رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أما سوريا فقد ظلت تعمل بالقوانين العثمانية ومجلة الأحكام العدلية في فترة الانتداب الفرنسي باستثناء قانون الملكية الذي أصدرته سلطة الانتداب الفرنسي في كل لبنان وسورية عام 1930م، وبعد إعلان استقلال سوريا تغيرت القوانين، وأخذت عن القوانين الغربية، وبدأ ذلك عام 1947م، وفي عام 1949م، حدث انقلاب تشريعي نتج عنه ثلاثة قوانين: القانون المدني، وقانون العقوبات، وقانون التجارة، وهي مأخوذة عن القوانين المصرية والعراقية واللبنانية. وقد تم في أغلب البلدان الإسلامية العدول عن الشريعة إلى القوانين الوضعية، وأخذت بالنمط الأوروبي في الدساتير والأنظمة الإدارية. ولم يبق حتى عام 1966م، سوى السعودية وأفغانستان من الدول التي حافظت على النظام الإسلامي. وفي بحثه القيم: "الإسلام في المجتمع العربي" يعرض علي عبدالواحد وافي لاقتران القانون والتشريع بالأخلاق والعرف الاجتماعي، ويبدأ بحثه قائلا: إن مظاهر الانحراف عن الإسلام في المجتمع العربي ترجع إلى نوعين: أولهما: يتمثل في انحراف النظام والقوانين عن الإسلام، وثانيهما: يتمثل في انحراف الأفراد في حياتهم الخاصة. والنوع الأول أشد خطرا لأنه يؤدي إلى انحراف الأفراد ويصعب إصلاحه. وينقل "وافي" على بعض مواد قانون العقوبات المصري الخاصة بجرائم الزنا وهتك العرض؛ ثم يذكر أنه يتبين من هذه المواد أن الزانية لا توقع عليها عقوبة إذا زنت برضاها ولم تكن متزوجة، أو كانت متزوجة ولم يرفع زوجها الدعوى عليها.. كما أن الزاني لا يعاقب إذا زنى بامرأة غير متزوجة برضاها أو متزوجة ولكن زوجها لم يرفع الدعوى عليها أو رفعها ولم تسمع منه.. وإذا زنى الزوج خارج منزل الزوجية فإنه لا يعاقب...". إن هذه القوانين تعبر عن تقاليد الغرب وعرفهم الخلقي، ومعاييرهم للفضيلة والرذيلة، أما نحن فإننا لم نصل بعد إلى هذه الدرجة من الحضارة.. ونسأل الله سبحانه ألا نصل إليها. ومواد القانون المصري في هذه المسائل وغيرها لا تختلف كثيرا عن مواد القوانين في أكثر البلدان الإسلامية. ومن هنا نتبين كيف أثّر الغزو الفكري الحضاري الغربي على المسلمين، ودفعهم إلى سن قوانين تخالف أخلاقهم وعرفهم الاجتماعي، فضلاً عن مخالفتها لدينهم وشريعتهم. وبعد، فإن هذا "الغزو" الذي استمر في بلادنا الإسلامية، يخرب قيمنا وأخلاقنا وثقافتنا بعد انتهاء الاستعمار السياسي العسكري، لا يمكن أن يواجه بالسلبية والتجاهل، أو الحظر، وإنما يوجه بتيار مضاد يرده ويدفعه بعيدا عن أمتنا وعلينا أن ندرس كل وسيلة من الوسائل السابقة دراسة علمية مفصلة وجادة، ثم علينا أن ندرس طرائق دفع أذاها، وطرائق استبدال بآثارها الفاسدة ما هو صالح ونافع. والله الموفق.
329
| 29 أبريل 2013
كان جمود الفقهاء المتأخرين وسدهم باب الاجتهاد، وعدم مواجهة الفقهاء لما جدَّ من قضايا ومشكلات واجهت العالم الإسلامي في القرون الأخيرة ذريعة لبعض الحكام بررت لهم ترك الشريعة الإسلامية والأخذ بالتشريعات والقوانين الغربية. وقد بدأ العثمانيون يأخذون ببعض التشريعات والقوانين الغربية قبل سقوط الخلافة الإسلامية، ففي عام 1850م، أصدرت الدولة العثمانية قانون التجارة نقلا عن القانون الفرنسي. وفي عام 1858م، أصدرت قانون الأراضي ثم وضعت قانون الجزاء نقلا عن القانون الفرنسي ثم أدخلت عليه تعديلات كثيرة – فيما بعد – عن القانون الإيطالي. وقد جاءت بعض نصوص هذه القوانين متمشية مع الشريعة الإسلامية وبعضها الآخر مخالف لها، ومن ذلك فإن قانون العقوبات لم يقر العقوبات الشرعية كقطع يد السارق والجلد وما أشبه ذلك. وكذلك أجاز قانون أصول المحاكمات الحقوقية الفائدة في المعاملات المالية مما يتعارض مع تحريم الربا. أما في ميدان القانون المدني، فقد عينت الدولة العثمانية لجنة ألفت ما عرف بمجلة (الأحكام العدلية) التي تم ترتيبها عام 1876م، وتتناول أكثر أبواب فقه المعاملات آخذة بالمذهب الحنفي على الأغلب مع الأخذ ببعض الآراء من المذاهب الأخرى أحيانا، وفي عام 1917م أصدرت الدولة العثمانية قانون العائلة الذي تناول الأحوال الشخصية آخذاً بمذهب أبي حنيفة مع الأخذ ببعض المذاهب الفقهية الأخرى أحيانا. وفي عام 1924م، ألغيت الخلافة العثمانية وألغيت معها المحاكم الشرعية، وفي عام 1926م، تبنت تركيا قانون الموجبات للاتحاد السويسري ثم القانون المدني السويسري كما ألغت مجلة الأحكام العدلية وجميع الأحكام الشرعية الإسلامية. أما في مصر فقد كانت القوانين العثمانية معمولا بها لكونها جزءا من الدولة العثمانية، ولكن محمد علي باشا أنشأ عدة مجالس بجانب المحاكم الشرعية أخذت كثيرا من اختصاصها، ففي عام 1245 هـ، سُن قانون لضبط أحوال الزراعة سماه قانون حال الفلاح. وفي عام 1874م، (في عهد إسماعيل) تم استقلال مصر إداريا وقضائيا عن الدولة العثمانية، وتم بعد ذلك إنشاء عدة مجالس قضائية ثم صدر بعد ذلك في عام 1875م، القانون المدني المختلط وأنشئت المحاكم المختلطة التي يحاكم أمامها الأجانب، وفي عام 1883م، صدر القانون المدني الأهلي وأنشئت المحاكم الأهلية على أنقاض المجالس القضائية. وما حدث في تركيا ومصر حدث ما يماثله في أكثر البلدان الإسلامية، ففي لبنان وبعد الحرب العظمى الأولى وضع لبنان تحت الانتداب الفرنسي إلى أن استقل عام 1946م، وقد صدرت بعد الانتداب عدة قوانين مدنية غير مستمدة من الشريعة، مثل قانون الملكية الذي صدر عام 1930م، وقانون الموجبات والعقود الذي صدر عام 1932م، وقد ألغى جميع الأحكام الشرعية التي تخالفه، وصدر قانون أصول المحاكمات عام 1933م، وقانون العقوبات عام 1943م، وأخذت هذه القوانين عن القوانين الألمانية والفرنسية والسويسرية. أما الأحوال الشخصية فظلت تابعة لكل طائفة من الطوائف الدينية في لبنان، وفي المحاكم السنية ظل العمل بقانون العائلة العثماني بأرجح الآراء على مذهب أبي حنيفة. هذا وللحديث بقية.
837
| 22 أبريل 2013
ولم يكن هذا التطور مقتصراً على مصر، فقد شمل العالم الإسلامي كله، فقد ذكر خوجة بخش المسلم الهندي انحرافات حدثت في الهند، وكيف فقد الآباء سلطانهم على الأسرة، وتجاوز ذلك إلى الخمر والمقامرة. وانحرف الشعر والأدب، وطغت القصة على كل الفنون الأدبية ولكنها أصبحت نموذجا للانحراف والشذوذ، تقدم باسم الواقعية تارة، وباسم التحليل النفسي تارة أخرى، حتى صار فن القصة أشد خطورة من الكوكايين والحشيش والأفيون، وصار من أبشع وسائل الإفساد عند انتقال ميدانه إلى السينما. وقد بلغ التفسخ في البلاد الإسلامية إلى المناداة بالحرية الجنسية المطلقة وبوجوب فهم (الشرف) فهما جديدا لا علاقة له بالمحافظة على العرض، إذ الشرف عندهم يتمثل في الأمانة والصدق والوفاء بالعهد. وقد قام التبشير بدور كبير في الإفساد الخلقي في الفترة السابقة. أما في الفترة الأخيرة فقد قام بالدور الأكبر في هذا الميدان اليهود والصهاينة في العالم كله عامة وفي العالم الإسلامي بوجه خاص. وفي كتابه (جذور البلاء) يحدثنا مؤلفه عبدالله التل عن تجارة الجنس في إسرائيل، وكيف يسخر الجنس للحصول على أسرار ومعلومات من الأجانب الذين يزورون إسرائيل، بل ان قوات الطوارئ الدولية التي كانت مرابطة على حدود إسرائيل قبل نكسة عام 1967م، يقول عبدالله التل: "قلما تجد مراقبا للهدنة أو ضابطا من البوليس الدولي ليس له عشيقة يهودية يغرقها بالهدايا من الأقطار العربية التي يزورها". والحكومة الإسرائيلية تشرف على تنظيم عملية البغاء الذي يخدم أهداف الدولة السياسية، بالحصول على المعلومات، وكسب صداقة الزوار والسياسيين، كما أنها جزء من حملة الدعاية ضد العرب إذ أن بعض الأماكن تمارس فيها الدعارة بشكل رهيب، ناسبين ذلك إلى الحياة العربية الإسلامية زمن الخلفاء، ويطلقون عليها حفلات ألف ليلة وليلة. والدعوة إلى الإباحية الجنسية واضحة وصريحة في بروتوكولات حكماء صهيون وفي تعاليم الماسونية، وقد نجح اليهود في تأسيس نوادي العراة ونشر فكر الغربي، كما نجحوا في السيطرة التامة على صناعة السينما وتوجيهها إلى ما يخدم أهدافهم. ويقول عبدالله التل: "وهكذا يظل اليهود سادة الحياة الأمريكية الأوروبية، ومعاول الهدم في كيان المدنية الغربية. ولو اقتصر الأمر على أوروبا وأمريكا لما كان لنا أن نقلق أو نخاف، ولكنه سري في المجتمع العربي الإسلامي، وأخذ يعبث بقواعد المجتمع وأسسه المتينة على الأخلاق الإسلامية، وهكذا نرى أن هذه الوسيلة من وسائل الغزو الفكري قد دمرت أخلاق الأمة وبدلت أوضاعها الاجتماعية، وكثير من الشبان المسلمين ينساقون وراء هذا التيار الجارف وهم لا يعلمون أنهم بذلك يحققون أهداف أعدائهم، ويساعدونهم على اغتيال حضارتنا الإسلامية من داخلها. هذا وبالله التوفيق.
623
| 15 أبريل 2013
قال صاحبي: كيف أفسد الغرب أخلاقنا وغير حياتنا الاجتماعية.. أفدني أفادك الله؟ قلت: اقترن إفساد الأخلاق وتغيير الحياة الاجتماعية، في الأمة الإسلامية في القرون الأخيرة باستخدام وسائل الإعلام وبالحرب العلمية والفكرية، وتأثر أصحاب الاتجاهات الغربية بالحضارة الأوروبية، وطالبوا بتحرير المرأة من الجهل والحجاب، وتمكينها من أن تكون قوة فعالة في المجتمع، وقد ظهر بهذا الشأن كتابان لقاسم أمين، الكتاب الأول هو "تحرير المرأة" وقد طبع عام 1899م، والكتاب الثاني هو "المرأة الجديدة" وطبع عام 1900م. وطالب في الكتاب الأول بتقييد تعدد الزوجات ودافع عن مشروعية الطلاق في الإسلام ولكنه انتهى إلى "مشروع قانون للطلاق لا يتم فيه الطلاق إلا أمام القاضي في وثيقة رسمية بحضور شاهدين..". أما الكتاب الثاني "المرأة الجديدة" فيوضح فيه قاسم أمين: أننا قد ورثنا الصورة التي كوناها عن المرأة من العرب الذين قامت حياتهم على النهب والغزو، ومن ثم لم يكن فيها للمرأة نصيب تشارك به في الدولة ثم لم يكن لها نصيب في تربية الولد، لأن تربيته كانت مقصورة على تغذية جسمه ليشب مقاتلا لا عالما فاضلا. وقد هاجم علماء الدين قاسم أمين بشدة، وجرته مهاجمتهم إلى القسوة في الحكم على الحضارة الإسلامية في بعض الأحيان ويدعو قاسم أمين في نهاية كتابه دعوة صريحة إلى الأخذ بأساليب الحضارة الغربية؛ لأن إعجابنا الشديد بالماضي هو نتيجة لشعورنا بالضعف والعجز. ولكن الناس خطوا إلى أبعد مما نادى به قاسم أمين، فقد كان الرجل يريد أن يقف بالحجاب عندما أمر به الله، وأنه يدعو إلى ألا يجور الناس بتجاوز حدود الله. ولم يدع قاسم إلى اختلاط المرأة بالرجال ومراقصهم ولكن هو الذي خطا الخطوة الأولى في طريق كان لابد أن يسير الناس فيه من بعده خطوات. ولا ريب أن مسؤولية قاسم تتعدى ذلك لأنه دعا إلى الأخذ بالحضارة الغربية في جوانبها التربوية والاجتماعية، ففتح بذلك باب الشر على مصراعيه، فقد أخذت الأمور تتطور تطورا سريعا حتى انتشرت دعوة قاسم أمين في وقت وجيز، لقد تخطت المرأة المسلمة كل الحدود حتى أصبحت تظهر على شواطئ البحر في المصايف بما لا يكاد يستر شيئا وقد اقتحمت المرأة كل ميادين العلم والعمل، بل اشتركت في المظاهرات السياسية في ثورة 1919م، وكان على رأس المتظاهرين صفية زغلول حرم سعد زغلول وهدى شعراوي حرم علي شعراوي باشا، وتزعمت هدى شعراوي الحركة النسوية وتجرأت على ما لم تتجرأ عليه امرأة مسلمة من قبل، فسافرت إلى باريس وأمريكا لدراسة شؤون المرأة وأخذت تلقي بالتصريحات والأحاديث للصحفيين. وقد قامت معركة أخرى بمصر حول خلع الطربوش، واستبداله بـ"القبعة" وساهمت الصحافة المأجورة في هذه المعركة، وتصدى لها في ذلك وفي غيرة بعض الغيورين على دينهم وعلى رأسهم الأديب المسلم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله... هذا وللحديث بقية.
477
| 08 أبريل 2013
أدت وسائل الإعلام دوراً خطيراً في توجيه الرأي العام في العالم الإسلامي إلى الفكر الغربي وقيم الحضارة الغربية، وفي إبعاد المسلمين عن الفكر الإسلامي والقيم الإسلامية، واصطنع المستعمر الغربي العملاء عن طريق الحاقدين على الإسلام في الصحافة المصرية. وقد كانت بعض الجرائد التي اصطنعها المستعمر صريحة في تأييده والدعوة إلى أفكاره مثل جريدة "المقطم" – وتتبعها مجلة "المقتطف" – في حين كانت بعض الجرائد تتظاهر بموافقة الحركات الوطنية، ولكن أصحابها كانوا يضمرون العداوة للوطنيين المسلمين ويحاربونهم بطرق غير مباشرة. وقد أدت الصحافة دورها في تغيير الأخلاق والقيم الاجتماعية في العالم الإسلامي منذ وقت بعيد. ولعبت الصحف دوراً حاسماً في المعركة، بما كانت تنشر من صور للجمعيات النسائية وللأزياء، وما كانت تروى من أخبار النشاط النسوي الذي قل أن تخلو منه صحيفة. ففي عام 1938م، نشرت مجلة "الهلال" مقالاً للدكتور أمير بُقطر عن "التعليم المختلط وأثره في توجيه العواطف بين الجنسين"، كما نشرت مجلة (المقتطف) مقالاً يثني فيه كاتبه على فصل تركيا للدولة عن الدين، وحذت حذوها صحف أخرى كانت تغذي هذا الاتجاه بأسلوب خبيث وماكر. وقد تقدمت الصحافة في الطباعة والتصوير، واستخدمت كل الوسائل العلمية والفنية في توجيه الفكر والأخلاق اتجاها غربيا لا دينيا، وقد أصدرت (دار الهلال) مثلا عدداً كبيراً من المجلات التي أثرت تأثيراً كبيراً في المصريين والعرب. ويكفي أن نتذكر الدور الذي لعبه مؤسس تلك الدار وهو جورجي زيدان من تشويه لتاريخ الإسلام وطعن فيه ذلك في (روايات تاريخ الإسلام)، وقد قدم فيها جوانب من التاريخ الإسلامي معروضة بأسلوب قصصي يغري بالقراءة والمتابعة ولكنه يحوي قدراً من المغالطة. وقد تأثرت الصحافة العربية بوكالات الأنباء والجرائد الغربية وأكثرها خاضعة خضوعا كبيرا للسيطرة اليهودية الصهيونية، وقد عرض كثير من الكتاب للسيطرة الصهيونية على الصحافة ووسائل الإعلام في الغرب، بل قد أنشأ اليهود مجلة (الكاتب المصري) التي كان هدفها أن تستولي على مصدر الثقافة في بلاد العرب وتكون أداة لتوجيه أغراض بعينها قبل غزو فلسطين العربية عام 1948م، كما حاول اليهود الصهيونيون توجيه المسرح حتى أن أحد (رواد) المسرح في مصر كان يعقوب صنوع اليهودي الذي سبق أن تكلمنا عن دوره في الدعوة إلى العامية، فضلا عن سيطرتهم على السينما والفرق الفنية وغير ذلك مما له صلة بالإعلام في العالم كله. هذا وبالله التوفيق.
542
| 01 أبريل 2013
بدأت الحرب العلمية والفكرية ضد الإسلام منذ بدايته. فقد جاء الإسلام بدين نسخ الأديان كلها، وبشريعة كاملة ألغت المذاهب والنظم المعارضة له. ودخل الناس في دين الله أفواجا؛ فأوغر ذلك صدور المتعصبين والحاقدين، وكان المسلمون أقوياء وحطموا ملك الأكاسرة والقياصرة فلم تكن هناك وسيلة لهزيمتهم سوى المكر والخديعة. ووجدوا أن الحرب الفكرية هي وسيلتهم الوحيدة، واندسوا بين الفرق الإسلامية يوجهونها توجيها مضلاً، ويوسعون شُقة الخلاف بذلك بين المسلمين. وسلك اليهود نفس المسلك، وبدأت حربهم للإسلام منذ بداية بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، واستمرت أيام الخلفاء الراشدين، وقام عبدالله بن سبأ و"السبئية" بالتفريق بين المسلمين، وادعاء ألوهية علي رضي الله عنه. أما المسيحيون فقد عاشوا في ظل الدولة الإسلامية في أمن وطمأنينة، ومع ذلك بقي نفر منهم على عصبتهم على الإسلام. ثم بدأت الحروب الصليبية التي انتهت بهزيمتهم، ولم تكن الحروب الصليبية عسكرية فقط، وإنما كانت حروبا فكرية أيضا، فقد بدأ رجال الكنيسة يقبلون على دراسة الإسلام وحضارته، ونشأت منذ ذلك الوقت حركات التبشير والاستشراق التي استمرت حتى يومنا هذا. وقد تعاونت الصليبية والصهيونية في حربهما العلمية والفكرية ضد الإسلام، ويكفي أن أكثر معاهد الاستشراق في الدول الغربية يشرف عليها مسيحيون مبغضون للإسلام، أو يهود صهيونيون. ونحن لا ننكر أن نفرا قليلا من هؤلاء المستشرقين كانوا منصفين في بعض ما كتبوه عن الإسلام، ولكنهم في الأغلب الأعم إنما قصدوا بأبحاثهم مصلحة دينهم وبلادهم، ولم يقصدوا وجه الحق والبحث الموضوعي النزيه. ولعل أخطر نتيجة للحرب العلمية والفكرية التي شنها المستشرقون على المسلمين ظهور عدد من تلاميذهم والمعجبين بأفكارهم من المسلمين، ممن أخذوا يرددون آراءهم ويروجون لمفترياتهم. وقد عرض لآراء المستشرقين وتلامذتهم، كُتَّاب كثيرون، منهم محمد محمد حسين في كتاب "الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر"، ومحمد البهي في كتاب "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي". واقترن الغزو الفكري منذ بداية القرن الماضي ببعض المذاهب الفكرية والدعوات الهدامة التي اقترن أكثرها بالصهيونية العالمية، مثل آراء فرويد في علم النفس، وبعض آراء دوركيم في علم الاجتماع، وآراء الماركسية في المادية الجدلية والتاريخية. وقد تصدى كثير من العلماء والكتاب للرد على هذه الدعوات ولا ريب أن الأمة الإسلامية قد رفضت أكثر هذه الأفكار والآراء لتعارضها الصريح مع العقيدة الإسلامية.. ومبادئ الإسلام. ومما لاشك فيه أن عمل المعاصرين من علماء الإسلام في الرد على هذه الحرب العلمية والفكرية، يحتاج إلى المثابرة والجهد، لذا يجب أن يواجه هذا الفكر بفكر صحيح قائم على الدراسة الجادة العميقة، فضلاً عن الإصلاح الشامل، خاصة الإصلاح الاجتماعي والخلقي الذي يغلق الأبواب أمام كل انحراف وضلال. والله من وراء القصد.
2528
| 25 مارس 2013
لا شك أن الباعث الحقيقي في رأي القائمين على التبشير إنما القضاء على الأديان غير النصرانية توصلا إلى استعباد اتباعها، إن المعركة بين المبشرين وبين الأديان غير النصرانية ليست معركة دين، بل هي معركة في سبيل السيطرة السياسية والاقتصادية، وقد بدأ التنصير عمله بأسلوب صريح مكشوف، يقوم على الدعوة المباشرة لنبذ الإسلام واعتناق المسيحية، وكان المنصرون يتلقون دراسات خاصة بذلك. ولقد استخدم المنصرون جميع الوسائل التي تبلغهم أهدافهم مثل: الوعظ، والتعليم والتمريض، وأعمال البر والخدمات الاجتماعية، وتقول إحدى المبشرات إن نفرا من الأطباء المبشرين أنشأوا مستوصفا في بلدة الناصرة في السودان، وكانوا لا يعالجون المريض إلا بعد أن يعترف بأن الذي يشفيه هو المسيح، وفي الحبشة كانوا لا يعالجون المرضى قبل أن يركعوا، ويسألوا المسيح أن يشفيهم. إن هذا الأسلوب المباشر أدى إلى رد فعل عند الشباب المسلم المثقف، فكان ذلك سببا في تغيير خطة المبشرين تجنبا لاستثارة مشاعر المسلمين، وكان المبشرون يعقدون مؤتمرات دورية لمراجعة أعمالهم، وقد اجتمعوا في مؤتمر القاهرة عام 1906، وبعد هذا المؤتمر صار المبشرون يلقون محاضرات في موضوعات اجتماعية وخلقية وتاريخية، لا يستطردون فيها إلى مباحث الدين. وبعد مضي ثلاث سنوات من هذا المؤتمر تمكن فيها المبشرون من أن يتوصلوا إلى النتائج الآتية: * أإنهم عرفوا أحوال البلاد، وأفكار المسلمين وميولهم وشعورهم. * إنهم حصلوا على ثقة عدد من المسلمين بهم. * إن المبشرين تحققوا من أنهم بتوددهم للمسلمين يمكنهم أن يدخلوا إلى قلوبهم. * نجح المبشرون بعد تغيير خططهم في إخراج المسلمين من الإسلام بدلا من ادخالهم في المسيحية، ولقد كان التعليم أهم الوسائل غير المباشرة التي ساعدت على تحقيق ذلك (كما سيأتي فيما بعد). وعلى الرغم من تجنب الوسائل المكشوفة المباشرة فإن التنصير لم ينس مطلقا هدفه الأساسي، ولذلك فإن العلاج الطبي استخدمه ببراعة في هذا السبيل، ويذكر أن الأمريكيين هم أول من استخدم هذه الوسيلة وأنهم اعتبروا الطب "مشروعا مسيحيا"، وعلى الرغم من تجنب الوسائل المباشرة، أيضا فإن التغيير لجأ إلى تبني الأطفال اللقطاء والأيتام في كثير من البلدان الإسلامية، ويتبع ذلك عادة تنصيرهم. وحتى الكشوف الجغرافية كانت في كثير من الأحيان للتنصير، فدافيد لفنجستون الرحالة البريطاني المعروف كان مبشرا، وكان من أهم أهداف رحلته اكتشاف الطرق التي يمكن أن يسلكها المبشرون من بعده أثناء عملهم في إفريقيا الاستوائية. هذا وبالله التوفيق.
1893
| 19 مارس 2013
كان من أهم مرامي المستعمر الغربي القضاء على اللغة العربية حتى يضمن بذلك قطع الصلة بين المسلمين وتراثهم العربي الإسلامي، خاصة كتاب الله الذي يريدون أن يصبح كتابا غير مفهوم إذا هجروا الفصحى واكتفوا باللهجات المحلية. ومن هنا كانت الحرب التي شنّها الغرب على لغتنا ذات شقين: الأول يرمي إلى إبعاد المسلمين والعرب عن لغتهم وبذلك يقل علمهم وتضعف معرفتهم؛ والثاني يهدف إلى إزاحة الفصحى وإحلال اللهجات المختلفة في البلاد العربية مكانها. لذا فرض المستعمرون لغاتهم في بعض البلاد العربية في المدارس في مراحلها الأولى، ومنعوا العربية كما حدث في تونس والجزائر، واكتفوا في بعض البلاد بجعل لغاتهم أساسية مع العربية كما حدث في مصر. وفي مصر، قد بدأ تدريس كثير من العلوم بالانجليزية ابتداءً من السنتين الثالثة والرابعة الابتدائيتين عام 1888م، وفي عام 1891م، تقرر جعل التعليم بالانجليزية ابتداءً من السنة الثانية الابتدائية ثم في عام 1901م، تقرر تعليم الانجليزية في السنة الأولى الابتدائية، بل ذكر كرومر في تقريره السنوي لعام 1904م، أنه كانت هناك محاولة لإدخال الانجليز في الكتاتيب المصرية. وفي تقرير له يقول دانلوب (مستشار التعليم) إن التجربة برهنت على أن ذلك ضار بمكانة التعليم في المدارس – إذا جعل فيها التعليم بالعربية – وسيمنع المصريين من متابعة العلوم العصرية، لأن ذلك يفتح باب الترقي في الوظائف العالية بالحكومة. أما الدعوة إلى استبدال الفصحى باللهجات العامية فهي دعوة قديمة خطط لها الغرب منذ القرن الثامن عشر؛ ففي إيطاليا درست العامية العربية في مدرسة نابولي للدروس الشرقية التي أنشئت عام 1727م. وجُددت عام 1888م، وفي النمسا أنشئت مدرسة في فيينا عام 1754م، لتعليم لغات الشرق ومنها العربية، وجددت عام 1851م، وفي فرنسا أنشئت مدرسة بباريس للغات الشرقية عام 1759م، وكذلك الأمر في انجلترا وألمانيا وغيرهما. وقد كان أول مؤلف أجنبي خصص لدراسة العامية المصرية هو قواعد العربية العامية في مصر وقد ألفه ولهلم سبيتا عام 1880م، ومن الأجانب الذين دعوا إلى العامية وليم ويلكوكس المبشر الانجليزي. وقد نقل إلى العامية المصرية بعض مؤلفات شكسبير عام 1892م، كما ترجم الإنجيل إلى العامية عام 1925م. وقد أدت الدعوة إلى العامية إلى قيام كثير من العرب للرد عليها وكشف أهدافها مما أدى إلى إخفاقها، ولذلك لجأ أولئك الدعاة إلى طرق ملتوية، مثل الدعوة إلى تمصير العربية التي دعا إليها أحمد لطفي السيد، والدعوة إلى استعمال الحروف اللاتينية في الكتابة بدلا من العربية التي دعا إليها عبدالعزيز فهمي باشا. وتصف الدكتورة نفوسة زكريا واحدة من هذه الدعوات المغرضة بأنها: "يريد أن يباعد بيننا وبين القرآن ويحرمنا من تلك النعمة التي خصنا الله بها وهي معرفتنا للغة والقواعد التي تقوم عليها". ومن الغريب أن يدعو بعض العرب والمسلمين إلى ترك اللغة العربية الفصحى وهي أعظم اللغات الحية، في نفس الوقت الذي أحيت فيه إسرائيل العبرية وهي لغة قديمة ميّتة.
10245
| 11 مارس 2013
الحرب الإسلامية حرب حماية ووقاية، وحرب فضيلة وتعمير، فالشريعة السمحاء لم تتخذ من الحرب وسيلة للقهر والإبادة وإنما إباحتها عند الضرورة علاج لمرض لم تجد معه توجيها وإرشادا، فكان لا مفر من مواجهة الباطل بقوة الحق، ليدفع الحق الباطل، وتظل كلمة الله هي العليا. وما دامت الحرب في الإسلام حرب حماية للإنسان وغيره من الكائنات التي سخرت له، فإن البيئة تعد المجال المكاني الذي يعيش فيه الإنسان بما يضم من مخالفات طبيعية وبشرية يتأثر بها ويؤثر فيها. ووفق هذا المفهوم للبيئة يتبين أنها تتكون من ثلاثة محيطات متداخلة متفاعلة متبادلة التأثير والتأثر وهي: 1- المحيط الحيوي: وهو بيئة الحياة الفطرية أو الموارد التي أتاحها الله للإنسان مثل الهواء والماء والتربة والمعادن... إلخ. 2- المحيط المصنوع: ويتكون مما شيده الإنسان في البيئة مثل المراكز الصناعية والتجارية وطرق المواصلات... إلخ. 3- النظام الذي تدير في حدوده المجتمعات الإنسانية شؤونها الاجتماعية والاقتصادية مثل الأعراف والعادات الاجتماعية. والحرب وإن كانت سفكاً للدماء وتدميرا في بعض الأحيان لوسائل الحياة فإنها في الإسلام مفيدة وبمثل تقف عليها بأن تكون سلاحاً للتعمير ووسيلة لإنقاذ الحياة الإنسانية من الذين يسعون في الأرض ليفسدوا فيها ويهلكوا الحرث والنسل ويمكن استنباط ما يلي حول حماية الشريعة للبيئة زمن الحرب. أ – إن تضييق دائرة المعارك الحربية وقصرها على الأهداف العسكرية يحولان دون أن تتعرض البيئة بعناصرها المختلفة للتدمير وكذلك البيئة المشيدة كالمصانع والمزارع والحيوانات وما إلى ذلك. ب – ونتيجة لتضييق دائرة المعارك ومقاتلة المحاربين دون سواهم والأخذ بمنطق الرحمة والرأفة وجنوح العدو إلى السلم وعدم اللجوء إلى القتل، ومراعاة حرمة الميت ودفنه وبذلك تحمي الشريعة البيئة من التلوث. وعلاوة على أمر تضييق المعارك.. فإن هناك توجيهات أو نصائح تحض على حراسة البيئة وعدم التعدي عليها. ومن أهم هذه التوجيهات ما جاء في وصية أبي بكر لأسامة بن زيد قال له أبوبكر: "لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا.. ولا تقتلوا طفلا صغيرا أو شيخا كبيرا ولا امرأة ولا تقطعوا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكله...". هذه الوصية تعد دستورا في آداب الجهاد في الإسلام، إلا أن بعض الفقهاء قد ذهبوا إلى أنه يصبح هدم البناء وقطع الأشجار مباحا واحتجوا في ذلك بما يلي: 1- قوله تعالى: "ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله" فهذا يسوغ قطع النخلة على سبيل الجواز. 2- إن المؤمنين خربوا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بيوت بني النضير وذكر القرآن فيهم أنهم يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. 3- إن النبي صلى الله عليه وسلم - فيما يروى - أمر بتحريق قصر مالك بن عوف وأمر برمي حصن ثقيف بالمنجنيق. 4- إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقطع كروم ثقيف. قال صاحبي: إن المغرضين يتربصون بنا وخصوصا في هذه الأيام التي يسيئون فيها إلى رسولنا بالسب فلما يقرأون هذه الشبهات سينالون منا كمسلمين. قلت: الرد على هذه الشبهات تحت أيدينا أما بيوت بني النضير فيجب أن تخرب لأنهم اعتصموا بها وانزلوا الأذى بالمسلمين فكان لابد من زوال اذاهم بتخريبها ولأن ثقيف اعتصموا بحصونهم كان لابد انزالهم منها وقد كانوا قوما غلاظا أشداء بهم قسوة. أما قطع كروم الطائف فلأن أهل الطائف كانوا يتخذون منها الخمر.
453
| 04 مارس 2013
قلت لصاحبي: ما هي المنطلقات الفكرية النسوية البيئية؟ قال: نستطيع أن نقول إن النسوية البيئية لا تدعو إلى التماهي مع الطبيعة فقط، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، ومن وجهة نظر حقوقية، إلى محاربة كل المؤشرات والمظاهر "الأبوية" التي تستهدف – في رأيهم – الطبيعة والنساء على حد سواء، فالمشكلة لا تكمن في عدوان البشر على الطبيعة، ولكن تكمن بشكل أساسي في مركزية السلطة الذكورية وعدم اكتراثها بأهمية وجود المرأة. شهدت السنوات الأخيرة من القرن الماضي اهتماماً بالغاً بكل من حركة النساء والحركة البيئية وقد حاجج كثير من مفكري النسوية بأن أهداف هاتين الحركتين مترابطة ومتبادلة التآزر، ففي المآل كلاهما يتضمن تطوير نظرته إلى العالم وممارسات خالية من نماذج الهيمنة المنحازة ذكورياً. وقد عبرت عن ذلك روزماري راد فورد في كتابها "المرأة الجديدة.. أرض جديدة" عام 1975 قائلة: "ينبغي أن تدرك النساء أنه ليس بالمستطاع تحريرهن.. فيجب عليهن توحيد مطالب حركتهن مع الحركة البيئية بغية تصور إعادة تشكيل جذرية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وفي أوائل السبعينيات من القرن المنصرم دافع كثير من النسويين الاكولوجيين عن الموقف الأساسي ألا وهو أن "البيئة" قضية نسوية". وفي الثمانينيات من القرن ذاته مع تصاعد الكوارث البيئية، دخل النسويون في الموضوع البيئي بقوة أكثر، وتصدرت النسوية الهندية فاندانا شيفتيارا نسويا بيئيا ارتفعت شعبته في دول العالم الثالث ومفاد مقولتها: إن المرأة تتعرض لنفس أنماط الاستغلال التي تتعرض لها الموارد الطبيعية بفعل العالم العربي والتطور الرأسمالي كلاهما يشتركان في الاستغلال العالم الغربي يستغل الطبيعية ويحيلها إلى طرف سلبي والرأسمالية تستغل المرأة وتحيلها إلى طرف سلبي. وترى فاندانا أن المجتمع الأصولي كان موجوداً في مواطن شتى من الثقافات البدائية قبل أن يقضى عليه المد الاستعماري واستبدل به المجتمع البطريركي، لأنه الشكل الذي اتخذته الحضارة الغربية المحتلة، مثلما قضى على مساحات شاسعة من الغابات الافريقية بزعم التحديث بالزراعة الممكنة، وفرض أشكال أخرى من تكنولوجيا غير ملائمة تنال من التوازن البيئي بغير داع، ومن أجل انقاذ البيئة، دافعت عن انطولوجيا نسوية يترابط فيها المجتمع بالطبيعة، كمقابلة للانطولوجيا الذكورية الغربية القائمة على الانفصال عن الطبيعة كآخر، فكان ما كان من كوارث استعمارية وبيئية.
1728
| 25 فبراير 2013
قلت لصاحبي المتخصص في الدراسات البيئية: هلا حدثتنا عن النسوية البيئية؟ قال: حباً وكرامة، ولكن هذا يستدعي الرجوع إلى النسوية الجديدة، التي ترى أن هناك ثلاث مقهورات "المرأة والطبيعة وشعوب العالم الثالث"، وربطت النسوية بين تلك الثلاث بسلطة الرجل الأبيض المركزية، وترى أنه لابد من ظهور فلسفة تنقض تلك المركزية الجائرة وتقر بقيمة تلك الأطراف وحقوقها، وبالتالي تصون الحقوق التي أهدرت للمرأة وللطبيعة ولشعوب العالم الثالث. فإن من الممكن فهم تلك المقهورات الثلاث من وجهة نظر المرأة في الدول التي استعمرت من قبل، لكن كيف يتم فهم هذه النظرية من قبل المرأة الغربية التي لم تخضع للاستعمار؟ وكاتب السطور يخالف هذا الرأي في مسألة عدم خضوع المرأة الغربية للاستعمار، بل إنها كانت طرفاً للاستعمار ومعها أوروبا كلها. صور توفيق الحكيم في مؤلفه "عصفور من الشرق" أن قارة أوروبا الشقراء الجميلة تتمرد على أبويها (آسيا وإفريقيا) وتقيدهما بالقيود بل وتستعمرهما. كما صور نجيب محفوظ في روايته "زقاق المدق" القوَّاد إبراهيم فرج، الذي أجمع النقاد على أنه يمثل الاستعمار، ومركزية السلطة الذكورية لا يبالي بأهمية وجود المرأة. بينما كانت حميدة تمثل مصر المحتلة المهيضة الجناح (على عكس الشقراء الجميلة المتمردة). تلك الأطروحات التي اصلتها النسوية الجديدة تحتاج إلى محاولة تفكيكية حتى نقف على المضمون الحقيقي، فالنسوية البيئية غايتها الدفاع عن البيئة ومقاومة التلوث، ونشأت هذه الحركات الايكولوجية نتيجة الوعي بالمخاطر التي تعرضت إليها البيئة في الحضارات المصنعة، ثم تحولت هذه الحركات إلى جمعيات وأحزاب سياسية في أوروبا في ثمانينيات القرن المنصرم وانتقلت منها إلى دول وبلاد العالم. وجدير بالذكر أن مفهوم الأيكولوجيا ارتبط بعلم البيولوجيا، وسرعان ما نما هذا العلم وتطور ليكتسح ميادين ومجالات جديدة وينفتح على اختصاصات علمية وطبيعية كثيرة، فمجال هذا العلم واسع جداً، وهو يشمل اختصاصات متنوعة. أول من صك مصطلح، النسوية البيئية، فرنسواز دوبين في كتابها "النسوية أو الموت" في عام 1974 ويتفق أنصار هذا التيار على وجود روابط مهمة بين السيطرة على النساء والسيطرة على الطبيعة، وعلى أن فهم هذه الروابط ضروري للمذهب النسوي، والغرض من وجود التيار النسوي المهتم بالبيئة هو إبراز وجود السيطرة المزدوجة على المرأة والطبيعة وتوضيح طرق هذه السيطرة وإجراء التحليلات والممارسات التصحيحية متى كان ذلك ضرورياً. وقد بدأت "الايكوفمنزم" كحركة اجتماعية معنية بقضايا اضطهاد المرأة والطبيعة في آن، لتتحول إثر ذلك الربط الموضوعي بين الحركتين إلى حركة تحررية كبرى صارت تعنى بمناهضة كل ما يشي بالتفرقة أو الاضطهاد العرقي أو الطبقي أو البيئي. هذا وللحديث بقية إن شاء الله.. وبالله التوفيق.
1885
| 18 فبراير 2013
فيما يتعلق بالأخلاق والحفاظ على البيئة، فقد عرض ابن طفيل في قصته المشهورة (حي بن يقظان) رؤية فلسفية أخلاقية حول علاقة الإنسان ببيئته وأهمية الحفاظ على الحياة البرية، فيرى أن الأخلاق الحميدة هي التي لا تعترض الطبيعة في سيرها والتي تحول دون تحقيق الغاية الخاصة بالموجودات، فالفاكهة مثلا تخرج من زهرتها ثم تنمو وتنضج ثم تسقط نواها على الأرض ليخرج من كل نواة شجرة جديدة، فإذا قطف الإنسان هذه الثمرة قبل إتمام نضجها، فإن عمله هذا يعد بعيداً عن الأخلاق، لأنه يمنع النواة التي لم يتم نموها ونضجها، قبل أن تحقق غايتها في هذا الوجود وذلك بإخراج شجرة من نسلها. وذهب ابن طفيل إلى أبعد من هذا فقال: "إن الأخلاق الكريمة تحتم على الإنسان إزالة العوائق التي تعترض النبات والحيوان في سبيل تطوره وتحقيق غايته من الوجود، فإذا وقع نظره على نبات حجبه عن الشمس حاجب أو تعلق به نبات آخر يؤذيه وجب على الإنسان إزالة هذا الحاجب". اعتمد الفقه الإسلامي في هذا الميدان على قاعدتين أساسيتين: القاعدة الأولى: "لا ضرر ولا ضرار". القاعدة الثانية: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح". وانطلاقاً من هاتين القاعدتين، كان من سلطات المحتسب منع كل ما يؤدي إلى تلوث البيئة، فقد كان يمنع طرح النفايات في الأسواق والطرقات، كما يمنع الخضرايين والفاكهيين وغيرهم من طرح ازبالهم في الطرق، كما كان يتخذ مكانا لبائعي الأسماك بمعزل عن السوق حرصا على عدم تلويث السوق. ومن العوامل التي تؤخذ في الاعتبار عند تأسيس المنشآت التجارية والصناعية في المدن الإسلامية القديمة، حيث كانت هناك ترتيبات معينة تخص المنشآت التي تتسبب في حدوث الدخان أو الروائح الكريهة أو الصوت المزعج، لذلك كان يراعى عند إنشاء هذه المؤسسات أن توضع في أماكن يمكن معها تجنب ما قد ينشأ عنها من أضرار. وإذا حدث – مع تزايد نمو المدينة وزيادة رقعتها – أن تأثرت المناطق الجديدة بهذه النوعية من المنشآت فإن المحتسب يتدخل في التحكم في ثبات مصدر الضرر لمنع زيادته بالتوسع والإضافة. وقد أبرز ابن عقيل هذه الحقائق في وصفه لبغداد حيث يقول: "وكانت أسواق الكرخ وباب الطاق لا يختلط فيها العطارون بأرباب الزهائم (الرائحة الخبيثة)....". وقد أصدر الفقهاء والقضاة أحكاماً ضد المنشآت الملوثة للبيئة خلال القرن السابع عشر الميلادي ومن ذلك التاريخ نقل المدابغ من الأماكن السكنية حفاظاً على البيئة من التلوث، فقد جاء في نوازل النشريستي: "سئل ابن زيتون عن مسجد قديم خرب من الدور فجعل دورا للدبغ ثم بعد زمان قام محتسب وقطع تلك ونقلت خارج البلد، ثم أراد الآن بعض أهل تلك الدور أن تعود دورا للدبغ، فمنعهم أهل المسجد وقالوا تدركنا الأنتان والقاذورات...".
1099
| 11 فبراير 2013
مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...
5979
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...
5772
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...
1764
| 13 مايو 2026
قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...
1152
| 13 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...
1122
| 14 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية...
885
| 16 مايو 2026
إن جوهر الوعي المجتمعي هو إدراك الأفراد لمسؤولياتهم...
771
| 14 مايو 2026
في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...
753
| 13 مايو 2026
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...
705
| 12 مايو 2026
يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...
672
| 13 مايو 2026
الوعي هو حالة إدراك الإنسان لذاته ولمحيطه، وقدرته...
618
| 14 مايو 2026
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...
594
| 18 مايو 2026
مساحة إعلانية