رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); كم مرَّة سمعنا معلّقًا رياضيًا يُقارن بين لاعبين مثل: (رونالدو) و(مسّي) مثلًا؟أو آخر يُقارن بين قناتين مثل: (الجزيرة) و(العربية)؟أو بين شركتين مثل: (أبل) و(مايكروسوفت)؟أو حتى بين نظامين، كالرأسمالية والاشتراكية أو الولايات المتحدة وروسيا؟ومن المقارنة حمي التنافس الميداني على السبق بين الشركات والشبكات، وكم استطاعت واحدة أن تطيح بالأخرى عبر اقتباس ميزاتها وإضافتها إلى ما لديها، نظير ما فعل برنامج الانستجرام مع (السناب شات).ولله المثل الأعلى، حين يقول المؤمن والمؤذن: (الله أكبر)، فليس في الأمر مقارنة، فهو - سبحانه- لا تُضرب له الأمثال، وهو أكبر من أن يُدرك بالحواس، أو أن يُقاس بالناس.وكل ما دون الله فخاضع للمقارنة، حتى الرسل: {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} (253:البقرة)، والملائكة: {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء} (1:فاطر).يتعاطى الإنسان المقارنات بين الأشياء في مجالات الحياة كلها، السياسي، والرياضي، والاجتماعي، و..، و..غالبًا ما نلجأ لبيان ميزة شيء أو تفوّقه أو نقصه إلى مقارنته بغيره مما يؤكد نسبيّة الأحكام في حالات كثيرة.اللغات زاخرة بكلمات المقارنة التي نسميها: التفضيل، فهذا حسن، وهذا أحسن، وهذا الأحسن على الإطلاق..في الدراسات يهتمون بالمقارنة الفقهية أو الدينية أو مقارنة الأنظمة أو الأشخاص أو البرامج.عند الفشل يلجأ أناس إلى المقارنة ليُثبتوا أنهم وإن أخفقوا إلا أنهم أفضل ممن هو أردأ منهم، بمعنى أنهم يعترفون بدرجتهم المتدنية، إلا أنهم لم يصلوا بعد إلى الحضيض، ومن سار على الدرب وصل!حين يكون بلد عربي في درجة ٢٩٠ ضمن قائمة التنمية أو التعليم فهو يفتخر بأنه لا يزال ضمن القائمة!نقيض أصحاب الطموح الذين يرفعون رؤوسهم لمن هو أعلى منهم، ليؤكدوا أنه ما زال أمامهم حلم جميل ينتظر التحقق، وأفق أسمى، ودرجة أرقى، ولم يصلوا بعدْ إلى مرحلة الكمال..وهل ثَمّ مرحلة كمال للإنسان؟كلا، ليس ذلك في الحياة الدنيا.فلو كان ذلك لتوقّف المرء عن التفكير والتحسين والتطوير، وبدأ في التراجع.وفي التنزيل: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ} (19:الانشقاق)، {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} (37:المدثر).ليس من شأن الكائن الإنساني ولا الحياة البشرية الثبات والاستقرار، الحياة دوارة موارة متحركة إما باتجاه الصعود والرقي أو للانحدار والفساد والسقوط.التدرب على عمل المقارنات المدروسة الإيجابية يسلط الضوء على جوانب خفية وأسرار ومعانٍ وملامح قد تتعذر رؤيتها إلا عبر استحضار نماذج عديدة وطرح الأسئلة حولها.هذا يختلف عن المقارنة السلبية التي تستخدم للتضليل وخداع الآخرين، وأحيانًا خداع النفس وحفزها على فعل الخطأ: {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا..} (8:يوسف)، أو الجمود على حال باعتبار أنه ليس في الإمكان أحسن مما كان.أحيانًا نصنع من المقارنات سلّمًا نصعد عليه درجة درجة أو ننزل منه درجة درجة...حين نقرأ الواقع اليوم سياسيًا أو أخلاقيًا ندرك (خطورة) مقارنة تقنعنا بأننا الأفضل نتيجة موهبة لغوية تجيد فن الإطراء، وتقتل أحلامنا وطموحاتنا باستدعاء تاريخ القبيلة أو تاريخ الأمة.. فمن عجز عن رؤية المستقبل يلتفت للماضي!وفي الوقت نفسه ندرك (أهمية) مقارنة تجعلنا نعرف الممكن ونسير إليه باعتدال، بدل التِّيه في مثاليات واهمة لا وجود لها إلا في الذهن والخيال.يمكن للمرء أن يقارن نفسه بالآخرين لا ليُثبت تفوقه، بل ليعرف جوانب قوته، ويكشف جوانب نقصه، ويدري أنه (لن) يكون محايدًا في قضية هو أحد أطرافها!ويمكن أن يقارن نفسه بنفسه ليدري إلى أين يسير، وهل هو في صعود أو هبوط..بعض المقارنات نغذيها للصغار مع الحليب حتى يكرهوا ذاك المثال ويكرهوا التمثيل ومعه كل أفعال التفضيل (فلان أشطر منك)! أحيانًا نحتاج السباحة عاليًا في الخيال تلك المساحة الهائلة التي تتوه فيها أفعال التفضيل وتتعطل وتصبح بلا قيمة..الخيال هبة السماء يوم أن تضيق عليك شبابيك المقارنات الأرضية..
732
| 31 مارس 2017
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); لا أحتاج أن أكون كاتباً محترفاً لأدوّن قصة حياتك.. تعلمت منك اللغة البسيطة العميقة.. لغة الدموع.لم يخلق الله الدمع لامرئ عبثاً الله أدرى بلوعة الحَزَنِليست العين من يسكب الدموع، بل الروح.. ولن يستقر الحزن إلى النهاية.. الإيمان يصنع الرضا، ويسكب السكينة، ويمدّ جسور التواصل مع الراحلين.سأعود إلى الحياة إلى الأمل إلى الابتسامة، لن أسمح للحزن أن يتحول إلى كآبة تفسد جمال الحياة.موتكِ فتح عيوني على النهاية، جعلني أستبق الساعات قبل أن تتوقف، الموت ليس دعوة للانسحاب، أو هجر الحياة، أو تسخط القدر.الموت على وحشته ليس كسراً للرقم، شجرة العائلة باقيةٌ كما هي: الأب والأم والبنت والأبناء السبعة، اثنان منهم سبقوا.. والباقون ما زالوا تحت شجرة الحياة.عليّ أن أحاكي مشاعركِ تجاه أولادك الباقين، وأترسّم حكمتك وبصيرتك، وأكون لهم الأب والأم والصديق.وسأراجع دروسي معك، وأستلهم من سيرتك وإحساسك بالمسؤولية درساً مفيداً.. ولو كان متأخراً.ذكَّرني صديق بأبيات كنت أرددها للشاعر عبد الرحمن بارود: بودادي لديك هون عليك الأمر لا بد من زوال المصابِسوف يصفو لك الزمانُ وتأتيك ظعون الأحبة الغيّابوليالي الأحزان ترحل فالأحـــــــــــزان مثل المسافر الجوابأما ظعون الأحبة الغيّاب فلا أمل في عودتها.. نحن سنلحق بها.. يمكنني النظر إلى الموت على أنه وصل ولقاء.. لقد ظفر بكم من أحبوكم وسبقوكم إلى الدار الآخرة.ويحق لي أن أتفاءل على طريقة معاذ بن جبل: (غداً نلقى الأحبة).وها هي روحي تحاول أن تعانق روحك وتريد أن تراك طيراً أخضر يحلق في شجر الجنة بلا قيود.أما ليالي الأحزان فيجب أن ترحل؛ لأن الله يحب أن نعيش الحياة باغتباط وأمل، ولأن الراحلين يحبون أن يسمعوا وهم هناك في مدافنهم أننا بخير، واصلنا المسير كما يتمنون، ورسمنا ذكراهم في وجداننا إلى الأبد، وجعلناهم شركاء في كل عمل نقوم به، ولم نركن إلى اجترار آلامنا ومآسينا.لن ننساهم، وكيف ينسى المرء قطعة من روحه؟ أو بضعة من جسده؟ كنا نتقاسم معهم الأحزان، أما حزن فراقهم المباغت فتقاسمناه مع أرواح مؤمنة صادقة وفيَّة ساندت ودعمت ودعت.. وعاشت الحزن وكأن المصيبة وقعت عليها هي.. لقد تضاعف إيماني بصدقكم أيها الأحبة وبصفاء مشاعركم ونبلكم العظيم.. إني حقاً عاجز عن شكركم.أهنئك على الجموع التي صلَّت ودعت وعزَّت.. وأقول لنفسي: إن كنت سأظفر بمثل هذا يوم رحيلي فهو شيء عظيم.أتفرّس في وجوه المعزين فأتذكر أنني عزيتهم يوماً ما برحيل حبيب، المصائب لا تستثني أحداً، وليست حدثاً عشوائياً كما نظن، هي أحداث مرتبة لها أسرار مخزونة في عالم الغيب (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)(11:التغابن).كلهم قالوا لي أن الحياة يجب أن تسير، وأن قدرنا هو أن نصبر ونرضى ونسعى لاستئناف الطريق، ولا نسمح للحزن أن يحول حياتنا إلى (حداد) دائم!لم أكن لوحدي، (عبد الوهاب) كان منذ اللحظة الأولى يشير بيده وروحه إلى الطريق، ويرشد إلى تجاهل طوفان الأسئلة المباغتة، وإلى التفكير في الواجبات الفورية، وترك الأمر لله، وكل شيء يتسهّل بإذنه.وفي قلبي كان الإحساس بالله الذي يأخذ ليعطي، وأخذه رحمة، وعطاؤه نعمة.كان إحساسي منذ البداية أن عليّ استثمار الفجيعة والحزن في الاقتراب من الله، وتسريع التوبة، وإنجاز ما يمكن إنجازه دون تأخير.. علَّمني الرحيل المفاجئ بأن ألتفت لمن حولي أكثر، ألا أمد عيني بعيدًا لما لا أملكه.. سألتفت للتفاصيل الصغيرة أعيشها لحظة بلحظة قبل أن تكبر وتتشكّل منها الفاجعة..الحزن نار تنضج مشاعرنا، وتصنع ذواتنا، وتربينا على الإحساس بآلام الآخرين ومعاناتهم والوقوف معهم.كنت أتساءل: كيف أخبر (لدن) بفجيعتها؟ وحين تجرأت وصارحتها بالخبر رأت دموعي فسارعت بحنان أنثى تمسحها بالمنديل! لم أرها تبكي.. حين يكون الله معك فلا حزن ولا خوف، (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا)(30:فصلت).ما أكثر ما كانت الأم تستودع الله صغارها وهي توقن بأنها ستغادرهم وأن رحيلها قريب قريب!ذلك الحديث الذي كنت أضجر منه.. وأقول:لا تطري الفرقا على المحزون ما واطن الفرقا وطاريها..ولم أكن أدري أنكِ أحطتِ بما لم أحطْ به، كانت رؤيا.. وكان إلهاماً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.حقاً.. لقد صرت أضعف، لم أعد متماسكاً كما يجب، لقد عزّيت الأطفال فاندمجوا في الحياة ولكني عدت طفلاً لا يستحي من حزنه ودموعه! ولكن عليّ ألا أقسو على نفسي، والله لا يؤاخذ بحزن القلب ولا بدمع العين، ولكن بما يجري على اللسان.. يعتادني الحزن على شكل موجات متتابعة، تنكسر إحداها لتبدأ الأخرى، وكأنها تتلو عليّ مزامير الفجيعة والذهول، وترسم صوراً تخيلية لما جرى.. وكيف جرى؟ ولماذا جرى؟ ويندس الشيطان ليملي: لو.. لو.. وهل يُنجي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ؟ قدَّر الله وما شاء فعل.ليس شيئاً سيئاً أن أشعر بالذنب تجاه الراحلين، كان بإمكاني أن أكون أحسن مما كنت، لم أكن أشعر بقيمة وجودهم كما أشعر الآن وقد انتقلوا إلى الضفة الأخرى.كل شيء بقدر، بيد أن الأشياء الجميلة تغادرنا أسرع من غيرها..والموت نقاد على كفه جواهر يختار منها الثمينالذين غادرونا هم الأفضل منا؛ الأصدق إيماناً، والأطهر قلوباً، والأقوى صبراً، والأكرم عطاءً، وهم إلى الله أقرب فيما نحسب.حتى في موتهم منحوني دروساً عميقة عليَّ ألا أنساها هذه المرة.. لقد جعلوا الموت حقيقة ماثلة قريبة، ودعوني إلى مسابقة الزمن واستثمار الحياة.وكأني أراهم يلوحون لي من بعيد، من هناك.. كن كما نودّ ولا تنسى العهد.
2187
| 10 فبراير 2017
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); لم تكوني داعيةً بالمعنى الوعظي، سلوكك هو ما وعظني ودلّني على الطريق دون كلام أو عتاب ..وها أنتِ ترحلين بثناء الناس وحبهم، وتتركينني للوعة والحنين.بعض عزائي أني حاولت تدارك أخطائي في حياتك وقدمت لك كلمات الحب قبل فقدك.ذهبتِ بلا توديع كما فعل حبيبك ذات صباح!في حياتك وهبتيني الحب صافيًا نقيًا وبعد رحيلك وهبتيني حب الناس وقربهم.. كريمة العطاء في الحياة والموت..عطشك لمن اخترتيه واختارك دلّك على طريق الوصول، وعطشي هو الذي يسوقني إليك ويجعلني احتفظ بك في داخلي!عدت للذاكرة للأشياء الجميلة فوجدت حروفًا دوّنتها عنك سابقًا وعن غيبة صغرى بيننا.. -السجين رقم (276/1) ؟ عندك زيارة.شعور يشبه المغص ألَمّ بقلبه .. مَنْ زائري يا ترى ؟ أهو صاحب سلطة على جسده؟ أم صاحب سلطة على قلبه؟ أم عليهما معا؟ لا بد أنها عروسه التي غادرها دون أن يستكمل معها ستة أشهر منذ التقيا ، وتركها خائفة قلقة على مستقبلها ، دون أن يتمكن من منحها لحظة وداع تناسب الموقف؟وبدأ شلال الحب يتدفق بقوة؛ ليغذّي ويُنمي ما تركه زمناً بلا سقاية, أو رعاية في داخله .يناديه المنطق أن لكل يوم عطاياه ، فليتئد ؛ ولكن الحنين أقوى والشوق أعتى .كان حريصاً على النوم مبكراً استعداداً لغده, إلا أن القلق والتساؤل أحاطا به ، واستولى عليه واقتطع جزءاً كبيراً من ليله ، نام نوماً تقطعه الرؤى, واستيقظ باكراً لهفاً ، بالغ في الاستحمام والعناية بالهندام ، وظل يقطع المسافة القصيرة جيئة وذهاباً , وينظر في ساعته التي بقيت برفقته؛ ليعرف بها أوقات الصلوات ، حتى سمع الخطوات التي تقترب من باب زنزانته ، سار مع رقيبه في صمت بعد أن أعياه السؤال الذي لم يظفر له بجواب سوى عبارة " لا أدري " لا يمل صاحبه تكرارها!سار مع طريق يعرفه إلى آخر يجهله مروراً بوجوه جديدة ,لم يرها من قبل, وركب سيارة مكشوفة صغيرة, أشبه بسيارات (الدجولف)؛ تسير في سرداب طويل صامت ، وبدأ يرى ما لم يكن يراه من قبل ، أو لعله رآه بشكل آخر مختلف ، ومع كل خطوة تزيد خفقات قلبه رجفة , ويتردد السؤال؛ مَن زائري ؟!وبدأ العد التنازلي؛ لمعرفة الزائر , اللغز يقترب ويقترب حتى أصبح نبض قلبه رجفاً يعلو على كل صوت آخر .الحراس يقلون, والساحات تتسع, والأبواب تتغير, والوعد يقترب, ولم يعد يفصله عن زائره سوى جدار؛ يمتد لثلاثة أمتار, بنهايتها باب ...بدأ صبره في النفاد ، وتركزت عيناه على الباب .لم يتوقع -قطّ- أن يجرب مشاعر كهذه ، لقد تنامت بشكل مفرط لتكون عملاقاً لا يُقاوم ، حينما أصبح بمحاذاة الباب استدار ليلج الغرفة؛ فكان أول ما رآه ذاك الموظف بلباسه المدني , يجلس وحده إلى مكتبه الرمادي في طرف الغرفة ، وفي مواجهة الباب ، بحيث تراه قبل كل شيء .ما لبث أن نهض بمجرد رؤيته مصافحاً ، ورغماً عنه أحسّ صاحبنا أن قلبه زجاج سقط وتحطم بشدة .تمالك نفسه ومد يده هو الآخر ، ودارى إحساساً داخلياً بخيبة الأمل .وقبل أن يقرأ إحداثيات ذاك الهبوط المفاجئ لأمله ، ناداه مُرحّباً من آخر الغرفة صوت مألوف، يختلف قليلاً في لكنته عن لهجته القصيمية ، يصيح بابتسام مرحباً، إذاً هذا هو زائره !التفت بسرعة نحو الصوت, ومن حيث لا يعلم أصبح معانقاً لذاك الشاب كيف ومتى حملته قدماه ؟ أم طار به الشوق ؟ وهل ذابت المسافة الزمانية والمكانية ما بين الصوت والعناق ؟بآمال الحب العريضة بحث عن زائر آخر ، بل زائرة أخرى إنها فتاته التي ودعها وهي تحمل جنينه ذا الأربعة أشهر آنذاك, وبمجرد رؤيته لدموعها ,كانت دموعه هي الأخرى تبلل عينيه بخجل واستحياء ، أطال النظر ويده ترتعش في يدها ، وكأنها كائن يهبط من النجوم !تاهت النظرات في ذلك اللقاء المقيد, وشرِقا بفرح اللقاء , وتضاءلت صحراء الفراق ؛ لتتكور في حبة رمل وسط ساعة الزمن .في اللحظة التي تملك فيها داخل قلبك الإحساس بالحب ، سوف تكتشف أن العالم قد تغير بالكامل .منظوره الخاص يلون تجربته , فهل لها هي الأخرى تجربتها ومنظورها الخاص, أم إنها تتأمل في تجربته فحسب ؟تفاعلات اللقاء الكيميائية والفيزيائية ؛ فرضت صمتاً ليس بالقصير, صمتاً أبلغ من الكلام .فالأحداث العظيمة لا تتجلى في ساعات الضجيج ، وإنما في ساعات الصمت !الذكريات المخبوءة بدأت تظهر ، وأشياء غير متوقعة صارت تحدث ، دروس تضاف إلى درسه ، وحتى القرارات الصعبة قد تبدو في لحظات الضعف العاطفي غير منطقية، مما حدا به أن شكك في وضوح رؤيته للأمور .طال الوقوف, مع أن ثمة صفين من المقاعد المتقابلة في انتظارهم.لم تكن أقل منه لهفة للقاء ، وفي حرارة اللحظة لم يستطع قراءتها لأول وهلة, كما كان يفعل من قبل ، كل ما هو متأكد منه أنها أمام رؤيته رأت ما عقد لسانها مما حدا به أن بدأ يتحسس وجهه ويتفقد هندامه , يخشى أن يكون ثمة ما فاته تداركه ، لكنه الفرح الذي يكاد يكون أشد تدميراً من الخوف .مقابل نظرته الأولى القصيرة , وهبها الآن نظرة عالية التركيز , متعددة اللغات, حملها بكلمات لم تُنطق ، ومعان لم تسبق ، وعقود ومعاهدات بين القلوب على الصبر والوفاء قد وُقِّعتْ ، وكان الحب والحنان خير جابر لتصدع القلوب بلوعة الفراق: (في هذه اللحظة لا يهم أي شيء آخر سوى قلب استمات في هواك, وسعى لاهثاً ليراك!)إعجاز الحب يحدث تواصلاً غير منطوق بالعيون ، أو الابتسامة ، رابطة صامتة , ولكنها حقيقية ووثيقة كلاهما يدركها ويشعر بها وبقوتها .تذكّر كيف كان ينشدها قول الشاعر العطار :طال اغترابي وما بيني بمقتضب ... والدهر قد جدّ في حربي وفي طلبيوالشوق في أضلعي نار تذوبني ... ما أفتك الشوق في أضلاع مغتربأكابد السقم في جسمي وفي ولدي ... وفي رفيقة دربٍ هَدّها خببـييتذكر تلحينه تلك الأبيات وهو يقود بها السيارة، وها هو الآن صار متلبساً بها لا حاكياً لها!طال الوقوف وناداهما مِن خلفهما صوت الموظف؛ أنّ الجلوس أفضل, وكأنه ينتزعهم من ذهولهم وشرودهم !أظهر جلداً وصبراً وروحاً مرحة؛ لتقر عينها ويمتلئ فؤادها الفارغ؛ كانت الأسئلة تتقاتل على شفاههما؛ كُلٌ يريد أن يُطرح أولاً.. كيف.. ، وهل.. ومتى ولعل وأنى..تفوّها بنفس الكلمات , وبنفس اللهفة, وفي ذات الوقت , وبلا اتفاق مسبق ، وقرأها وقرأته , سمع همس روحها ، ولامست جوهره ، ورقصت بينهما المشاعر على إيقاعات متنوعة ، تساءل عن كيفية اقتحامها للأسوار ؟ فأجابت بأنه يستحق كل جهد مبذول ، وكل إرهاق نفسي وجسدي لأجل رؤيته.داعبها بدروس بسيطة, لم تسنح له الفرصة لتعلمها إلا في الغربة, كان ذلك حينما ذكر حيرته في الحفاظ على رغيف الخبز طرياً؟ كم تجربة خاضها ليعرف أنه بمجرد وضعه في كيس نايلون مغلق سيبقى طرياً ، هو يتعلم كيف يحافظ على الحب والوفاء أيضاً! ، وكيف يحافظ على صبره وثقته وإيمانه.تساءل في حنان عن جنينها وعن جنسه ، فأجابت بأنه ذكر , وأن خروجه أصبح وشيكاً ، ألهمه ذلك الجنين بحلم جديد؛ فمنحها إياه صادقاً موقناً بأنه سيكون هو من يذهب بها إلى المشفى, ويستقبل مولودهما ، ستكون الغربة المباغتة مجرد ذكريات وحكايات نحكيها لصغيرنا .بدءا يختاران الاسم للوليد المنتظر, ويطلبان معونة الخال المرافق حيناً , والموظف مجاملةً, واتفقا على " البراء " .بدأت الغربة التي خَبَتْ تطفو من جديد, وبدأ الحزن يكسب الجولة لما ذكّره الموظف بأن الزيارة نصف ساعة , وهي الآن توشك على الانتهاء ، ولم يستطع استقطاع دقائق إضافية، وحتى لو حدث هذا فالنهاية هي الفراق.. والفراق بوابة للقاء جديد (غداً نلقى الأحبة).تتقاطع دوائرنا مع دوائر من نحتكُّ بهم, وتكاد تذوب حدود الدائرة حينما تتقاطع مع دائرة شريك الحياة ؛ فقطرة الماء تثقب الحجر ، لا بالعنف ، ولكن بتواصل السقوط.ولكلٍّ منا دائرته الخاصة ، ولو كانت ضبابية يضعها حوله ، قد تكون من أجله ، أو من أجل من يحب ، وهكذا فعل هو حينما رأى انكسارها لانتهاء الزيارة , وخوفها عليه وقلقها, ورحى الفراق مرة أخرى توشك أن تطحنها ..لغة جسدها تخبره بأنها تود أن يتوقف عمرها ها هنا بين يديه, وفي عينيه .حدثها بأن العيش داخل الأسوار عادي جداً, بل لا يكاد الاختلاف يبين لولا فقد من يحب ، كان لسانه ينطق ، وعقله يصرخ بها أن لا تصدق كل ما تراه ، ولا نصف ما تسمعه !صبّرها وصبّر نفسه ، أخبرها أنها تعيش في داخله لم يتركها قط ، وظل يسمع صوتها ويشعر بها ، حتى كان يراها في قناني الماء ، ويسمع همسها في هدآة الليل ، لقطات حقيقية وتخيلية تجود بها ذاكرته .طلب منها أن لا تنظر إلى الجزء الفارغ من الكأس ، ولا تتساءل عمن أفرغه ، بل عليها أن تنظر إلى النصف الملآن ، فمن كان يتصور أنهما سيحظيان بلقاء كهذا ، فلا بد إذاً من زيارة أخرى قادمة وأول الغيث قطرة ، والحياة مليئة بالمفاجآت ..تَفَارقا ؛ وقد منح كل منهما طعماً مختلفاً للحياة ووقوداً لصبره , ريثما تأتي قطفة أخرى من ثمار العطايا الربانية , بزيارة أشد إيقاعاً وأبطأ سيراً ، وأكثر طمأنينة ، فلقد كانت أول زائر يخترق أسوار العزلة .عاد إلى غرفته وهو يكاد يحدّث الجدران بفرحته, فهذا اليوم كان مختلفاً ، كان طويلاً جداً ، وقصيراً جداً ، لما أسدل الليل ستاره؛ بدأ تأثير الزيارة يربك عقله وقلبه ، فهل زادته صبراً , أم ثقبت جدار الصبر لديه ؟وبدأ يترقب زيارة أخرى بفارغ الصبر, ويترقب الزائرين الذين لم يرهم بعد .انتهىالآن يقف حبيبك المكلوم أمام حفرتك باسم الشفتين دامع القلب، سلوته أنك لم تذوقي ألم الفقد كما ذاقه هو!
8514
| 03 فبراير 2017
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); حدَّثني صديق أمس عن زوجين أوروبيين انتقلا للعمل في مدينة عربية وانقطعت أخبارهما عنه، ثم فوجئ بهما قد عادا إلى بلدهما الأول وارتدَّا عن دينهما هما وأبناؤهما.وبعد لقاءات عدة تبيّن أنهما صُدِما من أوضاع لم يتوقعاها، تتراوح بين العنصرية والتحرُّش والنفاق الاجتماعي داخل حقول تعليمية!أُشفق على من يبحثون عن الحق في مثل هذه الأزمنة المضطربة المتداخلة.باسم الإسلام يُقتل أبرياء غافلون ويُردد قاتلهم: (الله أكبر)!وتنتشر آلاف المقاطع في الشبكات للنحر، والقتل، والاستخفاف بالحياة باسم: (دولة الإسلام)، أو باسم: (الثأر للحسين)!من ينفِّذ هذا الإرهاب أحد طرفي الإرهاب، لكن من ينشره ويجعله سلعة في الأيدي هم أولئك المستسهلون لضغطة زر النشر، ليجعلوا من هذا القبح مادة مستساغة مع الزمن والتكرار -وإن فعلوا ذلك بحسن نية-.بلاد العروبة وبلاد الإسلام أصبحت خارطةً حمراء، تُنتهك فيها الحقوق، ويُعتدى فيها على الأطفال والنساء والشيوخ والعاجزين.وفيها أكبر عددٍ من أصحاب الإعاقات والعاهات ومقطّعي الأطراف.. بسبب الحرب العمياء والتدمير العشوائي.وهي تحتل المراتب الأخيرة في سلم التنمية، والعدالة، والتعليم، والصحة، والتوظيف، والشفافية، والنمو الاقتصادي.قصص العنف الأسري ضد الأطفال وضد النساء تتكاثر وبعضها موثّق بالتصوير.حالات عديدة رأيت فيها أحد الأبوين يزجر طفله أو يتلّه أو يسحبه أو يضربه في المطار أو السوق في مدننا العربية!جاءت من تلك العصا الغليظة التي كانت مغزلنا الوحيد في التربية، كانوا يتوارثون المعرفة يوم أن توارثنا تلك العصا..خطيب أو إمام أو داعية يصعد المنبر ويتكلم برؤيته الضيقة ورأيه الخاص، الذي ربما لا يقبله محيطه القريب، وهو يقوله على رؤوس الأشهاد للقريب والبعيد، وقد يعد هذا شجاعةً أو صدعًا بالحق، وإن لم يكن معه من الله برهان، وليس لديه علم ولا هدى ولا كتاب منير.وربما تحدَّث في مسألة علمية كونية صارت من القطعيات المفروغ منها حتى لدى البسطاء، وهو ينفيها باسم الله وباسم الإسلام وباسم القرآن!يا لجرأتنا على الله باسم الله..مجتمعات متدينة عجزت عن استيعاب تنوعها واختلافها فتحولت إلى بؤر للصراع المستميت الممتد، الذي لا يتوقّف إلا ليلتقط أنفاسه من جديد!مع الوقت صرنا بيئة جاذبة للأمزجة الحادة حتى لمن يدخلون في الإسلام نبدأهم بالتطعيم بهذه المعاني.انشغالات جزئية شكلية فرعية خلافية تسيطر على التفكير والاهتمام، وتشغل عن الله، وعن الحياة والعمل والحضارة والإبداع.إعلام يُموّل بالمال العربي والإسلامي، ويوجه لعقول عربية وإسلامية، ولا يخدم هوية، ولا يعالج مشكلًا، ولا يكرس قيمةً، ولا يربي على الإنصاف والعدل.كانت الشتيمة متستّرة لا يعرفها إلا القلّة، مَنْ الذي جعلها سافرة لهذا الحد..؟!كنا نرتكب أخطاء في محيطنا الضيق وضمن سياق خاص، ومع الشبكات المتكاثرة لم يعد خطؤنا مفهومًا، لقد تجاوز الأصدقاء والدوائر الشخصية إلى المحيط العالمي الذي لا يعرف مستوى المتحدثين ولا يدرك أهميتهم ولا يحيط بظروفهم النفسية، والذي بمقدوره أن يفسر الكلام والمواقف وفق ميله ومزاجه وربما يكون جاهلًا أو سَيِّئ النية!قوى عالمية رسمية وشعبية تستثمر كل هذا في صناعة انطباعٍ سلبي عن الإسلام وأهل الإسلام وتاريخ الإسلام، وتصنع من الحادثة المفردة قصة عريضة، وترددها على مدار الساعة، لتحدث تراكمًا لدى المشاهدين، وتبني جدارًا من الكراهية والخوف من هذا الدين.ثَمَّ شأن إيجابي كبير، فليست الصورة قاتمة من كل وجوهها، بيد أن مشاهدة هذا الخيط الأسود الكالح ضروري للعمل على كسر دوامته وتخفيف حدته.سؤال يطرح نفسه كثيرًا:أين مَنْ يُقدِّم الأنموذج الأخلاقي الطيب لأبناء مجتمعاتنا القريبين منا، والذين اهتزت ثقتهم فينا، وفيهم من اهتزت ثقته بدينه، وفيهم من تطرّف وغلا، وفيهم من ألحد وتجرأ على قدسية ربه بسخيف القول، وجعل المعاني الإيمانية العليا مادةً للتندر والسخرية والتجديف؟!أين الأفراد الأنموذج في العقل والتفكير والتوازن والتسامي عن تمثيل جماعة أو مدرسة أو حزب أو تيار إلى أفق التسامح الإسلامي الواسع؟وأين المدارس الأنموذج في البناء التربوي، والتأصيل النبوي، والاستيعاب والبعد الإنساني؟أين المجتمع الأنموذج في الواقعية والترابط واحترام الاختلاف والصلة والبر والعفو والإحسان؟أين الإدارة الأنموذج في العدالة والتنمية والتخطيط والحقوق؟أين الفقيه الذي يتربَّى ويُربِّي على قاعدة: (لا يتحدَّث الناس..)؟!القول سهل، وسأتفق جزئيًا مع تعليقات أسفل هذا المقال تُحمّلني مسؤولية ذلك، أو تقول إن الكلام مثالي افتراضي وأنت صوّرت لنا ما نعرفه جيدًا ولم ترسم لنا المخرج الذي تقترح!أن أكون المرآة -أحيانًا- ولو أظهرت قبحًا خير من أكون صامتًا أو شاتمًا في الحشد.
633
| 27 يناير 2017
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); ختم الإمام البخاري -رحمه الله- كتابه العظيم الصحيح بحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: « كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ، ثَقِيلَتَانِ فِى الْمِيزَانِ ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ ».وروى في ثنايا صحيحه حديثاً آخر عن أبي هريرة مرفوعاً: « مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِى يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ».يا الله أيُّ ذنوب هذه التي تكثر وتتراكم ثم تذهب في لحظةٍ واحدة مثل زبد البحر؟!اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.جعلت من همي في تَعرُّفي إلى الله تعالى السعي الدائم إلى استحضار قربه ومعيَّته وإحاطته وشهوده، والسعي في ذات الوقت إلى نفي جميع الصور المحددة والخيالات التي تخطر على بالي كلما ذكرته أو تذكرته، فهي صور بشرية بدائية ساذجة؛ تنتمي إلى عقلي الواهن المحدود الذي صمم ليفهم تلك المعاني ويعقلها لا ليتصورها وكأنه يراها بناظريه.وحين قال -عليه الصلاة السلام-: « أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ »، قصد -والله أعلم- استشعار القرب، وتحقيق معاني الأسماء الإلهية العظيمة الجميلة دون تخيل الصور التي ترد على المخيلة أو اعتمادها، ولذا قال العلماء:(كل ما خطر ببالك فالله ليس كذلك).وهذا معنى (التسبيح)، أي: التنزيه والتقديس والاعتقاد بأحدية الله وتفرده عن عباده، لايقاس إليهم ولا يماثلهم ولا يخطر على قلوبهم وصف كيفيته ولا تصورها {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (11:الشورى) .ذكر التسبيح في القرآن الكريم سبعاً وثمانين مرةً بصيغٍ مختلفة.سورة الإسراء تُفتتح بـ(سُبْحَانَ)، وهو مصدر يعني التنزيه المطلق التام لله عن كل صفات النقص والعيب والخطأ والزلل والجهل، وإثبات أضداد ذلك من الكمال والجلال والجمال والعظمة والعلم والرحمة والحلم والفضل..تبدأ بالتسبيح؛ لأنها تتحدث عن أمر خارج عن سنن الحياة العادية وعن قدرات البشر، إنها تتحدث عن الإسراء من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، ثم العروج إلى السماوات العلا، وهو أمر إلهي محض لا يدخل تحت قدرة البشر.وتُختتم بالتهليل والتكبير والتحميد، فكأنها منزع الكلمات الأربع: « سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ »، فآخر السورة: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ}، وهذا معنى "لا إله إلا الله"، {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} (111:الإسراء).وحين ذكر النبي هذه الكلمات قال: « لاَ يَضُرُّكَ بَأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ »، مع أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بـ« سُبْحَانَ اللَّهِ ».في القرآن الكريم سور تُفتتح بـ{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}، فهي تتحدث عن تسبيح تم وكَمُل ومضى وانقضى.وسورٌ أخرى تفتتح بصيغة: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}، فتتحدث عن تسبيح مضارعٍ يحدث الآن ويستمر ويدوم .وسورة تُفتتح بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (1:الأعلى)، وهو أمر يقتضي حدوث التسبيح في المستقبل.فالتسبيح شامل للأزمنة الثلاثة؛ ماضيها وحاضرها ومستقبلها.الكون كله مندمج في تمجيد الله فكيف نشذ نحن عنه ونظل في غفلاتنا؟!ثم نستغرب بعد ذلك أن يقتلنا القلق والخوف واليأس!وحين نَزَلَتْ (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ ». فَلَمَّا نَزَلَتْ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) قَالَ « اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ » (رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه).ولذا تسمى الصلاة (سُبحة) بضم السين؛ لكثرة ما يردد العابد فيها من التسبيح، ولو كان بألفاظ متغايرة؛ فالذكر نوعان:١-نفي للنقائص والعيوب والخيالات البشرية عن الرب العظيم المتفرِّد.٢-وإثبات للكمالات والفضائل والجمال والجلال والعظمة والكبرياء والمجد.في سورة الإخلاص مثلاً تسبيح وتنزيه وتقديس كقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، وهو نص عظيم يُذكّر المؤمن بتنزيه الله عن مشابهة خلقه أو مماثلتهم، فلا تضرب له الأمثال، ولا يدركه الخيال، ولا يخطر ببال..وفيها الإثبات وهو: {اللَّهُ أَحَدٌ}.وفيها ما هو مركّب منهما وهو: {اللَّهُ الصَّمَدُ}، فهو يعني نفي مشابهة الخلق، ويعني إثبات الكمال في الصفات، ويعني أنه غني بذاته لا يحتاج إلى أحد، ولا يحتاج إلى شيء، والكل محتاج إليه.من شأن الإنسان إذا تحدث عن أحد أو وصفه أو ذكر شيئاً فإنه يتداعى إلى ذهنه تصور أو خيال، ناتجٌ عن مقارنة هذا الشيء الذي يتحدث عنه بالأشياء التي يعرفها ويعرف الألفاظ الدالّة عليها، وهذا طبعٌ في العقل البشري لا يكاد ينفك عنه.ولذلك وقع للبشر في تاريخهم من ألوان الشرك ما وقع، وغالب هذا الشرك ناتج عن تشبيه الخالق بالمخلوق أو تمثيله أو تصويره أو قياسه عليه أو إعطاء الربوبية لشيء من المخلوقات المادية، ولذلك كثر في القرآن الكريم الحديث عن تنزيه الله وتقديسه، فالله تعالى لا يُقاس بخلقه ولا يُقاس به خلقه، والتسبيح الدائم هو نفي للتصورات والتهيؤات والتخيُّلات والخطرات التي تخطر في بالنا حينما نتحدث عن الله أو نقرأ عنه.ولذلك قال في سورة الصافات: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} (160،159)، وفي آخر السورة: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (179-181).ينزه ويسبح عن أوصاف البشر الذين وصفوه تعالى بما لا يعلمون وما لم يوقفهم عليه خبر من السماء على لسان أحد الأنبياء، فكل وصف لله تعالى على غير ما جاء في الوحي فهو تَقوُّلٌ وافتئاتٌ ورجمٌ بالغيب، ولذلك قال: {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ}، يعني من الأنبياء وأتباع الأنبياء؛ الذين آمنوا بالله ورسله ووحيه وصدَّقوا المرسلين وقالوا عن ربهم ما قاله أنبياؤهم ورسلهم دون تجاوزٍ أو اعتداء.ومن المعنى: تنزيه الله وتسبيحه عما تصفه خواطر البشر، وعقولهم الكليلة، وأذهانهم العليلة، وعجزهم الظاهر، وخيالهم البسيط الساذج.له الأسماء الحسنى؛ التي تفرَّد بمعانيها وحقائقها وكمالاتها، لا تقاس بما عليه الخلق، ولا يجوز أن يرسم الإنسان لها صورة معينة في ذهنه، كل الصور منفية، وحقيقة الصفات والأسماء غير مدركة للبشر، ولكنهم يملكون الإيمان بها، ويملكون تصور أنفسهم وضعفهم وافتقارهم وحاجتهم الذاتية إليه سبحانه، فيقع لهم الخشوع والخضوع والذل والانكسار بين يديه.هذا التسبيح الذي ينجو به العبد من الأزمات والمضايق والمحن، ويخلص من الهموم والغموم والأحزان؛ كما نجى يونس من بطن الحوت: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (144،143:الصافات).هموم الفرد في رزقه، ومعاشه، وعلاجه، وزوجه، وولده، ووظيفته، ومستقبله..وهموم الشعب والأمة في السعي للتفوق، والتنمية، والنهوض، والنجاح، ومواجهة تحديات الحياة..إن قمة الإيمان والتوحيد هي قمة الإثبات والتجريد، فالإثبات يعني الإيمان بالإله الخالق الرازق العظيم؛ الذي يُغيِّر ولا يَتغيَّر ولا يعجزه شيء. والتجريد يعني السمو والتّرقِّي عن تشبيه هذه الصفات والأسماء بما عهدناه وألفناه في كوننا وحياتنا ووفق بيئاتنا وما حولنا.العقل البشري مصممٌ خصيصاً للتعامل مع الكون، وحين يعمل في حقله يصنع الإبداع والإنجاز، ويأتي بما يبهر ويذهل من الابتكار والكشف، وبهذا عظمت حضارة الإنسان وتراكم خيرها ونفعها وتيسيرها للحياة.وهو عاجزٌ عجزاً حقيقياً تكوينياً عن أن يعمل في نطاق الغيب، بما هو أكثر من الإثبات، فهو عاجز عن تصور يوم القيامة على حقيقته، وتصور الصراط، والميزان، والجنة والنار، وتفاصيل ذلك اليوم الطويل العصيب، وإنما يؤمن العبد المؤمن بما جاء في القرآن والسنة ويُفوّض كيفية ذلك إلى الله، وهو القائل: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} (17:السجدة)، وفي الجنة: « مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ »، و(ليس في الجنة مما في دنياكم إلا الأسماء).إن كثيراً من الشُّبهات التي تغشى شباب اليوم، وتدور في مخيلاتهم، وتجري على ألسنتهم؛ ناتج عن تشبيههم وتمثيلهم وتصويرهم أمور الغيب على أمور الشهادة، وقياسهم ما غاب على ما حضر، وظنهم أن في مقدور عقولهم ومخيلاتهم تصوُّر أمور الغيب والآخرة وفق ما عهدوا وألفوا، فيترتب عن ذلك الإحساس بالتناقض والاختلاف، أو عدم الاستيعاب أو عدم الفهم، ولو أنهم أدركوا أن لذلك الغيب قدسيته وقوانينه، ونواميسه وسننه، ومعانيه وألفاظه.. التي لا يدركونها إلا إذا رأوها؛ لسَلِم لهم يقينهم وإيمانهم من الشبهات المردية.أسمى درجات الإيمان أن تُسَلِّم وتصدق بخبر الله وخبر الوحي المتواتر القطعي الثابت، وفي الوقت ذاته تجرّد هذه الأخبار من التخيُّلات والكيفيات المعهودة في العقل والحياة.أصابني أرقٌ عارض بسبب ضيق عابر فقال لي صديق: إذا أويت إلى فراشك فاندمج في تسبيح دائم ولا تنشغل بعدده، قل: سبحان الله سبحان الله.. حتى تتعب.. حتى تنعس.. حتى تنام!قلت له: أَوَلَيْسَ القرآن أفضل وأولى؟قال: بلى، ولكن القرآن يحتاج إلى استحضار وتركيز، بينما التسبيح كلمة واحدة ترددها عشراً ومائةً وألفاً وما شاء الله حتى تغلبك عينك، ولو خطر لك سرحان أو شرود.وتذكَّرت حديث المؤمنة الصِّديقة فاطمة بنت محمد حين احتاجت خادمة فقال -صلى الله عليه وسلم- لها ولبعلها الإمام علي رضي الله عنه:« أَلاَ أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ ، إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا ، أَوْ أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا ، فَكَبِّرَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، وَسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، وَاحْمَدَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، فَهَذَا خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ » (كما في البخاري ومسلم).يا من تعانون المشقات في أعمالكم وصحوكم!ويا من يشتكون الأرق عند نومكم!يا من تعايشون القلق في يقينكم!يا من تتذمَّرون من هجوم الناس عليكم وتعرّضهم لكم بغير حق!هذا الورد العذب الزلالهذا المنقذ من الضلال.
2959
| 20 يناير 2017
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أسطورة عروس النيل تحكي أن النيل تراجع خطوة فأشار الكاهن على الملك بأن يداري غضب النهر بإلقاء جارية حسناء محملة بالحلي فيه.. حتى أصبح هذا الزفاف الدموي عادة تاريخية.ويقول مؤرخون إن عمر بن الخطاب رفض هذه العادة، وكتب رسالة إلي النيل مفادها: "إن كنت تجري من ذاتك فلا تجر، وإن كنت تجري بإرادة الله فامْضِ"، وهي رواية منكرة واهية الإسناد عند أهل المعرفة.لا غرابة أن ينظر المصريون إلى النيل كصديق يتغمّدهم بالرِّفْد والعطاء, فهو يجري فوق هذا الثرى الطيب من آلاف السنين، ويصل إلى مصر بشوق محب يلتقط أنفاسه بعد رحلة طويلة عامرة بالمتاعب، حيث تعترضه مساقط ومنحدرات وهو مندفع صعوداً وهبوطاً لا يلوي على شيء حتى يصل إلى غايته، ويتهادي بوقار إلى مصبه.لست أدري إذاً لماذا يلجأ شاب وفتاة إلى الانتحار برمي نفسيهما في النهر؛ كما يفعل مأزوم أو محبط, والمؤمن يستلهم من النيل أن الحياة دأب لا يتوقف، وجريان لا يأبه بالمعوقات، وتدفق يضج بالإصرار؟ليس في مصر وحدها بل في الجسد الإفريقي، فالنيل هو الشريان الرئيس الذي يغذيه, فلا عجب أن تقوم حوله الحضارات فيشهد ميلادها ثم تنهار فيشهد موتها ويظل دائباً بأمر خالقه لا يفتر ولا يتوقف.يا نيل كم من شراعيا نيل كم من سفين..أسلمتها للوداع..على مدار السنين؟يفرح النيل فيزغرد كمصري ينتمي إلى الحياة، ويواجه الأحزان بابتسامة ونكتة ساخرة..ويكتم أنينه حيناً ويسير صامتاً موجوع القطرات عارفاً ألا شيء يدوم!دول حوض النيل العشر من المنبع إلى المصب تعتمد عليه في الزراعة أو تنتظر فيضانه في الصيف لتخصيب الأرض.. تلك المناسبة التي كانت ترتبط عند الفراعنة بطقوس مقدّسة واحتفاليات بهيجة تم تصويرها بالنحت علي جدران بعض المعابد. وحسب قوته وضعفه يكون مقياس الخصب أو الجدب؛ كما في قصة يوسف والسنين السبع الدائبة، ثم السبع الشداد العجاف حتى قال المؤرخ اليوناني (هيرودوت) الكلمة الشهيرة: "مصر هبة النيل".من ثروته السمكية يغتذي جيرانه، وعبر مائه الرخي ينتقلون ويتبادلون البضائع، ومن قوته واندفاعه يقبسون الضوء ويوقدون المصابيح, وقد وصفه النبي -صلي الله عليه وسلم- بأنه من أنهار الجنة!من ذلك الهائم في البرية؟ ينام تحت الشجر الملتف والقناطر الخيرية؟مولاي هذا النيل نيلنا القديم! لا بد أن يبرز لي أوراقه الرسمية! شهادة الميلاد..والتطعيم..والتأهيل..والموطن الأصلي..والجنسية لكي ينال الحق في الحرية!الجنسية مصري, ولذا يمضي من الجنوب إلى الشمال عكس اتجاه أنهار العالم صوب الغاية التي يمضي إليها طوعاً؛ ليشهد نهايته هناك ويرمي بنفسه في أحضان البحر!أما شهادة الميلاد فينبع ثاني أطول نهر في العالم من بحيرات وسط إفريقيا ماراً بتنزانيا وأوغندا وإثيوبيا والسودان.. مما ينذر بالصراع بين دوله حول المحاصصة المائية؛ التي هي أثمن وأهم من كل كنوز الأرض, والأيدي الصهيونية الخفيّة تدعم تعويق جريان النهر؛ لتؤدب شعب مصر أو تركعه, وقد تجوع مصر أو تعطش أو تنام في الظلام بسبب السدود التي تبنيها بعض دول الحوض.. مما يحتم تنمية شاملة مستدامة بين هذه الدول، ومصر ذات الهيبة هي واسطة العقد ولسان الميزان.مهما جاعت مصر فلديها تاريخ الصبر الطويل، ومهما عريت فلديها القز، ومهما افتقرت فلديها يوسف المبشر بالبقرات السمان!أما التطعيم والتأهيل فيحميها من التلوث؛ الذي يغير لون ماء النيل، ويضر بصحة ملايين الأطفال، ويجلب الكثير من الأوبئة، ويسبب نفوق الأسماك أو تلوثها؛ ليصبح ماء النيل مصدراً للمعاناة بعد أن كان مصدراً للعافية، ويكلف الخزينة مليارات الجنيهات سنوياً.صحيح أن النيل ماض لا يحتج على كمية النفايات؛ التي ترميها معظم القرى المصرية؛ التي يمر بها من مخلفات الصرف الصحي إلى الحيوانات النافقة إلى مخلفات المصانع إلى بقع الزيت إلى المواد السامة.. ولكن ما هكذا يصنع المصريون مع أصدقائهم الذين يمنحونهم الحب والري والجود.المصريون هم عشّاق النيل.. تغنّوا به شعراً، وكتبوه أدباً، ورسموه لوحات فنية رائعة الجمال؛ منذ السيوطي إلى أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وأحمد رامي، وفاروق جويدة، وأمل دنقل.. فأين غابت هذه الثقافة عمن يرى جمال الألوان في عشيات القاهرة وهي تنعكس علي النيل، ويسمع صوت خرير المياه ويشم من النهر ريح الحياة ثم تطيب نفسه أن يشوه هذا الجمال بسلوك أناني وكأنه يرمي نفاياته في وجه كبير العيلة؟ متى إذاً ينال النيل الحق في الحرية؟!
770
| 13 يناير 2017
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أما أنت يا ولدي الكريم فلك أن تقول من الألفاظ وتتخذ من المواقف ما ينسجم مع تربيتك وأخلاقك، وما تراه يليق بك ويكون أدعى إلى سلامة موقفك بين يدي الله يوم العرض عليه: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} (الحاقة: 18).أما أنا فإنني أشعر للموت برهبة، وأشعر إزاءه بخوف، وأشعر أن هذا الموقف سيمر بي يومًا، ولست أدري متى ولا كيف:وما أَدْري إِذا يَمَّمْتُ أَرْضًا أُريدُ الخَيْرَ أَيُّهُما يَلِينِي؟أَأَلْخَيْرُ الذي أَنَا أَبْتَغِيه أَم الشَّرُّ الذِي لَا يَأتلِينِي!ولأني أرجو أن يشملني ربي بستره وعفوه، وألا يجعل لحاسدٍ ولا لحاقدٍ عليّ ولا على أحدٍ من أحبتي وأهلي وذوي قرباي سبيلًا لتنقّص ولا شماتة ولا مذمة، لذا فإنني أراعي لغتي بشأن الذين رحلوا وفارقوا دنيانا إلى الدار الأخرى، خاصة أولئك الذين لم يتولوا مسؤوليات جسيمة في ميدان الحياة ولم يسيؤوا للناس في مالٍ ولا موقف ولا قرار.. فأنت تحاسبهم بأشخاصهم لا بمسؤولياتهم ومناصبهم.ولذلك أرى أن الذين جاوزوا قنطرة الموت وانتقلوا للضفة الأخرى في حمى منيع، وحصنٍ حصين وفي ذمة الله وجواره وحفظه وكلاءته وبين يديه، وهو ربهم وحسيبهم والمطلع على نواياهم وسرائرهم وخلجات قلوبهم ولحظات ذنوبهم، ولحظات استغفارهم وندمهم وقرباتهم إليه وطاعاتهم ابتغاء وجهه.ولعل أحدهم بكى يومًا حبًا لله أو خشية من عقابه أو طمعًا في رحمته وقال: (رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، بينما كنت أنا وقتها غارقًا في معصية غيبة أو إعجاب بالنفس أو ازدراءٍ لأحد من الخلق أو تمييز عنصري بين عباد الله أو تدخل فيما لا يعنيني أو تظاهر بما ليس من حقيقتي!فبأي حق يليق أو يجدر بي أن أتجاوز هذا كله وأتعدى على حق من حقوق ربي فأُدخل أحدًا جنة أو نارًا، أو أحكم له بسوء خاتمة؟اللهم إلا أني أُحسن الظن برب العالمين وأُحسن الظن بإخواني المسلمين، وأتفاءل لهم بخير، وأرجو لهم من الخير ما أرجو لنفسي، فإن هذا مما أتوسل إلى الله أن يرحمني به لرحمتي لأهلي وجيراني ولحبي الخير لهم.لستُ أحكم يا بني لأحد بخاتمة سوء، لأنني لم أكن حاضرًا مع ملك الموت ومن معه من رسل الله {حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} (الأنعام: 61-62)، ولو كنت حاضرًا فأنَّى لي أن أعلم ما بينهم وبين رب العالمين؟ فإن هذا مما لا تحيط به العقول، ولا تدركه الأبصار، ولا تحكم به وبظواهره قرائن من قرائن الحياة الدنيا.وإذ دلَّت الآية الكريمة على أن الحكم له وحده دون سواه وليس لغيره حتى من الملائكة والأنبياء والمقربين، فكيف يسوغ لي أن أقحم نفسي في هذا الموقف الرعيب المهيب الرهيب وأنا لا أملك أدواته ولا أحيط به ولم أومر به، بل نهيت عن تقحمه والتدخل فيه ومن نازع الله في شيء من اختصاصه وشأنه عذّبه..لسنا أمام حكم دنيوي عابر بل نحن أمام حكم غيبي أخروي، والغيب خصيصة ربانية لا معرفة لنا بها إلا بواسطة ملك مقرب أو نبي مرسل: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} (الجن: 26-27)ونحن لم نتلق عن الله ولا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن أمواتنا ما يجعلنا نحكم لهم أو عليهم إلا بما هو ظاهر من حالهم من أصل دخولهم في الإيمان والإسلام وأنهم من أهل التوحيد جملة فيُرجى لهم الخير..حتى أولئك الذين تعلم أنهم أخطؤوا يومًا من الدهر فهل أنت بلا خطيئة؟ ولو لم يكن لك خطيئة فيما تزعم وتدّعي فكفى بالغرور والإعجاب والغفلة عن عيب نفسك والجرأة على أعراض الناس والتسرع في تكفيرهم أو قذفهم أو تسويغ قتلهم. كفى بهذا خطيئة وذنبا، ومن أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله مكتوبًا بين عينيه: آيس من رحمة الله.غاية الإجرام أن يقدم جاهل جريء على قتل أناس لا يعرفهم من أجل قضية سياسية تم حقنه بها، وأشد إجرامًا أن يقحم اسم الله في عدوانه ويهتف (الله أكبر)، والله بريء من الظلم والبغي والعدوان، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.إن العبد أعجز من أن يعرف من حال نفسه أو مصيره شيئا، حتى أولئك الذين شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة من العشرة المبشرين وغيرهم، كانوا أشد الناس خوفًا على أنفسهم، وأعف الناس ألسنة، وأطهرهم قلوبًا، وأزكاهم حالًا وأبعدهم عن الوقيعة، وكيف لا وقد ربّاهم وعلمهم محمد -صلى الله عليه وسلم- ألا يسبوا الأموات فيؤذوا الأحياء، وعلمهم أن يذكروا محاسن الموتى ويُثنوا عليهم بما يعلمون، لأن التعرُّض للراحلين عدوان بغير حق، وهو أذيَّة للميت وأذيَّة للحيِّ، ودناءة في الأخلاق وقسوة في القلب وغفلة عن المصير.إن ما أعلمه من نفسي ومن كثرة ذنوبي، وجراءتي وغفلتي عن الله، وتقصيري في التوبة، وتقصيري في العمل الصالح، يجعلني ألوذ برحمة الله، وأرجو فضله وثوابه أن يُلحقني بالصالحين، وأن يغفر لي ويتجاوز عني، أتوسل إليه برحمته بعباده، وفي الحديث -الذي يعرفه العلماء عادة بالحديث المسلسل بالأوَّلية- فيما يرويه عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ, ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (رواه أبو داود، والترمذي، وأحمد، والحاكم).ولا تنزع الرحمة إلا من شقي.اللهم أسألك أن تغفر لهم وترحمهم، وتسبل عليهم سترك وعفوك وجودك وكرمك، وأحسن إليهم في دنياهم وأخراهم، وأتوسَّل إليك ربّ أن تُدرجني في عبادك المرحومين المغفور لهم، وأن تجيرني والمسلمين من غضبك ومقتك وعقابك.اللهم استرني فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض وذريتي ومن أحب، ولا تسلط علينا مريض قلب، ولا سليط لسان، ولا جريئًا على حرمات الناس وأعراضهم، ولا مدعيًا غيرةً على الحق ولا غضبًا لله وهو من الجاهلين المسرفين.وأعوذ بك ربّ من ذلك الصنف من الناس الذي يحسن الظن بنفسه ويسيء الظن بالناس.الدين يا بني جاء بالرحمة، وجاء بحفظ الأعراض والدماء والأموال وسائر الضروريات، والله تعالى هو الخالق فكيف تهدم بيتًا بناه الله؟ أو كيف تتجرّأ على سترٍ أضفاه على عباده فتكشفه؟ وقد توعَّد المتجرِّئين عليه بأشد العقوبة وهي اللعن، فلعن الله من قتل نفسًا بغير حق، وكأنما قتل الناس جميعًا برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم، حتى الكفر ليس مسوِّغًا للقتل بذاته، ولذلك يُحفظ الكافر عن القتل في حالاتٍ كثيرة وإنما القتل سببه العدوان والبغي، وهذا مقرر عند كثير من أهل العلم، فكيف بالمؤمنين؟ فكيف بالغارِّين؟ فكيف بمن لا شأن لك بهم؟!أراك يا بني تطرح على الراحلين علامات استفهام، فبالله عليك بأي صفة تفعل ذلك؟! هل أنت قاضٍ تحاكمهم؟ هل أنت شاهد عليم يعلم الظاهر والباطن؟ هل علمت منهم ما علمه الخضر من الغلام؟ هل بيدك جنة أو نار فأنت تتثبت من هوياتهم وأحوالهم لتقرر مصيرهم؟ هل صفت لك نفسك واستقام أمرك وصلح حالك واتجه قلبك إلى الله فلم يبق عليك إلا أن تحاكم العباد؟ لو كان ذلك كذلك وكان قلبك على الحال الحسن لشعر بالوجل والرهبة من المصير، ولأدرك أن الخليق به أن يتجه إلى الله، طلبًا للصفح والعفو عن عباده، والتماسًا للمغفرة، وانكسارًا وذلًا على ما فرط من ذنبه، وخوفًا من سوء المصير..لِنَفْسِي أَبْكِي لَسْتُ أَبْكِي لِغَيْرِهَا *** لِنَفْسِي مِنْ نَفْسِي عَنِ النَّاسِ شَاغِلُألم تسمع قول علي رضي الله عنه: (بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ)؟ألم يدُر في بالك أن أحدًا ممن ظلمته وتجرّأت عليه سيلقاك يومًا فيعرفك ويأخذ بيدك إلى الله ويقول:-يا رب.. سل هذا فيم أساء إليّ بغير حق؟لا تظلموا الموتَى وإن طالَ المدى *** إنّي أخافُ عليكُمو أن تَلتَقوا
1159
| 06 يناير 2017
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); -أستاذي أرجو الرد أريد أن أسألك عن شيء قاهرني!-ابنتي الطيبة.. أرسلي ما لديك.-أنا صحافية أعمل في صحيفة (...) الإلكترونية، وفي خلاف دائم مع زملائي فهم معجبون بشخصية صدام حسين، ويثنون عليه ويترحّمون، بينما موقفي مختلف فقد قرأت للشيخ الراحل (...) -رحمه الله- أن صدام حسين كافر، وأن حزب البعث الذي ينتمي إليه حزب إلحادي أسسه "ميشيل عفلق" في سوريا، وأن من ينتمي إليه فليس من المسلمين، فماذا ترى؟- بنتي الكريمة أولًا هذا رجل قَدِمَ إلى ربه وغادر الحياة، وأولى بنا أن ننشغل بواقعنا المشهود وتداعيات الأزمات في العراق وغير العراق عن أن ننبش في قبور الأموات ونجعلهم محلًا للصراع والجدل والاختلاف.إن في واقعنا المشهود اليوم وحياتنا الدؤوبة من قضايا الاختلاف ما يكفينا ويغنينا عن استدعاء الأموات وإعادة محاكمتهم.وثانيًا: فإن الرجل مرَّ بأحوال وأطوار وانتقل من حاكمٍ مطلق إلى سجينٍ أعزل في قبضة أعدائه، وتعرَّض للضيق والقهر والألم، وهذه هي النار التي تصهر الإنسان وتزيل الكثير من غطرسته وكبريائه، وتعيده إلى أصله وإلى حقيقته، ولعله من خلال هذه المرحلة أثبت صبرًا وجلدًا مشهودًا والتف الحبل على عنقه دون أن ينكسر ثم نطق بالشهادة على رؤوس الأشهاد ورآه الملايين في ذلك الموقف وهو يتلفظ بالشهادتين، و« مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ »، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-.نحن لا نحاسب الرجل ولا نحاكمه ولا نحكم عليه فبعد محكمة الدنيا ثَمَّ محكمة الآخرة: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (الكهف: 49).نحن لا نحاكم الناس، وليس من حقنا أن نحاكمهم فأمرهم موكول إلى الله، ولكن من حقنا أن ندرس أفعالهم وتصرفاتهم، خاصة تلك الأفعال والتصرفات التي تركت أثرًا مدويًّا وترتب عليها تبعات واستحقاقات قد تكون أضرَّت بوطن أو بشعب أو بأمة، فإن نهاية صدام حسين لن تجعلنا ننسى أفعاله بحق الأكراد، وإن نهاية صدام حسين لن تجعلنا ننسى الروح الاستبدادية التي كان يحكم بها شعبه بالحديد والنار، وإن نهاية صدام حسين لن تجعلنا ننسى دخوله على جارته الآمنة الكويت وما ترتب على ذلك من ترويع الآمنين، وخلط الأوراق، وفتح الطريق لتدخلات خارجية لا زالت المنطقة تعاني من آثارها إلى اليوم.القدرة على التوازن والانضباط وإعطاء كل ذي حق حقه، والفرق بين ما هو شخصي وما هو عام، من أهم ما يحتاجه من نصب نفسه للحكم على شخص أو جهة أو جماعة.والحكم على الأشخاص بالكفر أمر في غاية العسر والصعوبة، فالأصل فيمن ينطق بالشهادتين أنه مسلم ولا نُخرجه من إسلامه إلا بيقين تام لا ريب فيه، وعند الشك أو التردد أو الاختلاف ينبغي أن نعود إلى الأصل، ولسنا ملزمين بأن نحكم على الناس هنا أو هنا، ولا أن ندخلهم جنة ولا نارًا بل الأَوْلى والأفضل أن ندع أمر الناس لرب الناس، وألا ندخل بين الله وبين عباده بأحكام قطعية على أفراد قَدِموا إلى الله، وعلم الله من أمرهم ما لم نعلم، فالله تعالى يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، والتسرُّع في الكفر على أحياء أو أموات بسبب موقف أو كلمة أو انتماء مما لا يحسن ولا يجمل ولا يجدر ولا يليق، ولم يكلفنا الله تعالى أن نحكم على الخلق بل يكفي أن نتجه إلى الله تعالى بعبادته ومحبته وطاعته وتجنب معاصيه ولا نُقحم أنفسنا فيما ليس لنا به علم.الحكم على البشر قد يحتاجه أهل العلم الراسخون، الذين يُرجع إليهم في الأمور إذا ترتَّب عليه نتائج، كالتوريث والولاية وغيرها من الأحكام، وهذا إنما يكون إلى القضاة، الذين كلامهم قاطع بين الحق والباطل والخطأ والصواب على الأقل في رأي الناس وفي ظاهر الأمر، فإن القضاء يحسم المختلَف فيه في الدنيا ولا يلزم أن يكون حكم القضاء أيضًا مطابقًا لما عند الله تعالى، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِى لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» (رواه البخاري ومسلم).وحزب البعث لم يعد له وجود، صحيح هو حزب قومي عربي اشتراكي له تاريخ أسود في سوريا وفي العراق، ويتحمَّل الكثير من التبعات والضَّيْر الذي أصاب الشعوب العربية في هذين البلدين وفي غيرها ولكنه أصبح مطيَّة للطائفية وأصحاب المصالح، ولم يعد لهذا الحزب وجود وانقرض ضمن ما انقرض من الأسماء والشعارات التي سادت ثم بادت يومًا في الوطن العربي.لقد مرَّ بصدام حسين فترة كادت أن تُجمع الألسنة والأقلام على ذمه وشتمه واتهامه بعد دخوله للكويت.ثم مرَّت به مرحلة أخرى بعدما دخلت أمريكا في العراق وأصبح في مواجهة غزو خارجي جعلت الكثيرين يغيرون رأيهم فيه وينصبونه رمزًا للمقاومة ومواجهة المحتل.ثم مرَّت به مرحلة أخرى بعد ظهوره من تلك الغرفة الأرضية أمام الكاميرات في العالم حيث بدأت مرحلة السجن ثم المحاكمة، وإعلان هذه المحاكمة في الفضائيات ومتابعة الملايين لها، وخلال ذلك بدأ ناس يلحظون أنه صلب المِرَاس لم ينحن أو ينكسر على رغم زوال الأبهة والسلطة والقوة والجاه من حوله، وهذا الجانب ربما جعل الكثير من الناس يتعاطفون معه على الصعيد الشخصي، ويعتبرونه رمزًا، ومن هنا ومنذ ذلك اليوم كنت ألحظ أن صوره ومقاطعه تنتشر في اليوتيوب وفي الانستجرام والحديث حوله يزيد وتلميع الكثير من الأشخاص الذين مدحوه أو أثنوا عليه أو دافعوا عنه أو احتكوا به في وسائل الإعلام والقنوات الفضائية والصحافة وغيرها، ولعل ذلك راجع لهذا السبب وهو قدرته على المواجهة والصبر وعدم الانكسار، ولسبب آخر أيضًا وهو أن الكل يدري أنه في تلك المرحلة لم يعد يُشكِّل خطرًا على أحد، ولم تعد لديه القدرة على أن يسيء لأحد، ومن طبيعة الإنسان أن يُغيّر مواقفه في مثل هذه الظروف، وهذا ليس بمعيب، فلا الأشخاص الذين نحكم عليهم خالدون مقيمون سرمديون على ما هم عليه، ولا الظروف من حولنا أو من حولهم باقية ثابتة بل هي متغيرة، ولا نحن أيضًا ثابتون، ولا أحكامنا قطعية ولا نهائية ولذلك فهي قابلة للتغيير، وقابلة أيضًا للتعديل، وقابلة للمحو.إذن أمامنا ثلاث مستويات:المستوى الأول: تغيير آرائنا في الأشخاص، بمعنى أننا قد نثني على مَنْ كنا نلوم أو نلوم مَنْ كنا نثني عليه.المستوى الثاني: التعديل، وهو ألا نُغيِّر الرأي تمامًا ولكننا نعدله ونضيف إليه ليكون أقل حماسًا -على سبيل المثال- أو أقل هجومية دون أن يتغير أصل الرأي.المستوى الثالث: هو المحو، بمعنى أن نسكت عن هذا الشخص ولا يلزم من السكوت أن نكون مُصرِّين على آرائنا السابقة حياله، ولا أن نكون قد غيَّرنا آراءنا أو عدَّلناها بل اخترنا أن نسكت لأن الظروف تغيَّرت ولسنا نعتقد أننا ملزمون بالآراء التي قلناها عنهم سابقًا، ولا ملزمون بتعديلها أو تبديلها.. فالسكوت موقف في حالات كثيرة.إن الذين يحتفلون بصور صدام حسين، ومقاطع صدام حسين، وكلمات صدام حسين وينشرونها على نطاق واسع اليوم لا يُقرون بطبيعة الحال الجرائم التي ارتكبها في حق الأكراد أو في حق العراقيين أو في حق أهل الخليج والكويت كلا، ولكنهم مشدودون إلى الجانب الإنساني والموقف الصلب الذي ظهر منه أمام الكاميرات وعلى الشاشات.إن التاجر إذا أفلس يبحث في دفاتره القديمة، وهؤلاء الشباب ربما عسر عليهم أن يجدوا بطلًا قوميًا يشيدون به فذهبوا إلى أقرب مذكور وأسبغوا عليه من جديد جلباب الصبر والعظمة، واعتبروا أن ما آل إليه العراق من بعده من تفكك وتشتت وسطوة للصفويين وسقوط في أحضان الدولة المجاورة، وحالة من الفلتان الأمني والفساد الاقتصادي والسياسي والإعلامي.. جعلت العراق في ذيل قائمة دول العالم المعروفة في الفساد، جعلهم يرون هذا كله ناتجًا عن غياب صدام حسين.والذي أراه أن هذه ليست هي الحقيقة كاملة، قد تكون هذه جزءًا من الحقيقة، وربما تكون بعض سياسات صدام حسن التي مارسها واستفرد بها هي أيضًا سبب آخر فيما جرى وفيما يجري، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة: 8)، وفي الآية الأخرى: {كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} (النساء: 135).ما أجمل أن نتحلَّى بالتوازن والهدوء والاعتدال والإنصاف حين نجد أنفسنا مضطرين إلى الحديث عن شخص حوله خلاف أو جدل، من الأحياء أو من الأموات، من السياسيين أو العلماء أو المشاهير.. فإن الإنصاف عزيز، وكثير من الناس إما أن ينحاز له أو ينحاز عليه، أما أن يُمسك بالميزان باعتدال ويدع الكفة والكفة الأخرى تحاكم الشخص بعيدًا عن أن يضع إبهامه على طرف إحداهما فهذا أمر في غاية الندرة.اللهم ألهمنا رشدنا، وارزقنا العدل والإنصاف وتحقيق ما قاله عمار -رضي الله عنه-: (ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ)، والحمد لله رب العالمين.
1360
| 30 ديسمبر 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); لا يتعلَّم النَّسْر كيف يطير إلا بعد ما تقوم أمه بحفزه على القفز، ليحصل على الطعام الذي أعدَّته له، فيضطر إلى أن يفرد ريشه ويحاول أن يطير، وهي في حال استعداد لإسعافه إذا سقط..هكذا هي الحياة والتحديات تجعلنا نفرد أجنحتنا ونتعوَّد على التحليق!الأزمة مصاحبة للحياة منذُ كان الإنسان تمثالًا مسجَّى على الأرض، منذ كان أجوف تصفر الريح داخله، محتاجًا إلى الطعام والشراب والشهوة، منذُ وصلت الروح إلى خياشيمه فعطس، منذُ اقترب من الشجرة وتردَّد ثم أقدم، منذُ بدت له سَوْءته، منذُ سمع العتاب الإلهي، منذُ وطئت قدمه الأرض..السمو والنظر البعيد يجعلك ترى الأشياء بصورة أفضل.. ترى وجهها الجميل!هل نظرت إلى السماء وهي ملبَّدة بالغبار الأسود الكثيف؟ إن راكب الطائرة لا يراها كذلك بل يجدها ناصعة الصفاء.وربما أراد بك عدوك شرًّا، وأراد الله لك بهذا الشر خيرًا، وإرادة الله غالبة لا معقِّب لحكمه، ولا رادَّ لقضائه، ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.حياتنا مقرونة بقدْرٍ من القلق الإيجابي المثير، الذي كان وراء الكثير من نجاحات الحياة العظيمة.كثيرون ألفوا وضعًا عاديًّا لا يحبون الخروج منه، فيريد الله أن يخرجهم إلى ما هو أفضل بواسطة أزمة عابرة تنتزعهم من الإذعان لذلك الواقع المنقوص..والألم الذي تُحدثه الأزمة يُظهر أجمل ما في النفس من معاني الإيمان، والحب، والمعرفة، والتواضع، والطِّيبة، والإيثار، والنقاء، والبناء..هذا ما حدث لآدم وزوجه بعد الأكل من الشجرة، كانت أزمة، سبقها تردد، وصاحبها جرأة، وأعقبها ندم.كيف يمكن لخاطئ متأسِّف أن يحافظ على نقطة التوازن ما بين نسيان مفرط يدعو إلى تكرار الخطأ، وما بين استحضار مفرط يدعو إلى اليأس ويعوق عن الانطلاق؟قبل طلوع الفجر تشتدّ الظُّلمة وتعصف الرِّيح..في الأرض والنفس كنوز مخبَّأة لا يمكن الوصول إليها إلا عبر أقبية الظلام.كثير من الزهور الجميلة والنباتات لا تنمو إلا في الظلام.في الظلام نتعلَّم كيف نثق باليد التي تمسكنا دون أن نراها.. يد الله!وقبل الولادة مخاوف وبكاء ومخاض ولكن النتيجة رائعة.. وجه كالقمر.. وعينان كغابتي نخيل!عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ *** أو شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْفي الأرض عاشا معًا مخاض الولادات المتنوعة لتجارب جمَّة، وكانت صلتهما الوثيقة سببًا في النجاح وبناء الأسرة الإنسانية.الإيمان بالله يشحن النفس بالثقة والأمل، ويجعل من الأزمات والضيقات مجالات خصبة للنمو، والبركة، والتجربة، والإبداع.الأمل الإيجابي هو سحر الحياة وروحها..تستطيع أن تعيش أربعين يومًا بلا طعام.وثلاثة أيام بلا ماء.وثماني دقائق بلا هواء.ولا تستطيع أن تعيش ثانية واحدة حين تفقد الأمل.. حين يستبدَّ بك اليأس!الآلام تسوقنا إلى الله، وتذكِّرنا بالطريق، وتُلهمنا الذكر والتسبيح.بمقدورك أن تصبح أقوى من ألمك ليس بأن تتحمَّله فحسب، ولا بأن تحوِّله إلى وسيلة للتفوق والبناء فحسب، ولكن بأن تفيض من روحك على البائسين والمحرومين والمعذَّبين.كثيرون يظنون أن قربهم من الله يحرمهم اللَّذة، والمتعة، وجمال الحياة.. والحق أن الإيمان بالله يُضاعف المتعة والبهجة، ويصنع سورًا منيعًا ضد الإحباط والقنوط.ما نعمله ندفع ثمنه ولا بد، الخير والبر ندفع ثمنه قبل الفعل، والخطأ والإثم ندفع ثمنه بعد الاقتراف، والذي جبل آدم على إمكان الخطأ غرس فيه الحنين إلى التوبة.الأكل من الشجرة المحرَّمة قصة بدأت مع آدم وهي تتكرر في حياتنا، ولكن لا يجب أن نفهم الأزمة على أنها عقاب محض.. هي تطهير ورفعة منزلة، وحماية من خطر قادم.لو كنت أكثر قوة مما أنت، أو أكثر جمالًا، أو شبابًا، أو مالًا، أو نفوذًا.. لربما صدر منك ما تعيبه على غيرك!متى نعود إلى الله؟ الابن الشارد يعود إلى المنزل حينما يمرض، أو يفقد ثروته، أو يتحطَّم.. ولله المثل الأعلى.الفلاح يذرو الحَبّ في الهواء، لتطير النخالة وتبقى الحنطة الصافية، وهكذا هي رياح المحنة تذهب رديئك وتبقي طيبك!هل تقول إنك سَيِّئ الحظ؟كلا، فرُبَّ مُقعَد، أو أعمى، أو ضعيف، أو فقير.. كانوا أكثر سعادة، وأعظم تأثيرًا من الملوك، والأغنياء، والأصحاء.ليست الحياة حديقة زهور ولا حقل أشواك، ولكنها يمكن أن تكون كذلك إذا كنت مصرًّا على أن تفهمها هكذا.أنت تثق بالمعلم، والطبيب، وقائد المركبة، والرسَّام الماهر، وصانع الفيلم.. فكيف لا تثق بالله الرحيم، الحكيم، اللطيف، الخبير؟!وإذا لم تفهم عقدة القصة أو سر اللوحة فأعد التأمل واستعن بخبير!وإن بنيت علاقتك مع الله على المصلحة العاجلة فحسب فقد بنيت منزلك على رمال متحركة!كيف تعاملت مع الأزمة؟* هل كنت ممن يحتفظ بها، ويغلق الباب على نفسه، ويستسلم للعواصف، ويجترّ الآلام ثم يتحوَّل إلى الشرود، والإهمال، والتذبذب، والأمراض النفسية، والروحية؟* أم كنت ممن يتمرَّد على الأزمة، فيتمرَّد على قيمه الإيمانية، والروحية، والاجتماعية.. ويتحوَّل إلى العنف، والقسوة، ومحاولة الانتقام من المجتمع؟* أم حاولت الهروب من الأزمة وتجنب التفكير فيها وعدم مواجهتها، وربما قتلت وقتك بالترفيه السلبي واللَّهو والإدمان؟* أم أنت من ذلك الصنف الواعي، القادر على مواجهة الأزمة بصبر وإيمان وخبرة بالحياة، وعقل منفتح على الخيارات، وروح هادئة تدري أن الحزن مقدمة السرور، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا؟مفتاح الحل بيدك.. أن تنظر إلى الأمام.. إلى الممكن والمقدور، وتتكيَّف مع المتغيِّر سريعًا ودون إبطاء، ولا تطل الالتفات إلى الخلف إلا بقدر ما يتطلبه الوفاء والاعتبار، وإياك أن تكون كالشريف إذ يقول:وَتَلَفَّتَت عَيْني فَمُذ خَفِيَتْ *** عَنْهَا الطُّلُولُ تَلَفَّتَ القَلْبُ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾.
666
| 23 ديسمبر 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); قال لي صاحبي: أما ترانا كل يوم نفقد عزيزًا، ونخسر أرضًا، وننسحب من موقع، ونفاجأ بكارثة؟قلت: بلى.قال: ما الخطب؟ ولمَ؟ وإلى متى؟ وما المخرَج؟ وأين المفرّ؟ قلت: لا مفرّ من الله إلا إليه، ولا حول ولا قوة إلا به.قال: ها نحن ندعوه ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا فلا يستجاب لنا! قلت: إنه لا يخلف الميعاد، والدعاء أحد الأسباب الشرعية، ومعه أسباب شرعية أخرى، كالعدل، والإحسان، ورد المظالم، وحسن التعبُّد، والتوكل..وثمَّ أسباب طبيعية كونية وضعها الله نواميس تجري بها العادة، وهي سنن محكمة قائمة لا تكاد تتخلَّف. كما الشمس في مطلعها ومغيبها، والقمر، والنجوم، وقوانين الذرّة، والمجرّة، والفيزياء، والكيمياء، وما بثّ الله في الكون من أحياء ودواب تجرى كلها وفق ناموس واضح محكم، في أكلها، وشربها، وتزاوجها، وصحتها، ومرضها، وكثرتها، ونفوقها، وتنوعها.. أفترى شيئًا من ذلك عبثًا لا نظام له؟قال: لا، وربي! قلت: وهل جعل الله هذا الناموس متفاوتًا بين عباده في الدار الدنيا، فهو يجري بطريقة ما على الكافر، ويجري بطريقة أخرى على المؤمن؟ قال: كلا، هو ناموس واحد مطّرد يجري على العباد كلهم، ورحمته وحكمته اقتضت أن يكونوا أمام قانون الدنيا والكون سواسية..قلت: فلماذا نحن في كل مرة نواجه أزمة تندرج ضمن هذه النواميس، نستغيث بلهجة من يريد من ربه خرق الناموس، وإحداث المفاجأة، وإجراء النتيجة التي لا تنسجم مع المقدِّمات والأسباب؟كيف نتعلّم إذا كان منا من يقول كما قالت بنو إسرائيل: {نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}(المائدة: 18)؟ نعم، هو لا ينطقها بلسان المقال بل بلسان الحال. ويعتبر نفسه كالابن المدلل، الذي يفعل ما يشاء، ولا يُؤاخذ، ولا يُعاتب، ولا يُعاقب، ولا تجري عليه القوانين، التي تجري على بقية الشعب!أليس نقرأ في كتاب ربنا: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}(النساء: 124،123)؟أليس قد قال الله لأهل الكتاب: {بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء}(المائدة: 18)؟أليس يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا)؟ (رواه مسلم).أليس يقول حذيفة بن اليمان: (نِعم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لهم كل مُرة ولكم كل حُلوة، فلا والله لتسلكن طريقهم قِدَّ الشراك)؟ (رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه). كيف سنصحح تفكيرنا المعوج وطريقنا المائل إذا كانت الأمور تطاوعنا وتجري لنا كما نشتهي، ونحن ممعنون في الغلط، غافلون عن التصويب والتسديد، غارقون في مألوفاتنا وما وجدنا عليه آباءنا؟قال لي صاحبي: صدقت.. ولكن ما قيمة الدعاء إذن؟ ولماذا يحركنا الدعاة والوعاظ إليه ليل نهار كلما ألمَّت ملمّة أو وقعت كارثة؟ قلت: الدعاء عبادة، وهو مناجاة وصلاة وقرب من الله، يربّي على الصبر واحتساب الأجر، ويقوّي العزيمة على الطريق، ويرفع الهمة، ويعزز المقاومة، ويصنع التحفيز، ويفتح باب الأمل في حالات ومواقف شخصية، وأزمات نفسية وصحية وخاصة وعامة، ويهدئ النفس، ويريح الخاطر..ولو لم يكن من بركته إلا أنه يمنح طاقة عظيمة على انتظار الفرج ولو بعد حين أو جيل أو أجيال، ويحمي النفوس من سطوة الكآبة والحزن، والهمّ والغم، واليأس والقنوط والاستسلام.. لكان ذلك كافيًا.الدعاء يمنح اللطف في الأزمات، ولذا كان بعض الصالحين يقول: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه!ويا ليت أن صيغ الدعاء تكون ملهمة ومحفزة على التدارك والتصويب والبحث عن أسباب الهزيمة في داخلنا كما كان أحدهم يقول:اللهم بصِّرنا بمواطن الضعف في نفوسنا!قال صاحبي: وهل ورد مثل هذا عن سيد المتعبِّدين؟قلت: نعم. كان أول ما يقول في دعائه وخطابه: «وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا» (مسلم، وأحمد عن ابن عباس). وكان يقول: «أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ» (أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم عن أبي هريرة). وكان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي وَمِنْ شَرِّ فَرْجِي» أو كما قال -صلى الله عليه وسلم- (رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم).
1630
| 16 ديسمبر 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); كنتُ وأنا صغير أشعر بتلك المسافة الهائلة وكومة السنوات المترامية بيني وبين آدم عليه السلام، لدرجة الشعور بشيء من الانفصال عن أُبُوَّتِه..كان هناك في البعد قصيًّا؛ معرفةً ووجدانًا وشوقًا، ليس في ذاكرتي منه سوى الخطيئة والهبوط، وليس في قلبي له سوى عتب هامس: لمَ أخرجتنا من الجنة..؟! كان بالإمكان أن نكون هناك.. أن نقطف من الجنة ما نشاء.. ألَّا نودِّع حبيبًا، ولا نلوِّح لراحل، ولا نقيم مجالس العزاء.. كان بالإمكان أَلَّا تكون تلك الحروب، وأَلَّا يموت رضيع في حضن والدته، ولا يلقي البحرُ بجثة... ولا أن يسقط البناء على طفل ليخنق صوته وبكاءه.. كان بالإمكان أَلَّا تبكي فتاة على خيانة، ولا فقير على فقر، ولا مريض على وجع، ولا مشرَّدٌ على قطعة كرتون.. كان بالإمكان... أن نكون هناك فلا نجوع فيها ولا نعرى، ولا نظمأ فيها ولا نضحى.. كما كان هو ذات يوم.. لو أن آدم لم يقترب أكثر من الشجرة.. لو أن آدم كان صلبًا أمام وسوسة عدوِّه.. لو أن آدم أخذ بيد حواء إلى الطريق الآخر.. مع كل إحباط ووجع ألقي اللَّوم خلف كومة السنوات تلك في جَعْبة آدم... مرة ألقيتُها فوجدتُها ممتلئة بعتب العالم كلِّه، وهذا ما جعلني أصعد تلك السنوات لأرى.. لأقترب أكثر.. لأصل إليه.. اقتربتُ ولم أصل، طُفْتُ من بعيد حول شجرته، رأيتُ روحه وبقاياه، أرضه التي هبط إليها، صغاره وزوجه.. آثار أقدام الخطيئة التي علقت في الأرض.. اقتربتُ أكثر فكان أبي.. شعرتُ بتلك المظلومية المكوَّمة فوق قبرك يا أبي، كنتُ عاجزًا عن الدفاع حينها.. كتبوا عنك، بحثوا عن ملامحك، عواطفك، جنتك، زوجك، صغارك، حتى الغراب الذي بحث حول جثة ولدك.. تَجاوَزَتْ قصتُك الكتب الإلهية إلى الألواح السومرية والأساطير البابلية والمخيال الشعبي، وكثرت وتشعَّبت حتى ضمرت وتضاءل الإحساس بها.. أما أنا فلا زلتُ أقترب حتى طُفْتُ بالجنة معك، وصافحتُك، ورأيتُ أمي حواء، واقتربتُ من شجرة الخطيئة، وهبطتُ معكما، وطُفْتُ الأرض خلفكما، وتترَّستُ خائفًا خلف صخرة أرقب ولديك والغراب.. اقتربتُ أكثر فرأيتُ عينين ما انطفأتا عن البكاء والندم، ورأيتُ يدين ما كلَّتا عن عمارة الأرض، ورأيتُ رضًى بما قُدِّر لك، ورأيتُ كم كنتَ تحنّ لأطفال لم يأتوا بعد... ربما رأيتني يا أبي هناك بين الملايين الذي شهدوا لله بالوحدانية حين أخذ الله ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. أكتب اليوم هذا الكتاب عنك بشعور الصغير لأبيه.. العائد إليه.. أستقرئك كلمات عذبة نزلت على خير أبنائك محمد صلى الله عليه وسلم، وأخبارًا كان يتحدَّث بها عنك، حديث الابن المحب لأبيه.. كانت هُوّة السنوات بيننا عظيمة.. ما أقصر السنوات بين الأب وابنه.. كانت السنوات وكنتَ أبي..
595
| 09 ديسمبر 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); هذه القصة تكشف عن ذلك: فقد سأل موسى ربَّه: «يَا رَبِّ، أَرِنَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ. فَأَرَاهُ اللهُ آدَمَ، فَقَالَ: أَنْتَ أَبُونَا آدَمُ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمُ: نَعَمْ. قَالَ: أَنْتَ الَّذِي نَفَخَ اللهُ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَعَلَّمَكَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمُ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: أَنْتَ نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي كَلَّمَكَ اللهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولًا مِنْ خَلْقِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَمَا وَجَدْتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي كِتَابِ اللهِ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فِيمَ تَلُومُنِي فِي شَيْءٍ سَبَقَ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِيهِ الْقَضَاءُ قَبْلِي؟ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» (أخرجه البخاري (3409، 6614)، ومسلم (2652) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه). كانت حجة آدم أغلب وأقوى. ولعل قوة الحجة التي قالها آدم مبنية على: 1- أن الكلام كان في أمرٍ مضى وانقضى، ولا سبيل إلى رده، فهي مصيبة وقعت وليس أمام العبد إلا أن يرضى ويسلِّم: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. 2- أنه ذنب قد تاب منه آدم وأناب وقبل الله توبته، فلا سبيل إلى معاتبته أو توبيخه، وهو بعد التوبة خير منه قبل الذنب، و«عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَه»، وهذا يكون في المصائب، ويكون في الذنوب لمَن تاب منها. وقد وعد الله مَن صدقت توبته بأن يبدِّل سيئاته حسنات: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. 3- أن الخروج من الجنة وقع لآدم وحواء فحسب، أما موسى وسائر ذرية آدم فلم يكونوا في الجنة أصلًا. 4- أن هبوط آدم إلى الأرض هو المقصود من خلقه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وليس عقابًا محضًا، إنما هو سبب مكتوب، والإهباط إلى الأرض والاستخلاف هو من صنع الله وقدره، وله الحكمة في ذلك. الإنسان مسؤول عن أعماله الإرادية الاختيارية، والظروف والبيئة والجينات وسائر المؤثرات لها اعتبار في تعاظم المسؤولية، ولا تلغي التبعة الدنيوية القانونية ولا الأخروية المترتبة على تصرفاته. ماذا يعني القدر؟ 1- علم الله الذي ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. فلا مفاجآت، كل دقيق وجليل يمضي وفق العلم الإلهي الشامل المحيط، تستوي في ذلك حركات الأفلاك وتموجات البحار واهتزازات الهواء ونبضات القلوب ومشاعر النفوس وحركات الجوارح. 2- الإذن الإلهي، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ﴾، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾، ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وورد هذا في (26) موضعًا من القرآن الكريم. الإذن يعني علم الله بما سيحدث، وقدرته على منعه، ومع ذلك يدع العبد يواجه مسؤوليته وخياراته ويتحمل تبعاتها. وحين سأل الصحابة رضي الله عنهم عن القدر المكتوب قال صلى الله عليه وسلم: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» أخرجه البخاري (4949)، ومسلم (2647) من حديث عليٍّ رضي الله عنه. هذا يعني أن ما هو مكتوب ليس اعتباطًا ولا تعسفًا ولا جبرية، هو انسجام مع إرادة الإنسان واختياره؛ ولذا قرأ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) سَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) ﴾. القدر لا يفرض على الإنسان أن يفعل ما لا يريد، ولا أن يترك ما يريد، القدر هو الذي يكشف ما ينويه الإنسان وما يريده. القدر لا يقهر إرادة العبد، ولا يصادر حريته في الوجهة التي يختارها، المخلوق يحس بأنه كائن مختار، ويتردَّد، ويفكِّر، ثم يحجم أو يقدم، ثَمَّ فرق واضح بين مَن يختار الهبوط من سطح المنزل فيبحث عن الدرج أو المصعد ويستخدمه، وبين آخر قامت مجموعة بحمله قهرًا غير عابئةٍ بصياحه ثم رمته أرضًا! ولو شاء الله لجبر الناس على الخير: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾؟ في قدرة الله أن يجعل آدم مَلَاكًا لا تخطر في باله الشهوة ولا يهم بها، أن تكون المعصية مفردة خارج عالمه، دأبه التسبيح والتقديس، مشيئته سبحانه أن يخلق نَمَطًا آخر غير الملائكة بطبيعة مزدوجة قابلة للخير والشر، مالكة لزمام أمرها. 3- ثُم أن يكون ما علمه الله وأذن به مكتوب عنده في اللوح المحفوظ الذي لا يحيط بجملته وتفصيله إلا هو سبحانه، وهو القضاء الأزلي الإلهي المبرم الذي لا يطرأ عليه تغيير ولا تبديل البتة، وهو ما يعبَّر عنه في القرآن بأم الكتاب، كما في قوله: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. ولعل المعنى: أن الصحف التي تكتبها الملائكة قد يطرأ عليها تغيير أو تبديل بسبب ما، كالدعاء مثلًا، فإنه «لا يرد القضاء إلا الدعاء»، وكصلة الرحم، فإنها «تزيد في العمر». قال ابن تيمية: «إن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب..» «مجموع الفتاوى» (14/490- 491). يقول بعضهم عند وقوع ما يكره: هذا مكتوب. ويختلط عنده معنى المكتوب بالمجبور، ولا تلازم بين الكلمتين، فالمكتوب معلومٌ مدوَّن، وليس قسرًا ولا إجبارًا. 4 - ثم الله خالق كل شيء: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، فلا خالق على الحقيقة سواه، وهو خالق العباد، وأفعال العباد. ثَمَّ مقدارٌ من البحث في أمر القَدَر الإلهي لا يحيط به إلا الله، ولا سبيل للعباد إلى كشف كُنهه، ولذا يُذم الخوض المتجاوز للحد في القدر. المفهوم الإيجابي للقدر أنه يمنحنا الشجاعة والقوة في مواجهة الأزمات والمصائب، ويعيننا أن نعمل وفق طبيعتنا بحماس وأمل، مع وجود الجاهزية لقبول النتائج العكسية. أنه يهدِّئ من مخاوفنا تجاه المستقبل، فالله خَيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين. أنه يسكب في قلوبنا الصبر والرضا حين نكون أمام واقع مؤلم محتوم لا مفر لنا منه. القدر هو الرضا والتسليم والإيمان بأننا نصنع أقدارنا بإذن الله، كما قال عمر رضي الله عنه: «نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ» أخرجه البخاري (5729)، ومسلم (2219). والله يحب المؤمن القوي الحريص غير العاجز، والذي إذا وقع القدر على خلاف ما يريد لم يشغل نفسه بـ(لو)، ولكن يقول: قَدَّر الله وما شاء فعل. نريد من الله تدخلًا مباشرًا يقلب الموازين ويغيِّر اتجاه القضايا ونتائجها، ويريد آخرون من خلق الله عكس ما نريد، ويدعون بضد ما ندعو، ونعجل ويعجلون، والله لا يعجل، ولا يغيِّر سنته وناموسه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾.
2452
| 25 نوفمبر 2016
مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...
4938
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...
4746
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...
1602
| 13 مايو 2026
قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...
1113
| 13 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...
1038
| 11 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...
1005
| 14 مايو 2026
في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...
717
| 13 مايو 2026
إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...
714
| 14 مايو 2026
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...
678
| 12 مايو 2026
يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...
651
| 13 مايو 2026
أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...
603
| 11 مايو 2026
في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائما في...
558
| 12 مايو 2026
مساحة إعلانية