رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); يتشكى كثيرًا من توالي المصائب عليه، ويلخص حياته بأنها سلسلة متصلة الحلقات من الآلام والمحن، يخرج من حفرة ليقع في جرف، الحظ لا يبتسم له إلا نادرًا. ليست هذه المشكلة فحسب؛ إحساسه الدائم بأنها عقوبات إلهية على أخطاء ارتكبها وذنوب قارفها في لحظه طيش غاب عنها الشعور بالرقيب الإيماني، يضاعف إحساسه بالألم، ويحول المعاناة المادية الحسيَّة إلى عذاب نفسي، ويضعف قدرته على الصبر والمقاومة. جميل أن يكون لديك رهافة إحساس ويقظة ضمير حتى لا ترى نفسك مطهَّرًا بريئًا، على أن اعتبار المصيبة عقوبة مرتَّبة على ذنب سابق من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. والنصوص صريحة في أن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، إن كان في إيمان الإنسان صلابة اشتدَّ عليه البلاء، وإن كان في إيمانه ضَعْف خُفِّف عنه. عن سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه ؛ قال: قلت يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: «الأنبياءُ، ثم الصالحونَ، ثم الأَمْثَلُ، فالأَمْثَلُ من الناس، يُبْتَلَى الرجلُ على حَسَب دينه، فإن كان في دينه صلابةٌ زيدَ في بلائه، وإن كان في دينه رِقَّةٌ خُفِّفَ عنه، وما يزالُ البلاءُ بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئةٌ». (أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذي). وعن أنس رضي الله عنه مرفوعًا: «وإن الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمَن رضي فله الرضا، ومَن سخط فله السُّخط» (أخرجه الترمذي، وصححه الألباني). فجعل العقوبة على عدم الصبر، ولم يجعل المرض أو الحزن ذاته عقوبة. وحتى في الحالة التي يُظن فيها أن الابتلاء عقوبة، ويكون ناجمًا عن مباشرة فعل هو سبب المصيبة؛ كمن يبتلى بالإيدز- مثلًا- بسبب علاقة محرَّمة، مما يُرجِّح أن يكون الأمر ابتلاءً، فهذا ينبغي أن يخفف من ألمه؛ لأن عقوبة الدنيا أهون من عقوبة الآخرة والعقاب، هنا تطهير للروح ورحمة للعبد، وقد يعود بعد التوبة خيرًا منه قبل الذنب، وأقرب إلى الله وأنقى وأتقى. وفي حديث أنس رضي الله عنه السابق قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد اللهُ بعبده الخير عجَّلَ له العقوبةَ في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشَّرَّ أمسك عنه بذنبه حتى يوفى به يوم القيامة». (أخرجه الترمذي). فجعل تعجيل العقوبة من إرادة الله الخيرَ بعبده، ولم يجعله علامة غضب أو مقت. والمرض أو الفشل له أسبابه المادية الواضحة، والتي تكون معلومة في أحيانٍ كثيرة، وتجري نواميسها على البَرِّ والفاجر، والمؤمن والكافر، وكل الناس يُبتلون بالأمراض والحوادث والكوارث، ويزيد ذلك أو ينقص بحسب الاحتياط والانضباط، وفعل الأسباب أو إهمالها والغفلة عنها. ولكنه يكون للمؤمن تكفيرًا وتطهيرًا في حالات، ويكون رفعة درجات وزلفى في حالات أخرى. ويقظة ضمير المؤمن تجعله يرجو ويخاف، حتى الأنبياء- عليهم السلام- كانوا كذلك. كيف نُفرِّق بين الابتلاء وبين العقاب أو البلاء؟ الأصل في التفريق إنما هو بالنظر إلى ما بعد المصيبة، وليس ما قبلها؛ فإذا صبر وتجلَّد، ورضي بما كتب الله، واستغفر لذنبه؛ فهي علامة رفعة الدرجات وتكفير الذنوب، وإذا جزع، وتذمَّر، وتسخَّط، واستسلم للشر؛ فهي علامة الخسار والحرمان. فكِّر بالمستقبل وكيف تكون إيجابيًّا في التعامل مع المصيبة، وليس في الماضي فحسب، فلست قادرًا على تغيير الماضي مهما يكن أسود كالحًا. حاذر اللغة السلبية التي تبعدك عن الله ولا تقل: حتى ربي يكرهني! البلاء خير بشرط أن تعتبره خيرًا. أن تصبر وتستعين بالله، وفي الحديث مرفوعًا: «عجبًا لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَه كلَّه له خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إِلَّا للمؤمنِ، إنْ أصابَتْهُ سرَّاءُ، شكرَ فكان خيرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضرَّاءُ، صبرَ فكان خيرًا له». (أخرجه مسلم). الغموم والهموم تَحَدٍّ يواجهك، ويستفز طاقاتك، ويحرِّك مكامن القوة في نفسك؛ شرط أَلَّا تستسلم لليأس والقنوط، ولا تسمح للوساوس أن تستحوذ عليك، وبذكر الله تطمئن القلوب. وليس أحد قط إلا وهو مبتلى وإن تنوَّعت الصيغة، ولذا قال سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (محمد: 31). الروح المؤمنة الموصولة بخالقها سبب في التكيُّف مع الظروف مهما كانت صعبة ومفاجئة أحيانًا {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} (التغابن: 11)، وهي سبب للشفاء والعافية، والاستجابة للعلاج المادي والنفسي. قدْ يُنعِمُ اللهُ بالبلوَى وإنْ عظُمتْ ... ويبتَلِي اللهُ بعضَ القومِ بالنِّعمِ
5422
| 18 ديسمبر 2015
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); يُحكى أن آدم تأخّر ذات ليلة فلما أوى إلى سكنه بادرته حواء بالسؤال: -أين كنت؟-كنتُ في بعض شأني!ثم أردف متسائلاً:ولمَ السؤال؟ أتخافين من حواء أخرى وماخلق الله على الأرض غيرك؟تظاهرت حواء بالاقتناع، وحين غطّ في نومه بدأت تتحسس أضلاعه!رحمك الله يا آدم كيف لو رأيت ذريتك وقد سنَّ لهم ربهم سنة الزواج، وجعله مودة وسكناً ورحمة، فجعلوه صراعاً وتنافساً وتحسساً وتجسساً إلا من رحم الله!هذه الأنثى التي خُلقت من ضلعك على حين سِنةٍ من النوم تغشتك فرأيتها أول مرة فألفتها وأحببتها وفرحت بها، ثم طال العهد ببنيك فملّوا وقال قائلهم لحليلته حين سألته:-يا أبا فلان أين أنت من حسن العهد وقد عشتُ معك أربعين سنة؟فأجاب: والله ما لك ذنبٌ غير هذا!راسلني أحدهم بقصة شيخ في الخامسة والسبعين تزوّج فتاة تصغره بأكثر من خمسين عاماً، وأنجبت له أولاداً، وهي لا تحبه وتتهرّب منه وتتفلّت من بين يديه وتريد الطلاق، وهو يولول ويصيح ليله ونهاره متمسكاً بها مصرّاً على إبقائها في عصمته حتى الممات لسبب بسيط..-إنه يحبها!وكفى بالحب سبباً.ولو كُتب لي أن أدخل بيتهم لبادرت الشيخ بالإعجاب والثناء على قلبه العامر وإصراره على بقاء الحبل موصولاً بحبيبته وأم أولاده، فكثير من الرجال تمنعهم كبرياء الرجولة من إظهار التمسك بالأنثى، ويرون هذا نقيصة ومسبة لا تليق بـ(طوال الشوارب)!وثنيتُ بالتفاتة ألمٍ لصبية صغار، يخشى عليهم من الضياع والشتات والتدمير العاطفي والنفسي، إن حدث الفراق ولم تلتف الساق بالساق، ومالم يحضنهم بيت واحد فهم على شفا اضطراب واكتئاب..والتفتُ إلى الأم الفتية داعياً إلى إعادة النظر في (قرارها)، والعودة إلى (قرارها) {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} (33:الأحزاب)، والقناعة والرضا بما كتب الله وقضى وإن كرهتيه فعسى أن تكرهي شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيرا!ويكفي في حسنات زوجك أنه أحبك وجعلك دنياه كلها، وربط سعادته بوجودك، وأن من في مثل سِنّه لا تطمح عينه إلى سواك، ولا يخطر بباله غير خيالك..ولعله ليس من الغريب وجود رجال نسوا قديمهم، وتجاهلوا نديمهم، وتنكّروا لأسرتهم الأولى، وتخلّوا عن أبنائهم وبيوتهم تحت ضغط الأنانية والرغبة الشخصية والوطأة الغريزية.رحمك الله يا آدم كيف لو رأيت بعض بنيك وهو يضرب في الأرض باحثاً عن المتعة، تحت مسميات شتى، وربما واقع الحرام أو قاربه، ثم هو يخشى أن يُبتلى بزوجته الطاهرة الحصينة فيتجسس عليها، ويفتش أوراقها وأجهزتها وتاريخها القديم، ويستحلفها بكل مقدَّس، وبالطلاق أن تصْدُقَه وتخبره عن علاقاتها وما مرَّ عليها فإن كذبته صدّقها وإن صدقته كذّبها!رحمك الله يا آدم كيف لو رأيت بعض بناتك وقد حولت حياة شريكها إلى معاناة دائمة بكثرة التطلب والتذمر والعتاب، والغفلة عن حالة نفسية لدى زوجها ناتجة عن أزمة مالية أوصحية أو قهرٍ يحس به، ثم لا يجد من صاحبته إحساساً بالتعاطف ولا مواساةً ولامراعاة، فربما غضب أو هاجر فلا تجد في قاموسها كلمة تلطف أو تعطف أو اعتذار، وكأن اللغة عقمت أو المشاعر نضبت وجفت، فلم يعد لكلمة (آسف) مرادفات ولا ذيول.. صارت لا تقال، وإن قيلت فبلا رصيد ندم أو وفاء أو تدارك..وكأن بيت الزوجية مصنوع من الريش أو القش، ولا يضير أن يتداعى أو ينهار، أو تسقط بعض جدرانه، أو تنهد بعض أركانه، أو يحجب عنه الماء والهواء والضوء..بيت بنيتماه معاً، وتعاهدتماه ونبتت فيه أشجار وأزهار، أفمن السهل أن يقوض ويصبح أثراً بعد عين؟أو تعجز النفوس أن تحتمل تقصيراً من الشريك، وهي ولا بد قد قصّرت يوماً بقصد أو بغير قصد، ولو لم يكن إلا تقصير الطبع والفطرة والتربية التي لا تساعد أحياناً، أو تجعل المرء يقصّر لأنه لا يستطيع أن يقوم بالواجب.كان أبو الدرداء يقول لزوجته:(إذا غضبتُ فراضيني، وإذا غضبتِ أراضيك، وإلا فسرعان ما نفترق).حين تزن نفسك وزوجك فلا تضع إبهامك على طرف الكفة.. دع الميزان يكشف الحقيقة.
10970
| 11 ديسمبر 2015
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); كنت أقرأ في (فقه العمران)، وأضع عناصر لخطبة جمعة حين وقع بصري على غير ميعاد على آيات من سورة «المؤمنون»؛ تتحدث عن تهيئة الأرض والسماوات وفتقهما لسكنى البشر، وإجراء المياه الضرورية لحياة الإنسان والنبات والحيوان.. وتتبع ذلك بإرساء الأرض بالجبال لكيلا تميد بالناس، ووضع الطرقات والسبل في البر والبحر؛ ليتواصل البشر بينهم، ويتعارفوا، ويتبادلوا المصالح. أما السماء فسماها: {سَقْفًا مَّحْفُوظًا} (32:الأنبياء) لهذا المنزل الضخم المهيأ لسكنى الخليقة الخليفة. أما النجوم، والشمس، والقمر فهي للمسكن المجهز: الإضاءة، والتدفئة، والصحة، والتوازن، والإنضاج. والسكن هنا رحلة عابرة ليس لها قرار، ولذا عقّب بقوله: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ؟} (34:الأنبياء). بعض الوعظ وبعض التربية لا تعرف من المشهد إلا الموت والدثور والبلى، وتبعاً لذلك تختصر الحياة بإما قاتل أو مقتول! هذا المنزل الضخم مُعَدّ لآدم وذريته ليعمروه: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (61:هود)، فلا وجه بعد هذا لترديد النقل عن عيسى -عليه السلام-: (الدُّنْيَا قَنْطَرَةٌ، فَاعْبُرُوهَا وَلا تُعَمِّرُوهَا). خلافة آدم في الأرض تختلف عن فعل الملائكة الذين قالوا: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} (30:البقرة). خلافةٌ فيها الحرث، والبناء، والإعمار، والصنعة، والتناسل، والمعرفة.. استعمركم في الأرض: منحكم أعماراً يتذكر فيها من تذكر، وجعل للفرد أجلاً، وللأمة والدولة أجلاً لا يتقدَّم ولا يتأخَّر، فأنتم أساس الحضارة والتشييد، والحضارة تقوم لتنفعكم وتعطيكم وتسهل عيشكم.. لا لتقتلكم وتفنيكم! اسْتَعْمَرَكُمْ: غرس في فطرتكم الآدمية حب الأرض، وحب الحياة وزينتها، والرغبة في تخليد الذكر بالآثار الحسنة. همم الملوك إذا أرادوا ذكرها *** من بعدهم فبألسن البنيان وشهد الخالق -سبحانه- على حب الإنسان للشهوات والمال والذرية والحرث والمتاع. ورزقكم القدرة على التعلم وكسب المعرفة، ومقاساة التجربة، وتحصيل الخبرة. اسْتَعْمَرَكُمْ: طلب منكم الإعمار والبناء على سبيل الوجوب؛ كبناء المساجد، والمرافق الضرورية، وما لا يتحقق للإنسان العيش والخصوصية والسّتر إلا به. أو على سبيل الاستحباب فيما يسهل على الناس تحقيق مصالحهم الدنيوية أو الأخروية من الأبنية والطرقات والمطاهر وسواها. أو على سبيل الإباحة؛ ككل بناء لا نص على تحريمه ولا إسراف فيه.. طلب منكم العمران المادي الذي يكفل: (حق الطريق) حسَّاً ومعنى، وحق الخصوصية ألا تنتهك، وحق الصحة: (بنى النبي -عليه السلام- خيمة بجوار المسجد لتمريض سعد بن عبادة). وحق الحرية: «يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ.. » (رواه البخاري). وحق الأمن: « مَنْ أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ. عِنْدَهُ طَعَامُ يَوْمِهِ. فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا » (البخاري في الأدب المفرد، والترمذي، وابن ماجه). وحق الجوار: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِى بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ »! (رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن غريب). وحق الجمال حتى يحاكي الإنسان في الأرض صورة الجمال الذي رآه آدم في الجنة وحكاه الوحي من الخضرة والماء والغرف وغيرها.. وحق الحلم بما هو أجمل وأكمل وأوسع وأعظم، والحلم موهبة زوّد الله بها آدم، ولذا خاطبه الشيطان وأغراه بالخلود والمُلك العريض! وحق العدل بين الناس فالأرض وُضعت للأنام. وتسلط المتجبرين المتكبرين على مواقعها الجميلة، وتركهم الضعفاء للعشوائيات والبلدان الفقيرة والنامية، مع نهب ثرواتها وتركها فريسة للمرض والجوع والجهل.. هو مما نعاه الله وأنكره عليهم: {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ} (45:إبراهيم). المؤمن متنقّل بين فضل الله في الضرب في الأرض، وبين رحمته في التعبد والخشوع وهو يقول في دعائه: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (201:البقرة). وهو مؤتمن على هذا الكوكب الغني البهي حفاظاً على سلامته وأمنه، وعلى جماله وزينته، وعلى نظافته وطيبه، ولم لا وهو قدسي صادر عن الرب الكريم: « وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا » (البخاري ومسلم).
1708
| 04 ديسمبر 2015
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); قال لي صاحبي: أما ترانا كل يوم نفقد عزيزاً، ونخسر أرضاً، وننسحب من موقع، ونفاجأ بكارثة؟قلت: بلى.قال: ما الخطب؟ ولمَ؟ وإلى متى؟ وما المخرَج؟ وأين المفرّ؟قلت: لا مفرّ من الله إلا إليه، ولا حول ولا قوة إلا به.قال: ها نحن ندعوه ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً فلا يستجاب لنا!قلت: إنه لا يخلف الميعاد، والدعاء أحد الأسباب الشرعية، ومعه أسباب شرعية أخرى؛ كالعدل، والإحسان، ورد المظالم، وحسن التعبُّد، والتوكل..وثمَّ أسباب طبيعية كونية وضعها الله نواميس تجري بها العادة، وهي سنن محكمة قائمة لا تكاد تتخلَّف.كما الشمس في مطلعها ومغيبها، والقمر، والنجوم، وقوانين الذرة، والمجرة، والفيزياء، والكيمياء، وما بثّ الله في الكون من أحياء ودواب تجرى كلها وفق ناموس واضح محكم؛ في أكلها، وشربها، وتزاوجها، وصحتها، ومرضها، وكثرتها، ونفوقها، وتنوعها..أفترى شيئاً من ذلك عبثاً لا نظام له؟قال: لا؛ وربي!قلت: وهل جعل الله هذا الناموس متفاوتاً بين عباده في الدار الدنيا، فهو يجري بطريقة ما على الكافر، ويجري بطريقة أخرى على المؤمن؟قال: كلا؛ هو ناموس واحد مطّرد يجري على العباد كلهم، ورحمته وحكمته اقتضت أن يكونوا أمام قانون الدنيا والكون سواسية..قلت: فلماذا نحن في كل مرة نواجه أزمة تندرج ضمن هذه النواميس، نستغيث بلهجة من يريد من ربه خرق الناموس، وإحداث المفاجأة، وإجراء النتيجة التى لا تنسجم مع المقدِّمات والأسباب؟كيف نتعلم إذا كان منا من يقول كما قالت بنو إسرائيل: {نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}(18:المائدة)؟نعم؛ هو لا ينطقها بلسان المقال بل بلسان الحال.ويعتبر نفسه كالابن المدلل؛ الذي يفعل ما يشاء، ولا يُؤاخذ، ولا يُعاتب، ولا يُعاقب، ولا تجري عليه القوانين؛ التي تجري على بقية الشعب!أليس نقرأ في كتاب ربنا: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}(124،123:النساء)؟أليس قد قال الله لأهل الكتاب: {بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء} (18:المائدة)؟أليس يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ, أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ, أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ, يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ؛ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا)(رواه مسلم).أليس يقول حذيفة بن اليمان: (نِعم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لهم كل مُرة ولكم كل حُلوة, فلا والله لتسلكن طريقهم قِدَّ الشراك)؟ (رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه).كيف سنصحح تفكيرنا المعوج وطريقنا المائل إذا كانت الأمور تطاوعنا وتجري لنا كما نشتهي، ونحن ممعنون في الغلط، غافلون عن التصويب والتسديد، غارقون في مألوفاتنا وما وجدنا عليه آباءنا؟قال لي صاحبي: صدقت.. ولكن ما قيمة الدعاء إذن؟ ولماذا يحركنا الدعاة والوعاظ إليه ليل نهار كلما ألمَّت ملمّة أو وقعت كارثة؟قلت: الدعاء عبادة، وهو مناجاة وصلاة وقرب من الله؛ يربِّي على الصبر واحتساب الأجر، ويقوّي العزيمة على الطريق، ويرفع الهمة، ويعزز المقاومة، ويصنع التحفيز، ويفتح باب الأمل في حالات ومواقف شخصية، وأزمات نفسية وصحية وخاصة وعامة، ويهدئ النفس، ويريح الخاطر..ولو لم يكن من بركته إلا أنه يمنح طاقة عظيمة على انتظار الفرج ولو بعد حين أو جيل أو أجيال، ويحمي النفوس من سطوة الكآبة والحزن، والهمّ والغم، واليأس والقنوط والاستسلام.. لكان ذلك كافياً.الدعاء يمنح اللطف في الأزمات، ولذا كان بعض الصالحين يقول: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه!ويا ليت أن صيغ الدعاء تكون ملهمة ومحفزة على التدارك والتصويب والبحث عن أسباب الهزيمة في داخلنا كما كان أحدهم يقول:اللهم بصِّرنا بمواطن الضعف في نفوسنا!قال صاحبي: وهل ورد مثل هذا عن سيد المتعبِّدين؟قلت: نعم. كان أول ما يقول في دعائه وخطابه:« وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا » (مسلم، وأحمد عن ابن عباس).وكان يقول:« أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِى وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ » (أحمد، وأبو داود، والترمذى، والحاكم عن أبى هريرة).وكان يقول:« اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِى وَمِنْ شَرِّ بَصَرِى وَمِنْ شَرِّ لِسَانِى وَمِنْ شَرِّ قَلْبِى وَمِنْ شَرِّ فَرْجِي » أو كما قال -صلى الله عليه وسلم- (رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم).
3650
| 27 نوفمبر 2015
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); معظم البشر يؤمنون بالله الخالق العظيم، ومن لا يؤمنون به تمر بهم حالات الضَّعف والمرض والشيخوخة والأزمات الطارئة.. فيصرخون من أعماقهم المنكسرة: يا رب! كم عدد الذين يستشعرون القرب الإلهي في حياتهم حتى حين يعبدونه ويناجونه؟ يصف الله نفسه بالقرب: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (16:ق). {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ} (83-85:الواقعة). {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (186:البقرة). {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} (61:هود). حين رفع الصحابة أصواتهم بالدعاء قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا ، إِنَّهُ مَعَكُمْ ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ » (البخاري ومسلم عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ). وفي بعض روايات الإمام مسلم: « وَهو أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَته». وهي رواية نسبها الإمام ابن تيمية في (العقيدة الواسطية) للصحيحين، ولعله وهم. ليس أصم بل سميع يسمع خفق القلوب ووجيبها، ولا غائباً بل حاضر شهيد {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (7:المجادلة) الإيمان المجرّد بهذه المعاني خير وبركة. المسافة بين الألفاظ والمعاني واسعة لا يحيط بها إلا الله. والمسافة بين الإيمان المجرد النظري، وبين تحقق وتمثل هذا الإيمان وحضوره في القلب أبعد مما بين السماء والأرض. أن تشعر أن الله عند كل كلمة تلفظها، أو فعل تشرع فيه، أو أمر تهم به. {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (61:يونس). إحساس هو الأكثر جمالاً وإشراقاً في الحياة؛ أن تستشعر معيّة الله وقربه وشهوده وأنت تعبده وتناجيه وتسأله وتبث همومك وآلامك.. وهو الذي لا تخفى عليه خافية. {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (217-220:الشعراء).{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} (49،48:الطور). أن تستشعر قربه معك ومنك وإليك وأنت منفرد منعزل فتسمو روحك للفضاء الرحب، وتتآخى مع المخلوقات التي تسبحه وتلهج بحمده، فلا تشعر أنك غريب في هذا الكون المنخرط في الطاعة والعبودية. أن تستشعر حضوره الذي لا تنفك منه وأنت محروم من القوة فيصلك بمصدر القوة التي لا تغلب ولا تضعف {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} (171-173:الصافات). أن تحس هذا اللطف الرحيم والسعة والكرم وأنت تغفل عنه فتزل قدمك أو تنتصر غريزتك، في موقف طمع أو شهوة أو استرسال، فيحتويك ويصبر عليك، ويمد لك حبل الأمل، ويترك الباب لك مفتوحاً؛ لتعود إليه وتطلب صفحه، وتطمع في المكانة والزلفى عنده؛ مهما أسرفت في الغفلة وبالغت في الإعراض، فرحمته فوق ما تظن وفوق ما تتخيل! لا نعيم في الآخرة أجمل من رؤية وجهه الكريم في جنة عدن، ولا نعيم في الدنيا أجمل من الشعور بمعيّته وقربه وحضوره وشهوده. ولا جهاد أنبل ولا أفضل ولا أكبر من مجاهدة القلب على استحضار هذا المعنى ومدافعة الصوارف والشواغل، والخروج من الازدحام الداخلي إلى الاستفراد بأسمائه وصفاته، وكأن لا أحد حولك أو معك، فهو الحضور الذي تتلاشي معه الشواغل والصوارف والملهيات. المجاهدة في هذا السبيل استثمار في الميدان الأفضل والأعظم ربحاً والأحمد عاقبة.وبقاء القلب على درجة من اليقظة الإيمانية أمر عسير أو محال، ولذا قال سيد العارفين -صلى الله عليه وسلم- في حديث الأَغَرّ الْمُزَنِىّ: « إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِى وَإِنِّى لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِى الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ » (رواه مسلم).يرتبك العقل هنا ويذهل الخيال فتصبح كل صورة تخطر بالبال هباءً ضائعاً لا علاقة له بالموقف، فلا يملك الخيال مهما أرسلته واسترسلت معه أن يصل إلى تصور صحيح، وإن كان من شأن البشر أن تنصرف أذهانهم إلى تصورات من جنس ما عرفوا وألفوا وشاهدوا، ثم هم يحاولون تكبيرها وتضخيمها، وينسون أنهم يتخيلون صوراً وفق الماديات التى لا يستطيعون الانفصال عنها والانفكاك منها. حين قال موسى -عليه السلام- بعد ما كلمه ربه: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} (143:الأعراف). أجابه ربه بقوله: {لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} (143:الأعراف). ثم تجلّى الله للجبل فجعله مدكوكاً هباءً، ورأى موسى هذا فخرَّ صعقاً.. ولما أفاق من غشيته استغفر وقال: {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} (143:الأعراف). فما بالك بخيال المتخيلين، ووهم الواهمين، ووسوسة عقول الصغار العاجزين؟ كمال الإيمان أن يتم التآلف بين عقلك ووجدانك، فلا تناقض ولاتباعد ولا انفصال. وأن تملك بهذا أن تجمع ما بين استشعار الحضور الإلهي الجليل الجميل، وبين تجريد الرب العظيم عن أي صورة تخطر ببالك، فكل ما خطر ببالك فالله ليس كذلك، وردد: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} (180:الصافات). والحمد لله رب العالمين.
2826
| 20 نوفمبر 2015
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); مررت وصديقي بالحلاق في ناصية الطريق، ولم تكن حاجتنا إليه بالقوية، والجلسة الطويلة المسترخية كما العادة، يمكن تأجيلها أسبوعاً أو أكثر.. الذي شدّنا للجلوس هو ذلك الوجه الشآمي الملفع بالحزن! فتح الحديث بين الغرباء يتطلب جرأةً أول الأمر وعدم توقف عند رد فعل الطرف الآخر.. -كيف الحال يا شباب؟ -بخير ..منيح.. الحمد لله -من وين؟ -من سوريا.. من حلب -الله معكم، الله ينصركم -يا رب خمسة في سن متقارب يديرون بينهم حديثاً عن السكن، والأهل، والأصدقاء.. واضح أنهم عزاب وفي سكن واحد الآن. -للآن ما تزوجتو؟ -من فين نتزوج من فين بنحصل (مصاري)؟! فرصة للولوج إليهم، وبعث رسائل إيجابية، وهم يتبادلون مشاهد وفيديوهات بواسطة جهاز (الآيفون). -تعرفون صاحب شركة (أبل) والعقل المطوِّر لهذه الأجهزة الذكية التي بين أيديكم؟ -مين؟ -إنه رجل سوري من بلدكم.. كان مشرّداً لا يجد مأوى، ويمشي عشرة كيلو مترات من أجل الحصول على وجبة غداء مجانية من أحد المطاعم. -بالله؟ هو من سوريّا؟ -نعم؛ وجميل أن تستلهموا هذه التجربة، وألا يجد اليأس إلى نفوسكم سبيلاً! .. فكيفما تحلم تكون! -مين هو؟ -(ستيف جوبز)؛ والذي كان اسمه الأصلي (مصعب)، ويقال إنه من إحدى القبائل العربية المعروفة! وقد تكون طفولته البائسة ثمرة علاقةٍ زوجية باءت بالفشل ولم يكتب لها الاستمرار.. ميزة الكرسي هنا أنك تقعد لغرضٍ واحد ثم يستدرجك الحلاق لتحسينات أخرى لم تكن في الحسبان وربما لم يستشرك فيها، فيتفقد وجهك وشعر رأسك ووو.. يعمل ببطء وصبر وسعة بال فليس وراءه ما يشغله، ولسان حاله يقول: (يا مهنا جاك ما تمنى).. والوقت يعمل لصالحه.. كنت أزوّر في نفسي أن هؤلاء نازحون يعانون وأهلهم الغربة، وفرص العمل قليلة، ولابد أن ننفحهم بالمزيد ونكرمهم. -شكراً.. كم الحساب؟ -٢٠٠ ليرة! -معقول؟ مبلغ كهذا مقابل حفّ الشارب فحسب؟ وجدل وإصرار على خفض المبلغ.. سؤال يثور بدواخلنا: ما الذي تغيّر؟ أين ما كنا ننوي أن نفعله احتساباً؟ إننا نعطي بطوعنا واختيارنا من الوقت والمال ومن الحقوق الشخصية ونتنازل عن الكثير برضا وارتياح؛ لأن الأريحية تهزنا وتصنع لدينا الدافع الذاتي، ولكن حين نكون أمام (محاققة) أن هذا حق لي وهذا حق لك.. فهنا يحضر الشُّح، ويغيب الدافع، وتضيق النفوس.. حصل الفتى على مبلغ أقل مما أراد وأقل مما كنا ننوي، ومن دون (نفس)؛ لأننا حينئذٍ أمام تحدٍّ لإثبات أنه لا يستطيع خداعنا بالحصول على ما لا يستحق! لو عقل هذا الأب في تعامله مع أبنائه والمربي مع طلابه والرئيس مع مرؤوسيه والداعية مع متابعيه والزوج مع زوجه.. إنك تستطيع أن تحصل بالسماحة والتراضى واللِّين والأريحية على أضعاف ما تأخذه بالقسر والغلبة والإكراه والضغط. وقديماً كان السلف يقولون: (الكلام الليِّن يغلب الحق البيِّن)! ليست الوسيلة الوحيدة، وليست الوسيلة الأفضل أن تلحّ على الآخرين وتلزمهم بأن يفعلوا وأن يقدموا.. الأفضل أن تصنع لديهم الدافعية والحماس. حين تحرك في الآخرين الرغبة الذاتية في البذل فأنت تفتح باباً واسعاً للتنافس في العطاء والبذل والتفاني والتغلب على شح النفس {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (16:التغابن). ولذا كان الله: (يُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ) (رواه مسلم عن عائشة). وحين تتحول إلى مطالب ومغالب يحمل عصا الشرطي، أو يضع نفسه في كرسي القاضي.. فأنت تُلقِّن الطرف الآخر أن يقول (لا) بملء فيه. فرقٌ بين أن تتعامل مع إنسان بثقة وتقدير وتترك الخيار له، وبين أن تُشعره بالقهر والإلزام وأنه لا يملك إلا أن يُنفِّذ. لو كنتُ وصديقي أفضل مما كنا لضاعفنا له العطاء، وقلنا: نحن لا نتعامل معك بمنطق الحق والواجب، بل بمنطق الحب والتكريم.. سنمنحك ما تقتضيه نفوسنا منا، لا ما يقتضيه الحق اللازم علينا، ولكن كما قيل: (المرجلة تغيب وتحضر). ولو كنتُ أفضل مما أنا لتجاوزت عن شريك الحياة زلّته وتجاهله لألمي ومعاناتي وقسوة الخصوم من حولي، واكتفيت منه بما تطيق نفسه دون تكلُّف {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (199:الأعراف). ولو كنتُ أفضل مما أنا لغفرت لولدي جفاء طبعه ولعله ورثه مني! {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (35:فصلت)
7528
| 13 نوفمبر 2015
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); جاءت قبائل من العرب تسمى (عضَلٌ وَالْقَارَةُ) إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- تقول: إن فيها إسلاماً، وترغب أن يُرسل لها بعض المعلمين، فأرسل سبعة من خيرة أصحابه، فغدروا بهم على ماءٍ يسمى ماء الرجيع، وقتلوا بعضهم، وأسروا بعضهم، وكان ممن أُسر: "خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيُّ".أخذوه وباعوه لأهل مكة، وعزم أهل مكة على قتله، وكان محبوساً في بيت إحدى الأسر، فطلب مرة سكيناً ليزيل بها شعره فأعطوه، ثم تسلل إليه أحد الأطفال فأخذه وأجلسه على حجره.رأت صاحبة المنزل هذا ففزعت وخافت أن يقتله ثأراً لنفسه، وأدرك ما يدور في خلدها، فابتسم وقال:أتخافين أن أقتله؟ما كنت لأفعل إن شاء الله!وحضنه وقبّله وأرسله لأمه!هذه أخلاق رجال محمد -صلى الله عليه وسلم- في حفظ الذمم، وعدم إيذاء الأبرياء، والتسامي عن الأحقاد والضغائن.قدّموه ليقتلوه، فطلب أن يمهلوه ليصلي ركعتين، فصلى صلاة خفيفة، وقال:لولا أن تظنوا أني أطلت الصلاة خوفاً من الموت لأطلتها!وسألوه: أتحب أن محمداً مكانك؟فقال: والله ما أحب أني في أهلي وأن محمداً تصيبه شوكة في رجله!هذا انتصار الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.إنها اللحظة التي يعيا فيها الشاعر، ويؤمن فيها الكافر، ويصدق فيها الكاذب.ويبدو أنه أحب أن يبعث رسالة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين معه وإلى أهله وأسرته، وعلم أن أفضل وسيلة لذلك هي الشعر حيث يحفظه العرب ويتناقلونه، فأنشأ يقول:لَقَدْ جَمَّعَ الأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلَّبُوا قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلَّ مُجَمَّعِوَكُلُّهُمُ مُبْدِي الْعَدَاوَةَ جَاهِدٌ عَلَيَّ لأَنِّي فِي وَثَاقٍ مُضَيَّعِوَقَدْ جَمَّعُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنَّعِإِلَى اللَّهِ أَشْكُو كُرْبَتِي بَعْدَ غُرْبَتِي وَمَا جَمَّعَ الأَحْزَابُ لِي حَوْلَ مَصْرَعِيفَذَا الْعَرْشِ صَبَّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي فَقَدْ بَضَّعُوا لَحْمِي وَقَدْ يَئسَ مَطْمَعِيوَقَدْ خَيَّرُونِي الْكُفْرَ وَالْمَوْتُ دُونَهُ وَقَدْ ذَرَفَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِوَمَا بِي حَذَارُ الْمَوْتِ أَنِّي مَيِّتٌ وَلَكِنْ حَذَارِي جَحْمُ نَارٍ مُلَفَّعِوَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِفَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِيوَلَسْتُ بِمُبْدٍ لِلْعَدُوِّ تَخَشُّعًا وَلا جَزَعًا إِنِّي إِلَى اللَّهِ مَرْجِعِيمعان نبيلة في الصبر، والثبات، والتسليم، والثناء على الله، والشكر على اختياره للشهادة، والاستهانة بالموت.. يحتاجها أولئك الذين ابتلوا بعدو قاهر لا يرحم في فلسطين وفيما جاورها من بلاد عربية منكوبة، يحكمها متسلطون ظالمون، مستخفون بالدماء، مستهينون بالكرامة الإنسانية، معتدون على الصغار والكبار والرجال والنساء، باحثون عن أسباب للتنكيل بأبرياء، وجعلهم عبرة لكل من تسول له نفسه التعبير عن رأي أو التفوه بنقدٍ مهما كان صغيراً وتافهاً.لا شيء يعدل العافية، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- للعباس: "يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" (أحمد والترمذي عن العباس)، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الْعَافِيَة.ولكن الحر إذا ابتلي صبر وأظهر التجلّد، واستعان بالله، فجعل الله عليه النار برداً وسلاماً، كما قال إقبال:خُذُوا إِيمَانَ إِبْرَاهِيمَ تَنْبُتْ لَكُمْ فِي النَّارِ جَنَّاتُ النَّعِيمِلقد كان "خُبَيْب" في أمن وسكينة ورضا، لم يقلق، ولم يتذمر أو يضجر، لأنه موصول الحبل بالله، منتظر لقاءه، فرح بجنته.ولقد ذكّرنا المرابطون على ثغور الأمة بهذا المعنى، وأحيوا في عصرنا روح البسالة، والصبر، والانضباط، والتزام القيم والمبادئ الربانية، التي تحكم المسلم حتى في ميدان المعركة، فلا تطيش سهامه، ولا تضيع بوصلته، ولا يفقد الأخلاق الرسالية، التي هي أهم ما لديه، وهي المعبّر عن معتقده وإيمانه.قصة "خُبَيْب" تشبه قصة أصحاب الأخدود، الذين أحرقوا بالنار، وصبروا على إيمانهم، فكان فعلهم انتصاراً للمبادئ التي أصرّوا عليها وضحوا من أجلها.. حتى أطفالهم ونساؤهم أُحرقوا ولم يتزحزحوا عن عقيدتهم.وانتصر الله لهم بعقاب السلطة التي قتلتهم وزوالها شر زوال.وانتصر لهم بأن جعل الملائكة تستقبلهم بالروح والريحان، وتتنزّل عليهم في اللحظة الصعبة: {أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} (30: فصلت).وانتصر لهم بأن خلّد ذكرهم في القرآن في سورة تتلى إلى يوم الدين، وجعلهم أسوة ونموذجاً يحتذى لكل مبتلى في العالمين.إنها صورة من صور النصر الحقيقي، الذي يعز فهمه على النفوس الكثيفة الغليظة المثقلة بالماديات، والتي لا تضع في حسابها إلا لحظتها الراهنة وكأنها الدهر كله، ولا تضع في حسابها إلا رقعتها الجغرافية وكأنها الكون كله، ولا تضع في حسابها إلا النمط المادي المشهود وكأنه الحياة كلها..{ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (247: البقرة).{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} (51:غافر).{ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ* وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} (171-173:الصافات).
1197
| 06 نوفمبر 2015
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); ركب إلى جواري في الطائرة ذات مرة شاب غريب، بدت عليه ملامح الحزن والكآبة والانعزال عن الآخرين، وكأنه يتوجس خيفة من كل أحد يجالسه أو يحادثه أو يصافحه.. ويتساءل عن نوع الأذى الذي ينوي إلحاقه به !خطر في بالي أن هذا الشاب هو بيت مغلق بأقفال، ولكي تلج إلى هذا البيت لأي غرض كان عليك أن تبحث عن المفاتيح.ربما تريد أن تدخل مع هذا الإنسان أو غيره في مشاركة تجارية، أو في مشروع تقني، أو منجز ثقافي، أو تطمع في دعوته إلى خير، أو حمايته من شر، أو تريد أن تنتفع منه بحكم وجود حالة إيجابية لديه يمكن توظيفها.. وهب أنك تريد أن تقدم له خدمة ما يحتاجها..أنت هنا أمام ثري، أو مبدع، أو قارئ، أو منحرف، أو شحاذ، أو ما شئت..هو إنسان قبل أن يكون أياً من ذلك، ويوم ولد لم يكن له لون ولا شيء معه (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً)(النحل: من الآية78)، (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..) (الأنعام: من الآية94).وأي محاولة تواصل تتجاوز مبدأ الإنسانية ستمنى بالفشل.ومن حسن الحظ أنك أنت إنسان أيضاً فلديك الكثير من المعرفة المفصلة والواقعية عن الإنسان وحاجاته وضروراته ومداخله ومشاعره وأحاسيسه.لم يكن بمعزل عن الحكمة الإلهية العظيمة أن يبعث الله رسله من الناس، مثلهم يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويتزوجون وينجبون، ويصحون ويمرضون، وتصيبهم الأدواء.ولكل إنسان أسوار لا ينبغي تقحمها ولا تجاوزها، ومداخل تناسبه بيد أنها تحتاج إلى اللطف والبصيرة وحسن التأتي.وحين قال الرسول -صلى الله عليه وسلم: (فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِى يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ..) (رواه مسلم).كان يرسم منهجاً نبوياً رائعاً في التعامل مع الآخرين، أن تضع نفسك في موضع الإنسان الذي أمامك وأنت تتعامل معه، ما الذي يروقه ويعجبه منك ؟أن تثني عليه بخير، ولا أحد إلا ولديه من الخير ما يمكن أن يثنى به عليه، وبصدق، دون خداع أو تزيّد .أن تعرب له عن محبتك وتقديرك لشخصه الكريم.. وكيف لا تقدّر إنساناً كرمه ربه واصطفاه وأحسن خلقه، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء:70)، (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (فاطر:32)، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين:4) .انظر في عينيه، وابتسم له بصفاء، وصافحه بحرارة، وتحدث إليه وأنت منبسط هاش باش، واختر الكلمات الجميلة السحرية...أُضاحك ضَيفي قَبلَ إِنزال رحله وَيُخصَب عِندي وَالمَحَلُّ جَديبوَما الخَصبُ للأَضياف أَن يَكثُر القِرى وَلَكِنَّما وَجه الكَريم خَصيبقبل أن تعطيه المال، أو توفر له الاحتياج، أو تجود عليه بما يطلب، أعطه وجهك وقلبك واحترامك وتقديرك، (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً) (البقرة: من الآية263) ، اصنع هذا لزوجك الذي تدوم معه عشرتك طوال الحياة، واصنعه لولدك الذي خرج منك فأصبح كياناً مستقلاً له شخصيته وتكوينه وحسابه ومسؤوليته الكاملة في الدنيا والآخرة .واصنعه مع زميلك في العمل أو شريكك أو جارك الذي تلقاه كل يوم أو كل صلاة.واصنعه مع الخادم أو السائق دون ازدراء لإنسانيته أو تحقير لشخصيته، واعتقد في داخلك أنه إن كان الله فضلك عليه في الدنيا بمال أو منصب فربما يكون فضله عليك في الآخرة بتقوى أو إيمان أو سريرة من إخلاص أو عمل صالح .واصنعه مع الغريب الذي تراه لأول مرة، وربما لا تراه بعدها لتوفر لديه انطباعاً إيجابياً عنك، وعن الفئة أو الجماعة التي تنتمي إليها، ولتمنحه قدراً من الرضا والسرور والفرح والاغتباط، وتبعث إليه برسائل من السعادة سوف يكافئك الله العظيم بما هو خير منها عاجلاً ، فالمعطي ينتفع أكثر من الآخذ؛ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً .واصنع ذلك بصفة أساسية لأولئك الناس الذين تريد أن توجههم أو تنتقدهم أو تقدم لهم نصحاً يحميهم من ردى أو يحملهم على هدى وأنت عليهم مشفق بار راشد فإياك أن تتعسف أو تتهم أو تجفو في أسلوبك فتحكم على محاولتك بالفشل المحتم حتى قبل أن تشرع فيها، وكان الإمام أحمد يقول: "قلما أغضبت أحداً قفبل منك".فإلى أولئك الذين يتبوؤون مقام التعليم والدعوة والإصلاح والاحتساب نهدي هذه الكلمات النورانية النابعة من عمق التجربة، والمتوافقة مع هدي الأنبياء ومنهجهم ، ونص القرآن ودعوته ، رزقنا الله الحكمة والبصيرة وكفانا شر نفوسنا الأمارة بالسوء .
6560
| 30 أكتوبر 2015
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); القدس أو بيت المقدس اسم إسلامي نبوي، وحين يقول ربنا سبحانه: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} (1:الإسراء)، فهو يربط المسجد الحرام بالمسجد النبوي بالمسجد الأقصى في منظومة واحدة، وإنما سمي أقصى بالنظر إلى المسجد الحرام، فهناك المسجد النبوي وهو أقرب، وهناك المسجد الأقصى الأبعد، ولكنه وثيق الصلة بالمسجد الحرام، وثيق الصلة بالرسالة المحمدية، وما قصة الإسراء والمعراج عن هذا ببعيد.وثمَّ ربط عربي، فالمؤرخون الثقات على أن الذين بنوا القدس هم "اليبوسيون"، المهاجرون من الجزيرة العربية، كما قال المؤرخ الأمريكي (أولبرايت) في دراسة مشهورة له، وكان (يبوس) أول اسم لها.والجزيرة هي الرحم التي تدفع بالهجرات إلى العراق والشام ومصر. هي أقدم مدينة تاريخية، عمرها أكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، فنحن الآن أمام ستة آلاف سنة، في مكان ضارب في أعماق الزمن وجذور التاريخ. هي أكثر المدن استحواذاً على اهتمام الباحثين، قد نتكلم عن ناطحات السحاب، والمراكز الاقتصادية و"ديزني لاند"، وواحات الاقتصاد.. لكن لا يوجد مدينة حظيت بأكثر من سبعة آلاف دراسة ما بين رسائل ماجستير، ودكتوراه، وبحوث متخصصة. في مدينة القدس أكثر من ألفي (أثر) تاريخي عربي وإسلامي. كانت نسبة العرب فيها أكثر من 64%، والبقية من أجناس شتى، واليهود ما بين 1.5 % إلى 4% فحسب. الآن مع التحولات الديموغرافية والألاعيب الصهيونية أصبحت نسبة اليهود تصل إلى ثمانين بالمائة، وأصبح سكان البلد الأصليون لا يُشكِّلون إلا نسبة ضئيلة!. موسى نبي لنا جميعاً، لأنه بُعث بالتوحيد، ومع ذلك فمرور بني إسرائيل على القدس كان عابراً، وحين قال لهم نبيهم: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}(22،21:المائدة).كان ياسر عرفات -رحمه الله- يقول: "نحن القوم الجبارين"!يرمي إلى قصة أن العرب هم المؤسسون والبناة الأصليون لهذه المدينة.فإن نظرت إلى جانب التاريخ فالعرب بُناتها، وإن نظرت إلى الجانب الإيماني فمحمد -صلى الله عليه وسلم- هو وريث الأنبياء السابقين كلهم، وهذا من أسرار حادثة الإسراء والمعراج.والمملكة التي أقامها بنو إسرائيل في القدس لم تدم أكثر من سبعين سنة.على أن الكتاب المقدّس يحكي أن الله تعالى قال لإبراهيم: «لنسلك أعطي هذه الأرض»، والعرب من ذرية إبراهيم.وإذا كان القوم في زمن موسى يترددون ويحجمون ثم يعلنونها صريحة أنهم لن يدخلوها -كما أمرهم الله- وليذهب موسى وربه فليقاتلوا!فإن أصحاب الأرض الحقيقيين يتربون أطفالاً دون الحلم، وشباباً في سن المراهقة، وشيوخاً أضناهم الكدح والتغرُّب والانتظار.. يتربّون على حب هذه الأرض وتقديسها والموت دونها، والتضحية الباسلة التي قلّ نظيرها في التاريخ.لا حاجة بعد هذا للبحث النظري في الأحقية بهذه الأرض، فقد قطعت جهيزة قول كل خطيب..استقبلت القدس جيش أبي عبيدة، ورفض أهلها أن يسلموها إلا بحضور الخليفة، وذهب عمر -رضي الله عنه- واستلم مفاتيح القدس، وأمَّن أهلها ولم يسفك المسلمون قطرة دم، وقام عمر بكنس القمامة من المسجد، تواضعاً لله، وتكريساً لمبدأ احترام المقدّسات وحفظ الحقوق.أصبحت كل دولة إسلامية تسعى لأن تضع لها بصمة في القدس، بنو أمية بنوا المسجد المرواني، وقبة الصخرة، وعملوا حدوداً وأسواراً.. وكان بعضهم يفكر أن يجعل القدس عاصمة لخلافته، وربما كان هذا باعتبارها مدينة مقدّسة، وربما كان لمصالح سياسية وصراعات داخل الصف الإسلامي.العباسيون أول وآخر مَنْ ضرب سكة (عملة نقدية) باسم بيت المقدس، وذلك في عهد المأمون. المظفر قطز، والسلطان قلاوون، وغيرهم من المماليك، كانوا يضعون بصمات ويضخون الكثير من ميزانية الدولة في البناء والإعمار والتشييد.العثمانيون عملوا عملاً عظيماً وجباراً وبنوا أوقافاً وأسواراً، ولا ينسى التاريخ موقف السلطان عبد الحميد، الذي جاءه اليهود وعرضوا عليه أموالاً ضخمة مقابل أن يتنازل لهم عن شبر في فلسطين، ورفض وهو يعلم أنه سوف يخسر سلطته لكنه لم يرد أن يُسجّل عليه التاريخ خيانة بيع الأرض المقدسة!اليوم تتعرض القدس لمحاولات مستميتةٍ لطمس هويتها، حاولوا تحويلها إلى مدينة يهودية بواسطة الأحافير فلم يفلحوا، حوّلوها إلى مدينة سياحية تستقبل أعداداً غفيرة من الناس، وتوفر لهم الترفيه كما يعبّرون! والفنادق والخدمات المختلفة.. مما يتنافى مع طبيعتها كمدينة مقدّسة محترمة عند شعوب العالم كلها وأديانها.التغيير الديموغرافي ماضٍ على قدمٍ وساق، وحين قامت دولة الكيان الصهيوني لم تمنح المقادسة الجنسية الإسرائيلية وأبقت جنسيتهم الأردنية، ثم سحبوها منهم فأصبحوا مواطنين بلا هوية، واضطروهم إلى الرحيل وكأنهم غرباء طارئون، وكأن القدس هي التي دخلت على الصهاينة وليسوا هم الذين دخلوا عليها!.تاريخياً كان المسلمون يحافظون على دماء خصومهم، وحين دخل صلاح الدين القدس لم يُعمل السيف في سكانها بل عالج مرضاهم، واحتاج في بعض ذلك للاستعانة بطبيبه الخاص.قبل مائة سنة من صلاح الدين قتل الصليبيون أكثر من سبعين ألف مسلم، دُفنوا في مقبرة معروفة في القدس اسمها مقبرة "مان الله".حين عاد إليها العرب المسلمون حولوها مركزاً للحضارة والمعرفة والمحافظة على الحقوق حتى إن أبا حامد الغزالي سكن المدينة وابتدأ كتابه العظيم "إحياء علوم الدين" فيها، ومثله الإمام الطرطوشي، وابن العربي.. وغيرهم.هناك الحنابلة الذين يسمون بـ"المقادسة"، وهم مدرسة متكاملة من العلم والفقه والأصول، ومنهم صاحب المغني رحمهم الله.للحديث صلة إن شاء الله.
2449
| 23 أكتوبر 2015
3660
| 16 أكتوبر 2015
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); مساؤكم مساء القدس الحزين تتلوى في قيودها، وتتوجّس من أقدام نتنة، تهدد بوطئها واجتياحها، وتعبث بدم أبنائهااشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي *** قَد آذَنَ لَيلُكِ بِالبَلَجِوَظَلامُ اللَّيلِ لَهُ سُرُجٌ ***حَتّى يَمحوهُ أبُو السُرُجِوَسَحَابُ الخَيرِ لَهَا مَطَرٌ *** فَإِذَا جَاءَ الإِبّانُ تَجيعندما تحلَّق الأحزاب حول المدينة.. بشَّر النبي -عليه الصلاة والسلام-أصحابه بالفتح.ما بقي عندي شك أن المقصود بـ(وَعْدُ الآخِرَةِ) في سورة الإسراء هو الصدام الأخير بين الصهاينة وبين أصحاب الحق، {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} (104:الإسراء)، وها قد جاء الله بهم لفيفاً من كل أنحاء الأرض، {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا} (7:الإسراء)، فهذا وعد حق قادم. القوة الغاشمة اليوم تتخذ القرار بتدنيس القدس، وبالإحراق، وبالتقسيم الزماني، وبالتقسيم المكاني.. وتفرض الأمر الواقع دون مبالاة.تتخذ القرار بطرد المرابطين والمرابطات، والتضييق عليهم، ووصفهم بأنهم مجموعات إرهابية.. تشعر بأنها سيدة الموقف تُعربد دون رقيب.الإدارة الصهيونية المتطرفة اليوم تشعر بأنها استطاعت تحييد الكثير من القوى في المنطقة، وأصبح بمقدورها أن تتصرف وفق مصالحها.يا آلَ إسرائيلَ.. لا يأخذْكم الغرورْعقاربُ الساعاتِ إن توقّفتْ، لابدَّ أن تدورْ..إنَّ اغتصابَ الأرضِ لا يُخيفنافالريشُ قد يسقطُ عن أجنحةِ النسورْوالعطشُ الطويلُ لا يخيفنافالماءُ يبقى دائماً في باطنِ الصخورْهزمتمُ الجيوشَ.. إلا أنكم لم تهزموا الشعورْقطعتم الأشجارَ من رؤوسها.. وظلّتِ الجذورْللحزنِ أولادٌ سيكبرونْ..للوجعِ الطويلِ أولادٌ سيكبرونْللأرضِ، للحاراتِ، للأبوابِ، أولادٌ سيكبرونْيا آلَ إسرائيلَ.. لا تسكروا بالنصرْ..إذا قتلتُم خالداً.. فسوفَ يأتي عمرْووإن سحقتُم وردةً..فسوفَ يبقى العِطرْفي المرة الأولى قال تعالى: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} (2:الحشر).نعم، هم أهل مكر، وتخطيط، ونفوذ سياسي، وتأثير إعلامي، وعندهم لوبيات تعمل باسمهم وتدافع عن قضاياهم.. لكن الله يأتيهم (مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا)، يأتيهم من داخلهم من قلوبهم، يأتيهم لا لينصرهم ويساندهم، بل ليخذلهم ويهزمهم، فهو الذي يحاربهم: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ)، ماذا تنفع الأسلحة النووية والقوى المدججة إذا وُجدت هزيمة نفسية داخلية؟ وماذا ينفع وقوف القوى الكبرى معهم إذا كان الله في صف المستضعفين المقهورين أصحاب الأرض؟!لكل الأولاد والبنات اليائسين المحبطين أقول: تذكّروا أن هؤلاء الشذاذ ظلوا آلاف السنين مشرّدين فوق كل أرض وتحت كل سماء.تذكّروا أن رحلة ألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، ليس المطلوب منا أن نحاول المستحيل أو نضرب الجدران برؤوسنا.المطلوب نصرة هذه القضية، ونصرة الشعب الأعزل، بالمقدور، بالمستطاع، بالممكن، بالواقعي ولو كان قليلاً، ولا تحقرن من المعروف شيئاً.لن يسألك الله عن الآخرين ماذا قدَّموا؟ وهل ثبتوا أم تراجعوا؟ وهل وفّوا أم غدروا..؟ سيسألك عن نفسك: {لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ}(165:الأنعام)، (إيش كنت تقدر تسوي؟ وإيش سويت؟).دعونا نجعل من نصرتنا للقضية استخدام لغة إيجابية، لغة متفائلة، لغة واعدة.. بدلاً من العويل، والإحباط، وشتم بعض، واليأس. استمرارنا في حياتنا العادية وبرامجنا ومشاريعنا -أياً كانت- لا يتعارض مع نصرة القضية ومراعاة المتغيرات، فليست قضية القدس قضية عابرة أو وقتية، هي قضية واسعة طويلة الأمد.ولكل الأبناء والبنات المستعجلين والغاضبين، والذين ينتظرون مفاجآت أو خوارق أو معجزات.. أنا مثلكم أؤمن بأن الله على كل شيء قدير.لكنه -سبحانه- لم يأمرنا بمجرد انتظار ما في الغيب، أمرنا باستدعاء ذلك بواسطة الدعاء والتضرع، وأن نُقدِّم ما في أيدينا، وهذا هو المطلوب.
2836
| 09 أكتوبر 2015
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); من الأبيات السائرة التي تتردد في عدد من السياقات العلمية والوعظية البيت اليتيم الذي ينسب إلى أبي إسحاق الغزي:ما مضى فاتَ، والمؤملُ غيبٌ ولكَ الساعةُ التي أنتَ فيهاوإذا صحّ زعم ابن أبي دؤاد في أن العربي شاعر بطبعه، ولابد أن يقول البيت والبيتين، فإن هذا يوشك أن يكون متحققاً في تعطل ملكة النقد والتمحيص العلمي للمعاني المبثوثة في الشعر، فقد جرى العرف لدى الكثير أن الخبر المخلَّد في الشعر لابد أن يكون صحيحاً، وأن الشعر كله حكمة.وفي لغة الشرع فإن (من الشعر حكمة)؛ كما عند الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهذا تبعيض يصدق على القليل والكثير، ولكن في محكم التنزيل ما يوحي أن الرشد في الشعر استثناء من القاعدة: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [الشعراء :224-227] .هذا البيت اليتيم لا يستقيم للنقد، وقد يصح أن الإنسان هو ما مضى وما يستقبل، وألا شيء بعد حاضراً، وأن الساعة التي أنت فيها هي نهب ماض، أو أمل مستقبل، ولا شيء فيها حاضر على التحقيق .وعناية البشر بالتاريخ ظاهرة؛ تدويناً لأحداثه، وترجماناً لأبطاله، وتحليلاً لدوافعه، بينما لا تجد الحفاوة ذاتها بأمور المستقبل، مع أن التاريخ إنما يقرأ ليعتبر به وتحفظ دروسه للزمن القادم.والإنسان مجبول على التطلع للمستقبل واستقراء أحداثه وتحولاته واستجلاء غوامضه وخوافيه، ولهذا أقرَّت الشريعة في هذا الباب ما كان نافعاً للعباد مبنياً على معرفة النتائج من أسبابها، أو إتيان البيوت من أبوابها، وفي قصة يوسف -عليه السلام- طرف من ذلك، يقول الله -تبارك وتعالى-: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)[يوسف: 47-49]، فهي رؤية مستقبلية ناضجة مستنيرة بنور الوحي والإلهام، ووضع للحلول والإستراتيجيات المكافئة، ورحمة بالعباد والبلاد.وهذا ما حاوله الغرب حتى أبدع فيه، وصار يعتني بدقة المعلومة، ويحسن توظيفها، ويدرس كافة الاحتمالات والتحوطات، لا رجماً بالغيب، ولا تظنياً وتخرصاً، بل بناءً على استقراء النواميس والسنن، والاعتبار بمعطيات اليوم، وتجارب الأمس.وفي التنزيل الحكيم: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)[البقرة : 144] .فهذا استشراف وترقب لتغيير وجهة الصلاة فاض من قلب المصطفى -عليه الصلاة والسلام- وامتد من جوانحه إلى جوارحه، فصار يقلب طرفه في السماء منتظراً شريعةً ربانية جديدة تحوّل قبلة الصلاة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، وهكذا كان.وربما تمنى وتطلع -صلى الله عليه وسلم- إلى المستقبل الذي لا سبيل إلى تحويله، ولكن الوله والشوق يحدو إليه، حتى إنه نام مرةً -صلى الله عليه وسلم- في بيت أم حرام بنت ملحان وهي تفلي رأسه ثم استيقظ وهو يضحك قالت: فقلت ما يضحكك يا رسول الله ؟ قال: « نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى عُرِضُوا عَلَىَّ ، غُزَاةً فِى سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ ، مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ» يشك أيهما قال، قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ. فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى عُرِضُوا عَلَىَّ، غُزَاةً فِى سَبِيلِ اللَّهِ ..» (الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما).وود أنه رأى إخوانه الذين لم يأتوا بعد، وحدّث بما لهم من الخصوصية والثواب.وجاءت مواعدة الخصوم عواقب ما تأتي به غِيَرُ الأيام كثيراً في الكتاب المبين: (قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ)[الأنعام:158]، وقال سبحانه: (فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ)[التوبة:52]، وقال: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)[ص:88] .وهذا التطلُّع للمستقبل ليس هروباً من الحاضر، ولا قفزاً على السنن الربانية، ولكنه الأمل الذي يدفع إلى العمل.أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِوالراشدون من رجال هذه الأمة المتبعون كانوا يعدون النظر في المستقبل، وتوقع أحداثه، والتحوط لها من الأسباب التي جاءت بها الشريعة، وكانت تخوفاتهم على الملة وأهلها ورجاءاتهم في حفظها وحياطتها ونصرتها تطلعات مستقبلية معززة بتلمس الأسباب فعلاً وتركاً؛ يفعلون هذا في أسفارهم، وتجاراتهم، وجهادهم، ودعوتهم.ومن ذلك كتمان الأخبار كما في فتح مكة مثلاً، أو إشاعتها كما في قصة دوس، وقول كعب بن مالك -رضي الله عنه:قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ وَخَيْبَرَ ثُمَّ أَجْمَعْنَا السُّيُوفَانُخَيِّرُهَا وَلَوْ نَطَقَتْ لقَالَتْ قَوَاطِعُهُنَّ: دَوْسًا أَوْ ثَقِيفًاوكان عمر -رضي الله عنه- محدّثاً ملهماً قلما قال لشيء: أظنه كذا.. إلا كان كما قال، وكان يقول:تَفَاءَلْ بِمَا تَهْوَى يَكُنْ فلقلما يُقَالُ لِشَيْءٍ كَانَ إِلا تَحَقَّقَاوهذا هو التفاؤل الإيجابي الحذر، وليس التمنيات العريضة الفارغة.وهكذا استقبلت أنفسهم خبر الصدق عن هذا الدين وأهله وما سيقع له من التفوق والانتشار، وما سيطرأ عليه من النقص والخلل والفتنة.كما أن من المحقق أيضاً أن الراشدين من رجال هذه الأمة لم يعتبروا هذه مواعدات شخصية لذواتهم، ولا تعذيراً للنفس بترك العمل والمجاهدة والتصحيح المفترض، ولا حجة شرعية بتجاوز الأسباب وإغفال السنن.حتى الموعودون بالجنة تبشيراً صادقاً لم يعن هذا لهم خروجاً على قانون الشريعة، ولا تنصلاً من الأمر والنهي، ولولا ما علم الله عنهم من الثبات على دينه ومحاذرة التجاوز ما كانوا أهلاً لذلك الوعد الكريم.ومن الخلل المصاحب لهذا الضرب في الحياة الإسلامية المعاصرة اعتبار ضمان المستقبل لهذا الدين، وهذه الأمة تكأة للقعود والتواكل ومضغ الحديث مكتفين بأن دين الله منصور، بينما هو منصور بجهود مباركة زكت فيها النية وحالفها الصواب، وقرأت المعطيات وتذرعت بالأسباب.ومن ذلك الغفلة الشديدة عن قراءة المقدمات والبوادر، والوقوع في أسر المفاجآت، والانسياق لردات الأفعال الوقتية العابرة دون أن نمتلك نظاماً فكرياً منهجياً جاداً، ولا رؤية موضوعية واعية، وربما صحّ هذا بإطلاق أو كاد، فالعالم الإسلامي بحكوماته ومؤسساته وتياراته يفتقر إلى مراكز الدراسات الحديثة التي تشكل "العقل المدبر" له.وفي تقديري أنه حتى في الدوائر الأكثر تحديداً فثمت غياب مخيف للتفكير الإستراتيجي المستجمع للشروط.وهذه دعوة إلى الجامعات العلمية والمؤسسات القادرة والتجمعات المهمومة بحاضر الأمة ومستقبلها أن تولي هذا الأمر اهتمامها، وأن تعنى بتربية شباب الأمة ورجالها على التفكير الواعي، وأن يجمعوا إلى الإخلاص الصواب.والمسلمون اليوم يعايشون أزمات متلاحقة تضرب في جوانب حياتهم كلها بلا استثناء، وفي دولهم كلها بلا استثناء، ولعله يصح لنا أن نقول بثقة: إن الأزمة في حقيقتها مقيمة مستقرة في ذواتنا وشخوصنا، وما الأزمات الطارئة إلا بعض تجلياتها وآثارها، وكأن العالم الإسلامي في حالة مخاض متواصلة يجد متاعبها وآلامها، ويدفع ثمنها، ولكنه لا يشهد لها أثراً ولا يبصر لها نهاية.وفي مثل هذه الحال يغدو التفريط والتساهل في دراسة المستقبل واحتمالاته ورسم الخطط المكافئة تفريطاً في الضروريات، وغفلة عما أوجب الله على العباد من التدبر والنظر والتخطيط، ولعل من أثر ذلك الانشغالات الجزئية بهموم خاصة عن هم الأمة الكبير.ولعل من طريف ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في أوقات الحرج يسائل أصحابه: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟»، والرؤيا الصالحة هي إحدى النوافذ إلى قراءة المستقبل إذا كانت على حد الاعتدال والتوسط، وسيرد عنها حديث خاص بإذن الله.إنه لمن المدهش أن تجد في ظل غياب التفكير الجاد في أمر المستقبل؛ سواءً كان المستقبل الشخصي للفرد في حياته العملية والاقتصادية والاجتماعية، أو المستقبل العام للأمة أو مجموعاتها أن تجد حضوراً مذهلاً للكهنة والعرافين والمنجمين الذين يفيضون على الناس خليطاً من التجربة العادية، ومن وحي الشياطين، ومن الحدس والبراعة، ومن الخداع والاستغفال، ويتفننون في توظيف المشتركات البشرية؛ التي لا يخلو عنها أحد فيستهوون بذلك السذج والبسطاء، ويخدّرون عقول العامة، ويتقحّمون حرمة الغيب المصون: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)[النمل:65]، وهذا ما تجده في برامج الحظ والأبراج في القنوات الفضائية أو الإذاعات أو الصحف، وهو ما تجده أيضاً في الزوايا المظلمة التي يقبع فيها السحرة ومستخدمو الجن والمشعوذون حيث تذبح الأديان والعقول، وتهدر الأموال بلا حساب .وللمرء أن يطول عجبه من أمر هذه الأمة في غفلتها عما أوجب الله عليها، وهجومها على ما حرّم، وانتهاك بعض منتسبيها لأستار الشريعة وادعاؤهم ما ليس لهم به علم .إن المنطقة الإسلامية تمر بتحولات عميقة، ولا أزعم أن ثمت تغييراً شمولياً يتم تحضيره، لكن ربما تشهد المنطقة أحداثاً جادة، وأزمة مفتوحة يعلم الله وحده نهايتها، وقد يحق لنا أن نتحدث عن فترة انتداب جديدة، وعن فوضى قد تضرب أجزاء من المنطقة في جانب أو آخر .وإذا كان هذا من الغيب، فهو من الغيب الذي جعل الله له مفاتيح تلتمس بدراسة المقدمات والأسباب، وقراءة الواقع في المنطقة ذاتها، وتحري أهداف السياسة الغربية، والأمريكية خاصة، في مرحلتها المقبلة والعوامل المؤثرة فيها، واستحضار التجارب المشابهة.فهل يصحو المخلصون من سباتهم ويتفطنون لهذا، وهل يستمع المعنيون إلى أصوات الرشد؛ التي تدعو إلى تجاوز الماضي، ومواكبة الأحداث، وتطوير الذات، والامتثال لمخاطبات التغيير الناصحة المشفقة (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)[هود:88].
6911
| 02 أكتوبر 2015
مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...
5148
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...
4941
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...
1674
| 13 مايو 2026
قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...
1116
| 13 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...
1038
| 11 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...
1005
| 14 مايو 2026
في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...
720
| 13 مايو 2026
إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...
714
| 14 مايو 2026
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...
681
| 12 مايو 2026
يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...
651
| 13 مايو 2026
أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...
603
| 11 مايو 2026
في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائما في...
558
| 12 مايو 2026
مساحة إعلانية