رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إنها السُّنن!

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); كان عبدالجبار بن حمديس يتحاشى ركوب البحر ويصيبه الدوار، فلاموه، فقال: لا أركب البحر أخشى... عليّ منه المعاطبطين أنا وهو ماءٌ... والطين في الماء ذائب! وكأنما كان أبو القاسم الشابي يرد عليه إذ يقول: ومن يتهيّب صعود الجبال... يعش أبد الدهر بين الحفر! نفخ الروح الملائكية في الطين من شأن الله (البديع)، أما نحن فشأننا نفخ روح الحماس والمخاطرة المحسوبة، والإصرار والإبداع في مشاريع العمل والحياة..هذا المشهد التاريخي الموغل في القدم.. والموغل في الحداثة لقربه منا.. مشهد الخلق الأول يلهمنا السعي نحو بلوغ الكمال، حتى لو استنزف العمر كله، مجرد أن نحلم بملامسة الهدف وننهض إليه شيء رائع! كيفية الخلق واستغراقه للسنين الطوال تُذكّر بقصة خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهي من أيام الله؛ لأنها كانت قبل أن يوجد شمس ولا قمر.قال ابن عباس: (خلق السموات والأرض في ستة أيام، وكلّ يوم من هذه كألف سنة مما تعدّون أنتم).الخلق الإلهي ليس إرادات عشوائية متفرقة ومفاجئة، بل هو نواميس محكمة لا مجال فيها للاستعجال ولا لحرق المراحل! التدرج قدرٌ مقدور في الخلق وشرعٌ قائم بالحق، ظاهرة في خلق آدم، وفي ذريته، وفي التحولات السلبية والإيجابية معًا، وكل شيء له درجات: اللذة، والألم، والقوة، والشهوة، والعلم، والطاعة، والمعصية.والإنسان يمر بها (إِنَّ الله كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِى، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ، وَيُكَذِّبُهُ) (متفق عليه من حديث ابن عباس).وفق إرادة الله تحين لحظة انبثاق الروح في الجسد، وهي لحظة تاريخية توجت تكوين آدم، وأحدثت (معجزة الإنسان) بكل إبداعها المذهل وتفصيلاتها الآسرة وجمالياتها الممتدة..تكريس مبدأ السببية في الكون والإنسان مقصود هنا، والله قادر على أن يخلق آدم والسماء والأرض بكلمة، ولكنه أراد أن يتعلّم الناس السير وفق السُّنن والنواميس الطبيعية. الله يلهمنا أن نتعلم سلوك الطريق ولو طال، وألا نتكل على الأماني الفارغة والرغبات الجوفاء.نبكي ونتضرّع إليه وهو سميعٌ رحيمٌ قريبٌ، ولكنه يعلِّمنا حين يؤخر الإجابة أن لحظة انبثاق الروح في موات الشعوب لم تحن بعد {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ} (104:هود).كل شيء له أوان وإبّان لا يتقدم ولا يتأخر ولو كره الناس وضجوا واستبطؤوا.. «وَالله لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأمر حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ الله أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (رواه البخاري من حديث خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ).أحلام النهوض والتنمية والحضارة والانتصار لابد أن تخضع للسنن الإلهية، وتستعمل الصبر، وتتلمّس الطريق ولو طال.. وفيما سوى ذلك سنصطدم بالجدران مرة تلو الأخرى.. حتى نفيق! النصر لا يأتي سهلًا رخيصًا، ولو جاء كذلك لما بقي..{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} (214:البقرة).قال ابن تيمية: مسّتهم الضراء في أبدانهم، والبأساء في أموالهم، والزلزال في إيمانهم! ثمَّ أقدار إلهية ضخمة نحار في فهمها وإدراك مراميها حتى تكتمل صورتها..لا تستطيع أن تقرأ تمام الحكمة الإلهية للخلق والأحداث من حولك؛ لأنك تقرأ لونًا هنا وخطًا هناك، وما زالت بعض أجزاء اللوحة لم يُرسم بعد.لك في البريّة حكمةٌ ومشيئةٌ...أعيت مذاهبها أُلي الألبابِإن شئت أجريت الصحاري أنهرًا...أو شئت فالأنهارُ موجُ سرابِماذا دهى الإسلام في أبنائه...حتى انطووا في محنةٍ وعذابِ؟فثراؤهم فقرٌ ودولة مجدهم...في الأرض نهب ثعالبٍ وذئابِأيها الإنسان! فيك نفخة السماء، وفيك طين الأرض..انظر عاليًا يوم أن تحتاجوانظر إلى الأرض يوم أن تغتر.

876

| 03 يونيو 2016

ابن التراب!

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); في قصة الإسراء والمعراج عرض جبريل عليه السلام على النبي -صلى الله عليه وسلم- إناء من لبن وإناء من خمر، فاختار النبي اللبن، فقال جبريل: «هُدِيتَ الْفِطْرَةَ أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ» (رواه البخاري ومسلم).الفِطْرَة جاءت مع الإنسان الأول، وما يشرب الإنسان أو يأكل يؤثر في مزاجه وشخصيته..فكيف بالمادة الأصلية التي خُلق منها ومنها تكوّن لحمه وعظمه وعصبه وأعضاؤه (الطين)؟الخلق من طين معنى شائع في الكتب السماوية والثقافات البشرية، وثمّ أدلة وجدانية في داخلنا تعبّر عن طينية الإنسان يلمسها المرء في أنفاسه ومشاعره وأحاسيسه وتقلّباته..كنا في ظهر ذلك الرجل الأول، ومررنا بمراحل وآلام وأهوال حتى وصلنا هنا..وما زالت الرحلة مستمرة..بمقدورنا إذًا أن ننسى آلامنا فهي عابرة.أجيال بعد أجيال مرّت على هذه الأرض وأنت ما أنت فيهم إلا ومضة قصيرة..فلكي تذكر: تواضع..أحب..اعمر..تسامح.أجد مراحل الطين في ذاتي، وحين تمر بي تحولات الفرح والحزن، والسعادة والشقاء، والسكون والثورة، واليقين والشك؛ أتذكّر الطين اللَّازب، والحمأ المسنون، والصلصال..بل أتذكر الماء الذي عجن به الطين..وماء الأرض فيه الحلو العذب الفرات، وفيه الملح الأجاج، وفيه المر..يكشف ذلك التعبير النبوي: "لِكُلِّ عَابِدٍ شِرَةٌ وَلِكُلِّ شِرَةٍ فَتْرَةٌ » (رواه أحمد وابن حبان في صحيحه).بيت من الطين..ذاك هو الإنسان، وبيوت الطين تُذكِّر بالقرية والبساطة والعلاقات الحميمية الطيبة.سألت صديقًا عن شخص ما، فقال: لقيته بالأمس وهو غريب الأطوار، تراه اليوم مقبلًا منبسطًا إليك، ثم تراه من الغد وكأنه لا يعرفك! إنه متقلّب المزاج! حتى أنا مثله، متردد بين الحماس والفتور، والإقبال والإدبار! القلب يحب حتى يذهل، ثم يُعرض، ويقدم ثم يُحجم، ويتسامى ثم ينحط! مراحل الطين تمر بي جميعها، وأنواع الماء، أجد الحمأ المسنون في مسام الجسد فأحتاج لمعالجته؛ لأشعر بنشوة النظافة ونفثة العطر.وأجده في مسام الروح فأحتاج للتسبيح والذكر والاستغفار؛ لأمحو لحظة غفلة أو شرود أو استجابة للنفس الأمارة.يقع لي مشكلة مع متابع لا يراني إلا متفائلًا مبتسمًا سعيدًا حتى ظن أني من طينة غير طينته..كلا؛ ولكني أظهر الحسن وأستر القبيح! هل هو خطؤه؟ أم خطئي؟ أم خطؤنا معًا؟أنفصل عن عفويتي حينًا لأني أجد خصمًا عنيدًا أو جاهلًا متربصًا فأقرر أن أفوّت عليه فرصة (تغريدة) تعبر عني بصدق، ولكنه سيذهب بها يمينًا أو شمالًا حتى تفقد عفويتها! الطين خصب قابل للإنبات.. تكون فيه الورود والأزهار والأشجار النافعة، وتكون الأشواك والأشجار السامة والمخدرة.. وقد تتجاور هذه وتلك، هكذا نحن فينا التقوى والفجور والزكاة والتدسية..الإنسان خليفة في الأرض فأن يكون مخلوقًا من طينها فهو أدعى لنجاحه في استعمارها، والغوص على أسرارها، ومعرفة قوانينها، والضرب فيها.العمل والكد والكدح و(عرق الجبين) ليس عيبًا..هو سر التميز والإبداع.الطين يمنح المرونة والتشكّل والتكيف مع الظروف والمتغيرات المناخية والاجتماعية، بخلاف ما لو كان الخلق من القش أم من الصخر، الصخر قاس لا يلين، والقش متفرق لا يلتئم! الطين يمنح التنوع، الأبيض والأسود وما بين ذلك، والطيب والخبيث وما بين ذلك، واختلاف الطبائع والميول يثري الحياة ويوسعها.وعن أبى موسى مرفوعًا: «إِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ جَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ» (رواه أحمد، والترمذي وصححه، والحاكم وصححه).كانت العرب تقول: لَا تَكُن يَابِساً فَتُكْسَر ولَا رطبَاً فَتُعْصَر.والطين كذلك جمع بين الليونة والقوة.الطين يوحي بالنهاية، {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} (55: طـه) ..والنجاح دومًا ممنوح لأولئك الذين يبدؤون العمل وعيونهم على النهاية، «كُنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» (رواه البخاري عن ابن عمر).يبقى التراب أصلنا ولو وضعنا قباب الذهب فوق شواهد قبورنا، وأصررنا على تجاوز البساطة حتى بعد موتنا! أيها الحزانى: أمواتكم محفوظون في تربتهم؛ التي خُلقوا منها وإليها عادوا، وسوف تلقيهم الرحم مرة أخرى لميقات يوم معلوم..إذا جاز التعبير عن الخلق الأول بالولادة من الأرض، فالأرض هي الأم الرؤوم الصابرة المتحملة لكل عبثنا وشقاوتنا بل وحماقاتنا الكبيرة.هي أمنا وأصلنا فلا غرابة أن نتأذى يوم أن يستشري على ظهرها الفساد والظلم! حين نقترب من التربة التي وُلدنا فيها، ومنها وعليها نشعر بالدفء والعافية «تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا» (رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة).وحين نأكل منتجاتها الفطرية الطبيعية السالمة من الدخل نكون أقرب للشفاء والصحة..ولا غرابة أن نشعر بالخوف كلما فارقناها فخضنا لجج البحار أو صعدنا أجواز الفضاء! نحن أبناء التراب نطؤه بأقدامنا لنتعلم التواضع وننفي الكبر والخيلاء.. وهل يتكبر الإنسان إلا ساعة ينسى أنه طين حقير؟! مهما صعدنا للفضاء، وترقينا في المعارف، ودارت رؤوس بعضنا بالكبر المعرفي أو المالي أو السلطوي، يظل التراب يطوقنا ويجرنا إليه، ويعيدنا لأصلنا الأول! حين تقارن، قارن أحسن ما فيك بأسوأ ما فيك لترتقي وتسمو، ولا تقارن أحسن ما فيك بأسوأ ما عند الآخرين ليظهر تفوقك ونقصهم! الذين لا ينظرون إلا للجانب السيِّئ فيك يشبهون صفة الشيطان يوم نظر إلى أسوأ ما في آدم: {قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} (33: الحجر).

1087

| 27 مايو 2016

تِمْثَالٌ مِن صَلْصَال!

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); صانعُ الفَخَّارِ يَلْقَى في صُنع الجَرَّةِ الصغيرة عناءً كبيرًا، ثم يبيعها لشابٍ عابثٍ ويقول له: - ستكون مسرورًا من بضاعتي، إنه عمل تمَّ في وجداني، وسيخدم أبناءك وأحفادك! يمضي الصانع وزملاؤه في طريقهم، فيشاهدون مجموعة من الشباب يحملون جِرَار الفَخَّار الجميلة، التي اشتروها منهم، ثم يضعونها على هاوية جبل، ويرشقونها بالحجارة، وكأنهم تراهنوا أيّهم يكسر عددًا أكبر منها! تكسَّرت الجِرَار وسقطت في الهاوية، والشباب يرقصون ويضحكون! يركض صانعو الفَخَّارِ إلى الشباب بغضبٍ وهم يصرخون: - ماذا تصنعون أيها الأشقياء؟ أنتم لا تُقدِّرون قيمة الكنز الذي في أيديكم! - ولماذا تغضبون؟ لقد بعتم بضاعتكم وأخذتم ثمنها، ونحن أحرار فيما نفعل فيها. - ولكن هذه الجِرَار عزيزة علينا، وقد كلَّفتنا جهدًا لتصبح هكذا، ووضعنا في طينها كثيرًا من جهدنا، وبعض أرواحنا حتى أصبحت شيئًا جميلًا مفيدًا، وها أنتم يا قليلي الإيمان تحولونها إلى شظايا وتعبثون بها! قرأت هذه القصة الجميلة في رواية (بلادي) لـ"رسول حمزاتوف".. وبالمناسبة يوجد في "اليوتيوب" مقطع له في نهاية عمره؛ يعلن ندمه على أخطائه وزلاته بخشوع وانكسار.. رحمه الله.وجدت في القصة معنى رمزيًا يشجب الاعتداء على الحياة الإنسانية من تجار الحروب وقتلة الشعوب؛ الذين يكسرون الفَخَّار بعدما نُفخت فيه الروح.. فينالون سخط الله ومقته ولعنته وعذابه.. فلا تقتلوا أنفسكم.{خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} (14: الرحمن).الصَلْصَال هو: الطين اليابس؛ الذي يُسمع له صوتٌ إذا ضُرب، وهو يشبه الفَخَّار الذي تُصنع منه الجِرَار.أواني الفَخَّار تتميز بحفظ الماء وتبريده وإحيائه، نعم إحيائه، فبواسطتها يتسلل الهواء لأعماق الماء، ويمنحه معنى جديدًا ومذاقًا حيَّا، للماء إذًا حياة! جسد الآدمي وعاء أو منجم صغير مكون من ٢٣ عنصرًا هي موجودة في الأرض.عبّر النبي عن مرحلة ما قبل الروح حين سئل: متى كنت نبيًا؟ فقال: كنت نبيًا وآدم مُنْجَدِلٌ في طينته! (أخرجه أحمد، والطبراني، والحاكم، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان عن عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ).هذا التمثال الآدمي المُنجَدِل على الأرض تشكَّل من: - تراب - عُجن بالماء فصار طينًا - ثم تُرِكَ ما شاء الله من الأزمنة حتى أصبح طينًا لازبًا (اللَّازِب: الملتصق بعضه ببعض). - ثم تُرِكَ ما شاء الله حتى أصبح حمأً مسنونًا (الطين المنتن الأسود، والمسْنُون: قد يكون معناها المحدد الذي بدأت تظهر ملامحه وتتضح).ثم تُرِكَ ما شاء الله حتى صار صَلْصَالًا كَالْفَخَّار..قد تكون أربع مراحل، أو خمسا، أو ثلاثا، محل بحث وتردد، وهي تشبه مراحل الجنين في بطن أمه، وكل مرحلة أربعون يومًا، كأيام الجنين أيضًا، ولكن لعلها من أيام الله، فيكون ثمَّ تفاعل كيميائي استغرق من السنين الطوال ما الله به أعلم حتى تتخمَّر هذه القبضة الطينية وتشكّل الحمض النووي ثم الخلايا الحيَّة.في صحيح مسلم عن أنس مرفوعًا: « لَمَّا صَوَّرَ الله آدَمَ في الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ الله أَنْ يَتْرُكَهُ..».وعن ابن عباس، وابن مسعود وأناس من أصحاب رسول الله أنهم قالوا: تركه أربعين ليلة أو أربعين سنة.. أو في كل مرحلةٍ أربعين سنة.. وفي ذلك روايات متكاثرة؛ ذكرها الطبري، والسيوطي في "الدر المنثور"، وغيرهم.وحمل جمْع من المفسرين صدر سورة الإنسان على هذا المعنى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} (1: الإنسان)، لم يكن شيئًا البتة كما قال: {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} (67: مريم)..ثم كان شيئًا غير مذكور.ثم ترقّى في المراحل والفضائل والكمالات.القرآن ليس كتابًا في العلوم الطبيعية حتى يرسم التفاصيل، ولكنه يحدد الأسس والجوامع لمقاصد إيمانية وتربوية وحضارية، ويرسم طريق البحث العلمي القاصد ومنهجه.ما أغفله القرآن فإغفاله رحمة، وما ذكره فذكره حكمة.والحقيقة لا تزعج أحدًا وهي قرين الوحي، الذي يزعج ويضر هو المعرفة الناقصة المصابة بالغرور، أو الوهم والجهل الذي يظنه صاحبه علمًا.القرآن يأمر بالسير في الأرض، والبحث عن أسرار الخليقة الأولى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} (20: العنكبوت).والنظر في الهياكل والجماجم البشرية المتقادمة مدرج للمعرفة والكشف، وما زال العلم يحبو ولم يصل بعد إلى يقين، ولا قال كلمته الأخيرة في كثير من المسائل النظرية.وربما كانت ثقة بعض المسلمين المعجبين بالنظريات الأحيائية أعظم من ثقة علماء الغرب؛ الذين تقتضي تقاليدهم المعرفية الهدوء والتأنّي، وطرح الاحتمالات، وإبعاد الثقة الإيديولوجية، والتوظيف المصلحي عن العلوم ونتائجها، وهذا يجعل المرء أكثر استعدادًا للبحث والمواصلة وتقبُّل الاحتمالات والفرضيات، وعدم التسرُّع في الجزم في حالتي النفي والإثبات {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} (85: الإسراء).أول ما نزل من الوحي على رسول الله كان يتعلق بالخَلْق، وبخَلْق الإنسان بالذات من عَلَقٍ، ويحثّ على القراءة والعلم، واستخدام الملكات التي وهب الله الإنسان في الكشف عما لا يعلم: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (1 - 5: العلق) .وأحدث الثورات التي يعيشها العالم اليوم هي: "الثورة الجينية"؛ الكاشفة عن خريطة مفاتيح التحكم في منظومة الجينات المعقدة، وتاريخها ومستقبلها وعلاجها.القرآن يربط المعرفة بـ (اسْمِ رَبِّكَ)، ليحمي الإنسان من آثام توظيف العلم توظيفًا منافيًا للأخلاق؛ كالعبث بالهوية الإنسانية، والخلط بين الإنسان والحيوان، ومحاولة التدخُّل في جوهر الكينونة البشرية، والغفلة عن فطرة آدم؛ الذي كان طينًا ثم صار خَلْقًا آخر بعد نفخ الروح الملائكية فيه.

712

| 20 مايو 2016

الشَّجَرة المَلعُونَة!

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); خُلِقَتْ شجرة آدم وحواء ابتلاءً وامتحانًا، وخُلِقَتْ قضاءً مقضيًا وقدرًا مقدورًا؛ لاستكمال نزول الأبوين إلى الأرض، وحصول الوصال الجسدي، وتوالد الذريّة، والشيطان كان يدري أن ذلك حاصل، ولذا كان يهدد الذرية {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلًا} (62: الإسراء) . وفي هذا إلماح وإلهام ألا يضيق الإنسان بالمعصية إذا أعقبها توبة، فربما كانت خيرًا، كما قال -صلى الله عليه وسلم- : "عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ » (رواه مسلم).ولذا خلق الله المحرَّم من الشجر وغيره، وكان ابن القيم يقول: وَرُبَّمَــا كَــانَ مَكْــرُوهُ النُّفُــوسِ إلَـى... مَحْبُوبِهَـــا سَــبَبًا مَــا مِثْلُــهُ سَــبَبُ! وكان ابن تيمية يرى عموم الحديث حتى في قدر الذنب والمعصية إذا تاب منها وأناب! وقد يكون الشيء محرَّم الأكل ولكنه نافع لمصالح الناس؛ كاستخراج علاج أو زينة أو ظل، أو للمخلوقات الأخرى غير الإنسان. الأكل من الشجرة نقلهما إلى مرحلة التكليف وهي اللحظة المناسبة لسكنى الأرض، ولذا أبلغهما ربهما بأنه سوف يبتليهما وذريتهما ويرسل إليهم الهدى ويخضعهم للحساب والجزاء والثواب والعقاب.{وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} (35: البقرة)، كأنهما كانا ينظران إليها؛ ليكتمل الابتلاء ويتحقق المراد ويمضي القدر المقدور، ولذا كان النظر أول مراحل الوقوع في الشهوة، وقال ابن القيم: كُلُّ الْحَوَادِثِ مَبْدَاهَا مِنَ النَّظَرِ *** وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِكَمْ نَظْرَةٌ بَلَغَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا *** كَمَبْلَغِ السَّهْمِ بَيْنَ الْقَوْسِ وَالْوَتَرِوَالْعبد مَا دَامَ ذَا طَرْفٍ يُقَلِّبُهُ *** فِي أَعْيُنِ الْعِينِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْخَطَرِيَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهْجَتَهُ *** لَا مَرْحَبًا بِسُرُورٍ عَادَ بِالضَّرَرِوكانت رائعة المنظر، شهيَّة للعين، جذَّابة للنفس، ولذا نهوا عن مجرد الاقتراب، وهو نظير ما يسميه العلماء: (سد الذرائع)؛ لأن الاقتراب يغري بالتجربة والذوق، والتذوق قد يوقع في الإدمان.الكأس الأولى هي الأخطر، والخطوة الأولى، والنظرة الأولى.لاَ تَقْرَبَا: لا أكلًا، ولا لمسًا، ولا شمَّاً! والأكل وما ينفذ إلى باطن الجسد أشد تأثيرًا من مجرد اللمس أو اللباس أو النظر..ولعل الأمر لم يكن أكلةً كاملة مشبعة، بل لقطةً عجلى أورثت حزنًا طويلًا، ولذا عبَّر بالذوق: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} (22: الأعراف).الأكل من الشجرة ذنب وهو من الصغائر أو اللَّمم، وسمّاه آدم معصية في حديث الشفاعة، ولم يترتب على فعله عقاب محدد، والهبوط إلى الأرض مكتوب من قبل، ولذا سبق قول ابن عباس: (إن الله أهبط آدم إلى الأرض قبل أن يخلقه)، يعني خلقه للأرض، ولذا يجب التمييز بين كيد الشيطان وبين فعل الإنسان وبين قدر الرحمن..كانا في الطور الأول، والخبرة لا تزال ضعيفة، مثل حديث العهد بالإسلام أو حديث العهد بالحياة أو حديث العهد بالتكليف، ولذا خوطبا فيما بعد {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} (38: البقرة). صوّر لهم إبليس أن الشجرة هي: {شَجَرَة الْخُلْدِ}، وخاطب الرغبة البشرية بالبقاء والخلود، ولعلهم علموا أن في الجنة شجرة اسمها (الخُلْد)؛ يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها؛ كما ورد في الحديث: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا» (متفق عليه)، وجاءت تسميتها في رواية عند أحمد وغيره.وهذا نقيض ما حدث فالأكل تسبب في خروجهما من الجنة! ومنّاهما أن يكونا كالملائكة في الروحانية والخفة فيستغنيا عن الأكل والشرب، وكان هذا نقيض ما حدث، فالأكل رسَّخ صفتهما البشرية الطينية..والعابد قد يميل إلى الصفة الملائكية ويجاهد نفسه على التسامي عن طبع البشر، وكذلك المستعجلون رحيلهم للآخرة؛ هربًا من الفتن وعجزًا عن مواجهتها والصبر عليها، وخوفًا من تكرار الوقوع في جرائم سابقة.والفضيلة في الصبر والتحمل والمجاهدة والنهوض كلما عثر وكثرة الاستغفار واستحضار رحمة أرحم الراحمين، ولذا ذمَّ الله من تركوا النفير خوف الوقوع في فتنة النساء وقال: {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} (49: التوبة). إباحة شجر الجنة تعني أن الحلال يكفي لإشباع الغرائز والتطلّعات والميول والأحلام، وحين نمنع شيئًا علينا أن نوفر البدائل المشبعة للحاجات الإنسانية الفطرية. والتأنق في الحلال وحسن الاستمتاع به يملأ النفس ويغنيها.وكل ما حرّم الله ففي الحلال ما يغني عنه مما هو أحسن منه وأطيب، وأحمد عاقبة، وأروح للنفس، وأبقى للعافية، وأدوم للسعادة.. ولكن الشيطان يُزيِّن الحرام، حتى يقال إن الفرزدق واعد امرأته ثم عرفها وقال: ما أطيبك حرامًا وأخبثك حلالًا! (تفاحة آدم)؛ رمز الجاذبية، وهي سر اكتشاف نيوتن للجاذبية، وشعار ستيف جوبز في شركته، وهي التي يدخنها العربي في (شيشته)، ويفخر برأس الشيشة (أبو تفاحتين)! يميل الغربيون إلى ترميز التفاحة؛ أسوة بما في كتبهم أنها شجرة آدم وحواء، ويختلف المفسِّرون الإسلاميون فيراها بعضهم السنبلة أو البر أو التين أو النخل أو الأترج، وكل ذلك مروي عن السلف.ولعلها الكرم والعنب؛ الذي صار المادة الأساسية للخمر، والخمر أم الكبائر ومفتاح الذنوب.. شرع الشيطان لأوليائه سوء استخدام المعرفة ووضعها في غير موضعها، وهذا سر تقبُّل الأبوين للإغراء، فالباطل المحض لا يروج حتى يكون مشوبًا ببعض الحق الذي يحمل على التأويل، ومن العجب ميل آدم إلى أن يكون من الملائكة مع أن الله أسجد له الملائكة! رحم الله آدم وحقق له ما كان يريد من الخلود ببقاء ذريته في الأرض وتملكها جيلًا بعد جيل، والانتفاع بخيراتها وثرواتها، وهذا الملك الذي لا يبلى كما بلى ملك إبليس وأشياعه بفسادهم وإسرافهم في سفك الدماء.ورحمه بالتوبة النصوح المتقبّلة؛ التي صار بها وبعدها أفضل مما كان عليه قبلها.ورحمه بالنبوة ثم الجنة والخلود فيها مع الصالحين من ذريته.هذه شجرة آدم وحواء..فما شجرتك أنت؟{بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} (15، 14: القيامة).

1212

| 13 مايو 2016

شجراتي!

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); سألني صاحبي: ماذا كانت شجرة آدم؟ وما شجرتك أنت؟لقد جعلت الشجرة بسؤالك هذا معنىً سلبيًا يشير إلى منطقة الخطأ والإثم، وسألت عن الشجرة الخبيثة الملعونة في القرآن.أما شجرة آدم وحواء فسأجيبك عنها قبل أن تقوم من مقامك، أما شجرتي فليست واحدة، هي أشجار شتى، بل غابة كثيفةٌ من المصائب والمعايب والعثرات، بدأت بآفة اللسان والمحاولات الشعرية الأولى؛ التي وظّفتها في هجو أستاذ صدقت عنه الشائعات بلا تثبت، ورحمني ربي بأن اقتربت منه وصادقته وذببت عن عرضه قبل أن يغادر إلى الدار الآخرة! بعض أشجاري يبست وماتت وصارت ذكرى تحمل على الاستغفار وطأطأة الرأس حياءً وخجلًا تأسيًّا بفعل الأبوين، وبعضها ضربت بجذورها في التربة وبسقت في السماء، وربما ظنها بعضهم من الطيبات بحسن الظن، والله أعلم بالمقاصد والنيات! ومن هذه السقطات المكتوبة عليََّ في اللوح تعلّمت أنه يجب على محاصرة الثمرة الفاسدة والتضييق عليها حتى لا تُفسد المحصول كله أو الحديقة كلها.. (وَمَنْ يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ)! فشجرة آدم ليست كشجرة إبليس؛ المنقوعة بماء الكبر، والحسد، وازدراء الخلق، وبطر الحق.ذنب آدم كان انتهاك المحرَّم المنهي عنه، وذنب إبليس كان ترك الأمر على سبيل العلو والتكبر وتعظيم الـ (أنا)! تعلّمتُ أن أهم ما يجب على مباعدته تجنب الاستعلاء على الناس باسم الديانة أو باسم العلم أو باسم الدعوة والاحتساب.لكن دعني من الاستطراد في كشف ذنوبي، فلمَ أكشف ستر الله علي؟ ولمَ أحشر نفسي في زمرة المجاهرين؟هي أشجار لنا جميعًا منذ الطفولة الأولى وظّفنا فيها العقل واللسان واليد والرجل والسمع والبصر في الشهوات والأنانيات، واسترسلنا وراء الدوافع الغريزية دون حياء من الخالق..(أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) (5: هود). الجنة هي الأشجار الملتفّة، والماء الذي يسقيها، ويقال إن آدم وحواء لم يقطعا شجرة قط؛ لأن النص أباح لهما الأكل وسكت عما وراء ذلك، والله أعلم، ولذا منع قطع شجر الحرم؛ تذكيرًا وتشبيهًا له بشجر الجنة، وحثًّا على حماية البيئة.وقال بعضهم: إن آدم كان نباتيًا يأكل من الشجر المباح له ومن طيبات الأرض، ثم أُحلّت الأنعام بعد ذلك، والله أعلم بصحة ذلك.المباح هو الأصل والاستثناء شجرة واحدة، وكذلك الشرائع السماوية أوسع دوائرها المباح والحلال والجائز والمسكوت عنه، وأضيقها وأقلها الحرام، وكل أشجار الدنيا حلال في الأصل إلا ما أذهب العقل؛ كالمخدر والمسكر، أو أهدر الحياة؛ كالسموم.النهي معلل بعلل ومتصل بحكم ومصالح وليس لمجرد التعبد، فالتعبد استثناء.والتعبد ذاته معلّلٌ بتحقيق التقوى وإصلاح النفس والناس، والله تعالى حكيم يمنع ويبيح بعلم وحكمة.بعض المجتمعات الإسلامية مولعة بالتحريم والمنع ولو لم يرد دليل، وترى المنع دليل العلم الصادق والتقوى، وتتربى على رفض الجديد، وتتوجّس منه خيفة، وتفزع إلى طلب الفتوى، فتضيق على نفسها وعلى المفتي، وربما كانت الفتوى مبنيَّةً على سؤال موجّهٍ توجيهًا سلبيًا؛ يستحضر المخاطر ويكاد يملي جوابًا بالمنع، حتى إذا وجدت من يتوسع في الحكم ويعيده إلى أصل الإباحة قالت: هذا متساهل..هذا فاتحها بحري! أما الاكتشاف والسبق والمبادرة فتكاد تختفي في مجتمعات المسلمين اليوم! من أين استقر في الأذهان أن علامة التدين الصادق المنع والحظر والتحريم دون حجة، بل لمجرد امتعاض الطبع والعادة والمزاج المبني على عدم الاعتياد؟أليس العقل الضيق هو من حرَّم المطبعة؟ وترجمة معاني القرآن؟ وتعلُّم بعض العلوم الحديثة؟ وحجر الانتفاع بالآلات والمخترعات والوسائل حتى فرضت نفسها علينا وأحاطت بنا، فأتينا طائعين بعدما سبقتنا أمم الأرض سبقًا يصعب تجاوزه.يشطح العلم والإبداع حين يتعدى حدود الله ويحط من قدر الإنسان الكريم، فيتجه نحو الاستنساخ وتجارب (الإنسان القط)، و(الإنسان الفأر)، و(الإنسان الكمبيوتر)، أو يشجع على هدر الفطرة الآدمية بتحويل الجنس إلى جنسٍ آخر لمجرد التشهِّي! حصول الأكل من الشجرة يعني أن الإنسان خلق بإرادة وقدرةٍ تمكِّنه من انتهاك الخط الأحمر، وتحمّله تبعة ذلك من وزر الآخرة أو عقوبة الدنيا: {فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ} (35: البقرة).فالحرية هي الأصل مقابل المسؤولية والحساب.وتأسيس العلاقة الأبوية أو التعليمية أو السياسية على المنع والحجر يفضي إلى ضعف التربية ونقص الرقابة الذاتية، وتؤدي إلى نوع من النفاق والتصنع والذوبان في شخصية الأب أو المربي أو المسؤول! الشجرة الأولى فتقت الجهاز الهضمي للأبوين، وكان موجودًا مخلوقًا مركبًا، ولكنه لم يفَعّل حتى تم الأكل من الشجرة، ولذا قال بعض السلف: هي شجرة من أكل منها أحدث. وقال أبو العالية: كان للشجرة ثقل وتأثير وهضم يترتب عليه الحاجة إلى الخلاء.الشجرة أيقظت الحمأ المسنون، الحاجة إلى التخلِّي، إلى الجنس، إلى الحيض في الأنثى، والله تعالى أعلم.الأكل من الشجرة يشبه حركة البلوغ، واكتشاف الميل الجنسي وكيفية إشباعه والرؤية الكاملة للجسد، جسد الذات وجسد الآخر.كانت الشجرة في وسط الجنة -كما يقول المفسِّرون- وموضع الشهوة البشرية في وسط الجسد.حين أكلت حواء من الشجرة رأت آدم شيئًا مختلفًا؛ عضلات وعينين وقوة، وحين أكل آدم رآها أنوثة وجمالًا وجاذبية، وبدت له مواضع الفتنة والإثارة في جسدها، وهذا جزء من معنى بدوّ السوءة المذكور في القرآن، ولعل من آثاره شعورهما بالخجل والحياء، وخصف اللباس، والإمعان في الهرب.. وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.

1154

| 06 مايو 2016

ثوب آدم!

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); تداولت مواقع صورة لثوب طويل؛ تخيّل راسمه أنه يشبه ثوب آدم عليه السلام! يا بني الكريم! كان لباس والديك أول الأمر البراءة والغفلة عن معنى العورة، كما يحدث لوليدٍ يشم روح الحياة لأول وهلة، ولذا قال وهب بن منبه وغيره: "كان لباسهما النور"، وقال مجاهد: "نزع عنهما لباس التقوى".وكأن لحظة الأكل من الشجرة فتقت معنى كامنًا من الغريزة في نظر بعضهم إلى بعض، وهو جزء من القدر الرباني في التوالد وامتداد الذرية.ومال الإمام الطبري إلى التفسير باللّباس المطلق بغير إضافة إلى شيء متعارف عليه بين الناس، وعليه: فيجوز أن يكون ظفرًا أو شعرًا أو نورًا أو غير ذلك..وأول لباس مستقل ظاهر لبسوه كان من ورق الجنة، وتمت صناعته بطريقة (الخَصْف)، مثل الخرز، ويشبه الخياطة، ويعني ضم أطراف الشيء بعضها إلى بعض ثم شبكها بعود أو نحوه..لم يأخذوا من ورق الشجرة ذاتها، بل من ورق الجنة، قيل: لأنهما أمعنا في الهرب حياءً من الله بعدما لحظا انكشاف سوءاتهما، والله أحق أن يستحيا منه، ولكن إلى أين المفر؟! وبهذا أصبح اللّباس سترًا يواري عورة الإنسان ويعبر عن احتشامه، حتى من نفسه وزوجه إذا لم تكن الحاجة تدعو إلى ذلك، وكان آدم وحواء يستتران من بعضهما بهذا الورق المخصوف! كشف العورة بين الزوجين من غير داعٍ مستهجن، واللّباس يحقق الحشمة والسّتر، ويحقق الإغراء والجاذبية في الوقت ذاته! وبهذا أصبح اللباس من أول مظاهر الإنسانية المترقية المتحضرة، ولذا كانوا يسمون يوم العيد (يَوْمُ الزِّينَةِ).وصار إنسان الغابة يُعرف بالعري وعدم المبالاة بانكشاف سوءته، حتى جاءت الحضارة الحديثة فأدخلت عنصر (التزيين)، وجعلت فتنة التعري الجسدي عبر الاستعراض والرياضة والرقص والموضة وفنون الجسد.. فلسفةً تحتال فيها على اللباس العلوي الكريم؛ الذي ألهمه الله آدم وحواء.. التعري جزءٌ من الحضارة الحديثة وعرفٌ اجتماعي طاغٍ، والتنافس صار في أي الطالبات أو المذيعات أو العارضات أو الحاضرات أكثر تعريًا، وكلما قلت فتنة الجسد كشفت الأنثى عن المزيد إصرارًا على الإغراء والإغواء والحضور! والشيطان يريد من الذرية ما أراد من الأبوين أن تنكشف عوراتهم وتنفرط شهواتهم، ويتشبهوا بالبهائم العجماء؛ التي تجري وراء غريزتها دون إدراك.وبهذا أصبح اللباس رمزًا للفطرة الإنسانية منذ نشأتها الأولى، فهو كان مع آدم وحواء أول ما تفتقت فيهما روح الاجتماع والوصال واشتياق بعضهم لبعض، وتم التوازن بين الطين الأرضي والروح الملائكي..وبهذا أصبح اللّباس جمالًا وزينة، ويكفي أنه من شجر الجنة.وتوارث الأنبياء حب اللباس الجميل، حتى لبس خاتمهم -صلى الله عليه وسلم- الجُبَّة والحُلَّة والإزار والرداء والقميص، وكان أصحابه يحبون أن تكون ثيابهم حسنة ونعالهم حسنة، وخافوا أن يكون هذا من الكبر فقال لهم: «إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»! وكان يلبس أحسن ما يجد من الثياب، حتى إن عمر رأى حُلَّةً من الحرير فائقة الجمال تُباع في السوق، فاشتراها لرسول الله لما يعلم من حبه للجمال، ورغبةً أن يلبسها للعيد والجمعة والوفود، فبيَّن له النبي حرمة الحرير! هل تثق بذوقك في شراء اللّباس الملائم لشخصيتك؟ وهل يثق أهلك بذوقك؟وبهذا أصبح للباس وظيفة معنوية تشعر الإنسان بهويته البشرية، وميزته الإنسانية، وتذكره بالعهد والميثاق الإلهي: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ} (26: الأعراف).فثمَّ لباس ظاهر من الثياب الخاصة الشخصية أو العامة؛ التي هي الريش..ولباس باطن من الطيبة والخير والصلاح والتقوى والحياء؛ كما قيل: إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التُّقى... تقلَّب عريانًا وإن كان كاسياوخير لباس المرء طاعة ربه... ولا خير فيمن كان لله عاصياالسوءة الجسدية تستر باللباس الجميل المعبر عن تميز الإنسان عن شركائه في الحياة، والسوءة المعنوية بنقائص العقل أو أمراض القلب تستر بالتجمُّل والتكمُّل والترفُّع والتصبر والمجاهدة. و(إنزال) اللِّباس قد يعني إنزال المادة التي يُصنع منها، أو المطر الذي ينبته، أو إنزال الامتنان به وإباحته وتشريعه للبشر.ولذا كان الأصل في اللِّباس الحِلّ والجواز، وكان النبي -عليه السلام- يلبس لباس أهل زمانه، ولبس جبَّةً روميَّةً، وجلس على قطيفةٍ فَدَكِيَّةٍ، و"فَدَك" كان فيها اليهود، ولم يكن للمسلمين لباس يميزهم عن غيرهم، ولا كانوا يلبسون اللباس الخاص بطائفة ما، والمعبّر عن هويتها وثقافتها وخصوص مذهبها.ولا كان للنبي لباس يميزه عن غيره، حتى كان الغريب يأتي المجلس فلا يعرف الرسول -صلى الله عليه وسلم- من غيره حتى يسأل: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟! ووقف مرةً على امْرَأَةٍ تَبْكِى عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: «اتَّقِى الله وَاصْبِرِي». قَالَتْ إِلَيْكَ عَنِّى، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي! ولم تعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.والتميز عن عامة الناس ليس مطلبًا شرعيًا، وكان العلماء يكرهون ثياب الشهرة المبالغة في الغلاء والثّمانة، أو المبالغة في الرخص والزّهادة، وجاء في الباب أحاديث صحاح.والعرف معتبر في هذا بحسب البيئة والمجتمع وما تواضع عليه الناس، والعرف اليوم سريع التغيُّر؛ بسبب التواصل الإنساني، والشبكات الاجتماعية، والقنوات، ومرحلة القرية الواحدة! والأجيال تتجدد وتتغير أمزجتها؛ خاصة في مجتمعات الوفرة والغنى ومراكز الاستقطاب العالمي؛ كدول الخليج، وما كان من اللباس مرفوضًا بالأمس قد يغدو مقبولًا اجتماعيًا؛ لتوارد الشباب على استخدامه واستحسانه وهم أغلبية المجتمع..ما لم يكن من المحرَّمات الأصلية.بعضهم يلبس أفخر الثياب للتجمُّعات، ويذهب للصلاة بثياب النوم، وهذه غفلة عن وظيفة اللباس {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (31: الأعراف)، ومَنْ نزلت عليه هذه الآية صلى مراتٍ حاسر الرأس؛ كما دلَّت عليه أحاديث صحاح، وذلك مقبول شرعًا وعرفًا في كثير من المجتمعات.ليس من الفاضل أن أتميز كطالب علم أو داعية بعباءة في أطرافها (الزري) العريض المذهّب، وأطل عليهم عبر شاشة لأحدثهم عن الزهد في الدنيا! وقد كتب عني أحدهم يومًا مقالًا ناقدًا بهذا الخصوص فأغضبني، وقلت: هل انتهت قضايانا ولم يبق سوى بشت الداعية؟، ثم تقبّلت الفكرة بعد، واستذكرت أن العاقل يأخذ الحكمة ولا يضره من أين خرجت، ولا يتساءل عن الدوافع والنيات والمقاصد..النصيحة مقبولة ما دامت وافقت صوابًا بكل حال، وإذا كنت أزعم أني داعية فلأدرب الآخرين بفعلي على الأريحية والسعة وقبول الآخر وتجاوز التصنيف والمرادّات السطحية! اللِّباس الجميل فضل ونعمة، والاعتدال فضيلة، ولذا جاء في حديثٍ حسن: «الْبَذَاذَةُ مِنَ الإِيمَانِ» (أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وصحَّحه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (10/368) ) .و(البَذَاذَةُ): هي التّواضع في اللّباس ورثاثة الهيئة، وترك الزّينة، والرّضا بالدّون من الثّياب. والشرع قد يأتي بخيارات متعددة تناسب اختلاف طبائع الناس وميولهم، فأبو ذر يختلف عن تميم الداري! وقد اشترى تميم ثوبًا بألف فكان يصلي فيه (رواه الطبراني بسندٍ صحيح).ليس اللباس الخشن بمستحب، ولا هو لباس التقوى كما ظن قوم، ولا لبس الصوف بمشروع بخصوصه كما يظن بعض الصوفية..والله يحب أن يُرى أثرُ نعمته على عبده، وهو لا يحب المسرفين، ولا يحب المبالغين في البحث عن النفيس، ولا لابسي الحرير والذهب من الرجال، ولا يحب المتشددين المحرِّمين بغير علم..{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (32:الأعراف). الحياء والحشمة للمرأة أوجب وألصق وأليق، واليوم نشكو من إسبال الرجال وتشمير النساء، وكشف المؤمنة البالغة لشعرها لغير ضرورة محرَّم ومعصية، وهو مثل مخالفات يرتكبها الرجال علانية ويخالفون فيها شريعة الله، وليس ذلك بكفر، ولا مدعاة للوصم بالفجور، ولا هو مبيح للاعتداء عليهم، والوقوع في أعراضهم، وإهدار حقوقهم..

1284

| 29 أبريل 2016

عينتاب وأخواتها!

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); بكت دمشق على أبنائها النجب... وأجهشت لبني أبنائها الشُهُبِطارت على الشاطئ الخالي حمائمه... وأقلعت سفن الإسلام والعربيا أخت أندلسٍ صبرًا وتضحيةً... وطول صبرٍ على الأرزاء والنّوَبذهبتِ في لجة الأيام ضائعةً... ضياع أندلسٍ من قبلُ في الحقبوطوحتْ ببنيك الصيد نازلةٌ... بمثلها أمة الإسلام لم تُصَبِعدد النازحين السوريين داخل بلادهم: (8 ملايين).وفي العراق: (250 ألف) .وفي الأردن: (مليون و٤٠٠ ألف).وفي لبنان: (مليون و١٠٠ألف).وفي مصر: (130 ألفا).وفي أوروبا: (350 ألفا).وفي تركيا اقتربوا من (الثلاثة ملايين) مسجّلين رسميًا، ولا يُعرف عدد اللاجئين غير النظاميين! نصف هذا العدد لا يذهبون للمدارس، ومن لا يتعلّم فهو وقود للجهل، والتطرف، والجريمة، وألوان الانحراف؛ خاصةً مع الاغتراب والحاجة.صحبتُ مجموعة من شباب سوريا، ومصر، وقطر، واليمن، والسعودية، والكويت في جولة على مناطق الجنوب التركي المتاخم لسوريا؛ غازي عينتاب، والريحانية، وكلّس، وأنطاكية.زاروا المخيمات، والملاجئ، والمدارس، والمستشفيات، والمياتم، ومراكز العلاج الفيزيائي للمشلولين وأصحاب الأطراف الصناعية..زاروا البيوت، ومن المضحك أن تسمى بيوتًا، وإنما هي خيام أو (كرفانات) أو دكاكين أو غرف ضيقة.قلت في نهاية الجولة: كانت عشرة أيام من أجمل أيام حياتي، فسألني أحدهم: - تصور لنا المعاقين والمشلولين والأيتام والمشرّدين ثم تقول إنها من أجمل أيام حياتك؟! يا صاحبي..كم منحة جاءت في طيّ محنة، وكم نعمة جاءت في زيّ نقمة، وربما صحت الأبدان بالعلل، وقد تأتي الحسنة متنكّرة في هيئة مصيبة! ١ - يتميز السوريون بحب العمل وإتقان المهارات الحياتية، وهم يرددون: ساعدونا على أن نكسب من كدِّ أيدينا، وليس من مدّها للآخرين.أحمد كان تاجرًا بالأمس في بلده، وهو اليوم مستعدٌ لأن يدفع عربة في الشارع ويبيع الذُّرة للمارّة ليجمع قوت أطفاله! الطبيب، والمهندس، والمعلم، والممرض.. ينخرطون في عمل جاد لخدمة أهلهم بأجر زهيد، وأحيانًا دون مقابل..رأيت طفلًا أطال الوقوف حولنا فمددت له بضع ليرات تركية، فوجئت بأنه يرفضها.. لماذا يا ولدي؟ - والدي ما يرضى! - أين والدك؟ظننته معنا، وفوجئت بأنه في البلد في سوريا، ولكنها التربية الكريمة تؤتى أكلها في الحضور والغياب! والمصائب يجمعن المصابين، والألم يعلّم الصبر ويدرّب على التعاون والتساعد، ولسان حال اللاجئين: تنكّر لي دهري.. ولم يدرِ أنني.. أعز وأحداث الزمان تهونفبات يريني الخطب.. كيف اعتداؤه.. وبت أريه الصبر.. كيف يكون! ٢ - ما دخلنا مدخلًا إلا ورأينا طرفًا من معنى (الأمة الواحدة)، والجسد الواحد، والبنيان المرصوص، التواد والتراحم والتعاطف.رأينا من الأتراك مَنْ {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا..} (9: الحشر) ، ويسمون إخوانهم العرب بـ"المهاجرين، والضيوف" وليس اللاجئين، ويعدّون وجودهم بركةً وسببًا في الرزق والحفظ من الأعداء.توجد حالات نادرة فيها تجاوز واعتداء، وبعضها تُنشر في "اليوتيوب" ويتداولها الناس، ومن العدل والحزم أن تُعالج، ومن الظلم أن تُعمم وكأنها الأصل، أو تُوظّف بصورة سلبية، أو تنسي الجهد الجبار الشعبي والرسمي؛ الذي استوعب العدد الضخم من لاجئي سوريا، وقبلها فلسطين، والعراق، واليمن، وغيرها.رأينا جمعيات كثيرة يقوم عليها أفاضل محسنون من السعودية والكويت، تؤدي دورًا كبيرًا في التعليم والعلاج والإغاثة والإسكان والدعم النفسي والمادي، وغالبها يقوم على تمكين اللاجئين ومساعدتهم ليساعدوا أنفسهم ويعتمدوا عليها، وهي طريقة راشدة بنّاءة.رأينا جهودًا لـ"قطر الخيرية، وراف، وعيد"، ولافتاتها تتصدّر المدارس، والمستشفيات، والمخابز، والمطابخ؛ التي تموّن حتى الداخل السوري باحتياجاته الضرورية.هؤلاء وهؤلاء يُعطون يرجون بعطائهم فضل الله، ويأملون بذلك أن يحفظ الله لهم أمنهم واستقرارهم وطيب عيشهم، ويرددون: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء)، و(الصدقة تطفئ غضب الرب).٣ - رأينا القرب من الله، والمسلمون هم الأكثر تدينًا، ولكن الأزمات تصقلهم وتزيدهم إيمانًا وقربًا وصبرًا وتلاحمًا مع إخوانهم، وحديث الرضا والتسليم لا يتوقف في ألسنتهم، وكثيرون منهمكون في تلاوة القرآن وحفظه رجالًا ونساءً وأطفالًا، حتى إننا وجدنا طفلين توأمين (٨ سنوات) في مخيم "كركميش" على نهر الفرات؛ يحفظان القرآن غيبًا، ومثلهما كثير! ٤ - صحيح أن المصاب فادح والمعاناة تهشم العظام، ولكنها لا تخلو من أسرار وحِكَم لمن تأمل العواقب، ومن ذلك تأثيرهم فيمن حولهم، ففي تركيا أصبحوا يتكلمون التركية ويختلطون بالأتراك ويُفيدونهم ويستفيدون منهم، وصار بعضهم يؤدي أعمالًا تطوعية في المدن التركية، ويُسهم في التنظيف والتعليم والخدمات، وثمَّ مشروع يقام الآن اسمه: (شكرًا تركيا)؛ يقوم عليه إخوة من اليمن، ويساعدهم آخرون من العراق وسوريا ومصر؛ للتعبير عن التقدير للموقف التركي.ما الواجب علينا؟١ - الدعم؛ وأنت من يحدد نوعه ومقداره وفق تخصصك وقدرتك، والوسائل متاحة، والجمعيات العاملة في الميدان تعد بالمئات في كافة ميادين الحياة.٢ - التحفيز والحث.. قل كلمةً طيبة.. شجِّع.. اشكر.. ادع.. أثن بخير.ولعل من المناسب إظهار العطاء في هذه الظروف ليكون سُنَّة حسنةً لك أجرها وأجر من عمل بها، وذلك يثير حماس الآخرين للبذل والمنافسة والتغلب على شحِّ النفس.٣ - المتابعة؛ فلهذه الجمعيات والمناشط حسابات في الشبكات الاجتماعية، ومواقع في النت، وهي تمنح فرصة الدعم المعنوي والمشاركة والقرب.٤ - التواصل؛ وقد سرَّني أن بعض الشباب الذين زاروا المخيمات وتعرَّفوا على المرضى والمشلولين والمنكوبين.. أخذوا أرقامهم، وصاروا يتصلون بهم، ويطمئنون عليهم ويسألون عنهم، وهذا العمل على سهولته وعدم كلفته عمل عظيم ومعنى إنساني كبير، ورافدٌ للإخاء والحب.٥ - الزيارة؛ ويجب ألا تكون الزيارة لتوزيع الأموال بصفة مباشرة فهذا خطر وخطأ، ولا ينبغي تجاوز دور الجهات الميدانية العاملة العارفة بالتفاصيل، والتي هي معبر الدعم.الأطباء يزورون ويقدّرون الاحتياجات ويسهمون في العمل الطبي، وقد رأيت طبيبًا بريطانيًا يُجري عمليات في مشفى (الأمل)؛ وهو المشفى السوري الوحيد بتركيا، وذلك الطبيب يتردد مرارًا ويدرّب الأطباء السوريين! فأين جهود الأطباء العرب والمسلمين؟ وجهود المنظمات الطبية؟المهندس والمعلم والخبير النفسي بمعالجة الصدمات..و..و..و..و.. يسعهم أن يقضوا بعض إجازتهم هناك ويخوضون تجربة إنسانية إيمانية.أبناء الأسرة الواحدة من الأثرياء وغير الأثرياء، والمجموعة المتجانسة من الأصدقاء يمكن أن يقفوا بأنفسهم على الحال، (وليس من رأى كمن سمع).قوافل من الشباب ذهبت هناك، وجمعت بين السياحة في مناطق جميلة، وبين البحث عن فرص استثمارية، وبين التواصل مع الجمعيات العاملة ودعم مجهودها التعليمي والإغاثي والطبي والتوظيفي.انطباعات هؤلاء الشباب عجيبة وهم يتحدثون عن دروس في التغيير الإيجابي النفسي لم يتلقوها في مدرسة! تعلّموا من شابين معاقين إعاقة تامة (فراس ١٩ سنة، وأحمد ١٦سنة)؛ يقضون حياتهم كلها على بطونهم، ولا يتحرك إلا أيديهم ورؤوسهم، وأوضاعهم تتردّى، وحالتهم غالبًا تنتهي بوفاة مبكرة، وهم سعيدون بحياتهم، والضحكات العريضة لا تغيب عن وجوههم، فأين من يعاني الاكتئاب وهو صحيح قوي غني؟! وهم مشغولون بالقرآن والصلاة والأوراد والتهجُّد، والتعليق الإيجابي في الشبكات والنت، ويقضون الليل كله هكذا حتى الفجر! فأين الشباب الآمن في سربه، المعافى في بدنه، الموسّع في رزقه.. وهو يسمع منادي الله (حيّ على الصلاة) ولا يجيب.. (رغد)؛ طفلة في الثانية عشرة رأت مقتل أمها وأبيها وأخواتها الثلاث، وبقيت وحيدة عند عمها الضرير، مرآها يدمي القلب ويستدر الدمع من الصخر، وحين سألوها إن كانت تحتاج شيئًا أجابت ببراءة: - أحتاج أمي وأبي، أريد أن يأتوا عندي أو أذهب إليهم.جواب بسيط أصاب السامعين بالذهول، وجمّد الكلمات على الشفاه، وملأ محاجر العيون بالدموع..مأساة طفلة تختصر مأساة شعب، بل مأساة أمة، بل مأساة الإنسانية التي تتحدث طويلًا عن الرحمة والطفولة ثم تشيح بوجهها: تلفَّتي هاهُمُ في الأرض إخوتنا... شعب برمته في العري يحتضرُكانوا بأوطانهم كالناس وانتبهوا... فما همُ من وجود الناس إن ذُكِرُوا! مُشَرَّدُونَ بلا تيهٍ فلو طلبوا... تجدُّدَ التّيهِ في الآفاق ما قَدَرُوايلقى الشريدُ فجاج الأرض واسعةً... لكنهم بمدى أنفاسهم حُشروافي خيمةٍ من نسيج الظلم دبَّرها... ضميرُ باغٍ على الأطفال يأتمرُ!

1380

| 22 أبريل 2016

قِيَمنا العُلْيَا

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أولًا: مفهوم القِيَم محل اختلاف بين المدارس الفكرية والثقافات الإنسانية، بحسب المجال المعرفي الذي ينطلق منه الباحث (الاقتصاد..الاجتماع..الفلسفة..علم النفس..التربية..)، وبحسب المرجعية التي يحتكم إليها.غالب الناس يستخدم لفظ (القِيَم) بمعنى إنشائي مطاطي غير محدد، ويُعبِّر به عن الأخلاق أو التقاليد الموروثة أو الهوية أو المصلحة أو الأهمية. وهي تمثل المعايير الجوهرية التي تحكم نشاط الإنسان.القيمة تشمل الشيء ونقيضه؛ فالمعرفة قيمة عليا، والجهل قيمة دنيا.ولكن غلب استعمال القيمة على ما يدل على الفضيلة والخير، ولذا فالقِيَم لا تكتفي بما هو موجود وقائم، بل تسمو إلى ما هو أفضل وأرقى.وأشهر القِيَم ما احتواه الثالوث الشهير: (الحق، والخير، والجمال). ثانيًا: يقع تعارض بين قيمنا التي نؤمن بها وبين أهوائنا ودوافعنا الغريزية.وقد يؤثر السلوك العملي على قناعتنا القيمية، وهذا يحدث تداخلًا بين ما يسميه العلماء بـ(الشهوة) و(الشبهة)، وقصة حاطب بن أبي بلتعة، ومحاولة إخبار أهل مكة بالسر العسكري؛ المتعلق بخروج النبي -صلى الله عليه وسلم- لفتح مكة؛ مثال للاختلاف بين الإيمان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء..} (1: الممتحنة)، وبين الفعل المذموم: {وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ} (1: الممتحنة).نموذج الشعراء الذين يهيمون في كل واد ويقولون ما لا يفعلون، {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا الله كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا..} (227: الشعراء).ولعل لهذا علاقة بالاختلاف بين (المدرسة الواقعية) و(المدرسة المثالية)، التفاوت بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. ثالثًا: يحدث تزاحمٌ وتدافعٌ بين بعض الواجبات الأخلاقية القيمية وبعضها الآخر؛ فالقيم ليست في مستوى واحد في أولويتها وأهميتها، ولا في اتساعها وشمولها، ولا في عمقها ورسوخها.والحياة لا تسير على سنن واحد بل يقع فيها التضارب بين النوايا والمقاصد والأفعال، ولذا كان عمر بن عبد العزيز يقول: (يجدُّ للناس من القضايا بقدر ما يجدُّ لهم من الفجور)، ويقول أبو سعيد بن لب: (ويجدُّ للناس من المرغبات بقدر ما يجدُّ لهم من الفتور). - هناك قيم تتعلق بالفرد، وأخرى تتعلق بالجماعة، ومن هنا قال الأصوليون: إن المصلحة العامة تُقدَّم على المصلحة الخاصة.قيمة الإيثار في مقابل الأثرة، (نحن) مقابل (أنا)؛ هي نوع من انتصار القيم الاجتماعية على القيم الفردية الذاتية، ولذا مدح الله الأنصار بأنهم: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} (9: الحشر).قيمة حفظ النفس هي من الضرورات الخمس؛ التي أجمعوا على أنها أهم مقاصد التشريع، ومع هذا تُقدَّم عليها قيمة التضحية والاستشهاد وإزهاق النفس في سبيل الأمة، وهذا يُعدّ قمة التفضيل للقيم الجماعية على القيم الفردية، واستشعار هذا المعنى من أهم أسرار بقاء وصمود نماذج المقاومة الوطنية العادلة عبر التاريخ إلى فترة مقاومة الاستعمار، ومنها الحالة القائمة في فلسطين وغيرها. - تفضيل القيم الروحية الإيمانية على القيم المادية الجسدية؛ كما في حال الصوم وتجويع الجسد من أجل تطهير الروح.رابعًا: ١/ ثمَّ قيم مصدرها ديني وعقلي واجتماعي في الوقت ذاته (إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ)، وهي قيم جوهرية راسخة ثابتة لا تتغيّر، وتمثل المشترك الإنساني، والفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ كالعدل والإحسان {إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى} (90: النحل)، وهي مقدَّمة على غيرها.٢/ القيم الأولية الأساسية المتعلقة بـ(هوية الإنسان) من حيث هو، مقدَّمة على القيم الثانوية، مثل قيمة الكرامة الإنسانية: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (70: سورة الإسراء).٤/ قيم الغايات مقدَّمة على قيم الوسائل، فالحفاظ على البيئة مقدَّم على مصلحة جماعة ما في الغنى وامتلاك القوة والاستمتاع: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} (10: الرحمن).وقيم العمران العام والتنمية البشرية الشاملة المستدامة مقدَّمة على ما يتوهم أنه ملكية أو مصلحة لفريق خاص.وقيم التوحيد والعبادة مقدَّمة على وسائل التعبد الفرعية عند التعارض.٥/ القيم الروحية مقدَّمة على القيم الماديّة، ومن هنا يمكن النظر والمفاضلة ما بين تزكية النفس؛ التي هي من مقاصد الرسالة، وما بين الترفيه؛ الذي هو من مطالب الفطرة. خامسًا: هل العدل قيمة مطلقة؟من أقوال الإمام ابن تيمية: (الْعَدْلُ وَاجِبٌ لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَالظُّلْمُ محرَّمٌ مُطلَقًا لَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنْهُ بِحَالِ). (الدُّنْيَا تَدُومُ مَعَ الْعَدْلِ وَالْكُفْرِ وَلَا تَدُومُ مَعَ الظُّلْمِ وَالْإِسْلَامِ). (الْعَدْلُ نِظَامُ كُلِّ شَيْءٍ؛ فَإِذَا أُقِيمَ أَمْرُ الدُّنْيَا بِعَدْلِ قَامَتْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهَا فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ، وَمَتَى لَمْ تَقُمْ بِعَدْلِ لَمْ تَقُمْ وَإِنْ كَانَ لِصَاحِبِهَا مِنْ الْإِيمَانِ مَا يُجْزَى بِهِ فِي الْآخِرَةِ).فالعدل قيمة مطلقة ثابتة دائمة بلا مثنوية ولا تردد؛ على النفس، والولد، والوالد، والعدو، والصديق.وهذا لا ينفي نسبية الممارسة التي جعلت البعض يصفون الحياة الإنسانية بأنها تاريخ متصل من الصراعات الدامية؛ التي تستهدف فرض معيار موحد للعدالة! على أن هذا ليس توصيفًا جدِّيًا، فالصراعات التي عانى منها الإنسان كانت في الغالب صراعًا على المصالح الفئوية أو المطامع الفردية.واليوم نشهد تباينًا بين سياسات الدول الكبرى والمنظمات الدولية السياسية من جهة، وبين المنظمات الحقوقية الإنسانية من جهة أخرى، فضلًا عن شكوى الشعوب المضطهدة المغلوبة على أمرها.وندرك كيف أصبحت القيم والحقوق مطيَّة لأهواء السياسات العالمية الجائرة؛ التي تحركها إن أرادت الضغط على بلد وتُصعِّدها إعلاميًا، وتسكت إن رضيت وكأن شيئًا لم يكن! المقارنة بين الهجوم على العراق أو ليبيا -مثلًا- وبين الإحجام عن حسم القضية السورية؛ يكشف جانبًا من الخداع الأممي بتغليف المصالح الاقتصادية -المتعلِّقة بالنفط، أو الأمن الإسرائيلي، أو غيرها- بغلاف الإنسانية، وحفظ كرامة الشعوب، وحقوق الإنسان، وحقوق الأقليات!

497

| 15 أبريل 2016

خمس محاولات

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); ما الفرق بين اسمٍ مشهور مخلَّد في التاريخ، وبين آخر يُذكر فيستغرب الناس ذكره؛ لأنهم لا يعلمون إن كان مرَّ على هذا الكوكب أصلا؟الفارق أن الأول أخفق ولم يستسلم، بل أصرَّ وكرر المحاولة حتى نجح، والآخر توقف في بداية الطريق أو وسطه.النجاح الروحي الإيماني هو أهم نجاح متاح للإنسان، لأنه يصلك بمصدر الوجود والخلود والمجد والخير، يصلك بـ (الله) .تأمّلت الصلاة فوجدتها محاولة تتكرر خمس مرات يوميًا، لتحقيق أهم هدفين: ١- تعزيز الصلة بـالله، وتحويل المعاني والقيم الروحية التي نؤمن بها نظريًا إلى حقائق ومعتقدات راسخة في النفس.٢- وتعزيز الصلة بالناس، على أساس الرحمة والسلام والتعاون.ولذا جاء في وصف الصلاة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ. وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ. وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ) (رواه الترمذي)، وصححه بعضهم من كلام ابن مسعود.التكبير محاولة استحضار معنى الألوهية سبع مرات في الركعة الواحدة.. ولو تخيَّلنا إنسانًا يحاول ألا ينسى، يحاول أن يتذكَّر معنى: الله أكبر، أو سمع الله لمن حمده.. في كل مرة يقولها كم سيكون عدد محاولاته خلال الصلاة الواحدة؟وخلال اليوم؟والأسبوع؟والشهر؟والسنة؟وخلال حياته (لنفترض٤٠سنة) ؟! رقم مهول! هل يتصور أن يخرج من كل هذه المحاولات فاشلًا صفر اليدين؟ وهو يتشبث بالقضية الأكبر والأخطر في الوجود؟لا تبحث بعد هذا عن السؤال المكرور: كيف يمكن أن أخشع في صلاتي..؟هكذا تبدأ الصلاة ليكون العابد متلبِّسًا بحالةٍ من الإقبال على خالقه يُمنع معها من مخاطبة غيره، ومن الالتفات إلى سواه.ويخرج من هذه الحالة بالالتفات يمينًا وشمالًا، ليوزع دعوات الحب والسلام والتراحم والتسامح لمن عن يمينه، ومن عن شماله: السلام عليكم ورحمة الله..أليس هذا مقصودًا جوهريًا في الصلاة؟أليس توظيفًا للسمو الروحي في ضبط الصلة بالناس؟الركن الآخر، وهو قراءة الفاتحة، مناجاة مباشرة لرب العالمين، واهب الرحمات، ومالك يوم الدين، بضمير الخطاب {إِيَّاكَ} (5: الفاتحة) .لينتقل الضمير بعد ذلك إلى جماعة البشر المتضامنين في طلب الوصول إلى الخير كله {اهدِنَا} (6: الفاتحة) .وهي تربية على الالتفات للناس مع حفظ حق النفس.السجود ذروة الاقتراب من الرب المعبود و«أقرب مَا يَكُونُ الْعبد مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» (رواه مسلم) ، وفي التنزيل {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} (19: العلق) ، وأكثر حالات الصلاة دموعًا وخشوعًا ولهفةً هو السجود: اتئد يا إمام لا ترفع الرأس... فما زلت خاشعًا في سجودي! وهي تربية لا تتوقف على التجرُّد من حظوظ الذات ومن سطوة الـ (أنا)، وتعويد على خفض الجناح للعباد والتذلل لهم {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (54: المائدة) .وتذكير بالمساواة بين الناس أمام سلطان الله فلا كبير إلا الله، والعظيم والمحتقر من البشر سواسية مع الأشراف والعلية أمام الخالق: نحنُ الذين إذا دُعوا لصلاتهم والحربُ تسقي الأرضَ جامًا أحمراجعلوا الوجوهَ إلى الحجازِ وكبَّروا في مسمع الرّوحِ الأمينِ فكبّرامحمودُ مثلُ إياز قام كلاهما لك في الوجود مصلِّيًا مستغفراالعبد والمولى على قدمِ التّقى سجدا لوجهكَ خاشعيْنِ على الثّرىمحمود بن سبكتكين الغزنوي؛ فاتح الهند والصين يقف للصلاة، إلى جوار خادمه إياز الجورجي؛ الذي تحول إلى قائد من أعظم قواده.وبالمناسبة الذين يتهمون محمود بعلاقة سرية مع خادمه يحاولون تشويه صورة البطل الفاتح العظيم؛ الذي هدم الأصنام وهو يتلو سور القرآن العظيم..الصلوات خمسٌ في العددوخمسون في الفضل والثوابعبادة تصبح كالعادة، وعادة ترتقي للعبادة..كفارة لذنوب الحياة، وكأن صاحبها يغتسل من درنه كل يومٍ خمس مرات، (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ. مَا تَقُولُونَ؟ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. يَمْحُو الله بِهَا الْخَطَايَا) (رواه البخاري ومسلم عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله).وتأهيل لإقامة الجسور مع الناس، وبناء العلاقة على أعظم أساس.طمأنينةٌ تطارد أشباح الخوف والقلق والتوتر في القلوب، وراحةٌ بالاقتراب من علام الغيوب.صلاة الجماعة تقوية لحبل الوصل، وتعويد على لقاء الناس، والاحتكاك الرشيد بهم، وتجاوز حالات التكاره والتباغض والاختلاف إلى السماحة واليسر والعفو (يَلْتَقِيَانِ. فَيُعْرِضُ هَذَا. وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ)، (متفق عليه).هل يمكن بعد هذا لمن عقل صلاته وتلقّن درسها واستلهم رسالتها أن يقدم وهو في طريقه إلى صلاته أو في انتظارها أو هو لتوِّه قد خرج منها..على أن يقترف أذى لأخيه أو يؤذيه بقول أو فعل؟هل يمكن أن تبوء هذه المحاولات بالفشل في تهذيب شخصياتنا، وطرد أوضارنا، وتطهير سرائرنا ونوايانا؟امض إلى صلاتك مدفوعًا بالحب والأمل والتطلُّع إلى مانح الحياة والروح، خائفًا على ذاتك من الجفاف والتيبُّس والضياع إن بقيت نائيًا عنه معرضًا عن ذكره..أقبل على عبادتك إقبال من يتزوَّد منها بطاقة المصابرة على ضَعْف النفس وكثرة عثارها، وعلى بذل الخير للغير؛ التماسًا للفضل والجزاء من الرب الكريم.واجعل من صلاتك في بيتك توطينًا للملائكة الكرام، وتدريبًا للنشء على الامتثال والقيام، وتجويدًا وتجديدًا لأواصر العلاقة الزوجية كلما اقتضى المقام، والسلام.

807

| 08 أبريل 2016

عزازيل!

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); اشتهر الشاعر "بشَّار بن بُرد" بالمجون والفجور، وكان يقول بتفضيل إبليس على آدم، ومن شعره:إبليس أفضل من أبيكم آدم فتبيَّنوا يا معشر الفجار!النّار عنصره، وآدم طينةٌ والطِّين لا يسمو سموَّ النّاروالحق أن الطين فيه التماسك والبناء والتواضع والتنوّع، بينما النار فيها التآكل والتحريق..والطين ينتفع من النار ويزداد قوة وصلابة، بينما النار لا تنتفع من الطين..ظاهر في القرآن أن إبليس ينتمي إلى مجموعةٍ كان لها حضور في الأرض ونشاط، ثم عاثت فيها فسادًا، فاستبدل الله بها آدم وذريته.وجاء عن ابن عباس وجماعة من الصحابة والسلف أنه كان لإبليس سلطان في الأرض وقوة فوقع منهم الفساد.ولعله لهذا قالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء؟} (30:البقرة).فقد رأت في الأرض فسادًا عريضًا ودماء تُسفك، وعرفت الدم من تلك الحقبة؛ التي ساد فيها التوحُّش والاعتداء والفساد.لا غرابة إذن أن يكون جوهر فساد إبليس الكبر ورفض السجود والاعتراض على الله في شريعته وحكمته، وأن يكون الكبر مانعًا من دخول الجنة: « لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ » (رواه مسلم عن ابن مسعود).وأن تكون الأنانية العمياء والتعاظم وانتفاخ الـ(أنا) نقيض العبودية لله: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} (12:الأعراف)، وأن يكون التواضع وخفض الجناح سيماء المؤمنين الصالحين القريبين من ربهم.وأن يكون الحسد من شر الأدواء؛ التي تمنع من قبول الحق والانقياد له، كما فعلت يهود حين رفضوا دعوة النبي -عليه الصلاة والسلام-: {.. حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} (109:البقرة).وأن تكون العنصرية البغيضة المقيتة، والتفاخر بالأصل والفصل، والأب والجد والقبيلة من أسباب الفساد العظيم: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} (12:الأعراف).ولذا لا تكاد تجد أحدًا يكثر الحديث عن نسبه وقبيلته إلا ويعتقد بفضلها وتفوقها وكثرتها وتميزها عن سواها.لم يجعل الله تميز آدم بالطين ولا بالعنصر الذي خُلق منه، أيًا كان، وإنما بالنفخة العلوية الملائكية التي حوّلته إلى إنسان مكرَّم مختار، وأهَّلته بفضل ربه للنبوة..ولا غرابة أن تكون المقارنات العشوائية الخاطئة المتحيزة من أهم عوامل بغي بعض الناس على بعض، وظلم بعضهم لبعض، وتكدر عيشهم.وكم زوجا أعرض عن زوجته لأنه قارنها جسدًا بسواها، ونسي جماليات روحها وصبرها وعفافها وطرفها المقصور عليه!وكم ولدا غاضب والديه أو تمرد عليهما لظنه أنهم يُفضِّلون آخر عليه، ولعله لم يتحقق من ذلك، أو لم يتفطّن لأسبابه.وكم إنسانا شرق بتفوق غيره واعتقد بأن رتبته دونه، ونسي أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء!إبليس لم يكن من الملائكة قط، كان من الجن، وهو مروي عن ابن عباس والحسن البصري وقتادة، واختاره جماعة من المفسرين، ولكن غاظه أن تسجد الملائكة لغريمه؛ الذي سوف يسود الأرض، وعرف أن السجود لآدم يوحي بالسيادة والتسخير والحفظ والمعاني الكريمة.. فتمرَّد على الأمر الإلهي والإجماع الملائكي وأبى أن يسجد..وصار يُمثِّل الدولة العميقة؛ التي هُزمت ظاهرًا ولا زالت تحاول استعادة وجودها.أنصفه ربه حين سأله -وهو سبحانه أعلم-: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ؟} (75:ص).وحين باح بغروره وإعجابه بنفسه، واعتقاد تفوقه وفضيلته عاقبه بالطرد واللَّعن، وأجاب طلبه بالإمهال، جعل له سلطانًا على: {الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} (100:النحل).ولذا سُمي إبليس وهو مشتق من الإبعاد والغضب، أو من التمرد والرفض، وظاهر أنه اسم جديد له بعد الحادثة، وكان قبلها يسمى (عزازيل).كرَّس الشيطان نفسه بعدُ في إغواء آدم وذريته، ومخاطبة غرائزهم ونقاط ضعفهم، وتثبيطهم عن الخير وتحريضهم على الشر، وتضخيم الصفات السلبية فيهم حتى تكون غالبةً ظاهرةً متحكمةً؛ كالحرص، والخوف، والجبن، والبخل، والشهوة، والاعتداء..وأعظم ما يوسوس به التشكيك في الله والآخرة وسائر الغيوب التي لا يراها الناس، والتشكيك في وجوده ذاته!وسلاحه في ذلك الوسوسة وتكرار المحاولة: {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} (4:الناس).والتزيين: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (40،39: الحجر).ها نحن نجد أنفسنا نقضي الساعات الطوال في مشاهدات أو أحاديث أو متع أو برامج لا مردود لها، وربما كانت سيئة العقبى، فإذا قمنا لصلاة أو ذكر أو قرآن شعرنا بالتثاقل والملل، وصرنا نُقلّب عيوننا في الساعة ونحسب الدقائق!ها نحن نُنفق الأموال بلا حساب على المتع والشهوات وملذات النفوس، فإذا هممنا بالصدقة حضرت المخاوف والحسابات والتساؤلات؛ قد أحتاجها.. وهذا كثير.. وهالإنسان ما يستاهل.. و..و..و..!وهو يسعى في إشاعة الحزن والهم والغم والتوتر: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} (10:المجادلة).وعصيانه بإشاعة الفرح والرضا والسرور والتفاؤل والأمل، وتوقُّع الخير من الرب الكريم الرحيم. ما شكل الشيطان؟في القرآن الكريم وصف الله "شَجَرَة الزَّقُّومِ" بقوله: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ} (65:الصافات)، وهو تقبيحٌ للصورة بما لم يره الناس، كما قال الشاعر:أيقتلني والمشرَفيّ مضُاجعي ومسنونة زرقٍ كأنياب أغوالِوأنياب الأغوال مجهولة الشكل، ولكن النفوس تستبشعها وتخاف منها.وفي الأفلام الكرتونية وغيرها تتنوع صور الشياطين وفق خيال الرسّام، فتكون أحيانًا بقرون، وفي الحديث: أن الشمس تطلع بين قرني شيطان، والصور المتخيلة له في العادة قبيحة المنظر مخيفة منفِّرة..لكل إنسان شيطانه الذي يوسوس له، وفي الحديث: « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ». قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: « وَإِيَّاىَ إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلاَ يَأْمُرُنِي إِلاَّ بِخَيْرٍ » (رواه مسلم عن ابن مسعود).والأقرب أنه أسلم بمعنى: استسلم وكفَّ عن الوسوسة.وشيطان إبليس هو إبليس ذاته، وهو اختار بإرادته طريق الغواية.والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويصل إلى قلبه بالوسوسة والتلبيس والتثبيط عن عمل الخير والإغراء بالشر.والعصمة منه بالاستعاذة، والذكر، والتسبيح، والصلاة، والأوراد الصباحية والمسائية، وعند النوم، وفي تقلُّب الأحوال.. وجعل ذلك عادة: « لا يزالُ لسانُكَ رَطْبًا من ذِكْرِ الله » (رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه).والمسُّ الشيطانيُّ جاء على لسان نبي الله أيوب: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} (41:ص).والنصوص تدل على أن الشيطان يدنو من الإنسان، ويحاول إيذاءه، ويسميها بعضهم بالملاطفة، لأنه اقتراب خفي متدرِّج..لكن المبالغات التي يتداولها بعض العوام ويكثرون من روايتها، ويضيفون إليها من الخيال ومن الروايات والقصص الغريبة؛ تسبب حالة من الذعر والخوف ليس عند الأطفال فحسب، بل عند كثير من النساء والرجال؛ الذين يعتقدون أن الشياطين تكمن لهم في كل منعطف، وتتربص بهم في كل ظلمة، وتنقض عليهم كلما انفردوا..والشيطان يفرح بهذا الشعور ويزداد رَهَقًا، وكم مرة نقول عن مريض: إن الشيطان قد صَرَعه، مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ذلك، فعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ: (كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ - صلى اللهُ عليه وسلَّم - عَلَى حِمَارٍ. فَعَثَرَ الْحِمَارُ فَقُلْتُ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَعَاظَمَ الشَّيْطَانُ فِي نَفْسِهِ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْجَبَلِ، وَيَقُولُ: بِقُوَّتِي صَرَعْتُهُ وَلَكِنْ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ بِسْمِ اللهِ. تَصَاغَرَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ) (رواه أحمد، وأبو داود).جدير بالمؤمن أن يكون ذكر الله على لسانه، وأن يقول (بسم الله) كلما ابتدأ أو دخل أو خرج أو عثر، وألا يعطي الشيطان حجمًا أكبر، وألا يعطي أولياء الشيطان حجمًا أكبر.{فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} (76:النساء).

4586

| 01 أبريل 2016

بيان!

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); استمعتُ ذات حين لمحاضرة للدكتور "مصطفى محمود" -رحمه الله- عن أقدم اللغات، فأعجبني إيمانه العميق بالعربية وحديثه الروحاني عنها، كان يعدّها -فيما أتذكّر- فرعًا عن السريانية (منسوبة لسوريا والشام القديم، الذي يشمل بعض العراق أيضًا).واستشهد بما يقول إنه أقدم مخطوط وعمره أربعة آلاف سنة، وهو موجود في مناجم الفيروز بسيناء.وأفاض بسرد الكلمات ذات الأصول العربية الموجودة في اللاتينية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية، وخاصة الكلمات العلمية والطبية والتشريحية، والتي غالبها عربي ويوجد في تتبعها كتاب مفرد.وهذا يتفق مع قول الحسن البصري: (خرج آدم من الجنة ولغته السريانية).العربية لغة الكتاب الأخير والرسول الخاتم، ولأمرٍ ما جمع الله بين العربية وبين التعقُّل في قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف:2).فما بال العرب اليوم أبعد شعوب الأرض عن الحكمة والبصيرة بمصالح دينهم ودنياهم؟العربية أوسع اللغات وأكثرها ثراء بالمفردات، والأسماء، والقواعد، والاشتقاقات، والبدائل..ومع كثرة الكلمات الدّالة على معنى واحد، كما قال المعري: (الكلبُ مَنْ لا يعرف للكلب سبعين اسمًا!)، إلا أن هذا لا يعني الترادف المحض، فلكل اسمٍ معنى خاص، ومستوى يحدد الاستخدام، كما يسمى الماء النازل من السماء بالسيل، والمطر، والغيث، والوَدْق، والحَيَا، والوابل، والْمُزْنِ، والرش، والرذاذ، والديمة... إلخ.في التنزيل امتنَّ الله تعالى على الإنسان باللغة فقال: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الرحمن:1-4).اللغة رحمة، ومنَّة ومنحة من الرحمن الرحيم..والتدرُّب على جودة الكلام وانتقاء العبارات والسلامة من آفات اللسان اللفظية، كالتردد في نطق بعض الحروف من تمام النعمة، ومثلها السلامة من اللحن في اللسان العربي، والسلامة من الآفات المعنوية، كالبذاءة والثرثرة واللغو والتأثيم!زرتُ مرة مدارس الصُّم فأحسست بالكلام يحشرج في صدورهم -(حَشْرَجَ: رَدَّدَ صوتَ النَّفَس والكلام في صدره من غير أَن يخرجه بلسانه)- ويعجزون عن البوح به، فيتحوّل إلى ألمٍ عميقٍ في صدورهم.وأشد ألمًا من يعرض له مرض (جلطة)، أو حادث فيعجز عن الحديث والرد والجواب والتعبير، فترى وجهه يتمعّر: (يتغيَّر، والمـَعَرَّة: تَلوُّنُ الوَجْهِ غَضَبًا).وقريب من هذا وذاك من لا يجد أنيسًا يثق به، ويطمئن إليه، ويبثه شكواه، فينطوي على نفسه.ولذا قال يعقوب -عليه السلام-: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ} (يوسف:86).قال تعالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} (يوسف:84).فالصمت الطويل على الأحزان قد يتحوّل إلى علة تُثقل القلب، وتعمي البصر، وتصم الأذن، وتطرد النوم، وتُذهِب القدرة وتعجل بالموت:كَفَى بِكَ دَاءً أَنْ تَرَى الْمَوتَ شَافِيًا!البيان ميزة الإنسانوله أدوات حسية جسدية مادية، الحنجرة واللسان والأسنان والحنك وتوابع ذلك، ولذا تختلف حنجرة الإنسان عن باقي الكائنات..وله أدوات عقلية معرفية تظهر في الفهم، والوعي، والإدراك، والتمييز بين الأشياء، وإدراك الرموز.سمعت مرةً من شيخي الراحل صالح الحصين -رحمه الله- من مقوله أو منقوله أن اللغة تفكير ناطق، والتفكير لغة صامتة.والذين يزعمون أن أصل اللغة هو تقليد الإنسان لمن حوله من الطيور والحيوانات، وما حوله من أصوات الطبيعة، كحفيف الأشجار، وخرير المياه.. ينسون أن الطيور والحيوانات لم تأخذ لغتها مما حولها، بل ألهمها خالقها منطقًا معبِّرًا عن حاجتها: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} (النمل:16).وسمى الله ما صدر من النملة (قولًا)، {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ}، {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا} (من الآية 19،18: النمل).وأصوات الحيوانات تكون تعبيرًا عن الخوف أو طلب النجدة أو الجوع أو طلب التزاوج أو الاحتجاج.. ويتلقَّى عنها هذه الرسائل رعاتها والقريبون منها.أما ما يكون من القول فيما بينها فهو مما لا يزال محجوبًا عن البشر..لغة الإنسان إلهامٌ ربَّاني وتفَرُّدٌ إنساني.واللغة هي الركن الأساس في الحضارة والخلافة والعمران.وتنوع اللغات كتنوع الشعوب والقبائل، أداة للتواصل والتثاقف والتبادل المعرفي، وبغض النظر عن كلام الإمام ابن تيمية في التحدث بغير العربية وضرره، إلا أن الظروف الإنسانية والحضارية تغيَّرت اليوم وأصبح تعلُّم اللغات ضرورة للشعوب الراغبة في خوض السباق الحضاري والاستعداد للتأثر والتأثير الإيجابي، وتدريسها للصغار مهم، لأن الطفولة هي الفترة الذهبية لتَلقِّي اللغة.وطالما شعرتُ بالندم على فوات تعلم اللغة الإنجليزية مما صنع حاجزًا كبيرًا عن أناس كان من الممكن أن أفيدهم أو أستفيد منهم، والمحاولات المتأخرة قد لا تعطيك أكثر من (أمشّي نفسي!)..على أن هذا التعلُّم المهم والضروري يجب ألا يُضعف اعتزازنا بلغة الضاد، لغة القرآن، لغة أهل الجنة، لغة آدم، كما يقول بعضهم..فاللغة هوية وانتماء.. اللغة أم.

712

| 25 مارس 2016

أسماء

googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); تعلُّق (قيس بن الملوح) بـ(ليلى العامرية)؛ من الأخبار والقصص العجيبة الثابتة تاريخيًا؛ كما ذكر الذهبي في "السير والمؤرخون"..يُروى أن والده حجَّ به لعله يرعوي ويفيق، فسمع وهو بمنى رجلًا ينادي ابنته: يا ليلى.. فصاح قائلًا:وَدَاعٍ دَعَا إِذْ نَحْنُ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنىً فَهَيَّجَ أَشْجَانَ الْفُؤَادِ وَمَا يَدْرِيْدَعَا بِاسْمِ لَيْلَى غَيْرَهَا فَكَأَنَّمَا أَطَارَ بِلَيْلَى طَائِراً كَانَ فِيْ صَدْرِيْوكانت عشيقته ليلى العامرية، وكان يحب ترديد اسمها ويقول:وَلَما تَلاقَينا عَلى سَفحِ رامَةٍ وَجَدتُ بِنان العامِريَّةِ أَحمَراولا تكاد قصيدة من قصائده تخلو من ذكر اسمها. الإنسان يحب الشخص فيحب الاسم، ويحب كل ما يتصل به، ولذا خلّدت البشرية أسماء الأنبياء والعظماء والأبطال والمبدعين، ولكنها خلّدت أيضًا -ولكن بالذم- أسماء المجرمين والقتلة والطغاة..{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} (31:البقرة)علَّم تعالى آدم أسماء الأشياء وألهمه توليد الأسماء، وفكرة التسمية ذاتها، فلو لم يكن للأشياء أسماء فكيف نعرفها وكيف نحددها للآخرين؟ سنكون مضطرين لجلبها والإشارة إليها، وكيف لنا بجلب البحر أو القمر أو الصحراء أو الأموات؟!ولذا صرنا نسمي كل شيء حتى الشوارع، والبيوت، والغرف، والقطط، والأشجار، وما لا يحتاج إلى أسماء؛ لأن فكرة التسمية تريحنا من عناء طويل!بعضهم يقول: علم آدم أسماء كل شيء، والأقرب: أنه علّمه أسماء الأشياء المتاحة المتوافرة عنده، وأهمها أسماء الله الحسنى، ومنها معرفته باسم نفسه، ومعرفته باسم حواء؛ لأنها خلقت من حيٍّ؛ كما قال ابن عباس، وابن مسعود. معرفة الأسماء ليست منشطًا صوتيًا لغويًا فحسب، لا؛ هي منشط إدراكي معرفي يعني القدرة على معرفة خصائص الأشياء، ووظائفها، ومكوناتها، والفروق بينها، فهي معرفة تقوم على أساسها الحضارة، وواضح أن هذا التعريف هو لتأهيل آدم للخلافة في الأرض.معرفة الأسماء تقتضي معرفة الدلالة واللغة والقدرة على تخيل الأشياء وتصورها، وعلى النطق بحروفها وأسمائها.نجح آدم فيما عجزت عنه الملائكة، واعتذرت بأنه لا علم لها لأن الله لم يُعَلِّمْها.إدراك آدم للأشياء التي حوله والمتعلقة بالخلافة في الأرض تفصيلي، وإدراك الملائكة كُلِّي أو تعميمي غير قادر على معرفة التفاصيل ولا على مواجهة التحديات وحل المشكلات، فهي ميزة آدمية وفضيلة بشرية واصطفاء ربّاني، ولذا تولى آدم مهمة إخبار الملائكة بأسماء الأشياء!ولذا كانت الموسوعية والمعرفة متصلة بحفظ الأسماء وإدراك معانيها، والذين يحفظون أسماء الناس ومعلوماتهم هم الأكثر قربًا منهم وتأثيرًا فيهم.معظم كلامنا أسماء والباقي روابط بين الأسماء، ولذا كان أول ما نطق به آدم: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.وحين نقول: الكلام اسم وفعل وحرف، فهذا يحتمل أن الاسم هو الأصل، وأن الأفعال والحروف مشتقة منه، والأفعال صادرة عن أشخاص، والحروف روابط..حين أخبرني طفلي بأنه يحفظ أسماء صغار الغنم والإبل والبقر، و..و..انبهرت من ذاكرته، وأدركت أنه يتكلم بمعلومات صحيحة، ولكني لم أحفظ تلك الأسماء (راجع في جوجل أسماء صغار الحيوانات والطيور وألقابها عند العرب).اسألنا نحن الفلاحين عن التمر نعطيك أسماء أنواعه، وخصائص كل نوع، وما نطلقه عليه في كل مرحلة، واسم الرطب واليابس منه، واسم المتفرّق والمتجمع.. بينما عامة الناس عندهم تمر وبس.واسألنا نحن البدو عن المطر، وأشجار البادية ونباتاتها، وهوامها وحيواناتها..اذهب لليابان تجد عندهم معرفة أسماء المخترعات؛ كما قال "حافظ إبراهيم" عن اللغة العربية:وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظًا وغاية ً وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِفكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة ٍ وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِاذهب للإسكيمو في المناطق القطبية تجد عندهم مئات الأسماء للثلج والجليد بينما لا يعرفون من الألوان إلا الأبيض والأزرق؛ لأنهم قلّما يرون الشفق.الأشياء التي نحفظها من التاريخ هي عبارة عن أسماء؛ اللغات، المدن، حتى النظريات تحوَّلت إلى أسماء؛ هذه نظرية إنشتاين، أو نظرية فيثاغورس، المباني تحولت إلى أسماء فهذا قصر الخورنق، والسدير، والحضر، والمصمك.. وأسماء المعارك، والدول، والأيام، والسنين، والكتب، والمدارس.. إلخأكثر حالات الجدل الدائم مرتبطة بأسماء، وأنت قد تلغي شخصًا بجرة قلم دون أن تُكلِّف نفسك عناء أن تقرأ عنه أو تبحث أو تتأكد من شخصيته، ويمكن أن ترفع شخصًا دون أن تبحث عنه؛ لأن الجدل يتمحور حول إنسان ممثل بـ(اسم)..ذات مرة كنت أبحث عن (ابن تيمية)، وضعت اسمه في جوجل فوجدت شيئًا مرعبًا مذهلًا؛ المؤيّد، والمعارض، والمحب، والمبغض، والذي يعتبره من أعظم الأولياء، وأكبر العباقرة، والذي يحاول أن يخرجه من الإسلام.. وجدل في تفاصيله بحيث تحس أنك لا تقرأ عن شخص يرقد في قبره منذ ثمانمائة سنة، وإنما عن حيٍّ حاضر له دوي أكثر بكثير من عامة الأحياء!الإيمان، الحب، التفاؤل، الأمل، الرضا، السلام، السعادة، الإحسان، التسامح..التكفير، التخوين، التحوين (وصف الناس بالحيوانية)، التنفيق (اتهام الناس بالنفاق)..أكثر الكلمات تأثيرًا في أشخاصنا وتحديدًا لوجهتنا وصياغة لمجموعاتنا.أجمل الأسماء عندي "محمد وعبد الله"، أول ولد لي سميته (معاذا)؛ لأني مذ كنت طالبًا في الثانوية أحب التكني بـ(أبو معاذ)، ونشرت قصائد مبكرة باسم (أبو معاذ الخالدي).ابني عبد الرحمن فقدته في حادث سيارة -جعله الله شفيعًا وشهيدًا- ثم سميت آخر على اسم المولود الأول (عبد الرحمن)، وأحس بأني أحمل له مشاعر الابن الأول ذاتها، وأقرأ في شخصيته ملامح ذاك الراحل!وهو من الأسماء الفاضلة، فخير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن، وكذلك أسماء الأنبياء حيث قال -عليه الصلاة والسلام-: "وُلِدَ لِىَ اللَّيْلَةَ غُلاَمٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِى إِبْرَاهِيمَ »، فسمّاه إبراهيم، وكان بنو إسرائيل يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، والتسمية بأسماء الآباء جيدة حين يكون نوعًا من البر.قصة تغيير اسم الإنسان إذا أسلم ليس لها أصل إلا في حالة ما إذا كان الاسم معيبًا فيتم تغييره، وإلا فالسنة بقاء الأسماء على ما هي عليه، وتغيير أسماء من أسلموا من غير العرب بأسماء عربية، قد يفضي إلى تحويل الدين في نظرهم إلى دين عربي خاص بالعرب، مما يصنع فجوةً بينه وبينهم، وهي عقبة نضعها في طريق من يريد الإسلام.وبعضهم يتسمى بما لا يحسن أو لا يجوز مثل من تسمّى بـ"سبحان الله وبحمده"، أو بنت سماها أهلها "زانية"! لأنه لفظٌ عربي موجود في القرآن الكريم دون أن يفقهوا معناه.أعظم المعرفة وأنفعها معرفة الله، "الله" المفردة التي انتظمت المعجم كله، "الله" الاسم الذي نقوله فتتحول الصحراء إلى حديقة، والعطش إلى ري، والفقر إلى غنى، والهزيمة إلى انتصار، والضيق إلى سعة، واليأس إلى ثقة، والموت إلى حياة..كيف السبيل إلى معرفته وقربه ومناجاته إلا بمعرفة أسمائه، وله من الأسماء ما لا ينحصر ولا ينتهي، وما لا يعرفه ملك مقرب ولا نبي مرسل، فاللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك..ومن أسمائه (٩٩) اسمًا وردت في الكتاب والسُّنة مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ!طريق آدم في العودة إلى الجنة يمر عبر أسماء، والجنة ذاتها لها أسماء فهي: الجنة، وجنة الخلد، وجنة المأوى، وجنات عدن، وجنات النعيم، وجنات الفردوس، والحسنى، ودار السلام، ودار المتقين، والغرفة، ودار المُقامة، ودار القرار، والمقام الأمين، ومقعد الصدق، وقدم الصدق.

664

| 18 مارس 2016

alsharq
ملتقى المكتسبات الخليجية.. نحو إعلام خليجي أكثر تأثيرًا

لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...

4938

| 13 مايو 2026

alsharq
مبروك صرت مشهور

ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...

4914

| 12 مايو 2026

alsharq
على جبل الأوليمب.. هل يمكن؟

كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...

1611

| 13 مايو 2026

alsharq
احتكار المعرفة.. التدريب الإداري والمهني

قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...

1113

| 13 مايو 2026

alsharq
اختراعات ليست في محلها

من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...

1038

| 11 مايو 2026

alsharq
هل يجاملنا الذكاء الاصطناعي أكثر مما ينبغي؟

تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...

1005

| 14 مايو 2026

alsharq
الأب.. الرجل الذي لا يغيب

في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...

717

| 13 مايو 2026

alsharq
الوعي المجتمعي

إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...

714

| 14 مايو 2026

alsharq
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟

بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...

678

| 12 مايو 2026

alsharq
اصحب كتاباً

يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...

651

| 13 مايو 2026

alsharq
القيم الإسلامية والتنمية المستدامة

أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...

603

| 11 مايو 2026

alsharq
اتفاق الممكن بين الحرب والسلام

في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائما في...

558

| 12 مايو 2026

أخبار محلية