رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); {فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ} (12،11:الرحمن).هل هذا وصف الجنة التي وعد المتقون؟كلابل هو وصف الأرض التي اختارها الله لنا لنسكنها، واختارنا لها لنعمرها.ليست أرضنا ملعونة بسبب الخطيئة أو وجود الشياطين فيها؛ كما تزعم بعض الروايات والكتب السابقة، بل هي مقدّسة كلها خصوصا البقاع الطاهرة المختارة المخصصة للتعبُّد..وهي كلها مسجد وطهور: « وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ».يروى أن آدم لم يقطع شجرة قط.. فما بالنا نمضي سراعاً للقضاء على الغابات، وعلى الخضرة، وعلى الجمال الفطري؛ لنحول كوكبنا إلى ورشة أو مصنع أو كتل من الخرسانة الجاهزة؟تحريم قطع الشجر والصيد بمكة ثابت بالوحي المنزل، والكعبة جعلها الله قياماً للناس وضماناً لبقائهم ووجودهم، وهو يوحي بأن الإذن للبشر بذلك في غير المسجد الحرام هو بسبب الحاجة، فما كان من ذلك على سبيل الإسراف والتبذير والهدر فهو مذموم.كيف أقاوم رغبتي برؤية النيران تتلهب أمامي وتتعالى ألسنتها في ليلٍ مظلم أو برد قارس أو سفر بعيد؟كم عدد البشر الذين عاشوا على الأرض منذ آدم؟يقال بأنهم أكثر من مائة مليار إنسان، والله أعلم بذلك.والله أعلم كم عدد الذين سيرثون الأرض من بعدنا إلى حين خرابها وقيام الأشهاد..الأرض وضعت لنا ولهم جميعاً ولم يؤذن لنا باحتكارها أو إفسادها أو تفريغها من خيراتها أو التسبب في احتباسها الحراري.. {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} (41:الروم).ومما فسرت به الآية أن الفساد: قلة الأمطار، وغلاء الأسعار، وكثرة الحروب..من الفساد هذا التفاوت العظيم بين شركاء الوجود من ذرية آدم واستيلاء (الشمال) على خيرات الأرض، وتخريب العمران، وقتل السكان باسم (الاستعمار)!في المدينة الواحدة أحياء فخمة راقية مغلقة، وأخرى عشوائية أو غرف ضيقة من الصفيح، تركت للجريمة والفقر وفقدان الكرامة وضياع الحلم، فلا تعليم ولا صحة ولا ترفيه..بين هؤلاء الجياع عباقرة وعظماء ومبدعون ومدافعون أشاوس، ولسان حالهم يقول: (العبدُ لاَ يُحْسِنُ الكَرّ، وإنما يُحْسِنُ الحلاب والصَّرّ!)، وهم يحتاجون لمن يقول: (كر.. وأنت حر!).الأرض كل الأرض لنا، لنا وحدنا..انتقلوا فيها، وامشوا في مناكبها، واضربوا طولاً وعرضاً، حيث شئتم رغداً!لماذا إذن أوجدنا جدار برلين الشهير وقسمنا المدينة الواحدة والمجموعة الواحدة لعشرات السنين؟لماذا أقمنا نحن البشر السور الحديدي؛ الذي حرم مئات الملايين في روسيا من الضرب في الأرض وقيّد حريتهم؟لماذا سكتنا على الجدار العازل الذي قسم الأسرة الفلسطينية الواحدة وحرم على أفرادها أن يروا بعضهم وأن يعيشوا بسلام؟لماذا صنعنا التعقيدات في السفر والتنقل والترحال، وعوقنا اتصال البشر بعضهم ببعض، (إلا ما كان تنظيماً تقتضيه المصلحة الظاهرة أو الضرورة القاهرة)؟كلاالأرض ليست لنا وحدنا!لنا شركاء فيها من (ذوات الأرواح)؛ التي تتحرك وتحس مثلنا، وتحيا وتموت، وتنتظمها معنا بعض الأحكام الفقهية والتشريعات الربّانية. حين هبط آدم كانت الطيور والحيوانات والديناصورات -والله أعلم- قد سبقته إلى الأرض، وقد عرفها وعرف أسماءها وتعامل معها وفق توجيه الله له، وعرف تحريم إيذائها أو التحريش بينها أو استهدافها لغير حاجة.ومن بعده عاتب الله أحد أنبيائه على قتل النمل بوحي من السماء!وجعل في شريعة خاتم الرسل أن المرء قد يدخل الجنة في كلب سقاه، أو يدخل النار في هرٍ حبسه!كيف يمكنني تغيير مشاعري الجامدة نحو الأرض التي أسكنها؟كما أحب بيتي وسكني الخاص كيف لي أن أحب أرضي؟«أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ».شعور دفءٍ وحميميةٍ حتى مع الصخر!كان عمر يُقَبِّل الحجر الأسود ويخاطبه فيقول:(إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَ -صلى الله عليه وسلم- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ).كيف نضفي شيئاً من الروح والوجدان حتى على الموات؟كيف نستطيع ألا نشعر بوحشة الليل المظلم والريح البارد الصرصر فيه؟أو لا نشعر بوحشة السفر والاغتراب؟كنت ذات حين في بلد غربةٍ ونزل المطر ففرحت به وكشفت عن رأسي له؛ لأنه (حديث عهدٍ بربه)، كما يقول المصطفى، وصرت أردد:أُمطرنا بفضل الله ورحمته..وأطلب المزيدوصاحبي يقول: كيف تستغيث وتستمطر لقوم كافرين!قلت له: هذا رزق الله لعباده برهم وفاجرهم في الحياة الدنيا..وركبنا القطار فداعبت طفلاً إلى جواري، وبادرت صاحبي قائلاً:هذا في عمر الموءودة؛ التي يحضر الله وائدها -ولو كان والدها- على رؤوس الخلائق ليوبخه ويحاسبه على جريمته.وحاشا كرمه ورحمته أن يحاسب والدها على قتل لم يستغرق دقائق ثم يضعها في النار لأبد الآبدين، ولعلها من أهل الجنة كما ذهب إليه جماعة من الصحابة والسلف..أينما كنت تذكّر أنك في مملكتك، وأن من حولك يمتّون إليك بسبب ونسب، فبادر بالوصل، والابتسامة، والكلمة الطيبة، والعمل الطوعي، والإحسان ولو بالقليل؛ كما فعل موسى حين ورد ماء مدين.ولا تحجب عنهم هدى دلّك الله عليه، وخيراً أرشدك إليه، فوالله لأن يهدي الله بك أحداً لهو خير لك من الدنيا وما فيها، ومن أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً.
839
| 11 مارس 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); خبر عابر في السنة النبوية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سابق عائشة؛ فسبقته مرة.. وسبقها أخرى..كان ذلك في غزو، والغزو محفوف بالمخاطر، ويقع فيه القتل.آدم بعد الأكل من الشجرة والهبوط من الجنة استمتع بالحياة وعاشر وأنجب، وضرب في الأرض، وضحك وبكى..إبراهيم خرج من النار فضرب في الأرض طولاً وعرضاً، وسافر بامرأته -وكانت صالحة جميلة - إلى مصر والبلد الحرام، وتسرَّى من هاجر أم إسماعيل، وكان ينتاب أهله، ويختلس وقت الفسحة ليزور ولده ويطمئن على وضعه الأسري، ويقدم له النصائح الحكيمة..يوسف خرج من الجُبِّ، وفارق الأهل وتغرَّب، وتعرَّض للضغوط الكبيرة داخل القصر، واتُهِمَ ظلماً وسُجن دون محاكمة، وتكيَّف مع هذه الأزمات، وظل محتفظاً بهدوئه وسكينته وابتسامته وخلقه الجميل؛ قادراً على توظيف المواقف لصالح رسالته، ولم تتوقف عنده عجلة العمل والإحسان، ولم ينس اقتناص لحظات الفرح والسرور كلما سنحت.انقلبت حياة موسى رأساً على عقب بعدما غادر مصر غريباً؛ تاركاً أماً مشفقة، وأخاً محباً، وأختاً ملتاعة، وشعباً مضطهداً يبحث عن قائدٍ أو منقذ.وما ضاق وقته ولا تكدَّرت نفسيته عن أن يؤدي عملاً طوعياً لبنات لا يعرفهن، وفي بلدٍ لم تطأْه قدمه من قبل.ولم يجد غضاضة أن يمضي عشر سنين من عمره المبارك يكدح من أجل مهر الزوجية.اليوم تمر الشعوب العربية بتحولات خطيرة وأوضاع صعبة وتدخُّلات خارجية ومشكلات داخلية، وحالات تحريك لمجموعات تعد بالملايين من العرب والسنة خاصة من مواقعهم التاريخية في العراق وسوريا؛ ليتحولوا إلى مهاجرين غرباء لا يدرون متى يأذن الله لهم بالعودة إلى ديارهم.ويتفشَّى القتل والجرأة على الدماء المعصومة في عالم كنا نظنه تجاوز هذا، وأمام وسائل الإعلام؛ التي توثق ألوان الجرائم، وتوزعها حول العالم دون اكتراث.وتعيش الأمة مرحلة انسداد سياسي، وتراجع اقتصادي، وهزيمة نفسية.ويعيش الشباب حالة صدمة من القدوات والرموز، وعجز عن تفسير المواقف.وأخطر ما أجده اليوم هو غياب الحلم بالتغيير الإيجابي أو حتى الحياة الكريمة.وجدت الكثير من أبنائنا على شفير الشك بكل شيء، حتى بالقيم والمبادئ التي تعلموها ونشأوا عليها منذ ولادتهم.أجيال فقدت الثقة بمن حولها وما حولها!أقل ما يمكن تقديمه هو القرب من هؤلاء الشباب فهم ثروة الأمة ورصيدها ومستقبلها، والاستماع لأنينهم، والإنصات لنقدهم، ومنحهم الحب والأمان والاحتواء.تبصيرهم بأن حياة الأمم والأفراد منذ فجر التاريخ تمر بمنعطفات ومآزق وآلام..وأن الحل لا يكون باندفاعات متسرّعة؛ تزيد المعاناة، وتفاقم اليأس، وتعطي ذريعة لتدخّل الأعداء، وتفرّق الأصدقاء.الأزمة طويلة ومديدة ولا تنحل في يوم وليلة، ولا يصلح أن نعيش نفسية المأزوم؛ الذي عطَّل فرص الحياة ومجالاتها وإيجابياتها وجمالياتها.. كلا.هذا الهدي النبوي الحكيم هو الوصفة الصحية الجميلة لنفسياتنا؛ التي انغمست في القلق والتوتر بسبب الأحداث من حولنا، وبسبب شعورنا بالعجز عن تغيير مسارها..جزء من الحل هو أن ننفك عن شعور الأزمة وحالة الأزمة ونفسية الأزمة، وأن نوقن أن للكون رباً يدبره، وهو أحكم وأعلم وأرحم {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} (104:هود)، ونحن نعجل والله لا يعجل!جزء من الحل أن تقرأ اللُّطف في الضَّعْف، فها هي تركيا تستقبل الملايين من مهاجري العراق وسوريا بالترحاب والأريحية والإخاء، ويرفضون تسميتهم باللاجئين بل هم المهاجرون!وكنت أظن الأمر قراراً حكومياً فإذا بي أجد الشعب التركي شريكاً أساسياً في الترحيب بالمهاجرين، ومؤيداً لاستيعابهم واحتضانهم.. وتركيا نفسها نموذج للقوة التي تحوّلت إلى ضعف، وللضعف الذي بدأ يستعيد عافيته بعد معاناة وصبر طويل.ويسأل المؤمن في حسرةٍأما لهذا الليل من آخر؟من يبتغي نصراً بلا خطةٍفما له في الأرض من ناصر{حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} (214:البقرة).
1351
| 04 مارس 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); مضى زمن كنا نسمع فيه وصف التوجه السياسي لشخص ما فيقال:هو تَقَدُّمي أو رَجْعِي (وهذه صارت قديمة.. لأنها حكم على الآخر بالنظر إلى موقفك أنت منه).أو يميني ويساري، وهذه قسمة من زمن الثورة الفرنسية، حيث كان أهل الجانب الأيمن مؤيدين للملكية بخلاف الضفة الأخرى.أياً ما كان فهي جهات أربع توعَّد الشيطان بني آدم بإتيانهم منها.{ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (17:الأعراف).(مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ)، بالتسويف، والأمل الكاذب، والغفلة، والإحالة إلى المستقبل.(وَمِنْ خَلْفِهِمْ)، باستحضار الماضي وإشغالهم به، وتزيين ما وقع فيه من الغيِّ، والدعوة لتكراره، والتعلق بالأموال والأولاد، وكم من الناس يعوقهم الالتفات الدائم إلى الماضي وعثراته وأخطائه ومشكلاته عن الانطلاق والنجاح!(وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ)، بالإعجاب بالنفس والعمل، والرياء، وتبغيض الطاعات إليهم، وتشجيعهم على استثقال الصلوات والخلوات والأذكار.(وَعَن شَمَآئِلِهِمْ)، بالمعاصي والإغراء بها، وتحسينها وتزيينها.ولذا كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي » (رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم).هذا التوعُّد قاله إبليس لربه انتقاماً من آدم حيث أدرك أنه سيكون له ذرية تهيمن على الأرض وتخلف فيها، فهو وعيد بالثأر من الهزيمة التي حاقت به وبمجموعته!لم يتوعَّد إبليس آدم شخصياً في هذا الموضع، لأن آدم قد تاب وأناب وتلقَّن الدرس جيداً!كان الوعيد للذرية:{أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً} (62:الإسراء).الاحتناك: وضع اللجام في حنك الدابة، ليركبها ويقودها ويُسيِّرها حيث شاء!وهو تمثيل غريب من الشيطان في وعيده أن يتحكَّم بالبشر، وأن يتفنَّن في وسائل الإغراء والافتتان.وأوضح ما يكون هذا في سيطرة العادات الشريرة على الإنسان، واستسلامه للإدمان على مشروب أو ممارسة أو انفعال يقود إلى تكرار الذنب والوقوع في شباكه وشراكه.حتى ربما فقد الإنسان الرغبة والدافع الفطري للفعل، ولكنه يظل يمارسه بحكم العادة والحنين والشعور بأنه لا يزال في نفس مرحلة الشباب!المعركة صاخبة وشديدة، وتستخدم فيها الأسلحة المختلفة، الخفيفة، والثقيلة، والمتوسطة!{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} (64:الإسراء).قال ابن عباس: (بِصَوْتِكَ): كل داعٍ إلى معصية.ويدخل فيه الصوتان الأحمقان الفاجران: صوت الشهوة والإغراء والإثارة والفتنة.وصوت التسخُّط والصياح والاحتجاج على القضاء والقدر.الصراع قائم إذاً ولابد بين الخير والشر حتى بين الناس بعضهم وبعض: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} (36:البقرة)، كما في قصة قابيل وهابيل، والمقاومة تكون منذ اللحظة الأولى، منذ الخاطرة والنية والتردد، والله مع العبد ما لم يعجز أو يستسلم، فمَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، ومَنْ هَمَّ بسيئة فلم يعملها كُتبت له حسنة!الصراع بين البشر ليس هو الأصل المشروع، بل المشروع التكامل، والتعارف، والتعاون، والتواد، والتراحم، والتعاطف، والدفع بالتي هي أحسن، وما شاكل هذا من المعاني الواردة بنصوصها في القرآن والسُّنة، وهو المطلوب من العباد.والصراع هو نتيجة البغي والعدوان وطاعة الشيطان، حتى إنه يكون بين الزوجين عداوة أو بين الأولاد والآباء: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} (14:التغابن).البشر فقط هم الذين يقتل بعضهم بعضاً بخلاف الوحوش والذئاب والأسود من جنسٍ واحد!وَلَيسَ الذِئبُ يَأكُلُ لَحمَ ذِئبٍ وَيَأكُلُ بَعضُنا بَعضاً عَيانا، الإنسان وحده من يُحرِّض الوحوش والثيران والإبل والدِّيَكَة، لتتناطح وتتقاتل وتهلك!وَمُرادُ النُفوسِ أَصغَرُ مِن أَن نَتَعادى فيهِ وَأَن نَتَفانىصناعة المعارك وإدمان الغارات يمنح الإنسان شعوراً مؤقتاً بالرضا، ويعطيه مكانةً متميزة لدى مجموعته أو طائفته، ولكنه يحرمه من العمل والإنجاز، ويجعله رهناً لردود الأفعال، ويلغي شخصيته، ويجور على إنسانيته..والحق ركنان بناءٌ وهدّامُ، والهدم لا يراد لذاته إنما يراد للتشييد والبناء.تعلّمت من تجربتي الصغيرة أن أفضل طريقة للفوز بالحرب هو ألا أخوضها.ومن حِكَم العرب: (أَبْقِ لِلصُّلْحِ مَوْضِعاً).وتعلّمت أن الصبر على أذى خصم أحمد عاقبة وأروح للنفس وأبرأ للذمة من الدخول معه في عراكٍ لا طائل من ورائه.ولو كانت النجاحات بالخصومات لكنا اليوم فوق أهل الأرض جميعاً!والله ولي الصابرين.
599
| 26 فبراير 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); الأمل هو حادي العمل، ولا ينشط المرء للعمل إلا ولديه طموحات وأهداف يسعى إلى تحقيقها، وهذا بعض ما يميز الإنسان عن سائر الحيوان الذي يسير بالغريزة فحسب، وعندما يفقد الإنسان الأمل بالكلية يكون أمام نكسة نفسية يصعب أن يتعافى منها.أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأملولهذا كان أخطر ما تواجهه الأمة هو اليأس الذي يقعدها عن العمل والإنتاج، وينحرف بمسيرتها عن الصراط المستقيم إلى منعرجات السبل والأهواء.هذا شابٌ وضع أمله كله في شخص شيخه، عالماً كان أو داعيةً أو مربياً ورأى فيه رمزية غير عادية، تحكي صور ابن حنبل أو ابن تيمية أو ابن عبد السلام أو المنذر بن سعيد.. أو هذا العالم الفحل، أو ذلك المناضل الفريد، وصار هذا الملم يُسقى يوماً فيوما ويُروى ويكبر.. ولكن مضت الأيام وكبر الشاب، وصار له رأيه ونظره وتفرده، وتساوقت الأحداث، وتفاوتت العقول، وتضاربت الاجتهادات، فلم يعد يجد الكلمة الأخيرة التي يصدر عنها دون تردد كما كان من قبل.وربما وجد من متبوعه شيئاً من الضعف أو التباطؤ في المواقف العملية، سمّه حكمةً أو خبرةً، أو جبناً أو ما شئت.. المهم خاب الأمل!وآخر ترعرع في ظل مجموعة من المجموعات الدعوية يرى من خلالها الحياة بأحداثها ومساراتها وتطلعاتها، وهي في قرارة العاطفة أمل الأمة والإسلام، وهو يحسب خطواتها، ويعد لياليها ويقايس نجاحاتها، ويمتزج بها لحماً ودماً وعقلاً وقلبا حتى لا يتخيل نفسه خارج إطارها إلا تفل واستعاذ، وتغدو هي الصورة العملية للتطبيق الإسلامي وهي الكمال الذي لا يرى كمالاً خارجه إلا ودّ أنه رُدّ إليه، ولا يرى نقصاً فيه -وهيهات- إلا تأوله أو نفاه أو تعاظمه.ولكن هذه الصورة الجميلة تهتز أمام المتغيرات والأحداث، ويكبر الناس ويتفردون باجتهاداتهم، ويضيق عنهم الإطار الجماعي المرسّم، فتتفرق بهم طرق الدعوة والخير، ويمضي كلٌ إلى حال سبيله.وهكذا يعجز العقل عن التفسير والتحليل، أهو التراجع؟ أم التنازع؟ أم... أم...؟وثالث رأى في مشروع ما، علمي أو عملي أو سياسي أو قتالي، أنه الحل الوحيد، ولا حل إلا به، ولا مخرج للأمة إلا عن طريقه، ولا نجاة ولا عصمة ولا صدقية إلا لمن استمسك به. وفي هذه الأمثال، وغيرها كثير، مواضع للعبرة..أولها أنه لا يحسن الإسراف في تقدير شيء ما فوق قدره، لأنه ما رفع أحدٌ أحداً فوق قدره إلا وأنزل دون قدره بعد ذلك، والحسنة وسط بين سيئتين.لا بأس أن أتطلع لهذا العالم أو الداعية أو المصلح، ولا بأس أن تتحرك آمالي الغافية، لكن لم لا أضع مجالاً أو هامشاً على الأقل للمتغيرات والاحتمالات، حتى لا أصاب بصدمة لو حدث خلاف الظن؟إنه ليس من المحتم أن يكون الأمر كما تصورته، وليس ما تصورته هو بالضرورة ما يجب أن يكون، والخيارات تظل مفتوحة، ومن الفاضل جداً أن يعتدل الإنسان في قناعته في مشروع ما، أو شخصٍ ما، بحيث لا يفرط في الإلحاح على أهليته لهذه المرتبة، أو هذا المقام، فالغلو والجفاء كلاهما ليس من سبيل المؤمنين ولا من هدي المرسلين.إننا نخطئ خطأً جسيماً حينما نتكئ تماماً على فردٍ أو جماعة أو مشروع باعتباره المخرج الوحيد، والمخلص، والمنقذ، والرمز، والأمل، والحل، ونمنحه من عاطفتنا وحماسنا ما لا يطيق ولا يحتمل، ثم نطالبه بالمستحيل.وهذا يقودنا إلى الموضع الثاني من مواضع العبرة، وهو أننا بتناقضاتنا الفردية والجماعية والأممية نلقي بتبعاتنا على هذا الأمل الذي صنعناه ورسمناه، فهذا يريد شيئاً، وذاك يريد نقيضه، وكل يغني على ليلاه.فإما أن نجعل هذا المشروع مجمعاً للمتناقضات، وهذا مصير بائس، ونهاية أليمة، وإما أن تبدأ الآمال المغرقة في التفاؤل في الانهيار والتلاشي.إن تراكمات التراجع التاريخي، وسلبيات الواقع بكل تجلياته ستكون على كاهل هذا المشروع البكر الوليد الناشئ، وتجاوز الواقع والقفز عليه شيء غير ممكن.إن كل مأساة تقع، أو مصيبة تنزل، أو عدوان يحتدم، أو مظلمة تتفاقم، أو ضُرٍ في بحر أو برٍ.. حتى مما له جذور قديمة، وأسباب راسخة. هو مما يجب أن يكون هدفاً للتغيير، ويجب أن تغيره هذه الجماعة، أو هذا الفرد، أو هذه الدائرة، أو هذا العمل الدعوي أو الجهادي، هكذا نتصور أحياناً.ونتصور مع هذا أن هذا تغيير المنشود المفروض يجب أن يقع تحت سمعنا وبصرنا وإدراكنا، فلا مجال لخطة طويلة المدى، بعيدة الأجل تعدنا بإصلاح منتظر يشهده أولادنا أو أحفادنا.. نريد أن نرى النتائج في عمرنا وخلال حياتنا، وإلا فمعناه أن العمل فاسد، والأمل خائب، والثقة في غير محلها، وكل تعامل مع قضية مستجدة يجب أن يكون وفق مرئياتنا وتطلعاتنا، وأن يدغدغ عواطفنا، ويتعامل على أساس القوة والقدرة والمنطق النضالي.وكأن الأمة المسلمة مستثناة من النواميس الإلهية التي تجعلها عرضة للصعود والانحدار، والقوة والضعف، والغنى والفقر، والتمكين والاستضعاف.وإذا كان من يشعر بالمسؤولية يحسب خطوته وكلمته أكثر فأكثر، ويدرس الخيارات بعناية وترقب، ويقيس الأرباح والخسائر، فإن من خسر كل شيء وأفضى إلى شفير اليأس قد يمضي دون حساب. كلا.إن المهم هو أن يكون ثمة خطوة صحيحة وصادقة ومدروسة بعناية بعيداً عن الارتجال، وأوهام القفز والتجاوز التي تخاطب العواطف وتعاند العقول.ونحن مؤمنون بالأسباب حتى في دقيق الأمور فضلاً عن عظيمها.ولقد أخطأت يوماً فوضعت مفتاح الباب لباب آخر فوجدته يتعصى عليّ.. فقلت لنفسي: سبحان الله، كيف لا أعتبر من هذا المثال الصغير لما فوقه؟إن غيرة المؤمن وتطلعه للنصر يجعله أحياناً ينتظر من دولة وليدة واعدة تحقيق حلم ضخم ينتسب إلى عهود الخلافة التي تجتمع عليها كلمة الأمة فيحملها بذلك تبعة تنوء بها، وربما كانت وعداً صادقاً بناءً لو ظلت في حدودها وناسبت بين الواجب والممكن، ونأت عن انتظار الخوارق إلى فعل الأسباب.وثالث هذه المواضع أن التنوع في المسالك والأسباب، وإحكام التوازن بينها يحفظ للأمة آمالها، ويجعلها بمنجاة من نوبات القنوط وعصفات اليأس المستحكم.فطرق الخير كثيرة، وليس النجاح محصوراً في عمل بعينه، ولا يتوفر وعد إلهي بتخصيص شيء عن شيء إلا مجمل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وكل عامل على وفق السنة النبوية فهو راشد بإذن الله، فإذا صحت نيته فعمله صالح، داعيةً كان، أو معلماً، أو منفقاً، أو مصلحاً، أو مجاهداً، أو مديراً، أو خطيباً، أو ما شاء الله.ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجاً وقدوةً لكل فرد من هؤلاء، وجاء هديه شاملاً لأبواب الإيمان كلها، حتى قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه:« الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً»، وفي لفظ« بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً..» الحديث.الخير ضروب وألوان وأشكال وأمثال، ولا يحسن تضييق ما وسع الله، ولا تحجيره، ولا يسع الناس إلا شريعة ربهم، أما اجتهادات البشر فتظل مسكونةً بأثر الماء والتراب، وإن تألقت وتنمقت.ولذا فالأمة بحاجة ملحة إلى نظام يتسع للجهود المتنوعة، والطاقات المختلفة، والمشاريع المتعددة، وهي بمجملها تشكل أمل المسلمين وطموحهم، وإذا تراجع شيء منها عضده الآخر، وقد يفلح قومٌ في عمل فوق الظن، ويضعف آخرون، والنظر يخطئ ويصيب.والأمة ليس محصورة في فئة من الدعاة أو العلماء، بل كل من صح له وصف الإسلام فهو من الأمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، كما عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.وقد يكون من أهل النكاية في العدو ببأسه وشجاعته، أو هو من أهل العائدة والفائدة للمسلمين بعلمه أو حرفته أو رأيه أو لسانه أو يده من ليس معدوداً من المتقدمين في علم أو عبادة أو سمت، والأرزاق عند الله يقسمها كيف شاء!ورابع هذه العبر أن يتهم المرء رأيه، نعم، له أن يقتنع به ولابد، وأن يعرضه، وليتحمس له في حدود المعقول المألوف، دون أن يجعله الحق الذي يرد الناس إليه، فقد تكون أتيت من قبل إصرارك على أنموذج خاص لا ترى الحق إلا من خلاله، ولا تبصر النجاح إلا فيه، وغاب عنك ما هو أنجع منه وأسنع.ولقد خرج الصحابة -رضوان الله عليهم- إلى الحديبية لا يظنون إلا أنهم فاتحو مكة ومطوفون ببيتها العتيق، وأراد الحكيم العليم غير هذا، وأبرمت معاهدة الصلح التي رأوها إعطاءً للدنية في الدين كما قال عمر رضي الله عنه:"فعلام نعطي الدنية في ديننا؟".لقد عجزت غيرة بعض الصحابة وحماستهم وقناعتهم الراسخة المستقرة بالفتح والعمرة عن استيعاب موقف الحكمة النبوية، وتمثل هذا في شخص عمر على قوته وصحة يقينه، ولهذا يقول أبو وائل شقيق ابن سلمة: لما قدم سهل بن حنيف من صفين أتينا نستخبره، فقال: اتهموا الرأي فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أردّ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمره لرددت والله ورسوله أعلم وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه قبل هذا الأمر ما نسد منها خُصم إلا انفجر علينا خُصم ما ندري كيف نأتي له.وأختم هذا الحديث العابر بهذه الحادثة العجيبة التي تكشف عن الرؤية المتزنة في الأحداث والمتغيرات، وكيف استطاع رجل كابن عمر، أن يلتقط من موقف أقرب إلى اليأس حبل الأمل، والإشادة ببقاء هذه الأمة وديمومتها وخيريتها، وأنها أكبر من الأفراد والجماعات والدول، وأمنع من الجبال، وأعصى على العوادي، وإن كان يوهن عزمها، ويرخي قبضتها داء الخلاف والتطاحن والتشاحن.روى مسلم في صحيحه أن عبدالله بن الزبير لما قتل في حربه مع الحجاج في مكة، وأمر الحجاج بصلبه على جذع في عقبة المدينة، فجعلت قريش تمر عليه والناس، حتى مر عليه عبد الله بن عمر فوقف عليه فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كنت ما علمت صواماً قواماً وصولاً للرحم، أما والله لأمة أنت شرها لأمة خير.ثم نفذ عبد الله بن عمر فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله، فأرسل إليه فأنزل من جذعه، فألقي في قبور اليهود ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر فأبت أن تأتيه.. الخبر.إنها مواطن عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
611
| 19 فبراير 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); تداول المغرِّدون وسماً في تويتر بهذا العنوان، وتحدَّثوا بذكرياتهم حول مجلة العربي الكويتية، وطالبوا باستمرار صدورها؛ لأنها تُمثّل منصة تأثير وتكوين لجيل من مثقفي العرب؛ كانوا يتلقّفونها شهراً شهراً، ويلتهمون موادها حرفاً حرفاً؛ بدءاً بمقال رئيس تحريرها أحمد زكي.كنتُ أسير في الشارع فوجدت كومةً من أعداد المجلة فأخذتها بفرح وجلست أتصفحها أياماً، وغلب على ظني أن أباً ساخطاً على ولده لاقتنائه المجلة؛ التي كانت تحتفي بـ (فتاة الغلاف)، وكانت فتاة الغلاف أحد المغريات لشبابٍ لا يكاد يرى صورة أخرى في مكان آخر!فلعل هذا الأب - أو الأم - قام في لحظة غضب أو لحظة تفتيش برمي هذه الأعداد من المجلة في الشارع!من المقالات التي كانت تستفزنا نحن طلبة المعهد العلمي الشرعي مقال: (ليس كل ما في البخاري صحيح)، والذي كان ينتقد أحاديث في البخاري دون خلفية علمية تخصصية، ويقع في عثرات بسبب ضعف صلته بعلم الحديث والسُّنة سنداً ومتناً!حين رأيت الوسم (الهاشتاق).. رددت في نفسي: أنقذوا العربي.. أنقذوا العربي الذي يُقتل في كل مكان؛ في العراق، وسوريا، واليمن، ومصر، وليبيا، وفلسطين.أنقذوا العربي؛ الذي لم تعد دول العالم تكترث بقتله؛ لأن أهم ما لديها هو الحفاظ على مصالحها، واستمرار وصول الخيرات إليها.ولم تعد المنظمات الإنسانية تهتم بقتل أفراد، فقد صارت مشغولة بإحصاء المجازر الجماعية؛ التي تصل إلى مجزرتين أو ثلاث يومياً في سوريا.حتى لغة الإدانة والتجريم تراجعت، فبعد مئات الآلاف من القتلى صرنا نسمع الحديث عن جرائم (ترقى) لأن تكون جرائم ضد الإنسانية!ترقى!وحتى لو كانت كذلك فلماذا وضعت المحاكم الدولية؟وهل فعلاً العالم عاجز عن إيقاف شلالات الدم العربي في الشام؟أما العرب أنفسهم فهان عليهم القتل حتى لم يعد لديهم وقت للحديث عن القتل بـ (التفريد)، فعشرات يُقتلون في مصر أو تونس لا يبكي عليهم أحد؛ لأن الناس مشغولون بما هو أكبر!ما زلت أذكر الضجة الإعلامية التي حدثت أيام (سحل) أحد المتظاهرين في القاهرة، وحديث القنوات المصرية كلها عن هذا العمل الفظيع الشنيع..وقتها كنت أقول: ها هو الإحساس بقيمة الإنسان يكبر في أوطاننا، وتغذيه وسائل إعلامنا!أين تلك الغضبة مما يجري اليوم؟سؤال له ألف جواب، ولا جواب منها يُهدّئ من لوعة النفوس المصدومة بهوان الدم العربي على أهله، الهوان الذي ألهم الصهاينة في فلسطين أن يتجرَّؤوا أكثر ويحاولوا تقليد بعض أنظمة الشرطة العربية في إطلاق النار على المشتبه بهم في الشوارع دون تردد أو خوف من مساءلة!يقول لي قائل:أنقذوا الدم المسلم!ونِعِمَّا قال!فالدم المسلم رخيص في العالم العربي، وفي العالم كله، وما مجازر ميانمار وإفريقيا الوسطى عنا ببعيد..على أن الحديث عن الدم المسلم لا يمنع الحديث عن الدم العربي خاصة!والعرب؛ هم مادة الإسلام، وشعبه، وأساسه، وتاريخه.وقد ورد في حديث مرفوع في: (أخبار آخر الزمان)، رواه أبو هريرة وغيره، وذكره أحمد، وأبو داود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:« يُبَايَعُ لِرَجُلٍ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَلَنْ يَسْتَحِلَّ الْبَيْتَ إِلاَّ أَهْلُهُ فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ فَلاَ تَسْأَلْ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ.. ».ففي الحديث إشارة إلى استحرار القتل في العرب في بعض أوقات الفتن، والعرب على وجه الخصوص.وفيه أن من يستحل الحرمات هم أهلها من العرب والمسلمين قبل غيرهم، وبعد ذلك أشار الحديث إلى ذي السويقتين من الحبشة؛ الذي يهدم البيت الحرام.فكأن جراءة العرب على بيتهم المعظّم كان سبباً في جراءة غيرهم!ولَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ امرئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ!ولقتل المؤمن أعظم عند الله من هدم الكعبة.و(لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) (رواه البخاري).فكيف أصبح الدم هيِّناً سهلاً يتجرّأ عليه الناس لمصالحهم السياسية أو الحزبية، وباسم الإسلام أو باسم محاربة الإرهاب يتم تجاوز الحدود والحقوق، وإزهاق الأرواح البريئة؛ لنساء، وأطفال، وشيوخ، وشباب لا يعرفون لماذا يُقتَلون؟!وصَدَقَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول:« وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لاَ يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلاَ الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ. فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُول فِي النَّار » (رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)أيها العرب أنقذوا الدم العربي!فإذا لم تفعلوا فلا تستنكروا أن تتجرَّأ شعوب الأرض كلها على المشاركة في حفلة الدم البشري البريء!ولا حول ولا قوة إلا بالله.وإنا لله وإنا إليه راجعون.
493
| 12 فبراير 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); مما علق في ذهني، وتردد في حنايا صدري، سؤالُ عائشة الصديقة لحبيبنا محمد -صلى الله عليه وسلم- : يَا رَسُولَ اللهِ! ابْنُ جُدْعَانَ ،كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا، رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ" رواه مسلم في صحيحه.فلو أن ابن جدعان قال يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، لكان خليقاً أن ينفعه عمله الإنساني الضخم.وعزّز ذلك قصة الأعرابي، الذي جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين -فقال يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله عليّ.. فأخبره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشرائع الإسلام فقال الأعرابي: والذي أكرمك! لا أتطوع شيئا، ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ".وكان -صلى الله عليه وسلم- يحمي أعراض بعض المسلمين بقوله: أليس يشهد ألا إله إلا الله؟ كما في قصة عتبان بن مالك في الصحيحين، عندما اتهموا رجلا بالنفاق، وودوا أنه -صلى الله عليه وسلم- دعا عليه فهلك، وودوا أنه أصابه شر، فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "ألَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ!"، قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ وَمَا هُوَ فِي قَلْبِهِ. فقَالَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لَا يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَيَدْخُلَ النَّارَ أَوْ تَطْعَمَهُ".فما بالنا نبالغ في إحكام الأسوار، وغلق الأبواب، ونجعل تحصيل النجاة يوم الدين شيئاً أبعد من العَيُّوق، ونحن نرى شرود الناس، وتسلط الشهوات عليهم.أَفْهَمُ جيداً أن العصور الفاضلة -وما شهدت من النضج والطهر والرقي في بعض مجتمعاتها ومدارسها السلوكية وحلقاتها المتوارثة مع حداثة عهدها بالنبوة وصفاء باطنها- يكون لدى بعض خريجيها إحكام لأنفسهم، وضبط لمتبوعيهم، ولكن الدعوة شأن بشري إنساني، يأخذ المكلف من حيث هو، ليترقي به في مدارج الكمال ومعارجه شيئاً فشيئاً. ويستحضر البيئة والمستوى وما يغلب على الناس في عصر من العصور، أو مكان من الأمكنة، حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ" رواه البخاري ومسلم.هنا تأصيل لفهم طبيعة المخاطبين، وظروفهم الدينية والثقافية والاقتصادية، كما في إشارة الزكاة، وكما في التدرج في الأوامر، حتى فيما يتعلق بأركان الإسلام.ومع اتساع دائرة المنتمين للإسلام، وتعدد مشاربهم، وعدم القدرة على استيعابهم في مشاريع سلوكية وتربوية مكثفة، فضلاً عن انفتاح التأثير من وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية والدراما والاحتكاك بين شعوب العالم، تبدو حاجة الدعاة إلى القرب من الناس، وتشجيع بادرات الخير في نفوسهم، مهما صَغُرت، وفتح أبواب الخير وطرقه، ومراعاة ضعف الهمم، وتجدد المغريات.لقد كان من فقه عمر بن عبد العزيز أنه قال: (يجدّ للناس من الأقضية بقدر ما يجد لهم من الفجور). وتلقى الفقهاء والأصوليون كلمته بالقبول والإطباق، وعدوها من بدائع الحكم، وهي كذلك. وجاء الإمام المجتهد أبو سعيد ابن لب الغرناطي (ت782هـ) شيخ الشاطبي، فكان يرتب عليها كلمة أخرى، هي كالأخت لها: "يجدّ للناس من المحفزات، بقدر ما أحدثوا من الفتور". ومن نافلة المعرفة، أن صاحب الهمة الضعيفة حين يرى أمامه جبلاً وعراً، كثير المزالق، هو مزلّة أقدام ومضلّة أفهام، يحار فيه الخرّيت، ويضل فيه العليم، فهو خليق بالإعراض، وإعلان الهزيمة والانسحاب من المضمار قبل خوض السباق.بيد أنه إن وفق لرشيد حكيم، عزّز في نفسه الكفاءة، وأغراه بالخطوة الأولى، وأكّد له أن الباقي سيكون أسهل منها، وأن كثيرين لم يكونوا يظنون بأنفسهم القدرة، ثم واصلوا وعبروا.. وأن فضل الله ورحمته هي للمتعرضين لها، فلا تحجب نفسك دونها.. لكان الظن أن يشمر ويمضي.وإذا مضى كانت النفس وجهاً لوجه أمام العقبات بصفة تدريجية، فالعقبات لا تأتي دفعة واحدة، ومع كل تشديد فرج، ومع كل عسر يسر، وفي الحديث بسند حسن: "تَنْزِلُ المَعُونَةُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى قَدْرِ الْمَؤنَةِ" رواه الحاكم في الكنى وابن عساكر والبيهقي والبزار وابن عدي من حديث أبي هريرة.حتى يجد المرء نفسه وقد مضى في الشوط، وأحكم التجربة، وتعرض للنفحات، وبنى علاقات وصداقات، واستقرت في نفسه معانٍ من الخير، تردعه عن الانحلال التام، وتنادي به إلى التشمير، ولعل هذا ما سماه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ" من حديث النواس بن سمعان، عند أحمد، والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.فهل يلتقط الداعية هذا الخيط، ويسهّل للناس سلوك الطريق، ويحفّز همهم للانخراط، أم يظل منفّراً لهم منه بالمبالغة في ذكر أشواكه وعقباته وصعوباته وتحدياته، والإيغال في ذلك، وكأن لسان حاله يقول: من لم يكن موفور العزيمة تام الإرادة قوي النفس فلا يضع قدمه فيه!ألم يقل بعض السلف -وينسب أيضا للشافعي -رحمه الله - :(سيروا إلى الله عرجا ومكاسير، فإن انتظار الصحة بطالة). أليس في التنزيل: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر:17). أليس في وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ وأبي موسى الداعيتين المبعوثين إلى اليمن: (يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا) رواه البخاري ومسلم. أمر بالتيسير ونهى عن ضده، وأمر بالتبشير والتشجيع والترغيب، ونهى عن ضده مما ينفر ويباعد!على أن هذا مما يتفاوت بحسب نوع المخاطب، فثم مخاطبون قطعوا مشواراً طويلاً، واستقامت نفوسهم، واحتاجوا إلى أفق جديد، يمضون إليه برغبة واختيار.سعيا إلى الله بغير زاد، إلا التقى وعمل المعاد،والصبر في الله على الجهاد، وكل زادٍ عرضة النفاد،غير التقى والبر والرشادلكن الخطاب العام لجماهير الأمة، وفي الوسائل المعولمة كالقنوات والشبكات، أصبح هو لب الخطاب وأساسه، فهو يحتاج إلى ضبط وإحكام وعناية بالقدر الواسع العام الذي ينتظم الناس جميعاً. ولن يعدم الداعية الحصيف لغة راقية مبتكرة، يخصّ بها أقواماً من المخاطبين دون أن ينجم عن ذلك ازدواجية في الخطاب، ولا اضطراب في المعايير.جدير بالداعية أن يجعل الأبواب مشرعة للسالكين، وأن يحفز النفوس لفعل الخير وإن قل، وترك باب من الشر، ولو كان مصراً على باب آخر، وتعميق ولاء الناس لدينهم وصلتهم بربهم ولو كان ثم نوع تقصير أو غفلة، ولكل عصر طريقته وأسلوبه المقتبس من شمولية الشريعة، والمتوافق مع متغيرات العصر ومستجداته. ومن هذا تغليب جانب الرحمة والحب والرفق والترغيب، وهو أصل في الشريعة باتفاقهم، فالحب قبل الخوف والرجاء، ويتأكد هذا في حالة غفلة الناس وصدودهم.الدعوة ليست ملكية خاصة لي، أريد أن أحجرها عن الآخرين، لئلا تكون كلأ مباحاً متاحاً! الدعوة هي كلأ طيب من رزق الله الإيماني العلمي لمن يشاء من عباده، فلماذا أحكم عليها الأسوار، وأدقق في هوية القادمين، وأتشدد في دخولهم.. أليست هي رحمة الله التي وسعت كل شيء؟ أَمِن العدل والإنصاف أن يدّخر فئام من الشباب لأنفسهم لفظ الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، ليحكموا على من سواهم بالهلاك والخذلان؟وكان الأجدر أن يحسنوا الظن بغيرهم وينحوا على أنفسهم بالملامة، فاللهم اغفر لنا ولهم، واهدنا إلى سواء السبيل.
1855
| 05 فبراير 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); يحدث لي أن أحفظ الكلام عن ظهر قلب، وأن أكرره مرات ومرات، وأن أقرأ معناه في الكتب المتخصصة، وأستمع إلى شرحه من العلماء المتمكنين.. وبعد سنين طويلة أقف في لحظةٍ مفاجئة عند الكلام نفسه وكأني أسمعه لأول مرة، وأفهم منه معنىً دقيقاً واضحاً، حتى إني أتعجّب كيف غاب عن فهمي هذا المعنى الجليّ الجليل طيلة هذه السنين!ما السبب؟ لعله أنني لم أرجع إلى نفسي، بل رجعت إلى غيري، ولنفسي عليّ حق مراجعتها وتصويبها ومكاشفتها، والغوص على أسرارها ومثالبها ومعايبها، وصواباتها وأخطائها، وتفعيل قدراتها وملكاتها وتجاربها.أن أرجع إلى نفسي لا يعني إلغاء الآخرين، ولا تجاهل فضلهم وسبقهم، فمن لم يكن له أول فليس له آخر..أن أرجع إلى نفسي يعني التخلص الحقيقي من وطأة التقليد الاجتماعي حين يكون حائلاً بيني وبين الحق والخير والفضل.يعني أن أواجه نفسي بالحقيقة بعيداً عن الضجيج والضوضاء، بعيداً عن الضغوط المحيطة، بعيداً عن العقل الجمْعي وسلوك القطيع؛ الذي يسيرني رغم أنفي..وجدت الناس حين يسمعون نقدي لبعض المألوف لديهم ينبرون للدفاع، ويشعر كل فرد منهم أنه مستهدف ومقصود فيدافع عن نفسه.وحين أنتقد نفسي وأجعلها مثلاً يكونون في مواجهة مع أنفسهم، وليس لديهم إحساس بالاستهداف، فيكون النقد مدعاة أن يعودوا إلى أنفسهم ويصارحوها ويتحسسوا مواطن العلة فيها!ولذا وعظ الله المدعوين بواحدة، واحدة فقط تؤسس لما بعدها:{أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} (46:سبأ)أن تكون منفرداً تتفكّر، يعني انعتاقك من سلطة الجماعة الضاغطة المهيمنة الآسرة، ومواجهتك لنفسك دون حواجز أو مؤثرات خارجية.ولو كتب لك أن تضيف لنفسك شخصاً آخر فستختار أقرب الناس إليك ممن تبوح له بسرك، وتبثه شكواك، وتصارحه بآرائك الخاصة، وتأتمنه على التوجهات والأفكار الجازمة أو المترددة؛ التي تدور في ضميرك ولا تبوح بها لسواه! وهو يفهمك أكثر من أي شخص آخر.وأن يكون القيام لله فهي محاولة الخلاص من الأهواء، والنزعات، والنزغات، والميول الفاسدة، والتجرّد للحق.. وللحق وحده.وهذا مقام - وَايْمُ اللَّهِ- عزيز وعظيم.ومن تحقق به فهو من الناجين السالكين. وليس الأمر هنا تهويماً روحانياً صرفاً، ولا انتظاراً خالصاً للإلهام، وإن كان فيه شيء من هذا وهذا، ولكنه مقام إعمال تام للعقل: (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا)، فلولا أنهم عقلاء مكلَّفون ما خُوطبوا، ولا عُوتبوا.هذا المصطلح (العودة إلى النفس)؛ ربما يكون -والله أعلم- المقصود بقوله تعالى في حكاية قصة إبراهيم الخليل -عليه السلام، ومجادلته لقومه، حين سألوه: -{أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ؟} (62:الأنبياء).فأجابهم: -{بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ} (63:الأنبياء). وهنا جاء التعبير الإلهي بالرجوع إلى النفس:{فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ} (65،64: الأنبياء).والأقرب في المعنى أنهم صُدموا من جوابه، وكانوا أقرب إلى الهداية حين حانت منهم لحظة رجوع إلى الأنفس؛ التي طالما هجروها وأهملوها، وشغلهم الصّخب والجدل، والقيل والقال، والرغبة في الانتصار، وموافقة المجموع، والتَّصدُّر والوجاهة عن الاستماع إليها، والإنصات لحديثها الصادق المباشر الفطري!وسرعان ما ثارت نوازع الإصرار على المألوف الفاسد؛ الموروث عن الآباء والأجداد، والتزام الرسوم المعتادة الحاكمة لسير مجتمعهم.. فكانت (النكسة). جميل أن أرجع إلى نفسي كلما شعرت أن مساحة الآخرين توسَّعت في فراغاتها على حساب مسؤوليتي الخاصة وتبعتي الذاتية: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} (95:مريم). جميل أن أرجع إليها كلما شعرت أنني قطعت طريقاً ثم بحثت عن نفسي فلم أجدها، وأدركت أنني ضيّعتها وتركتها ورائي في ذروة انشغالي بمن حولي، واندفاعي في التبرير والتسويغ والتفلسف غير الجاد! جميل أن أرجع إلى نفسي كلما أردت أن أعيب أحداً لأجد العيب في فهمي وفي سلوكي، وقد يكون العيب فينا معاً.. فلماذا أعيبه بما أنا واقع فيه وأنسى نفسي؟جميل أن أرجع إلى نفسي كلما سمعت نقداً لسلوكي الشخصي، أو مجموعتي، أو محيطي، أو مجتمعي، أو أمتي..ليس شيء من ذلك موصوفاً بالعصمة ولا منعوتاً بالكمال..وما أسهل أن أعيب الخصوم فأكون الناطق باسم من حولي، المبجّل الممدوح عندهم!وما أشق أن أنتقد ذاتي أمام الآخرين، أو أنتقد المجموعة التي أنتمي إليها!وفي الحالين..ما أصعب أن أكون صادقاً منصفاً موضوعياً ساعياً للخلاص من الغضب وردة الفعل، ومن الحب والميل!ما أصعب السلامة من التعصب لـ .. أو التعصب على ..حين أتدرّب على نقد ذاتي فهو ترقية لها وتهذيب، وهو في الوقت نفسه تشجيع لآخر أن يسلك الطريق ذاته ويرجع إلى نفسه؛ ليكون في مواجهةٍ معها، ليس محتاجاً إلى استجماع حججه للدفاع وإثبات البراءة، بل للبحث في ثناياها عن الخلل والزلل..وقفتُ عند هذه الآية الكريمة أمس، وكأني أقرؤها للمرة الأولى.. إنها تضع أيدينا على أهمية الرجوع إلى النفس؛ لنعرف مدى ظلمنا: {إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ} (64:الأنبياء).ولنعرف أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، ولنعرف أن الانتكاس مرتبط بتقليد الجاهلين والغافلين والمعرضين.وطُوبَى لمن شَغلَهُ عَيبُه عن عُيُوبِ النّاسِ.
4368
| 29 يناير 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); إنه يوم من أيام الله الماضية، وأنا لا ألتفت عادة للوراء إلا لمسرّاته أو دروسه..لأول وهلة شعرت بالحرج حين رأيت غلاف الكتاب الأزرق مكتوباً في أعلاه:الشيخ سلمان..كنتُ وقتها معيداً في كلية الشريعة أُحضِّر لرسالة الماجستير في الحديث النبوي وعلومه.وزاد الحرج أن عنوان الكتاب كان هو:في حوار هادئ مع محمد الغزالي!حماس الشباب الذين طبعوا الكتاب وأضفوا عليَّ لقب (الشيخ)، ينم عن غضبةٍ ممزوجةٍ متعددة الدوافع، حجبت عن الشيخ الكبير سناً وقدراً وعطاءً أيّ لقب وذكرته باسمه المجرَّد.ليس أمامي سبيل لتدارك هذه العثرة، فخمسون ألف نسخة من الكتاب هي قيد التوزيع، ولابد مما ليس منه بد!كانت هذه الملحوظة الشكلية المعبِّرة أول إشارة سلبية عكّرت فرحي برؤية اسمي مخطوطاً على واجهة كتابٍ يُتوقع أن يحظى بالقبول لدى دوائر تنتظر من يُعبِّر عن استيائها من لغة الشيخ محمد الغزالي الحادة، ومن آرائه غير المألوفة في بيئة سلفية..في داخلي كنت أتساءل:ما الذي جعل الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين يعتذران بلطفٍ عن تقديم الكتاب؟جريدة "المسلمون" نشرت فصولاً من الكتاب.وعديدون راهنوا عليه؛ لأنه في نظرهم حوارٌ هادئ وموضوعي، وقد حفظ حق الشيخ بكتابة مقدمة من صفحتين عن حياته وسيرته.مصري ظريف تولّى طباعة الكتاب في نسخته الأوّلية كان يُعلِّق على العنوان ويقول ضاحكاً:-لقد طبخته على نارٍ هادئة!هل أضحك أم أقطب؟أهي مدحة أم لذعة خفية؟تهدأ العاصفة وتصطف في مكتبتي عشرات الكتب المشابهة ترد على كتاب (السُّنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث)..لماذا كتبت؟قال لي أحدهم مفسِّراً حِدَّة الشيخ الغزالي في نقده للسلفية:هؤلاء رجال تجاوزتهم المسيرة فصاروا يرمونها بالحجارة!كنا نحسب أنفسنا مَنْ يمثِّلون القافلة!وفي لحظة اندفاع يغفل المرء عن سُنَّة: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} (17:الرعد)، وأن السُّنة تصدق عليه كما تصدق على خصمه، ولا تحابي أحداً.البحث كان حصيلة استعراض لكامل كتب الشيخ المنقود قديمها وحديثها.قرأتُ نتاجه العريض أبحث عن سجل أخطائه وأدونها في قصاصات.. تكلّف الأخطاء.. وتتبع مسار أراه بعين واحدة..مثل هذه الروح تقتضي أن أقف مسروراً أمام العثور على ما أعتبره زلةً أو انحرافاً للكاتب، إنها ضالتي المنشودة أظفر بها موثَّقة معزوَّة إلى مصدر مباشر!ولأن الجزاء من جنس العمل؛ فقد رزقني الله بإخوة أفاضل سلكوا معي الطريق ذاته، وفلوا ما أكتب فلياً باحثين عن زلاتي (وما أكثرها)، ثم صنَّفوها للتدليل على أنها لم تكن أخطاء فردية أو عثرات عابرة، بل هي منهج مدروس متواطأٌ عليه!الآراء المتغيرة للشيخ كنت أصنفها على أنها (تناقض)، ولو شئت لقلت إنها آراء رجع عنها والحكم للمتأخر من أقواله.التاريخ العلمي حافل بالأقوال المختلفة المنسوبة للإمام أحمد، وقد تصل في المسألة الواحدة إلى ثمانية أقوال، وللشافعي مذهبان، وللحنفية والمالكية مدارس..هل حدث للسلف أن جمعوا عثرات شيخٍ في مصنَّفٍ واحد؟كان بعضهم يرد على بعض في مسألة، وهذا كثير يفوق الحصر.وقد يعرض أحدهم لأقوال المخالفين ضمن تصنيف لا يخصهم؛ كما فعل البخاري في رده على الأحناف في صحيحه بإشارات عابرة تحمل عنوان: (وقال بعضهم)..لم أظفر بكتاب علمي معتبر يكون محل الأسوة جرّده مؤلفه لجمع مثالب عالم والرد عليها واحدة بعد الأخرى.قد يوجد مثل هذا لكن قصرت معرفتي دونه.الغالب أن الرد يكون في ثنايا بحث أوسع، أو يكون لمعالجة مسألة بعينها أو مسائل ينتظمها باب واحد.فرق بين من يهدف لبيان الحق الذي يراه، وبين من يقصد زحزحة خصمٍ عن منصةٍ سبق إليها!نُقل عنك أنك تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما كتبت ذلك الحوار الهادئ..؟كلا؛ لم أقل هذا.. لأنني لست كثير الالتفات للوراء..لم أندم على ما مضى وقُدّر، ولكني لن أكرر ما فعلت، ولن أطبع الكتاب، وسأظل معترفاً بفضل الله عليَّ أن جعلني في قائمة البشر الخطّائين، وأعانني على تصويب نفسي وإشهار مخالفتي لذاتي، ولو بعد حين.رحمة الله وبركاته على الشيخ الفاضل محمد الغزالي.والحمد لله رب العالمين.
10801
| 22 يناير 2016
12859
| 15 يناير 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أنت إما داعشيّأو إخوانيّأو إيرانيّإذا لم تكن معنا.. معنا في تفاصيلنا، ومفرداتنا، ولغتنا، وتوقيتنا، وكل شيء (كل شيء!).ولا يشفع لك أنك معنا في الغاية، والهدف، والاتجاه العام..هذه محصّلة خطاب أحد المغرّدين؛ الذي ظلّ يتحدث وكأنه ينطق باسم الجميع طيلة أسبوع مضى!هاجم الكويت؛ لأنه يعتقد أن موقفها لا يرقى إلى مستوى الحدث، وتطرَّف بالحديث عن تحريرها من قبضة البعث، وكأنه لا يدري أن تحرير الكويت مصلحة لشعوب الخليج والمنطقة بأسرها، ولا منَّ فيه لأحد على أحد ولا أذى، وليس من المروءة والأخلاق أن يثار الموضوع بهذه الطريقة.هاجم عُمَان (بضم العين)؛ بناءً على تغريدة تبيَّن أنها مزورة!ثم هاجم عَمَّان (بفتح العين)، والعين لا يحسن أن تفتح دائماً، فمن الحكمة الإعراض، والتغافل، والتفويت، وغض الطَّرف!وهاجم الإمارات؛ لأنها يجب -في نظره- أن تقطع العلاقات لا أن تخفضها!وهاجم مصر؛ لأن جزءاً من إعلامها انتقد أحكام الإعدام، وانتقد قطع العلاقة مع إيران.وهاجم تركيا؛ لأنها كانت فاترة في موقفها من إعدام النمر، وهي التي تشترك مع السعودية فيما يشبه الحلف الإستراتيجي.وهاجم الغرب المتواطئ مع النفوذ الإيراني.وأمريكا المنافقة.ومجلس الأمن؛ الذي يتعامل بازدواجيةٍ مقيتة..وروسيا؛ التي تعرض الوساطة وهي طرف في الصراع..أنت يا أخي قد أحكمت الحصار علينا بدل أن تحاصر إيران.وصوّرت الخصم العنيد على أنه أخطبوط تام النفوذ عبر القارات، وهو واسع النفوذ فعلاً، وساعٍ لتضييق الدائرة على شعوب السُّنَّة وحكوماتها ومؤسساتها، ولكن لم يكن جيداً أن تحطب أنت في حبله، وتبالغ في تصوير نجاحه من حيث لا تريد.بل تعدّى نفوذه وتأثيره عندك إلى الداخل فاستحوذ على (كل) الطائفة الشيعية في (كل) العالم العربي، بل في العالم كله!وأراك ألحقت بهؤلاء وأولئك كل من لا يروق لك أسلوبه في التعبير عن رأيه من أهل السُّنَّة، وأهل البلد، والمثقفين، وغير المثقفين..هاجمت أحدهم حين تأخَّر عن التعليق لساعات، ولعله بعيد عن الشبكات والأخبار، وحين علَّق وداخل اتهمته بأن فعل ذلك مجاملةً لك!ولعله كان مشغولاً عني وعنك براحةٍ أو فسحةٍ أو مسامرة أهل أو محادثة صديق أو عبادة أو ما شاء الله.من بقي (لك) إذن؟وهل ثمَّ خطاب أكثر تشطيراً وتشظيّاً وأكثر دعماً للنفوذ الإيراني من هذا الذي تفعله؟أنت يا أخي تدخل السياسة من أضيق أبوابها، وهو باب صناعة الأعداء والخصوم وخسارة الأصدقاء والأولياء، وتُقدّمهم -لو أطاعوك- غنيمة باردة لخصمٍ شرس لا يتردد في الالتهام والاحتواء والاستحواذ والتمدد.وليست مشكلتنا معه إلا هذه.فلو أن ذلك العدو قبع في أرضه واقتصر شره على رقعة محدودة من الأرض الإسلامية لاحتُمِلَ له ذلك، إلى أن يأذن الله لعباده بالفرج.ولكنه تمدّد وتوسّع، وأعماه الطمع فامتدّ إلى العراق وابتلعها غنيمة باردة.ثم لبنان..ثم سوريا ففجَر وفجَّر، وقتل ودمَّر، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ.ثم اليمن؛ فتحالف مع الثورة المضادة، واشترى الذمم، وظنّ أن لن يقدر عليه أحد، فرماه الله بعاصفة الحزم، ولكنه لم ييأس، وكيف ييأس وهو يقاتل منذ خمس سنوات في سوريا، ويناور، ويلعب ألاعيب السياسة كما لا تحسنها أنت، حتى كاد أن يفوّت نصراً ظنناه قريباً، وهو عند الله غير بعيد.وفوق هذا فهو يسعى جاهداً لنشر مذهبه ليس بين الوثنيين والتائهين،كلا؛ وكأنه لا شأن له بهم، فمقصده الأعظم شعوب السُّنَّة في إفريقيا وآسيا؛ يتصيّد عامتها وخاصتها بالإغراء والتلبيس والإنفاق السخي وطول النَّفَس حتى صنع الفرقة في دولٍ لم تكن تعرف إلا المذهب الواحد.أعجب من نفَس ذلك الخصم؛ الذي يقتل الأطفال في سوريا، ويتظاهر بالسكينة والهدوء والصدق، ويفلح في جعل نفسه رقماً صعباً في المنطقة والعالم.وأعجب من قدرته على توظيف شتى الوسائل؛ الإعلام، والسياسة، والدراما، والمال، والنفوذ إلى جوار التسليح والتدريب.. بينما نكتفي نحن بالصياح والنياح.وحتى الصياح والنياح وظّفها هو توظيفاً غريباً في كربلائياته ولطمياته؛ التي استحوذ بها على عقول البسطاء!تذكَّرتُ وأنا أتابع حركتك (التويترية) تغريدة قلتُ فيها: (إن شعوب العرب أكثر الناس خوضاً في السياسة وأقلهم تأثيراً فيها).هل تدري يا أخي أن حديثك هذا كله كان مع نفسك، وأن الذين يفترض أن يكون قصدك التأثير عليهم وجرّهم إلى صفك لم يسمعوا هذا الحديث؟ولعله من الخير لهم ألا يسمعوا هذا الحديث؛ الذي لا ينكأ عدواً ولا يقتل صيداً، ولكنه يكسر السِّن ويفقأ العين!هل يحسن عند حدثٍ أو موقف أن نُجهِّز زوايا التحجير والمحاصرة وغلق الأبواب؟ أو زوايا التصنيف والتخندق؟ وهل الوطنية تعني إقصاء من لا يتفق معنا في لفظ أو توقيت أو جزئية؟أليس الأصلح للوطن وأهله الصادقين أن ينأوا بأنفسهم عن توظيف الأحداث الكبيرة لصالح فردٍ أو فئة منهم أو ضد فردٍ أوفئة منهم؟أليس الأصلح للوطن وأهله المخلصين أن يسعوا إلى كسب الأطراف الممكن كسبها ولو لم تتطابق رؤيتها معنا تمام التطابق؟هل نحن أمام خيار: (مَنْ لم يكن معي فهو ضدي)؟أو خيار: (مَنْ لم يكن ضدي فهو معي)؟وأفضل منهما خيار: (مَنْ لم يكن ضدي فأنا وهو معاً في مستوى واحد ليس أحدنا أولى بالتقديم من الآخر، وإن اختلفت تفصيلاتنا).{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (35: فصلت).
2525
| 08 يناير 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أربعون سنة -وتزيد- تفصلني الآن عن أول محاضرة ألقيتها في مكتبة (مسجد الضالع)، وكنت طالباً في السنة الثالثة المتوسطة، وكان موضوعها (تفسير سورة يوسف).منذ ذاك وإلى اليوم ألقيت آلاف الخطب والدروس والمحاضرات والبرامج والندوات، وغالبها محفوظ موثَّق بالصوت والصورة.وكتبت المقالات بانتظام؛ مقال أسبوعي لم يتوقف بفضل الله، وإذا حجب في مطبوعة انتقل إلى غيرها، وآخر أسبوعي ينشر في (الأهرام) على مدى سنتين، ومقال ثالث شهري يتعلّق بالسيرة الذاتية ..والذي أخافه حين ألتفت إليها هو غياب النية الصالحة، وأن تتحوَّل أعمالي إلى منافسة لنظرائي، أو مراغمة لخصومي، أو سعي وراء الجاه والشهرة وثناء الناس.أما خطؤها وصوابها فأحمد الله أنه لم يكن في شيء منها جنوح إلى مسالك الغلو والتطرف، حيث تلقَّنت في محاضني الأولى التحذير من مسالك الغلاة، ثم صار هذا نمطاً أقوله إذا حانت مناسبته.ولم يكن فيه تساهل في التغرير بالشباب وحفزهم إلى مناطق التَّماسِّ والقتال، حتى يوم كانت السلطة السياسية والسلطة العلمية تدعو إلى ذلك وتسهِّل أسبابَه، تحت ذريعة محاربة (الدب الروسي)؛ الطامع في مياه الخليج!ولست أدري -والله- أكان ذلك الدب فعلاً يطمع في مياه الخليج، أم كانت تلك وسوسة أمريكية لحملنا شعوباً وحكومات على مقاتلة القطب المعادي للغرب بالنيابة عن الغرب وبالسلاح الفتاك (الجهاد)!وقتها قلت لهم: تبرَّعوا بقيمة التذكرة وابْقوا عند أهلكم، وتعلَّموا، وابنوا حياتكم ومستقبلكم، ولا تخوضوا حروباً أكبر من طاقتكم وأبعد من تفكيركم!حدث هذا أيام أفغانستان، ثم أيام العراق، ثم أيام الشيشان، ثم أيام سوريا، ولا يزال معنىً ألهج به وأتحمل من أجله هجمات الغاضبين والمتحمسين؛ الذين يتصدَّرون المشهد بأصواتهم العالية، ويرمون الصوت المخالف لهم بأقسى السهام، ويصفونه بالتخاذل والنكوص عن الجهاد، وترك الثغور لأعداء الأمة، وبأنه باع دينه بعرَضٍ من الدنيا، وصار عبداً للحاكم الذي يملي عليه ما يقول!وللسبب ذاته خسرت العديد من تلاميذي وأحبابي؛ الذين وصل الحال ببعضهم إلى مقاطعتي وهجري!ورغم حداثة السن آنذاك فقد كنت أرى غالب من يهمّون بالسفر؛ ممن لم يحصلوا على علم صحيح، وما زالوا في غرارة صباهم لم يفلحوا في دراسة أو تجارة أو إدارة، وكنت أعلم أنهم يذهبون إلى هناك ليرافقوا السلاح، ويتدرّبوا على فنون الحرب والقوة البدنية والقتال، دون أن يخضعوا لتربية علمية ونفسية وأخلاقية توازي ذلك وترشده، وبهذا يسهل انزلاقهم إلى مسالك ومخاطر غير محمودة العقبى.ولم يكن يخطر ببالي أن تكون المعسكرات التي تؤويهم وتستقبلهم في حالاتٍ كثيرة مدارس لتلقين التكفير واستحلال الدماء والأعراض..والسلامة بفضل الله من هذا المسلك لا تعني تزكية هذا المحتوى الطويل الممتد المحفوظ في الكتب والأشرطة من المآخذ والعيوب والأخطاء؛ التي لا يسوغها عندي أن يكون كثير منها من وحي البيئة، وتلقين محاضن الدرس الأولى على يد الشيوخ، وبواسطة مقررات تعليمية يحفظها الطالب في مراحل تعليمه.على مدى هذي السنين الطوال كنت أتحدَّث عن (أخطاء الناس)، وحين ينتقدني أحد على الملأ أجدني أرتبك وأتذمَّر، ويتبادر إلى ذهني السؤال عن هدفه من هذا النقد، وعن دافعه، وعن تصنيفه.. ليكون هذا سبباً كافياً في رد ما يقول.ولكني لا أسيغ أن يتساءل أحد عن دافعي حين أنتقد، وربما قلت له: ليكن دافعي ما يكون، المهم أن تتدبَّر ما أقول فلعل فيه بعض الصواب!أتحدَّثُ عن التقوى، والفضائل، ومكارم الأخلاق.. فيظن السامع أنني تمثَّلت هذه القيم في نفسي وحياتي ويحسن الظن بي، ثم يصدم حين يجد عندي ما يخالف الصورة التي رسمها.قد يسمعني شاب طرير أتحدّث عن فضل قيام الليل، فيظنني من أهل الأسحار، فيصلي الفجر معي فيجد أثر النوم في عيوني.وحدث غير مرة وكنت أجلس للتدريس بعد الفجر أن يجتمع الطلبة في الحلقة ينتظرون (شيخهم)؛ الذي ذهب يصلى الفجر في مسجدٍ يؤخّر الصلاة، أو يرونه يقضي ما فاته من الصلاة خلف الصف!لعل أمر الطالب القريب المصاحب أهون، ولكن الشأن في بعيدٍ عرفك بواسطة محاضرة أو درس فاغترّ بظاهر ستر الله عليك!ولعله ظن أن الداعية من طينةٍ أخرى أو من برجٍ آخر لا يهش ولا يبش، ولا يبتسم إلا للضرورة القصوى، ولا يغضب، ولا يخضع للطبع والمزاج، ولا ينفعل..ولم يخطر بباله أن يكون داعية صاحب نكتة أو دعابة وخفة ظل، أو حليف كآبةٍ وهمٍّ وغمٍّ وحزن، أو صاحب مزاج متقلِّب، أو مبتلى بذنبٍ خفي بينه وبين الله، أو أنه قد ورث في جيناته سفعة غضب، وحِدَّة طبع، وسرعة انفعال أخفق في تهذيبها وتشذيبها!وربما اجتمعت فيه هذه الخلال كلها..حتى سخَّر الله هذه الشبكات الاجتماعية على ما فيها إلا أنها جعلتنا نشاهد بعضنا دون تزييف أو تلوين، نشاهد الحياة بعفويتها وطبيعتها، وخيرها وشرها، وحلوها ومرها، وفرحها وحزنها، وعزائمها ورخصها، وقسوتها ولينها..لقد تعلّمت منها الكثير، وكان من أهم ما تعلَّمت التخفف من الرسمية والتوقر الزائد، والتدرُّب التدريجي على الاعتراف بالخطأ، والبُعد عن المثاليات.بدل الحديث عن أخطاء الناس ومطالبتهم بالتصويب، أدركت أن الأفضل لمقصِّر مثلي أن يتحدث عن تجربته هو، وخطئه هو، ليكون صادقاً مع نفسه ومع الآخرين، ولينزل من برجه العاجي ليصطدم كتفه بكتف غيره، وينأى بنفسه عن الإحساس بالفوقية، ثم يتشارك هو والآخرون في النهوض والتصويب والتصحيح ما أمكن، دون إملاءٍ أو وصاية..شكراً (تويتر)، شكراً (فيس بوك)، شكراً (أنستجرام).وشكرا خاصا لـ (سناب شات).فقد تعلَّمت منكم ما لم أتعلمه من غيركم.
4052
| 01 يناير 2016
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أغفلُ عن مطالعة القرآن الكريم ومراجعته حدّ أن أخشى دخولي في الآية الكريمة: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (30:الفرقان). وأحاول أن أعوّض بالنظر في طرائق القرآن وأساليبه في التأثير على القلوب وصياغتها من جديد.وجدتُ واحدة من هذه المؤثرات في ضمائر الألوهية الموجودة في القرآن بصيغ متعددة وبكثرة تدعو للعجب.كنا نسمع لغزاً عن سورة يوجد لفظ الجلالة (الله) في كل آية من آياتها؟ونكتشف أنها سورة المجادلة: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (1).ولو تعوّد التالي للقرآن على التيقظ للألفاظ والضمائر والإشارات العائدة إلى الله لكان تأثير القرآن على وجدانه وقلبه مضاعفاً، ولأدرك أن هذا الكتاب هو دليل عظيم على الله ووجوده وعظمته أعظم من الكون والأرض والسماء وسائر المخلوقات.بالملاحظة أدركت أن أعظم مقاصد القرآن على الإطلاق صناعة الحضور الربّاني في القلب البشري، فهو الشاهد الذي لا يغيب، والرقيب الذي لا يغفل، والحاضر الذي لا يعزب، و{لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} (3:سبأ).فضلاً عن أن هذه الطريقة تحيي في القلب الشعور بمصدر القرآن كلما همّ بتلاوته حتى لو كان الحديث عن موضوع آخر غير الألوهية.ألقيت العديد من الكلمات حول هذه الملاحظة؛ ملاحظة كثرة وتنوع الضمائر الإلهية في الآيات بطريقة تلح على العقل والقلب والسمع حتى لا يستطيع القارئ أن ينفك عنها إلا أن تكون الغفلة قد استحكمت عليه.وفي كل مرة كنت أطلب من الحاضرين أن يفتحوا صفحة اتفاقية أي صفحة من المصحف ثم يطبقوا عليها الملاحظة، وفي كل مرة أجد الاستغراب منهم!مرة وقع الاختيار الاتفاقي غير المقصود على صفحة (١٦٧) من سورة الأعراف، فماذا وجدنا؟{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ..} (138)، نون العظمة لله تعالى؛ الذي جمّد لهم البحر.{قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا؟} (140)، لفظ الجلالة العظيم.{وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (140)، ضمير (هُوَ) للغيبة، واختياره هنا إما تنبيهاً على غفلتهم عنه حين عبدوا غيره أو لغير ذلك.وهو الفاعل في: (فَضَّلَكُمْ).{وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم} (141)، ضمير (نَا) يتكرر هنا؛ لأن المتكلم هو الله.{وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} (141)، الرب هو أحد أسماء الله.{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} (142)، فاعل الوعد والمواعدة هو الله المتكلم صاحب العظمة والصدق.{وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} (142)، والمتمم هو الله.{فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} (142)، وربه هو الله.{وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} (143)، هنا نون العظمة واسم الرب.{قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} (143).موسى الكليم يتطلّع لما هو أبعد فيتمنى الرؤية، ويدعو باسم الرب؛ الذي وجده حفياً به في تحولات حياته، وتقلباتها، ومضايقها.. ويخاطبه بـ(رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ)، والكاف ضمير المخاطب وهو الله ..وذات مرة وقع الاختيار التلقائي على الصفحة رقم (٣٢٣) من سورة الأنبياء، وأولها: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} (11).. الآيات.وأدع استخراج الضمائر العائدة لله في الصفحة للقارئ الكريم كتجربة شخصية. بحث كهذا يستحق رسالة علمية؛ تحصر كل الأسماء والضمائر والإشارات، وتقارن وتستخرج الفروق والجوامع والأسرار، وهي نعمة لمن وفّقه الله إليها.
2325
| 25 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...
4938
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...
4914
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...
1611
| 13 مايو 2026
قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...
1113
| 13 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...
1038
| 11 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...
1005
| 14 مايو 2026
في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...
717
| 13 مايو 2026
إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...
714
| 14 مايو 2026
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...
678
| 12 مايو 2026
يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...
651
| 13 مايو 2026
أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...
603
| 11 مايو 2026
في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائما في...
558
| 12 مايو 2026
مساحة إعلانية