بهذا يتفق مع ما يقوله (محمد أسد)؛ من أن فكرة التثليث والتجسد الإلهي لا تبعد الناس عن الكنيسة فحسب، بل عن الإيمان برمته. عنوان الكتاب جاذب ومعبِّر وواقعي.. ففي "سورة البقرة" تجد الملائكة تسأل ربها عن الحكمة في خلق آدم.. وهذا إلهام للبشر أن يتأمَّلوا ويتفكَّروا في حكمة خلقهم، وفي أنفسهم، وفي الكون من حولهم. حين يكون السؤال معنى متحركًا داخل الإنسان فهو لا يُطرح للاستعراض أو التعجيز أو التعنت أو الترف الفكري أو المغالطة أو التكلُّف.. ولا يتقحَّم ما لا سبيل له إليه من الغيوب والمتشابهات.. حين يكون السؤال ضرورةً معرفية وحقًا إنسانيًا بل وواجبًا إيمانيًا فلن يتوقف موسى عند شرط الخضر: {فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} (70: الكهف)، على أنه وعده ابتداءً بالكشف عما أشكل، ولكنه لم يصبر! حين يكون السؤال استزادةً من الفهم، وتوسيعًا لدائرة الوعي؛ فهو منهج نبوي يسمع ولا يقمع، وقد سأل الصحابة رسول الله عن مسائل كثيرة وأجابهم عليها، ومنها ما جاء جوابه في القرآن: {يَسْأَلُونَكَ..}، وما أرشد الله نبيه إليه: {واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ..} (163: الأعراف)، {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} (94: يونس). توجيهٌ مذهلٌ في معالجة الشك بالسؤال.. والغالب أن المراد به أمته - عليه الصلاة والسلام - ، وتقرير أن المعرفة الصادقة تؤخذ من أربابها مَنْ كانوا.. حين يكون السؤال كوَّةً ينبثق منها النور؛ لأنه بحث في الممكن والمقدور، وليس في المتشابهات والغيبيات؛ التي لا سبيل للعقل إليها.. فهو يستدعي الجواب الحكيم المناسب، ولا يجعل العالم رهينة الجاهل، ويبقي الباب مفتوحًا للمزيد من التحرّي والتدقيق والبحث، فختام الجواب: (والله أعلم)، وقد يكون الجواب كله: (لا أعلم.. لا أدري..). من الخير أن تبقى بعض الأسئلة مفتوحة؛ لتنشيط حركة العقل، وترك فراغات معرفية تحفز على التزوُّد: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (114: طـه). مشكلة العلم، ومشكلة الإيمان، ومشكلة الحياة هي: التقليد الأعمى، والتوقف عن النمو، والغرور بقليل المعرفة وظاهرها: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (7: الروم). ثمَّ مسائل عويصة وشائكة من الغرور التسرُّع فيها بجواب يُغلق الباب ويشل الفكر، أو الخروج منها بحالة من الانسلاخ ونبذ الإيمان. أبق للمستقبل حقًا.. وربما عثرت على الجواب، أو عدلت عن السؤال، أو نقلته إلى ميدان آخر.. أمر الله بالسؤال، وعَدَّه النبي شفاء للعِيِّ، وسمَّاه الخليل بن أحمد مفتاحًا لأقفال العلوم، وتواصى به العلماء حتى لحظ عبدالله بن المبارك طالبًا لا يسأل فمازحه وقال: إن تلبثت عن سؤالك (عبد الله) ترجع غدًا بخفي حنينِ! أعنت الشيخ بالسؤال تجده.. قلقًا يتقيك بالراحتين! وإذا لم تصح صياح الثكالى..رحت منه وأنت صفر اليدين شيوخ كانوا يُعلِّمون تلاميذهم كيف يلحُّون في السؤال، وليس التلقي والتلقين وهز الرؤوس و(السمسمة)! ليس صحيحًا أن الله أحرق أولئك الملائكة الذين سألوا.. السؤال جاء منسوبًا لجميع الذين خوطبوا بالنبأ العظيم (خلافة آدم)، وسؤالهم كان قياسًا على مشهد آثار استغرابهم من قبل، وعلى الأرض ذاتها، فهم لا يدركون نوازع البشر ودوافعهم ومشاعرهم وأحاسيسهم، ولا يعرفون معنى شهوة المال والرياسة والتسلط والوصال الجسدي، وما جبل الله عليه من يخلقون من الأرض ويخلقون لها؛ لأنهم منغمرون في حالة التقديس والتسبيح والذكر: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} (20: الأنبياء). وسؤالهم يفتح للإنسان ميدان البحث عن معناه، وسر كينونته، ومقصد وجوده. لم يخلق آدم للتسبيح والتقديس المجرد كمَلَك، خُلِقَ ليعمر ويبني ويكتشف ويبدع ويحاول، ويحقق ذاته عبر السعي المتواصل للخير والحق والحب والعمل والعطاء، وصلته بـالله زاده ووقوده وعصمته من اليأس والضياع، ومن البغي والعدوان. سؤال الملائكة يبدو اليوم، وعبر الأحقاب، مشيرًا إلى الفساد العريض والتظالم وسفك الدم تحت ذرائع شتى؛ الذي حفل به تاريخ الحضارة! ، فكيف بتاريخ التخلف والبدائية والجهل؟ والجواب الإلهي داعٍ للتأمل فيما هو أبعد، من المعاني الإيجابية، وقراءة الوجه الآخر في وجود الإنسان.. الوجه الذي ترجح مصلحته بيقين قاطع وإن كان ثمَّ مفسدة. {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (30: البقرة)، فأنتم أعملتم القياس، وظننتم آدم في ميزان الأقوام المتخلفين المتوحشين ناقصي العقول، والله يعلم من فضله وذريته ومزيّته وتكريمه ورحمته ما لا تعلمون. إنه عبد موصولٌ بـالله؛ معرفةً وحبًا وخوفًا ورجاء، وموصول بالأرض؛ إعمارًا واكتشافًا وإبداعًا.. خُلِقَ ليُضيف للأرض قيمةً، وللشمس وللقمر وللنجوم وللسماوات، فوجوده فيها كشف إعجازها، وأظهر تسخيرها، وجلَّى مقاصدها وحِكَمَها ومراميها، وفتق أسرارها. عبر قرون متطاولة كان الأنبياء والأولياء والصديقون والشهداء، وكانت الصلوات والدعوات والخلوات والخشوع والدموع، وكان الابتلاء والصبر، والكرب والفرج، والضيق والأمل، والحزن والسرور، والمحاولة والخطأ والصواب، والذنب والمتاب، والوصل والصدّ والعتاب.. وكان وكان وكان! عبر قرون متطاولة كان الكشف والتعلُّم، والمغامرة والإبداع، والنجاح والفشل، والمشكلة والحل، والبحث والتعثُّر، والوصول والخدمات، والتسهيل والتطور، والنظريات المعرفية.. لكل منّا أن يقرأ في حراك البشر وجهًا جميلًا طيبًا.. بعدما غلبت لغة التشاؤم، والتشاتم، والمؤامرة، والصراع، والقطيعة.. حتى نسينا نحن المسلمين، أو كدنا، حكمة الباري في خلق الحياة والبشر برهم وفاجرهم، خاطئهم ومصيبهم، مؤمنهم وكافرهم. لكل منّا أن يستشعر شيئًا من أسرار خلقه تحت ظل هذا الجواب الرباني: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، بدل اليأس والقنوط، وطول المثول أمام مصاعب الحياة ومتاعبها، وإخفاقاتها وابتلاءاتها.. أو الرغبة في اختصار المسير، وانتظار المصير، واستعجال الرحيل. لنؤمن بحكمة الحياة وجمالها؛ لأنها صادرة من الله الحكيم الجميل الطيب الصبور، وليكن هذا الإيمان دافعًا للاستمتاع بها وتذوق جمالياتها، دافعًا للإضافة الإبداعية علميةً أو أدبيةً، ولو كانت يسيرة، فالجود من الموجود، وليكن فعلنا للخير، وإحساننا لشركائنا فيها، وصبرنا عليهم تأويلًا حسنًا للجواب الإلهي العظيم. ولنردد مع الملائكة، فيما أعيانا فهمه وإدراكه، جواب العجز عن معرفة الأسماء: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (32: البقرة). ولنقتبس من آدم سر الإلهام والتفوق، والجرأة في عقله، والتواضع في خَلْقه وأصله، فلا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر.

739

| 12 أغسطس 2016

مقالب!

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); كنت أحسب نجمه قد خفت، لبعد عهدي به، وضعف اتصالي بخبره، بيد أن لقائي معه قد غيّر حسباني؛ فالرجل مشرق الوجه، ظاهر الحماس، متحفّز للعطاء، يحمل ثلاثة أجهزة جوال، يرد على هذا، ثم هذا، ثم ذاك، وهو منهمك أثناء حديثه معك بتسطير رسالة، ويقدم لك الاعتذار بأن الأمر عاجل، وإلا فالتهذيب لا يحتمل أن يتشاغل عنك بهذه الطريقة، وحين استطعمته الحديث شعرت معه بنشوة الإنجاز. فرغ لتوّه من مؤتمر مهم شارك فيه، وهو الآن في الطريق إلى ندوة علمية، وسيمرُّ على البيت لأمسية واحدة فحسب، ثم ينطلق إلى سفر طويل. تتخلله محاضرات عديدة، ينتهي منها بتسجيل برنامج تلفازي في مائة حلقة. وإجابة على استيضاح بشأن الكتب، فثمت عنوانات عديدة، قد يطبع منها مئات الألوف من النسخ، أما هذا العنوان الخاص فقد طبع منه - بحمد الله - ثلاثة ملايين نسخة. عدا ما طبع للتوزيع الخيري والنسخ المسروقة! وفي الموقع الإلكتروني " ======= " نوافذ عديدة، ومداخلات، وبحوث، وبرامج، وتواصل عبر الإيميل، واستشارات وقصائد ومحاولات.. - أدركت كم أن الحياة فعلًا تزخر بالمنتجين والعاملين والمبدعين والمؤثرين على أكثر من مستوى، وفي أكثر من ميدان، وأنها قابلة لتتسع للمزيد والمزيد من الداخلين والمحاولين، فكل قادم إلى هذا الوجود له مقعد مرصود؛ يصله بجهده وصبره وتوظيفه لمواهبه، بعد توفيق الله وتسديده. والحياة للناجحين كالجنة، أبوابها عديدة، وفضاؤها فسيح، ولا تزال تستوعب الوافدين إليها. وتدفعهم لأعلى المقامات، كلما أنجزوا وواصلوا (اقْرَأ وَارْتَقِ). وهي للفاشلين كالنار تحطمهم، وتذيقهم ألوان العذاب، وترحب بالمزيد منهم (هَلْ مِنْ مَزِيد)، يستوون فيها هم والجماد (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ). - أدركت كم أن المرء محتاج إلى الشعور بالإنجاز والتأثير والنجاح. حتى يواصل سيره، إنه الحادي الذي يدفع النفس إلى ديمومة العطاء والتوهج، ويقاوم عوامل الإحباط واليأس والقنوط. سبحانك اللهم؛ خلقت فينا هذا الإحساس المعتدل بالإنجاز لدوام دافعيتنا للفعل، وكيف نتوقف ونحن نرى الثمار من بين أيدينا ومن ورائنا، ونجد الرغبة والإقبال، ونسمع الثناء والإطراء، ونلمس التجاوب والتفاعل! - أدركت أثر الشخصانية في التقويم، فحين أنهمك في ميداني وألهو عن الآخرين وأخبارهم أظن أنهم قد احترقوا، وقد تعزز عوامل الغيرة والمنافسة هذا المعنى.. حتى ليصدق قول المتنبي: كَم قَد قُتِلتُ وَكَم قَد مُتُّ عِندَكُمُ ثم انتَفضتُ فَزالَ القَبرُ وَالكَفَنُ فأقول عن آخرين إنهم ذبلوا، أو ماتوا، أو قتلوا، أو انتهوا، هذه هي السُّنَّة، حق على الله ألا يرتفع شيء إلا وضعه! وكأنني أعدّ نفسي استثناء من هذه السنة، وأظن أن البشرية تذبل وتموت لتمنح مكانها لي! ولماذا استعجل موت الناس قبل أوانهم؟ ألم يقل الله سبحانه وتعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} [الأعراف: 34]، {وَلَنْ يُؤَخِّرَ الله نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون: 11] فلم ترني مسارعًا لدفن الناس حتى قبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة، نعم! النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أسرعوا بالجنازة"، ولكن أنت أمام قوم أحياء أراك تستعجل مناياهم، أو تمني النفس برحيلهم، ولعلهم أذكر منك وأشهر، ولعلهم أتقى وأبقى، والأعمار بيد الله! - أدركت كم نخطئ في تقويم مكانة الآخرين، ونحاول تعميم الانطباع الشخصي الذاتي. وكأنه حكم من الناس أجمعين، وهو انطباع يتأثر بالمنافسة، وبالموافقة أو الاختلاف، وبالحب أو البغض، وما منا إلا.. ولكن سِتر الله عصمة. قد يغيب صاحبك عن ميدان فيفتح له في غيره، وقد تكثر عليه الهموم والانشغالات فيختار أمثلها وخيرها؛ لأن الواجبات أكثر من الأوقات، وقد "يعيد انتشار" جنوده بحثًا عن الميدان الأكثر تأثيرًا والأكثر خلودًا والأبقى أثرًا بعيدًا عن الضجيج الوقتي. ومن الناس من حضوره مرهون بوجوده وحياته؛ فهو عابر للقارات، فإذا مات نُسي، ومنهم من كُتب له خلود بعلمه وفكره وتجديده وتأليفه فهو عابر للقرون. - أدركت كم نحتاج إلى تقديم الثناء والشكر والإعجاب لأولئك الذين يواصلون ويواصلون مهما اختلفت الأوضاع من حولهم، يمرون بالجبال والوديان والسهول والأنهار، ويقطعون الفيافي والقفار، ويصلون الليل بالنهار، يمرضون ويصحون، ويفرحون ويحزنون، ويتعرضون للمحن والرزايا والعقبات والمعوقات، ويبطئون السير أحيانًا ويغذونه أحيانًا، ولكنهم مواصلون في قلوبهم رحمة الودود.. في عطائهم كرم وجود.. في وجوههم نضرة الخلود.. إنهم مجاهدون.. إنهم مرابطون. - أدركت كم نأخذ من المقالب حين نتحدث عن إنجازاتنا بتفصيل دقيق ممل، وكم نصدّق ما يقوله الناس عنّا، ونظن أننا رسل الإنقاذ ومصابيح الهداية، وأن الكون من دوننا سيكون كئيبًا والناس لن يطيقوا فقدنا! ، يقول اليونانيون: "عندما تقوقي الدجاجة تظن أنها ستبيض قمرًا سيارًا ". مجاملات الآخرين لك قول طيب، بيد أنه لا يعني أنك استثناء في عالم الإنجاز والإبداع والتفكير، وعليك ألا تأخذه بكامل الجدية، بل فيه قدر من المجاملة اللطيفة. وإحساسك بأهمية ما تؤديه لا يجب أن يصل بك إلى حد الغياب عن واقعية العمل، ومحدودية تأثيره، وكثرة معوقاته وممانعاته ومضاداته. ولكي تدرك حجمك تذكر قائمة طويلة بأسماء النابهين والنابغين الآن، من رجال العلم والفكر والإدارة والمال والإعلام، وحدد موقعك بينهم. وتذكر قوائم أكثر من الراحلين ممن كانوا ملء سمع الدنيا وبصرها، وربما لا تحلم أن تصل لأن تكون كواحد منهم ثم انطووا وانتهوا فأصبحوا سطرًا في كتاب، أو كلمة في أحدوثة، أو غُمروا فلم يُذكروا، حين تتصفح التاريخ أو تشاهد الآثار، أهرامات الفراعنة، أو قصور الرومان، أو متاحف الفينيقيين، أو فلسفة الإغريق، ستتضاءل إلى جانب اسطوانة ضخمة، أو مدرج هائل، أو مقبرة مهيبة، أو سِفْرٍ هائل، وستعرف أكثر وأكثر كم أنت ذرة تائهة في الفضاء، وكم ينطوي فيك من العوالم والمعالم والأسرار، فإن تواضعت فأنت كبير، وإن تعاظمت فأنت وضيع: تواضع تكن كالنجم لاح لناظر على صفحات الماء وهو رفيع ولا تك كالدخان يعلو محلقًا على طبقات الجوّ وهو وضيع حجم إنجازك يكبر حين تقربه إلى عينك. وربما غطى عنك الدنيا، ضعه في مكانه الصحيح يكن حاديًا للعمل، محفزًا للعطاء، دافعًا للهمة، مع قدر من الإدراك الحسن ولا أقول التواضع، وكم عمل قليل تكثره النية الصالحة. وبينا أهم بترك القلم وافتني رسالة تقول: ما مسك الدهر إلا مس مختبر.....فما رأى منه إلا أشرف الخبر فأقبل المجد يسعى نحوكم عجلًا.....مسعى غلام إلى مولاه مبتدر يا من تساق البرايا طوع راحته.....موقوفةٍ بين قوليه خذي وذري يا هاديًا راق مرآه ومخبره.....فكان للدهر ملء السمع والبصر قالوا وقلت ولكن أين منك هم.....النقش في الرمل غير النقش في الحجر! فوجدتها - وإن كانت في ظني منقولة - كالمدامة تدير الرؤوس، وأدركت كم أن المديح يسكر ويفعل في النفوس فعل الحميّا! فإذا كان قد غلا واشتد زبده فهو حرام؛ لأنه يغوي الإنسان عن حقيقته، ويحمله على الكبر والبطر، وفيم إعجاب المرء بعملٍ إن كان صالحًا فهو محض فضل من الله، وهو يسيرٌ قليلٌ إلى جنب نعَمِه ومواهبه وعطاياه، وإن كان غير ذلك فهو جسد بلا روح، ومظهر بلا مخبر؛ لا يُعجِبَنَّ مَضيمًا حُسنُ بِزَّتِهِ وَهَل يَروقُ دَفينًا جَودَةُ الكَفَنِ!

687

| 05 أغسطس 2016

ذاكرة ونسيان!

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); لقيتُ صديقًا قديمًا فذاكرته في بعض أمور كانت بيننا فضحك وقال: لا تؤاخذني فإني أنسى عشاي البارحة!قلت: نعم، ولكن هيهات أن تنسى ذكرياتك الجميلة في حجر أمك، ومداعباتها، وقصص ما قبل النوم التي كانت تحكيها..حفظ الأسماء، والأخبار، والمبادئ، والأفكار، إحدى الميزات التي خصَّ الله بها آدم وذريته.النسيان حدَثٌ طارئ:نسي آدم معلوماتٍ وأحداثًا مرَّت به نسيانًا مؤقتًا أو نسيانًا دائمًا، ونسي حالة معينة كان يعيشها أول ما سمع كلام الله له، نسي عهدًا قطعه على نفسه: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} (115: طـه).لم يكن آدم من أولي العزم من الرسل ولذلك نسي، وأولو العزم: (نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، صلى الله عليهم وسلم)، يقع لهم شيء من النسيان في حياتهم وعباداتهم، كما حدث لخاتمهم -عليه الصلاة والسلام-، وهو النسيان الذي يرفع عنهم المؤاخذة والعتب، لأنهم فعلوا أو تركوا من غير قصد.أما نسيان آدم بالأكل من الشجرة فكان مقصودًا، وكان حالة استسلام لإغراء الشيطان وتصديق لزعمه، ولذا نزلت رتبة آدم عنهم.هل نسيانه نعمة؟ أو رحمة؟ أو زلَّة مكتوبة لنفاذ القدر باستخلاف البشر؟ كانت حالة ضعف أو غفلة أو ذهول، حالة صراع وتردد بين الإقدام والإحجام..حالة قصور في التذكر بسبب تحرك غريزة أخرى وسيطرتها مثل: غريزة الاستكشاف أو حب البقاء أو التملك أو الشهوة..نسي الحال التي كان عليها عندما عهد الله إليه.كثيرون يمرون بمرحلة إشراق وحماس ثم يعتريهم (فتور)، يجعل التأويل والتملُّص سهلًا.لم ينس المعلومة، لكن نسي أهميتها وجدارتها وشعوره القوي تجاهها أول مرة.ما هو النسيان؟هو أن تفقد معلومات..أو تفقد حيوية المعلومة وحرارتها وعمقها في قلبك وتأثيرها عليك.تشرق الفكرة عندي -أحيانًا- بصورة رائعة، وأتحدث عنها مع أصدقائي بطريقة مؤثرة وفعَّالة ومقنعة..وبعد فترة أستدعي الفكرة فتأتي خاملة هامدة غير مؤثرة.. حتى كأنها غير الفكرة الأولى.بعض الكتب ليس فيها كثير معلومات، لكن فيها روح.ولذا كانت الكتابة، وكان أول من خطَّ بالقلم إدريس.نسيان الصداقة: (الحُر مَنْ رَاعَى وِدَادَ لَحْظَةٍ)، اتصال القلب بالقلب، وهج الرؤية الأولى، والانطباع الجميل، والتعلُّق المفاجئ.نسيان المصيبة التي تبدأ كبيرة ثم تصغر عكس ناموس الأشياء التي تبدأ صغيرة ثم تكبر.نسيان المبادئ والقيم، التي طالما آمن بها وضحّى في سبيلها، الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، الرغاء بعد الهدير!نسيان المعروف الصادر منك إلى غيرك، (انسه وانس أنك نسيته)، واستذكار المعروف الصادر من غيرك إليك.نسيان الصدمة والصفعة: (اكتب المعروف على الصخر والإساءة على البحر)، والرجل يغفر وينسى، والمرأة تغفر ولا تنسى، فذاكرتها العاطفية لا تساعدها على النسيان!بقي ذنب آدم أمام عينيه حتى هرب من ربه حياءً وخجلًا.النسيان كان قبل، والذكر الدائم كان بعدْ، وظل إلى الأبد حتى يوم القيامة يذكر ذنبه ويعتذر عن الشفاعة!الخطير أن يحيط النسيان بالعبد قبل الذنب وبعده، ويمضي قدمًا لا يلوي على شيء.تميز آدم بالذاكرة الإنسانية والحفظ ولذا وصف بالنسيان، النسيان استثناء في مقابل تعليم الأسماء كلها وإلهام اللغة، كما المعصية استثناء والأصل الاستقامة.(نسي ونسيت ذريته)، نسي المعلومة المتعلقة بإعطائه داود 40 سنة من عمره، قال -صلى الله عليه وسلم-: « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَا هُوَ مِنْ ذَرَارِيَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَجَعَلَ يَعْرِضُ ذُرِّيَّتَهُ عَلَيْهِ فَرَأَى فِيهِمْ رَجُلًا يَزْهَرُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ، قَالَ: أَيْ رَبِّ كَمْ عُمُرُهُ؟ قَالَ سِتُّونَ عَامًا، قَالَ: رَبِّ زِدْ في عُمْرِهِ. قَالَ: لاَ، إِلاَّ أَنْ أَزِيدَهُ مِنْ عُمْرِكَ، وَكَانَ عُمْرُ آدَمَ أَلْفَ عَامٍ، فَزَادَهُ أَرْبَعِينَ عَامًا، فَلَمَّا احْتُضِرَ آدَمُ وَأَتَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ لِتَقْبِضَهُ قَالَ: إِنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ عَامًا، فَقِيلَ إِنَّكَ قَدْ وَهَبْتَهَا لاِبْنِكَ دَاوُدَ، قَالَ: مَا فَعَلْتُ » (رواه أحمد والترمذي).وفي رواية لأحمد وابن سعد في الطبقات (وفيها ضعف كما قال ابن كثير): « فَأَتَمَّهَا الله لِدَاوُدَ مِائَةَ، وَأَتَمَّهَا لآدَمَ أَلْفَ سَنَةٍ ».كما ورث ذريته الذاكرة الجيدة، المصممة لبناء الحضارة وتطوير المعرفة، ورثهم النسيان المساعد على التكيُّف والتجدد وتجاوز العثرات..كلنا ننسى بعض أعمارنا، أو ننسى العمر كله، لأن العمر يطول ويتسع بالإنجاز والتأثير وعمل الخير.. وليس بعدد السنين فحسب.قد يهونُ العمرُ إلا ساعةً... وتهونُ الأرضُ إلا موضعاأضف إلى عمر الطفل عند ولادته سنة فهي أهم مرحلة في حياته، وهي تحدد مساره، وصحته، وذكاءه، ومزاجه، وشكله، وأشياء كثيرة في حياته.الصينيون يعدُّون العمر منذ الحمل.الذاكرة انتقائية متنوعة: ذاكرة الأرقام، أو الأسماء، أو الوجوه، أو الأفكار، أو المبادئ.ما حُفظ في الطفولة يصعب نسيانه، هو نقش على الحجر.التعويد والتربية لصغير على أوراد الصباح والمساء، الصلاة، الكلمة الطيبة، الاعتماد على النفس، خدمة الغير، البر، والكرم، والجود، والفضيلة..حتى حين يشيخ المرء ويفقد بعض وعيه يظل محتفظا بأخباره وقصصه القديمة، وقد يبوح لجلسائه منها بما لم يسمعوه من قبل!

1209

| 29 يوليو 2016

لغز ؟!

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأَرْفَعِ *** وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّـــعِمَحْجُوبَةٌ عَنْ كُلِّ مُقْلَةِ عَارِفٍ *** وَهْيَ الَّتِي سَفَرَتْ وَلَمْ تَتَبَرْقَـعِوَصَلَتْ عَلَى كُرْهٍ إِلَيْكَ وَرُبَّمَا *** كَرِهَتْ فِرَاقَكَ وَهْيَ ذَاتُ تَفَجُّعِحتى إذا قَرُبَ الْمَسِيرُ مِن الْحِمَى *** ودَنَا الرَّحِيلُ إلى الفَضَاءِ الأوْسَعِسَجَعَتْ وَقَدْ كُشِفَ الغِطَاءُ فَأَبْصَرَتْ *** مَا لَيْسَ يُدْرَكُ بِالعُيُونِ الهُجَّعِهذه القصيدة العينية من أشهر قصائد التراث، ولذا كثرت معارضاتها (المعارضة أن تقول قصيدة أخرى بالوزن والقافية والموضوع أنفسهم) وتعددت نسخها، واختلفت رواياتها، وشرحها كثيرون، وأضيف إليها ما ليس منها، وتُرجمت إلى لغات العالم الحيّة..القصيدة لابن سينا الفيلسوف، وهو يتحدث عن "وَرْقَاء" أي: حمامة؛ محجوبة عن العيون، وصلت إلينا كرها {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا} (15: الأحقاف) ، وتذهب كرهًا {إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} (8: الجمعة) ، وعند قرب الرحيل يكشف الغطاء فتبصر ما لم تكن تبصر من قبل {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} (22: ق) .إنها الروح إذًا.. وهي لغزٌ وأي لغز! التداخل ما بين الروح والنفس اشتباك يصعب الفصل فيه.. وهل هما واحد أم شيئان منفصلان؟وترك الباب مفتوحًا للبحث العلمي البعيد عن الأحكام المسبقة أدعى للخروج بنتائج مفيدة في عصر الانفجار المعلوماتي الضخم. ومثله الحديث عن علاقة العقل والمخ بها. وعلاقة الغرائز الإنسانية من الأشواق والحب والمواهب النفسية والحالات النفسية والإلهام والرؤيا.. إلخالحب معنى روحاني، سواء حب الله تعالى، أو حب الخير والحق والجمال.الحب الذي ربط حواء وآدم وقاد كلًا منهما إلى الآخر هو مختلف عن الغريزة المحضة؛ التي تتناكح بها الدواب والطيور والحشرات. هو اتصال روح بروح وقد يلحقه أو يسبقه أو يصحبه اتصال جسد بجسد.ولذلك صار محاطًا بالتشريعات والضوابط والأحكام التي تعطيه وضعية القداسة والعبادة، "وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" (أخرجه مسلم- 1006 من حديث أبي ذر) ، وتبعد عنه الإحساس بالاستقذار.التقوى وإيثار رضا الله على شهوة النفس الحاضرة، وطأة المعصية على الروح وإشراقة التوبة كما حدث لآدم.. وفي حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ. فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ. فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ الله فَلْيَحْمَدِ الله وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بـالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ: "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ" (أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب. والنسائي في الكبرى، وابن أبى الدنيا في مكايد الشيطان، والبيهقي في شعب الإيمان، وابن حبان، وأبو يعلى).الفراسة؛ وكان شاه الكرماني ممن لا تخطئ فراسته، وكان يقول: مَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَأَمْسَكَ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَعَمَرَ بَاطِنَهُ بِدَوَامِ الْمُرَاقَبَةِ وَظَاهِرَهُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَتَعَوَّدَ أَكْلَ الْحَلَالِ لَمْ تُخْطِئْ فِرَاسَتُهُ! الحلم الذي يعيش عليه الإنسان ويموت من أجله، حلم المجد، الخلود، السمو، التأثير.. وهو الذي أغرى الشيطان به آدم.. هي فطرة إنسانية وخاصية متصلة بالروح، ومغروزة في أصل خلقة آدم وحواء، والخطأ الذي وقع فيه الأبوان متعلق بالوسيلة، بالأكل من الشجرة الممنوعة، وهي ليست سببًا علميًا صحيحًا لحصول المطلوب.الروح هي النافذة المفتوحة للإنسان؛ ليُحلّق ويسمو ويتجاوز جدران الواقع الضيق أو الألم أو القيد أو الإعاقة أو الظلم، فحين يعجز الجسد يملك الإنسان أن يشرق بروحه وينتقل إلى آفاق أسمى وأعلى.أنـا فـي الـسجن في نعيم دان *** لـيـس تـسطيعه يد السّجانإن حرمت الرياض خضرًا فعندي *** بـيـن جـنـبي روضة القرآنأو حرمت البيت العتيق فيا ربّ *** صـبـاحٍ مـسحت بالأركانأو حـرمت الحديث للناس حينًا *** فـحـديـثـي يرن في الآذانأو حرمت التطواف شرقًا وغربًا *** إن روحـي تقوى على الطيرانسـابـح في الأفلاك أشهد فيها *** صـنـعـة الله مـبدع الإتقانرؤيا منام من روح مجهدة واثقة بـالله تقلب الموازين! الروح تكريس للحق الإنساني، والطفل الذي يولد الآن يساوي أي شخصٍ آخر على الوجود في كرامته وحرمته وميراثه وحقوقه! حق الحياةحق المعرفةحق العبادةحق التعبيرحق الخصوصيةحق الكرامةالأرواح مجاميع أو "جروبات"، " الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ " (رواه البخاري ومسلم). من الممكن أن يكون إشارة إلى تلاقي الأرواح في عالم الذر قبل وصولها إلى الأجساد، على أن الأرواح خُلقت قبل خلق الأجساد. وربما كان إشارة إلى التشاكل في الخير والشر، وفي الطبع والمزاج، وفي نمط التفكير والاهتمام، وكانت عائشة رضي الله عنها قد قالت الحديث عندما سمعت أن امرأةً مزاحة دخلت مكة فنزلت على امرأةٍ مزاحة مثلها! الحديث يلهم أن الروح تشكل شخصية الفرد وتميزه عن غيره، وتصنع جزءًا من هويته الخاصة به، وكذلك هي تفعل بالمجموع، وبالفريق، وبالطائفة، وبالشعب، وبالأمة.الروح محدثة بعد أن لم تكن.. وباقية لا تفنى و الله أعلم، والموت هو مفارقة الروح للبدن، ولذلك فالملائكة أيضًا تموت، ولو فنيت الروح ما تنعّمت ولا عُذّبت.حين نتخيل الموت انتقالًا للروح وتخليًا عابرًا عن الجسد نشعر بطمأنينة وتصالح مع منعطف ينقلنا إلى الضفة الأخرى.وقد تتشكل الروح بصورة ما؛ كما في الصحيح أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ في الْجَنَّةِ وَأَنَّهُمْ "أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"، فَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: "سَأَلْنَا عبد الله بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنْ هَذِهِ الْآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا. بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ. فَأُخْبِرْنَا "أَنَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ. لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ. تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ. ثُمَّ تَأوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ. فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلَاعَةً. فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا فَأَزِيدُكُمْ؟. قَالُوا: رَبَّنَا أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي. وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ " (أخرجه مسلم، والترمذي وقال: حسن صحيح).الإنسان روح أولًا ثم جسدٌ بعد، والعناية بتحرير الروح وتساميها وعافيتها وإشراقها هو المقصد الأول للرسالات بالتوحيد والعبودية والتقرُّب، والمقصد الأول للخلق والاستخلاف، وهو لا يتعارض مع حقوق الجسد والمادة.

1777

| 22 يوليو 2016

تعرف كتاب "الروح" لابن القيم؟

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); كنت أسمع من يشكك في نسبته لابن القيم حتى قرأته قبل سنة فأدركت أن روح ابن القيم تسري في الكتاب وطريقته في التأليف وسرد الأقوال والترجيح، حتى إنه ذكر اسم شيخه "ابن تيمية" عدة مرات في الكتاب، ولا يوجد ما يدعو للشك في صحة نسب الكتاب، فهو ابنٌ بار لابن القيم لا يختلف عن سائر أبنائه! قرأت الكتاب وأنا أُجهّز حلقة عن "آدم" الذي نفخ الله فيه من روحه، ووجدت المؤلف يحاول تعريف الروح بأنها: جسم نوراني علوي خفيف حيّ متحرك يسري في الأعضاء سريان الماء في الورد والدهن في الزيتون والنار في الفحم.. وساق نحو مائة دليل على ما ذهب إليه. ويظل النص المحتكم إليه هو: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} (85: الإسراء).فالروح في ماهيتها وجوهرها من عالم الغيب الذي استأثر الله به، وهذا لا يمنع البحث في تأثيراتها وأنواعها وصلتها بالجسد وعلاقتها بالنفس.. وهو موضوع كتاب ابن القيم، وبحث الغزالي، وغيرهم من الأئمة.ومع تقدم العلوم الطبية والمادية ظلت الدراسات المتعلقة بالنفس والروح بعيدةً عن تحقيق تقدم ملموس أو اختراق علمي يناسب ما تحقق في سائر العلوم! حتى علم النفس يقول بعضهم إنه أقرب إلى الملاحظات من كونه علمًا قائمًا بذاته.ولا يبعد أن يطلق لفظ الروح على معنى عام وآخر خاص، فالروح التي نُفخت في آدم هي روح ملائكية، سرت في الطين سريان الماء في الورد كما عبّر الشيخ. وليست من ذات الله تعالى الله، فقصة آدم مثل قصة عيسى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ} (59: آل عمران) ، {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} (12: التحريم) .فهي نفخةٌ علوية بواسطة الملك الكريم، وهي مخلوقةٌ محدثةٌ قطعًا بعد أن لم تكن، وليست جزءًا من الله كما يتوهّم الجاهلون. وهي بهذا (معنى عام) تحقق به شيئان: أولهما: الحياة، فتحول الطين اليابس إلى حيٍّ متحرك يأكل ويشرب ويحس. وهذا قدر يشترك فيه مع غيره من الدواب والبهائم الحيَّة، ولذا تسمى "ذوات الأرواح"، وتقاسم الإنسان بعض خصائصه وأحكامه، مثل: عدم إيذاء ذوات الروح أو العدوان عليها أو حرمانها من حقها المشروع حتى يحرم إزهاق روحها إلا لمصلحة من أكل أو نحوه، ويجب توفير المأكل والمشرب والمكان وسائر الاحتياجات اللازمة لها، ويؤجر العبد على رحمتها والإحسان إليها، و"فِى كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" (أخرجه البخاري رقم 2363، ومسلم رقم 2244 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه) ، والكبد الرطبة هي الحياة. و"الشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ الله" . (أخرجه أحمد رقم 15165 من حديث معاوية بن قرة عن أبيه). و"مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّ فُلاَنًا قَتَلَنِي عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ" (أخرجه أحمد 4/389 رقم 19488، والنسائي 7/239، رقم 4446 عن الشريد بن سويد). وبعض الفقهاء يُحرِّمون تصوير "ذوات الأرواح"، فهو إذًا "فريق/قروب" يشترك في هذه الخصوصية الواضحة، فالروح بهذا العموم تعني الحياة فوق النباتية أيًا كان مستواها، حيوانيًا أو إنسانيا.وفي الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لاَ تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا" (رواه مسلم)، يعنى هدفًا للتدريب على الرمي والإصابة أو السباق والتنافس في الرمي.فهذه الروح هي التي بها يحيا الإنسان، ويصبح عقله وقلبه وجسده وسائر مضامينه في وضعية القدرة على أداء المهمات الموكولة أيًا كانت، إذا لم يكن ثمَّ عائق آخر.الثاني: المعنى الذي به تميّز الإنسان عن الحيوان وصار عنده قابلية واستعدادٌ للتعقُّل والفهم والإدراك، وهو قد حدث بالنفخة ذاتها وليس بشيء آخر، و الله أعلم.ولأن النفخة علوية ملائكية تحقق بها الأمران؛ أمر الحياة العادية الموجودة في سائر الأحياء، وأمر التميز الخاص الذي به تفوق الإنسان عن بقية المخلوقات وهو موجب السجود لآدم والتكريم والاستخلاف.النفس لفظ يطلق على الروح أو على جانبٍ من مهامّها، والروح بطبيعة الحال لا تتبعَّض ولا تتجزأ، ويطلق على الإنسان كله جسدًا وروحًا، ولذا تربط المسؤولية على النفس: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (38: المدثر)، {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} (8، 7: الشمس)، {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (111: النحل)، {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} (19: الانفطار)، {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} (79: النساء)، في نصوص متكاثرة.ويُضرب المثل بمسؤوليتهما المشتركة برجل أعمى حمل رجلًا مقعدًا فدخل به بستانًا فسرق ثمرة فأكلاها معًا فالذنب عليهما معًا، وكأن الأعمى يمثل الجسد والمعاق يمثل الروح! ومع أن الروح مخلوقة محدثةٌ فهي باقية لا تفنى، والموت هو انتقال فحسب، فالنعيم والعذاب يكون عليها وعلى البدن، وقد يضمحل البدن ويتلاشى وتبقى الروح؛ كما نصّ ابن القيم، وابن حزم في مواضع من كتبه.ومن الجميل الرائع أن بقاء أرواح الصالحين في النعيم السرمدي الأبدي يوم الدين هو قول العلماء كافة، فهو إجماعٌ معروف مقطوع: {مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} (3: الكهف). بينما أرواح المجرمين والطغاة قد يلحقها الفناء والانقراض والزوال على قول طوائف من أهل العلم، إن صحت نسبة هذا القول إليهم، و الله تعالى أعلم وأحكم وأرحم، والحمد لله رب العالمين.

26923

| 15 يوليو 2016

حواء في خيال آدم

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أطفالاً كنا نصنع بيوتاً وحدائق من لا شيء، نبنيها في الهواء والواقع الافتراضي، ثم نحاكيها في الواقع المعاش. أطفالاً شاهدنا الصور أول مرة في مقرر دراسي.. وقبل أن تتسع الفرحة التقت الإرادة المدرسية والإرادة المنزلية على طمس الصور، لإفساح المجال لدخول الملائكة.أطفالاً نشعر بقرب الملائكة حين ننام، وحين نمرض، وحين نخاف، وحين نفتقد الكتف التي تسندنا.. فلا يمكن التفريط بقربها، ولذا كنا نتحرك بحماس!قصص ما قبل النوم، قصص الجنيات والعوالم المسحورة، والمغارات والحيوانات المسكونة بالجن والعسبان الطائرة (جمع عسيب)، وحدها داعبت خيال طفلٍ شبه قروي.الثلاثة الأولاد صاروا بقدرة قادر أساتذةً وجعلوا من خلفية الباب الخشبي سبورة، واستخدموا بقايا طباشير مختلسٍ من المدرسة، وصنعوا أسماء وهمية لطلاب يُدرِّسونهم، هذا مؤدب، وهذا غبي، وهذا مشاغب، وهذا تم طرده!لا يزالون إلى اليوم حين يجتمعون يتذاكرون تلاميذهم الوهميين، وانطباعاتهم السلبية والإيجابية عنهم!ولعلهم نسوا أشياء كثيرة ومهمة حدثت فعلاً أمامهم..لم يحدث أن قرأت كتاباً في تنشيط الخيال أو حضرت دورة.في الثقافة الشرعية تزخر النصوص القرآنية بمفردات خاصة كأنها مصممة لتحفيز الخيال، القصص وأحداث القيامة والوعود المستقبلية (يوجد مقال خاص عن الخيال القرآني).أكثر ما يحرك الخشوع في قلبي، وقليلاً ما أشعر بخشوع، تصور الحدث وكأنه يقع أمامي وكأنني جزء منه.. يحدث هذا مع قصص السابقين ومع أحداث يوم الدين.وسيلة آدم لمعرفة الأسماء هي التخيُّل وبغيرها لابد من إحضار الأشياء لمعرفتها، الجبل، والبحر، والكتاب، والشجرة، وووو.. أسماء نسمعها فنتخيَّل صورتها ونعرف المقصود. الخيال أهم من المعرفة ومن التعليم، وهو أساس التعليم والمعرفة.الشيطان خاطب آدم وحواء بمفردات خيالية لم يروها. الخُلْد.. الموت.. المُلْك.. الوسوسة خيال سلبي، لم يكتف إبليس بمجرد إلقاء الفكرة، بل كررها وأكدها وحلف عليها حتى استقرت في قلبيهما: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} (الأعراف:22). في قصة الشجرة والأكلة المشتركة أتذكر الخيال المتعلق بصلة الذكر والأنثى، التخيل يلهب المشاعر ويلح على الأحاسيس، ويصنع صورة أجمل من الواقع، ويلغي الجوانب المكروهة والمزعجة والمؤذية والمخاوف والمخاطر والآلام بشكل مؤقت.. ولذا يقع الإنسان في الفخ ثم يصحو.. الخيال هنا ساحرٌ مبدع ينقل لك الأشياء البعيدة ويصورها ويلونها حتى تبدو أحسن من أحسن منها! في التدخين تكون الولاعات الذهبية والطفايات والسجاير والنكهات أكثر إبهاجاً، زد عليها الذكريات والرفقاء والأجواء، التي يستدعيها الخيال من مخزن الذاكرة مجردةً من مصاحباتها السلبية.. وغالباً ما تكون مقدمات الشيء الجميل أحسن منه. كما أن مخاوف الشيء المحذور أعظم منه وأكثر إثارة للقلق، يقول المتنبي: كُلُّ ما لَم يَكُن مِنَ الصَّعبِ في الأَنـ ... ـفُسِ سَهلٌ فيها إِذا هُوَ كانا! الخيال السلبي هو إلحاح أفكار مخيفة أو مقلقة مما يؤثر في الإدراك، سواء تعلق الأمر بالطهارة والعبادة، أو بالمعاملة، أو بالإحساس والخوف من شيء ما.. الخوف من الإخفاق والفشل هو إلحاح صور المعوقات حتى تصير هاجساً يمنع التقدير والتفكير والمقارنة المعتدلة.. حين تُضعف الإضاءةَ عن الاحتمالات السلبية، تغافلاً وإعراضاً وتجنباً للخوض فيها والحديث عنها.. تخمل وتتراجع ثم تذبل أو تموت. وحين تسلط عليها ضوء التخيُّل والتصور والتفكير تصبح هاجساً يلح ويتزايد.. خيال الطيران لم يتأخر للقرن السادس الميلادي، ولا كان فكرة في الصين، أو عند عباس بن فرناس. في التنزيل: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} (78:النحل). نفي العلم عن المولود، دليل على الاستعداد والقابلية للتعليم، ولذا عقَّب بقوله: {وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (78:النحل). أدوات المعرفة: النظر والسمع والعقل (الفؤاد)، ومن ذلك ملكات التخيُّل والتفكير والتركيب والإبداع.. وبعدها مباشرة: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء}؟ (79:النحل). ومع الطير الذي يشترك البشر في رؤيته ومحاكاته، كان آدم يرى الملائكة تطير ذات أجنحة مثنى وثلاث ورباع وما شاء الله.. التكيُّف مع الأرض لم ينس آدم الجنة فهي منزله الأول وطموحه الأخير، وحلم العودة إليها يراوده ويلح عليه كلما واجه محنة أو لاقى صعوبة، دون أن يصرفه عن التكيُّف مع الأرض والرقي بها، ومحاكاة الحلم الجميل الذي عاشه. كان دأبه الإصلاح والبناء وعمارة الأرض وتحسينها وتجميلها، ويقال إنه ما قطع شجرة قط، ولذا نهى الله ذريته عن إفساد ما أصلح: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} (56:الأعراف). فيما يتعلق بالغيب المحجوب عن آدم كان مؤمناً به دون أن يسمح لخياله بتصويره، فالله لا تدركه الأبصار ولا يلحقه وهم ولا خيال، وكل ما خطر ببالك فالله ليس كذلك، وحين يرفض أحدنا رواية غيبية فهو تصورها وتخيلها أولاً ثم استبعدها ثانياً، وكان جديراً به أن ينفي الصورة التي انقدحت في عقله، ورسمت ما لا يمكن رسمه، وأخضعت الغيب لمنطق الطبيعة والمادة وفيزياء الكون المشهود.. كما زود آدم بملكة الخيال والتصور، زود بملكة التجريد، فالصدق والحب والمعارف والمعاني أشياء لا يبحث العقل عن صورها ولا يتخيلها. ينقدح السؤال، ويعجز الخيال، ويقول الكليم: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} (143:الأعراف)، فيأتيه الرد: {لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي..} (143:الأعراف). التركيب البشري الحالي مصمم لعمارة الكون وكشف نواميسه وسننه، والعقل مسلّط على ما حوله مما خلق له، وما لم يؤمن بالآخرة فسيضرب في التّيه، ويسخر من حقائق الغيب وقطعيات الوحي دون أن يملك دليل النفي: {بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ} (8) سورة سبأ.

869

| 08 يوليو 2016

سجود

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); كيف سجد الملائكة النورانيون للمخلوق الطيني؟شيء عجاب أن يكون سر تفوق آدم هو النفخة العلوية الملائكية المعجونة بالطين.. وأن تسجد له الملائكة؛ التي هي محض نور لم يلامسه أثرٌ من طين الأرض وغبارها! إنه تفوق الأبعاد المتعددة والمتداخلة والمتناقضة أحياناً، على البُعد الواحد والنمط المبرمج. تفوق الإرادة الحرة المسؤولة المعتمدة على المعرفة والعقل والتعلم والتعليم والاختيار، وإن كان هذا التخيير والتكليف قد يؤول إلى عثرات وفترات وهفوات.. فهذا المسجود له سرعان ما اقترف حوب الأكل من الشجرة، واتباع غواية الشيطان، وسرعان ما تاب وأناب! تفوق واقعية التدافع والحركة والألم والسعي نحو الأفضل والتجربة والمحاولة والخطأ والتصحيح، على نمط القسر والجبر والتسيير! وهو درس في التربية والدعوة والسياسة.. امتزاج النقيضين سرٌ إلهي بديع، وحكمة ربانية بالغة. والتعايش المتوازن الرشيد بين المختلفات من أسرار الإبداعات.. إنه سجود تكريم لا سجود عبادة. فهو شبيه بقوله تعالى في شأن يوسف: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا} (100:يوسف). اتفاق وإطباق علماء الملة أن العبادة لا تكون إلا لله، والسجود على وجه العبادة لا يكون لملك مقرَّب ولا نبي مرسل، بل هو لله وحده. هل كان آدم قبلةً لهم في السجود؟ لو كان كذلك لكان الأنسب أن يقال: اسجدوا إلى آدم. والسياق استعمل لفظ: {اسْجُدُواْ لآدَمَ} (34:البقرة)، في جميع المواضع التي وردت فيها القصة. هل كان آدم إماماً لهم وهم يسجدون وراءه؟ هذا لا يساعده السياق، وهو قول متكلّف. هل كان السجود بمعنى الانحناء؟ يُشكل على هذا قوله سبحانه: {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} (29:الحجر). والوقوع ظاهره الخرور إلى الأرض. هل السجود تعبيرٌ عن توكيل الملائكة بشأن آدم والقيام على أمره وأمر ذريته وحياتهم ومماتهم؟ في التنزيل بيان تكليف الملائكة بأمر نفخ الروح، ونزع الروح، أمور الرحمة، وأمور العذاب، وما شاء الله من أمر كتابة الأعمال والأحوال والحسنات والسيئات.. وهذا من آثار السجود ودلالاته، ولا يعني هذا قصر معنى السجود عليه. يشير عبد الصبور شاهين في (أبي آدم) إلى أن سجود الملائكة يعني تكليفهم بحياطة الحياة الإنسانية ابتداءً من آدم، وهو تكليف ماضٍ إلى يوم القيامة؛ تتولى فيه الملائكة المحافظة على الإنسان وإلهامه الخير ووعده به، في مقابل عمل إبليس وذريته في الإغواء والوعد بالشر والأماني الكاذبة.. وتكليف الملائكة بذلك حق ثابت، ولكن لا يحسن قصر معنى السجود عليه، فثمَّ موقف غيبي أُمر الملائكة فيه بالسجود لآدم ففعلوا وامتنع إبليس، وهو سجود حقيقي يناسب خلقة الملائكة وما جبلوا عليه مما يعلمه الله ولا نعلمه نحن ولا نستطيع تكييفه. فللسجود أوضاع وهيئات تتفاوت بتفاوت المخلوقات.. {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} (6:الرحمن). {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ..} (18:الحـج) {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ..} (49:النحل).وفي السُّنة الصحيحة سجود الشمس تحت العرش لا ينكر الناس من أمرها شيئاً، رواه مسلم من حديث أبي ذر.قال القرطبي: وقال قوم: لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم بوضع الجبهة على الأرض ولكنه مبقى على أصل اللغة من التذلل والانقياد، أي: اخضعوا لآدم وأقروا له بالفضل، والله أعلم. والأقرب أن ما أُمروا به هو فعل زائدٌ على مجرد الخضوع والإقرار بالفضل، مناسب للمقام ولهم، أُمروا بأدائه إظهاراً لفضل آدم وذريته، وإعلاناً لحقبة جديدة يكون له ولعقبه فيها الخلافة في الأرض. واللائق بأمور الغيب إمضاؤها على ظاهرها دون إيغال في تصويرها أو تصوُّرها أو تفصيلها أو تأويلها؛ رعاية لحرمة النصوص، وتقديراً لطبيعة (تصميم) العقل البشري الذي يُبدع في الكشف والابتكار وينجح في ميدان المادة، ويُخفق حين يتحرك في ما وراء الطبيعة، وهو سر تفوق آدم وعلو مقامه!وهل كل الملائكة أُمروا بالسجود؟ كل الملائكة الذين أُمروا بالسجود سجدوا أجمعين بلا استثناء: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} (73:ص). وهل كان الأمر بالسجود موجَّهاً لجميع الملائكة أم لبعضهم ممن هم موكلون بالحياة الآدمية من نفخ وقبض وحفظ ووو؟.. ظاهر السياق أن عامة الملائكة أُمروا بالسجود فسجدوا، من ملائكة الأرض وملائكة السماء، وأشراف الملائكة؛ كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل.. السجود طواعية للآمر المتفرِّد جل وتعالى، وعبر الرسالات كلها كان السجود على الجبهة من أعظم مظاهر الخضوع والدينونة لله، و« إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِى يَقُولُ يَا وَيْلَهُ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِىَ النَّارُ » (رواه مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ). في مطلع سورة العلق الأمر بالقراءة والتعلُّم بالقلم، وفي ختامها الأمر بالسجود والاقتراب: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ..}، {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} (العلق).العودة إلى الجنة تمر عبر بوابة السجود.. فعَنْ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِىُّ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِى « سَلْ ». فَقُلْتُ أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِى الْجَنَّةِ. قَالَ « أَوَغَيْرَ ذَلِكَ ». قُلْتُ هُوَ ذَاكَ. قَالَ « فَأَعِنِّى عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ » (رواه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والنسائى). ويوم القيامة يُدعى الناس للسجود فيسجد المؤمنون، ويحاول غيرهم فلا يستطيعون، وتأبى ظهورهم أن تنحني لله.. وهي التي طالما انحنت لغيره.

2330

| 01 يوليو 2016

توبة

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); - يا أبا صالح! قم فحدثنا عن توبة الله عليك! ويقوم الشاب فيسرد حديثًا مفصّلًا مكررًا عن زلات وهفوات وشهوات..وقد بات يستره ربه وأصبح يكشف ستر الله عليه! وربما بالغ وحكى ما لم يكن؛ تشبُّعًا وتكثُّرًا وتكريسًا للفرق بين ما كان وما صار! وهو يحكي أنه قضى شطرًا من شبابه في غفلة ورفقة سوء، وتجرّأ على الموبقات العظام، وهو لا يزال في أول طريق الهداية، ولا يحسن أن يضرب المثل للناس بنفسه ولا أن ينبش ماضيه! حكى الله خطيئة الأبوين؛ ليدرك الأبناء أن الخطأ كامن في طبيعتهم وتكوينهم، وأن الخروج منه ممكن وليس الذنب حتمًا لازبًا في رقاب العباد.التحذير الرباني من الذنوب سابق: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ} (35: البقرة).النهي عن القربان سدٌ للذريعة واحتياطٌ من الوقوع، ولعل من اقترب من شجرة المعصية يجد من جاذبيتها وإغرائها أو طيب رائحتها ما يحفزه على المعاقرة! ومع التحذير بيان جلي للعقوبة المترتبة على الفعل بأن يُلحقوا بالظالمين..مما يدل على وجود ظالمين قبلهم..أفسدوا في الأرض، وسفكوا الدم الحرام، فعوقبوا بالطرد والإبعاد.تأكيد مبكر على بشاعة الظلم وشناعته، وأوله ظلم النفس، وظلم أخيك الإنسان ظلم لنفسك ولبني جنسك.وبعد المقارفة والوقوع عتاب يسير، ثم صفحٌ وفتحٌ لأبواب من الإنابة تسع ما بين المشرق والمغرب، وتذكير بأن لحظة الخطيئة عابرة وتزول: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} (23: الحديد).الخطيئة تُذكيرٌ قلبي بمعنى الغفور الرحيم.تَوَضَّأَ الْقَلْبُ مِن ظَنِّي بِأَنَّكَ غَفَّـ... ـارٌ وَصَلَّى وَكَانَتْ قِبْلَتِي الْأَمَلُدَع الْهَوَى لِذَوِيِهِ يَهْلِكوا شَغَفَا... أَوْ فَاقْتُل النَّفْسَ فِيهِ مِثْلَ مَنْ قَتَلُوا! ما الحامل على الذنب؟ - حب الخلود وطول الأمل - حب التسلط والملك: {أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} (20: الأعراف)؛ على القراءة بكسر اللام، مثنى: مَلِك، أي: صاحب مملكة. - التخلُّص من الطبيعة البشرية، وتغيير خلق الله بالانتقال إلى عالم الملائكة، على القراءة بفتح اللام.قد يكون الشر طريقًا إلى الخير، وربما استخرج الله من العبد بالذنب خيرًا لم يكن ليحدث من دونه.من لديه طهورية زائدة قد لا يحسن فهم الناس وتقدير دوافعهم وطبائعهم، أو تتحول طهوريته إلى كبرٍ وعجبٍ وتعاظم.. ويعتقد أنه يمثل الأنموذج، ومن سواه يضرب في التِّيه البعيد.من الاعتدال أن تتعامل مع الخطيئة بمقتضى أنها يمكن أن تصدر منك! وأيكم كان طاهرًا فليرمها بحجر! (لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ الله فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنْ الله وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ، وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى وَمُعَافًى فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ وَاحمدوا الله عَلَى الْعَافِيَةِ)، (رواه مالك في الموطأ من كلام عيسى عليه السلام).الخوارج القوّامون بالليل، الصوّامون بالنهار، المتيبسون المتثفنون المتخشعون.. ضلُّوا عن استيعاب ضرورات الناس وطباعهم، فوقعوا فيما هو شر مما نفروا منه وأبغضوه.. وصارت فكرتهم الخارجية أقرب للشيطانية منها للملائكية! خطيئة آدم وحواء مكشوفة ظاهرة، متلوَّة في القرآن، مسجَّلة بلا نكران.نوح سأل ربه بشأن ولده فخوطب: {فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (46: هود)، فقال: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ} (47: هود).إبراهيم استخدم التورية في خطابه وقال: {إِنِّي سَقِيمٌ} (89: الصافات)، وقال: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} (63: الأنبياء)، فاعتذر عن الشفاعة يوم الدين..وداود فعل ما فعل وظن أنه فُتن.. {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} (24: ص).ويونس خرج مغاضبًا وظن أن بمقدوره ترك قومه.. {فَنادى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (87: الأنبياء).ويوسف همَّ بها {لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} (24: يوسف)، وقال: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (53: يوسف).وموسى قتل القبطي من غير تعمُّد، وقال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ} (16: القصص)، وكان ذلك قبل النبوة، وبعد النبوة قال: {وَلَهُمْ على ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} (14: الشعراء).كان واضحًا مع نفسه، واضعًا للأشياء في موضعها، مسميًا للأشياء بمسمياتها في خطابه مع ربه والتماس عفوه.وفي القرآن: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى} (2،1: عبس).وفيه: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَ الله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} (37: الأحزاب).وفيه: {وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ الله إِنَّ الله كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ} (105 - 107: النساء).فكان -عليه السلام- يتلو ما أُنزل عليه بخشوع وانكسار، ويُلقِّنه أصحابه، ويُمليه على كُتَّاب الوحي؛ ليضعوه موضعه في المصحف، ويؤم الناس به في الصلاة! برهان قاطع على ربانية الوحي وتواضع الأنبياء، ووضوح توباتهم، وغموض ذنوبهم حتى تحيَّر المفسرون في تسميتها، وعدَّها غالبهم من فعل ما هو خلاف الأولى.ومع هذا أعلنها القرآن؛ مبرزًا صدق ندمهم، وعمق خشوعهم، وتمام إخباتهم وانكسارهم، ولم يكن في حديثهم اتساع في تصوير الذنب بل استطرادٌ في تنويع التوبات وصيغ الاستغفار.

459

| 24 يونيو 2016

خطيئة!

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); ما سوى الذنب والخطيئة الواحدة من آدم وحواء فهو عمل جيد، وكفى المرء نبلاً أن تعد معايبه! الأبوان عملا أشياء كثيرة وعظيمة وتأسيسية فلا يصح أن نختصرهما في خطأٍ عابر.. يجدر أن ندرك أن خطيئة الأبوين كانت مركبة من عدة زلات: ١/الاستماع والإصغاء إلى وسوسة الشيطان. ٢/ التفاوض بينهما بشأن الفعل والتطاوع والتساعد عليه، فهو ذنب مشترك. ٣/مخالفة الأمر الإلهي الصريح. ٤/الشهوة الدافعة. ٥/الطمع في الشجرة الممنوعة وعدم القناعة ببقية أشجار الجنة، والغريب أن الأنهار كلها تصب في البحر، والبحر ليس بملآن.. بل هو يطلب المزيد. يقول ابن الجوزي: لو أن رجلاً تزوج نساء بغداد ثم دخلت امرأة من دمشق لظن أن عندها ما ليس عند نساء بغداد! مَنْ لا تكفيه امرأة لا تكفيه مائة! ٦/مخالفة العلم والمعرفة فلم يكن الخطأ عن جهل. ٧/الفرار بعد الذنب.. وكيف يفر المرء عنه بذنبه ... إذا كان تطوى في يديه المراحل؟ سبحانه.. أمني تفر يا آدم؟! سبحانك يا رب.. أفر خجلاً وحياءً منك. حين يسرف العبد في المعصية يشعر أن الطريق يطول ويطول! واليأس حاضر.. ولو نجوت من ذنب فثمّ ذنب آخر يتربص بك.. ويضعف إحساسك بلذة القرب والمناجاة. الخطيئة ليست عاقراً، بل تلد خطيئة أخرى، ولها أخوات وصديقات، وبعد ذلك الاستمراء والاعتياد والتأويل والاستحسان وذم من لا يوافقك! أول الخيط خطرة ثم تردد ثم استكشاف ثم تذوق ثم تهاون {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} (15:النــور) نبوة آدم كانت بعد المعصية {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} (122،121:طه) القلب يلين بعد قسوته والمكانة عند الله تعود فلا بأس ولا يأس ولا تأس.. والذرية بعد والدها موعودة بالرحمة والتوبة والاجتباء. {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} (58:مريم). ورثنا عن آدم الطبع المائل للشهوة، وإمكانية العصيان، ولم نرث عنه الخطيئة، وليس علينا من وزره شيء! وحتى هو فقد تاب وأناب وغفر له ومنح النبوة، ولم يتكرر عتابه على ذنب ندم عليه وأقلع عنه، ومن عيّر أخاه أو أباه بذنب لم يمت حتى يفعله أو ما هو شرٌ منه! {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (164:الأنعام) الطفل بريء من ذنب أبويه، وفي البخاري من حديث سمرة في رؤيا النبي -صلى الله عليه وسلم- لإبراهيم الخليل في روضة وحوله أطفال، فقال: هؤلاء الذين ماتوا على الفطرة، فقال رجل من المسلمين: يارسول الله: وأطفال المشركين؟ قال: نعم؛ وأطفال المشركين. والقول بأن الأطفال الذين ماتوا قبل الاحتلام جميعاً في الجنة هو قول الجمهور حسب نقل ابن حزم، وقول المحققين حسب نقل النووي، وقول كثير من السلف والمحدثين كالبخاري، والمعاصرين كالألباني. وللحديث صلة إن شاء الله.

3522

| 17 يونيو 2016

أبوّة..

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); صلتي بأبنائي الأيتام (مجهولي الأبوين - مجهولي النسب) قديمة جدًا، وأعتز أن بعض النابغين والمتفوقين منهم كانوا كثيري المرور على بيتي والاحتكاك بأسرتي، وكان هذا سبب بركة وفضل من الله علينا..الشعور الأكبر عندهم هو هاجس مَنْ أنا؟ كيف جئت؟ أين وجدت؟ ليتني أرى أمي.. ليتني أعرف أبي.كنت أداوي هذا الشعور الملحاح بتذكيرهم أن الله رب الجميع، وكافلهم، وحبيبهم، ورازقهم، وسامع نجواهم، وقابل شكواهم..وجدته دواء جميلًا، ولكنه بعيد المنال لكثيرين غارقين في تفصيلات يومهم وماديات حياتهم بعيدين عن مصادر التوجيه المثالية الدائمة.في معظم بلاد العالم توجد مقررات ومناهج خاصة مصنوعة بعناية لتلك الشريحة المتزايدة من أبناء المجتمع وبناته.حين درجت في القراءة عن آدم كان أول استثمار هو الحديث إليهم عن والدهم الأكبر وأمهم السيدة الأولى، وما يضر ألا تعرف أباك ما دمت تعرف جدّك.. وما من أحد من البشر إلا ويجهل بعض مراحل نسبه، أيتام العالم في كفالة آدم وأبوّته، وهم سلسلته الممتدة، وأسرته الواسعة، وذريته القائمة إلى قيام الساعة.وجدت العزو إلى آدم أكثر واقعية، وأقرب تناولًا، وأسهل تداولًا، وهو لا يغني عن ربط العبد بربه الحيّ الذي لا يموت. ومن سرد نسبه إلى آدم فقد كذب.وقد كره مالك وجماعة من أهل العلم هذا السرد؛ لأنه من باب الظن والتخرّص، وكان بعض العلماء يقول: كذب النسّابون ولو صدقوا.. لأن ما لا يعلمه إلا الله من السنوات يفصلنا عن آدم، وفيها أزمنة مجهولة مظلمة لا يعرفها الناس ولا يحكيها التاريخ بوضوح.. وما قبل نوح تاريخ غامض لا يكاد يعلم الناس عنه إلا القليل..يختلف الناس في حكاية أصولهم وأنسابهم، وبعضهم يفتخر بنسبه، وبعضهم يمرره بإغماض وبوده ألا يسأله أحد عنه، ولكنهم مجمعون على أنهم من سلالة (الطين) وأبناء (الماء المهين)! {كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} (39: المعارج). آدم وحواء كانا بلا أب ولا أم، وهما أبوا البشرية جمعاء، كان أبوهما الطين والتراب والأرض، لو صنع آدم شجرته التاريخية لكانت: /الماء/التُّرَاب/الطِّين/الطِّين اللَّازِب/الحَمَإ المَسْنُون/الصَلْصَاللم ينظر آدم إلى الوراء ليبحث عن شجرة نسبه، نظر إلى الأمام ليصنع امتداده العظيم بزواجه وإنجابه، وأفلح في بناء أسرته العريقة الواسعة الباسقة.. بمقدورنا نحن أن نصنع الشيء ذاته: كُن اِبنَ مَن شِئتَ واكتَسِب أَدَبًا *** يُغنيكَ مَحمُودُهُ عَنِ النَّسَبِإِنَّ الفَتى مَن يُقولُ ها أَنا ذا *** لَيسَ الفَتى مَن يُقولُ كانَ أَبي! آدم هو الأب وليس له أب، لم يكن قلقًا أو مكتئبًا لأنه بلا أب، ولا حزينًا لأنه الرجل رقم (١) في أسرته.. هكذا أنت فكن! لا تعرف والديك ولم ترهم لسبب ما؛ وفاة، وضع غامض، خلاف عائلي عميق أنت ضحيته، الأسباب متنوعة والمؤدى واحد أنك أعزل لا تنتمي لأسرة معروفة..أجدادك القدماء معروفون، وهم بلا أبوين، ولذا سلموا من فساد الطباع الذي كثيرًا ما ينتقل بالجينات من الآباء إلى الأبناء، وسلموا من سوء التربية وتأثير البيئة البشرية المحيطة.الآبائية - أحيانًا - تشوه الخيال وتجعل الابن على مسار والديه طوعًا أو كرهًا، وتحجم فرص الاختيار الحر الرشيد: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ} (22: الزخرف) .آدم يُشكّل لنا مرجعية طبيعية تُمَكّن من الانفكاك عن سلطة الآباء والأجداد والبيئة السابقة المتسلطة.وقصة آدم ليست تشريعًا كلها، كما في شأن السيرة المحمدية، ولكنها مرجعية لفهم الواقع والإنسان والملكات والمواهب والإبداع والفطرة.. كان أبواك في منتهى الجمال جسدًا وروحًا! بنتي اليتيمة! جدتك حواء كانت بلا أب ولا أم، تخيّلي عندما تعرض لها مشكلة، أو يطرأ سؤال، أو حيض أو نفاس أو هَم أو ألم.. لمن كانت تشكو وتبوح؟تلك الوردة الأولى النابتة في الطين ومن الطين تتفتح للحياة والحب والأمل وتحمل وتنجب وتنفث عطرها الجميل..كانت تعرف ربها السميع الرحيم القدير، وتعرف زوجها الحنون، وتنشغل بحياتها وذريتها وتدبير معيشتها..نوح كان أبًا ثانيًا للبشرية؛ لأن الطوفان عمّ الأرض، فالناس يرجعون إلى: ١ - سام٢ - حام٣ - يافثونوح مدفون بالعراق فيما ذكر الألوسي، وقيل في لبنان، والله أعلم.عيسى بلا أبوقصة آدم مرجع في تفسير ما أشكل في شأن عيسى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ} (59: آل عمران).أراد الله أن ينفي كون عيسى إلهًا أو ابنًا للإله تعالى الله عما يقولون، وأبو عيسى هو آدم، والجد يسمى أبًا كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (أَنَا ابْنُ عبدالْمُطَّلِبْ).أحاول استحضار ذكريات الطفولة مع يتيم أصبح أبًا وربًا لأسرة، أعصر الذاكرة لعلي أجد في سجلاتها أثرًا عن أول احتكاك واعٍ محفوظ مع (فهد)..أجد صحبة المسجد والتلاوة وصحبة الآباء الكبار الذين توقف نموهم في خيالنا فلا يبرحون بتلك السن التي كانت تقارب الثلاثين..وصحبة المتجر الصغير في القرية وصحبة القهوة والشاي والكعك اللذيذ.. والنار والدخان، وصحبة استبطاء الانتقال للمدينة (بريدة) بعد وعدٍ أكيد وبناءٍ مشيد {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} (41: إبراهيم).هل قعدت في حجره؟ هل ضمّني؟ هل حضنني؟ هل حملني على كتفيه كما أصنع مع أطفالي؟ هل حكى لي حكايات ما قبل النوم؟كل ذلك قد كان وأكثر منه ولكن الذاكرة تخون!

646

| 10 يونيو 2016

alsharq
ملتقى المكتسبات الخليجية.. نحو إعلام خليجي أكثر تأثيرًا

لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...

4938

| 13 مايو 2026

alsharq
مبروك صرت مشهور

ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...

4914

| 12 مايو 2026

alsharq
على جبل الأوليمب.. هل يمكن؟

كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...

1611

| 13 مايو 2026

alsharq
احتكار المعرفة.. التدريب الإداري والمهني

قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...

1113

| 13 مايو 2026

alsharq
اختراعات ليست في محلها

من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...

1038

| 11 مايو 2026

alsharq
هل يجاملنا الذكاء الاصطناعي أكثر مما ينبغي؟

تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...

1005

| 14 مايو 2026

alsharq
الأب.. الرجل الذي لا يغيب

في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...

717

| 13 مايو 2026

alsharq
الوعي المجتمعي

إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...

714

| 14 مايو 2026

alsharq
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟

بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...

678

| 12 مايو 2026

alsharq
اصحب كتاباً

يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...

651

| 13 مايو 2026

alsharq
القيم الإسلامية والتنمية المستدامة

أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...

603

| 11 مايو 2026

alsharq
اتفاق الممكن بين الحرب والسلام

في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائما في...

558

| 12 مايو 2026

أخبار محلية